John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 70 of 107

واستخلف عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وهو اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص مما يلي بلاد قنسرين يوج الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وقبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وقبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية، معظم يغشاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية، لم يتعرض لنبشه فيما سلف من الزمان كما تعرض لقبور غيره من بني أمية. وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وقيل: إنه قبض وهو ابن أربعين سنة، وقيل: إحدى وأربعين سنة. وقد تنوزع أيضا في مقدار مدته في الخلافة، وقد أتينا على المحصل من ذلك في باب مقدار المدة من الزمان وما تملكت فيه بنو أمية من الأعوام، فيما يرد من هذا الكتاب.

** ذكر لمع من أخباره وسيره وزهده رضي الله عنه **

** كيف آلت الخلافة لعمر **

لم تكن خلافة عمر في عهد تقدم: وكان السبب فيها أن سليمان لما حضرته الوفاة بمرج دابق دعا رجاء بن حيوة ومحمد بن شهاب الزهري ومكحولا وغيرهم من العلماء ممن كان في عسكره غازيا ونافرا، فكتب وصيته، وأشهدهم عليها، وقال أنا مت فأذنوا فأذنوا بالصلاة جامعة، ثم أقرؤا هذا الكتاب على الناس، فلما فرغ من دفنه نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وحضر بنو مروان فاشرأبوا للخلافة، وتشوفوا نحوها، فقام الزهري فقال: أيها الناس، أرضيتم من سماه أمير المؤمنين سليمان في وصيته. فقالوا: نعم فقرأ الكتاب فإذا اسم عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فقام مكحول فقال: أين عمر بن عبد العزيز. وكان عمر في أواخر الناس، فاسترجع حين دعي باسمه مرتين أو ثلاثا، فأتاه قوم فأخذوا بيده وعضديه، فأقاموه، وذهبوا به إلى المنبر فصعد وجلس على المرقاة الثانية، وللمنبر خمس مراقي، فكان أول من بايعه من الناس يزيد بن عبد الملك، وقام سعيد وهشام فانصرفا. ولم يبايعا، وبايع الناس جميعا، ثم بايع سعيد وهشام بعد ذلك بيومين.

** خلق عمر ودينه **

وكان عمر في نهاية النسك والتواضع، فصرف عمال من كان قبله من بني أمية، واستعمل أصلح من قدر عليه، فسلك عماله طريقته، وترك لعن علي عليه السلام على المنابر، وجعل مكانه ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك غفور رحيم وقيل: بل جعل مكانه ذلك " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " الآية، وقيل: بل جعلهما جميعا، فاستعمل الناس ذلك في الخطبة إلى هذه الغاية.

** بين السدي وعمر **

ولما استخلف عمر دخل عليه سالم السدي، وكان من خاصته، فقال له عمر: أسرك ما وليت أم ساءك. فقال: سرني للناس وساءني لك قال: إني أخاف أن أكون قد أوبقت نفسي، قال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، إني أخاف عليك أن لا تخاف، قال: عظني، قال: أبونا آدم اخرج من الجنة بخطيئة واحدة.

** وكتب طاوس إلى عمر: **

إن أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.

** أول خطبة لعمر **

ولما أفضى إليه الأمر كان أولى خطبة خطب الناس بها أن قال: أيها الناس، إنما نحن من أصول قد مضت وبقيت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله، وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نضب المصائب مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله.

** بين عمر وعامله على المدينة **

وكتب إلى عامله بالمدينة أن أقسم في ولد علي بن أبي طالب عشرة آلاف دينار، فكتب إليه: إن عليا قد ولد له عدة قبائل من قريش ففي أي ولده، فكتب إليه: لو كتبت إليك في شاة تذبحها لكتبت إلي أسود أم بيضاء، إذا أتاك كتابي هذا فاقسم في ولد علي من فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار، فطالما تخطتهم حقوقهم، والسلام.

وخطب في بعض مقاماته فقال بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ألا إني لست بقاض، ولكني منفذ، ألا وإني لست بمبتدع، ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص، ولكن الإمام الظالم هو - العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

** تقدير ملك الروم لعمر **

وبعث عمر وفدا إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين، وحق يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه، وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه، والبطارقة عن يمينه وشماله، والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوا له، فتلقاهم بجميل، وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غد أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة، فقال: هل تدرون لماذا دعوتكم. قالوا: لا، قال: إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاءني كتابه في هذا الوقت أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا، فقال: ألكم تبكون، أو لدينكم، أو له، قالوا: نبكي لأنفسنا ولديننا وله، قال لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه قد خرج إلى خير مما خلف، قد كان يخاف أن يدع طاعة الله فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافة الآخرة، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يحيى الموتى لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكنى عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا.

** وصية الأعرج **

وكتب عمر إلى أبي حازم المدني الأعرج أن أوصني وأوجز، فكتب إليه: كأنك يا أمير المؤمنين بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، والسلام.

ووقع إلى عامل من عماله: قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عد لت، وإما ا عتزلت، والسلام.

** زهده بعد الخلافة **

وذكر المدائني قال: كان يشترى لعمر قبل خلافته الحلة بآلف دينار، فإذا لبسها استخشنها ولم يستحسنها، فلما أتته الخلافة كان يشترى له قميص بعشرة دراهم فإذا لبسه استلانه.

وخرج مع جماعة من أصحابه فمر بالمقبرة فقال لهم: قفوا حتى آتي قبور الأحبة فأسلم عليهم، فلما توسطها وقف فسلم وتكلم وانصرف إلى أصحابه فقال: ألا تسألوني ماذا قلت لهم وما قيل لي، فقالوا: وماذا قلت يا أمير المؤمنين وما قيل لك. قال: مررت بقبور الأحبة فسلمت عليهم فلم يردوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينا أنا كذلك إذا نوديت: يا عمر، أما تعرفني، أنا الذي غيرت محاسن وجوههم، ومزقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وأبنت أكفهم عن سواعدهم، ثم بكى حتى كادت نفسه أن تطفأ، فوالله ما مضى بعد ذلك إلا أيام حتى لحق بهم.

وذكر المدائني قال: كنت مطرف إلى عمر: أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغتر من لا علم له، فكن بها كالمداوي جرحه، واصبر على شدة الدواء، لما تخاف من عاقبة الداء.

** بين عمر وعبد له **

وذكر بعض الأخباريين أن عمر في عنفوان حداثته جنى عليه عبد له أسود جناية، فبطحه وهم ليضربه، فقال له العبد: يا مولاي، لم تضربني. قال: لأنك جنيت كذا وكذا، قال: فهل جنيت أنت جناية قط غضب بها عليك مولاك، قال عمر: نعم، قال: فهل عجل عليك العقوبة، قال: اللهم لا، قال العبد: فلم تعجل علي ولم يعجل عليك. فقال له: قم فأنت حرلوجه الله، وكان ذلك سبب توبته.

** بين عمر وغلام ورد عليه في وفد الحجاز **

وكان عمر يكثر هذا الكلام في دعائه فيقول: يا حليما لا يعجل على من عصاه. وذكر جماعة من الأخباريين أن عمر لما ولي الخلافة وفد عليه وفود العرب ووفد عليه وفد الحجاز، فاختار الوفد غلاما منهم، فقدموه عليهم ليبدأ بالكلام، فلما ابتدأ الغلام بالكلام وهو أصغر القوم سنآ قال عمر: مهلا يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك فهو أولى بالكلام فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه، فإذا منح الله العبد لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد استجاد له الحلية، يا أمير المؤمنين، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أسن منك، قال: تكلم يا غلام، قال: نعم يا أمير المؤمنين، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة قدمنا إليك من بلدنا، نحمد الله الذي من بك علينا، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتانا منك إلى بلدنا، وأما الرهبة فقد أمننا الله بعدلك من جورك، فقال: عظنا يا غلام وأوجز، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن أناسا من الناس غرهم حلم الله عنهم، وطول أملهم، وحسن ثناء الناس عليهم، فلا يغرنك حلم الله عنك، وطول أملك، وحسن ثناء الناس عليك، فتزل قدمك، فنظر عمر في سن الغلام، فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة، فأنشأ عمر رحمه الله يقول:

تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل

** قصة جارية عند قاضي المدينة **

وقد كان رجل من أهل العراق أتى المدينة في طلب جارية وصفت له قارئة قوالة، فسأل عنها فوجدها عند قاضي المدينة، فأتاه وسأله أن يعرضها عليه، فقال: يا عبد الله، لقد أبعدت الشقة في طلب هذه الجارية، فما رغبتك فيها، لما رأى من شدة إعجابه بها، قال: إنها تغني فتجيد، فقال القاضي: ما علمت بهذا، فألح عليه في عرضها، فعرضت بحضرة مولاها القاضي، فقال لها الفتى: هات، فغنت:

إلى خالد حتى انخن بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل

ففرح القاضي بجاريته وسر بغنائها، وغشيه من الطرب أمر عظيم حتى أقعدها على فخده، وقال: هات شيئا بأبي أنت، فغنت:

أروح إلى القصاص كل عشية ... أرجي ثواب الله في عدد الخطا

فزاد الطرب على القاضي، ولم يدر ما يصنع، فأخذ نعله فعلقها في أذنه، وجثا على ركبتيه، وجعل يأخذ بطرف أذنه والنعل معلقة فيها، وهو يقول: أهدوني إلى البيت الحرام، فإني بدنة حتى أدمى أذنه، فلما أمسكت أقبل على الفتى فقال له: يا حبيبي، أنصرف، قد كنا فيها راغبين قبل أن نعلم أنها تقول، فنحن الآن فيها أرغب، فانصرف الفتى، وبلغ ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فقال: قاتله الله لقد استرقه الطرب، وأمر بصرفه من عمله، فلما صرف قال: نساؤه طوالق لو سمعها عمر لقال اركبوني فإني مطية، فبلغ ذلك عمر فأشخصه وأشخص الجارية، فلما دخلا على عمر قال له: أعد ما قلت، قال: نعم، فأعاد ما قال: فقال للجارية: قولي، فغنت:

كأن لم يكن بين ا لحجون إلى الصفا ... إنيس، ولم يسمر بمكة سامر

بل، نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر

فما فرغت من هذا الشعر حتى طرب عمر طربا بينا، وأقبل يستعيدها، ثلاثا، وقد بلت دموعه لحيته، ثم أقبل على القاضي فقال: قد قاربت في يمينك، ارجع إلى عملك راشدا.

** بين فتى أموي وجارية لبعض قريش **

حدثنا الطوسي والأموي الدمشقي وغيرهما، عن الزبير بن بكار، عن عبد الله بن أحمد المديني، قال: كان بالمدينة فتى من بني أمية من ولد عثمان، وكان ظريفا يختلف إلى قينة لبعض قريش، وكانت الجارية تحبه ولا يعلم، ويحبها ولا تعلم، ولم تكن محبة القوم إذ ذاك لريبة ولا فاحشة، فأراد يوما أن يبلو ذلك، فقال لبعض من عنده: امض بنا إليها، فانطلقا، ووافاهما وجوه أهل المدينة من قريش والأنصار وغيرهما، وما كان فيهم فتى يجد بها وجده، ولا تجد بواحد منهم وجدها بالأموي، فلما أن أخذ الناس مواضعهم قال لها الفتى: أتحسنين أن تقولي:

أحبكم حبا بكل جوارحي ... فهل عندكم علم بما لكم عندي أتجزون بالود المضاعف ... مثله فإن كريما من جزى الود بالود

قالت: نعم، وأحسن منه، وقالت:

للذي ودنا المودة بالضعف، ... وفضل البادي به لا يجازى

لو بدا ما بنا لكم ملأ الأر ... ض وأقطار شامها والحجازا

قال: فعجب الفتى من حذقها مع حسن جوابها وجودة حفظها فازداد كلفا بها، وقال:

أنت عذر الفتى إذا هتك الستر ... وإن كان يوسف المعصوما

فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فاشتراها بعشر حدائق ووهبها له بما يصلحها فأقامت عنده حولا ثم ماتت، فرثاها، وقضى في حاله تلك نحبه فدفنا معا، وكان من مرثيته لها قوله:

قد تمنيت جنة الخلد للخلد فادخلتها بلا استئهال

ثم أخرجت إذ تطمعت بالنعمة منها والموت أحمد حال

وقال أشعب الطامع المدني: هذا سيد شهداء أهل الهوى، نحروا على قبره سبعين بدنة، وقال أبو حازم الأعرج المدني: أما محب لله يبلغ هذا.

** عمر والخوارج **

وقد كان خرج في أيام عمر شوذب الخارجي، وقوي أمره فيمن خرج معه من المحكمة من ربيعة وغيرها، فحدث عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: أرسلني عمر إليهم، وأرسل معي عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان خروجهم بالجزيرة، وكتب عمر معنا إليهم كتابإ، فأتيناهم كتابه ورسالته، فبعثوا معنا رجلين منهم أحدهما من بني شييان والأخر فيه حبشية وهو أحدهما لسانا وعارضة، فقدمنا بهما على عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة، فصعدنا إليه إلى غرفة هو فيها ومعه ابنه عبد الملك وكاتبه مزاحم، فذكرنا مكانهما، فقال: فتشوهما لئلا يكون معهما حديد، ففعلنا، فلما دخلا قالا: السلام عليك، ثم جلسا، فقال لهما عمر: أخبر إني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا، وما نقمتم علينا، فتكلم الذي فيه حبشية فقال: والله ما نقمنا عليك في سيرتك، وإنك تجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أنت أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك، فقام عمر: وما هو. قال: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك، وسميتها المظالم، وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق، فتكلم عمر فقال: إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لدنيا، ولكن أردتم الآخرة وأخطأتم طريقها، وإني سائلكم عن أمور، فبالله لتصدقنني عنها، أرأيتما أبا بكر وعمر، أليسا من أسلافكم وممن تتولونهما وتشهدون لهما بالنجاة، قالا: بلى، قال: فهل علمتم أن أبا بكر حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم و ارتدت العرب قاتلهم فسفك الدماء وأخذ الأموال وسبى الذراري. قال: نعم، قال: فهل علمتم أن عمر حين قام بعد أبي بكر در تلك السبايا إلى أصحابها. قال: نعم، قال: فهل برىء عمر من أبي بكر؟ قالا: لا، قال: أفرأيتم أهل النهروان، أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة، قالا: بلى، قال: فهل علمتم أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يسفكوا دما ولم يخيفوا آمنا ولم يأخذوا مالا. قالا: نعم، قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع الشيباني وعبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه استعرضوا الناس يقتلونهم، ولقوا عبد الله بن حباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من أحياء العرب فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى جعلوا يلقوا الصبيان في قدور الأقط وهي تفور، قالا: قد كان ذلك،. قال: فهل تبرأ أهل البصرة من أهل الكوفة وأهل الكوفة من أهل البصرة. قالا: لا، قال: فهل تبرءون أنتم من إحدى الطائفتين، قالا: لا، قال: أرأيتم الدين واحدا أم اثنين. قالا: بل واحدا، قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني، قالا: لا، قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر، وتولى أحدهما صاحبه، وتوليتم أهل البصرة وأهل الكوفة، وتولى بعضهم بعضا، وقد اختلفوا في أعظم الأشياء في الدماء والفروج والأموال، ولا يسعني فيما زعمتم إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم. أرأيتم لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لا بد منها، فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون. قال: ما أذكر متى لعنته، قال: ويحك، لم لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم، ويحكم، إنكم قوم جهال، أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تردون على الناس ما قبله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، قالا: ما نحن كذلك، قال عمر: بل سوف تقرون بذلك الآن، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى خلع الأوثان وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه، وأحرز ماله، ووجبت حرمته، وكانت له أسوة المسلمين، قالا: نعم، قال: أفلستم أنتم تلقون من يخلع الأوثان ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتستحلوا دمه وماله، وتلقون من ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وسائر الأديان فيأمن عندكم وتحرمون دمه، قال الحبشي: ما سمعت كاليوم قط حجة أبين وأقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنا بريء ممن برىء منك، فقال عمر للشيباني: فأنت ما تقول، قال: ما أحسن ما قلت، وأبين ما وصفت، ولكنني لا افتأت على المسلمين بأمر حتى أعرض قولك عليهم فأنظر ما حجتهم، قال: فأنت أعلم، فانصرف، وأقام الحبشي، فأمر له عمر بعطائه، فمكث خمسة عشر يوما ثم مات، ولحق الشيباني بأصحابه فقتل معهم بعد موت عمر رحمه الله تعالى. ولعمر مع الخوارج أخبار غير ما ذكرنا، ومراسلات، ومناظرات، وكذلك لمن سلف من بني أمية وغيرهم من ولاة الأمصار، وقد أتينا على ذكرها وذكر كل من سمته الخوارج بأمير المؤمنين وخاطبته بالإمامة من الأزارقة والأباضية والحمرية والنجدات والخلقية والصفرية وغيرهم من أنواع الحرورية، وذكرنا مواضعهم من الأرض في هذا الوقت مثل من سكن منهم من بلاد شهرزور وسجستان وإصطخر من بلاد فارس وبلاد كرمان وأذربيجان،و بلاد مكران وجبال عمان وهراة من بلاد خراسان والجزيرة وتاهرت السفلى وغيرها من بقاع الأرض، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وما ذكرنا من الرد عليهم في التحكيم، وغير ذلك في كتابنا المترجم بكتاب الانتصار المفرد لفرق الخوارج، وفي كتاب الاستبصار.

** بعض شعراء الخوارج **

وقد ذكرنا جماعة من شعرائهم ممن سلف من أئمتهم: من ذلك قول مصقلة بن عتبان الشيباني، وكان من علية الخوارج:

وأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح إن لم يرع منك قريب

فإنك إن لاترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب

فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب

فمنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أميرالمؤمنين شبيب

غزالة ذات النذر منا حميدة ... لها في سهام المسلمين نصيب

ولا صلح مادامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب

وكذلك ذكرنا أخبار أم شبيب، وما كانت عليه من الاجتهاد في ديانة المحكمة، وفيها يقول الشاعر:

أم شبيب ولدت شبيبا ... هل تلد الذئبة إلا ذيبا

** بعض علماء الخوارج **

وأخبار علمائهم كاليماني، وله كتب مصنفة في مذاهبهم، وعبد الله بن يزيد الأباضي، وأبى مالك الحضرمي، وقعنب، وغير هؤلاء من علمائهم، وقد كان اليمان بن رباب منعلية علماء الخوارج، وأخوه علي بن رباب من علية علماء الرافضة، هذا مقدم في أصحابه، وهذا مقدم في أصحابه، يجتمعان في كل سنة ثلاثة أيام يتناظران فيها، ثم يفترقان، ولا يسلم أحدهما على الاخر ولا يخاطبة، وكذلك كان جعفر بن المبشر من علماء المعتزلة وحذاقها زهادها، وأخوه حنش بن المبشر من علماء أصحاب الحديث ورؤساء الحشوية بالضد من أخيه جعفر، وطالت بينهما المناظرة والمباغضة والتباين، وآلى كل واحد منهما ألا يخاطب الآخر إلى أن لحق بخالقه، وجعفر بن المبشروجعفربن حرب من علماء البغداديين من المعتزلة، وكان عبد الله بن يزيد الأباضي بالكوفة تختلف إليه أصحابه يأخذون منه، وكان خرازا شريكا لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدما في القول بالجسم والقول بالإمامة على مذهب القطيعية يختلف إليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد، على ما ذكرنا من التضاد في المذهب من التشري والرفض ولم يجر بينهما مسابة، ولا خروج عما يوجبه العلم وقضية العقل وموجب الشرع وأحكام النظر والسير.

وذكر أن عبد الله بن يزيد الأباضي قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام، تعلم ما بيننا من الموفدة ودوام الشركة، وقد أحببت أن تنكحني ابنتك فاطمة، فقال له هشام: إنها مؤمنة، فأمسك عبد الله، ولم يعاوده في شيء من ذلك، إلى أن فرق الموت بينهما.

وكان من أمر هشام مع الرشيد وابن برمك ما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا.

وذكر عن عمرو بن عبيد أنه يقول: أخذ عمر بن عبد العزيز الخلافة بغير حقها، ولا باستحقاق لها، ثم استحقها بالعدل حين أخذها.

** الفرزدق يرثي عمر **

وفي وفاة عمر رضي الله عنه يقول الفرزدق من أبيات يرثيه بها:

أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لقد نعيتم قوام الحق والدين

قد غيب الرامسون اليوم إذ رمسوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين

لم يلهه عمره عين يفجرها ... ولا النخيل ولاركض البراذين

ولعمررحمة الله عليه خطب وأخبار حسان غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الزهد وغيره، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا، والحمد لله رب العالمين.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com