John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر أيام هشام بن عبد الملك بن مروان

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 72 of 107

وبويع هشام بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه أخوه يزيد بن عبد الملك، وهو يوم الجمعة بقين من شوال سنة خمس ومائة، وقبض يزيد وله يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وتوفي هشام بن عبد الملك بالرصافة من أرض قنسرين يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فكانت ولايته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة ليلة.

** ذكر لمع من أخباره وسيره **

** أوصافه وأخلاقه **

وكان هشام أحول خشنا فظا غليضا، يجمع الأموال، ويعمر الأرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبة فاجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل، واستجاد الكسي والفرش، وعدد الحرب ولأمتها واصطنع الرجال، وقوى الثغور، واتخذ القني والبرك بطريق مكة، وغير ذلك من الآثار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدولة العباسية.

وفي أيامه عمل الخز والقطف الخز، فسلك الناس جميعا في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم، فقل الإفضال، وانقطع الرفد، ولم ير زمان أصعب من زمانه.

** استشهاد زيد بن علي **

وفي أيامه استشهد زيد بن علي بن الحسين بن علي كرم الله وجهه، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل بل في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقد كان زيد بن علي شاور أخاه أبا جعفر بن علي بن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها قتل جدك علي، وبها طعن عمك الحسن وبها قتل أبوك الحسين وفيها وفي أعمالها شتمنا أهل البيت، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدة ملك بني مروان، وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فأبى إلا ما عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له: إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غدا المصلوب بكناسة الكوفة وودعة أبو جعفر، وأعلمه أنهما لا يلتقيان.

وقد كان زيد دخل على هشام بالرصافة، فلما مثل بين يديه لم ير موضعا يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، قال: يا أمير المؤمنين، إن لك جواب إن أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنه، فقال: بل أجب، قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق صلى الله عليهما وسلم، فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله نبيا، وجعله للعرب أبا، فأخرج من صلبه خير البشر محمدا صلى الله عليه وسلم، فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول:

شرده الخوف وأ زرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد

منخرق الكفين يشكو الجوى ... تنكثه أطراف مرو حداد

قد كان في الموت له راحة ... والموت ختم في رقاب العباد

إن يحدث الله له دولة ... يترك آثارالعدا كالرماد

فمضى عليها إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال، وهو يقول متمثلا:

ألذ الحياة وعز الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا

فإن كان لا بد من واحد ... فسيري إلى الموت سيرا جميلا

وحال المساء بين الفريقين، فراح زيد مثخنا بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته، " فطلبوا من ينزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره، فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقيه ماء، وجعلوا على قبره! التراب والحشيش، وأجرى الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحا، فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف، وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن اصلبه عريانا، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات:

صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... ولم أرمهديا على الجذع يصلب

وبنى تحت خشبته عمودا، ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذروه في الرياح.

** صنيع العباسيين بقبور الأمويين **

قال المسعودي: وحكى الهيثم بن عدي الطائي، عن عمرو بن هانىء، قال: خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام، فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا خورمة أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطا، ثم أحرقه، واستخرجنا سليمان من أرض دابق، فلم نجد منه شيئا إلا صلبه وأضلاعه ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه إلا عظما واحدا، ووجدنا مع لحمه خطا أسود كأنما خط بالرماد في الطول في لحده، ثم اتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم.

وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذا الموضع لقتل هشام زيد بن علي، وما نال هشاما من المثلة بما فعل بسلفه من الإحراق كفعله بزيد بن علي. وقد ذكر أبو بكر بن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيدا مكث مصلوبا خمسين شهرا عريانا، فلم ير له أحد عورة، سترا من الله له، وذلك بالكناسة بالكوفة، فلما كان في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك وظهر ابنه يحيى بن زيد بخراسان كتب الوليد إلى عامله بالكوفة: أن أحرق زيدا بخشبته، ففعل ذلك به، وأذرى رماده في الرياح على شاطىء الفرات.

** فرق الزيدية من الشيعة **

وقد أتينا في كتابنا المقالات، في أصول الديانات على السبب الذي من أجله سميت الزيدية بهذا الاسم، وأن ذلك بخروجهم مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، هذا، وقد قيل غير ذلك مما قد أتينا عليه فيما سلف من كتبنا، والخلاف بين الزيدية والإمامية، والفرق بين هذين المذهبين، وكذلك غيرهم من فرق الشيعة وغيرهم وقد ذكر جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم كأبي عيسى محمد بن هارون الوراق وغيره، أن الزيدية كانت في عصرهم ثماني فرق: أولها الفرقة المعروفة بالجارودية وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، وذهبوا إلى أن الإمامة مقصورة في ولد الحسن والحسين، دون غيرهما، ثم الفرقة الثانية المعروفة بالمرئية، ثم الفرقة الثالثة المعروفة بالأبرقية، ثم الفرقة الرابعة المعروفة باليعقوبية، وهم أصحاب يعقوب بن علي الكوفي، ثم الفرقة الخامسة المعروفة بالعقبية، ثم الفرقة السادسة المعروفة بالأبترية، وهم أصحاب كثير الأبتر والحسن بن صالح بن يحيى، ثم الفرقة السابعة المعروفة بالجريرية، وهم أصحاب سليمان بن جرير، ثم الفرقة الثامنة المعروفة باليمانية، وهم أصحاب محمد بن اليمان الكوفي، وقد زاد هؤلاء في المذهب، وفرعوا مذاهب على ما سلف من أصولهم، وكذلك فرق أهل الإمامة فكانوا على ما ذكر من سلف من أصحاب الكتب ثلاثا وثلاثين فرقة، وقد ذكرنا تنازع القطيعية بعد مضي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وما قالت الكيسانية، وما تباينت فيه وغيرها من سائر طوائف الشيعة، وهم ثلاث وسبعون فرقة، دون ما تباينوا فيه من التفريع، وتنازعوا فيه من التأويل، والغلاة أيضا ثمان فرق: المحمدية منهم أربع، والمعتزلة أربع، وهم العلوية، ولولا أن كتابنا هذا كتاب خبر لبسطنا من مذاهبهم ووصفنا من آرائهم ما تقدم قبلنا وحدث في وقتنا هذا، وما قالوه من دلائل ظهور المنتظر الموعود بظهوره، وما ذهب إليه كل فريق منهم في ذلك من أصحاب الدور والسرو والتشريق، وغيرهم من أهل الإمامة.

** بين هشام ورجل من أهل حمص **

وعرض هشام يوما الجند بحمص، فمربه رجل من أهل حمص على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط فرسا نفورا، فقال الحمصي: لا والرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفور، ولكنه أبصر حولتك فظن أنها عين غزوان البيطار، فقال له هشام: تنخ فعليك وعلى فرسك لعنة الله، وكان عزوان البيطار نصرانيا ببلاد حمص كأنه هشام في حولته وكشفته.

** هشام والأبرش الكلبي وجارية من جواري هشام **

وبينما هشام ذات يوم جالسا خاليا وعنده الأبرش الكلبي إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حلة، فقال للأبرش: مازحها، فقال لها الأبرش هبي لي حلتك، فقالت له: لأنت أطمع من أشعب، فقال لها هشام: ومن أشعب؟ فقالت: كان مضحكا بالمدينة، وحدثته بعض أحاديثه، فضحك هشام، وقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام وكان عامله على المدينة في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب أطرق هشام طويلا، ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول صلى الله عليه وسلم ليحمل إليه منه مضحك؟ لاها الله، ثم تمثل:

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال

وأوقف الكتاب.

** أمثلة من بخل هشام **

وذكر أن هشاما أهدى له رجل طائرين، فأعجب بهما، فقال له الرجل: جائزتي يا أمير المؤمنين، قال ويلك وما جائزة طائرين؟ قال له: ما شئت، قال: خذ أحدهما، فقصد الرجل لأحسنهما فأخذه، فقال له هشام: وتختار أيضا؟ قال: نعم والله أختار، فقال: دعه، وأمر له بدريهمات. ودخل هشام بستانا له ومعه ندماؤه فطافوا به، وبه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك الله لأمير المؤمنين، فقال: وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلونه؟! ثم قال: أدع قيمه، فدعا به، فقال له: اقلع شجره واغرس فيه زيتونا حتى لا يأكل منه أحد شيئا.

وكتب إليه ابنه سليمان: إن بغلتي قد عجزت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة، فكتب إليه هشام: قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وما ذكرت من ضعف دابتك، وقد ظن أن ذلك من قلة تعاهدك لعلفها. وضياع العلف، فقم عليها بنفسك، ولعل أمير المؤمنين يرى رأيه في حملانك.

ونظر هشام إلى رجل على برذون طخاري، فقال: من أين لك هذا؟ قال: حملني عليه الجنيد بن عبد الرحمن، قال: وقد كثرت الطخارية حتى ركبها العامة؟ لقد مات عبد الملك وفي مربطه برذون واحد طخاري، فتنافس فيه ولده، حتى ظن من فاته أن الخلافة فاتته، قال الرجل: فحسدني إياه.

وقد كان أخوه مسلمة مازحة قبل أن يلي الأمر، فقال له: يا هشام، أتؤمل الخلافة وأنت جبان بخيل! فقال: والله إني عليم حليم.

** السواس من بني أمية: **

وذكر الهيثم بن عدي والمدائني وغيرهما أن السواس من بني أمية ثلاثة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وختمت به أبواب السياسة وحسن السيرة، وأن المنصور كان في أكثر أموره وتدبيره وسياسته متبعا لهشام بن عبد الملك في أفعاله، لكثرة ما كشفه عن أخبار هشام وسيره.

وقد أتينا على غرر أخباره وسيره وسياسته، وما حفظ من أشعاره وخطبه، وما كان في أيامه، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وكذلك ذكرنا بدء الكلام الذي أثار تصنيف الكتاب، المعروف بكتاب الواحدة في مناقب العرب ومثالبها مفرعة لا يشاركها فيها غيرها، وما أضيف إلى كل حي من أحياء العرب من قحطان وغيرهم من نزار، وما جرى في مجلس هشام في أوقات مختلفة بين الأبرش الكلبي والعباس بن الوليد بن عبد الملك وخالد بن مسلمة المخزومي والنضر بن مريم الحميري، وما أورده الحميري من مناقب قومه من حمير وكهلان، وما أورده المخزومي من مناقب قومه من نزار بن معد بن عدنان، وما ذكره كل واحد منهم من المثالب فيما عدا قومه، وبان عن عشيرته ورهطه، وقد قيل: إن هذا الكتاب ألفه أبو عبيدة معمر بن المثنى مولى آل تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، على لسان من ذكرنا، وعزاه إلى من وصفنا، أو غيره من الشعوبيه.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com