Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر الدوله العباسية ولمع من أخبار مروان ومقتله وجوامع من حروبه، وسيره
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 77 of 107
** قول الراوندية في الخلافة **
قد قدمنا في الكتاب الأوسط ما ذكرته الراوندية وهم شيعة ولد العباس بن عبد المطلب، من أهل خراسان وغيرهم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، وأن أحق الناس بالإمامة بعده العباس بن عبد المطلب لأنه عمفه ووارثة. وعصبته، لقول الله عز وجل: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " وأن الناس اغتصبوه حقه، وظلموه أمره، إلى أن رفه الله إليهم، وتبرؤا من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأجازوا بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإزجاته لها، وذلك لقوله: يا ابن أخي، هلم إلى أن أبايعك فلا يختلف عليك اثنان، ولقول داود بن علي على منبر الكوفة يوم بويع لأبي العباس: يا أهل الكوفة، لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب، وهذا القائم فيكم يعني أبا العباس السفاح.
** من حوار فاطمة الزهراء وأبي بكر الصديق **
وقد صنف هؤلاء كتبا في هذا المعنى الذي ادعوه هي متداولة في أيدي أهلها ومنتحليها، منها كتاب صنفه عمرو بن بحر الجاحظ، وهو المترجم بكتاب إمامة ولد العباس يحتج فيه لهذا المذهب، ويذكر فعل أبي بكر في فدك وغيرها وقصته مع فاطمة رضي الله عنها، ومطالبتها بإرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم، واستشهادها ببعلها وابنيها وام أيمن، وما جري بينها وبين أبي بكر من المخاطبة، وما كثر بينهم من المنازعة، وما قالت، وما قيل لها عن أبيها عليه السلام، من أنه قال: " نحن معاشر الأنبياء نرث ولا نورث " وما احتجت به من قوله عز وجل: " وورث سليمان داود " على أن النبوة لا تورث، فلم يبق إلا التوارث، و غير ذلك من الخطاب، ولم يصنف الجاحظ هذا الكتاب، ولا استقصى فيه الحجاج للراوندية، وهم شيعة ولد العباس، لأنه لم يكن مذهبه، ولا كان يعتقده، ولكن فعل ذلك تماجنا وتطربا.
** العثمانية للجاحظ **
وقد صنف أيضا كتابا استقصى فيه الحجاج عند نفسه، وأيده بالبراهين وعضده بالأدلة فيما تصوره من عقله، وترجمه بكتاب العثمانية، يحل فيه عند نفسه فضائل علي رضي الله عنه ومناقبه، ويحتج فيه لغيره، طلبا لإماتة الحق، ومضادة لأهله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
** كتب أخرى للجاحظ **
ثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب العثمانية حق أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروإنية وأقوال شيعتهم، ورأيته مترجما بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، في الانتصار له من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروإنية، ويؤيد فيه إمامة بني أمية وغيرهم.
ثم صنف كتابا اخر بكتاب مسائل العثمانية، يذكر فيه ما فاته ذكرأ ونقضه عند نفسه، من فضائل أمير المؤمنين علي ومناقبه فيما ذكرنا.
وقد نقضت عليه ما ذكرنا من كتبه ككتاب العثمانية وغيره، وقد نقضها جماعة من متكلمي الشيعة: كأبي عيسى الوراق، والحسن بن موسى النخعي، وغيرهما من الشيعة ممن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعا ومفترقا.
وقد نقض على الجاحظ كتاب العثمانية أيضا رجل من شيوخ المعتزلة البغداديين ورؤسائهم، وأهل الزهد والديانة منهم، ممن يذهب إلى تفضيل علي والقول بإمامة المفضول وهو أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين، وفيها مات أحمد بن حنبل، وسنذكر وفاة الجاحظ فيما يرد من هذا الكتاب، ووفاة غيره من المعتزلة، وإن كنا قد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
** رأي الجريإنية في الإمامة **
والذي ذهب إليه من تأخر من الراوندية وانتقل وتحبر عن جملة الكيسانية القائلة بإمامة محمد بن الحنفية وهم الجريإنية أصحاب أبي مسلم عبد الرحمن بن محمد صاحب الدولة العباسية، وكان يلقب بجريان أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد علي بن أبي طالب، وأن محمدا أوصى إلى ابنه أبي هاشم، وأن أبا هاشم أوصى إلى علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأن علي بن عبد الله أوصى إلى ابنه محمد بن علي، وأن محمدا أوصى إلى ابنه إبراهيم الإمام المقتول بحران، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس بن عبد الله بن الحارثية المقتول.
** أصل أبي مسلم الخراسإني **
وقد تنوزع في أمر أبي مسلم: فمن الناس من رأى أنه كان من العرب، ومنهم من رأى أنه كان عبدا فأعتق، وكان من أهل البرس والجامعين من قرية يقال لها خرطينة، وإليها تضاف الثياب البرسية المعروفة بالخرطينية، وتلك من أعمال الكوفة وسوادها، وكان قهرمانا لإدريس بن إبراهيم العجلي، ثم آل أمره ونمت به الأقدار إلى أن أتصل بمحمد بن علي، بإبراهيم بن محمد الإمام، فأنفذه إبراهيم إلى خراسان، وأمر أهل الدعوة بإطاعته والإنقياد إلى أمره ورأيه، فقوي أمره وظهر سلطانه، وأظهم السواد، وصار زينة في اللباس والأعلام والبنود، وكان أول من سود من أهل خراسان بنيسابور وأظهر ذلك فيهم أسيد بن عبد الله، ثم نمى ذلك في الأكثر من المحن والكور بخراسان، وقوي أمر أبي مسلم، وضعف أمر نصر بن ستار صاحب مروان بن محمد الجعدي على بلاد خراسان، وكانت له مع أبي مسلم حروب أكثر فيها أبو مسلم الحيل والمكايد من تفريقه بين اليمإنية والنزارية بخراسان وغير ذلك مما احتال به على عدوه، وقد كان لنصر بن سيار حروب كثيرة مع الكرمإني إلى أن قتل، أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا بدء أخبار الكرمإني جديع بن علي، وما كان بينه وبين سلم بن أحوز صاحب نصر بن سيار، وما كان من أمر خالد بن برمك، وقحطبة بن شبيب، وغيرهما من الدعاة والمقيمين بخراسان للدعوة العباسية: كسليمان بن كثير، وأبي داود خالد بن إبراهيم، ونظرائهم، وما كان من شعارهم عند إظهار الدعوة، وندائهم حين الحروب: محمد يا منصور، والسبب الذي له ومن أجله أظهروا استعمال السواد دون سائر الألوان.
** بين نصر بن سيار ومروان بن محمد الجعدي **
وطالت مكاتبة نصر بن سيار مروان، وإعلامه بما هو فيه، وإظهار أمر العباسية، وتزايده في كل وقت فكان فيما كتب به إليه إعلامه بحال أبي مسلم وحال من معه، وأنه كشف عن أمره وبحث عن حاله، فوجده يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وضمن كتابه أبياتا من الشعر، وهي:
أرى بين الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فإن لم تطفؤها تجن حربا ... مشمرة يشيب لها الغلام أقول من التعجب: ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟
فإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل: قوموا فقد حان القيام
ففري عن رحالك، ثم قولي: ... على الإسلام والعرب السلام
فلما ورد الكتاب على مروان وجده مشتغلا بحروب الخوارج بالجزيرة وغيرها، وما كان من خبره في حروبه مع الضحاك بن قيس الحروري حتى قتله مروان بعد وقائع كثيرة بين كفر توثي ورأس العين، وكان الضحاك خرج من بلاد شهرزور، ونضبت الخوارج بعد قتل الضحاك عليها الحري الشيبإني فلما قتل الحري ولت الخوارج عليها أبا الذلفاء شيبان الشيبإني، وما كان من حروب مروان مع نعيم بن ثابت الجذامي، وكان خرج عليه ببلاد طبرية والأردن من بلاد الشام حتى قتله مروان، وذلك في سنة ثمانية وعشرين ومائة، فلم يدر مروان كيف يصنع في أمر نصر بن سيار وخراسان وإنجازه لما هو فيه من الحروب والفتن، فكتب إليه مروان مجيبا عن كتابه: إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب فاحسم الثؤلول قبلك، فلما ورد الكتاب على نصر قال لخواص أصحابه: أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لانصرعنده،
** بعض خلال وأعمال مروان بن محمد الجعدي **
وأقام مروان أكثر أيامه لا يدنو من النساء إلى أن قتل، وبرزت له جارية من جواريه، فقال لها والله لادنوت منك، ولا حللت لك عقدة، وخراسان ترجف وتتضرم بنصر بن سيار، وأبو مجرم قد أخذ منه بالمخنق.
وكان مع ما هو فيه يديم قراءة سير الملوك، وأخبارها في حروبها، من الفرس وغيرها من ملوك الأمم.
وعذله بعض أوليائه ممن كان يأنس إليه في ترك النساء والطيب وغير ذلك من اللذات، فقال له مروان: يمنعني منهن ما منع أمير المؤمنين عبد الملك، فقال له الرجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ حمل صاحب إفريقية إليه جارية ذات بهاء وكمال، تامة المحاسن، شهية للمتأمل، فلما وقفت بين يديه تأمل حسنها وبيده كتاب ورد من الحجاج وهو بدير الجماجم مواقعا لابن الأشعث، فرمى بالكتاب عن يده، وقال لها: أنت والله منية النفس، فقالت الجارية: ما يمنعك يا أمير المؤمنين إذ كنت بهذا الوصف؟ قال: يمنعني والله منك بيت قاله الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
أألتذ بالعيش وابن الأشعث مصاف لأبي محمد وقد هلكت فيه زعماء العرب؟ لاها الله إدا، ثم أمر بصيانتها، فلما قتل ابن الأشعث كانت أول جارية خلابها.
** نصريكتب لابن هبيرة يستنجده **
ولما يئس نصر بن سيار من إنجاد مروان كتب إلى يزيد بن عمر هبيرة الفزاري عامل مروان على العراق يستمده، ويسأله النصرة على عدوه، وضمن كتابه أبياتا من الشعر، وهي:
ابلع يزيد، وخير القول أصدقه ... وقدتبينت أن لا خير في الكذب
بأن أرض خراسان رأيت بها ... بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب
فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزعب
فإن يطرن ولم يحتل لهن بها ... يلهبن نيران حرب أيما لهب
فلم يجبه يزيد بن عمر عن كتابه، وتشاغل بدفع فتن العراق.
** دعاة إلى طالب الحق بالحجاز **
ودخلت خوارج اليمن مكة والمدينة وعليهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي وبلخ بن عقبة الأزدي، وهما فيمن معهما يدعون إلى عبد الله بن يحيى الكندي، وكان قد سمى نفسه بطالب الحق، وخوطب بأمير المؤمنين، وكأن أباضي المذهب من رؤساء الخوارج، وذلك في سنة تسع وعشرين ومائة.
** مروان يجهز لحرب الخوارج **
وفي سنة ثلاثين ومائة جهز مروان بن محمد جيشا مع عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فلقي الخوارج بوادي القرى، فقتل بلخ، وفر أبوحمزة في بقيتهم إلى مكة، فلحقه عبد الملك، فكانت بينهم وقعة قتل فيها أبو حمزة وأكثر من كان معه من الخوارج، وسار عبد الملك في جيش مروان من أهل الشام يريد اليمن، وخرج عبد الله بن يحي الكندي الخارجي من صنعاء، فالتقوا بناحية الطاثف وأرض جرش، فكانت بينهبم حرب عظيمة قتل فيها عبد الله بن يحيى وأكثر من كان معه من الأباضية، ولحق بقية الخوارج ببلاد حضرموت، فأكثرها أباضية إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ولا فرق بينهم وبين من بعمان من الخوارج في هذا المذهب، وسار عبد الملك في جيش مروان فنزل صنعاء، وذلك في سنة ثلاثين ومائة، وقد كان سليمان بن هشام بن عبد الملك اتصل بالخوارج بالجزيرة خوفا من مروان، واحتوى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على بلاد إصطخر وغيرها من أرض فارس، إلى أن رفع عنها وصار إلى خراسان، فقبض عليه أبو مسلم، وقد ذكرنا من يقول بإمامته، وينقاد إلى دعوته، في كتابنا " المقالات، في أصول الديانات " في باب تفرق الشيعة ومذاهبهم.
** موت نصر بن سيار **
وقوي أمر أبي مسلم، وغلب على أكثر خراسان، وضعف أمر نصربن سيار من عدم النجدة، فخرج عن خراسان حتى أتى الري، وخرج عنها، فنزل ساوة بين بلاد همذان والري، فمات بها كمدا.
وقد كان نصر بن سيار لما صار بين الري وخراسان كتب كتابا إلى مروان يذكر فيه خروجه عن خراسان، وأن هذا الأمر الذي أزعجه سينمو حتى يملأ البلاد، وضمن ذلك أبياتا من الشعر، وهي:
إنا وما نكتم من أمرنا ... كالثور إذ قرب للناخع
أوكالتي يحسبها أهلها ... عنراء بكرا وهي في التاسع
كفا نرفيها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع
كالثوب إذ أنهج فيه البلى ... أعياعلى في الحيلة الصانع
** خديعة مروان للقبض على إبراهيم الإمام **
فلم يستتم مروان قراءة هذا الكتاب حتى مثل أصحابه بين يديه ممن كان قد وكل بالطرق رسولا من خراسان من أبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره فيه خبره، وما آل إليه أمره، فلما تأمل مروان كتاب أبي مسلم قال للرسول: لا ترع، كم دفع لك صاحبك؟ قال: كذا وكذا، قال فهذه عشرة آلاف درهم لك، وإنما دفع اليك شيئا يسيرا، وامض بهذ الكتاب إلى إبراهيم، ولا تعلمه بشيء مما جرى، وخذ جوابه فائتني به ففعل الرسول ذلك، فتأمل مروان جواب إبراهيم إلى أبي مسلم بخطه يأمر فيه بالجد والاجتهاد والحيلة على عدوه وغير ذلك من أمره ونهيه، فاحتبس مروان الرسول، وكتب إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء فيسير إلى القرية المعروفة بالكرار والحميمة ليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا، ويبعث به إليه في خيل كثيفة، فوجه الوليد إلى عامل البلقاء فأخذ إبراهيم وهو جالس في مسجد القرية فأخذ وهو ملفف، وحمل إلى الوليد، فحمله إلى مروان فحبسه في السجن شهرين، وقد كان جرى بين إبراهيم ومروان خطب طويل حين مثل بين يديه، وأغلظ له إبراهيم، وأنكر كل ما ذكره له مروان من أمر أبي مسلم، فقال له مروان: يا منافق، اليس هذا كتابك إلى أبي مسلم جوابا عن كتابه اليك، وأخرج إليه الرسول، وقال: أتعرف هذا؟ فلما رأى ذلك إبراهيم أمسك، وعلم أنه أتى من مأمنه.
** مقتل إبراهيم وجماعة معه **
واشتد أمر أبي مسلم، وكان في الحبس مع إبراهيم جماعة من بني هاشم وبني أمية: فمن بني أمية عبد الله بن عمربن عبد العزيز بن مروان، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان مروان قد خافهما على نفسه وخشي أن يخرجا عليه، ومن بني هاشم: عيسى بن علي، وعبد الله بن علي، وعيسى بن موسى، فذكر أبو عبيدة الثعلبي - وكان معهم في الحبس - أنه هجم عليهم في الحبس وذلك بحران جماعة من موالي مروان من العجم وغيرهم فدخلوا البيت الذي كان فيه أبراهيم والعباس وعبد الله، فأقاموا عندهم ساعة، ثم خرجوا وأغلق باب البيت، فلما أصبحنا دخلنا عليهم، فوجدناهم قد أتى عليهم، ومعهم غلامان صغيران من خدمهم كالموتى، فلما رأونا أنسوا بنا، فسألناهم الخبر، فقالا: أما العباس وعبد الله فجعل على وجوههما مخاد وقعد فوقهما فاضطربا ثم بردا، وأما إبراهيم فإنهم جعلوا رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة، فاضطرب ساعة تم خمد.
وكان في الكتاب الذي قرأه مروان من إبراهيم إلى أبي مسلم أبيات من الرجز بعد خطب طويل، منها:
دونك أمرا قد بدت أشراطه ... إن السبيل واضح صراطه
لم يبق إلا السيف واختراطه
وقد ذكر في كيفية قتل إبراهيم الإمام من الوجوه غيرها ما ذكرنا، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في الكتاب الأوسط، وكذلك ما كان من قحطبة وابن هبيرة على الفرات، وغرق قحطبة فيه، ودخول ابنه الحسن بن قحطبة الكوفة.
** موقعة الزاب بين عبد الله بن علي ومروان **
وسار مروان حتى نزل على الزاب الصغير، وعقد عليه الجسر، وأتاه عبد الله بن علي في عساكر أهل خراسان وقوادهم، وذلك لليلتين خلتا من جمادي الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فالتقى مروان وعبد الله بن علي، وقد كردس مروان خيله كراديس الفا والذين، فكانت على مروان، فانهزم، وقتل وغرق من أصحابه خلق عظيم، فكان فيمن غرق في الزاب من بني أمية ذلك اليوم ثلثمائة رجل، دون من غرق من سائر الناس، وكان فيمن غرق في الزاب في ذلك اليوم من بني أمية إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وهو أخو يزيد الناقص، وقد قيل في رواية آخرى: إن مروان كان قد قتل إبراهيم بن الوليد قبل هذا الوقت وصلبه، وكانت هزيمة مروان من الزاب في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
** أهل حران ومروان **
ومضى مروان في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من الدخول إليها، وأظهروا السواد لما رأوه من توليه الأمر عنه، وأتى حران وكانت داره، وكان مقامه بها وقد كان أهل حران قاتلهم الله تعالى حين أزيل لعن أبي تراب يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا من إزالته، وقالوا: لا صلاة إلا بلعن أبي تراب، وأقاموا على ذلك سنة حتى كان من أمر المشرق وظهور المسودة ما كان، وامتنع مروان من ذلك لانحراف الناس عنهم، وخرج مروان في أهله وسائر بني أمية عن حران، وعبر الفرات، ونزل عبد الله بن علي على باب حران، فهدم قصر مروان، وقد كان أنفق عليه عشرة ألاف ألف درهم، واحتوى على خزائن مروان وأمواله، وسار مروان فيمن معه من خواصه وعياله حتى انتهى إلى نهر أبي فطرس من بلاد فلسطين والأردن فنزل عليه، وسار عبد الله بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها وفيها يومئذ الوليد بن معاوية بن عبد الملك في خمسين ألف مقاتل، فوقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار ونزار على اليمن فقتل الوليد بن معاوية، وقد قيل: إن أصحاب عبد الله بن علي قتلوه.
** مقتل مروان **
وأتى عبد الله بن علي يزيد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان وعبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، فحملهما إلى أبي العباس السفاح، فقتلهما وصلبهما بالحيرة، وقتل عبد الله بن علي بدمشق خلقا كثيرا، ولحق مروان بمصر، ونزل عبد الله بن علي على نهر أبي فطرس، فقتل من بني أمية هناك بضعا وثمانين رجلأ، وذلك في يوم الأربعاء للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقتل بالبلقاء سليمان بن يزيد بن عبد الملك، وحمل رأسه إلى عبد الله بن علي، ورحل صالح بن علي في طلب مروان ومعه أبو عوف عبد الملك بن يزيد، وعامر بن إسماعيل المذ حجي، فلحقوه بمصر وقد نزل بوصير، فبايتوه، وهجموا على عسكره وضربوا بالطبول، وكبروا ونادوا: يالثارات إبراهيم، فظن من في عسكر مروان أن قد أحاط بهم سائر المسودة فقتل مروان، وقد اختلف في كيفية قتله في المعركة في تلك الليلة، وكان قتله ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
ولما قتل عامر بن إسماعيل مروان وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساؤه إذا بخادم لمروان. " شاهر السيف يحاول الدخول عليهن، فأخفوا الخادم، فسئل عن أمره، فقال: أمرني مروان إذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه فلا تقتلوني فإنكم والله إن قتلتموني ليفقدن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: انظر ما تقول، قال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني، ففعلوا، فأخرجهم من القرية إلى موضع رمل، فقال: اكشفوا هنا، فكشفوا، فإذا البرد والقضيب ومخصر قد دفنها مروان لئلا تصير إلى بني هاشم، فوجه بها عامر ابن إسماعيل إلى عبد الله بن علي، فوجه بها عبد الله إلى أبي العباس السفاح، فتداولت ذلك خلفاء بني العباس إلى أيام المقتدر، فيقال: إن البرد كان عليه في يوم مقتله، ولست أدري أكل ذلك باق مع المتقي لله إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة في نزوله الرقة أم قد ضيع ذلك.
** بنات مروان بين يدي صالح بن علي **
ثم وجه عامر بنات مروان وجواريه والأسارى إلى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى، فقالت: يا عم أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما يحب لك حفظه، وأسعدك في الأمور كلها بخواص نعمه، وعمك بالعافية في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا، قال: إذا لا نستبقي منكم أحدا رجلا ولا امرأة ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الإمام في محبسه بحران؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي وصلبه في كناسة الكوفة، وقتل امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟ ألم يقتل عبيد الله بن زياد الدعي مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي على يدي عمربن سعد مع من قتل بين يديه من أهل بيته؟ ألم يخرج بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حتى ورد بهن على يزيد بن معاوية وقبل مقدمهن بعث إليه برأس الحسين بن علي قد ثقب دماغه على رأس رمح يطاف به كور الشام ومدائنها حتى قدموا به على يزيد بدمشق كأنما بعث إليه برأس رجل من أهل الشرك.؟ ثم أوقف حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف السبي يتصفحهن جنود أهل الشام الجفاة الطغام ويطلبون منه أن يهب لهم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، استخفافا بحقه صلى الله عليه وسلم، وجراءة على الله عز وجل، وكفرا لأنعمه، فما الذي استبقيتم منا أهل البيت؟ لو عدلتم فيه علينا!! قالت: يا عم أمير المؤمنين ليسعنا عفوكم إذا، قال: أما العفو فنعم قد وسعكم، فإن أحببت زوجتك من الفضل بن صالح بن علي، وزوجت أختك من أخيه عبد الله بن صالح، فقالت: يا عم أمير المؤمنين، وأي أوان عرس هذا؟ بل تلحقنا بحران، قال: فإذا أفعل ذلك بكن إن شاء الله، فالحقهن بحران، فعلت أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على مروان، وشققن جيوبهن، وأعولن بالصياح والنحيب، حتى ارتج العسكر بالبكاء منهم على مروان. فكان ملك مروان إلى أن بويع أبو العباس السفاح خمس سنين وشهرين وعشرة أيام على حسب ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب من التنازع في مدة أيامه، ومن وقت أن بويع أبو العباس السفاح إلى أن قتل ببوصير ثمانية أشهر، فكانت مدة أيامه إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقدمنا ما تنازعوا فيه من مقدار سنة وغير ذلك من أخباره، وقد أتينأ على مبسوط أخباره فيما سلف من كتبنا.
** عبد الحميد بن يحيى الكانب **
وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب، واستعمل الناس ذلك بعده.
وذكر أن مروان قال لكاتبه عبد الحميد حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبرحتى يفتح الله أو أقتل معك، وقال:
أسر وفاء ثم أظهر غدره ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟
وقد أتينا على خبر أبي الورد ومقتله، وخبر بشربن عبد الله الواحدي ومقتله، في كتابنا الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكره.
وذكر إسماعيل بن عبد الله القشيري قال: دعإني مروان وقد وافى على الهزيمة إلى حران، فقال: يا أبا هاشم، وما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما جاء من الأمر وأنت الموثوق به، ولا مخبأ لعطر بعد عروس، فما الرأي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، علام أجمعت؟، قال: على أن أرتحل بموالي ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب وأميل إلى مدينة في مدن الروم فأنزلها، وأكاتب صاحبها، وأستوثق منه، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم، وليس هذا عارا بالملوك، فلا يزال يأتيني من أصحابي الخائف والهارب والطامع فيكثر من معي، ولا أزال على ذلك حتى يكشف الله أمري وينصرني على عدوي، فلما رأيت ما أجمع عليه وكان الرأي، ورأيت أثاره في قومي من قحطان وبلاءه عندهم، فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، تحكم أهل الشرك في بناتك وحرمك، وهم الروم، ولا وفاء لهم، ولا تدري ما تأتي به الأيام، وأنت إن حدث عليك حادث بأرض النصرإنية ولا يحدث عليك الا خير ضاع من بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استنفر أهل الشام جندا جندا فإنك في كنف وعزة، ولك في كل جند صنائع، يسيرون معك حتى تأتي مصر، فإنها أكثر أرض الله مالا وخيلا ورجالا، ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الآخرى مضيت إلى إفريقية قال: صدقت، وأستخير الله، فقطع الفرات، والله ما قطعه معه من قيس إلا رجلان: ابن حمزة السلمي، وكان أخاه من الرضاعة، والكوثر بن الأسود الغنوي، ولم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئا، بل غدروا به وخذلوه، فلما اجتاز ببلاد قنسرين وخناصرة أوقعت تنوخ القاطنة بقنسرين بساقته، ووثب به أهل حمص، وسار إلى دمشق، فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو القيسي، والمذحجيون جميعا، ثم مر بفلسطين فوثب الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع، لما رأوا من إدبار الأمر عنه، وعلم مروان أن إسماعيل بن عبد الله القشيري قد غشه في الرأي ولم يمحضه النصيحة، وأنه فرط في مشورته إياه، إذ شاور رجلا من قحطان موتورا متعصبا مع قومه على أضدادهم مننزار، وأن الرأي كان الذي هم بفعله من قطع الدرب ونزول بعض حصون الروم ومكاتبته ملكها إلى أن يرتئي في أمره. وذكر المدائني والعتبي وغيرهما أن مروان حين نزل على الزاب جرد من رجاله، ومن اختاره من سائر جيشه من أهل الشام والجزيرة وغيرهم، مائة الف فارس على مائة الف قارح، فلما كان يوم الوقعة وأشرف عبد الله بن علي في المسودة، وفي أوائلهم البنود السود يحملها الرجال على الجمال البخت، وقد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف والغرب، قال مروان لمن قرب منه: أما ترون رماحهم كأنها النخل غلظا. أما ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع من الغمام سود. فبينا هو كذلك إذ طار من أفرجة هنالك قطعة من الغرابيب سود، فاجتمعت على أول رايات عبد الله بن علي، واتصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود، ومروان ينظر، فتطير من ذلك فقال: أما ترون السواد قد اتصل بالسواد، وكأن الغرابيب كالسحب سوادا، ثم نظر إلى أصحابه المحاربين - وقد استشعروا الجزع والفزع والفشل - فقال: إنها لعدة، وما تنفع العدة إذا. انقضت المدة.
ولمروان على الزاب أخبار غير هذه قد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، فأغنى ذلك عن إعادة ذكرها، والله ولي التوفيق.