John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر خلافة المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 80 of 107

ويكنى أبا عبد الله، وأمه أم موسى بنت منصوربن عبد الله بن ذي سهم بن أبي سرح، من ولد في رعين من ملوك حمير.

أخذا له البيعة بمكة الربيع مولاه يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وأتاه بنعي أبيه وبيعته منارة مولاه، فأقام يومين بعد ذلك، ثم خطب الناس فنعى أباه ودعا إلى بيعته وبويع بيعة العامة، وكان مولده سنة سبع وعشرين ومائة، وخرج من مدينة السلام في سنة تسع وستين ومائة يريد بلاد قرماسين من بلاد الدينور، وقد وصف له طيب ما سبذان من بلاد السيروان وجرجان، فعدل إلى الموضع المعروف بأرزن والران، فمات بقرية يقال لها ردين ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، فكانت خلافته عشرسنين وشهرا وخمس عشر يوما، وقبض وله ثلاث واربعون سنة، وصلى عليه هرون الرشيد، وكان موسى الهادي غائبا بجرجان، وقيل: أنه مات مسموما في قطائف أكلها، ولبست حسنة جاريته وغيرها من حشمه المسوح والسواد جزعا عليه، فقال في ذلك أبو العتاهية :

رحن في الوشي وأصبحن عليهن المسوح كل نطاح وان عاش، له يوما نطوح

لست بالباقي ولوعمرت ما عمرنوح

فعلى نفسك نح ان كنت لا بد تنوح

** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **

** المهدي وشريك القاضي **

ذكر الفضل بن الربيع قال: دخل شريك القاضي على المهدي يوما: فقال له: لا بد ان تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال قال: وما هن يا أمير المؤمنين. قال: أما ان تلي القضاء، او تحدث ولدي وتعلمهم، او تأكل عندي أكلة، ففكر ثم قال: الأكلة اخفهن على نفسي فاحتبسه وقدم إلى الطباخ ان يصلح له الوانا من المخ المعقود بالسكر الطيرزذ والعسل، فلما فرغ من غذائه قال له القيم على المطبخ: يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدا، قال الفضل بن الربيع: فحدثهم والله شريك بعد ذلك، وعلم أولادهم، وولي القضاء لهم، ولقد كتب بأرزاقه إلى الجهبذ فضأيقه في النقص، فقال له الجهبذ: انك لم تبع بزا، قال له شريك: بلى والله لقد. بعت أكبرمن البز، لقد بعت ديني.

** المهدي وعمرو بن الربيع يجوعان في طريقهما للصيد **

وقال الفضل بن الربيع: خرج المهدي متنزها ومعه عمرو بن ربيع مولاه، وكان شاعرا، فانقطع عن العسكر، والناس في الصيد، وأصاب المهدفي جوع شديد، فقال لعمرو: ويحك ا رتد لي إنسانا نجد عنده ما نأكل، فما زال عمرو يطوف إلى ان وجد صاحب مبقلة وإلى جانبها كوخ له، فصعد إليه فقال له: هل عندك شيء يؤكل. قال: نعم، رقاق من خبن شعير ورثيثة، وهذا البقل والكراث، فقال له المهدي: ان كان عندك زيت فقد أكملت، قال: نعم، عندي فضلة منه، فقدم إليهما ذلك، فأكلا أكلا كثيرا، وأمعن المهدي حتى لم يبق فيه فضلة، فقال لعمرو: قل شعرا تصف به ما نحن فيه، فقال عمرو:

إن من يطعم الرثيثة بالزيت وخبن الشعير بالكراث

لحقيق بصفعة اوبثنتين لسوء الصنيع أو بثلاث

فقال المهدي: بئس والله ما قلت، ولكن أحسن من ذلك:

لحقيق ببدرة اوبثنتين لحسن الصنيع او بثلاث

ووافى العسكر، ولحقته الخزائن والخدم والمواكب، فأمر لصاحب المبقلة بثلاث بدر دراهم.

** ومرة أخرى يجوع المهدي في طريقه للصيد **

قال: وعارا به فرسه مرة أخرى، وقد خرج للصيد، فدفع إلى خباء أعرابي وهو جائع، فقال: يا أعرابي هل عندك قرى فإني ضيفك. قال: أراك طريرا جسيما عميما، فإن احتملت الموجود قربنا لك ما يحضرنا، قال: هات ما عندك فأخرج له خبز ملة، فأكلها، وقال: طيبة، هات ما عندك، فأخرج إليه لبنا في كرش فسقاه، فشرب، وقال: طيب، هات ما عندك فأخرج له فضلة نبيذ في ركوة، فشرب الأعرابي واحدا وسقاه، فلما شرب قال المهدي: اتدري من أنا. قال: لا والله، قال: أنا من خدم الخاصة: قال: بارك الله في موضعك وحباك من كنت، ثم شرب الأعرابي قدحا وسقاه، فلما شرب قال له: يا أعرابي اتدري من أنا، قال: نعم ذكرت انك من خدم الخاصة، قال: لست كذلك قال: أنا أحد قواد المهدي، قال: رحبت دارك، وطاب مزارك، ثم شرب الأعرابي قدحا وسقاه، فلما شرب الثالث قال: يا أعرابي، اتدري من أنا. قال: نعم، زعمت انك أحد قواد المهدي، قال: فلست كذلك قال: فمن أنت؟ قال: أمير المؤمنين بنفسه، فأخذا الأعرابي ركوته فوكاها، فقال له المهدي: اسقنا، قال: لا والله لا تشرب منها جرعة فما فوقها، قال: ولم. قال: سقيتك قدحا فزعمت أنك من خدم الخاصة، فاحتملناها لك، ثم سقيناك أخر فزعمت انك أحد قواد المهدي فاحتملناها لك، ثم سقيناك الثالث فزعمت أنك أمير المؤمنين، ولا والله ما أمن ان أسقيك الرابع فتقول: أنك رسول الله، فضحك المهدي، واحاطت به الخيل، فنزل إليه أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي، فلم يكن همه الا النجاة بنفسه، وجعل يشتد في عدوه فقال له المهدي: لا بأس عليك، وأمر له بصلة جزيلة من مال وكسوة وبزة وآلة، فقال: أشهد انك صادق، ولو ادعيت الرابعة والخامسة لخرجت منها، فضحك المهدي منه حتى كاد ان يقع عن فرسه حين ذكر الرابعة والخامسة، وجعل له رزقا وألحقه بخواصه.

** وزراء المهدي **

وكان وزيره أبو عبيد الله معاوية بن عبد الله الأشعري، وهو جد محمد ابن عبد الوهاب الكاتب وكان كاتبه قبل الخلافة، فقتل المهدي ابنا لأبي عبيد الله على الزندقة، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه فعزله وعاش أبو عبيد الله إلى سنة سبعين ومائة، ثم اختص المهدي يعقوب بن داود السلمي، وخرج كتابه على الدواوين: إن أمير المؤمنين قد آخاه، وكان يصل إليه في كل وقت دون الناس كلهم، ثم اتهمه بشيء من أمر الطالبيين، فهم بقتله، ثم حبسه فبقي في حبسه إلى أيام الرشيد، فاطلقه الرشيد، وقد قيل في أمره: أنه كان يرى الإمامة في الاكبر من ولد العباس، وإن غير المهدي من عمومته كان أحق بها منه.

** خصال المهدي وأعماله **

وكان المهدي محببا إلى الخاص والعام، لأنه افتتح أمره بالنظر في المظالم، والكف عن القتل، وأمن الخائف، وإنصاف المظلوم، وبسط يده في الإعطاء فأذهب جميع ما خلفه المنصور، وهو ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، سوى ما جباه في أيامه، فلما فرغت بيوت الأموال أتى أبو حارثة النهري خازن بيوت أمواله، فرمى بالمفاتيح بين يديه، وقال: ما معنى مفاتيح البيوت فرغ. ففرق المهدي عشرين خادما في جباية الأموال، فوردت الأموال بعد أيام قلائل فتشاغل أبو حارثة النهري بقبضها وتصحيحها عن الدخول على المهدي ثلاثة أيام فلما دخل عليه قال: ما آخرك. فقال: الشغل بتصحيح الأموال، فقال: أنت أعرابي احمق، كنت تظن ان الأموال لا تأتينا إذا احتجنا إليها، قال أبو حارثة: ان الحادثة إذا حدثت لم تنتظرك حتى توجة في استخراج الأموال وحملها، وقيل: أنه فرق في عشرة أيام من صلب ماله عشرة آلاف ألف درهم، فعند ذلك قام شبة بن عقال على رأسه خطيبا فقال: وللمهدي أشباه، فمنها القمر الزاهر، والربيع الباكر، والأسد الخادر، والبحر الزاخر، فأما القمر الزاهر فاشبه منه حسنه وبهاه، وأما الربيع الباكر فأشبه منه طيبه وهواه، وأما الأسد الخادر فأشبه منه غرته ومضاه، وأما البحر الزاخر فاشبه منه جوده وسخاه.

** الخيزران وأمراة مروان بن محمد **

وكانت الخيزران أم الهادي والرشيد في دارها المعروفة اليوم بأشناس، وعندها أمهات أولاد الخلفاء وغيرهن من بنات بني هاشم، وهي على بساط أرمني وهن على نمارق ارمنية، وزينب بنت سليمان بن علي أعلاهن مرتبة، فبيناهن كذلك إذ دخل خادم لها فقال: بالباب أمراة ذات حسن وجمال في أطمار رثة تأبى أن تخبر باسمها وشأنها غيركن، وتروم الدخول عليكن، وقد كان المهدي تقدم إلى الخيزران بأن تلزم زينب بنت سليمان بن علي، وقال لها: اقتبسي من آدابها، وخذي من أخلاقها، فأنها عجوز لنا قد ادركت أوائلنا، فقالت الخيزران للخادم: ائذن لها، فدخلت أمراة ذات بهاء وجمال في أطمار رثة، فتكلمت فأوضحت عن بيان على لسان فقالوا لها: من انت، قالت: أنا مزنة أمراة مروان بن محمد، وقد أصارني الدهر إلى ما ترين، ووالله ما الأطمار الرثة التي علي الا عارية، وانكم لما غلبتمونا على هذا الأمر وصار لكم دوننا لم نأمن مخالطة العامة على ما نحن فيه من الضرر على بادرة إلينا تزيل موضع الشرف، فقصدناكم لنكون في حجابكم على أية حالة كانت، حتى تاتي دعوة من له الدعوة، فاغرورقت عينا الخيزران ونظرت إليها زينب بنت سليمان بن على، فقالت لها: لاخفف الله عنك يا مزنة، اتذكرين وقد دخلت عليك بحران وأنت على هذا البساط بعينه، ونساء قرابتكم على هذه النمارق فكلمتك في جثة إبراهيم الإمام، فأنتهرتني وأمرت بإخراجي، وقلت: ما للنساء والدخول على الرجال في آرائهم. فوالله لقد كان مروان أرعى للحق منك، لقد دخلت إليه فحلف أنه ما قتله، وهو كاذب، وخيرني بين ان يدفنه او يدفع الي جثته فاخترت جثته وعرض علي مالا فلم اقبله، فقالت مزنة: والله ما نظن هذه الحالة أدتني إلى ما ترينه إلا بالفعال التي كانت مني، وكإنك استحسنته فحرضت الخيزران على فعل مثله، إنما كان يجب ان تحضيها على فعل الخير وترك المقابلة بالشر، لتحرز بذلك نعيمها، وتصون بها دينها، ثم قالت لزينب: يا بنت عم، كيف رأيت صنيع الله بنا في العقوق فأحببت التأسي بنا، ثم ولت باكية وكرهت الخيزران أن تخالف زينب فيها فغمزت الخيزران بعض جواريها، فعدلت بها إلى بعض المقاصير، وأمرت بتغيير حالها والاحسان إليها، فلما دخل المهدي عليها - وقد انصرفت زينب وكان من شأنه الاجتماع مع خواص حرمه في كل عشية - قصت عليه الخيزران قصتها، وما أمرت به من تغيير حالها، فدعا بالجارية التي ردتها، فقال لها: لما رددتها إلى المقصورة ما الذي سمعتها تقول، قالت: لحقتها في الممر الفلاني وهي تبكي في خروجها مؤتسية وهي تقرأ " وضرب الله مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ، ثم قال للخيزران: والله والله لو لم تفعلي بها ما فعلت ما كلمتك أبدا، وبكى بكاء كثيرا، وقال: اللهم إني أعوذ بك من زوال النعمة، وانكر فعل زينب، وقال: لولا أنها اكبر نسائنا لحلفت ألا اكلمها، ثم بعث إليها بعض الجواري إلى مقصورتها التي أخليت لها، وقال للجارية: اقرئي عليها السلام مني وقولي لها يا بنت عمر إن أخواتك قد اجتمعن عندي، ولولا إني أغمك لجئناك، فلما سمعت الرسالة علمت مراد المهدي، وقد حضرت زينب بنت سليمان، فجاءت مزنة تسحب اذيالها، فأمرها بالجلوس، ورحب بها واستداناها ورفع منزلتها فوق منزلة زينب بنت سليمان بن علي، ثم تفاوضوا أخبار أسلافهم، وأيام الناس، والدول وتنقلها، فما تركت لأحد في المجلس كلاما، فقال لها المهدي: يا بنت عم، والله لولا إني لا احب أن أجعل لقوم أنت منهم من أمرنا شيئا لتزوجتك، ولكن لا شيء أصون لك من حجابي، وكونك مع أخوتك في قصري: لك ما لهن، وعليك ما عليهن، إلى ان يأتيك أمر من له الأمر فيما حكم به على الخلق، ثم اقطعها مثل ما لهن من الاقطاع واخدمها واجازها، فأقامت في قصره إلى أن قبض المهدي وأيام الهدي وصدرا من أيام الرشيد، وماتت في خلافته، لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشم وخواص حرائرهم وجواريهم فلما قبضت جزع الرشيد والحرم جزعا شديدا.

** عبد الله بن عمرو بن عتبة يعزي المهدي ويهنئه **

وحدثنا الرياشي عن الاصمعي: دخل عبد الله بن عمرو بن عتبة على المهدي يعزيه بالمنصور، فقال: أجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك الله له فيما خلفه فيه، ولا مصيبة أعظم من فقد إمام والد، ولا عقبى أجل من خلافة الله على أولياء الله، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عند الله أفضل الرزية.

** عتبة الجارية وأبو العتاهية **

ولما كثر تشبيب أبي العتافية بعتبةجارية الخيزران شكت إلى مولاتها ما يلحقها من الشناعة، ودخل المهدي وهي تبكي بين يدي الخيزران، فسألها عن خبرها، فأخبرته، فأمر بإحضار أبي العتاهية، فأدخل إليه، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل في عتبة:

الله بيني وبين مولاتي ... أبدت لي الصد والملامات

ومتى وصلتك حتى تشكو صدها عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما قلت ذلك بل أنا الذي أقول:

يا ناق حثي بنا ولاتهني ... نفسك فيما ترين راحات

حتى تجيئي بنا إلى ملك ... توجه الله بالمهابات

يقول للريح كلما عصفت: ... هل لك يا ريح في مباراتي

عليه تاجان فوق مفرقه ... تاج جمال وتاج إ خبات

قال: فنكس المهدي رأسه، ونكت بالقضيب الذي كان في يده ثم رفع رأسه فقال: أنت القائل: ألا ما لسيدتي مالها ... أدلت فأحمل إدلالها؟

وجارية من جواري الملو ... ك قد أسكن الحسن سربالها

قال: وما علمك بما حواه سربالها. فأجابه معارضا له فيه:

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها

ثم سأله عن أشياء، فأفحم أبو العتاهية في الجواب فأمر المهدي بجلده نحوا من حد، وأخرج مجلودا، فلقيته عتبة وهوعلى تلك الحال، فقال:

بخ بخ ياعتب من أجلكم ... قدقتل المهدي فيكم قتيلا

فتغرغرت عيناها، وفاض دمعها، وصادفت المهدي عند الخيزران، فقال: ما لعتبة تبكي. قالوا له: رأت أبا العتاهية مجلودا، وقال لها كيت وكيت، فأمر له بخمسين ألف درهم، ففرقها أبو العتاهية على من كان بالباب، فكتب صاحب الخبر بذلك، فوجه إليه: ما حملك على أن أكرمتك بكرامة فقسمتها. قال: ما كنت لأكل ثمن من أحببت، فوجه إليه بخمسين ألفا أخرى، وحلف عليه ان لا يفرقها، فأخذاها وانصرف.

** من أبي العتاهية إلى المهدي **

قال المبرد: أهدى أبو العتاهية إلى المهدي في يوم نوروز او مهرجان برنية صينية فيها ثوب ممسك فيه سطران مكتوبان عليه بالغالية :

نفسي بشيءمن الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها

إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنياوما فيها

فهم أن يدفع إليه عتبه، فقالت له: أمير المؤمنين، مع حرمتي وحقي وخدمتي تدفعني إلى بائع جرار يكتسب بالشعر، فبعث إليه: أما عتبة فلا سبيل لك إليها، وقد أمرنا لك بملء البرنية مالا، فخرجت عتبة هو يناظر الكتاب، ويقول: إنما أمر لي بدنانير، وهم يقولون: بدراهم، قالت: أما لو كنت عاشقا لعتبة لشغلت عن العين والورق.

** من طرف أبي العتاهية: **

وكان أبو العتاهية وهو إسماعيل بن القاسم بائع جرار، وكان من سهل الناس لفظا وأقدرهم على وزن الكلام، وكان حلو الألفاظ، حتى أنه يتكلم بالشعر في جميع حالاته، ويخاطب به جميع أصناف الناس قد جعله شعرا ونثارا.

وأجتمع أبو نواس وجماعة، فدعا أحدهم بماء فشرب ثم قال:

عذب الماء وطابا

ثم قال: أجيزوا فترددوا فلم يحضرأحد ما يجانسه في سهولته وقرب مأخذه، حتى جاء أبو العتاهية فقال: فيم أنتم؟ فأعلموه وأنشدوه القسم، فقال:

حبذا الماء شرابا

ومن مختارشعره في عتبة:

بالله يا حلوة العينين زوريني ... قبل الممات، وإلا فاستزيريني

هذان أمران، فأختاري أحبهما ... إليك، أولا فداعي الموت يدعوني

إن شئت موتا فأنت الدهر مالكة ... روحي، وان شئت أن أحيا فأحييني

يا عتب ما أنت إلا بدعة خلقت ... من غيرطين، وخلق الناس من طين

إني لأعجب من حب يقربني ... ممن يباعدني عنه ويقصيني

لوكان ينصفني مما كلفت به ... إذا رضيت وكان النصف يرضيني

يا أهل ودي إني قد لطفت بكم ... في الحب جهدي ولكن لا تبالوني

الحمد لله قد كنا نظنكم ... من أرحم الناس طرا بالمساكين

أما الكثير فلا أرجوه منك، ولو ... أطمعتني في قليل كان يكفيني

ومن مختارشعره فيها قوله:

ألا يا عتب يا قمر الرصافه ... ويا ذات الملاحة والنظافة

رزقت مودتي، ورزقت عطفي، ... ولم أرزق فديتك منك رافه

وصرت من الهوى دنفا سقيما ... صريعا كالصريع من السلافه

أظل إذا رأيتك مستكينا ... كأنك قد بعثت علي آفه

ومما اخترناه من شعر واستحسنه ذوو الحجا قوله:

ما أغفل الناس عن بلائي ... وعن عنائي وعن شقائي

يلومني الناس في حبيب ... والناس لا يعرفون دائي

يالهذه نفسي على خليل ... أصبح في كفه شفائي

صيرني حبه غريبا ... في غيرأرض، ولاسماء قد بلغ الجد بي مداه ... فما اصطباري؟ وماعزائي؟

أنت بلائي، وأنت دائي ... وأنت تدرين ما دوائي

والله ما تذكرين إلا ... فاضت دموعي على ردائي

تبارك الله، ما دعاكم ... يا أهل ودي إلى جفائي؟

فأنتم الهم في صباحي ... وأنتم الهم في مسائي

إني على مالقيت منكم ... لمعجب منكم بدائي

شتان ما بينكم وبيني ... في نصح حبي، وفي وفائي

منحتكم صبوتي وودي ... فكان ذا منكم جزائي

وحدث المبرد محمد بن يزيد أن ريطة ابنة أبي العباس السفاح وجهت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي في شراء رقيق للعتق، وأمرت جاريتها عتبة - وكانت لها ثم صارت إلى الخيزران بعدها - ان تحضر ذلك، فأنها لجالسة إذا جاء أبو العتاهية في زي متنسك فقال: جعلني الله فداك!! أنا شيخ ضعيف كبير لا يقوى على الخدمة، فأن رأيت اعزك الله ان تأمري بشرائي وعتقي فعلت مأجورة، فأقبلت على عبد الله فقالت: إني لأرى هيئة جميلة، وضعفا ظاهرا، ولسانا فصيحا ورجلا بليغا، فاشتره وأعتقه، فقال: نعم، فقال أبو العتاهية: أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك شكرا لك على جميل فعلك وما أوليتني فأذنت له، فقبل يدها وانصرف، فضحك عبد الله بن مالك، وقال. اتدرين من هذا. قالت: لا، قال: هذا أبو العتاهية، وإنما احتال عليك حتى قبل يدك فسترت وجهها خجلا، وقالت: سوأة لك يا أبا العباس، أمثلك يعبث. إنما اغتررنا بكلامك، وقامت فلم تعد إليه.

ولأبي العتاهية اشعار حسان سنذكرها في أخبار من يرد من الخلفاء، وسنذكر لمعا من أخباره وما استحسناه من اشعاره وذكر وفاته ولو لم يكن لأبي العتاهية سوى هذه الأبيات التي أبان فيها عن صدق الإخاء ومحض الوفاء لكان مبرزا على غيره، ممن كان في عصره وهي:

إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضرنفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت شمل نفسه كي يجمعك

وهذه الصفه في عصرنا معدومة، ومستحيل وجودها، ومتعذر كونها ومتعسررؤيتها.

** محمد المهدي والشرقي بن القطامي **

وروى ابن عياش وابن داب ان المنصور كان قد ضم الشرقي بن القطامي إلى المهدي، حين خلفه بالري، وأمره ان يأخذاه بحفظ أيام العرب، ومكارم الاخلاق، ودراسة الأخبار، وقراءة الأشعار، فقال له المهدي ذات ليلة: يا شرقي أ رح قلبي بشيء يلهيه، قال: نعم أصلح الله الأمير، وذكروا أنه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة مكينة، وكأنا لا يفارقانه في لهوه وأنسه ومنامه ويقظته، ومقامه وظعنه وكان لا يقطع أمرا دونهما، ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغبر بذلك دهرا طويلا، فبينا هو ذات ليلة في شربه ولهوه إذ غلب عليه الشراب فأزال عقله، فدعا بسيفه وأنتضاه، وشد عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما، فأخبر بما كان منه، فأكب على الأرض عاضا لها تاسفا عليهما وجزعا لفراقهما، وأمتنع من الطعام والشراب، ثم حلف لا يشرب شرابا يزعج قلبه ما عاش، وواراهما، وبنى على قبريهما قبة، وسماهما الغريين، وسن أن لا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه الا سجد لهما، وكانا إذا سن الملك منهم سنة توارثوها، واحيوا ذكرها ولم يميتوها، وجعلوها عليهم حكما واجبا، وفرضا لازما، وأوصى بها الأباء أعقابهم، فغبر الناس بذلك دهرا طويلا، لا يمر بقبريهما أحد من صغير ولا كبير الا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة وأمرا كالشريعة والفريضة، وحكم فيمن أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد ان يحكم له بخصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا. قال: فمر يوما قصار معه كارة ثياب وفيها مدقته. فقال الموكلون بالغريين للقصار: اسجد فأبى ان يفعل، فقالوا له: إنك مقتول ان لم تفعل، فأبى، فرفعوه إلى الملك واخبروه بقصته، فقال: ما منعك أن تسجد. قال: سجدت ولكن كذبوا علي، قال: الباطل قلت، فأحتكم في خصلتين فأنك مجاب إليهما، وإني قاتلك بعد، قال: لا بد من قتلي بقول هؤلاء علي، قال: لا بد من ذلك قال: أحتكم ان اضرب رقبة الملك بمدقتي هذه، قال له الملك: يا جاهل، لوحكمت على ان أجري على من تخلف وراءك ما يغنيهم كان اصلح لهم، قال: ما أحكم الا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم به هذا الجاهل. قالوا: نرى ان هذه سنة أنت سننتها وأنت أعلم بما في نقض السنن من العار والنار وعظم الاثم، وأيضا انك متى نقضت سنة نقضت أخرى. ثم يكون ذلك لمن بعدك كما كان لك، فتبطل السنن قال: فارغبوا إلى القصار ان يحكم بما شاء ويعفيني من هذه، فإني أجيبه إلى ما شاء الله ولو بلغ حكمه شطر ملكي، فرغبوا إليه، فقال: ما أحكم إلا بضربة في عنق الملك قال: فلما رأى الملك ذلك وما عزم عليه القصار قعد له مقعدا عاما وأحضر القصار فأبدى مدقته وضرب بها عنق الملك فأوهنه وخر مغشيا عليه، فأقام وقيذا ستة اشهر، وبلغت به العلة إلى ان كان يسقى الماء بالقطر، فلما أفاق وتكلم واكل وشرب واستقل سأل عن القصار، فقيل: أنه محبوس، فأمر باحضاره فحضر، فقال: لقد بقيت لك خصلة فأحكم بها، فأني قاتلك لا محالة إقامة للسنة قال القصار: فاذا كان لا بد من قتلي فإني أحكم ان اضرب الجانب الأخر من رقبة الملك مرة أخرى، فلما سمع ذلك خر على وجهه من الجزع، وقال: ذهبت نفسي والله إذا، ثم قال للقصار: ويلك! دع عنك مالا ينفعك فأنه لم ينفعك منه ما مضى، وأحكم بغيره وانفذه لك كائنا ما كان، قال: ما أرى حقي الا في ضربة أخرى، فقال الملك لوزرائه: ما ترون. قالوا: تموت على السنة اصلح لك، قال: ويلكم! ان ضرب الجانب الاخر ما شربت " الماء البارد أبدا لإني أعلم ما قد نالذي، قالوا: فما عندنا حيلة، فلما رأى ما قد اشرف عليه قال للقصار: أخبرني، ألم أ كن قد سمعتك تقول يوم أتى بك الموكلون بالغريين انك قد سجدت وأنهم كذبوا عليك، قال: قد كنت قلت ذلك فلم أصدق، قال: فكنت سجدت. قال: نعم، فوثب الملك من مجلسه وقبل رأسه، وقال: أشهد انك صادق، وأنهم كذبوا عليك، وقد وليتك موضعهم، وجعلت إليك بأسهم، وأمرهم في تأديبهم فضحك المهدي حتى فحص برجليه، وقال: احسنت، ووصله.

** المهدي ومروان بن أبي حفصة **

قال الهيثم بن عدي: كنت في مجلس المهدي، فأتاه الحاجب فقال: ابن أبي حفصة بالباب، فقال: لا تأذن له فأنه منافق كذاب، فكلمه الحسن بن قحطبة فيه، فأدخله، فقال له المهدي: يا فاسق ألست القائل في معن:

جبل تلوذ به نزار كلها ... صعب الذرى متمنع الأركان

قال: بل أنا الذي أقول فيك يا أمير المؤمنين:

يا ابن الذي ورث النبي محمدا ... دون الاقارب من ذوي الأرحام

وأنشده الأبيات كلها، فرضي عنه وأجازه.

** بين المهدي وسفيان الثوري **

وقال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي، واتى سفيان الثوري، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة، ولم يسلم تسليم الخلافة، والربيع قائم على رأسه متكىء على سيفه يرقب أمره، فأقبل المهدي بوجه طلق وقال له: يا سفيان، تفر منا ههنا وههنا وتظن أنا لواردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الان، أفما تخشى ان نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: ان تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل ان يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي ان أضرب عنقه، فقال له: اسكت ويلك، ما يريد هذا وأمثاله الا ان نقتلهم فنشقى بسعادتهم، اكتبوا بعهده على قضاء الكوفة، على ان لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهمه ودفعه إليه، فأخذه وخرج ورمى به في الدجلة وهرب، فطلب في كل بلد، فلم يوجد.

** رؤيا المهدي قبيل وفاته **

وقال علي بن يقطين: كنا مع المهدي بما سبذان، فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد، ففعلت، فأكل ثم دخل البهو ونام، وكنا نحن في الرواق، فأنتبهنا لبكائه، فبادرنا إليه مسرعين، فقال أما رأيتم ما رأيت. قلنا: ما رأينا شيئا، قال: وقف علي رجل لو كان في ألف رجل ماخفي على صوته ولا صورته فقال:

كأني بهذا القصر قد باد أهله ... واوحش منه ربعه ومنازله

وصارعميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبرعليه جنادله

فلم يبق إلاذكره وحديثه ... تنادي عليه معولات حلائله

قال علي: فما أتت على المهدي بعد رؤياه إلا عشرة أيام حتى توفي.

** وفاة زفر بن الهذيل وجماعة من العلماء **

قال المسعودي: وكانت وفاة زفر بن الهذيل ألفقيه صاحب أبي حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمان وخمسين ومائة، وفيها كانت بيعة المهدي كما قدمناه.

ومات سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري بالبصرة، وكان من تميم، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ويكنى أبا عبد الله، في أيام المهدي، وذلك في سنة احدى وستين ومائة.

ومات ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، ويكنى أبا الحارث، بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة، وذلك في أيام المهدي.

وفي سنة ستين ومائة مات شعبة بن الحجاج، ويكنى أبا بسطام، وهو مولى لبني شقرة من الأزد، وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وفي سنة ست وستين ومائة مات حماد بن سلمة في أيام المهدي.

قال المسعودي: وللمهدي أخبار حسان، ولما كان في أيامه من الكوائن والحروب وغيرها، قد أتينا على مبسوطه في الكتاب الأوسط، وكذلك من مات في سلطانه من الفقهاء وأصحاب الحديث وغيرهم، وبالله التوفيق.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com