Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة موسى الهادي
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 81 of 107
وبويع موسى بن محمد الهادي يوم الخميس لسبع بقين من المحرم، وهو ابن أربع وعشرين سنة وثلاثة اشهر، صبيحة الليلة التي كانت فيها وفاة ولده المهدي، وذلك في سنة تسع وستين ومائة، وتوفي بعيسا باذ نحو مدينة السلام سنة سبعين ومائة، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكانت خلافته سنة وثلاثة اشهر، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه الخيزران بنت عطاء، أم ولد حرشية، وهي أم الرشيد، وأتته البيعة وهو ببلاد طبرستان وجرجان في حرب كانت هناك، فركب البريد وقد أخذا له أخوه هارون البيعة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
لما أ تت خير بني هاشم ... خلافه الله بجرجان
شمرللحرب سرابيله ... برأي لا غمرولا وان
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** أوصاف الهادي **
كان موسى قاسي القلب، شرس الاخلاق، صعب المرام، كثير الأدب، محبا له، وكان شديدا، شجاعا بطلا جوادا، سخيا. حدث يوسف بن إبراهيم الكاتب وكان صاحب إبراهيم بن المهدي، عن إبراهيم، أنه كان واقفا بين يديه وهو على حمار له ببستانه المعروف به ببغداد إذ قيل له: قد ظفر برجل من الخوارج، فأمر بادخاله، فلما قرب منه الخارجي أخذا سيفا من بعض الحرس، فأقبل يريد موسى، فتنحيت وكل من معي عنه، وأنه لواقف على حماره ما يتحلحل، فلما أن قرب منه الخارجي صاح موسى: أضربا عنقه، وليس وراءه أحد، فأوهمه، فألتفت الخارجي لينظر، وجمع موسى نفسه ثم ظهر عليه فصرعه، فأخذ السيف من يده، فضرب عنقه، قال: فكان خوفنا منه أكثر من الخارجي، فوالله ما انكر علينا تنحينا، ولا عذلنا على ذلك، ولم يركب حمارا بعد ذلك اليوم، ولا فارقه سيفه.
** بين المهدي وعيسى بن دأب **
وكان عيسى بن دأب يجالسه، وكان من أهل الحجاز، وكان أكثر أهل عصره أدبا وعلما ومعرفة بأخبار الناس، وأيامهم، وكان المهدي يدعو له مئكأ ولم يكن غيره يطمع منه في ذلك، وكان يقول له: يا عيسى، ما استطلت بك يوما ولا ليلة، ولا غبت عني الا ظننت إني لا أرى غيرك.
جريمة غلام سندي
وذكر عيسى بن دأب أنه رفع إلى الهادي أن رجلا من بلاد المنصورة - من بلاد السند من أشرافهم وأهل الرياسة فيهم من آل الملهب بن أبي صفرة - ربى غلاما سنديا او هنديا، وان الغلام هوي مولاته، فراودها عن نفسها فأجابته فدخل مولاه فوجدها معه بجب ذكر الغلام وخصاه، ثم عالجه إلى ان برىء فأقام مدة، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والاخر يافع، فغاب الرجل عن منزله وقد أخذا السندي الصبيين فصعد بهما إلى أعالي سور الدار إلى ان دخل مولاه فرفع رأسه فأذا هو بابنيه مع الغلام على السور، فقال: يا فلان، عرضت ابني للهلاك، فقال: دع ذا عنك، والله لو لم تحب نفسك بحضرتي لارمين بهما، فقال له: الله الله في وفي ابني، قال: دع عنك هذا، فوالله ماهي الا نفسي، وإني لاسمح بها من شربة ماء، واهوى ليرمي بهما، فأسرع مولاه فأخذا مدية فجب نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل رمى بالصبيين فتقطعا، وقال: ذاك الذي فعلت لفعلك بي، وقتل هذين زيادة، فأمر الهادي بالكتاب إلى صاحب السند بقتل الغلام وتعذيبه بأفظع ما يمكن من العذاب، وأمر باخراج كل سندي في مملكته، فرخص في أيامه حتى كانوا يتداولون بالثمن اليسير.
** وزراء الهادي **
وكان الهادي قد استوزر الربيع، وضم إليه ما كان لعمر بن بزيع من الزمام ثم إنه ولى عمر بن بزيع الوزارة وديوان الرسائل، وافرد الربيع بالزمام، فمات الربيع في هذه السنة، وقيل: ان الهادي سقاه شربة لأجل جارية كان قد وهبها له المهدي قبل ذلك للربيع، وقيل غير ذلك.
** ظهور الحسين بن علي بن الحسين **
وظهر في أيامه الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو المقتول بفخ، وذلك على ستة أميال من مكة، يوم التروية وكان على الجيش الذي حاربه جماعة من بني هاشم: منهم سليمان بن أبي جعفر، ومحمد بن سليمان بن علي، وموسى بن عيسى، والعباس بن محمد بن علي، في أربعة آلاف فأرس، فقتل الحسين وأكثر من كان معه، وأقاموا ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير، وكان معه سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأسر في هذا اليوم وضربت رقبته بمكة صبرا، وقتل معه عبد الله بن إسجاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وأسر الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وضرب عنقه صبرا، وأخذا لعبد الله بن الحسن بن علي وللحسين بن علي الأمان، فحبسا عند جعفربن يحى بن خالد بن برمك، وقتلا بعد ذلك، فسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وترك المصير به إليه ليحكم فيه بما يرى وقبض أموال موسى، وأظهر الذين أتوا بالرأس الاستبشار، فبكى الهادي وزجرهم، وقال: أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس رجل من الترك او الديلم، أنه رجل من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا إن اقل جزائكم عندي ألا اثيبكم شيئا.
** من مراثي الحسين بن علي صاحب فخ **
وفي الحسين بن علي صاحب فخ، يقول بعض شعراء ذلك العصر من أبيات:
فلأ بكين عل الحسين بعولة وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي ... أ ثووه ليس له كفن
تركوا بفخ غدوة ... في غيرمنزلة الوطن
كانوا كراماقتلوا ... لاطائشين ولاجبن
غسلوا المذلة عنهم ... غسل الثياب من الدرن
هدي العباد بجدهم ... فلهم على الناس المنن
** طاعة الهادي لأمه الخيزران **
وكان الهادي كثير الطاعة لأمه الخيزران، مجيبا لها فيما تسأل من الحوائج للناس، فكانت المواكب لا تخلو من بابها، ففي ذلك يقول أبو المعافي:
يا خيزران هناك ثم هناك ... أن العباك يسوسهم إبناك
فكلمته ذات يوم في أمر، فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتل عليها بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فأني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، فغضب الهادي، وقال: ويل لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها، والله لاقضيتها لك، قالت: إذا والله لا أسالك حاجة أبدا، قال: إذا والله لا أبالي وحمي وقامت وهي مغضبة، فقال: مكانك، فأستوعبي كلامي، والله، وإلا نفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادى، او من خاصتي، او من خدمي، لاضربن عنقه، ولاقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم، أما لك مغزل يشغلك، او مصحف يذكرك، او بيت يصونك. أياك ثم أياك ان تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولاذمي، فأنصرفت وما تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلو ولا مر بعدها.
** أخذا العباسيون ثأر بني هاشم من بني مروان **
وذكر ابن دأب، قال: دعاني الهادي في وقت من الليل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي، وقدامه جزء صغيرينظر فيه، فقال لي: يا عيسى، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني أرقت في هذه الليلة، وتداعت الي الخواطر، واشتملت علي الهموم، وهاج لي ما جرت إليه بنو أمية من بني حرب وبني مروان في سفك دمائنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن علي قد قتل منهم على نهرأبي فطرس فلانا وفلانا حتى أتيت على تسمية أكثرمن قتل منهم، وهذا عبد الصمد بن علي قد قتل منهم بالحجاز في وقت نحو ما قتل عبد الله بن علي، وهو القائل بعد سفكه دماءهم:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... أخذي بثأري من بني مروان
ومن آل حرب، ليت شيخي شاهد ... سفكي دماء بني أبي سفيان
قال ابن دأب: فسر والله الهادي، وظهرت منه أريحية، فقال: يا عيسى داود بن علي هو ألف القائل ذلك والقاتل لمن ذكرت بالحجاز، ولقد اذكرتنيهما، حتى كإني ما سمعتهما، قلت: يا أمير المؤمنين، وقد قيل: أنهما لعبد الله بن علي قالهما على نهرأبي فطرس، قال: قد قيل ذلك.
** بعض فضائل مصر وبعض أخبارها وبعض عيوبها **
قال ابن دأب: ثم تغلغل بنا الكلام والحديث إلى أخبار مصر وعيوبها وفضائلها وأخبار نيلها، فقال لي الهادي: فضائلها أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين هذه دعوى المصريين لها بغير برهان اوردوه، والبينة على الدعوى، وأهل العراق يأبون هذه الدعوى، ويذكرون ان عيوبها أكثر من فضائلها، قال: مثل مإذا. قلت: يا أمير المؤمنين من عيوبها أنها لا تمطر، وإذا أمطرت كرهوا ذلك، وابتهلوا إلى الله بالدعاء وقد قال عز وجل: " وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " فهذه رحمة مجللة لهذا الخلق وهم لها كارهون، وهي لهم ضارة غير موافقة لا يزكو عليها زرعهم ولا تخضب عليها أرضهم، ومن عيوبها الريح الجنوبية التي يسمونها المريسية، وذلك ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مريس، فإذا هبت الريح المريسية - وهي الجنوبية - ثلاثة عشر يوما تباعا اشترى أهل مصر الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء القاتل، والبلاء الشامل،.ثم من عيوبها اختلاف هوائها، لأنهم في يوم واحد يغيرون ملابسهم مرارا كثيرة، فيلبسون القمص مرة، والمبطنات أخرى، والحشو مرة، وذلك لاختلاف جواهر الساعات بها، ولتباين مهاب الهواء فيها في سائر فصول السنة من الليل والنهار، وهي تمير ولا تمتار، فأذا اجدبوا هلكوا. وأما نيلها نكفاك الذي هو عليه من الخلاف لجميع الأنهار، من الصغار والكبار، وليس بالفرات ولا الدجلة ولا نهر بلخ ولا سيحان ولا جيحان شيء من التماسيح، وهي في نيل مصرضارة بلامنفعة، ومفسدة غير مصلحة، وفي ذلك يقول الشاعر:
أظهرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رأي الحين من كثب ... فما أرى النيل إلا في النواقيل
قال: ويحك!! ما النواقيل التي ترى النيل فيها. قلت: القلال والكيزان يسمونها بهذا الاسم، قال: وما مراد الشاعر فيما وصف، قال: لأنه لا يتمتع بالماء إلا في الآنية، لخوف مباشرة الماء في النيل من التمساح، لأنه يختطف الناس وسائر الحيوان، قال: ان هذا النهر قد منع هذا النوع من الحيوان مصالح الناس منه، وقد كنت متشوقا إلى النظر إليها، فلقد زهدتني عنها بوصفك لها.
قال ابن دأب: ثم سالذي الهادي عن مدينة دنقلة، وهي دار مملكة النوبة، كم المسافة بينها وبين اسوان، قلت: قد قيل أربعون يوما على شاطىء النيل عمائرمتصلة.
** بين البصرة والكوفة: **
قال ابن دأب: ثم قال لي الهادي: أيها يا ابن دأب، دع عنك ذكر المغرب وأخباره، وهلم بنا إلى ذكر فضائل البصرة والكوفة وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى، قال: ذكر عن عبد الملك بن عمير، أنه قال: قدم علينا الاحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت شيخا قبيحا إلا ورأيت في وجه الاحنف منه شبها، كان صعل الرأس، أجخى العين، أعصف الاذن، باخق العين، ناتىء الوجه، مائل الشدق، متراكب الاسنان، خفيف العارضين، أحنف الرجل، ولكنه كان إذا تكلم جلى على نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة ونفاخره بالكوفة، فقلنا الكوفة اغذى وأمرا وافسح وأطيب، فقال له رجل: والله ما اشبه الكوفة الا بشابة صبيحة الوجه كريمة الحسب ولا مال لها، فإذا ذكرت ذكرت حاجتها، فكف عنها طالبها، وما أشبه البصرة إلا بعجوز ذات عوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها، وذكرت عوارضها، فكف عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البصرة فإن أسفلها قصب، وأوسطها خشب، وأعلاها رطب، نحن أكثر ساجا وعاجا وديباجا، ونحن أكثر قندا، ونقدا، والله ما أتي البصرة إلا طائعا، ولا أخرج منها الا كارها، قال: فقام إليه شاب من بكربن وائل فقال: يا أبا بحر، بم بلغت في الناس ما بلغت. فوالله ما أنت بأ جملهم، ولا بأ شرفهم، ولا بأشجعهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك، قال: بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا ينبغي ان يعنيك.
قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حسان يطول ذكرها، ويتسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا أيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الإختصار والإيجاز بحذف الاسإنيد وترك إعادة الألفاظ. ولأهل البصرة وأهل الكوفة ومن شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياههم ومنافعها ومضارها، منها ما عاب به أهل الكوفة أهل البصرة، فقالوا: ماؤكم كدر زهك زفر، فقال لهم أهل البصرة: من أين يأتي ماءنا الكدروماء البحر صاف وماء البطيحة صاف، وهما يمتزجان وسط بلادنا، قال الكوفيون: من طباع الماء العذب الصافي إذا خالط ماء البحر صارا جميعا إلى الكدورة، وقد يروق الإنسان ماء أربعين ليلة، فإن جعل شه شيئا في قارورة أ زبد وتكدر.
وقد افتخر أهل الكوفة بمائهم - الذي هو الفرات - على ماء دجلة، - هو ماء البصرة! فقالوا: ماؤنا أعذب المياه وأغذاها، وهو أصح للاجسام من ماء دجلة، والفرات خير من النيل، فأما دجلة فأن ماءها يقطع شهوة لرجال، ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها، وان لم يتدسم النازلون عليها اصابهم قحول في عظامهم ويبس في جلودهم، وسائر من نزل من العرب على دجلة لا يكادون يسقون خيلهم منها ويسقونها من الأبار والركاء، لاختلاط مياهها - واختلاف أنواعها إذ ليست بماء واحد لمصب الأنهار إليها كالزابين غيرهما، وسبيل المشروب غير المأكول، لان اختلاف الماكل غير ضار، واختلاف الأشربة كالخمر والنبيذ وغيره من الأنبذة إذا شربه الإنسان كان ضارا، وإذا كان فضيلة مائنا على دجلة فما ظنك بفضيلته على ماء البصرة هو يختلط بماء البحر، ومن الماء المستنقع في أصول القصب الهروي،وقد قال الله تعإلى: " هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج " والفرات أعذب المياه عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب من ماء الكوفة.
وقد طعن أيضا أهل الكوفة على أهل البصرة، فقالوا: البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من السماء، وأسرعها غرقا.
وقد أجاب أهل البصرة أهل الكوفة عما سألوا عنه وعابوهم به، وكذلك من شرب من دجلة، وعابوا أهل الكوفة، وذكروا عيوبها، وما يؤثر عن سكانها من الشح على المأكول والمشروب والغدر وقلة الوفاء.
وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان وكذلك أتينا على خواص الأرض والمياه، وفصول السنة، وانقسام الآقاليم، وما لحق بهذه المعاني، فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وذكرنا في هذا الكتاب من جميع ذلك لمعا.
فلنزجع الآن إلى أخبار الهادي ونعدل عن هذا السانح.
** رغبة الهادي في خلع الرشيد من ولاية العهد **
وقد كان الهادي أرادا ان يخلع أخاه الرشيد من ولاية العهد، ويجعلها لابنه جعفر بن موسى، وحبس يحيى بن خالد البرمكي، وأرادا قتله، فقال له يحيى وكان القيم بأمر الرشيد: يا أمير المؤمنين، أرأيت ان كان ما أسال الله ان يعيذنا منه، وان لا يبلغناه، وينسأ في أجل أمير المؤمنين، أيظن ان الناس يسلمون لجعفربن أمير المؤمنين الأمر ولم يبلغ الحنث، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم. قال: ما اظن ذلك، قال: فثأمن أن يسموا إليها جلة أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك إلى غيرهم. فتكون قد حملت الناس على النكث، وهونت عليهم أيمانهم، ولو تركت بيعة أخيك على حالها، وبويع لجعفر بعده كان آكد، فإذا بلغ مبلغ الرجال سألت أخاك أن يقدمه على نفسه، قال: نبهتني والله على أمر لم اكن قد أنتبهت له، ثم عزم بعد ذلك على خلعه رضي أم كره، وأمر بالتضييق عليه في الأكثر من أموره، فأشار عليه يحيى أن يستأذنه في الخورج إلى الصيد، وان يطيل التشاغل بذلك، فإن مدة موسى قصيرة على ما أوجبته قضية المولد، واستأذنه الرشيد، فأذن له، فسار إلى شاطىء الفرات من بلاد الأنبار وهيت، وتوسط البر مما يلي السماوة، وكتب الهادي إليه يأمره بالقدوم فأكثر الرشيد التعلل، وبسط الهادي لسانه في شتمه، وسنح للهادي الخروج نحو بلاد الحديثة، فمرض هناك، وانصرف وقد ثقل في العلة، فلم يجسر أحد من الناس على الدخول عليه إلاصغار الخدم، ثم أشار إليهم أن يحضروا الخيزران أمه، فصارت عند رأسه، فقال لها: أنا هالك في هذه الليلة، وفيها يلي أخي هارون، وأنت تعلمين ما قضى به أصل مولدي بالري، وقد كنت أمرتك بأشياء ونهيتك عن أخرى، مما اوجبته سياسة الملك، لا موجبات الشرع من برك، ولم اكن بك عاقا، بل كنت لك صائنا وبرا واصلا، ثم قضى قابضا على يدها، واضعا لها على صدره. وكان مولده بالري: وكذلك مولد هرون الرشيد، فكانت تلك الليلة فيها وفاة الهادي، وولآية الرشيد، ومولد المأمون.
** الهادى ورجل ذو ذنوب **
ويقال: إن الهادي أوقف بين يديه رجلا من أولياء الدولة ذا أجرام كثيرة، فجعل الهادي يذكره ذنوبه، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت يوجب ذنبا علي، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأطلقه ووصله.
** بين الهادي والرشيد **
وحدث عدة من الأخباريين من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأنى بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت عنه بعيد، ومن دون ذلك خرط القتاد، فقال له هارون: يا أمير المؤمنين من تكبر وضع، ومن تواضع رفع، ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إلي وصلت من قطعت، وبررت من حرمت، وصيرت أولادك أعلى من أولادي، وزوجتهم بناتي، وقضيت بذلك حق الإمام المهدي، فأنجلى عن موسى الغضب، وبان السرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أب جعفر، ادن مني، فقام هارون فقبل يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال موسى: والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلست إلا معي في صدر المجلس، ثم قال: يا خزاني! احمل إلى أخي الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه، فلما أرادا هارون الانصراف قدمت دابته إلى البساط.
** رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيد **
قال عمرو الرومي: فسألت الرشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا، وإلى هارون قضيبا، فأما قضيب موسى فأورق أعلاه قليلا: وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقص الرؤيا على الحكيم بن إسجاق الصيمري، وكان يعبرها، فقال له: يملكان جميعا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ أخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره احسن الدهور.
قال عمرو الرومي: فلما أفضت الخلافة إلى هارون زوج حمدونة ابنته من جعفربن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له ما وعده.
** حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة **
المهدي موسى الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة فدعا به موسى بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، وملء مكتل دنإنير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال:
حاز صمصأمة الزبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خيرما أغمدت عليه الجفون
اوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت فيه الذعاف المنون
وإذا ما شهرته تبهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين
وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين
ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين
وهي أبيات كثيرة، فقال له الهادي: لك السيف والمكتل، فخذهما، ففرق المكتل على الشعراء، وقال: دخلتم معي وحرمتم من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي فأشترى منه السيف بخمسين ألفا. وللهادي أخبار حسان وإن كانت أيامه قصرت، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وبالله التأييد.