John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر جمل من أخبار البرامكة وما كان منهم في أيامهم

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 83 of 107

** أسماهم خالد بن برمك **

لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله ولا الفضل في جوده وبراعته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحته، ولا محمد بن يحيى في سروه وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه، وفيمن ذكرنا يقول أبو الغول الشاعر:

أولاد يحيى بن خالد وهم ... أربعة سيد ومتبوع

الخير فيهم إذا سألت بهم ... مفرق فيهم ومجموع

** سبب نكبتهم **

ولما أفضت الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة، فاحتازوا الأموال دونه حتى كان يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وكان إيقاعه بهم في سنة سبع وثمانين ومائة، واختلف في سبب ذلك: فقيل احتياز الأموال، وأنهم أطلقوا رجلا من آل أبي طالب كان في أيديهم، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

** الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد **

ويحكى أنه ورد على الرشيد يوما كتاب صاحب إلي يد بخراسإن، ويحيى بن خالد بين يديه، يذكر فيه إن الفضل بن يحيى تشاغل بالصيد وادمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى، وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه كتابا يردعه عن مثل هذا، فمد يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:

أنصب نهارا في طلاب العلا ... واصبرعلى فقد لقاء الحبيب

حتى إذا الليل بدا مقبلا ... واستترت فيه وجوه العيوب

فبادر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب

كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمرعجيب

ألقى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب

ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب

والرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن إنصرف عن عمله قال إسجاق بن إبراهيم الموصلي: كنت عند الرشيد يوما، وأحضر البرامكة الشراب، وأحضر يحيى بن خالد جارية فغنت:

أرقت حتى كأني أعشق الأرقا ... وذبت حتى كان السقم لي خلقا

وفاض دمعي على قلبي فأغرقه ... يا من رأى غرقا في الماء محترقا فقال الرشيد: لمن هذا، فقيل: لخالد بن يزيد الكاتب قال: علي به قال خالد: فأحضرت، فقال للجارية: أعيدي، فأعادت، فقال لي: لمن هذا؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فبينا نحن كذلك إذ أقبلت وصيفة معها تفاحة عليها مكتوب بغإلية:

سرورك ألهاك عن موعدي ... فصيرت تفاحتي تذكره

فأخذ الرشيد تفاحة آخرى وكتب عليها:

تقاضيت وعدي ولم أنسه ... فتفاحتي هذه معذره

ثم قال له: ياخالد، قل في هذا شيئا، فقال:

تفأحة خرجت بالدرمن فيها ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها

بيضاء في حمرة غلت بغالية ... كأنما قطفت من خد مهديها

** جعفر البرمكي عند الأصمعي: **

حدث الجاحظ عمن أخبره عن أنس بن أبي شيخ، قال: ركب جعفر بن يحيى ذات يوم، وأمر خادما له أن يحمل معه ألف دينار، وقال له: سأجعل طريقي على الأصمعي، فإذا حدثني فرأيتني ضحكت فأجعلها بين يديه، ونزل جعفر عند الأصمعي، فجعل الأصمعي يحدثه بكل أعجوبة ونادرة تطرب وتضحك، فلم يضحك.، وخرج من عنده، فقال له أنس بن أبي شيخ: رأيت منك عجبا، أمرت بألف دينار للأصمعي وقد حركك بكل مضحكة، وليس من عادتك أن ترد إلى بيت مالك ما قد خرج عنه، فقال له: ويحك!! إنه قد وصل إليه من أموالنا مائة ألف درهم قبل هذه المرة، فرأيت في داره حبا مكسورا وعليه دراعة خلق، ومقعدا وسخا، وكل شيء رأيته عنده رثا، وأنا أرى إن لسان النعمة أنطق من لسانه، وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مدحه وهجائه، فعلى أي وجه أعطيه إذا كانت الصنيعة لم تظهر عنده ولم تنطق النعمة بالشكر عنه.

وفي الرشيد وجعفر بن يحيى يقول الشاعر:

ليهن الرشيد خلافاته ... وأمر الذي قد وهى عقده

أضاف إلى بيعة بيعة ... فقام بها جعفر وحده

بنو برمك أسسوا ملكه ... وشدوا لوارثه عهده

** مجلس عند يحيى بن خالد **

وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الأراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسأم والأعراض، والتعديل والتجريح ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنص هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في العشق على غير منازعة، وليورد كل واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.

** حديث لهم عن العشق **

فقال علي بن هيثم وكان أمامي المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة: أيها الوزير، العشق ثمرة المشاكلة، وهو دليل تمازج الروحين، وهومن بحر اللطافة، ورقة الصنيعة، وصفاء الجوهر وليس يحد لسعته، والزيادة فيه نقصان من الجسد.

وقال أبو مالك الحضرمي، وهو خارجي المذهب وهم الشراة: أيها الوزير، العشق نفث السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطبعين، وامتزاج الشكلين، وله نفوذ في القلب كنفوذ صيب المزن في خلل الرمل وهو ملك على الخصال تنقاد له العقول، وتستكين له الأراء.

وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العلاف، وكان معتزلي المذهب وشيخ البصريين: أيها الوزير، العشق يختم على النواظر، ويطبع على آلأفئدق، مرتقى في الأجساد، ومسرعة في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون، متغير الأوهام، لا يصفو له، ولا يسلم له موعود، تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الثكل، غير إنه من أريحية تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جواد لا يصغي إلى داعية المنع، ولا يسنح به نازع العذل. وقال الرابع: وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الأمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره: أيها الوزير، العشق حبالة نصبها الدهر فلا يصيد بها إلا أهل التخالص في النوائب، فإذا علق المحب في شبكتها ونشب في اثنائها فأبعد به أن يقوم سليما أو يتخلص وشيكا، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وتكافؤ في الطريقة، وملاءمة في الهمة، له مقتل في صميم الكبد، ومهجة القلب، يعقد اللسان الفصيح، ويترك المالك مملوكا والسيد خولا حتى يخضع لعبد عبده.

وقال النظام إبراهيم بن يسار المعتزلي وكان نظار البصريين في عصره: أيها الوزير العشق أرق من السراب، وأدب من الشراب، وهو من طينة عطرة عجنت في إناء الجلالة، حلو المجتنى ما اقصد، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلأ، وفسادا معضلأ، لا يطمع في إصلاحه، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب، فتعشب شعفا، وتثمر كلفا، وصريعه دائم اللوعة، ضيق المتنفس، مشارف الزمن، طويل الفكر، إذا أجنه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى.

ثم قال السادس والسابع والثامن والتاشع والعاشر ومن يليهم، حتى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.

** العشق وعلة وقوعه **

قال المسعودي: تنازع الناس ممن تقدم وتآخر في ابتداء وقوع الهوى وكيفيته، وهل ذلك من نظر وسماع، واختيار واضطرار، وما علة وقوعه بعد إن لم يكن، وزواله بعد كونه، وهل ذلك فعل النفس الناطقة أو الجسم وطباعه، فقال بقراط: هو امتزاج النفسين، كما لو امتزج الماء بماء مثله عسر تخليصه بحيلة من الإحتيال، والنفس ألطف من الماء، وأرق مسلكا، فمن أجل ذلك لا تزيله الليإلي، ولا تخلقه الدهور ولا يدفعه دافع دق عن الأوهام مسلكه، وخفى عن الأبصار موضعه وحارت العقول عن كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته من القلب، ثم تسير إلى سائر الأعضاء، فتظهر الرعدة في الأطراف، والصفرة في الألوان، واللجلجة في الكلام، والضعف في الرأي والويل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى النقص.

وذهب بعض الأطباء إلى أن العشق طمع يتولد في القلب وينمى وتجتمع إليه مواد من الحرص فإذا قوي زاد بصاحبه الإهتياج واللجاج والتمادي والتفكر والأماني والهيمان والأحزان وضيق الصدر وكثرة الفكر وقلة الطعم وفساد العقل ويبس الدماغ، وذلك إن التمادي في الطمع للدم محرق، " فإذا احترق استحال إلى السوداء، فإذا قويت جلبت الفكر فتستعلي الحرارة، وتلتهب الصفراء، ثم تستحيل الصفراء إلى الفساد فتلحق حينئذ بالسوداء، وتصير مادة لها، فتقوى، ومن طبائع السوداء الفكر، فإذا فسد الفكر اختلطت الكيموسات بالفساد، ومع الإختلاط تكون الفدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون ولا يتم فحينئذ يشتد ما به، فيموت أو يقتل نفسه، وربما شهق فتخفى روحه أربعا وعشرين ساعة فيظن إنه مات فيقبرونه حيا، وربما تنفس الصعداء فتخفى روحه في تامور قلبه، وينضم القلب ولا ينفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق بالنظر، ويرى من يحب فجاة، وأنت ترى العاشق إذا سمع ذكر من يحب كيف يهرب دمه ويحول لونه.

وقال بعضهم: إن الله خلق كل روح مدورة على هيئة الكرة، وجزأها أنصافا، وجعل في كل جسد نصفأ، فكل جسد لقي الجسد فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عشق ضرورة للمناسبة القديمة. وتفاوت أحوال الناس في ذلك من القوة والضعف على قدر طبائعهم.

ولأهل هذه المقالة خطب طويل فيما ذكرنا. وإن النفوس نورية جوهر بسيط نزل من علو إلى هذه الأجساد فسكنها، وإن النفوس تلي بعضا على حسب مجاورتها في عالم النفس في القرب والبعد، وذهب إلى هذا المذهب جماعة ممن يظهر الإسلام، واعتلوا بدلائل من القرآن والسنن ودلائل القياس عند أنفسهم. من ذلك قوله عز وجل: " يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " قالوا: فالرجوع إلى الحال لا يكون إلا بعد كون متقدم، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " . وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب، ففي ذلك يقول جميل ابن عبد الله بن معمر العذري في بثينة:

تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن قبل ماكنا نطافا، وفي المهد

فزاد كما زدنا، فأصبح ناميا ... وليس وإن متنا بمنتقض العهد

ولكنه باق على كل حالة ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحد

وقال جالينوس: المحبة تقم بين العاقلين لتشاكلهما فى العقل، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق، لأن العقل يجري على ترتيب، فيجوز أن يتفق فيه إثنان على طريق واحدة، والحمق لا يجري على ترتيب، ولا يجوز أن يتفق فيه إثنان.

وقسم بعض العرب الهوى فقال:

ثلأثة أحباب، فحب علأقةوحب تملاق، وحب هو القتل

وقال الصوفية من البغداديين: إن الله عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ليشق عليهم سخطه، ويسرهم رضاه. فيسبتدل بذلك على قدر طاعة الله، إذ كان لا مثل له، ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئا بالمن عليهم فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه، كان تعالى أحرى أن يتبع رضاه.

وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير وخطب طويل.

وقال أفلاطون: ما أدري ما الهوى، غير إنه جنون إلهي، والهوى لا محمود ولا مذموم.

وكتب بعض ظرفاء الكتاب إلى أخ له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الإنقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضا.

وللناس ممن خلف وسلف من الفلاسفة والفلكيين والإسلاميين وغيرهم كلام كثير في العشق، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، من الامم الماضية والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وإنما خرجنا مما كنا فيه أنفا من أخبار البرامكة عند ذكرنا العشق، فتغلغل بنا الكلام إلى إيراد لمع مما قيل في ذلك.

فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أخبارهم، واتساق أيامهم، وانتظامها لهم بالسعود، ثم انعكاسها إلى النحوس.

** الرشيد يزوج اخته العباسة لجعفر البرمكي **

ذكر ذو معرفة بأخبار البرامكة أنه لما بلغ جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ويحيى بن خالد والفضل وغيرهم من آل برمك ما بلغوا من الملك، وتناهوا إليه من الرياسة، واستقامت لهم، الأمور، حتى قيل: أن أيامهم عروس وسرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى: ويحك يا جعفر!! إنه ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس، ولا إليها أميل، وأنا بها أشد استمتاعا وآنسا مني برؤيتك وأن للعباسة أختي مني موقعا ليس بدون ذلك، وقد نظرت في أمري معكما، فوجدتني لا أصبر عنك ولا عنها، ورأيتني ناقص الحظ والسرور منك يوم أكون معها، وكذاك حكمي منك في يوم كوني معك دونها، وقد رأيت شيئا يجتمع لي به السرور، وتتكاثف لي به اللذة والآنس، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد: قد زوجتكما تزويجا تملك به مجالستها والنظر إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه لا سوى ذلك فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له من حضره من خدمه وخاصة مواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد الله ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو بها، ولا يجلس معها، ولا يظله وأياها سقف بيت إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما، فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به، وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة التي وصفناها وجعفر في ذلك صارف بصره عنها، مزور بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه ومواثيقه على ما وافقه الرشيد عليه وعلقته العباسة، وأضمرت الاحتيال عليه وكتبت إليه رقعة، فرد رسولها وشتمه وتهدده، وعادت فعاد لمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظننت أنها لها في الطاعة كالأمة، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طرفأ من الأمر الذي تريده، وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لإبنها من الفخر والشرف بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بأعمال الحيلة في ذلك، وأنها تلطف لها حتى تجمع بينهما، فأقبلت على جعفر يوما فقالت له: يا بني، قد وصفت لي وصيفة في بعض القصورمن تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظرف والحلاوة مع الجمال الرائع والقد البارع والخصال المحمودة ما لم ير مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل جعفر كلامها بالقبول، وعلفقت بذلك قلبه، وتطلعت إليها نفسه، وجعلت تمطله، حتى اشتد شوقه، وقويت شهوته، وهو في ذلك يلح عليها بالتحريك والإقتضاء، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر واشتد به القلق قالت له: أنا مهديتها إليك ليلة كذا وكذا. وبعثت إلى العباسة فأعلمتها بذلك، فتأهبت بمثل ما تتأهب به مثلها وسارت إليها في تلك الليلة، وانصرف جعفرفي تلك الليلة من عند الرشيد، وقد بقي في نفسه من الشراب فضلة لما قد عزم عليه، فدخل منزله، وسأل عن الجارية، فخبر بمكانها، فأدخلت على فتى سكران لم يكن بصورتها عالما، ولا على خلقها واقفا، فقام إليها فواقعها، فلما قضى حاجته منها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك، قال: وأي بنات الملوك تعنين، وهو يرى أنها من بعض بنات الروم، فقالت له: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فزعا قد زال عنه سكره ورجع إليه عقله، فأقبل على أمه وقال: لقد بعتني بالثمن الرخيص، وحملتني على المركب الوعر، فانظري ما يؤول إليه حالي، وانصرفت العباسة مشتملة منه على حمل، ثم ولدت غلاما، فوكلت به خادما من خدمها يقال له رياش وحاضنة تسمى برة، فلما خافت ظهور الخبر وانتشاره وجهت الصبي والخادم والحاضنة إلى مكة، وأمرتهما بتربيته، وطالت مدة جعفر، وغلب هو وأبوه وأخوته على أمر المملكة، وكانت زبيدة أم جعفر زوج الرشيد من الرشيد بالمنزلة التي لا يتقدمها أحد من نظرائها، وكان يحيى بن خالد لا يزال يتفقد أمر حرم الرشيد ويمنعهن من خدمة الخدم، فشكت زبيدة إلى الرشيد. فقال ليحيى بن خالد: يا أبت، ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمتهم أنا في حرمك وتدبير قصرك عندك، فقال: لا والله، لا تقبل قولها، قال الرشيد: فلست أعاودك، فازداد يحيى لها منعا، وعليها في ذلك غلظة، وكان يأمر بقفل أبواب الحرم بالليل، ويمضي بالمفاتيح إلى منزله، فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت: يا أمير المؤمنين، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضعه إياي في غيرموضعي، فقال لها الرشيد: يحيى عندي غيرمتهم في حرمي، فقالت: إن كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه، فقال: وما ذاك؟ فخبرته بالخبر وقصت عليه قصة العباسة مع جعفر، فسقط في يده، وقال لها: هل لك على ذلك من دليل أو شاهد؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين الولد؟ قالت: قد كان ههنا، فلما خافت ظهور أمره وجهته إلى مكة، فقال لها: أفيعلم هذا أحد غيرك؟ قالت: ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به، فأمسك عن ذلك، وطوى عليه كشحا، وأظهر أنه يريد الحج، فخرج هو وجعفر بن يحيي، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن.

فلما صار الرشيد إلى مكة وكل من يثق به بالفحص والبحث عن أمر الصبي والداية والخادم فوجد الأمر صحيحا، فلما قضى حجه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم، فأقام ببغداد مديدة، ثم خرج إلى الأنبار، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك، فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كتابهم وأبنائهم وقراباتهم، وأن يجعل سرا من حيث لا يكلم به أحدا حتى يصل إلى بغداد، ثم يفضي بذلك لمن يثق به من أهله وأعوانه، فامتثل السندي ذلك، وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر، فأقاما يومهما بأحسن هيئة وأطيب عيش، فلما انصرف جعفرمن عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعا له ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي، وأمر بما كان بين يديه فرفع فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة من الشراب، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ومدت ستارة، وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه:

مايريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا

إنما همتهم أن ... يظهروا ما قد دفنا وأمر الرشيد من ساعته ياسرا خادمه المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمدا ولا القاسم له أهلا ولا موضعا، ورأيتك به مستقلا ناهضا، فحقق ظني، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سببا لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي فقال: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أدخل السيف في بطني وآخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمرني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواه، أو ينكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال: فامض الساعة إليه فأتني برأسه على أي حالة تجلى عليها، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رعدحة ووقف لا يحير جوابا، فقال: يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجل من ذلك، والأمر الذي ندبني إليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء فقال: دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك فمضى ياسر حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر: إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه، فقال: والله ما رأيته إلا جادا، قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذا سكران، قال: لا والله ما افتقدت من عقله شيئا، ولا ظننته شرب نبيذا في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له: فإن لي عليك حقوقا لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال: تجدني إلى ذلك سريعا إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة، وان أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في غد، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: فأصبر معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث اسمع كلامه ومراجعته أياك، فإذا ابديت عذرا ولم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له: أما هذا فنعم، فمضيا جميعا إلى مضرب الرشيد فدخل إليه ياسر فقال: قد أخذت رأست، يا أمير المؤمنين، وها هو ذا بالحضرة، فقال له: ائتني به وإلا والله قتلتك قبله، فخرج فقال له: أسمعت الكلام، قال: فشأنك وما أمرت به، فأخرج جعفر من كمه منديلا صغيرا فعصب به عينيه ومد رقبته فضربها ياسر وأدخل رأسه إلى الرشيد فلما رأى الرأس بين يديه أقبل عليه، وجعل يذكره بذنوبه، ثم قال: يا ياسر ائتني بفلان وبفلان، فلما أتى بهم قال لهم: اضربوا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر.

وقال الاصمعي: وجه إلي الرشيد في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال: يا أصمعي، قد قلت شعرا فأسمعه، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:

لو ان جعفر هاب أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمرملجم

ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يسمو إليه به العقاب القشعم

لكنه لما تقارب وقته ... لم يدفع الحدثان عنه منجم

** مدة سلطان البرامكة ورثاء الشعراء لهم **

قال الأصمعي: ورجعت إلى منزلي فلم أصل إليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفروأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل:

إن المساكين بنو برمك ... صبت عليهم غيرالدهر

إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبرساكن ذا القصر

قال المسعودي: وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر بن يحيى بن خالد ابن برمك سبع عشرة سنة وسبعة أشهروخمسة عشريوما، وقد رثتهم الشعراء بمراث كثيرة، وذكرت أيامهم فمن ذلك قول علي بن أبي معاذ:

يا أيها المغتر بالدهر ... والدهر ذو صرف وذو غدر

لا تامن الدهر وصولاته ... وكن من الدهر على حذر

إن كنت ذا جهل يتصريفه ... فانظر إلى المصلوب بالجسر

فإن فيه عبرة،فاعتبر ... يا ذا الحجا والعقل والفكر وخذ من الدنيا صفا عيشها ... وأجر مع الدهر كما يجري

كان وزير القائم المرتضى ... وذا الحجا والفضل والذكر

وكانت الدنيا بأقطارها ... إليه في البروفي البحر

يشيد الملك بآرائه ... وكان فيه نافذ الأمر

فبينما جعفر في ملكه ... عشية الجمعة بالعمر

يطيرفي الدنيا بأجناحه ... يأمل طول الخلد والعمر

إذ عثر الدهر به عثرة، ... يا ويلنا من عثرة الدهر

وزلت النعل به زلة ... كانت له قاصمة الظهر

فغودرالبائس في ليلة ال ... سبت قتيلا مطلع الفجر

وأصبح الفضل بن يحيى وقد ... أحيط بالشيخ ومايدري

وجيء بالشيخ وأولاده ... يحيى معا في الغل والأسر

والبرمكيين وأتباعهم ... من كان في الآفاق والمصر

كأنما كانوا علي موعد ... كموعد الناس إلى الحشر

وأصبحوا للناس أحدوثة ... سبحان ذي السلطان والأمر

وممن رثاهم فا ستحسن قوله أشجع السلمي، فقال من قصيدة:

ألان أرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي

فقل للمطايا: قد أمنت من السرى ... وطي الذيافي فدفدا بعد فدفد

وقل العطايا بعد فضل: تعطلي ... وقل للرزايا: كل يوم تجددي

ودونك سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند

وقال فيهم سلم الخاسر:

خوت أنجم الجدوى وشلت يد الندى ... وغاضت بحارالجود بعد البرامك

هوت أنجم كانت لأبناء برمك ... بها يعرف الهادي قويم المسالك

وقال فيهم صالح الأعرابي:

لقد خان هذا الدهرأبناء برمك ... وأي ملوك لم تخنها دهورها؟

ألم يك يحيى والي الأرض كلها ... فأضحى كمن وارته منها قبورها

وقال فيهم أبو حزرة الأعرابي، وقيل أبو نواس:

مارمى الدهرآل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمربديع

إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غيرراع حقا لآل الربيع

وقال فيه بعض الشعراء فأحسن:

يابني برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبله

كانت الدنيا عروسا بكم ... وهي اليوم ثكول أرمله

وقال أشجع فيهم:

ولى عن الدنيا بنو برمك ... فلو توالى الناس ما زادا

كأنما أيامهم كلها ... كانت لأهل الأرض أعيادا

ولآخر فيهم من أبيات:

كأن أيامهم من حسن بهجتها ... مواسم الحج والأعياد والجمع

وقال منصور النمري:

أندب بني برمك لدنيا ... تبكي عليهم بكل واد

كانت بهم برهة عروسا ... فاضحت إليوم في حداد

وقال دعبل الخزاعي:

ألم ترصرف الدهرفي آل برمك ... وفي ابن نهيك والقرون التي تخلو

لقد غرس القوم النخيل تمكنا ... فماحصدوا إلاكماحصد البقل

وقال أشجع فيهم أيضا:

قد ساردهر ببني برمك ... ولم يدع فيهم لنا بقيا

كانوا أولي الخيروهم أهله ... فارتفع الخيرعن الدنيا

ولما قتل جعفروقبض على يحيى والفضل، وضيق عليهما المحابس، واشتد بهما الجهد،وترادف عليهما البلاء قال الفضل بن يحيى يذكرماهما فيه:

إلى الله فيما نابنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المضرة والبلوى

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا

وكان الرشيد كثيرا ما ينشد بعد نكبة البرامكة:

إن استهانتها إذاوقعت ... لبقدرما تعلو بها رتبه

وإذا بدت للنمل أجنحة ... حتى يطيرفقددنا عطبه

وقال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت على والدتي يوم نحر، فوجدتها وعندها أمراة برزة متكلمة في اثواب رثة فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى، فأقبلت عليها بوجهي أحدثها وأعظمها ثم قلت لها: يا أماه ما اعجب ما رأيت؟ قالت: يا بني لقد أتى عيد مثل هذا وأنا على رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعد ابني عاقالي ولقد أتى علي هذا العيد وما أتمنى سوى جلد شاتين افترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحا بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا.

وحكي عن بعض عمومة الرشيد انه صار إلى يحيى بن خالد عند تغير الرشيد له قبل الايقاع بهم، فقال له: ان أمير المؤمنين قد أحب جمع الأموال، وقد كثر ولده فهو يريد ان يعقد لهم الضياع، وقد كثر عليك وعلى أصحابك عنده فلو نظرت إلى ضياعهم واموالهم فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت إليه بها رجوت أن يكون لك السلامة، وان يرجع لك أمير المؤمنين، فقال له يحيى: والله لأن تزول النعمة عني أحب إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببها إليهم. وذكر الخليل بن الهيثم الشعبي - وكان قد وكله الرشيد بيحيى والفضل في الحبس - قال: أتاني مسرور الخادم ومعه جماعة من الخدم، ومع خادم منهم منديل ملفوف، فسبق إلى نفسي ان الرشيد قد تعطف عليهم، فوجه إليهم بلطف، فقال لي مسرور: آخرج الفضل بن يحيى، فلما مثل بين يديه قال له: ان أمير المؤمنين يقول لك: إني قد أمرتك ان تصدقني عن أموالكم فزعمت أنك قد فعلت، وقد صح عندي أنك ابقيت لك أموالا، وقد أمرت مسرورا ان لم تطلعه عليها ان يضربك مائتي سوط، فقال له الفضل: قتلت والله يا أبا هاشم، فقال له مسرور: يا أبا العباس أرى لك أنك لا تؤثر مالك على مهجتك، فأني لا آمن أن أنفذ ما أمرت به فيك أن إلي على نفسك، فرفع الفضل رأسه إلى السماء وقال له: يا أبا هاشم، ما كذبت بأمير المؤمنين، ولو كانت الدنيا لي وخيرت بين الخروج منها وبين أن اقرع مقرعة لا خترت الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم. وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا، وكيف صرنا اليوم نصون أموالنا منكم بأنفسنا، فأن كنت أمرت بشيء فامض له، فأمر بالمنديل فنفض، فسقط منه أسواط بأثمارها، فضرب مائتي سوط، وتولى ضربه أولئك الخدم، فضربوه أشد الضرب الذي يكون بغير معرفة، فكادوا يأتون على نفسه، فخافنا عليه الموت، فقال الخليل بن الهيثم لوكيله المعروف بأبي يحيى: أن هنا رجلا قد كان في الحبس، وهو بصير بالعلاج لمثل هذا أو شبهه، فصر إليه وأسأله أن يعالجه، قال: فأنهيت إليه ذلك، فقال: لعلك تريد أن تعالج الفضل بن يحيى، فقد بلغني ما صنع به. فقلت: أياه أريد، قال: فامض بنا إليه حتى اعالجه، فلما رآه قال: أحسبه ضربه خمسين سوطا، قال: أنه ضربه مائتي سوط، قال: ما اظن الا أن هذا اثر خمسين سوطا، ولكن يحتاج أن ينام على بارية وأدوس صدره ساعة، فجزع الفضل من ذلك، ثم أجاب إليه، ففعل ذلك به، ولم يزل يدوس صدره، ثم أخذا بيده فجذبه حتى أقامه عن البارية، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم جعل يختلف إليه ويعالجه إلى أن نظريوما إليه فخر ساجدا، فقلت: ما لك. فقال: يا أبا يحيى، قد برىء أبو العباس،ادن مني حتى ترى، قال: فدنوت منه فأراني في ظهره لحما نابتا، ثم قال لي: أتحفظ قولي هذا اثر خمسين سوطا. قلت: نعم، قال: والله لو ضرب ألف سوط ما كان اثرها بأشد من ذلك الاثر، وأنما قلت ذلك لكي تقوى نفسه فيعينني على علاجه، فلما خرج الرجل قال لي الفضل: يا أبا يحيى، قد احتجت عشرة آلاف درهم، فسر إلى المعروف بالنسائي وأعلمه حاجتي إليها، قال: فأتيته بالرسالة، فأمر بحملها إليه، فقال: يا أبا يحيى، أحب أن تمضي بها إلى هذا الرجل، وتعتذر إليه، وتسأله قبول ما وجهت به، قال: فمضيت إليه فوجدته قاعدا على حصير وطنبور له معلق ودساتيج فيها نبيذ وأداة رثة، فقال: ما حاجتك يا أبا يحيى: فأقبلت أعتذر عن الفضل، واذكر ضيق الأمر عليه، وأعلمته بما وجه به إليه، فامتعض من ذلك ونحر حتى أفزعني، وقال: عشرة آلاف درهم، يرددها، فجهدت كل الجهد أن يقبلها، فأبى، فصرت إلى الفضل، فأعلمته، فقال لي: استقلها والله، ثم قال لي الفضل: أحب أن تعود إلى النسائي ثأنية وتعلمه أني احتجت إلى عشرة آلاف درهم آخرى، فإذا دفعها إليك فسر بالكل إلى الرجل، قال: فقبضت من النسائي عشرة آلاف آخرى ورجعت إلى الرجل ومعي المال، وعرفته الخبر، فأبى أن يقبل شيئا منه، فقال:أنا أعالج فتى من الأبناء بكراء. إذهب عني، فوالله لو كانت عشرين ألف ما قبلتها، فرجعت إلى الفضل واخبرته الخبر، فقال لي: يا أبا يحيى، حدثني بأحسن ما رأيت أو بلغك من أفعالنا، قال: فجعلت أحدثه مليا، فقال: دع عنك هذا، فوالله أن ما فعله هذا الرجل أحسن من كل ما فعلناه في أيامنا كلها.

وقتل جعفربن يحيى وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقيل اقل من ذلك ومات يحيى بن خالد بالرقة في سنة تسع وثمانين ومائة على ما قدمنا.

قال المسعودي: وللرشيد أخبار حسان وسير، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من كتبنا في ذكر أخبار ملوك الروم بعد ظهور الاسلام، وما كان بينه وبين نقفورفيما تقدم من هذا الكتاب. وللبرامكة أخبار حسان، وما كان منهم من الإفضال بالمعروف واصطناع المكارم، وغير ذلك من عجائب أخبارهم وسيرهم وما مدحتهم الشعراء به، ومراثيهم، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأنما نورد في هذا الكتاب لمعا من الأخبار لم يتقدم لها أيراد في ما تقدم من كتبنا، وكذلك ذكرنا بدء أخبارهم قبل ظهور الاسلام. وكونهم على بيت النوبهار، وهو بيت النار ببلخ المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وعلة تسميته برمك، وخبر برمك الأكبر مع ملوك الترك، وخبرهم بعد ظهور الإسلام، وما كان منهم في أيام بني أمية كهشام بن عبد الملك وغيره، وما كان منهم في أيام المنصور، واكتفينا بما ذكرناه في هذا الكتاب من هذه التلويحات من أخبارهم واللمع من آثارهم.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com