Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة هارون الرشيد
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 82 of 107
بويع هارون الرشيد بن المهدي يوم الجمعة صبيحة الليلة التي مات فيها الهادي، بمدينة السلام، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومات بطوس بقرية يقال لها سناباذ، يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الاخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، فكانت ولآيته ثلاثا وعشربن سنة وستة اشهر، وقيل: ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وولي الخلافة وهو ابن أحدى وعشرين سنة وشهرين ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة اشهر.
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** الرشيد يستوزر يحيى بن خالد البرمكي **
ولما افضت الخلافة إلى الرشيد دعا بيحيى بن خالد فقال له: يا ابت، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ؤيمنك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر، ودفع خاتمه إليه، ففي ذلك يقول الموصلي:
ألم ترأن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولى هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهرون واليها، ويحيى وزيرها
وماتت ريطة بنت أبي العباس السفاح لشهور خلت من أيام الرشيد، وقيل: في آخر أيام الهادي، وماتت الخيزران أم الهادي والرشيد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومشى الرشيد أمام جنازتها، وكانت غلة الخيزران مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وفيها مات محمد بن سليمان، وقبض الرشيد أمواله بالبصرة وغيرها، فكان مبلغها نيفا وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع والدور والمستغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم.
** محمد بن سليمان وسوار القاضي يعترضهما مجنون **
وحكي أن محمد بن سليمان ركب يوما بالبصرة وسوار القاضي يسايره في جنازة ابنة عم له، فأعترضه مجنون كان بالبصرة يعرف. برأس النعجة، فقال له: يا محمد، أمن العدل أن تكون نحلتك في كل يوم مائة ألف درهم وأنا اطلب نصف درهم فلا أقدر عليه؟ ثم التفت إلى سوار فقال: إن كان هذا عدلا فأنا أكفر به، فأسرع إليه غلمان محمد، فكفهم عنه، وأمر له بمائة درهم، فلما انصرف محمد وسوار معه اعترضه رأس النعجة فقال له: لقد كرم الله منصبك، وشرف أبوتك، وحسن وجهك، وعظم قدرك، وأرجو أن يكون ذلك لخير يريده الله بك، ولان يجمع الله لك الدارين، فدنا منه سوار فقال: يا خبيث، ما كان هذا قولك في البداءة، فقال له: سألتك بحق الله وبحق الأمير إلاما أخبرتني في أي سورة هذه الآية: " فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " قال: في براءة، قال: صدقت، فبرىء الله ورسوله منك، فضحك محمد ابن سليمان حتى كاد يسقط عن دابته.
ولما بنى محمد بن سليمان قصره على بعض الأنهار دخل إليه عبد الصمد بن شيب بن شبة، فقال له محمد: كيف ترى بنائي؟ قال: بنيت أجل بناء، بأطيب فناء، وأوسع فضاء، وأرق هواء، على احسن ماء، بين صراري وحسان وظباء، فقال محمد: بناء كلامك أحسن من بنائنا، وقيل: أن صاحب الكلام والباني للقصر هو عيسى بن جعفر، على ما حدث به محمد بن زكرياء الغلابي، عن الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شبة، وفي هذا القصر يقول ابن أبي عيينة:
زروادي القصر، نعم القصر والوادي ... لا بد من زورة من غير ميعاد
زره فليس له شبه يقاربه ... من منزل حاضر ان شئت أو باد
ترقى قراقيره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
وفي سنة خمس وسبعين ومائة مات الليث بن سعد، المصري، الفهمي، ويكنى أبا الحارث، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وسمع من نافع.
** موت شريك النخعي القاضي **
وفي سنة خمس وسبعين ومائة مات شريك بن عبد الله بن سنان النخعي القاضي، وكان يكنى أبا عبد الله، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان مولده ببخارى، وليس بشريك بن عبد الله بن أبي أنمر الليثي، لان ابن أبي أنمر مات في سنة أربعين ومائة، وإنما ذكرنا ذلك لأنهما يتشابهان في الأباء والأمهات، وبينهما تسع وثلاثون سنة، وكان شريك بن عبد الله النخعي يتولى القضاء بالكوفة أيام المهدي، ثم عزله موسى الهادي، وكان شريك مع فهمه وعلمه ذكيا فطنا، وكان قد جرى بينه وبين مصعب بن عبد الله كلام بحضرة المهدي فقال له مصعب: أنت تنتقص أبا بكر وعمرو، فقال: ولله ما أنتقص صلك وهو دونهما.
وذكر معاوية عند شريك بالحلم، فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب.
وشم من شريك رائحة النبيذ، فقال له أصحاب الحديث: لوكانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال: لأنكم أهل الريبة.
** موت مالك بن أنس الإمام **
ومات في أيام الرشيد أبو عبد الله مالك بن انس بن أبي عأمر، الأصبحي، وهو ابن تسعين سنة، وحمل به ثلاث سنين، وذلك في ربيع الأول، وقيل: أنه صلى عليه ابن أبي ذئب، على ما ذكر من التنازع في وفاة ابن أبي ذئب، وذكر الواقدي أن مالكا كان يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمع والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ثم ترك ذلك كله، ثم قيل له فيه، فقال: ليس كل انسان يقدرأن يتكلم بعذره.
وسعى به إلى جعفربن سليمان، وقيل له: أنه لا يرى أيمان بيعتكم شيئا فضربه بالسياط، ومذ لذلك حتى انخلع كتفأه.
وفي السنة التي مات فيها مالك كانت وفاة حماد بن زيد، وهي سنة تسع وسبعين ومائة.
وفي سنة إحدى وستين ومائة مات عبد الله بن المبارك، المروزي، الفقيه، بهيت بعد منصرفه من طرسوس.
** القاضي أبو يوسف **
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة مات أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وهو ابن تسع وستين سنة، وهو رجل من الأنصار، وولي القضاء سنة ست وستين ومائة في أيام خروج الهادي إلى خرجان، وأقام على القضاء إلى ان مات خمس عشرة سنة.
قال المسعودي: وقد كانت أم جعفر كتبت مسألة إلى أبي يوسف تستفتيه فيها، فأفتاها بما وافق مرادها على حسب ما أوجبته الشريعة عنده وأداه اجتهاده إليه، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقان من فضة في كل حق لون من الطيب، وجام ذهب فيه دراهم، وجام فضة فيه دنإنير، وغلمان وتخوت من ثياب، وحمار وبغل، فقال له بعض من حضره: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها " فقال أبو يوسف: تأولت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، ذاك إذ كان هدايا الناس التمر واللبن، لا في هذا الوقت وهدايا الناس اليوم العين والورق وغيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
** بين عبد الله بن مصعب الزبيري وموسى بن عبد الله بن الحسن الطالبي بحضرة الرشيد **
وذكر الفضل بن الربيع قال: صار إلي عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فقال: إن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي قد أراداني على البيعة له، فجمع الرشيد بينهما، فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا وأردتم نقض دولتنا، فالتفت إليه موسى فقال: ومن أنتم؟ فغلب على الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف حتى لا يظهر منه، ثم قال موسى يا أمير المؤمنين، هذا الذي ترى المشنع علي خرج والله مع أخي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسنبن علي علي جدك المنصور، وهو القائل من أبيات:
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حسن في شعر طويل، وليس سعايته يا أمير المؤمنين حبا لك، ولا مراعاة لدولتك، ولكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، ولو وجد من ينتصر به علينا جميعا لكان معه، وقد قال باطلا وأنا مستحلفه، فأن حلف إني قلت ذلك فدمي لأمير المؤمنين حلال فقال الرشيد احلف له يا عبد الله، فلما أراده موسى على اليمين تلكأ وامتنع، فقال له الفضل: لم تمنع وقد زعمت آنفأ أنه قال لك ما ذكرته، قال عبد الله: فأنا أحلف له، قال موسى: قل تقلدت الحول والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي وقوتي إن لم يكن ما حكيته عني حقا، فحلف له، فقال موسى: الله اكبر، حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جده علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال " ما حلف أحد بهذه اليمين وهو كاذب إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاثة " والله ما كذبت ولا كذبت، وها أنا يا أمير المؤمنين بين يديك وفي قبضتك، فتقدم بالتوكيل علي، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يحدث على عبد الله بن مصعب حادث فدمي لأمير المؤمنين حلال، فقال الرشيد للفضل: خذ بيد موسى فليكن عندك حتى أنظرفي أمره.
قال الفضل: فوالله ما صليت العصر من ذلك اليوم حتى سمعت الصراخ من دار عبد الله بن مصعب، فأمرت من يتعرف خبره، فعرفت إنه قد أصابه الجذام، وإنه قد تورم واسود، فصرت إليه، فوالله ما كدت أعرفه لإنه صار كالزق العظيم ثم اسود حتى صار كالفحم، فصرت إلى الرشيد فعرفته خبره، فما إنقضى كلامي حتى أتى خبر وفاته، فبادرت بالخروج، وأمرت بتعجيل أمره والفراغ منه، وتوليت الصلاة عليه، فلما دلوه في حفرته لم يستقر فيها حتى انخسفت به وخرجت منه رائحة مفرطة النتن، فرأيت أحمال شوك تمر في الطريق فقلت: علي بذلك الشوك، فأتيت به، فطرح في تلك الوهدة، فما استقر حتى انخسفت ثانية، فقلت علي بألواح ساج، فطرحت على موضع قبره، ثم طرح التراب عليها، وانصرفت إلى الرشيد فعرفته الخبر وما عاينت من الأمر فأكثر التعجب من ذلك، وأمرني بتخلية موسى بن عبد الله رضي الله عنه، وإن أعطيه ألف دينار، وأحضر الرشيد موسى فقال له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة بين الناس؟ قال: لإنا روينا عن جدنا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف بيمين مجد الله فيها استحيا الله من تعجيل عقوبته. وما من أحد حلف بيمين كاذبة نازع الله فيها حوله وقوته إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث " .
وقيل: إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي أخو موسى بن عبد الله، ورضوان الله عليهم!.
وكان يحيى قد سار إلى الديلم مستجيرا، فباعه صاحب الديلم من عامل الرشيد بمائة ألف درهم، فقتل، رحمه الله!.
وقد روي من وجه آخر على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الأنساب والتواريخ إن يحيى ألقي في بركة فيها سباع قد جوعت، فأمسكت عن أكله، ولاذت بناحية، وهابت الدنو إليه، فبنى عليه ركن بالجص والحجر وهو حي.
** ظهور محمد بن جعفر، ثم هربه إلى المغرب **
وقد كان محمد بن جعفربن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي كرم الله وجهه سار إلى مصر، فطلب، فدخل المغرب، واتصل ببلاد تهرت السفلى، واجتمع إليه خلق من الناس، فظهر فيهم بعدل وحسن استقامة، فمات هنالك مسموما، وقد أتينا على كيفية خبره وما كان من أمره في كتاب حدائق الأذهان، في أخبار أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقهم في البلدان.
** الرشيد يحج آخر حجة **
وفي سنة ثمانية وثمانين ومائة حج الرشيد، وهي آخر حجة حجها، فذكر عن أبي بكر بن عياش وكان من عليه أهل العلم إنه قال وقد اجتاز الرشيد بالكوفة فدب حال منصرفه من هذه الحجة: لا يعود إلى هذه الطريق، ولا خليفة من بني العباس بعده أبدا، فقيل له: أضرب من الغيب؟ قال: نعم، قيل: بوحي؟ قال: نعم، قيل: إليك؟ قال: لا، إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أخبر عنه علي رضي الله عنه المقتول في هذا الموضع، وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه علي بالكوفة، رضي الله عنه
** موت الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني **
وفي سنة تسع وثمانين ومائة وذلك في أيام الرشيد مات علي بن حمزة الكسائي صاحب القراءات، ويكنى أبا الحسن، وكان قد شخص مع الرشيد إلى الري فمات بها، وكذلك مات محمد بن الحسن الشيباني القاضي، ويكنى أبا عبد الله، ودفن بالري وهو مع الرشيد، وتطير من وفاة محمد بن الحسن لرؤيا كان رأها في نومه.
** يحيى بن خالد سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح **
وفي هذه السنة كانت وفاة يحيى بن خالد بن برمك.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة كان سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، فحدث يموت بن المزرع عن الرياشي، قال: سمعت الأصمعي يقول: كنت عند الرشيد، وأتى بعبد الملك بن صالح يرفل في قيوده، فلما نظر إليه قال: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إليك وشؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتها، فخذوا حذركم مني قبل حلول داهية خبوط باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما؟ فقال: توأما، قال: فاتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وراقبه في رعاياك التي استرعاك، قد سهلت لك والله الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب.
ومقام ضيق فرجته ... بلسان أو بيان أوجدل
لو يقوم الذيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي أوزحل
قال: فأرادا يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقام عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني إنك حقود، فقال: أصلح الله الوزير!! إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي إنهما لباقيان في قلبي، فالتفت الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أصمعي حررها فوالله ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ثم أمر به فرد إلى محبسه، ثم التفت إلى الأصمعي، فقال: والله والله يا أصمعي لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مرارا، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
** أهديت للرشيد سمكة فمنعها عنه ابن يختيشوع الطبيب **
حدث يوسف بن إبراهيم بن المهدي، قال: حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، إنه كان واقفا على رأس الرشيد بالحيرة وهو يتغدى إذ دخل عون العبادي، وكان صاحب الحيرة، وفي يده صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعه محبس قد أتخذ لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه جبريل بن بختيشوع، وأشار جبريل إلى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وإن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع إليه بخبره، ففعلت ما أمرني به وأحسب إن أمري لم يخف على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار إلى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة، فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصب عليها خمرا من خمر طير ناباذ وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل القاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطربلي فصبه على السمكة وقال: هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصب عليها ماء بثلج شديد البرودة، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين أعزه الله إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القدح الثالث قطعة من السمكة وجعل قطعا من اللحم من الوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد ويقول، ومن سائر ما قدم إليه من الألوان، من كل واحد منها جزأ يسيرا مثل اللقمة، واللقمتين، وصب عليها ماء بثلج، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين خلط السمك بغيره، من الطعام ودفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة، وقال: احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين أعزه الله، ثم أقبل جبريل على السمكة فأكل منها حتى تضلع، وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه، ثم نام، فلما انتبه الرشيد من نومه سالذي عما عندي من خبر جبريل، وهل أكل من السمكة شيئا أم لم يأكل، فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الأقداح الثلاثة فوجد ما في القدح الأول وهو الذي ذكر جبريل إنه أكله وصب عليه الخمر الصرف قد تفتت وانماع واختلط، ووجد ما في القدح الثاني الذي قال جبريل إنه أكل أمير المؤمنين وصب عليه الماء بالثلج قد ربا وصار على النصف مما كان، ونظر إلى القدح الثالث الذي قال جبريل وهذا أكل أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره قد تغيرت رائحته وحدثت له سهوكة شديدة كاد الرشيد أن يتقايأ حين قرب منه، فأمرني بحمل خمسة آلاف دينار إلى جبريل وقال: من يلومني على محبة هذا الرجل الذي يدبرني بهذا التدبير؟ فأوصلت إليه المال.
** رؤيا للرشيد يؤمر بالتخلية عن موسى بن جعفر **
وذكر عبد الله بن مالك الخزاعي وكان على دار الرشيد وشرطته قال:أاتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط، فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك منه فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم، فعرف الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول عليه، فدخلت، فوجدته قاعدا على فراشه، فسلمت، فسكت ساعة، فطار عقلي وتضاعف الجزع علي ثم قال لي: يا عبد الله، أتدري لم طلبتك في هذا الوقت؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني ومعه حربة فقال لي: إن تخل عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر؟ ثلاثا، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى ابن جعفر واعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك قال: فمضيت إلى الحبس لآخرجه، فلما رأني موسى وثب إلي قائما وظن إني قد أمرت فيه بمكروه. فقلت: لا تخف، وقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك: إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت الإنصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مطلق إليك. وأعطيته الثلاثين ألف درهم، وخليت سبيله، وقلت لقد رأيت من أمرك عجبا، قال: فإني أخبرك: بينما أنا نائم إذ اتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى، حبست مظلوما فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ فقال: قل يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليما ذا أناة لا يقوي على أناته ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصى عمدا، فرج عني، فكان ما ترى.
** إبراهيم بن المهدي يغني لأسود **
وذكر حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: قال إبراهيم و المهدي: حججت مع الرشيد، فبينا نحن في الطريق وقد إنفردت أسير وحدي وأنا على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فسلكت بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادة، فاشتد بي الحر، فعطشت عطث شديدا، فارتفع لي خباء، فقصدته، فإذا بقبة وبجنبها بئر ماء بقرب مزرعة، وذلك بين مكة والمدينة، ولم أر بها إنسيا، فاطلعت في القبة فإذا أنا بأسود نائم، فأحس بي ففتح عينيه كأنهما إجانتا دم، فاستوى جالسا، وإذا هو عظيم الصورة، فقلت: يا أسود، اسقني من هذا الماء،: فقال يا أسود اسقني من هذا الماء، محاكيا لي، وقال: إن كنت عطشانا فأنزل واشرب، وكان تحتي برذون خبيث نفور، فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون، وما نفعني الغناء قط إلا في ذلك، وذلك إني رفعت عقيرتي وأنا أغني:
كفنوني إن مت في درع أروى ... واستقوا لي من بئرعروة ماء
فلها مربع بجنب أجاج ... ومصيف بالقصر قصر قباء
سخنة في الشتاء، باردة في ال ... صيف، بدز في الليلة الظلماء فرفع الأسود رأسه إلي، وقال: أيما أحب إليك: إن أسقيك ماء،وحده أو ماء وسويقا، قلت: الماء والسويق، فآخرج قعبا له فصب السويق في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول: واحر صدراه، وانارات اللهب في فؤادي، يا مولاي زدني وأنا ازيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالا،ولست أشك إنك تعطش، لكن أملأ قربتي هذه واحملها قدامك، فقلت: افعل قال: فملأ قربته وسار قداأمي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت لاستريح أقبل علي فقال: يا مولاي، أما عطشت، فأغنيه النصب، إلى إن أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سر رعاك الله ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، ضقت بالقافلة والرشيد كان قد فقدني، وقد بث البخت والخيل في البر يطلبونني، فسر بي حين رأني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك!! ما حر صدرك، فقال: يا مولاي ميمونة، قال: ومن ميمونة؟ قال: بنت حبشية، قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي، فأمر الرشيد بابتياعها له، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمنا، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسود وأعتقه، وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلثمائة دينار.
ودخل ابن السماك على الرشيد يوما وبين يديه حمامة تلتقط حبا، فقال له: صفها وأوجز، فقال: كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم:
هتفت هاتفة آ ... ذنها ألف ببين
ذات طوق مثل ع ... طف السنون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة ... نحوك من ياقوتتين
ترجع الأنفاس من ث ... قبين كاللؤلؤتين
وترى مثل الب ... ساتين لها قادمتين
ولها لحيان كالصد ... غين من عرعرتين
ولها ساقان حمرا ... وان متل الوردتين
نسجت فوق جناح ... يها لها برنوستين
وهي طاووسية ال ... لون بنان المنكبين
تحت ظل من ظلال الأي ... ك صافي الكتفين
فقدت إلفا فناجت ... من تباريح وبين
فهي تبكيه بلا دم ... ع جمود المقلتين
وهي لاتصبغ عينا ... ها كما تصبغ عيني
** بين الرشيد ومعن بن زائدة **
ودخل معن بن زائدة على الرشيد وقد كان وجد عليه، فمشى فقارب الخطو فقال له هارون: كبرت والله يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال: وإن فيك على ذلك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فرضي عنه وولاه.
قال: وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال: ويح هذا ا! ما ترك لربه شيئا.
وقال الرشيد يوما لمعن بن زائدة: إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفأ مشحوذا على عدوك، فإن شئت فقل، وقيل: إن هذا الجواب من كلام يزيد بن مزيد.
** بين الرشيد والكسائي **
وقال الكسائي : دخلت على الرشيد، فلما قضيت حق التسليم والدعاء وثبت للقيام، فقال: اقعد، فلم أزل عنده حتى خف عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا خاصته، فقال لي: يا علي، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله، قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، وأسرنى بمعاينة نعمة الله على أمير المؤمنين فيهما، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، وقد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا على باب المجلس، فسلما على أبيهما بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء. فأمرهما بالدنو منه فدنوا فصير محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني ان استقرئهما وأسألهما، ففعلت، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه. ثم قال لي: يا علي، كيف ترى مذهبهما وجوابهما. فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال الشاعر:
أرى قمري مجد وفرعي خلافة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
يا أمير المؤمنين هما فرع زكا أصله، وطاب مغرسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، يحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فأمتع الله أمير المؤمنين بهما، وأنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما ثم قلت لهما: هلى ترويان من الشعر شيئا؟ فقالا: نعم، ثم أنشدني محمد:
وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لايوافقه شكلي
وأجعل مالي دون عرضي جنة ... لنفسي، ومفضال بما كان من فضل
ثم انشد عبد الله:
بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ماتدري
ملك الأمورعلي مقتدر ... يعطي إذا ماشاء من يسر
ولرب مغتبط بمرزئة ... ومفجع بنوائب الدهر
وترى قناتي حين يغمدها ... عض الثقاف بطيئة الكسر
فما رأيت أحدا من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أذرب السنا ولا أحسن ألفاظا ولا أشد اقتدارا على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيرا، وأمن الرشيد على دعائي، ثم ضمهما إليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل علي فقال: كأنك بهما وقد حم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، شد تشتتت كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما أو لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما، فقال: لا والله إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.
** وصية الرشيد لمؤدب الأمين الأحمر النحوي **
قال الأحمر النحوي: بعث إلي الرشيد لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، اقرئه القرآن، وعرفه الأثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
** العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين **
ويقال: أن العماني الشاعر قام بحضرة الرشيد خطيبا فلم يزل يقرظ محمدا ويحرضه على تجديد العهد له، فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عماني بولاية العهد له، فقال: إي والله يا أمير المؤمنين سرور العشب بالغيث، والمراة البنور بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيج وحده، وحامي مجده، وشبيه حده، قال: فما تقول في عبد الله؟. قال: مرعى ولا كالسعدان فتبسم الرشيد وقال: قاتله الله! من أعرابي ما أعرفه بمواضع الرغبة، أما والله إني لأتعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، والله لو شاء الله أن أنسبه إلى الرابعة لنسبته إليها.
** حرص الرشيد على ولاية عهده **
قال الأصمعي: بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقا شديدا فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي آخرى ثم أنشا يقول:
قلد أمورعباد الفه ذا ثقة ... موحد الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقالة أقوام ذوي خطل ... لا يفهمون إذا ما معشر فهموا
فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد أمرا عظيما، ثم قال لمسرور الخادم: علي بيحيى، فما لبث أن أتاه فقال: يا أبا الفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في غير وصية والإسلام جذع، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمنها الله تعالى بعد الخوف، وأعزها بعد الذل، فما لبث إن ارتد عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وأن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شورى فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وأمن ضعفه ووهنه، وهو عبد الله، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الإنقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن ملت إلى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا أبالأمر لم أمن تخليطه على الرعية. فأشر علي في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد الله مبارك الرأي لطيف النظر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على إن عقد الأمر لعبد الله بعد محمد.
ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت: ما أنصفت ابنك محمدا حيث وليته العراق وأعريته عن العمد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد الله دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الاعمال واختبار الرجال؟ إني وليت ابنك السلم، وعبد الله الحرب، وصاحب الحرب أحوج إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد الله، ولا نتخوف عبد الله على إبنك إن بويع.
** الرشيد يعلق كتاب العهد في الكعبة **
وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجا ومعه وليا عهده: الأمين والمأمون، وكتب الشرطين بينهما وعلقهما في الكعبة.
وحكي عن ابراهيم الحجبي إن الكتاب لما رفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي: وقع قبل أن يرتفع، إن هذا الأمر سريع إنتقاضه قبل تمامه.
وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعضم الناس أمر الشرط والإيمان في الكعبة، فرأيت رجلا من هذيل يقود بغيره وهو يقول:
وبيعة قد نكثت أيمانها ... وفتنة قد سعرت نيرانها
فقلت له: ويحك ما تقول؟! قال: أقول إن السيوف ستسل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر قلت: وكيف ترى ذلك؟ قال: أما ترى البعير واقفا والرجلان يتنازعان والغراأبان قد وقعا على الدم والتطخا به، والله لا يكون آخر هذا الأمر إلا محاربة وشرا. ويروى إن الأمين لما حلف للرشيد بما حلف له به، وأرادا الخروج من الكعبة رد جعفر بن يحيى، وقال له: فإن غدرت بأخيك خذلك الله حتى فعل ذلك ثلاثا في كلها يحلف له، وبهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر بن يحيى، فكانت أحد من حرض الرشيد على أمره وبعثته على ما نزل به.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وثمانين ومائة بايع الرشيد لإبنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، فإذا افضت الخلافة إلى المأمون كان أمره إليه، إن شاء إن يقره أقره، وإن شاء أن يخلعه خلعه.
** وفاة الفضيل بن عياض **
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وثمانين ومائة توفي الفضيل بن عياض ويكنى أبا علي، وكان مولده بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع من المنصور ابن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن مات.
حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا الرشيد، فدخلنا عليه ودخل الفضيل أخرنا مقنعا رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: أنت يا حسن الوجه، الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك، لقد تقلدت أمرا عظيما، فبكى الرشيد، ثم أتى كل رجل منا ببدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي، إن لم تستحلها فأعطها ذادين، وأشبع بها جائعا واكس بها عريانا، فاستعفى منها، فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، اخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذا بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.
** موت موسى بن جعفر الطالبي **
وقبض موسى بن جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ببغداد مسموما، لخمس عشرة سنة خلت من ملك الرشيد، سنة ست وثمانين ومائة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقد ذكرنا في رسالة بيان أسماء الأئمة القطعية من الشيعة: أسماءهم، وأسماء أمهاتهم، ومواضع قبورهم، ومقادير أعمارهم، وكم عاش كل واحد منهم مع أبيه ومن أدرك من أجداده رضي الله عنهم.
** من شعر العتابي في الرشيد. **
ولكلثوم العتابي في الرشيد من أبيات:
إمام له كف يضم بنانها ... عصا الدين ممنوع من البر عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليها قربها وبعيدها
وأسمع يقظانا يبيت مناجيا ... له في الحشا مستودعات يكيدها
سميع إذا ناداه من قعر كربة ... مناد كفته دعوة لا يعيدها
حدث يموت بن المزرع قال: حدثني خالد عن عمرو بن بحر الجاحظ قال:
** العتابي ينال من أبي نواس **
كان كلثوم يضع من قدر أبي نواس، فقال له راوية أبي نواس يوما: كيف تضع من قدر أبي نواس وهو الذي يقول:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني لغيرك
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
قال العتابي: هذا سرقه، قال: ممن؟ قال: من أبي الهذيل الجمحي قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وإذا يقال لبعضهم نعم الفتى ... فإبن المغيرة ذلك النعم
عقم النساء فلا يجئن بمثله ... إن النساءبمثله عقم
قال: فقد أحسن في قوله:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
قال: سرقة أيضا، قال له: وممن؟ قال: من شوسة الفقعسي، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
إذا ماسقيم حل عنها وكاءها ... تصعدفيه برؤه اوتصوبا
وإان خالطت منه الحشا خلت أنه ... على سالف الأيام لم يبق موصبا
قال: فقد أحسن في قوله:
وما خلقت إلا لبذل أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر
قال: قد سرقه أيضا، قال: ممن؟ قال: من مروان بن أبي حفصة، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وماخلقت إلا لبذل أكفهم ... وأالسنهم إلالتحبير منطق فيوما يبارون الرياح سماحة ... ويوما لبذل الخاطب المتشدق
قال: فسكت الراوية، ولو أتى بشعره كله لقال سرقه.
** أبو العتاهية وعتبة **
وحدث أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عتبة، فوعده بتزويجها أانه يسألها في ذلك: فإن أجابت جهزها وأعطاه مالا عظيما، ثم إن الرشيد سنح له شغل استمر به، فحجب أبو العتاهية عن الوصول إليه، فدفع إلى مسرور الخادم الكبير ثلاث مراوح، فدخل بها على الرشيد وهو يتبسم، وكانت مجتمعة، فقرأ على واحدة منها مكتوبا:
ولقد تنسمت الرياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيه شميم
فقال: أحسن الخبيث، وإذا على الثانية:
أعلقت نفسي من رجائك ماله ... عنق يحث إليك بي ورسيم
فقال: قد أجاد، وإذا على الثالثة:
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
فقال: قاتله الله!! ما أحسن ما قال، ثم دعا به، وقال: ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء الله، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك، فأكبرت ذلك وأعظمته، وصارت إليه تستعفيه، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها، فلما كان في الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه، فقال لها: لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها، قالت: أنا امتك وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي الله عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حجة وجبت علي أخرى لا أقتصر منها على الكفارة، وكلما أفدت شيئا تصدقت به إلا ما أصلي فيه، وبكت بين يديه، فرق لها ورحمها وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية وهو لا يشك في الظفر بها فقال له الرشيد: والله ما قصرت في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك، وشرح له الخبر، قال أبو العتاهية: فلما أخبرني بذلك مكثت مليا لا أدري أين أنا، ثم قلت: الآن يئست منها إذ ردتك، وعلمت إنها لا تجيب أحدا بعدك، فلبس ابو العتاهية الصوف، وقال في ذلك من أبيات:
قطعت منك حبائل الآمال ... وحططت عن ظهر المطي رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فغنيت عن حل وعن ترحال
وذكر إنه لما اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عتبة:
ألا إن ظبيا للخليفة صادني ... ومالي على ضبي الخليفة من عدوى
غضب الرشيد وقال: أسخر منا فعبث، وأمر بحبسه، فدفعه إلى تنجاب صاحب عقوبته، وكان فظا غليظا، فقال أبو العتاهية:
تنجاب لا تعجل ... علي فليس ذا من رائه
ماخلت هذا في مخا ... يل ضو ءبرق سمائه
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه:
إنما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه
قيل لي: قد رضيت عني، فمن لي ... أن أرى لي على رضاك علامه
فقال الرشيد: لله أبوه! لو رأيته ما حبسته، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائبا عني، وأمر بإطلاقه: وأبو العتاهية الذي يقول:
نراع لذكر الموت ساعة ذكره ... ونغتر بالدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وماكنت فيه فهوشيء محبب
وهو الذي يقول أيضا:
حتوفهارصد، وعيشها رنق ... وكدها نكد، وملكها دول
وهو الذي يقول:
المرء في تأخير مدته ... كالثوب يبلى بعد جدته
عجبا لمنتبه يضيع ما ... يحتاج فيه ليوم رقدته
وقال:
لا تأمن الدنيا على غدرها ... كم غدرت قبل بأمثالكا
قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
إنما أنت مستعير لما سو ... ف تردن، والمعار يرد كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الانفاس فيها تعد
وقال:
حياتك أنفاس تعد، فكلما ... مضى نفس منهانقصت به جزءا
يميتك ما يحييك في كل ساعة ... ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءا
ألا يا موت لم أر منك بدا ... أتيت بما يخيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأني لم أجد أحدا يموت
أليس الموت غاية كل حي ... فمالي لا أبادر ما يفوت
وقال:
وعظتك أجداث صمت ... وبكتك ساكنة خفت
وتكلمت عن أعظم ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وانت حيئ لم تمت
ومشيد دارا ليسكن ظلها ... سكن القبور، وداره لم يسكن
** إسحاق الموصلي يغني للرشيد: **
حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد أغنيه إذ طرب لغنائي، وقال: لا تبرح، ولم أزل أغنيه حتى نام، فأمسكت، ووضعت العود في حجري،، جلست مكاني، فإذا بشاب صبيح الوجه حسن القد عليه مقطعأت خز وهيئة جميلة، فدخل وسلم وجلس، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي: عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم نره، فضرب بيده إلى العود، فأخذه ووضعه في حجره وجسه، فرأيت أنه جس أحسن خلق الله، ثم أصلحه إصلاحا ما أدري ما هو، ثم ضرب ضربا، فما سمعت أذني صوتا أجود منه، ثم إندفع يغني:
ألا عللاني قبل إن نتفرفا ... وهات اسقني صرفا شرابا مروقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يفضح الدجى ... وكاد قميص الليل أن يتمزقا
ثم وضع العود من حجره، وقال: يا عاض بظر أمه، إذا فنيت فغن هكذا، ثم خرج، فقمت على أثره، فقلت للحاجب: من الفتى الذي خرج الساعة؟ فقال: ما دخل هنا أحد ولا خرج قلت: نعم الساعة مر بين يدي فتى صفته كيت وكيت، قال: لا والله ما دخل أحد ولا خرج فبقيت متعجبا، فبقي متعجبا، وقال: لقد صادفت شيطانا، ثم قال: أعد علي الصوت، فأعدته عليه، فطرب طربا شديدا، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
** جماعة المغنين عند الرشيد **
وحدث إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعا حذذقا، طيب العشرة، مليح البادرة، فاقترح الرشيد وقد عمل فيه النبيذ صوتا، فأمر صاحب الستارة ابن جامع أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه، ثم فعل مثل ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستار لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنيه؟ قال إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعا متعجبين من جراءة مثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول وقد رفع صوته: يا مسكين أعده، فأعاده بقوة ونشاط واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان فقال الرشيد: أحسنت والله يا مسكين وأجملت، ورفعت الستارة بيننا وبينه قال مسكين: يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبرا عجيبا قال: وما هو؟ قال: كنت عبدا خياطا لبعض آل الزبير، وكان لمولاي علي ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، وكنى مولعا بالغناء محبا له فخطت يوما قميصا لبعض الطالبيين، فدفع إلي درهمين وتغديت عنده وسقاني أقداحا، فخرجت وأنا جذلان، فلقيتني سوداء على رقبتها جرة وهي تغني هذا الصوت، فأذهلني عن كل مهم وأنساني كل حاجة، فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيت علي هذا الصوت، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك! إلا بدرهمين، فأخرجت والله يا أمير المؤمنين الدرهمين فدفعتهما إليها فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفت إلى مولاي، فقال لي هلم خراجك، فقلت: كان وكان، فقال: يا ابن اللخناء. ألم أتقدم إليك إني لا أقبل لك عذرا في حبة تكسرها. وبطحني وضربني خمسين جريدة بأشد ضرب يكون وحلق لحيتي ورأسي، فبت يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق الله حالا، وأنسيت االصوت مما نالذي فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه وبقيت متحيرا لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرت بها مقبلة، فانسيت كل ما نالذي وملت إليها، فقالت: أنسيت الصوت ورب الكعبة، فقلت: الأمر كما ذكرت، وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت: وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين، فأخرجت جلمي ورهنته على درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن رأسها واندفعت، فمرت فيه ثم قالت: كأني بك وقد أخذات مكان الآربعة دراهم أربعة ألاف دينار، من الخليفة، ثم إندفعت تغنيه وتوقع على جرتها، فلم تزل تردده حتى رسخ في صدري، ثم مضت، وانصرفت إلى مولاي وجلا، فقال: هلم خراجك، فلويت لساني، فقال: يا ابن اللخناء، ألم يكفك ما مر عليك بالأمس، فقلت: إني أعرفك إني اشتريت بخراجي أمس واليوم هذا الصوت، واندفعت أغنيه، فقال لي: ويحك معك هذا الصوت منذ يومين ولم تعلمني، امرأته طالق لو كنت قلته أمس لاعتقتك فأما حلق الرأس واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك فقد وهبه الله لك إلى إن ينبت شعرك، قال: فضحك الرشيد وقال: ويلك!! ما أدري أيما أحسن: حديثك، أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما ذكرته السوداء، فقبضه وانصرف! والشعر:
قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لرائد من منزل؟
ما بالديار من البلى فلقد أرى ... فلسوف أحمل للبلى في محمل
** الرشيد يجري حلبة الخيل **
واجرى الرشيد الخيل يوما بالرقة، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فوقف على فرسه وكان في اوائلها سوابق من خيله يقدمها فرسان في عنان واحد لا يتقدم أحدهما صاحبه، فتأملها فقال: فرسي والله، ثم تأمل الأخر فقال: فرس ابني المأمون، قال: فجاءا يحتكان أمام الخيل، وكان فرسه السابق وفرس المأمون الثانية، فسر بذلك، ثم جاء الخيل بعد ذلك، فلما إنقضى المجلس وهم بالانصراف قال الأصمعي وكان حاضرا وقد تبين سرور الرشيد للفضل بن الربيع: يا أبا العباس، هذا يوم من الأيام فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين، وقام الفضل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا الأصمعي يذكر شيئا من أمر الفرسين يزيد الله به أمير المؤمنين سرورا، قال: هاته، فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين، كنت وابنك اليوم في فرسيكما كما قالت الخنساء :
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتنازعان ملاءة الحضر
وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر
برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يقاربه ... لولا جلال السن والكبر
** طبق سمك يتكلف ألف درهم **
حدث إبراهيم بن المهدي قال: استزرت الرشيد بالرقة، فزارني، وكان يأكل االطعام الحار قبل البارد، فلما وضعت البوارد رأى فيما قرب إليه منها جام قريص مثل قريص السمك، فاستصغر القطع، وقال: لم صغر طباخك تقطيع السمك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنة السمك، قال: فيشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان، فقال مراقب خادمه: يا أمير المؤمنين، فيها أكئر من مائة وخمسين، فاستحلفه عن مبلغ ثمن السمك، فأخبره إنه قام بأكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده وحلف أن لا يطعم شيئا دون أن يحضره ألف درهم فلما حضر المال أمر أن يتصدق به. وقال: أرجو أن يكون كفارة لسرفك في إنفاقك على جام سمك ألف درهم، ثم ناول الجام بعض خدمه وقال: أخرج من دار أخي، ثم إنظر أول سائل تراه فادفعه إليه، قال إبراهيم: وكان شراء الجام على الرشيد بمائتين وسبعين دينارا، فغمزت بعض خدمي للخروج مع الخادم ليبتاع الجام ممن يصير إليه، وفطن الرشيد فقال له: يا غلام إذا دفعته إلى سائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين إحذر أن تبيعه بأقل من مائتي دينار فإنه خير منها، ففعل الخادم ذلك، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلصه من السائل إلا بمائتي دينار.
** أحسن الأسماء وأسمجها **
وقال إبراهيم بن المهدي: كنت أنا والرشيد على ظهر حراقة وهو يريد نحو الموصل والمدادون يمدون، والشطرنج بين أيدينا، فلما فرغنا قال لي الرشيد: يا إبراهيم ما أحسن الأسماء عندك؟ قلت: اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما الثاني بعده؟ قلت: اسم هرون اسم أمير المؤمنين، قال: فما أسمجها، قلت: إبراهيم، فزارني وقال: ويلك!! أليس هو اسم إبراهيم خليل الرحمن جل وعز، قلت بشؤم هذا الإسم لقي ما لقي من نمرود، قال: وإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: لا جرم لما سمي بهذا الاسم لم يعش، قال: فإبراهيم الإمام، قلت: بحرفة اسمه قتله مروان الجعدي في جراب النورة، وأزيدك يا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن قتل، ولم أجد أحدا سمي بهذا الاسم إلا رأيته مقتولا أو مضروبا أو مطرودا، فما انقضى كلامي حتى سمعت ملاحا على بعض الحراقات يهتف بأعلى صوته: يا إبراهيم يا عاض كذا وكذا من أمه مد، فالتفت إلي الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، أصدقت قولي إن اشأم الأسماء إبراهيم فضحك حتى فحص برجله.
** أدب مخاطبة الأمراء **
قال: وكنت يوما عنده فإذا رسول عبد الله قد أتى، ومعه أطباق خيزران عليها مناديل، ومعه كتاب، فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول: بره الله ووصله فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الشي أطنبت في شكره حتى نشركك في جميل شكره؟ قال: هذا عبد الله بن صالح، ثم كشف المنديل، فإذا أطباق بعضها فوق بعض: في أحدها فستق، وفي الأخر بندق، إلى غير ذلك من الفاكهة، فقلت: يا أمير المؤمنين ما في هذا البر ما يستحق به هذا الدعاء، إلا أن يكون في الكتاب شيء قد خفي علي، فنبذه إلي، فإذا فيه: دخلت يا أمير المؤمنين بستانا لي في داري عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فأخذت من كل شيء، وصيرته في أطباق قضبان ووجهته إلى أمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من نوافل بره، قلت: ولا والله ما في هذا أيضا ما يستحق به هذا، فقال: يا غبي أما ترى كيف كنى بالقضبان عن الخيزران إعظاما لأمنا رحمها الله تعالى.
** رجل يتعرض للرشيد بقصة فيثيبه بأربعة ألاف دينار **
ويروي إنه وقف رجل من بني أمية للرشيد على الطريق وبيده كتاب كالقصة، فإذا فيه أربعة أبيات، وهي:
يا أمين الله، إني قائل ... قول في لب وصدق وحسب
لكم الفضل علينا، ولنا ... بكم الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
فصل الأرحام منا، إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب
فاستحسن ذلك الرشيد فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك.
** السكر أطيب أو المشان **
وكان الرشيد ذات يوم وأبو يوسف القاضي وعبد الوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرطب، فقال أبو يوسف: السكر أطيب من المشان، وقال عبد الوهاب: المشان أطيب، فقال الرشيد، ليحضر الطعام، ودعا بعدة من بني هاشم كانوا هناك، فاقبلوا جميعا على السكر، وتركوا المشان، فقال الرشيد: قضوا عليك يا أبا عبد الرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبد الرحمن: إني لم أر مشان قط أردأ من هذا، فقال له أبو يوسف: هكذا هما إذا اجتمعا.
ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب في هذه الليلة بولد وولد له ولد، فعزوهن، فلما مثل قال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، وجعل هذه لهذه ثوابا للصابر وجزاء للشاكر.
** علة الرشيد **
ولما اشتدت علة الرشيد وصار إلى طوس سنة ثلاث وتسعين ومائة هون عليه الأطباء علته، فأرسل إلى متطبب فارسي كان هناك، فأراه ماءه مع قوارير شتى، فلما إنتهى إلى قارورته قال: عرفوا صاحب هذا الماء إنه هالك فليوص فإنه لا براء له من هذه العلة، فبكى الرشيد وجعل يردد هذين البيتين:
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لايستطيع دفاع محذور القضا
ماللطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى؟
واشتد ضعفه، وأرجف الناس بموته، فدعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال: إنزلوني صدق المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أرادا، وأمر بحفر قبر، فلما اطلع فيه قال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه ثم دعا بأخي رافع، فقال: أزعجتموني حتى تجشمت هذه الأسفار مع علتي وضعفي، وكان أخو رافع ابن الليث ممن خرج عليه، قال: لأقتلنك قتلة ما قتل مثلها أحد قبلك، ثم أمر ففصل عضوا عضوا، واستأمن من رافع بعد ذلك على المأمون، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الكتاب، ثم دعا من كان بعسكره من بني هاشم فقال: إن كل مخلوق ميت، وكل جديد بال، وقد نزل بي ما ترون وأنا أوصيكم بثلاث: الحفظ لأمانتكم، والنصيحة لأئمتكم، واجتماع كلمتكم وانظروا محمدا وعبد الله فمن بغى منهما على صاحبه فردوه عن بغيه وقبحوا له بغيه ونكثه، وأقطع في ذلك اليوم أموالا كثيرة وضياعا ورباعا.
** شعر لأبي العتاهية يبكي الرشيد **
قال الرياشي: قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر في كتاب ودموعه تنحدر على خديه، فظللت قائما حتى سكن، وحان منه التفاتة فقال: أجلس يا أصمعي، أرأيت ما كان؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما والله لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بقرطاس فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل، وهو:
هل أنت معتبر بمن خليت ... منه غداة مضى دساكره
وبمن أذل الموت مصرعه ... فتبرأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره
أين الملوك وأين غيرهم؟ ... صاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك إن تنال من الدنيا فإن الموت آخره
ثم قال الرشيد: كأني والله أخاطب بذلك دون الناس فلم يلبث بعد إلا يسيرا حتى مات.
قال المسعودي: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار الرشيد فيما سلف من كتبنا، وفي هذا الكتاب، ولم نذكر فيما سلف من أخبار الرشيد في هذا الكتاب شيئا من أخبار البرامكة، فلنذكر الأن جملا من أخبارهم في باب نفرعه له، نذكر فيه السعود من أيامهم والنحوس، وإن كنا قد أتينا على سائر أخبارهم والزهر من أيامهم فيما سلف من كتبنا والله ولي التوفيق.