Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة المعتصم
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 86 of 107
وبويع المعتصم في اليوم الذي كانت فيه وفاة المأمون على عين الديدون، وهو يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، واسمه محمد بن هارون، ويكنى أبا إسحاق، وكان بينه وبين العباس بن المأمون في ذلك الوقت تنازع في المجلس، ثم إنقاد العباس إلى بيعته، والمعتصم يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة وشهرين، وأمه يقال لها ماردة بنت شبيب، وقيل: إنه بويع سنة تسع عشرة ومائتين، وتوفي بسر من رأى سنة سبع وعشرين، وهو ابن ست وأربعين سنة وعشرة أشهر، فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر، وقبره بالجوسق بسر من رأى على ما ذكرنا.
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** ابن الزيات وزير المعتصم وأحمد بن أبي دؤاد **
واستوزر المعتصم محمد بن عبد الملك إلى آخر أيامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد، ولم يزل محمد بن عبد الملك في أيام المعتصم والواثق إلى أن ولي المتوكل، وكان في نفسه عليه شيء، فقتله، وسنذكر لمعا من خبر مقتله فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المتوكل، وإن كنا قد أتينا على ذلك ملخصا في الكتاب الأوسط.
** حب المعتصم للعمارة **
وكان المعتصم يحب العمارة، ويقول: إن فيها أمورا محمودة، فأولها عمران الأرض التي يحيى بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهما فلا تؤامرني فيه
** بأس المعتصم وقوته **
وكان المعتصم ذا بأس وشدة في جسمه، وشجاعة في قلبه، فذكر أحمد بن أبي دؤاد - وكان به أنسا - قال: لما أنكر المعتصم نفسه وقوته دخلت عليه يوما وعنده ابن ماسويه، فقال المعتصم فقال لي: لا تبرح حتى أخرج إليه، فقلت ليحيى بن ماسويه: ويحك!! إني أرى أمير المؤمنين قد حال لونه، ونقصت قوته، وذهبت سورته، فكيف تراه أنت؟ قال: هو والله زبرة من زبر الحديد، إلا أن في يديه فأسا يضرب بها تلك الزبرة، فقلت: وكيف ذاك؟ قال: كان قبل ذلك إذا أكل السمك اتخذ له صباغا من الخل والكراويا والكمون والسذاب والكرفس والخردل والمجوز فأكله بذلك الصباغ، يدفع أذى السمك وأضراره بالعصب، وإذا أكل الرؤوس اتخذت له أصباغ تدفع أذاها وتلطفها، وكان في أكثر أموره يلطف غذاءه ويكثر مشورتي، فصار اليوم إذا أنكرت عليه شيئا خالفني، وقال: آكل هذا على رغم أنف ابن ماسويه فما أقدر أن أصنع، قال: وهو خلف الستر يسمع ما نحن فيه، فقلت: ويلك يا أبا يحيى!! أدخل أصبعك في عينيه، قال: جعلت فداك، ما أقدر أرده ولا أجترئ عليه في خلاف، فلما فرغ من كلامه خرج علينا المعتصم، فقال لي: ما الذي كنت فيه مع ابن ماسويه. قلت: ناظرته يا أمير المؤمنين في لونك الذي أراه حائلا، وفي قلة طعمك الذي قد هد جوارحي وأنحل جسمي، قال: فما قال لك؟ قلت: شكا أنك كنت تقبل منه ما يشير به عليك وكنت ترى في ذلك على ما يحب، وأنك الآن تخالفه، قال: فما قلت له أنت. قال: فجعلت أصرف الكلام، قال: فضحك وقال: هذا بعد ما دخل في عيني أو قبل ذلك. قال: فارفضضت عرقا، وعلمت أنه قد سمع ما كنا فيه، ورأى ما قد داخلني، فقال: يغفر الله لك يا أحمد، لقد فرحت بما ظننت أنه أحزنك إذ سمعته وعلمت أنه نوع من أنواع الانبساط والأنس.
** المعتصم وعلي بن الجنيد **
وكان المعتصم بأنس بعلي بن الجنيد الإسكافي، وكان عجيب الصورة عجيب الحديث، فيه سلامة أهل السواد، فقال المعتصم يوما لمحمد بن حماد: اذهب بالغداة إلى علي بن الجنيد، فقل له تهيأ حتى يزاملني، فأتاه، فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تزامله، فتهيأ لشروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم فقال علي بن الجنيد: وكيف أتهيأ؟ أهيئ لي رأسا غير رأسي؟ أأشتري لحية غير لحيتي! أأزيد في قامتي! أنا متهيئ وفضلة، قال: لست تحري بعد ما شروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم! فقال علي بن الجنيد: وما هي؟ هات يا من تدري، قال له ابن حماد، وكان أديبا ظريفا، وكان برسم الحجاب: شرط المعادلة الإمتاع بالحديث والمذاكرة والمناولة، وأن لا يبزق، ولا يسعل، ولا يتنحنح، ولا يمخط، وألا يتقدم الرئيس في الركوب إشفاقا عليه من المسل، وأن يتقدمه في النزول، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان هو والمثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة سواء، وليس له أن ينام وإن نام الرئيس، بل يأخذ نفسه بالتيقظ، ومراعاة حال من هو معه وما هو راكبه؛ لأنهما إذا ناما جميعا فمال جانب لا يشعر بميله كان في ذلك ما لا خفاء به، وعلي بن الجنيد ينظر إليه، فلما أكثر عليه في هذا الوصف والشروط قطع عليه كلامه وقال كما يقول أهل السواد: آه حرها، أذهب له فقل له: ما يزاملك إلا من أمه زانية وهو كشخان، فرجع ابن حماد، فقال للمعتصم ما قال، فضحك المعتصم وقال: جئني به، فجاءه، فقال: يا علي، أبعث إليك تزاملني فلا تفعل. فقال: إن رسولك هذا الجاهل الأزعر جاءني بشروط حسان الشاشي وخالويه المحاكي فقال: لا تبزق، ولا تفعل كذا، وافعل كذا، وجعل يمطط في كلامه، ويفرقع في صاداته، ويشير بيديه، ولا تسعل، ولا تعطس، وهذا لا يقوم لي،. ولا أقدر عليه، فإن رضيت أن أزاملك فإن جاءني الفساء فسوت عليك وضرطت، وإذا جاءك أنت فأده فافس واضرط، وإلا فليس بيني وبينك عمل، فضحك المعتصم حتى فحص برجليه، وذهب به الضحك كل مذهب، وقال: نعم زاملني على هذه الشريطة، قال: نعم وكرامة، فزامله في قبة على بغل، فسارا ساعة، وتوسطا البر، فقال علي: يا أمير المؤمنين حضر ذلك المتاع فما ترى؟ قال: ذلك إليك إذا شئت، قال: تحضر ابن حماد، فأمر المعتصم بإحضاره، فقال له علي: تعالى حتى أسارك، فلما دنا منه فسا، وناوله كمه، وقال: أجد دبيب شيء في كمي فانظر ما هو، فأدخل رأسه، فشم رائحة الكنيف، فقال: ما أرى شيئا، ولكني لم أعلم أن في جوف ثيابك كنيفا، والمعتصم قد غطى فمه بكمه، وقد ذهب به الضحك كل مذهب، ثم جعل يفسو فساء متصلا، ثم قال لابن حماد: قلت لي لا تسعل ولا تبزق ولا تمخط، فلم أفعل ولكني أخرى عليك، قال: فاتصل فساؤه والمعتصم يخرج رأسه من العمارية، ثم قال للمعتصم: قد نضجت القدر، وأريد أخرى، فقال المعتصم ورفع صوته حين كثر ذلك عليه: ويلك! يا غلام الأرض، الساعة أموت. ودخل علي بن الجنيد الإسكافي يوما على المعتصم فقال له بعد أن ضاحكه وهازله: يا علي، مالي لا أراك ويلك!؟ أنسيت الصحبة وما حفظت الموثق. فقال له حينئذ: بالغ الكلام الذي أريد أن أقوله قلته أنت، ما أنت إلا إبليس، فضحك، ثم قال: لم لا تجيئني. قال: آه، كم أجيء فلا أصل إليك، أنت اليوم نبيل، فكأنك من بني مارية وبنو مارية أناس من أهل السواد يضرب بهم أهل السواد الأمثال لكبرهم في نفوسهم، فقال له المعتصم: هذا سندان التركي، وأشار إلى غلام على رأسه بيديه مذبة، وقال له: يا سندان، إذا حضر علي فأعلمني وإن أعطاك رقعة فأوضحلها إلي، وإن حملك رسالة فأخبرني بها، قال: نعم يا سيدي، وانصرف علي فأقام أياما ثم جاء يطلب سندان فقالوا: هو نائم، فانصرف ثم عاد، فقالوا: هو داخل، ولا تصل إليه، فانصرف وعاد، فقالوا: هو عند أمير المؤمنين، فاحتال حتى دخل عند المعتصم من جهة أخرى، فضاحكه ساعة وعاتبه، وقال له: يا علي، ألك حاجة. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن رأيت سندان التركي؛ فأقره مني السلام، فضحك وقال: ما حاله. قال: حاله أنك جعلت بيني وبينك إنسانا رأيتك قبل أن أراه، وقد اشتقت إليه فأسألك أن تبلغه مني السلام، فغلب المعتصم الضحك، وجمع بينه وبين سندان ثانية وأكد عليه في مراعاة أمره، فكان لا يمنع منه.
** المعتصم وشيخ زلق حماره في الطين **
وعبر المعتصم من سر من رأى من الجانب الغربي - وذلك في يوم مطير، وقد تبع ذلك ليلة مطيرة - وانفرد من أصحابه، وإذا حمار قد زلق ورمى بما عليه من الشوك، وهو الشوك الذي توقد به التنانير بالعراق، وصاحبه شيخ ضعيف واقتص ينتظر إنسانا يمر فيعينه على حمله، فوقف عليه، وقال: مالك يا شيخ؟ قال: فديتك! حماري وقع عنه هذا الحمل، وقد بقيت أنتظر إنسانا يعينني على حمله، فذهب المعتصم ليخرج الحمار من الطين، فقال الشيخ: جعلت فداك تفسد ثيابك هذه وطيبك الذي أشمه من أجل حماري هذا؟ قال: لا عليك، فنزل واحتمل الحمار بيد واحدة وأخرجه من الطين، فبهت الشيخ وجعل ينظر إليه ويتعجب منه، ويترك الشغل بحماره ثم شد عنان فرسه في وسطه وأهوى إلى الشوك وهو حزمتان فحملهما فوضعهما على الحمار، ثم دنا من غدير فغسل يديه واستوى على فرسه، فقال الشيخ السوادي: رضي الله عنك، وقال بالنبطية: أشقل غرمى تاحوتكا، وتفسير ذلك، فديتك يا شاب، وأقبلت الخيول، فقال لبعض خاصته: أعط هذا الشيخ أربعة آلاف درهم، وكن معه حتى تجاوز به أصحاب المسالح، وتبلغ به قريته.
** وفاة جماعة من العلماء **
وفي سنة تسع عشرة ومائتين كانت وفاة أبي نعيم الفضل بن دكين مولى آل طلحة بن عبيد الله بالكوفة، وبشر بن غياث المريسي، وعبد الله ابن رجاء الغداني.
** محمد بن علي بن موسى بن جعفر **
وفيها ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطا ليقول بخلق القران.
وفي هذه السنة - وهي سنة تسع عشرة ومائتين - قبض محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك لخمس خلون من في الحجة، ودفن ببغداد في الجانب الغربي بمقابر قريش مع جده موسى بن جعفر، وصلى عليه الواثق، وقبض وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقبض أبوه علي بن موسى الرضا ومحمد أبن سبع سنين وثمانية أشهر، وقيل غير ذلك، وقيل: إن أم الفضل بنت المأمون لما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم سمته، وإنما ذكرنا من أمره ما وصفنا لأن أهل الإمامة اختلفوا في مقدار سنه عند وفاة أبيه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في رسالة البيان، في أسماء الأئمة وما قالت في ذلك الشيعة من القطعية.
** محمد بن القاسم، العلوي **
وفي هذه السنة - وهي سنة تسع عشرة ومائتين - أخاف المعتصم محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله، وكان بالكوفة من العبادة والزهد والورع في نهاية الوصف، فلما خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان، فتنقل من مواضع كثيرة من كورها كمرو وسرخس والطالقان ونسا، فكانت له هناك حروب وكوائن، وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى، وقد تنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: إنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: إن ناسا من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية ونقبوا الأزج وأخرجوه فذهبوا به، فلم يعرف له خبر إلى هذه الغاية، وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمدا لم يمت، وأنه حي يرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، وأنه مهدي هذه الأمة، وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان، وقول هؤلاء في محمد بن القاسم نحو قول رافضة الكيسانية في محمد بن الحنفية، ونحو من قول الواقفية في موسى بن موسى بن جعفر، وهم الممطورة، بهذا تعرف هذه الطائفة من بين فرق الشيعة، وقد أتينا على وصف قولهم في كتابنا في المقالات في أصول الديانات ووصف قول غلاتهم من المعنوية وغيرهم من المحمدية وسائر فرق أهل الباطل ممن قال بتنقل الأرواح في أنواع الأشخاص من بهائم الحيوان وغيره في كتابنا المترجم بكتاب سر الحياة.
** جمع المعتصم للأتراك **
وكان المعتصم يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده، وقد كان اصطنع قوما من حوف مصر ومن حوف اليمن وحوف قيس، فسماهم المغاربة، واستعد رجال خراسان من الفراغنة وغيرهم من الأشروسية، فكثر جيشه، وكانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها الخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير أو صبي أو ضرير، فعزم المعتصم على النقلة منهم، وأن ينزل في فضاء من الأرض، فنزل البراذان على أربعة فراسخ من بغداد، فلم يستطب هواءها، ولا اتسع له هواؤها، ففم يزل يتنقل ويتقرى الموضع والأماكن إلى دجلة وغيرها حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول، فاستطاب الموضع، وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النبط على النهر المعروف بالقاطول آخذا من دجلة، فبنى هناك قصرا وبنى الناس وانتقلوا من مدينة السلام، وخلت من السكان إلا اليسير، وكان فيما قاله بعض العيارين في ذلك معيرا للمعتصم بانتقاله عنهم:
أيا ساكن القاطول بين الجرامقه ... تركت ببغداد الكباش البطارقه
ونالت من مع المعتصم شدة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه، وتأذوا بالبناء؟ ففي ذلك يقول بعض من كان في الجيش:
قالوا لنا إن بالقاطول مشتانا ... فنحن نأمل صنع الله مولانا
الناس يأتمرون الرأي بينهم ... والله في كل يوم محدث شانا
** تخطيط سامرا **
ولما تأذى المعتصم بالموضع وتعفر البناء فيه خرج يتقرى المواضع، فانتهى إلى موضع سامرا، وكان هناك للنصارى دير عادي، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا، قال له المعتصم: وما معنى سامرا؟ قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنها مدينة سام بن نوح، قال له المعتصم: ومن أي بلاد هي؟ وإلام تضاف؟ قال: من بلاد طبرهان، وإليها تضاف، فنظر المعتصم إلى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار، وهواء طيب، وأرض صحيحة، فاستمراها واستطاب هواءها، وأقام هنالك ثلاثا يتصيد في يوم، فوجد نفسه تتوق إلى الغذاء، وتطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة والماء، فلما استطاب الموضع دعا بأهل الدير فاشترى منهم أرضهم بأربعة آلاف دينار، وارتاد لبناء قصره موضعا فيها، فأسس بنيانه، وهو الموضع المعروف بالوزيرية بسر من رأى، وإليها يضاف التين الوزيري، وهو أعذب الأتيان وأرقها قشرا، وأصغرها حبا، لا يبلغه تين الشام، ولا يلحقه تين أرجان وحلوان، فارتفع البنيان، وأحضر له الفعلة والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغروس والأشجار، فجعل للأتراك قطائع متحيزة، وجاورهم بالفراغنة والأشروسية وغيرهم من مدن خراسان على قدر قربهم منهم في بلادهم، وأقطع أشنان التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرا، ومن الفراغنة من أنزلهم الموضع المعروف بالعمري والجسر، واختطت الخطط، واقتطعت، القطائع والشوارع والحروب، وأفرد أهل كل صنعة بسوق، وكذلك التجار، فبنى الناس، وارتفع البناء، وشيدت الدور والقصور، وكثرت العمارة، واستنبطت المياه، وجرت من دجلة وغيرها، وتسامع الناس أن دار ملك قد اتخذت، فقصدوها وأجهزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس وغيرهم من الحيوان، وكثر العيش، واتسع الرزق، وشملهم الإحسان، وعمهم العدل فاتسع الخصب، وأقبلت الأرض وكان بدء ما وصفنا فيما فعله المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
** خروج بابك الخرمي **
واشتد أمر بابك الخرمي ببلاد الران والبيلقان، وكثرت عترته في تلك البلاد وسار عساكره نحو تلك الأمصار، ففرق الجيوش، وهزم العساكر، وقتل الولاة، وأفنى الناس، فسير إليه المعتصم الجيوش وعليها الأفشين، وكثرت حروبه واتصلت، وضاق بابك في بلاده حتى انفض جمعه، وقتل رجاله، وامتنع بالجبل المعروف بالبدين من أرض الران، وهي بلاد بابك، وبه يعرف هذا الموضع إلى هذا الوقت، فلما استشعر بابك ما نزل به وأشرف عليه هرب من موضعه، وزال عن مكانه، فتنكر هو وأخوه وولده وأهله ومن تبعه من خواصه، وقد تزيا بزي السفر وأهل التجارة والقوافل، فنزل موضعا من بلاد أرمينية من أعمال سهل بن سنباط من بطارقة أرمينية على بعض المياه، وبالقرب منهم راعي غنم، فابتاعوا منه شاة، وساموا شراء شيء من الزاد لهم، فمضى من فوره إلى سهل بن سنباط الأرميني، فأخبره الخبر، وقال: هو بابك لا شك فيه، وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه وزال عن جبله خشي أن يعتصم ببعض الخبال المنيعة أو يتحصن ببعض القلاع، أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة ببعض تلك الديار فيكثر جمعه وينضاف إليه فلال عسكره، فيرجع إلى ما كان من أمره، فأخنه الطرق، وكاتب البطارقة في الحصون والمواضع من بلاد أرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وضمن في ذلك الرغائب، فلما سمع سهل بن سنباط من الراعي ما أخبره به سار من فوره فيمن حضره من عدده وأصحابه حتى أتى الموضع الذي فيه بابك، فترجل له، ودنا منه، وسلم عليه بالملك، وقال له: أيها الملك، قم إلى قصرك الذي فيه وليك وموضع يمنعك الله فيه من عدوك، فسار معه إلى أن أتى قلعته، وأجلسه على سريره، ورفع منزلته، ووطأ له منزله ومن معه، وقدمت المائدة، وقعد سهل يأكل معه، فمال له بابك، بجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما دفع إليه - : أمثلك يأكل معي. فقام سهل عن المائدة، وقال: أخطأت أيها الملك، وأنت أحق من احتمل عبده إذ كانت منزلتي ليست بمنزلة من يأكل مع الملوك، وجاءه بحداد، وقال له: مد رجلك أيها الملك، وأوثقه بالحديد، فقال له بابك: أغدرا يا سهل! قال: يا ابن الخبيثة إنما أنت راعي غنم وبقر، ما أنت والتدبير للملك ونظم السياسات وتدبير الجيوش! وقيد من كان معه، وأرسل إلى الأفشين يخبره الخبر، وأن الرجل عنده، فسرح إليه الأفشين أربعة آلاف فارس عليهم الحديد، وعليهم خليفة يقال له بوماد، فتسلموا بابك ومن معه، وأتي به إلى الأفشين ومعه سهل بن سنباط، فرفع الأفشين منزلة سهل، وخلع عليه، وجمله، وتوجه، وقاد بين يديه، وأسقط عنه الخراج، فأطلقه، وأطلقت الطيور إلى المعتصم، وكتب إليه بالفتح، فلما وصل إليه ذلك ضج الناس بالتكبير، وعمهم الفرح، وأظهروا السرور، وكتبت الكتب إلى الأمصار بالفتح، وقد كان أفنى عساكر السلطان، فسار الأفشين ببابك، وتنقل بالعساكر، حتى أتى سر من رأى، وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتلقى الأفشين هارون بن المعتصم وأهل بيت الخلافة ورجال الدولة، ونزل بالموضع المعروف بالقاطول على خمسة فراسخ من سامرا، وبعث إليه بالفيل الأشهب، وكان قد حمله بعض ملوك الهند إلى المأمون، وكان فيلا عظيما قد جلل بالديباج الأحمر والأخضر وأنواع الحرير الملون، ومعه ناقة عظيمة بختية قد جللت بما وصفنا، وحمل إلى الأفشين دراعة من الديباج الأحمر منسوجة بالذهب قد رصع صدرها بأنواع الياقوت والجوهر، ودراعة دونها، وقلنسوة عظيمة كالبرنس ذات سفاسك بألوان مختلفة، وقد نظم على القلنسوة كثير من اللؤلؤ والجوهر، وألبس بابك الدراعة الجليلة، وألبس أخوه الأخرى، وجعلت القلنسوة على رأس أخيه نحوها، وقدم إليه الفيل، وإلى أخيه الناقة، فلما رأى صورة الفيل استعظمه وقال: ما هذه الدإبة العظيمة؟ واستحسن الدراعة، وقال: هذه كرامة ملك عظيم جليل، إلى أسير فقد العز ذليل، أخطأته الأقدار، وزالت عنه الجدود، وتورطته المحن، إنها لفرجة تقتضي ترحة، وضرب له المصاف صفين في الخيل والرجال والسلاح والحديد والرايات والبنود، من القاطول إلى سامرا، ملا واحد متصل غير منفصل، وبابك على الفيل وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر بين الصفين به، وبابك ينظر إلى ذات اليمين وذات الشمال، ويميز الرجال والعمد، ويظهر الأسف والحنين على ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فطوف به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مرارا، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه. ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فطوف به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مرارا، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه.
قال المسعودي: ورأيت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يديه لم يكلمه مليا، ثم قال له: أنت بابك. قال: نعم، أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد الله، قال: جردوه، فسلبه الخدام ما عليه من الزينة، وقطعت يمينه، وضرب بها وجهه، وفعل مثل ذلك بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله، فلم يلتفت إلى قوله، وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه، وأمر المعتصم السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه، ففعل، ثم أمر بجز لسانه وصلب أطرافه مع جسده فصلب ثم حمل الرأس إلى مدينة السلام، ونصب على الجسر، لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره، وعظم شأنه، وكثرة جنوده، وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام، ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل بأخيه بابك بسامرا، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي سامرا، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، وإن كانت سامرا في هذا الوقت قد خلا منها ساكنها، وبان عنها قاطنها، إلا يسيرا من الناس في بعض المواضع بها.
ولما قتل بابك وأخوه وكان مرت أمره ما تقدم ذكره قام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلموا، وقالت الشعراء: فمن قام في ذلك اليوم إبراهيم بن المهدي فقال شعرا بدلا من الخطبة، وهو:
يا أمين الله، إن الحمد لله كثيرا
هكذا النصر فلا زا ... ل لك الله نصيرا
وعلى الأعداء أعطيت من الله ظهيرا
وهنيئا هيأ الله لك الفتح الخطيرا
فهو فتح لم ير الناس له فتحا نظيرا
وجزى الأفشين عبدا ... لله خيرا وحبورا
فلقد لاقى به با ... بك يوما قمطريرا
ذاك مولاك الذي ألفيته جلدا صبورا
لك حتى ضرج السيف له خدا نضيرا
ضربة ألقت على الدهر له في الوجه نورا
وتوج الأفشين بتاج من الذهب مرصع بالجوهر، وإكليل ليس فيه من الجوهر إلا الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب، وألبس وشاحين، وزوج المعتصم الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس، وزفت إليه، وأقيم لها عرس يجاوز المقدار في البهاء والجمال، وكانت توصف بالجمال والكمال، ولما كان من ليلة الزفاف ما عم سروره خواص الناس وكثيرا من عوامهم، قال المعتصم أبياتا يصف حسنهما وجمالهما واجتماعهما، وهي:
زفت عروس إلى عروس ... بنت رئيس إلى رئيس
أيهما كان ليت شعري ... أجل في الصدر والنفوس
أصاحب المر هذه المحلى ... أم ذو الوشاحين والشموس
** غزو الروم زبطرة **
وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وعشرين ومائتين - خرج توفيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة، وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم، حتى نزل على مدينة زبطرة من الثغر الخزري، فافتتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير وسبى وأغار على بلاد ملطية، فضج الناس في الأمصار، واستغاثوا في المساجد والديار، فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فأنشده قائما قصيدة طويلة يذكر فيها ما نزل بمن وصفنا ويحضه على الانتصار ويحثه على الجهاد، فمنها:
يا غارة الله قد عاينت فانتهكي ... هتك النساء وما منهن يرتكب
هب الرجال على أجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب
** هزيمة الروم **
وإبراهيم بن المهدي أول من قال في شعره يا غارة الله.
فخرج المعتصم من فوره نافرا عليه دراعة من الصوف بيضاء، وقد تعمم بعمامة الغزاة، فعسكر في غربي دجلة، وذلك يوم الاثنين، لليلتين خلتا من جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونصبت الأعلام على الجسر، ونوعي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسارت إليه العساكر والمطوعة من سائر الإسلام، وجعل على مقدمته أشناس التركي، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ التركي، وعلى ميسرته جعفر بن دينار الخياط وعلى ساقته بغا الكبير ويتلوه دينار بن عبد الله وعلى القلب عجيف، وسار المعتصم من الثغور الشامية، ودخل من درب السلامة، ودخل الأفشين من درب الحدث، ودخل الناس من سائر الدروب، فلم يكن يحصي الناس العدد، ولا يضبطون كثرة، فمن مكثر ومقلل؛ فالمكثر يقول: خمسمائة ألف، والمقل يقول: مائتي ألف؛ ولقي ملك الروم الأفشين، فحاربه فهزمه الأفشين، وقتل أكثر بطارقته وأصحابه، وحماه رجل من المتنصرة يقال له نصير في خلق من أصحابه، وقد كان الأفشين قصر عن أخذ الملك في ذلك اليوم حين ولي، وقال: هو ملك، والملوك تبقي بعضا على بعض، وفتح المعتصم حصونا كثيرة، ونزل على مدينة عمورية، ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاوي البطريق منها، وسلمها إليه، وأسر البطريق الكبير منها، وهو باطس، وقتل منها ثلاثين ألفا، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق، وأراد المسير إلى القسطنطينية، والنزول على خليجها، والحيلة في فتحها برا وبحرا، فأتاه ما أزعجه وأزاله عما كان عزم عليه من أمر العباس بن المأمون، وأن ناسا قد بايعوه، وأنه كاتب طاغية الروم، فأعجل المعتصم في مسيره وحبس العباس وشيعته.
وفي هذه السنة مات العباس بن المأمون.
** خروج المازيار صاحب طبرستان وموته **
وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أدخل بن قارن بن بندارهرمس صاحب جبال طبرستان إلى سامرا وقد كان أصطنعه المأمون، فعصى في أيام المعتصم، وكثرت عساكره، واتسعت جيوشه، وكتب المعتصم إليه يأمره بالحضور، فأبى، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بحربه، فسير إليه من نيسابور عمه الحسن بن الحسين بن مصعب، فنزل مدينة السارية من بلاد طبرستان، بعد حروب كثيرة كانت له مع المازيار، وأتت الحسن بن الحسين عيونه بركوب محمد بن قارن - وهو المازيار - إلى الصيد في نفر يسير، فبادره الحسن وناوشه الحرب، فأسر وحمل إلى سامرا فأقر على الأفشين: أنه بعثه على الخروج والعصيان، لمذهب كانوا اجتمعوا عليه، ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس، وقبض على الأفشين قبل قدوم المازيار بسامرا بيوم، وأقر عليه كاتب له يقال له: سابور، فضرب المازيار بسوط حتى مات، بعد أن شهر وصلب إلى جانب بابك، وقد كان المازيار رغب المعتصم في أموال كثيرة يحملها إليه إن هو من عليه بالبقاء، فأبى قبول ذلك، وتمثل:
إن الأسود أسود الغيل همتها ... يوم الكريهة لي المسلوب لا السلب
ومالت خشبة مازيار إلى خشبة بابك، فتدانت أجسامهما، وقد كان صلب في ذلك الموضع باطس بطريق عمورية، وقد انحنت نحوهما خشبته، ففي ذلك يقول أبو تمام حبيب بن أوس من كلمة له:
ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... إذ صار بابك جار مازيار
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار فكأنما انحنيا لكيما يطويا ... عن باطس خبرا من الأخبار
ومات الأفشين في الحبس بعد أن جمع بينه وبين مازيار، فأقر عليه، وأخرج الأفشين ميتا، فصلب بباب العامة، وأحضرت أصنام زعموا أنها كانت حملت إليه، فألقيت عليه، وأضرمت النار، فأتت على الجميع.
** موت أبي دلف العجلي **
وفي سنة ست وعشرين ومائتين مات أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، وكان سيد أهله، ورئيس عشريته، من عجل وغيرها من ربيعة، وكان شاعرا مجيدا، وشجاعا بطلا، مغنيا مصيبا، وهو القائل:
يوما تراني على طمر ... أجل في الصدر والنفوس
ويوم لهو أحث كاسا ... وخلف أذني قضيب آس
وذكر أن أبا دلف طعن فارسا، فنفذت الطعنة إلى أن وصل السنان إلى فارس أخر كان من خلفه فقتلهما ففي ذلك يقول بكر بن النطاح من كلمة له:
قالوا: وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج ولا نراه كليلا
لا تعجبوا فلو أن طول قناله ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا
وذكر عيسى بن أبي دلف أن أخاه دلف - وبه كان يكنى أبوه أبا دلف - كان ينتقص علي بن أبي طالب، ويضع منه ومن شيعته، وبنسبهم إلى الجهل، وأنه قال يوما - وهو في مجلس أبيه، ولم يكن أبوه حاضرا - : إنهم يزعمون أن لا ينتقص عليا أحد إلا كان لغير رشدة، وأنتم تعلمون غيرة الأمير، يعني أباه، وأنه لا يتهيأ الطعن على أحد من حرمه، وأنا أبغض عليا، قال: فما كان بأوشك من أن خرج أبو دلف، فلما رأيناه قمنا له، فقال: قد سمعت ما قاله دلف، والحديث لا يكذب، والخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف، هو والله لزنية وحيضة، وذلك أني كنت عليلا فبعثت إلي أختي جارية لها، كنت بها معجبا، فلم أتمالك أن وقعت عليها وكانت حائضا فعلقت به، فلما ظهر حملها وهبتها لي.
** عداوة أبي دلف وابنه **
فبلغ من عداوة دلف هذا لأبيه ونصبه ومخالفته له لأن الغالب على أبيه التشيع والميل إلى علي أن شنع عليه بعد وفاته، وهو ما حدث به حمد بن علس القوهستاني قال: حدثنا دلف بن أبي دلف، قال: رأيت في المنام آتيا أتاني بعد موت أبي، فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه، فأدخلني دارا وحشة وعرة، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النار، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا به عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم: دلف. قلت: دلف، فأنشأ يقول:
فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شي
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، وانتبهت.
** موت جماعة من العلماء **
وفي خلافة المعتصم - وذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين - مات جماعه من نقلة الأخبار وعلية أصحاب الحديث: منهم عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، وأبو النعمان حازم بن الفضل السدوسي، وأبو أيوب سليمان بن حرب الواشجي البصري من الأزد، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم البصري، وأحمد بن عبد الله الغداني، وسليمان الشاذ كوني، وعلي المدني.
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين مات بشر الحافي ببغداد، وكان من بلاد مرو، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطياليسي بالبصرة، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وعبد الله بن الوهاب الجمحي، وإبراهيم بن يسار الرمادي، وقيل: إن فيها كانت وفاة محمد بن كثير العبدي، والصحيح أن وفاته كانت في سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وعشرين ومائتين كانت وفاة المعتصم، على دجلة في قصره المعروف بالخاقاني، يوم الخميس لثماني عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وقيل: لساعتين من ليلة الخميس: وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وقل: ست وأربعين سنة، على ما قدمنا في صدر هذا الباب، وكان مولده بالخلد ببغداد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن من السنة، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين، وثمان بنات. وللمعتصم أخبار حسان، وما كان من أمره في فتح عمورية، وما كان من حروبه قبل الخلافة في السفارة نحو الشام ومصر، وغير ذلك، وما كان منه بعد الخلافة، وما حكى عنه من حسن السيرة واستقامة الطريقة أحمد بن أبي دؤاد القاضي، ويعقوب بن إسحاق الكندي، في لمع أوردها في رسالته المترجمة بسبيل الفضائل، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وقد ذكرنا في هذا لمعا منبهة على ما سلف، وباعثة على درس ما تقدم.