Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة الواثق بالله
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 87 of 107
وبويع هارون بن محمد بن هارون الواثق بالله، ويكنى بأبي جعفر، وأمه أم ولد رومية، وتسمى قراطيس، وذلك في اليوم الذي كانت فيه وفاة المعتصم، وهو يوم الخميس لثماني عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وبويع وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وتسعة أشهر وتوفي بسامرا وهو ابن سبع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وقيل: إنه توفي في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، ووزيره محمد بن عبد الملك، على حسب ما قدمنا في أيام المعتصم من هذا الكتاب، والتواريخ متباينة في مقادير أعمارهم وأيامهم في الزيادة والنقصان.
** ذكر لمع من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** صفات الواثق **
كان الواثق كثير الأكل والشرب، واسع المعروف، متعطفا على أهل بيته، متفقدا لرعيته، وسلك في المذهب مذهب أبيه وعمه من القول بالعدل.
وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، فكان لا يصدر إلا عن رأيهما، ولا يعتب عليهما فيما رأياه، وقلدهما الأمر وفوض إليهما ملكه.
** أعرابي يصف الواثق وأعوانه **
وذكر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الجاسمي، نسبة إلى جاسم - وهي قرية من أعمال دمشق بين بلاد الأردن ودمشق بموضع يعرف بالجولان، ويعرف بجاسم على أميال من الجابية وبلاد نوى، وهي من مراعي أيوب عليه السلام - قال: خرجت في أول أيام الواثق إلى سر من رأى، فلما قربت منها لقيني أعرابي، فأردت أن أعلم خبر العسكر منه، فقلت: يا أعرابي، ممن أنت؟ قال: من بني عامر، فقلت: وكيف علمك بعسكر أمير المؤمنين قال: قتل أرضا عالمها، قلت: ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقصم العادية، وعدل في الرعية، ورغب عن كل في جناية، قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ترام، وجبل لا يضام، تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيل قد هلك وثب وثبة الذئب، وختل ختلة الضب، قلت: فما تقول في محمد بن عبد الملك الزيات؟ قال: وسع الداني شره، ووصل إلى البعيد ضره، له في كل يوم صريع لا يرى فيه أثر ناب ولا مخلب، قلت: فما تقول في عمرو بن فرج؟ قال: ضخم نهم، استعذب الدم، ينصبه القوم ترسا للوغى، قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ قال: رجل نبش بعد ما قبر، ليس تعد له حياة في الأحياء، وعليه خفتة الموتى، قلت: فما تقول في أبي الوزير؟ قال: تخاله كبش الزنادقة، أما تراه إذا أخمله الخليفة سمن ورتع، وإذا هزه أمطر فأمرع، قلت: فما تقول في أحمد بن الخصيب؟ قال: ذاك أكل أكلة نهم، لزرق زرقة بشم، قلت: فما تقول في إبراهيم أخيه؟ قال: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، قلت: فما تقول في أحمد بن إبراهيم. قال: لله دره! أي فاعل هو؟ وأي صابر هو؟ اتخذ الصبر دثارا، والجود شعارا، وأهون عليه بهم، قلت: فما تقول في المعلى بن أيوب؟ قال: ذاك رجل خير، نصيح السلطان، عفيف اللسان، سلم من القوم وسلموا منه، قلت: فما تقول في إبراهيم بن رباح؟ قال: ذاك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه فضله، وله دعاء لا يسلمه، صرب لا يخله، وفوقه خليفة لا يظلمه، قلت: فما تقول في الحسن ابنه؟ قال: ذاك عود نضار، غرس في منابت الكرم، حتى إذا اهتز حصدوه، قلت: فما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره!! أي طالب وتر، ومدرك ثأر؟ يلتهب كأنه شعلة نار، له من الخليفة في الأحيان جلسة تزيل نعما، وتحل نقما، قلت: يا أعرابي، أين منزلك حتى آتيك؟ قال: اللهم غفرا مالي منزل، أنا أشتمل النهار، وألتحف الليل، فحيثما أدركني الرقاد رقدت، قلت: فكيف رضاك عن أهل العسكر. قال: لا أخلق وجهي بمسألتهم، إن أعطوني لم أحمدهم، وإن منعوني لم أفهم، وإني كما قال هذا الغلام الطائي:
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
قلت: فأنا قائل هذا الشعر، قال: أئنك أنت الطائي؟ قلت: نعم، قال: لله أبوك، وأنت القائل:
ماجود كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي وقد أخلقته عوض
قلت: نعم، قال: أنت أشعر أهل زمانك.
وفي رواية أخرى ليست في الكتاب: قلت: أنشدني شيئا من شعرك، فأنشدني:
أقول وجنح الدجا ملبد ... ولليل في كل فج يد
ونحن ضجيعان في مجسد ... فالله ما ضمن المجسد
فيا غد إن كنت بي محسنا ... فلا تدن من ليلتي يا غد
ويا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلة الهجر لا تنفد
فقلت: لله أبوك!! ورددته معي حتى لقيت ابن أبي عواد وحدثته بخبره، فأوصله إلى الواثق، فأمر له بألف دينار، وأخذ له من سائر الكتاب وأهل الدولة ما أغناه به، وأغنى عقبه بعده.
وهذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام، فإن كان صادقا فيما قال، ولا أراه، فقد أحسن الأعرابي في الوصف، وإن كان أبو تمام هو الذي صنعه وعزاه إلى هذا الأعرابي فقد قصر في نظمه، إذ كانت منزلته أكبر من هذا.
** أبو تمام الطائي **
وكانت وفاة أبي تمام بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكان خليعا ماجنا في بعض أحواله، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه، تماجنا لا إعتقادا. وحدث محمد بن يزيد المبرد، عن الحسن بن رجاء، قال: صار إلي أبو تمام وأنا بفارس، فأقام عندي مقاما طويلا، ونمي إلي من غير وجه أنه لا يصلي، فوكلت به من يراعيه، ويتفقده في أوقات الصلاة، فوجدت الأمر على ما اتصل بي عنه، فعاتبته على فعله ذلك، فكان من جوابه أن قال: أتراني أنشط للشخوص إليك من مدينه السلام وأتجشم هذه الطرقات الشاقة، وأكسل عن ركعات لا مئونة علي فيها، لو كنت أعلم أن لمن صلاها ثوابا أو على من تركها عقابا، قال: فهممت والله بقتله، ثم تخوفت أن يصرف الأمر إلى غير جهته، وهو القائل:
وأحق الأنام أن يقضي الدين ... امرؤ كان للإله غريما
وهذا قول مباين لهذا الفعل، والناس في أبي تمام في طرفي نقيض: متعصب له يعطيه أكثر من حقه، ويتجاوز به في الوصف قدره، ويرى أن شعره فوق كل شعر، أو منحرف له معاند، فهو ينفي عنه حسنه، ويعيب مختاره، ويستقبح المعاني الظريفة التي سبق إليها وتفرد بها.
وذكر عبد الله بن الحسن بن سعد، أن المبرد قال: كنت في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق، وحضر جماعة سماهم منهم لحارثي الذي قال فيه علي بن الجهم الشامي:
لم يطلعا إلا لآبدة ... الحارثي وكوكب الذنب
فجرى ذلك الشعر وإن كان الكلام تسلسل إلى ذكر أبي تمام وشعره، وأن الحارثي أنشد لأبي تمام معاتبة أحسن فيها، وأن المبرد استحيا أن يستعيد الحارثي الشعر، أو يكتبه منه لأجل القاضي، قال ابن سعد: فأعلمت المبرد أني أحفظ الشعر، فأنشدته إياه، فاستحسنه واستعاده مني مرارا حتى حفظه مني، وهو:
جعلت فداك! عبد الله عندي ... بعقب النأي عنه والبعاد
له لمة من الفتيان بيض ... قضوا حق الصداقة والوداد
دعوتهم عليك وكنت ممن أناديه ... على النوب الشداد
قال: وسألته عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر؟ قال: لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيدة أجود من شعر البحتري، ومن شعر من تقدمه من المحدثين، وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام، لأن البحتري يقول القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف، وما أشبهه إلا بغائص البحر يخرج الحرة والمخشلبة فيجعلهما في نظام واحد، وإنما يؤتي هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه، فدعاني هذا القول منه إلى أن قرأت عليه شعر أبي تمام، وأسقطت خواطئه وكل ما ذم من شعره، وأفردت جيده، فوجدت ما يتمثل به ويجري على ألسنة العامة وكثير من الخاصة مائة وخمسين بيتا، ولا أعرف شاعرا جاهليا ولا إسلاميا يتمثل له بهذا المقدار من الشعر، ثم قال المبرد: وبالبحتري يختم الشعر، وأنشدني له بيتين زعم المبرد أنهما لو أضيفا إلى شعر زهير لجازا فيه، وهما:
وما سفه السفيه وإن تعدى ... بأنجع فيك من حلم الحليم
متى أحفظت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم
قال: وكان مما ذكرناه من شعر البحتري في هذا المجلس وقدمه محمد بن يزيد على نظرائه قوله في أبني صاعد بن مخلد:
وإذا رأيت مخايل ابني صاعد ... أدت إليك مخايل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يعل موضع فرقد من فرقد
وقوله:
من شاكر عني الخليفة للذي ... أولاه من بر ومن إحسان؟
حتى لقد أفضلت من إفضاله ... وأريت نهج الجود حيث أراني
أغنت يداه يدي، وشر جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني
ووثقت بالخلق الجميل معجلا ... منه وأعطيت الذي أعطاني
وقوله:
وددت بياض السيف يوم لقيتنني ... مكان بياض الشيب كان بمفرقي
وقوله:
دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وقوله في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى أسد فقتله: حملت عليه السيف، لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت، ولا حده نبا
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وصمم لما لم يجد منك مهربا
وكنت متى تجمع يمينك والعلا ... لدى ضيغم لم تبق للسيف مضربا
وقوله:
ما زال صرف الدهر يؤيس صفقتي ... حتى رهنت على المشيب شبابي
وقوله في المنتصر:
وإن عليا لأولى بكم ... وأزكى بدا عندكم من عمر
وكل له فضله والحجو ... ل البراذين دون الغرر
وقوله:
تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمشيب
ثم ذكر انتقاض الصلح بين عشيرته فقال:
إذا ما الجرح زم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب
وقوله:
وللسهم الشريد أخف عبئا ... على الرامي من السهم المصيب
وقوله:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأيام تعطي وتحرم
سحاب خطابي جوعه وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبحر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسور مظلم
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم؟
وذكر محمد بن أبي الأزهر قال: كان إبراهيم بن المدبر - مع محله في العلم والأدب والمعرفة - يسيء الرأي في أبي تمام، ويحلف أنه لا يحسن شيئا قط، فقلت له يوما: ما تقول في قول من يقول:
غدا الشيب بفودي خطة ... سبيل الردى منها إلى النفس مهيع
هو الزور يجفو والمعاشر يجتوي ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسي أسفع
ونحن نرجيه على الكره والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وفيمن يقول:
فإن ترم عن عمرو تداعى به المدى ... فخانك حتى لم تجد فيه مترعا
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
وفيمن يقول:
شرف على أول الزمان وإنما ال ... شرف المناسب ما يكون كريما
وفيمن يقول:
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمة أحسنت أن تتطولا
وفيمن يقول:
ممطر لي الحياة والمال لا ألقاك إلا مستوهبا أو وهوبا
وإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا
وفي القائل:
خشعوا لصولتك التي عودتهم ... كالموت يأتي ليس فيه عثار
فالمشي همس والنداء إشارة ... خوف انتقامك والحديث سرار
أيامنا معقودة أطرافها ... بك، والليالي كلها أسحار
تندى عفاتك للعفاة ويغتدى ... رفقا إلى زوارك الزوار
وفيمن يقول:
إذا أوهدت أرضا كان فيها ... رضاك فلا نحن إلى رباها
قال ابن أبي الأزهر: فوالله لكأني أغريت ابن المدبر بأبي تمام، حتى سبه ولعنه، فقلت: إذا فعلت ذلك لقد حدثني المعروف بأبي عمرو بن الحسن الطوسي الراوية أن أباه وجه به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هذيل، قال: فمرت بنا أراجيز، فأنشدته أرجوزة لأبي تمام، لم أنسبها إليه، وهي:
وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله
ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوما بأخيك كله
لبست ريعاني فدعني أبله ... وملك في كبره ونبله
وسوقة في قوله وفعله ... بذلت مدحي فيه باغي بذله
فجز حبل أملي من وصله ... من بعدما استعبدني بمطله
ثم اغتدى معتذرا بجهله ذا عنق ... في الجهل لم يخله
يلحظني في جده وهزله ... يعجب من تعجبي من بخله لحظ الأسير حلقات كبله ... حتى كأني جئته بعذله
يا واحدا منفردا بعدله ... أكسبتك المال فلا تمله
ما يصنع الغمد بغير نصله ... والمدح إن لم يك عند أهله
فقال لابنه: أكتبها، فكتبها على ظهر كتاب من كتبه، فقال له: جعلت فداك! إنها لأبي تمام، فقال: خرق خرق.
وهذا من ابن المدبر قبيح مع علمه، لأن الواجب أن لا يدفع إحسان محسن عدوا كان أو صديقا، وأن تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع، فقد روي عن أمير المؤمنين على أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن؛ فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك. وقد ذكر عن بزرجمهر بن البختكان - وكان من حكماء الفرس، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك ساسان وهم الفرس الثانية. أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب، قيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله، وذبه عن صاحبه، قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره، قيل: فمن الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه، قيل: فمن الهرة؟ قال: حسن نغمتها وتملقها لأهلها عند المسألة.
ومن عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب، وتحرك بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع، وتشحذ بها الأذهان، ويعلم كل من له قريحة وفضل ومعرفة أن قائلها قد يبلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية، فإنما غض من نفسه، وطعن على معرفته واختياره.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهوى إله معبود، واحتج بقوله تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " .
ولأبي تمام أشعار حسان، ومعان لطاف، واستخراجات بديعة.
وحكي عن بعض العلماء بالشعر أنه سئل عن أبي تمام، فقال: كأنه جمع شعر العالم، فانتخب جوهره، وقد كان أبو تمام ألف كتابا وسماه: الحماسة وفي الناس من يسميه كتاب الخبية انتخب فيه شعر الناس ظهر بعد وفاته.
وقد صنف أبو بكر الصولي كتابا جمع فيه أخبار أبي تمام وشعره وتصرفه في أنواع علومه ومذاهبه، واستدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره، من ذلك قوله في صفة الخمر:
جهمية الأوصاف، إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
وقد رثته الشعراء بعد وفاته، والأدباء من إخوانه: منهم الحسن بن وهب الكاتب، وكان شاعرا ظريفا له حظ في المنثور والمنظوم، فقال:
سقى بالموصل الجدث الغريبا ... سحائب ينتحبن له نحيبا
إذا أطللنه أطللن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدودا ... وشققت الوعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان يدعى لي حبيبا
لبيبا شاعرا فطنا أديبا ... أصيل الرأي في الجلى أريبا
إذا شاهدته رواك فيما ... يسرك رقة منه وطيبا
أبا تمام الطائي، إنا ... لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقا لا ترانا ... نصيب له مدى الدنيا ضريبا
وكنت أخا لنا أبلى إلينا ... ضمير الود والنسب القريبا
فلما بنت كدرت الليالي ... قريب الدار والأقصى الغريبا
وأبدى الدهر أقبح صفحتيه ... ووجها كالحا قطريا
فأحر بأن يطيب الموت فيه وأحر بعيشنا أن لا يطيبا
وللحسن أشعار حسان ومعان جياد؛ منها قوله:
أبت مقلتاك لفرط الحزن ... عليك الرقاد وبرد الوسن
وحق لعيني أن لا تناما ... وقلبك مختلس مرتهن
وبين الجوانح داء دفين ... لعمرك مستتر قد كمن
نجي الهموم وقرن الكلوم ... ووهي الحلوم وبعد الوطن
شديد النفار، كثير العثار ... خليع العذار يجر الرسن
أفي كل يوم تطيل الوقوف ... تناجي الديار وتبكي الدمن؟
وتستخير الدار عن أهلها ... وتذري الدموع على من ظعن
كأنك لم تر فيما مضى من الدهر ذا صبوة مفتتن عذرتك أيام شرخ الشباب ... وفرعك فرع نضير الغصن
فأما وقد زال ظل الشبا ... ب عنك وولى كأن لم يكن
وألبسك الشيب بعد الشباب ... قناع بياض كلون القطن
وصرت قنى في عيون الحسا ... ن يخنك عهدا وإن لم تخن
ويصدفن عنك إذا رمتهن ... وكنت لهم زمانا سكن
فما لك عذر وأنت امرؤ ... بما فيه رشدك طب فطن
وفي خلافة الواثق مات علي بن الجعد مولى بني مخزوم، وكان من علية أصحاب الحديث وأهل النقل، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين قتل الواثق أحمد بن نصر الخزاعي في المحنة على القرآن.
قال المسعودي: وكان يحضر مجلس الواثق فتى برسم الندماء وكان يقوم قائما لصغر سنه، ولم يكن لذلك يلحق في الجلوس بمراتب ذوي الأسنان وكان ذكيا مأفونا له في الإفاضة مع الجلساء في كل ما يعرض لهم الكلام فيه، والتكلم بما يسنح ويختلج في صدره: من مثل سائر، وبيت شاعر، وحديث ممتع، وجواب مسرع، قال: وكان الواثق من شدة الشهوة للطعام والنهمة فيه على الحالة المشهورة المتعالمة، فقال لهم الواثق يوما: ما تختارون من النقل؟ فبعض، قال: نبات السكر، وبعض قال: رمان، وبعض قال: تفاح، وبعض قال: قصب السكر ينضج بماء الورد، وبعض أخرجته الفلسفة إلى النقيض، فمال: ملح يغلي، وبعض قال: صبر يمحى بمذاب النبيذ، ويجلى على سورة الشراب ومرارة النقل، قال: ما صنعتم شيئا، ولكن ما تقول أنت يا غلام. قال: خشكنانج مسير، فوافق ذلك مراد الواثق وقرع به ما في نفسه، وقال: أصبت وأحسنت بارك الله لكم، وكان ذلك أول جلوسه.
** محمد بن علي بن موسى **
وقيل: إن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم الرضوان توفي في خلافة الواثق، وقد بلغ من السن ما قدمناه في خلافة المعتصم من هذا الكتاب، وقيل: إنه كتب إلى الواثق: يا أمير المؤمنين! ليس من أحد وإن ساعدته المقادير بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه، ومن ترك معاجلة الدرك انتظار مؤاجلة الأشياء سلبته الأيام فرصته، فإن شرط الزمان الآفات، وحكم الدهر السلب.
** عبد الله بن طاهر: **
وفي سنة ثلاثين ومائتين - وذلك في خلافة الواثق - توفي أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين في ربيع الأول من هذه السنة، وفيه يقول الشاعر، وقت كون عبد الله بن طاهر بمصر:
يقول أناس: إن مصر بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر
وأبعد من مصر رجال تراهم ... بحضرتنا معروفهم غير حاضر
عن الخير موتى، ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر
** مجلس للواثق في الفلسفة والطب **
وكان الواثق بالله محبا للنظر، مكرما لأهله، مبغضا للتقليد وأهله، محبا للإشراف على علوم الناس وآرائهم، ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات، فقال لهم الواثق: قد أحببت أن أعلم كيفية إدراك معرفة الطب ومأخذ أصوله أذلك من الحس أم من القياس والسنة؟ أم يدرك بأوائل العقل؟ أم على ذلك وطريقه يعلم عندكم من جهة السمع، كما يذهب إليه جماعة من أهل الشريعة؟ وقد كان ابن بختيشوع وابن ماسويه وميخائيل فيمن حضر، وقيل: إن حنين بن إسحاق وسلمويه فيمن حضر في هذا المجلس أيضا. فقال منهم قائل: زعم طوائف من الأطباء وكثير من متقدميهم أن الطريق الذي يدرك به الطب هو التجربة فقط، وحدوه بأنه علم يتكرر الحس على محسوس واحد في أحوال متغايرة، فيوجد بالحس في آخر الأحوال كما يوجد في أولها، والحافظ لذلك هو المجرب، وزعموا أن التجربة ترجع إلى مباد أربعة هن لها أوائل ومقدمات، وبها علمت وصحت، وإليها تنقسم التجربة، فصارت بذلك أجزاء لها، فزعموا أن قسما من تلك الأقسام طبيعي، وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض: من الرعاف، والعرق، والإسهال، والقيء التي تعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا. وقسما عرضيا، وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل، وذلك كما يعرض للإنسان أن يجرح أو يسقط فيخرج منه دم قليل أو كثير، أو يشرب في مرضه أو صحته ماء باردا أو شرابا، فيعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا، وقسما إراديا، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة، وذلك كمثل منام يراه الإنسان،. وهو أن يرى كأنه عالج مريضا به علة مشاهدة معقولة بشيء من الأشياء معروف فيبرأ ذلك المريض من مرضه، أو يخطر مثل ذلك بباله في حال فكره، فيتردد ويعطب ظنه بعطبه فيجربه بأن يفعله كما يرى في منامه، فيجده كما يرى أو يخالف ذلك، ويفعله مرارا، فيجده كذلك. وقسما هو نقل، وهو على ثلاثة أقسام: إما أن ينقل الدواء الواحد من مرض إلى مرض يشبهه، وذلك كالنقلة من ورم الحمرة إلى المعروف بالنملة، وإما من عضو إلى عضو يشبهه، وذلك كالنقلة من العضد إلى الفخد، وإما من دواء إلى دواء يشبهه، كالنقلة من السفرجل إلى الزعرور في علاج انطلاق البطن، وكل ذلك لا يعمل به عندهم إلا بالتجربة.
وذهبت طائفة أخرى منهم إلى أن الحيلة في تقريب أمر صناعة الطب وتسهيلها أن ترد أشخاص من العلل ومولداتها إلى الأصول الحاضرة الجامعة لها، إذ كان لا غاية لتولدها، وأن يستدل على الدواء من نفس الطبيعة والمرض الحاضر الموجود في الحال والوقت، عون الأسباب المؤثرة الفاعلة التي عدمت، ودون الأزمان والأوقات والأسباب والعادات، ومعرفة طبائع الأعضاء وحدودها، والرصد والتحفظ لكل ما يكون في كل علة وجدت أو لم توجد، وبرهنوا بأن زعموا أن من المعلومات الظاهرة التي لا ريب فيها أن الضدين لا يجوز اجتماعهما في حال، وأن وجود أحدهما ينفي وجود الآخر في الحال لا محالة، قالوا: وليس هذا كشيء ظاهر يستدل به على كل شيء خفي، والشيء الظاهر يحتمل الوجود، فيختلف في الاستدلال، فيكون القطع على ما يوجبه غير بين، وهذا قول جماعة من حذاق المتطببين وأهل التقدم في اليونانيين مثل نامونيس وساساليس وغيرهما، وهم قوم يعرفون بأصحاب الطب الجبلي. قال الواثق لهم جميعا: فأخبروني عن جمهورهم الأعظم إلام يذهبون في ذلك. فقالوا: إلى القياس، قال: وكيف ذلك. قالوا جميعا: زعمت هذه الطائفة أن الطريق والقانون إلى معرفة الطب مأخوذ من مقدمات أولية، فمنها طبائع الأبدان والأعضاء وأفعالها، ومنها معرفة الأبدان في الصحة والمرض، ومعرفة الأهوية واختلافها، والأعمال والصنائع، والعادات والأطعمة والأشربة والأسفار، ومعرفة قوى الأمراض، وقالوا: ثبت في الشاهد أن الحيوان يختلف في صورته وطباعه، وكذلك أعضاؤه مختلفة في طباعها وصورها، وأن الأجساد الحيوانية تتغير بالأهوية المحيطة بها وبالحركة والسكون والأغذية من المأكول والمشروب والنوم واليقظة واستفراغ ما يخرج من الجسد واحتباسه والأعراض النفسانية من الغم والحزن والغضب والهم، قالوا: والغرض بالطب في تدبير الأجسام حفظ الصحة الموجودة في البدن الصحيح، واجتلابها للعليل، فالواجب أن يكون حفظ الصحة إنما هو بمعرفة الأسباب المصححة، فالواجب على الطبيب لا محالة من هذه المقدمات التي قد صحت إذا أراد علاج المريض النظر في طبائع الأمراض والأبدان والأغذية والعادات والأزمان والأوقات الحاضرة والأسباب ليستدل بجميع ذلك، وهذا يا أمير المؤمنين قول أبقراط وجالينوس فيمن تقدم وتأخر عنهم، قالوا: وقد اختلفت هذه الطائفة في كثير من الأغذية والأدوية، مع اتفاقهم على ما وصفنا، وذلك لاختلافهم في كيفية الاستدلال؛ فمنهم من زعم أنه يستدل على طبيعة الشيء من الأغذية والأدوية بطعمه أو ريحه أو لونه أو قوامه أو فعله أو تأثيره في الجسد، وزعموا أن الوثيقة في الاستدلال بالأجزاء إذا كانت الألوان والأرايح وسائر ما ذكرنا من أفعال الطبائع الأربع، كما أن الإسخان والتبريد والتليين فعل لها، وزعمت طائفة أخرى منهم أن أصح الشهادات وأثبت القضايا في الحكم على طبيعة الدواء والغذاء بما أخذ من فعله في الجسد دون الطعم والرائحة، وما سوى ذلك، فإن الاستدلال بما سوى الفعل والتأثير لا يقطع به، ولا يعول في الحكم على طبيعة الدواء المفرد والمركب.
قال الواثق لحنين من بين الجماعة: ما أول آلات الغذاء من الإنسان؟ قال: أول آلات الغذاء من الإنسان الفم، وفيه الأسنان، والأسنان اثنتان وثلاثون سنا، منها في اللحي الأعلى ستة عشر سنا، وفي اللحي الأسفل كذلك، ومن ذلك أربعة في كل واحد من اللحيين عراض محدود الأطراف تسميها الأطباء من اليونانيين القواطع وذلك أن بها يقطع ما يحتاج إلى قطعه من الأطعمة اللينة، كما يقطع هذا النوع من المأكول بالسكين، وهي الثنايا والرباعيات، وعن جنبي هذه الأربعة في كل واحد من اللحيين سنان رؤوسهما حافة وأصولهما عريضة، وهي الأنياب، وبها يكسر كل ما يحتاج إلى تكسيره من الأشياء الصلبة مما يؤكل، وعن جنبي النابين في كل واحد من اللحيين خمس أسنان أخر عوارض خشن، وهي الأضراس، ويسميها اليونانيون الطواحن، لأنها تطحن ما يحتاج إلى طحنه مما يؤكل، وكل واحد من الثنايا والرباعيات والأنياب له أصل واحد، وأما الأضراس فما كان منها في اللحي الأعلى فله ثلاثة أصول، خلا الضرسين الأقصيين، فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول أربعة، وما كان من الأضراس في اللحي الأسفل فلكل واحد منها أصلان، نجلا الضرسين الأقصيين؛ فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول ثلاثة، وإنما احتج إلى كثرة أصول الأضراس عون سائر الأسنان لشدة قوة العمل بها، وخصت العليا منها بالزيادة في الأصول لتعلقها بأعلى الفم.
قال الواثق: أحسنت فيما ذكرت من هذه الآلات، فصنف لي كتابا تذكر فيه جميع ما يحتاج إلى معرفته من ذلك، فصنف له كتابا جعله ثلاث مقالات، يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسهل وآلات الجسد.
** الواثق وحنين بن إسحاق أيضا **
وقد ذكر أن الواثق سأل حنينا في هذا المجلس وفي غيره عن مسائل كثيرة، وأن حنينا أجاب عن ذلك، وصنف في كل ذلك كتابا ترجمه بكتاب المسائل الطبيعية يذكر فيه أنواعا من العلوم، فكان مما سأل الواثق حنينا من المسائل، وقيل: بل أحضر له الواثق نديما من ندمائه فكان يسأله بحضرتا والواثق يسمع ويتعجب مما يورده السائل والمجيب، إلى أن قال: في الأشياء المغيرة للهواء. قال حنين: خمس، وهي أوقات السنة، وطلوع الكواكب وغروبها، والرياح والبلدان، والبحار.
** أوقات السنة **
قال السائل: فكم هي أوقات السنة؟ قال حنين: أربع: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء؛ فمزاج الربيع معتدل في الحرارة والرطوبة، ومزاج الصيف حار يابس، ومزاج الخريف بارد يابس، ومزاج الشتاء بارد رطب.
** الكواكب: **
قال السائل: أخبرني عن كيفية تغيير الكواكب للهواء، قال حنين: إن الشمس متى قربت منها أو قربت هي من الشمس كان الهواء أزيد سخونة، وخاصة كلما كانت أعظم، ومتى بعدت الشمس أو بعدت هي من الشمس كان الهواء أزيد بردا.
** الرياح **
قال السائل: أخبرني عن كيفية أعداد الرياح، قال حنين: أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور، فأما قوة الشمال فباردة يابسة، وأما الجنوب فحارة رطبة، وأما الصبا والدبور فمعتدلان، يخر أن الصبا أميل إلى الحرارة واليبس، والدبور أميل إلى البرودة والرطوبة من الصبا.
** البلدان **
قال: فأخبرني عن أحوال البلدان في ذلك، قال: هي أربع؛ الأول الارتفاع، والثاني الانخفاض، والثالث مجاور الجبال والبحار، والرابع طبيعة تربة الأرض، والنواحي أربع، وهي: الجنوب، والشمال، والمشرق، والمغرب، فناحية الجنوب أسخن، وناحية الشمال أبرد، وأما ناحيتا المشرق والمغرب فمعتدلتان، واختلاف البلدان بارتفاعها وانخفاضها؛ لأن ارتفاعها يجعلها أبرد، وانخفاضها يجعلها أسخن، والبلدان تختلف بحسب مجاورة الجبال لها؛ لأن الجبل متى كان من البلد في ناحية الجنوب جعل ذلك البلد أزيد بردا لأنه يستره من الرياح الجنوبية، وإنما تهب فيه الريح الشمالية فقط، ومتى كان الجبل من البلد في ناحية الشمال جعل ذلك البلد أسخن.
** تأثير البحار في البلدان **
قال: فأخبرني عن اختلاف البلدان عند مجاورتها البحار كيف اختلفت؟.
قال حنين: إن كان البحر من البلد في ناحية الجنوب، فإن ذلك البلد يسخن ويرطب، وإن كان في ناحية الشمال كان ذلك البلد أبرد.
قال السائل: فأخبرني عن البلدان كيف اختلفت بحسب طبيعة تربتها، قال: إن كانت أرضها حجرية جعلت ذلك البلد أبرد وأخف وإن كانت تربة البلد حصبانية جعلت ذلك البلد أخف وأسخن وإن كانت طينا جعلته أبرد وأرطب.
قال: فلم اختلف الهواء من قبل البحار. قال: إذا جاورت نقائع ماء أو جيفا أو بقولا عفنة أو غير ذلك مما يتعفن تغير هواؤها.
فلما كثر هذا الكلام من السائل والمجيب أضجر ذلك الواثق، فقطع ذلك، وأجاز كل واحد ممن حضر، ثم أمرهم أن يخبر كل واحد منهم عما حضره في الزهد في هذا العالم الذي هو عالم الدثور والفناء والغرور فذكر كل واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن زهد الفلاسفة من اليونانيين والحكماء المتقدمين كسقراط وديوجانس.
** نطق الحكماء على جدث الإسكندر **
قال الواثق: قد أكثرتم فيما وصفتم، وقد أحسنتم الحكاية فيما ذكرتم، فليخبرني كل واحد عن أحسن ما سمع من نطق الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر، وقد جعل في التابوت الأحمر.
فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، كل ما ذكروه حسن، وأحسن ما نطق به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ديوجانس، وقد قيل: إنه لبعض حكماء الهند، فقال: إن الإسكندر أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقد أخذ هذا المعنى من قول الحكيم أبو العتاهية حيث قال:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
فاشتد بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى معه كل من حضر من الناس، ثم قام من فوره ذلك وهو يقول:
وصروف الدهر في تقديره ... خلقت فيها انخفاض وانحدار بينما المرء على إعلائها ... إذ هوى في هوة منها فحار
إنما متعة قوم ساعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
قال المسعودي: وللواثق أخبار حسان مما كان في أيامه من الأحداث وما كان يجري من المباحثة في مجلسه الذي عقده للنظر بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم من العقليات والسمعيات في جميع الفروع والأصول، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب في باب خلافة القاهر بالله بن المعتضد بالله جملا من الأخبار في أخلاق الخلفاء من بني العباس لمعنى أوجب إيرادها في باب خلافة القاهر.
واعتل الواثق فصلى بالناس يوم النحر أحمد بن أبي دواد، وكان قاضي القضاة، فدعا في خطبته للواثق، فقال: اللهم اشفه مما ابتليته، وقد قدمنا ذكر وقت وفاته فيما سلف من أخباره في هذا الباب، فأغنى ذلك عن إعادته.