Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة المتوكل على الله
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 88 of 107
وبويع جعفر بن محمد بن هارون، ولقب المنتصر بالله، فلما كان في اليوم الثاني لقبه أحمد بن أبي دواد المتوكل على الله وذلك في اليوم الذي مات فيه الواثق أخوه، وهو يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي الفضل، وبويع له وهو ابن سبع وعشرين سنة وأشهر، وقتل وهو ابن إحدى وأربعين سنة فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسع ليال، وأمه أم ولد خوارزمية يقال لها شجاع، وقتل ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
** ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه **
** أمره بترك الجدل وإظهار السنة **
ولما أفضت الخلافة إلى المتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق والمأمون وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السف والجماعة، وأظهر لباس ثياب الملحمة، وفضل ذلك على سائر الثياب، واتبعه من في داره على لبس ذلك، وشمل الناس لبسه، وبالغوا في ثمنه اهتماما بعمله، واصطنع الجيد منها؛ لمبالغة الناس فيها، وميل الراعي والرعية إليها، فالباقي في أيدي الناس إلى هذه الغاية من تلك الثياب يعرف بالمتوكلية، وهي نوع من ثياب الملحم نهاية في الحسن والصبغ وجودة الصنع.
** أحدث اللعب والمضاحك **
وكانت أيام المتوكل أحسن أيام وأنضرها، من استقامة الملك، وشمول الناس بالأمن والعدل، ولم يكن المتوكل ممن يوصف في عطائه وبذله بالجود، ولا بتركه وإمساكه بالبخل، ولم يكن أحد ممن سلف مر خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل مما قد استفاض في الناس تركه إلا المتوكل، فإنه السابق إلى ذلك والمحدث له، وأحدث أشياء من نوع ما ذكرنا فاتبعه فيها الأغلب من خواصه وأكثر رعيته، فلم يكن في وزرائه والمتقدمين من كتابه وقواده من يوصف بجود ولا إفضال، أو يتعالى عن مجون وطرب.
** غلب عليه الفتح بن خاقان **
وكان الفتح بن خاقان التركي مولاه أغلب الناس عليه، وأقربهم منه، وأكثرهم تقدما عنده، ولم يكن الفتح - مع هذه المنزلة من الخلافة - ممن يرجى فضله ويخاف شره، وكان له نصيب من العلم، ومنزلة من الأدب، وألف كتابا في أنواع من الأدب ترجمه بكتاب البستان.
** أحدث البناء الحيري **
وأحدث المتوكل في أيامه بناء لم يكن الناس يعرفونه، وهو المعروف بالحيري والكمين والأروقة، وذلك أن بعض سماره حدثه في بعض الليالي أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نصر أحدث بنيانا في دار قراره، وهي الحيرة، على صورة الحرب وهيئتها للهجه بها وميله نحوها لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله، فكان الرواق فيه مجلس الملك وهو الصدر، والكمان ميمنه وميسرة، ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه، وفي اليمين منهما خزانة الكسوة، وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب، والرواق قد عم فضاؤه الصدر والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق، فسمي هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيري والكمين، إضافة إلى الحيرة، واتبع الناس المتوكل في ذلك ائتماما بفعله، واشتهر إلى هذه الغاية.
** أخذه البيعة لأولاده الثلاثة **
وبايع المتوكل لبنيه الثلاثة: محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتز بالله، والمستعين بالله، وفي ذلك يقول ابن المدبر في ذكره لهذه البيعة:
يا بيعة مثل بيعة الشجره ... فيها لكل الخلائق الخيره
أكدها جعفر وصيرها ... إلى بنيه الثلاثة البرره
وفي ذلك يقول علي بن الجهم:
قل للخليفة جعفر: يا ذا الندى ... وابن الخلائف والأئمة والهدى
لما أردت صلاح دين محمد ... وليت عهد المسلمين محمدا
وثنيت بالمعتز بعد محمد ... وجعلت ثالثهم أعز مؤيدا
وكان استخلاف المتوكل على الله بعد أن استخلف أبو العباس السفاح بمائة سنة، وبعد موت العباس بن عبد المطلب بمائتي سنة، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، على تفاوت التواريخ في كمية أوقاتهم وعدد سنيهم والزيادة في الأيام والشهور ونقصانها من مدة ملكهم.
** سخطه على ابن الزيات **
وقد كان سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات بعد خلافته بأشهر، فقبض أمواله وجميع ما كان له، وقلد مكانه أبا الوزير، وقد كان ابن الزيات اتخذ للمصادرين والمغضوب عليهم تنورا من الحديد رؤوس مساميره إلى داخل قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته للمعتصم والواثق، فكان يعذب الناس فيه، فأمر المتوكل بإدخاله في ذلك التنور، فقال محمد بن عبد الملك الزيات للموكل به أن يأذن له في دواة وبطاقة ليكتب فيها ما يريد، فأستأذن المتوكل في ذلك، فأذن له، فكتب:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم
لأجزعن رويدا إنها دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم
قال: وتشاغل المتوكل في ذلك اليوم فلم تصل الرقعة إليه، فلما كان الغد قرأها فأمر بإخراجه فوجده ميتا، وكان حبسه في ذلك التنور إلى أن مات أربعين يوما، وكان كاتبا بليغا، وشاعرا مجيدا، وهو القائل في تحريض المأمون على إبراهيم بن المهدي عمه حين خرج عليه:
ألم تر أن الشيء للشيء علة ... تكون له كالنار تقدح بالزند
كذلك جربنا الأمور، وإنما ... يدلك ما قد كان قبل على البعد
وظني بإبراهيم أن فكاكه ... سيبعث يوما مثل أيامه النكد
تذكر أمير المؤمنين قيامه ... وأيامه في الهزل منه وفي الجد
إذا هز أعواد المنابر باسمه ... تغنى بليلي أو بمية أو هند
في شعر طويل جدا.
ومن شعره قوله في مرثية للمعتصم بالله:
وظل له سيف النبي كأنما ... مدامعه من شدة الحزن تنرف
حمائله والبرد تشهد أنه ... هو الطيب الأولى الذي كان يعرف
أقول ومن حق الذي قلت أنني ... أقول وأثني بعد ذاك وأحلف
لما هاب أهل الظلم مثلك سائسا ... ولا أنصف المظلوم مثلك منصف
وقد أتينا على أخباره وما استحسن من أشعاره في الكتاب الأوسط.
** وزراؤه **
فكانت أيام أبي الوزير في الوزارة يسيرة، وقد كان اتخذ للوزارة محمد بن الفضل الجرجراني، ثم صرفه فاستكتب عبيد الله بن يحيى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين إلى أن قتل، وقد أتينا في الكتاب الأوسط على أخباره واتصاله بالمتوكل وأخبار الفتح بن خاقان.
** المبرد ومجنون بدير هرقل **
وذكر محمد بن يزيد المبرد قال: ذكرت للمتوكل لمنازعة جرت بينه وبين الفتح بن خاقان في تأويل آية وتنازع الناس في قراءتها، فبعث إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي، وكانت إليه البصرة، فحملني إليه مكرما، فلما اجتزت بناحية النعمان بين واسط وبغداد ذكر لي أن بدير هرقل جماعة من المجانين يعالجون، فلما حاذيته دعتني نفسي إلى دخوله، فدخلته ومعي شات ممن يرجع إلى دين وأدب؛ فإذا أنا بمجنون من المجانين قد دنا إلي، فقلت: ما يقعدك بينهم وأنت بائن عنهم؟ فكسر جفنه ورفع عقيرته، وأنشأ يقول:
إن وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد أضعف وجدي وزاد في سقمي ... أن لست أشكو الهوى إلى أحد
وضعت كفي على فؤادي من ... حر الأسى وانطويت فوق يدي
آه من الحب آه من كبدي ... إن لم أمت في غد فبعد غد
كأن قلبي إذا ذكرتهم فريسة ... بين ساعدي أسد
فقلت: أحسنت لله درك! زدني، فأنشأ يقول:
ما أقتل البين للنفوس!! وما ... أوجع فقد الحبيب للكبد!!
عرضت نفسي من البلاء لما ... أسرف في مهجتي وفي جلدي
يا حسرتي أن أموت معتقلا ... بين اعتلاج الهموم والكمد
في كل يوم تفيض معولة ... عيني لعضو يموت في جسدي
فقلت: أحسنت لله درك! ولا فض فوك! زدني، فأنشأ يقول:
الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبث ما أجد
نفسان لي نفس تضمنها ... بلد، وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر، وليس يعينها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
فقلت: والله أحسنت، فاستزتده، فقال: أراك كلما أنشدتك استزدتني، وما ذاك إلا لفرط أدب أو فراق شجن، فأنشدني أنت أيضا، فقلت للذي معي: أنشده، فأنشأ يقول:
عذل وبين وتوديع ومرتحل ... أي العيون على ذا ليس تنهمل؟
تألفه ما جلدي من بعدهم جلد ... ولا اختزان دموعي عنهم بخل
بلى، وحرمة ما ألقين من خبل ... قلبي إليهن مشتاق وقد رحلوا
وعدت أن البحار السبع لي مدد ... وأن جسمي دموع كلها همل
وأن لي بدلا من كل جانحة ... في كل جارحة يوم النوى مقل
لا در در النوى لو صادفت جبلا ... لا نهد منها وشيكا ذلك الجبل
الهجر والبين والواشون والإبل ... طلائع يتراءى أنها الأجل
فقال المجنون: أحسنت، وقد حضرني في معنى ما أنشدت إلى شعر، أفأنشده؟ قلت: هات: فأنشأ يقول:
ترحلوا ثم نيطت دونهم سجف ... لو كنت أملكهم يوما لما رحلوا
يا حادي العيس مهلاكي نودعها ... رفقا قليلا ففي توديعها الأجل
ما راعني اليوم شيء غير فقدهم ... لما استقلت وسارت بالدمى الإبل
إني على العهد لم أنقض مودتهم ... فليت شعري وطال الدهر ما فعلوا
قال المبرد: فقال الفتى الذي معي: ماتوا، فقال المجنون: آه آه، إن ماتوا فسوف أموت، وسقط ميتا، فما برحت حتى غسل وكفن وصليت عليه ودفنته.
** البحتري ينشد المتوكل **
ووردت سر من رأى، فأدخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب، فسئلت عن بعض ما وردت له؛ فأجبت، وبين يدي المتوكل البحتري الشاعر، فابتدأ ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل، وفي المجلس أبو العنبس الصيمري، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها:
عن أي ثغر تبتسم؟ ... وبأي طرف تحتكم؟
حسن يضيء بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم
قل للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم
المرتضى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم
أما الرعية فهي من ... أمنات عدلك في حرم
ياباني المجد الذي ... قد كان قوض فانهدم
اسلم لدين محمد ... فإذا سلمت فقد سلم
نلنا الهدى بعد العمى ... بك، والغنى بعد العدم
فلما انتهى إلى ذلك مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس فقال: يا أمير المؤمنين، تأمر برده، فقد والله عارضته في قصيدته هذه، فأمر برده، فأخذ أبو العنبس ينشد شيئا لولا أن في تركه بترا للخبر لما ذكرناه، وهو:
من أي سلح تلتقم ... وبأي كف تلتطم
أدخلت رأس البحتر ... ي أبي عبادة في الرحم ووصل ذلك بما أشبهه من الشتم، فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، وفحص برجله اليسرى، وقال: يدفع إلى العنبس عشرة آلاف درهم، فقال الفتح: يا سيدي البحتري الذي هجي وأسمع المكروه ينصرف خائبا؟ قال: ويدفع للبحتري عشرة آلاف درهم، قال: يا سيدي وهذا البصري الذي أشخصناه من بلده، لا يشركهم فيما حصلوه. قال: ويدفع إليه عشرة آلاف درهم، فانصرفنا كلنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتري جده واجتهاده وحزمه.
** حمار أبي العنبس **
ثم قال المتوكل لأبي العنبس: أخبرني عن حمارك ووفاته وما كان من شعره في الرؤيا التي أريتها، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان أعقل من القضاة، ولم يكن له جريرة ولا زلة، فاعتل علة على غفلة، فمات منها، فرأيته فيما يرى النائم، فقلت له: يا حماري، ألم أبرد لك الماء، وأنق لك الشعير، وأحسن إليك جهدي. فلم مت على غفلة؟ وما خبرك؟ قال: نعم، لما كان في اليوم الذي وقفت على فلان الصيدلاني تكلمه في كذا وكذا مرت بي أتان حسناء، فرأيتها فأخذت بمجامع قلبي؟ فعشقتها واشتد وجدي بها، فمت كمدا متأسفا، فقلت له: يا حماري، فهل قلت في ذلك شعرا. قال: نعم، وأنشدني:
هام قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني
تيمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبخذين أسيلين كلون الشنقراني
فبها مت ولو عشت إذا طال هواني
قال: قلت: يا حماري، فما الشنقراني؟ فقال: هذا من غريب الحمير، فطرب المتوكل وأمر الملهين والمغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار، وفرح في ذلك اليوم فرحا شديدا، وسر سرورا لم ير مثله، وزاد في تكرمة أبي العنبس وجائزته.
** المتوكل وعلي بن محمد العلوي **
وحدث أبو عبد الله محمد بن عرفة النحوي قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال: قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: وما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض الله طاعة بنيه على خلقه وافترض طاعته على بنيه؟ فأمر له بمائة ألف درهم، وإنما أراد أبو الحسن طاعة الله على بنيه، فعرض.
وقد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته، فوجه إليه ليلا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليها بها فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني منه، فعافاه، وقال: أنشدني شعرا أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بد أن تنشدني فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم ... فأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطالما عمروا دورا لتحصنهم ... ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادخروا ... فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطلة ... وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا قال: فأشفق كل من حضر على علي، وظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه، ورده إلى منزله من ساعته مكرما.
** وفاة ابن سماعة القاضي الحنفي **
قال: وكانت وفاة محمد بن سماعة القاضي محمد بن الحسن - وصاحب أبي حنيفة في خلافة المتوكل، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وهو ابن مائة سنة، صحيح الجسم والعقل والحواس، يفتض الأبكار، ويركب الخيل التي تقطف وتعنق، لم ينكر من نفسه شيئا. وحكى ابنه سماعة بن محمد قال: قال لي أبي محمد بن سماعة: وجدت في حياة سوار بن عبد الله قاضي المنصور كتابا له بخطه أراه من شعره أو أبيات استحسنها، وهي:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... عواري في أجلادها تتكسر
وأخليت منها مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق ترعدت ... فرائصها من خوف ما تتحذر
خذي بيدي، ثم ارفعي الثوب وانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر
ولمحمد بن سماعة تصنيفات حسان في الفقه، وروايات عر محمد بن الحسن وغيره، منها كتاب نوادر المسائل عن محمد بن الحسن في ألوف أوراق.
** موت يحيى بن معين وجماعة من الأنباه **
وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين - مات يحيى بن معين، وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين مات أبو بكر بن أبي شيب والقواريري، وكانا من علية أصحاب الحديث وحفاظهم، وفيها مات إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وكان على بغداد، وولي ابنه مكانه، وله أخبار حسان قد أتينا على غررها في كتابنا أخبار الزمان.
** قصة سجين **
ومن ظريف أخباره والمستحسن مما كان في أيامه وسيره ببغداد ما حدث به عنه موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي أنه رأى في منامه كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: " أطلق القاتل " ، فارتاع لذلك روعا عظيما، ونظم في الكتب الواردة لأصحاب الحبوس فلم يجد فيها ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس، فسألهما: هل رفع إليهما أحد ادعى عليه بالقتل. فقال له العباس: نعم، وقد كتبنا بخبره، فأعاد النظر، فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا الرجل قد شهد عليه بالقتل وأقربه، فأمر إسحاق بإحضاره، فلما دخل عليه ورأى ما به من الارتياع قال له: إن صدقتني أطلقتك، فابتدأ يخبره بخبره، وذكر أنه كان هو وعدة من أصحاب يرتكبون كل عظيمة، ويستحلون كل محرم، وأنه كان اجتماعهم في منزل بمدينة أبي جعفر المنصور يعتكفون فيه على كل بلية، فلما كان في هذا اليوم جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد، ومعها جارية بارعة الجمال، فلما توسطت الجارية الدار صرخت صرخة، فبادرت إليها من بين أصحابي، فأدخلتها بيتا وسكنت روعها، وسألتها عن قصتها، فقالت: الله الله في، فإن هذه العجوز خدعتني وأعلمتني أن في خزانتها حقا لم ير مثله، فشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمي فاطمة، وأبي الحسن بن علي، فاحفظوهم في، قال الرجل: فضمنت خلاصها، وخرجت إلى أصحابي فعرفتهم بذلك فكأني أغريتهم بها، وقالوا: لما قضيت حاجتك منها أردت صرفنا عنها، وبادروا إليها، وقمت دونها أمنع عنها، فتفاقم الأمر بيننا إلى أن نالتني جراح، فعمدت إلى أشدهم كان في أمرها وأكلبهم على هتكها فقتلته، ولم أزل أمنع عنها إلى أن خلصتها سالمة، وتخلصت الجارية آمنة مما خافته على نفسها، فأخرجتها من الدرا، فسمعتها تقول: سترك الله كما سترتني، وكان لك كما كنت لي، وسمع الجيران الضجة فتبادروا إلينا والسكين في يدي والرجل يتشخط في دمه، فرفعت على هذه الحالة، فقال له إسحاق: قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة، ووهبتك لله ورسوله، قال: فوحق من وهبتني له لا عاودت معصية ولا دخلت في ريبة حتى ألقى الله، فأخبره إسحاق بالرؤيا التي رآها، وأن الله لم يضيع له ذلك، وعرض عليه برا واسعا، فأبى قبول شيء من ذلك.
** رضاه عن يحيى بن أكثم **
وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين رضي المتوكل عن أبي محمد يحيى ابن أكثم الصيفي، فأشخص إلى سر من رأى، وولي قضاء القضاة، وسخط على أحمد بن أبي دواد وولده أبي الوليد محمد بن أحمد، وكان على القضاء، وأخذ من أبي الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجوهرا بأربعين ألف دينار، وأحضر إلى بغداد، وقد كان أبو عبد الله أحمد بن أبي عواد فلج بجد موت عدوه ابن الزيات بسبعة وأربعين يوما، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
** وفاة ابن أبي دؤاد **
وفي سنة أربعين ومائتين كانت وفاة أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بعد وفاة ولده أبي الوليد محمد بن أحمد بعشرين يوما، وكان ممن أجرى الله الخير على يديه على ما اشتهر من أمره، وسهل الله سبيله إليه، وحبب إليه المعروف وفعله.
** منزلة ابن أبي دؤاد عند المعتصم **
وذكر أن المعتصم كان بالجوسق يوما مع ندمائه - وقد عزم على الإصطباح، وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قدرا - إذ بصر بسلامة غلام ابن أبي دؤاد، فقال: هذا غلام ابن أبي دواد يتعرف خبرنا، والساعة يأتي فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيعطلنا بحوائجه عما عزمنا عليه، وأنا أشهدكم أني لا أقضي اليوم له حاجة، فلم يكن بين قوله وبين استئذان الأتباع لأبي عبد الله إلا هنيهة، فقال لجلسائه: كيف ترون قولي؟ قالوا: فلا تأذن له، قال: سوءا لكم، حمى سنة أهون علي من ذلك، ودخل، فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم حتى أسفر وجه المعتصم وضحكت إليه جوارحه، ثم قال له. يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرا، وقد جعلناك حكما في طبخها، قال: فلتحضر ثم آكل ثم أحكم بحكم بعلم، فحملت إليه القدور ووضعت بين يديه، فجعل يأكل من أول قدر أكلا تاما، فقال له المعتصم: هذا ظلم، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أراك قد أمعنت في هذا اللون، وستحكم لصاحبه، قال: يا أمير المؤمنين علي أن آكل من هذه القدور كلها كما أكلت من هذا القدر، فتبسم له المعتصم وقال له: شأنك إذا، فأكل كما قال، ثم قال: أما هذه فقد أحسن طابخها إذا كثر فلفلها وأقل كمونها، وأما هذه فقد أجاد طابخها إذ أكثر خلها وأقل زيتها، وأما هذه فقد طيبها طابخها باعتدال توابلها، وأما هذه فقد حقق من عملها بقلة مائها وكثرة مرقها، حتى وصف القدور كلها بصفات سر أهلها بها، ثم أكل مع القوم كما أكلوا أنظف أكل وأحسنه، مرة يحدثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام: معاوية بن أبي سفيان، وعبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف، وسليمان بن عبد الملك، ومرة يحدثهم عن أكلة دهره مثل ميسرة التضار، ودورق القصاب، وحاتم الكيال، وإسحاق الحمامي، فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا، قال: نعم يا أمير المؤمنين رجل من أهلك وطئه الدهر فغير حاله وخشن معيشته، قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الله النوفلي، قال: قدر له ما يصلحه، قال: خمسين ألف درهم، قال: أنفذت ذلك له، قال: وحاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ضياع إبراهيم بن المعتمر تردها له، قال: قد فعلت، قال: وحاجة أخرى، قال: قد فعلت، قال: فوالله ما خرج حتى سأل ثلاث عشرة حاجة لا يرده عن شيء منها، حتى قام خطيبا فقال في خطبته: يا - أمير المؤمنين، عمرك الله طويلا، فبعمرك تخصب جنات رعيتك، ويلين عيشهم، وتثمر أموالهم، ولا زلت ممتعا بالسلامة، محبوا بالكرامة، مرفوعا عنك حوادث الأيام وغيرها، ثم انصرف؛ فقال المعتصم: هذا والله يتزين بمثله، ويبتهج بقربه، ويعدل ألوفا من جنسه، أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف سلم؟ وكيف تكلم؟ وكيف أكل؟ وكيف وصف القدور ثم انبسط في الحديث؟ وكيف طاب به أكلنا؟ ما يرد هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل خبيث الفرع، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رعدته عنها، وأنا أعلم أنه يكسبني بها في الدنيا حمدا وفي الآخرة ثوابا.
وفي أحمد بن أبي دواد يقول الطائي:
لقد أنست مساوي كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دواد
فما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواه راحلتي وزادي مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
** المتوكل يشتهي قدرا طبخها ملاحون **
وحكي عن الفتح بن خاقان قال: كنت عند المتوكل وقد عزم على الضبوح بالجعفري، وقد وجه خلف الندماء والمغنين، قال: فجعلنا نطوف وهو متكئ علي وأنا أحادثه، حتى وصلنا إلى موضع يشرف منه على الخليج، فدعا بكرسي فقعد عليه، وأقبل يحادثني، إذ بصر بسفينة مشدودة بالقرب من شاطئ الخليج، وملاح بين يديه قدر كبيرة يطبخ فيها سكباج من لحم بقر، وقد فاحت روائحها، فقال: يا فتح رائحة قدر سكباج والله، ويحك، أما ترى ما أطيب رائحتها، علي بها على حالها، فبادر الفراشون فانتزعوها من بين يدي الملاحين، فلما عاين الملاحون أصحاب السفينة ما فعل بهم ذهبت نفوسهم فرقا وخوفا، وجاءوا المتوكل بالقدر تفور كهيئتها، فوضعت بين أيدينا، فاستطاب ريحها واستحسن لونها، ودعا برغيف فكسر منه كسرة ودفعها إلي، وأخذ هو منه مثلها، وأكل كل واحد منا ثلاث لقم، وأقبل الندماء والمغنون، فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر، وأقبل الطعام ووضعت الموائد، فلما فرغ من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغسلت بين يديه، وأمر أن تملأ دراهم، فجيء ببدره ففرغت فيها، ففضل من الدراهم مقدار ألفي درهم، فقال لخادم كان بين يديه: خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها لأصحاب السفينة، وقل لهم: هذا ثمن ما أكلنا من قدركم، وادفع إلى من طبخها ما فضل من هذه البدرة من الدراهم هبة له على تجويده طبخها، قال الفتح: فكان المتوكل كثيرا ما يقول إذا ذكر قدر الملاح: ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم.
وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه بجهينة، وكان من حديثة الموصل: قال: حدثنا أبو الحسن الصالحي، قال: قال الجاحظ: ذكرت لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده، فلما راني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، وخرجت من عنده، فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الإنصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج معه والإنحدار في حراقته، فركبنا فيها، فلما أتينا كم نهر القاطول وخرجنا من سامرا نصب ستارته وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
وسكتت، فأمر الطنبورية فغنت:
وارحمتا للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويصرمو ... ن ويقطعون فيصبرونا
قال: فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا؟ قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر فزجت بنفسها إلى الماء، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة، فلما رأى ما صنعت ألقى المذبة من يده وأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء فأنشأ يقول:
وأنا الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا
فزج بنفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة فإذا هما معتنقان، ثم غاصا فلم يريا، فهال ذلك محمدا واستعظمه، وقال: يا عمرو لتحدثني حديثا يسليني عن فقد هذين وإلا ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل، فاغتاظ يزيد، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أمر بأن يتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه الرجل، فلما وقف بين يديه قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والاتكال على عفوك، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها، فقال لها الفتى: غني:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: غني:
تألق البرق نجديا، فقلت له: ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يكفيك عني عدو ثائر حنق ... في كفه صارم كالملح مسلول فغنته، فقال: قل: قال: تأمر لي برطل خمر، فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد فرمى بنفسه على دماغه، فمات، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى مالي، يا غلمان، خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
فزخت بنفسها على دماغها فماتت، فسري عن محمد وأحسن صلتي، وقيل: إن هذا الخبر إنما كان مع سليمان بن عبد الملك وليس هذا عن يزيد بن عبد الملك قال: فذكرت هذا الحديث لأبي عبد الله محمد بن جعفر الأنباري بالبصرة فقال: أنا أخبرك بنحو من هذا الحديث الذي حدثتني به، حدثني فائق الخادم، وكان مولى لمحمد حميد الطوسي، أن محمد بن حميد كان جالسا مع ندمائه يوما، فغنت جارية من وراء الستارة:
يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك يستمتع
إن كان ربي قد قضى ما رأى ... منك على رأسي فما أصنع
وعلى رأس محمد غلام بيده قدح يسقيه، فرمى بالقدح عن يده وقال: تصنعين هكذا، ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة، فهتكت الجارية الستارة، ثم رمت بنفسها على إثره، فنزلت الغلمة خلفهما، فلم يجدوا أحدا منهما، فقطع محمد الشراب، وقام عن مجلسه.
** سخط المتوكل على الرخجي **
قال المسعودي: وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين سخط المتوكل على عمر بن الفرج الرخجي، وكان من علية الكتاب، وأخذ منه مالا وجوهرا نحو مائة ألف وعشرين ألف دينار، وأخذ من أخيه نحوا من مائة ألف ألف دينار، ثم صولح محمد على أحد وعشرين ألف ألف درهم على أن يرد إليه ضياعه، ثم غضب عليه غضبة ثانية، وأمر أن يصفع في كل يوم، فأحصي ما صفع فكان ستة آلاف صفعة، وألبسه جبة صوف، ثم رضي عنه، وسخط عليه ثالثة، وأحدر إلى بغداد، وأقام بها حتى مات.
وأهدى الموبذان إلى المتوكل قارورة دهن، وكتب إليه: إن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فلطفت ودقت كان أبهى لها وأحسن، وإن كانت من الكبير إلى الصغير فعظمت كان أرفع لها وأنفع.
** وفاة الإمام أحمد بن حنبل **
قال المسعودي: وكانت وفاة أحمد بن حنبل في خلافة المتوكل بمدينة السلام، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودفن بباب حرب في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلق من الناس لم ير مثل ذلك اليوم والاجتماع في جنازة من سلف قبله، وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد في الأمور: منها أن رجلا منهم كان ينادي: العنوا الواقف عند الشبهات، وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة عليه السلام في ذلك، وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقفا بعد موقف أمام الجنازة وينادي بأعلى صوته:
وأظلمت الدنيا لفقد محمد ... وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل
يريد بذلك أن الدنيا أظلمت عند وفاة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل، كظلمتها عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم.
** انقضاض الكواكب **
وفي هذه السنة انقضت الكواكب الانقضاض الذي لم ير مثله قط، وذلك في ليلة الخميس لست خلون من جمادى الآخرة، وقد كان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة انقضاض لكوكب عظيم هائل، وهي الليلة التي وقعت فيها القرامطة بحاج العراق من طريق الكوفة، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
** وفاة جماعة من أهل العلم **
وفي السنة التي مات فيها ابن حنبل كانت وفاة محمد بن عبد الله بن محمد الإسكافي، وكان من أهل النظر والبحث ومن علية أهل العدل، وكانت وفاة جعفر بن المبشر سنة أربع ومائتين، وكان من كبار أهل العدلية وأهل الديانة من البغداديين، ومات جعفر بن حرب سنة ست وثلاثين ومائتين، وهو رجل من همدان ووجوه قحطان، وإلى أبيه يضاف شارع باب حرب في الجانب الغربي من مدينة السلام، وهو شيخ البغداديين من المتكلمين ومات عيسى بن طغج سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان من حذاقهم وأهل الديانات منهم، وذكر أبو الحسن الخياط أن أبا الهذيل محمد بن الهذيل كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين، ثم تنازع أصحابه في مولده فقال قوم: سنة إحدى وثلاثين ومائة وقال قوم: سنة أربع وثلاثين ومائة، وقد كان أبو الهذيل هذا اجتمع مع هشام بن الحكم الكوفي الحرار، وكان هشام شيخ المجسمة والرافضة في وقته ممن وافقه على مذهبه، وكان أبو الهذيل يذهب إلى نفي التجسيم ورفع التشبيه، وإلى ضد قول هشام في التوحيد والإمامة، فقال هشام لأبي الهذيل: إذا زعمت أن الحركة ترى فلم لا زعمت أنها تلمس؟ قال: لأنها ليست بجسم فيلمس؛ لأن اللمس إنما يقع على الأجسام، فقال له هشام: فقل أيضا إنها لا ترى؛ لأن الرؤية إنما تقع على الأجسام، فرجع أبو الهذيل سائلا فقال له: من أين قلت إن الصفة ليست الموصوف ولا غيره. قال هشام: من قبل أنه يستحيل أن يكون فعلي أنا يستحيل أن يكون غيري؟ لأن التغاير إنما أوقعه على الأجسام والأعيان القائمة بأنفسها، فلما لم يكن فعلي قائما بنفسه، ولم يجز أن يكون فعلي أنا وجب أنه لا أنا ولا غيري، وعلة أخرى أنت قائل بها: زعمت يا أبا الهذيل أن الحركة ليست مماسة ولا مباينة؟ لأنها عندك مما لا يجوز عليه المماسة ولا المباينة، فلذلك قلت أنا: إن الصفة ليست أنا ولا غيري، وعتبي في أنها ليست أنا ولا غيري علتك في أنها لا تماس ولا تباين، فانقطع أبو الهذيل ولم يرد جوابا.
** وفاة جماعة من المعتزلة **
وكانت وفاة أبي موسى الفراء سنة ست وعشرين ومائتين، وكان من شيوخ العدلية وكبار المتكلمين من البغداديين، ومات واصل بن عطاء - ويكنى بأبي حذيفة - في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو شيخ المعتزلة وقديمها، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر، وبه سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار بني أمية قول المعتزلة في الأصول الخمسة، فأغنى ذلك عن إعادته، وكذلك فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب خبر عمرو بن عبيد ووفاته، وكان شيخ المعتزلة والمقدم فيها، وأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومائة، وقد كان عمرو بن عبيد اجتمع مع هشام بن الحكم، وهشام يذهب إلى القول بأن الإمامة نص من الله ورسوله على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعلى من يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين، ومن يلي أيامهم، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة في سائر الأعصار فقال هشام لعمرو بن عبيد: لم خلق الله لك عينين؟ قال: لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السموات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلا لي عليه، فقال هشام: فلم خلق الله لك سمعا؟ قال: لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي، فقال له هشام: لم خلق الله لك لسانا؟ فقال عمرو: لأعبر به عما في قلبي وأخاطب به من افترض علي أمره ونهيه، قال هشام: فلم خلق الله لك قلبا؟ قال عمرو: لتكون هذه الحواس مؤدية إليه فيكون مميزا بين منافعها ومضارها، قال هشام: فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسك ولا يخلق لك قلبا تؤدي هذه الحواس إليه. قال عمرو: لا، فقال هشام: ولم. قال: لأن القلب باعث لهذه الحواس على ما يصبح له، فلو لم يخلق الله فيها انبعاثا من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثا يبعثها على ما خلقت له إلا بخلق القلب، فيكون هو الباعث لها على ما تفعله، والمميز لها بين مضارها ومنافعها، ويكون الإمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواس إذ كانت الحواس راجعة إلى القلب لا إلى غيره، ويكون سائر الخلق راجعين إلى الإمام لا إلى غيره، فلم يأت عمرو بفرق يعرف. وهذا الذي حكيناه ذكره أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ببغداد في كتابه المعروف بكتاب المجالس، وكانت وفاة أبي عيسى ببغداد في الجانب الغربي في الموضع المعروف بالرملة سنة سبع وأربعين ومائتين، وله تصنيفات حسان كثيرة منها كتابة في المقالات في الإمامة وغيرها من النظر.
** ابن الراوندي **
وكانت وفاة أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندى برحبة مالك بن طوق، وقيل: ببغداد سنة خمس ومائتين، وله نحو من أربعين سنة، وله كتب مصنفة مائة كتاب وأربعة عشر كتابا.
وقد ذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان وفاة أرباب المقالات وأهل المذاهب والجدل والآراء والنحل، وأخبارهم ومناظراتهم وتباينهم في مذاهبهم وكذلك في الكتاب الأوسط، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وإنما يسنح لنا ذكر بعضهم في هذا الكتاب فنذكر لهم لمعا، وكذلك غيرهم من الفقهاء وأصحاب الحديث.
** وفاة الصولي الكاتب **
وفيها مات إبراهيم بن العباس الصولي، الكاتب، وكان كاتبا بليغا، وشاعرا مجيدا، لا يعلم فيمن تقم وتأخر من الكتاب أشعر منه، وكان يكتسب في حداثته بشعره، ورحل إلى الملوك والأمراء ومدحهم طلبا لجدواهم.
وذكر رجل من الكتاب أن إسحاق بن إبراهيم أخا زيد بن إبراهيم حدثه أنه كان يتقلد الصيمرة والسيروان، وأن إبراهيم بن العباس اجتاز به يريد خراسان، والمأمون بها، وقد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا، وقد امتدحه بشعر يذكر فيه فضل آل علي وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم، قال: فاستحسنت القصيدة وسألته أن ينسخها لي، ففعل، ووهبت له ألف درهم، وحملته على دابة، وضرب الدهر من ضربه إلى أن ولي ديوان الضياع مكان موسى بن عبد الملك، وكنت أحد عمال موسى، وكان يحب أن يكشف أسباب موسى، فعزلني، وأمر أن تعمل مؤامرة فعملت، وكثر علي فيها، وحضرت للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لا يدفع، فلا يقيله، ويحكم لي الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم، ويسمعني في خلال ذلك قذعا من الكلام إلى أن أوجب علي الكتاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت عليه فقال: ليست يمين السلطان عندك يمينا لأنك رافضي، فقلت له: تأذن لي في الدنو منك؟ فأذن لي، فقلت له: ليس مع تعرضك بمهجتي للقتل صبر، وهاهو المتوكل إن كاتبت إليه بما أسمع منك لم آمنه على نفسي، وقد احتملت كل شيء إلا الرفض.
والرافضي: من زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من العباس، وأن ولده أحق من ولد العباس بالخلافة، قال: ومن قال ذلك. قلت: أنت وخطك عندي به، وأخبرته بالشعر، فوالله ما هو إلا أن قلت ذلك له حتى سقط في يده، ثم قال: أحضر الدفتر الذي بخطي، فقلت له: هيهات!! لا والله أو توثق لي بما أسكن إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي، وتخرق هذه المؤامرة، ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنت إليه، وخرق العمل المعمول، وأحضرته الدفتر، فوضعه في خفه، وانصرفت وقد زالت عني المطالبة.
ولإبراهيم بن العباس مكاتبات قد دونت، وفصول حسان من كلامه قد جمعت، وقد أتينا على كثير منها في الكتاب الأوسط، فما استحسن من فصوله وإن كانت كلها في نهاية الجودة وانتخبناه من كلامه: وقديما غذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من درها مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة، وركبت فيهم مخاطرها موضعة، حتى إذا رتعوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنوا، وانقضى رضاع وآن فطام، سقتهم سما، ففجرت مجاري ألبانها منها دما، وأعقبتهم من غذائها مرا، وحطت بهم من معقل إلى عقال، ومن عز إلى حسرة، قتلا وأسرا، وإباحة وقسرا، وقل من أوضع في الفتنة مرهجا في لهبها ومقتحما عند ضلالها إلا استقحمته آخذة بمخنقه، وموهنة بالحق كيده، حتى تجعله لعاجله جزرا، ولآجله حطبا، وللحق موعظة، وللباطل حجة، ذلك لهم جزاء في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وما ربك بظلام للعبيد.
وله أشعار حسان، فمما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب أحد من زمانه قوله:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن عونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستدم دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب في الحقوق فناؤها
وقوله: ولكن الجواد أبا هشام ... وفي الغيب مأمون المغيب
غني عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب
وقوله:
هب الزمان رماني ... الشأن في الخلان
فيمن رماني لما ... رأى الزمان زماني
ومن ذخرت زماني ... شنأت في الخلان
ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذخر الزمان
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان
وقوله:
وإذا جزى الله امرأ بفعاله ... فجرى أخا لك ماجدا سمحا
نبهته من كذبه فكأنما ... نبهت إذ نبهته صبحا
ومما يجب على الرؤساء أن يحفظوه قوله:
تزيده الأيام إن أقبلت ... حزما وعلما بتصاريفها
كأنها في وقت إسعافها ... تسمعه صوت تخاريفها
ومما أحسن فيه وبرز عن نظرائه قوله:
سقيا ورعيا لأيام لنا سلفت ... بكيت منها فصرت اليوم أبكيها
كذاك أيامنا لا شك نندبها ... إذا تقضت ونحن اليوم نشكوها
وقوله:
أولى البرية طرا أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
وقوله:
لا تلمني فإن همك أن تثري وهمي مكارم الأخلاق
كيف يستطيع حفظ ما جمعت كفاه من ذاق لذة الإنفاق
وقوله:
أسد ضار إذا ما هجته ... وأب بر إذا ما قدرا
يعلم الأقصى إذا أثرى، ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقرا
وكان إبراهيم بن العباس يقول: مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم من الارتقاء، وكان إبراهيم يدعي خؤولة العباس بن الأحنف الشاعر.
** العباس بن الأحنف **
وحكى أبو العباس أحمد بن جعفر بن حمدان القاضي، عن سليمان بن الحسن بن مخلد، عن أبيه الحسن، قال: أنشد إبراهيم بن ألعباس قول العباس بن الأحنف:
إن قال لم يفعل، وإن سيل لم ... يبذل، وإن عوتب لم يعتب
صب بهجراني، ولو قال لي: ... لا تشرب البارد لم أشرب
فقال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، القليل النظير، ما سمعت كلاما أجزل منه في رقة، ولا أسهل في صعوبة، ولا أبلغ في إنصاف، من هذا، فقال له الحسن: كلامك والله أحسن من شعره: ومما استحسن من شعر العباس بن الأحنف قوله:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل: أنا ظالم
فطوبى لما أعفى من الليل ساعة ... وذاق اغتماضا؛ إن ذاك لناعم
وقوله:
اصرف فؤادك يا عباس معتمدا ... عنها، وإلا تمت في حبها كمدا
لو أنها من وراء الروم في بلد ... ما كنت أسكن إلا ذلك البلدا
يا من شكا شوقه من هول غيبته ... اصبر لعلك تلقى ما تحب غدا
وقوله:
أغب الزيارة لما بدا ... له الهجر أو بعض أسبابه
وما صد عنا، ولكنه ... طريد ملالة أحبابه
** وفاة العباس بن الأحنف **
حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا الرياشي، قال: ذكر جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: يا أيها الناس، هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قال: فملنا إليه وقلنا له: ما تريد. قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه، فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جوابا، فجلسنا حوله، فأحس بنا، فرفع طرفه، وهو لا يكاد يرفعه ضعفا، وأنشأ يقول:
يا غريب الدار عن وطنه مفردا ... يبكي على شجنه
كلما جد البكاء به ... دبت الأسقام في بدنه ثم أغمى عليه طويلا، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة، وجعل يغرد، ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم قال:
ولقد زاد الفؤاد شجى ... طائر يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه
قال: ثم تنفس تنفسا فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف.
وقد أخبرنا بهذا الخبز أبو إسحاق الزجاجي النحوي، عن أبي العباس المبرد، عن المازني، قال: حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه.
وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين.
** نفى المتوكل علي بن الجهم **
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نفى المتوكل علي بن الجهم الشاعر إلى خراسان، وقيل: في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك إلى العراق، وخروجه يريد السفر، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين، فلما صار بالقرب من حلب من بلاد قنسرين والعواصم بالموضع المعروف بخشبات لقيته خيل الكلبيين فقتلته، فقال في ذلك وهو في الشرق:
أزيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل؟
ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل؟
وكان علي بن الجهم السامي هذا - مع انحرافه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإظهاره التسنن مطبوعا مقتدرا على الشعر؛ عذب الألفاظ، غزير الكلام، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طعم من طعن على نسبه، وما قال الناس في عقب لسامة بن لؤي بن غالب، وقول علي بن محمد بن جعفر العلوي الشاعر:
وسامة منا فأما بنوه ... فأمرهم عندنا مظلم
أناس أتونا بأنسابهم ... خرافة مضطجع يحلم
وقلت لهم مثل قول النبي ... وكل أقاويله محكم
إذا ما سئلت ولم تدر ما ... تقول فقل ربنا أعلم
وقول العلوي فيه أيضا:
لو اكتنفت النضر أو معدا ... أو اتخذت البيت كهفا مهدا
وزمزما شريعة ووردا ... والأخشبين محضرا ومبدار
ما ازددت إلا من قريش بعدا ... أو كنت إلا مصقليا وغد
وإنما أعدنا ذكر هذا الشعر في هذا الموضع - وإن كنا قد قدمنا فيه سلف من هذا الكتاب - لما سنح لنا من ذكر علي بن الجهم في أيام المتوكل، ولما احتجنا إليه عند ذكرنا لشعر علي بن الجهم وإجابته العلوي على هذا الشعر، فكان ما أجاب به علي الجهم لعلي بن محمد بن جعفر العلوي:
لم تذقني حلاوة الإنصاف ... وتعسفتني أشد اعتساف
وتركت الوفاء علما بما فيه وأسرفت غاية الإسراف
غير أني إذا رجعت إلى حق بني هاشم بن عبد مناف
لم أجدلي إلى التشفي سبيلا ... بقواف ولا بغير قواف
لي نفس تأبى الدنية والأشراف لا تعتمي على الأشرف
وله في الحبس شعر معروف لم يسبقه إلى معناه أحد، وهو قوله:
قالوا: حبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يغمد؟
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا، وأوباش السباع تردد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والنار في أحجارها مخبوأة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المستورد
بيت يجحد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحفد
لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا يستذلك بالحجاب الأعبد
ومما أحسن فيه قوله:
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعلمني بالحلو منه وبالمر
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
وأفصح من عين المحب لسره ... ولاسيما إن أطلقت عبرة تجري
ومما اختير من قوله: حسرت عني القناع ظلوم ... وتولت ودمعها مسجوم
شر ما أنكرت تصرم عهد ... لم يدم لي وأي عهد يدوم؟
أنكرت ما رأت برأسي وقالت: ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم
قلت: أولاهما علمت، فقالت: ... آية يستثيرها المهموم
ليس همي من الهموم التي يحسن فيها العزاء والتسليم
إن أمرا أخنى علي بشيب الرأس في ليلة لأمر عظيم
ليس عندي وإن تعزيت إلا ... طاعة حرة وقلب سليم
ومن جيد شعره:
هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأكمل أخلاق الرجال التفضل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل
وما المال إلا حسرة إن تركته ... وغنم إذا قدمته متعجل
ومما اعتذر فيه فأحسن قوله في المتوكل:
إن ذل السؤال والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار
ليس من باطل يوردها المر ... ء ولكن سوابق الأقدار
فارض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا بذلة الاعتذار
إن تجافيت منعما كنت أولى ... من تجافي عن الذنوب الكبار
أو تعاقب فأنت أعرف بالله، وليس العقاب منك بعار
ومما جود فيه قوله لما قيد:
فقلت لها والدمع شتى طريقه ... ونار الهوى بالقلب يذكو وقودها
فلا تجزعي إما رأيت قيوده ... فإن خلاخيل الرجال قيودها
وكان في لسانه فضل قل من سلم معه منه، وكان محمد بن عبد الله منحرفا عنه، فاستشفع عليه بوصيف التركي حتى أصلح له ناحيته، ثم فسد عليه وصيف، فاستشفع عليه بمحمد بن عبد الله، وكتب إليه:
الحمد لله شكرا ... قلوبنا في يديه
صار الأمير شفيعا ... إلى شفيعي إليه
وله أشعار نادرة، وأمثال سائرة، أخترنا منها ما قدمنا ذكره واقتصرنا بذلك عن غيره، وقد رثاه جماعة من الشعراء بعد قتله، منهم أبو صاعد، فقال:
أريقي الدمع واجتنبي الهجوعا ... وصوبي شمل وجدك أن يضيعا
وقولي: إن كهف بني لؤي ... غدا بالشام منجدلا صريعا
عزاء يا بني جهم بن بدر ... فقد لاقيتم خطبا فظيعا
أما والله لو تدري المنايا ... بما لاقيتم لبكت نجيعا
ثوى كهف الأرامل واليتامى ... ومن كان الزمان به ربيعا
فتى كان السهام على الأعادي ... وليثا دون حادثة منيعا
قال: وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين كان خروج المتوكل من دمشق إلى سر من رأى، فكان بين خروجه منها ورجوعه إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وفي خروجه يقول يزيد المهلبي شعرا طويلا اخترنا منه قوله:
أظن الشام يشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيها ... فقد تبلى المليحة بالطلاق
ولما نزل دمشق أبى أن ينزل المدينة لتكاثف هواء الغوطة عليها وما يرتفع من بخار مياهها، فنزل قصر المأمون، وذلك بين داريا ودمشق، على ساعة من المدينة، في أعلى الأرض، وهذا الموضع بدمشق يشرف على المدينة وأكثر الغوطة ويعرف عصر المأمون إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
** المتوكل في دمثسق **
وذكر سعيد بن نكيس قال: كنت واقفا بين يدي المتوكل في مضربه بدمشق إذ شغب الجند واجتمعوا وضجوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب، وأقبلت أرى السهام ترتفع في الرواق، فقال لي: يا أبا سعيد، ادع لي رجاء الحضاري، فدعوته، فقال له: يا رجاء، أما ترى ما خرج إليه هؤلاء. فما الرأي عندك. فقال: يا أمير المؤمنين، قد كنت مشفقا في هذا السفر من مثل هذا، فأشرت بما أشرت من تأخيره، فمال أمير المؤمنين إليه، وقال: دع ما مضى وقل الآن مما حضر برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، توضع الأغطية، فقال له: فهذا ما أرادوا، وفيه مع ما خرجوا إليه ما يعلم، قال: يا أمير المؤمنين، مر بهذا فإن الرأي بعده، فأمر عبيد الله بن يحيى بوضع الأعطية فيهم، فلما خرج المال وبدئ بإنفاقه دخل رجاء فقال: مر الآن يا أمير المؤمنين بضرب الطبل للرحيل إلى العراق، فإنهم لا يأخذون مما أخرج إليهم شيئا، ففعل ذلك، فترك الناس الأعطية فرجعوا حتى إن المعطي ليتعلق بالرجل ليعطيه رزقه فلا يأخذه.
** الأتراك يدبرون وقيعة **
قال سعيد: وقد كان الأتراك قد رأوا أنهم يقتلون المتوكل بدمشق، فلم يمكنهم فيه حيلة بسبب بغا الكبير، فإنهم دبروا في إبعاده عنه، فطرحوا في مضرب المتوكل الرقاع يقولون فيها: إن بغا دبر أن يقتل أمير المؤمنين، والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيله ورجله، فيأخذ عليه أطراف عسكره، ثم يأخذ جماعة من الغلمان العجم يدخلون عليه فيفتكون به، فقرأ المتوكل الرقاع فبهت مما تضمنته، ودخل في قلبه من بغا كل مدخل، وشكا إلى الفتح ذلك، وقال له في أمر بغا والإقدام عليه، وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي كتب الرقاع قد جعل للأمر دلائل في وقت بعينه سماه له من ركوب الرجل بالأطراف من العسكر وتوكيله بنواحيه، وبعد ذلك يتبين الأمر، وأنا أرى أن تمسك، فإن صح هذا الدليل نظرنا كيف نفعل، وإن بطل ما كتب به فالحمد لله، وأقبلت الرقاع تطرح في كل وقت على جهة التنصح، وأن في أعناق من كتبها بيعة لم يجد معها بدا من النصح والصدق، فلما علموا بما علم به الخليفة وتمكن به ما عندهم من الأمر كتبوا رقاعا فطرحوها في مضرب بغا يقولون فيها: إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزموا على الفتك بالخليفة في عسكره، ودبروا ذلك، واتفقوا عليه، وتعاقدوا على أن يأتوه من نواحي كذا، ونواحي كذا، فالله الله إلا ما احترست لأمير المؤمنين، وحرسته في هذه الليلة من هذه المواضع، وحصنتها بنفسك ومن تثق به، فإنا قد نصحنا وصدقنا، وأكثروا طرح الرقاع بهذا المعنى والتوكيد في حراسة الخليفة، فلما وقف بغا عليها وتتابعت عليه لم يأمن أن يكون ما كتب إليه فيها حقا، مع ما كان وقع عليه من الأمر قبل ذلك، فلما كانت الليلة التي ذكروها جمع جيوشه وأمرهم بالركوب بالسلاح وركب بهم إلى المواضع التي ذكرت، فأخذها على المتوكل وحرسها، واتصل الخبر بالمتوكل فلم يشك أن ما كتب له حق، فأقبل يتوقع من يوافيه فيفتك به، وسهر ليلته، وامتنع من الأكل والشرب، فلم يزل على تلك الحال إلى الغداة، وبغا يحرسه، والأمر عند المتوكل على خلاف ذلك، وقد اتهم بغا، واستوحش من فعله، فلما عزم المتوكل على الانصراف قال له: يا بغا، قد أبت نفسي مكانك مني، و رأيت أن أقلدك هذا الصقع وأقر عليك ما كان لك من رزق وحباء ونزد ومعونة وكل سبب، فقال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين فافعل ما شئت وأمرني بما أحببت، فخلفه بالشام وانصرف، فأحدث الموالي عليه ما أحدثوا، فلم يعلم المتوكل وجه الحيلة، ولم يعلم كل واحد منهما الحيلة في ذلك إلى أن تمت الحيلة.
** تدبير المؤامرة ضد المتوكل **
قال: ولما عزم بغا الصغير على قتل المتوكل دعا بباغر التركي، وكان قد اصطنعه واتخذه وملأ عينه من الصلات، وكان مقداما أهوج، فقال له: يا باغر أنت تعلم محبتي لك وتقديمي إياك وإيثاري لك وإحساني إليك، وإني قد صرت عندك في حد من لا يعصى له أمر ولا يخرج عن محبته، وأريد أن آمرك بشيء عرفني كيف قلبك فيه، فقال: أنت تعلم كيف أفعل فقل لي ما شئت حتى أفعله، قال: إن ابني فارس قد أفسد علي عملي وعزم على قتلي وسفك دمي، وقد صح عندي ذلك منه، قال: فتريد مني ماذا؟ قال: أريد أن يدخل علي غدا فالعلامة بيننا أن أضع قلنسوتي في الأرض، فإذا أنا وضعتها في الأرض فاقتله، قال: نعم، ولكن أخاف أن يبدو لك أو تجد في نفسك علي، قال: قد آمنك الله من ذلك. فلما دخل فارس حضر باغر ووقف موقف الضارب، فلم يزل يراعي بغا أن يضع قلنسوته، فلم يفعل، وظن أنه نسي، فغمزه بعينه أن افعل؟ قال: لا، فلما لم ير العلامة وانصرف فارس قال لي بغا: اعلم أني فكرت في أنه حدث وأنه ولدي، وقد رمت أن أستخلصه هذه المرة، فقال له باغر: أنا قد سمعت وأطعت وأنت أعلم وما دبرت وقدرت عليه فيه صلاحه؟ ثم قال له: وهاهنا أمر أكبر من ذلك وأهم فعرفني كيف تريد أن تكون فيه، قال له: قل ما شئت حتى أفعله، قال: أخي وصيف قد صح عندي أنه يربر وعلى رفقائي، وأن مكاننا قد ثقل عليه، وأنه عول على أن يقتلنا ويفنينا وينفرد بالأمور، قال: فماذا تريد أن يصنع به؟ قال: افعل هذا فإنه يصير إلي غدا فالعلامة أن أنزل عن المصلى الذي يكون معي قاعدا عليه، فإذا رأيتني نزلت عنه فضع سيفك عليه واقتله؟ قال: نعم، فلما صار وصيف إلى بغا حضر باغر وقام مقام المستعد، فلم ير العلامة حتى قام وصيف وانصرف، قال: فقال له بغا: يا باغر إني فكرت في أنه أخي وأني قد عاقدته وحلفت له، فلم أستجز أن أفعل ما دبرته، ووصله وأعطاه. ثم إنه أمسك عنه مدة مديدة ودعا به فقال: يا باغر، قد حضرت حاجة أكبر من الحاجة التي قدمتها فكيف قلبك. قال: قلبي على ما تحب فقل ما شئت حتى أفعله، فقال: هذا المنتصر قد صح عندي أنه على إيقاع التدبير علي وعلى غيري حتى يقتلنا وأريد أن أقتله، فكيف ترى نفسك في ذلك. ففكر باغر في ذلك ونكس رأسه طويلا وقال: هذا لا يجيء منه شيء، قال: وكيف. قال: يقتل الابن والأب باق؟ إذا لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلكم به. قال: فما ترى عندك. قال: نبدأ بالأب أولا فنقتله، ثم يكون أمر الصبي أيسر من ذلك، فقال له: ويحك ويفعل هذا ويتهيأ؟ قال: نعم أفعله وأدخل عليه حتى أقتله، فجعل يردد عليه، فيقول: لا تفعل غير هذا، ثم قال له: فادخل أنت في أثري فإن قتلته وإلا فاقتلني وضع سيفك علي، وقل: أراد أن يقتل مولاه، فعلم بغا حينئذ أنه قاتله وتوجه له في التدبير في قتل المتوكل.
وفي سنة سبع وأربعين ومائتين توفيت شجاع أم المتوكل، وصلى عليها المنتصر، وذلك في شهر ربيع الآخر.
** مقتل المتوكل **
ثم قتل المتوكل بعد وفاتها بستة أشهر، ليلة الأربعاء لثلاث ساعات خلت من الليل، وذلك لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وقيل: لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين. وكان مولده بفم الصلح، حدث البحتري قال: اجتمعنا ذات ليلة مع الندماء في مجلس المتوكل فتذاكرنا أمر السيوف، فقال بعض من حضر: بلغني يا أمير المؤمنين أنه وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير ولم ير مثله، فأمر المتوكل بكتاب إلى عامل البصرة يطلبه بشرائه بما بلغ، فنفذت الكتب على البريد وورد جواب عامل البصرة بأن السيف اشتراه رجل من أهل اليمن، فأمر المتوكل بالبعث إلى اليمن بطلب السيف وابتياعه، فنفذت الكتب بذلك، قال البحتري: فبينا نحن عند المتوكل إذ دخل عليه عبيد الله بن يحيى والسيف معه، وعرفه أنه ابتيع من صاحبه باليمن بعشرة آلاف درهم، فسر بوجوده، وحمد الله على ما سهل من أمره، وانتضاه فاستحسنه، وتكلم كل واحد منا بما يحب، وجعله تحت ثني فراشه، فلما كان من الغداة قال للفتح: اطلب لي غلاما تثق بنجدته وشجاعته أدفع له هذا السيف ليكون واقفا به على رأسي لا يفارقني في كل يوم ما عمت جالسا، قال: فلم يستتم الكلام حتى أقبل باغر التركي فقال الفتح: يا أمير المؤمنين، هذا باغر التركي قد وصف لي بالشجاعة والبسالة، وهو يصلح لما أراد أمير المؤمنين، فدعا به المتوكل فدفع إليه السيف، وأمره بما أراد، وتقدم أن يزاد في مرتبته، وأن يضعف له الرزق، قال البحتري: فوالله ما انتضى ذلك السيف ولا خرج من غمده من الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربه فيها باغر بهذا السيف. قال البحتري: لقد رأيت من المتوكل في الليلة التي قتل فيها عجبا، وذلك أننا تذاكرنا أمر الكبر، وما كانت تستعمله الملوك من الجبرية، فجعلنا خوض في ذلك وهو يتبرأ منه، ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد وعفر وبهه بالتراب خضوعا لله عز وجل، ثم أخذ من ذلك التراب فنثره في لحيته ورأسه، وقال: إنما أنا عبد الله، وإن من صار إلى التراب لحقيق أن يتواضع ولا يتكبر.
قال البحتري: فتطيرت له من ذلك، وأنكرت ما فعله من نثره التراب على رأسه ولحيته، ثم قعد للشراب، فلما عمل فيه غنى من حضره من المغنين صوتا استحسنه، ثم التفت إلى الفتح فقال: يا فتح، ما بقي أحد سمع هذا الصوت من مخارق غيري وغيرك، ثم أقبل على البكاء. قال البحتري: فتطيرت من بكائه وقلت هذه ثانية؛ فإنا في ذلك إذ أقبل خادم من خدم قبيحة ومعه منديل وفيه خلعة وجهت بها إليه قبيحة، فقال له الرسول: يا أمير المؤمنين تقول لك قبيحة: إني استعملت هذه الخلعة لأمير المؤمنين واستحسنتها ووجهت بها لتلبسها، قال: فإذا فيها دراعة حمراء لم أر مثلها قط، ومطرف خز أحمر كأنه ديبقي من رقته، قال: فلبس الخلعة والتحف بالمطرف. قال البحتري: فتصيدت لأبدره بنادرة تكون سببا لأخذ المطرف فإني على ذلك إذ تحرك المتوكل فيه وقد كان التف عليه المطرف فجذبه جذبة فخرقه من طرفه إلى طرفه، قال: فأخذه ولفه ودفعه إلى خادم قبيحة الذي جاءه بالخلعة، وقال: قل لها احتفظي بهذا المطرف عندك ليكون كفنا لي عند وفاتي، فقلت في نفسي: إنا لله وأنا إليه راجعون، انقضت والله المدة؛ وسكر المتوكل سكرا شديدا، قال: وكان من عادته أنه إذا تمايل عند سكره أن يقيمه الخدم الذين عند رأسه، قال: فبينما نحن كذلك ومضى نحو ثلاث ساعات من الليل إذ أقبل باغر ومعه عشرة نفر من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم تبرق في ضوء تلك الشمع، فهجموا علينا، وأقبلوا نحو المتوكل حتى صعد باغر ومعه آخر من الأتراك على السرير، فصاح بهم الفتح: ويلكم!! مولاكم؟ فلما رآهم الغلمان ومن كان حاضرا من الجلساء والندماء تطايروا على وجوههم، فلم يبق أحد في المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم قال البحتري: فسمعت صيحة المتوكل وقد ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل دفعه إليه على جانبه الأيمن، فقمه إلى خاصرته، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح يمانعهم عنه فبعجه واحد منهم بالسيف الذي كان معه في بطنه فأخرجه من متنه، وهو صابر لا يتنحى ولا يزول، قال البحتري: فما رأيت أحدا كان أقوى نفسا ولا أكرم منه، ثم طرح بنفسه على المتوكل، فماتا جميعا، فلفا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر، فأمر بهما فدفنا جميعا، وقيل: إن قبيحة كفنته بذلك المطرف المخرق بعينه.
وقد كان بغا الصغير توحش من المتوكل فكان المنتصر يجتذب قلوب الأتراك، وكان أوتامش غلام الواثق مع المنتصر، فكان المتوكل يبغضه لذلك، وكان أوتامش يجتذب قلوب الأتراك إلى المنتصر، وعبيد الله بن خاقان الوزير والفتح بن خاقان منحرفين عن المنتصر مائلين إلى المعتز، وكانا قد أوغرا قلب المتوكل على المنتصر، فكان المنتصر لا يبعد المتوكل أحدا من الأتراك إلا اجتذبه، فاستمال قلوب الأتراك وكثيرا من الفراغنة والإشروسية، إلى أن كان من الأمر ما ذكرناه.
وقد ذكر في كيفية قتل المتوكل غير ما ذكرنا، وهذا ما اخترناه في هذا الموضع، إذ كان أحسن ألفاظا وأقرب مأخذا، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك قي الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب.
ولم يكن المتوكل يوما أشد سرورا منه في اليوم. الذي قتل فيه؟ فلقد أصبح في هذا اليوم نشيطا فرحا مسرورا، وقال: كأني أجد حركة الدم. فاحتجم في ذلك اليوم، وأحضر الندماء والملهين، فاشتد سروره وكثر فرحه، فانقلب ذلك الفرح ترحا والسرور حزنا؛ فمن ذا الذي يغتر بالدنيا ويسكن إليها، ويأمن الغدر والنكبات فيها إلا جاهل مغرور؟ فهي دار لا يدوم نعيمها، ولا يتم فيها سرور، ولا يؤمن فيها محذور، قد قرنت منها السراء بالضراء، والشحة بالرخاء، والنعيم بالبلوى؟ ثم يتبعها الزوال، فمع نعيمها البؤس، ومع سرورها الحزن، ومع محبوبها المكروه، ومع صحتها السقم، ومع حياتها الموت، ومع فراحاتها الترحات، ومع لذاتها الآفات، عزيزها ذليل، وقويها مهين، وغنيها محروب وعظيمهما مسلوب، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت ولا يزول ملكه وهو العزبز الحكيم.
وفي ذلك يقول البحتري في غدر المنتصر بأبيه وفتكه به، من قصيدة له:
أكان ولي العهد أضمر غدرة ... فمن عجب أو ولي العهد غادره
فلا ملي الباقي تراث الذي مضى ... ولا حملت ذاك الدعاء منابره
** وصف أيام المتوكل **
وكانت أيام المتوكل في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء، كما قال بعضهم: كانت خلافة المتوكل أحسن من أمن السبيل، ورخص السعر، وأماني الحب، وأيام الشباب؟ وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
قربك أشهى موقعا عندنا ... من لين السعر وأمن السبيل
ومن ليالي الحب موصولة ... بطيب أيام الشباب الجميل
قال المسعودي: وقد قيل: إنه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيام المتوكل.
ويقال: إنه أنفق على الهاروني والجوسق الجعفري أكثر من مائة ألف ألف درهم، هذا مع كثرة الموالي والجند والشاكرية ودرور العطاء لهم وجليل ما كانوا يقبضونه في كل شهر من الجوائز والهبات.
ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئهن كلهن، ومات وفي بيوت الأموال أربعة آلاف ألف دينار وسبعة آلاف ألف درهم، ولا يعلم أحد في صناعته في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته، وسعد بأيامه، ووصل إليه نصيب وافر من ماله.
** الحسين الخليع بين يدي المتوكل **
وذكر محمد بن أبي عون قال: حضرت مجلس المتوكل على الله في يوم نيروز، وعنده محمد بن عبد الله بن طاهر، وبين يديه الحسين بن الضحاك الخليع الشاعر، فغمز المتوكل خادما على رأسه حسن الصورة أن يسقي الحسين كأسا ويحييه بتفاحة عنبر، ففعل ذلك، ثم التفت إلى الحسين فقال: قل فيه أبياتا، فأنشأ يقول:
وكالدرة البيضاء حيا بعنبر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد
له عبثات عند كل تحية ... بعينيه تستدعي الخلي إلى الوجد
تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله دهرا لم أبت فيه ساعة ... من الليل إلا من حبيب على وعد
قال المتوكل: أحسنت والله، يعطى لكل بيت مائة دينار، فقال محمد بن عبد الله: ولقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع، ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو بالطرف والتالد، فقال المتوكل عند ذلك: يعطى لكل بيت ألف دينار.
قال: ويروى أنه لما أتي بمحمد بن المغيث إلى المتوكل وقد دعا له بالنطع والسيف، قال له: يا محمد ما دعاك إلى المشاقة؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت ظل الله الممدود بينه وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو عن عبدك، وأنشأ يقول:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والعفو بالحر أجمل
وهل أنا إلاجبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجمل
تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمن لي منك والمن أفضل
لأنك خير السابقين إلى العلا ... وإنك خير الفعلتين ستفعل
فقال المتوكل: أفعل خيرهما، وأمن عليك، ارجع إلى منزلك، قال ابن المغيث: يا أمير المؤمنين، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
** من رثاء المتوكل **
ولما قتل المتوكل رثته الشعراء؛ فمن رثاه علي بن الجهم، فقال من قصيدة له:
عبيد أمير المؤمنين قتلنه ... وأعظم آفات الملوك عبيدها
بني هاشم، صبرا فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها
وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي من قصيدة طويلة:
جاءت منيته والعين هاجعة ... هلا أتته المنايا والقنا قصد
علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد
خليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يضع مثله روح ولا جسد
وفيه يقول بعض الشعراء:
سرت ليلا منيته إليه ... وقد خلى منادمه وناما
فقالت: قم، فقام، وكم أقامت ... أخا ملك إلى هلك فقاما
وفيه يقول الحسين بن الضحاك الخليع:
إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
أما رأيت خطوب الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
** محبوبة جارية المتوكل **
وذكر علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله أهدى إليه الناس على أقدارهم، وأهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائتا وصيفة ووصيف، وفي الهدية جارية يقال لها محبوبة كانت لرجل من أهل الطائف قد أدبها وثقفها وعلمها من صنوف العلم وكانت تقول الشعر وتلحنه وتغني به على العود وكانت تحسن كل ما يحسنه علماء الناس، فحسن موقعها من المتوكل، وحلت من قلبه محلا جليلا لم يكن أحد يعد لها عنده، قال علي: فدخلت عليه يوما للمنادمة، فلما استقر بي المجلس قام فدخل بعض المقاصير، ثم خرج وهو يضحك، فقال لي: ويلك يا علي، دخلت فرأيت قينة قد كتبت في خدها بالمسك جعفرا فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئا، فقلت: يا سيدي، وحدي أو أنا ومحبوبة، قال: لا، بل أنت ومحبوبة، قال: فدعت بدواة وقرطاس، فسبقتني إلى القول، ثم أخذت العود فتزنمت، ثم خفقت عليه حتى صاغت له لحنا وتضاحكت منه مليا، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، تأذن لي؟ فأذن لها، فغنت:
وكاتبة في الخد بالمسك جعفرا ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا
لئن أودعت خطا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا
فيا من لمملوك يظل مليكه ... طيعا له فيما أسر وأجهرا
ويا من لعيني من رأى مثل جعفر ... سقى الله صوب المستهلات جعفرا
قال علي: وتبلدت خواطري حتى كأني ما أحسن حرفا من الشعر، قال: فقال لي المتوكل: ويلك يا علي!! ما أمرتك به، فقلت: يا سيدي أقلني فوالله لقد عزب عن ذهني، فلم يزل يضرب به على رأسي ويعيرني به إلى أن مات.
قال علي: ودخلت عليه أيضا لأنادمه، فقال لي: ويلك يا علي، علمت أني غاضبت محبوبة، وأمرتها بلزوم مقصورتها، ونهيت الحشم عن الدخول إليها، وأنفت من كلامها. فقلت: يا سيدي، إن كنت غاضبتها اليوم فصالحها غدا، ويديم الله سرور أمير المؤمنين، ويمد في عمره، قال: فأطرق مليا، ثم قال للندماء: انصرفوا، وأمر برفع الشراب، فرفع، فلما كان من غد دخلت إليه، فقال: ويلك يا علي، إني رأيت البارحة في النوم أني قد صالحتها، فقالت جارية يقال لها شاطر كانت تقف أمامه: والله لقد سمعت الساعة في مقصورتها هينمة لا أدري ما هي، فقال لي: قم ويلك حتى ننظر ما هي، فقام حافيا وقمت أتبعه حتى قربنا من مقصورتها، فإذا هي تخفق عودا وتترنم بشيء كأنها تصوغ لحنا، ثم رفعت عقيرتها وتغنت:
أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصية ... ليس لها توبة تخلصني
فمن شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره وصارمني
قال: فصفق المتوكل طربا، فصفقت معه، فدخل إليها فلم تزل تقبل رجل المتوكل وتمرغ خديها على التراب حتى أخذ بيدها، ورجعنا وهي ثالثتنا.
قال علي: فلما قتل المتوكل ضمت هي وكثير من الوصائف إلى بغا الكبير، فدخلت عليه يوما للمنادمة، فأمر بهتك الستارة، وأمر بالقينات فأقبلن يرفلن في الحلي والحلل، وأقبلت محبوبة حاسرة من الحلى والحلل، عليها بياض، فجلست مطرقة منكسة، فقال لها وصيف، غني، قال: فاعتلت عليه، فقال: أقسمت عليك، وأمر بالعود فوضع في حجرها، فلما لم تجد بدا من القول ترك العود في حجرها، ثم غنت عليه غناء مرتجلا:
أي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأيته ... في نجيع معفرا
كل من كان ذا خبا ... ل وسقم فقد برا
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى
لاشترته بما حوته يداها لتقبرا
قال: فغضب عليها وصيف وأمر بسجنها، فسجنت، وكان آخر العهد بها.
قال المسعودي: ومات في خلافة المتوكل جماعة من أهل العلم ونقلة الأثر وحفاظ الحديث: منهم علي بن جعفر المديني بسامرا يوم الاثنين لثلاث بقين من في الحجة سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وأشهر. وتنوزع في السنة التي مات فيها ابن المديني، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب " السنة التي قيل فيها إن وفاته كانت فيها.
وفي هذه السنة مات أبو الربيع بن الزهراني، وقد تنوزع في السنة التي مات فيها يحيى بن معين؛ فمنهم من رأى ما قدمنا في هذا الكتاب ومنهم من رأى - وهو الأكثر - أنه مات في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي زكريا مولى بني مرة، وقد بلغ من السن خمسا وسبعين سنة وأشهرا، بالمدينة، وقيل: إن في هذه السنة كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد المدائني الأخبازي، وقيل: مات في أيام الواثق في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وفيها كانت وفاة مسمد بن مسرهد، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز.
وفيها مات الحماني الفقيه، وابن عائشة واسمه عبد الله بن محمد بن حفص، ويكنى بأبي عبد الرحمن، وهو من تيم قريش.
وفي خلافة المتوكل مات هدبة بن خالد، وشيبان بن فروخ الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وذلك في سنة ست وثلاثين ومائتين.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين - مات العباس بن الوليد النرسي بالبصرة وعبد الله بن أحمد النرسي، وعبيد الله بن معاذ العنبري.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين مات إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهوية، وبشر بن الوليد القاضي الكندي صاحب أبي يوسف، وقد قيل: إن في هذه السنة مات العباس بن الوليد النرسي.
وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين مات عثمان بن أبي شيبة الكوفي بالكوفة، والصلت بن مسعود الجحدري.
وفي سنة أربعين ومائتين مات شباب بن خليفة العصفري، وعبد الواحد بن عتاب.
وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين مات هشام بن عمار الدمشقي، وحميد بن مسعود الناجي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وفيها مات يحيى بن أكثم القاضي في الربذة، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب.
وفي سنة ست وأربعين ومائتين مات محمد بن المصطفى الحمصي، وعنبسة بن إسحاق بن شمر، وموسى بن عبد الملك.
قال المسعودي: وللمتوكل أخبار وسير حسان غير ما ذكرنا، وقد أتينا عليها على الشرح والإيضاح في كتابنا أخبار الزمان، والله الموشق للصواب.