Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 15 of 264
** (ابن ذي يزن عند قيصر) : **
فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن الحميري، وكان يكنى بأبي مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن فلم يشكه (ولم يجد عنده شيئا مما يريد) .
** (توسط النعمان لابن ذي يزن لدى كسرى) : **
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة، وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لي على كسرى وفادة في كل عام، فأقم حتى يكون ذلك. ففعل، ثم خرج معه، فأدخله على كسرى. وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل [3] العظيم- فيما يزعمون- يضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشفت عنه الثياب، فلا يراه رجل لم يره قبل
ذلك، إلا برك هيبة له، فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك.
** (ابن ذي يزن بين يدي كسرى، ومعاونة كسرى له) : **
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة:
أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل، ثم يطأطئ رأسه؟ فقال ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمي، لأنه يضيق عنه كل شيء.
قال ابن إسحاق: ثم قال له: أيها الملك، غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال له كسرى: أي الأغربة: الحبشة أم السند فقال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني، ويكون ملك بلادي لك، قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك منه سيف خرج، فجعل ينثر ذلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك، فقال: إن لهذا لشأنا، ثم بعث إليه، فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس، فقال: وما أصنع بهذا ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة: يرغبه فيها. فجمع كسرى مرازبته ، فقال لهم: ماذا ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل:
أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكا ازددته . فبعث معه كسرى من كان في سجونه، وكانوا ثمان مائة رجل.
** (وهرز وسيف بن ذي يزن وانتصارهما على مسروق وما قيل في ذلك من الشعر) : **
واستعمل عليهم رجلا يقال له وهرز، وكان ذا سن فيهم، وأفضلهم حسبا وبيتا. فخرجوا في ثمان سفائن، فغرقت سفينتان، ووصل إلى ساحل عدن
ست سفائن . فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه، وقال له: رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال له وهرز: أنصفت، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن، وجمع إليه جنده. فأرسل إليهم وهرز ابنا له، ليقاتلهم فيختبر قتالهم: فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس على مصافهم، قال وهرز: أروني ملكهم، فقالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء؟ قال: نعم، قالوا:
ذاك ملكهم، فقال: اتركوه. فوقفوا طويلا، ثم قال: علام هو؟ قالوا:
قد تحول على الفرس، قال: اتركوه. فوقفوا طويلا، ثم قال: علام هو؟
قالوا: قد تحول على البغلة. قال وهرز: بنت الحمار ذل وذل ملكه، إني سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم. ثم وتر قوسه، وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له، ثم رماه، فصك الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس، وانهزموا، فقتلوا وهربوا في كل وجه، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء ، حتى إذا أتى بابها، قال: لا تدخل رايتي منكسة أبدا، اهدموا الباب، فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته. فقال سيف بن ذي يزن الحميري:
يظن الناس بالملكين ... أنهما قد التأما
ومن يسمع بلأمهما ... فإن الخطب قد فقما
قتلنا القيل مسروقا ... وروينا الكثيب دما
وإن القيل قيل الناس ... وهرز مقسم قسما
يذوق مشعشعا حتى ... يفيء السبي والنعما
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له، وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له.
قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام: وتروى لأمية بن أبي الصلت:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك عمري لقد أسرعت قلقالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط ... بزمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
قال ابن هشام: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتا قوله:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
فإنه للنابغة الجعدي. واسمه (حبان بن) عبد الله بن قيس، أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، في قصيدة له.
وقال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحيري، وكان أحد بني تميم. قال ابن هشام: ثم أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، ويقال: عدي من العباد من أهل الحيرة :
ما بعد صنعاء كان يعمرها ... ولاة ملك جزل مواهبها
رفعها من بنى لدى قزع ... المزن وتندى مسكا محاربها
محفوفة بالجبال دون عرى ... الكائد ما ترتقى غواربها
يأنس فيها صوت النهام إذا ... جاوبها بالعشي قاصبها
ساقت إليها الأسباب جند بني ... الأحرار فرسانها مواكبها
وفوزت بالبغال توسق بالحتف ... وتسعى بها توالبها
حتى رآها الأقوال من طرف ... المنقل مخضرة كتائبها
يوم ينادون آل بربر و ... اليكسوم لا يفلحن هاربها
وكان يوم باقي الحديث وزالت ... إمة ثابت مراتبها
وبدل الفيج بالزرافة والأيام ... جون جم عجائبها
بعد بني تبع نخاورة ... قد اطمأنت بها مرازبها
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له. وأنشدني أبو زيد (الأنصاري) ورواه لي عن المفضل الضبي، قوله:
يوم ينادون آل بربر و اليكسوم... إلخ
** (هزيمة الأحباش، ونبوءة سطيح وشق) : **
وهذا الذي عنى سطيح بقوله: «يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن» . والذي عنى شق بقوله: «غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج عليهم من بيت ذي يزن» .