John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 43 of 356

لسياق تمام التأريخ، إذ كنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس، وبني إسرائيل، والروم، والعرب، الى عهد أردشير.

** ذكر ملك أردشير بن بابك **

ولما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس مائتان وست وستون سنه، وثب أردشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الاصغر بن بابك، بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجي بن كيمنش- وقيل في نسبه: أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر، بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب- بفارس طالبا- بزعمه- بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار، الذي حارب الإسكندر، فقتله حاجباه، مريدا- فيما يقول- رد الملك إلى أهله، وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف، وجمعه لرئيس واحد وملك واحد.

وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيروده، من رستاق خير من كورة أصطخر وكان جده ساسان شجاعا شديد البطش، وإنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه، أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل اصطخر، ذوي بأس ونجدة، فهزمهم وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك، كانوا بفارس، يعرفون بالبازرنجين، يقال لها: رامبهشت، ذات جمال وكمال، وكان ساسان قيما على بيت نار أصطخر، يقال له بيت نار أنا هيذ، وكان مغرما بالصيد والفروسية، فولدت رامبهشت لساسان بابك، وطول شعره حين ولدته أطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير.

وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البازرنجين، يقال له- فيما حدثت عن هشام بن محمد- جوزهر وقال غيره: كان يسمى جزهر، وكان له خصي يقال له تيرى، قد صيره ارجبذا بدارابجرد فلما أتى لأردشير سبع سنين، سار به أبوه إلى جزهر، وهو بالبيضاء، فوقفه بين يديه، وسأله أن يضمه إلى تيرى، ليكون ربيبا له، وأرجبذا من بعده في موضعه فأجابه إلى ذلك، وكتب بما سأله من ذلك سجلا، وصار به إلى تيرى، فقبله أحسن قبول، وتبناه فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر، وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده، وأنه يملك البلاد فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك، ولم يزل يزداد في الخير كل يوم، وأنه رأى في نومه ملكا جلس إلى رأسه، فقال له: إن الله يملكه البلاد، فليأخذ لذلك أهبته، فلما استيقظ سر بذلك، وأحس من نفسه قوة وشدة بطش، لم يكن يعهد مثله.

وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد، يقال له جوبانان، فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار إلى موضع يقال له كونس، فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر، ثم إلى موضع يقال له لروير، فقتل ملكا كان بها يقال له دارا، وملك هذه المواضيع قوما من قبله، ثم كتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء، ففعل ذلك، وقتل جزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أردوان البهلوي ملك الجبال وما يتصل بها، يتضرع له ويسأله الإذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب إليه أردوان كتابا عنيفا، وأعلمه أنه وابنه أردشير على الخلاف بما كان من قتلهما من قتلا- فلم يحفل بابك بذلك، وهلك في تلك الأيام، فتتوج سابور ابن بابك بالتاج، وملك مكان أبيه، وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه.

فامتنع أردشير من ذلك، فغضب سابور من امتناعه، وجمع جموعا، وسار بهم نحوه ليحاربه، وخرج من إصطخر، فألفى بها عدة من إخوته، كان بعضهم أكبر سنا منه، فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك، فسلم الجميع لأردشير، فتتوج بالتاج، وجلس على السرير، وافتتح أمره بقوة وجد، ورتب قوما مراتب، وصير رجلا يقال له أبرسام بن رحفر وزيرا، وأطلق يده وفوض إليه، وصير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعة منهم كثيرة ثم أتاه ان اهل دارابجرد قد فسدوا عليه، فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من أهلها ثم سار إلى كرمان، وبها ملك يقال له: بلاش، فاقتتل وهو قتالا شديدا، وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش، واستولى على المدينة، فملك أردشير على كرمان ابنا له يقال له أردشير أيضا.

وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود، كان يعظم ويعبد، فسار إليه أردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين، وقتل من كان حوله، واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعة فيها، وكتب الى مهرك، وكان ملك ايراهسان من أردشير خرة، وإلى جماعة من أمثاله في طاعته، فلم يفعلوا، فسار إليهم، فقتل مهرك، ثم سار إلى جور، فأسسها، وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال، وبيت نار هناك.

فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الأردوان بكتاب منه، فجمع أردشير الناس لذلك، وقرأ الكتاب بحضرتهم، فإذا فيه: إنك قد عدوت طورك، واجتلبت حتفك، أيها الكردي المربى في خيام الأكراد! من أذن لك في التاج الذي لبسته، والبلاد التي احتويت عليها وغلبت ملوكها وأهلها! ومن أمرك ببناء المدينة التي أسستها في صحراء- يريد جور- مع أنا إن خليناك وبناءها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينة، وسمها رام أردشير وأعلمه أنه قد وجه اليه ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق.

فكتب إليه أردشير: إن الله حباني بالتاج الذي لبسته، وملكني البلاد التي افتتحتها، وأعانني على من قتلت من الجبابرة والملوك، وأما المدينة التي ابنيها واسميها رام اردشير، فأنا أرجو أن أمكن منك، فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذي أسسته في أردشير خرة.

ثم شخص أردشير نحو إصطخر، وخلف أبرسام بأردشير خرة، فلم يلبث أردشير إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز، وانصرافه منكوبا ثم سار إلى أصبهان فأسر شاذ سابور ملكها، وقتله، ثم عاد إلى فارس، وتوجه لمحاربة نيروفر صاحب الاهواز، وسار الى الرجان والى بنيان وطاشان من رامهرمز، ثم إلى سرق فلما سار إلى ما هنالك، ركب في رهط من أصحابه، حتى وقف على شاطئ دجيل، فظفر بالمدينة، وابتنى مدينة سوق الأهواز، وانصرف إلى فارس بالغنائم، ثم ارتحل من فارس راجعا إلى الأهواز على طريق جره وكازرون، ثم صار من الأهواز إلى ميسان، فقتل ملكا كان بها يقال له بندو، وبنى هنالك كرخ ميسان، ثم انصرف إلى فارس، وأرسل إلى أردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه، فأرسل إليه أردوان: إني أوافيك في صحراء تدعى هرمزجان، لانسلاخ مهر ماه فوافاه أردشير قبل الوقت، وتبوأ من الصحراء موضعا، وخندق على نفسه وجنده، واحتوى على عين كانت هناك، ووافاه أردوان فاصطف القوم للقتال، وقد تقدم سابور بن أردشير دافعا عنه، ونشب القتال بينهم، فقتل سابور دارا بنداذ، كاتب أردوان بيده، فانقض أردشير من موضعه إلى أردوان حتى قتله، وكثر القتل في أصحابه، وهرب من بقي على وجهه ويقال: إن أردشير نزل حتى توطأ رأس أردوان بقدمه وفي ذلك اليوم سمي أردشير شاهنشاه ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وإرمينية والموصل عنوة، ثم سار من الموصل إلى سورستان، وهي السواد فاحتازها، وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون- وهي المدينة التي في شرقي المدائن- مدينة غربية وسماها به أردشير، وكورها وضم إليها بهرسير، والرومقان، ونهر درقيط، وكوثى ونهر جوبر، واستعمل عليها عمالا، ثم توجه من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم جرجان، ثم إلى أبرشهر، ومرو، وبلخ، وخوارزم، إلى تخوم بلاد خراسان ثم رجع إلى مرو، وقتل جماعة وبعث رءوسهم إلى بيت نار أناهيذ، ثم انصرف من مرو إلى فارس ونزل جور، فأتته رسل ملك كوشان، وملك طوران، وملك مكران بالطاعة ثم توجه أردشير من جور إلى البحرين، فحاصر سنطرق ملكها، واضطره الجهد إلى أن رمى بنفسه من سور الحصن، فهلك ثم انصرف إلى المدائن، فأقام بها وتوج سابور ابنه بتاجه في حياته.

ويقال: انه كانت بقرية يقال لها ألار، من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خرة ملكة تعظم وتعبد، فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتلة فحارب أردشير سدنتها وقتلها، وغنم أموالا وكنوزا عظاما كانت لها: وإنه كان بنى ثماني مدن، منها بفارس مدينة أردشير خرة، وهي جور، ومدينة رام أردشير، ومدينة ريو أردشير، وبالأهواز هرمز أردشير، وهي سوق الأهواز، وبالسواد به أردشير، وهي غربي المدائن، وإستاباذ أردشير، وهي كرخ ميسان، وبالبحرين فنياذ أردشير، وهي مدينة الخط، وبالموصل بوذ أردشير، وهي حزه وذكر أن أردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتبا بليغة، احتج عليهم فيها، ودعاهم إلى طاعته، فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده، ولم يزل محمودا مظفرا منصورا، لا يفل له جمع، ولا ترد له راية، وقهر الملوك حول مملكته واذلهم، وأثخن في الأرض، وكور الكور، ومدن المدن، ورتب المراتب، واستكثر من العمارة وكان ملكه من وقت قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة وقال بعضهم: كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر.

وحدثت عن هشام بن محمد، قال: قدم أردشير في أهل فارس يريد الغلبة على الملك بالعراق، فوافق بابا ملكا كان على الأرمانيين، ووافق أردوان ملكا على الأردوانيين.

قال هشام: الأرمانيون أنباط السواد، والأردوانيون أنباط الشام.

قال: وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك، فاجتمعا على قتال أردشير فقاتلاه متساندين، يقاتله هذا يوما، وهذا يوما، فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير، فلما رأى ذلك أردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه وأردوان، ويخلي أردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها، وتفرغ أردشير لحرب أردوان، فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له، وسمع له، وأطاع بابا، فضبط أردشير ملك العراق ودانت له ملوكها، وقهر من كان يناوئه من أهلها، حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه.

ولما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته، وأن يدينوا له، فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم، ومالك بن زهير وغيرهم، فلحقوا بالشام إلى من هنالك من قضاعة.

وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث، أو تضيق بهم المعيشة، فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث:

ثلث تنوخ، وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات، فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها والثلث الثاني العباد، وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها والثلث الثالث الأحلاف، وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة، ونزلوا فيهم، ممن لم يكن من تنوخ الوبر، ولا من العباد الذين دانوا لأردشير.

وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة، إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي، باتخاذه إياها منزلا، فعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة، ونزلها الإسلام، فكان جميع ملك عمرو بن عدي مائة سنة وثماني عشرة سنة، من ذلك في زمن أردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة، من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران

** ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك **

ولما هلك أردشير بن بابك، قام بملك فارس من بعده ابنه

** سابور. **

وكان أردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الأشكانية، الذين منهم كان ملوك الطوائف، حتى أفناهم بسبب ألية كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن إسفنديار الأكبر، جد أردشير بن بابك، كان آلاها، أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خرة أحدا، وأوجب ذلك على عقبه، وأوصاهم بألا يبقوا منهم أحدا إن هم ملكوا، أو ملك منهم أحد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك، فقتلهم جميعا، نساءهم ورجالهم، فلم يستبق منهم أحدا لعزمة جده ساسان.

فذكر أنه لم يبق منهم أحد، غير أن جارية كان وجدها أردشير في دار المملكة، فأعجبه جمالها وحسنها، فسألها- وكانت ابنة الملك المقتول- عن نسبها فذكرت أنها كانت خادما لبعض نساء الملك، فسألها: أبكر أنت أم ثيب؟ فأخبرته أنها بكر، فواقعها واتخذها لنفسه، فعلقت منه، فلما أمنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل، أخبرته أنها من نسل أشك، فنفر منها ودعا هرجبذا أبرسام- وكان شيخا مسنا- فأخبره أنها أقرت أنها من نسل أشك، وقال: نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان، وإن كان موقعها من قلبي على ما قد علمت، فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى، فأتى بها القوابل، فشهدن بحبلها، فأودعها سربا في الأرض، ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق، ثم ختم عليه، ورجع إلى الملك، فقال له الملك: ما فعلت؟ قال: قد استودعتها بطن الأرض، ودفع الحق إليه، وسأله أن يختم عليه بخاتمه، ويودعه بعض خزائنه ففعل، فأقامت الجارية عند الشيخ، حتى وضعت غلاما، فكره الشيخ أن يسمي ابن الملك دونه، وكره أن يعلمه به صبيا حتى يدرك، ويستكمل الأدب وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبي ساعة ولد، وأقام له الطالع، فعلم عند ذلك أن سيملك، فسماه اسما جامعا يكون صفة واسما ويكون فيه بالخيار إذا علم به، فسماه شاه بور، وترجمتها بالعربية: ابن الملك، وهو أول من سمي هذا الاسم، وهو سابور الجنود بالعربية، بن أردشير وقال بعضهم: بل سماه اشه بور، ترجمتها بالعربية: ولد أشك، الذي كانت أم الغلام من نسله.

فغبر أردشير دهرا لا يولد له، فدخل عليه الشيخ الأمين، الذي عنده الصبي، فوجده محزونا، فقال: ما يحزنك أيها الملك؟ فقال له أردشير:

وكيف لا أحزن، وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت بحاجتي، وصفا لي الملك ملك آبائي، ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب، ولا يكون لي فيه بقية! فقال له الشيخ: سرك الله أيها الملك وعمرك! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع بالحق الذي استودعتك، وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك.

فدعا أردشير بالحق، فنظر إلى نقش خاتمه، ثم فضه، وفتح الحق، فوجد فيه مذاكير الشيخ، وكتابا فيه: إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها، لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا، وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا، وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله، وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك أن يهيئه في مائة غلام وقال بعضهم: في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي ولا قامة ولا أدب، ففعل ذلك الشيخ، فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا فأخرجوا إلى حجرة الإيوان، فأعطوا صوالجة، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره، فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه، فكاع الغلمان جميعا أن يدخلوا الإيوان، وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه، وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه، ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية:

ما اسمك؟ فقال الغلام: شاه بور، فقال: أردشير: شاه بور! فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره، وعقد له التاج من بعده.

وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس- قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه- عقلا وفضلا وعلما، مع شدة بطش، وبلاغة منطق، ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه العظماء، فدعوا له بطول البقاء، وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله، فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده، ووعدهم خيرا.

ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال، فوسع بها على الناس، وقسمها فيمن رآه لها موضعا، من الوجوه والجنود وأهل الحاجة، وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم، فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد، والشريف والوضيع، والخاص والعام ما عمهم ورفغت معايشهم ثم تخير لهم العمال، وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا، فبان فضل سيرته، وبعد صوته، وفاق جميع الملوك.

وقيل: إنه سار إلى مدينة نصيبين، لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وفيها جنود من جنود الروم، فحاصرهم حينا، ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته، فشخص إليها حتى أحكم أمرها، ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها، فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك، ثم تجاوزها إلى الشام وبلاد الروم، فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة.

وقيل: إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية، وإنه حاصر ملكا كان بالروم، يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه، وأسكنهم جندي سابور.

وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذروان تستر، على أن يجعل عرضه ألف ذراع، فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم، وحكم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان، فقيل إنه أخذ منه أموالا عظيمة، وأطلقه بعد أن جدع أنفه وقيل إنه قتله.

وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون، وهو الذى يقول فيه ابو دواد الإيادي:

وأرى الموت قد تدلى من الحضر على رب أهله الساطرون

والعرب تسميه الضيزن وقيل: إن الضيزن من أهل باجرمى.

وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قضاعه وانه الضيزن بن معاويه ابن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة، وأنه إنما كان يعرف بأمه وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة، وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، وأن ملكه كان قد بلغ الشام، وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير، فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه، فقال في ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن إلة بن الجدي بن الدهاء بن جشم بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة:

لقيناهم بجمع من علاف وبالخيل الصلادمة الذكور

فلاقت فارس منا نكالا وقتلنا هرابذ شهر زور

دلفنا للأعاجم من بعيد بجمع كالجزيرة في السعير

فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين، لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن.

وأما الأعشى ميمون بن قيس فإنه ذكر في شعره انه أقام عليه حولين، فقال:

ألم تر للحضر إذ أهله بنعمى وهل خالد من نعم!

أقام به شاهبور الجنود حولين تضرب فيه القدم

فما زاده ربه قوة ومثل مجاوره لم يقم

فلما رأى ربه فعله أتاه طروقا فلم ينتقم

وكان دعا قومه دعوة هلموا إلى أمركم قد صرم

فموتوا كراما بأسيافكم أرى الموت يجشمه من جشم

ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فأخرجت إلى ربض المدينة، وكانت من أجمل نساء زمانها- وكذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن- وكان سابور من أجمل أهل زمانه- فيما قيل- فرأى كل واحد منهما صاحبه، فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبي؟ قال: حكمك وأرفعك على نسائي، وأخصك بنفسي دونهن قالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة، فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم أرسلها، فإنها تقع على حائط المدينة، فتتداعى المدينة وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا، ففعل وتأهب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم، وادخل المدينة ففعل وتداعت المدينة، ففتحها عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأبيدت أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، وأصيبت قبائل من بني حلوان، فانقرضوا ودرجوا، فقال عمرو بن إلة- وكان مع الضيزن:

ألم يحزنك والأنباء تنمي بما لاقت سراة بني عبيد!

ومصرع ضيزن وبني أبيه وأحلاس الكتائب من تزيد!

أتاهم بالفيول مجللات وبالأبطال سابور الجنود

فهدم من أواسي الحصن صخرا كأن ثفاله زبر الحديد

وأخرب سابور المدينة، واحتمل النضيرة ابنة الضيزن، فأعرس بها بعين التمر، فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها، وهي من حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها قال: وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها- فقال لها سابور: ويحك بأي شيء كان يغذوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر قال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بك، وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين فأمر رجلا فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعا، فذلك قول الشاعر:

اقفر الحصن من نضيره فالمر باع منها فجانب الثرثار

وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في أشعارهم، وإياه عنى عدي بن زيد بقوله:

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تحبى اليه والخابور.

شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور

ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سابور، التي تسمى بالنبطية ريما.

وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق، ويقال: إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل، فسأله: هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة؟ فقال له بيل: إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبنى في هذا الموضع مدينة فقال له سابور:

بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم، وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة، فخلا به المعلم وبدأ بحلق راسه ولحيته لئلا يتشاغل بهما، وجاده التعليم ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر، فقلده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها، وكور الناحية وسماها بهأزنديو سابور، وتأويل ذلك: خير من أنطاكية، ومدينة سابور- وهي التي تسمى جندي سابور، وأهل الأهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهدا أمره بالعمل به.

واختلف في سني ملكه، فقال: بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقال آخرون: كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوما

** ذكر ملك هرمز بن سابور **

ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنه هرمز وكان يلقب بالجريء، وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته بأردشير، غير لاحق به في رأيه وتدبيره، إلا أنه كان من البطش والجرأة وعظم الخلق على أمر عظيم.

وكانت أمه- فيما قيل- من بنات مهرك، الملك الذي قتله أردشير بأردشير خرة وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا أردشير أنه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم، وأفلتت أم هرمز وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة خلق، فوقعت إلى البادية، وأوت إلى بعض الرعاء.

وإن سابور خرج يوما متصيدا، فامعن في طلب الصيد، واشتد به العطش، فارتفعت له الاخبيه التي كانت أم هرمز أوت إليها، فقصدها فوجد الرعاء غيبا، فطلب الماء، فناولته المرأة، فعاين منها جمالا فائقا، وقواما عجيبا، ووجها عتيقا ثم لم يلبث أن حضر الرعاء، فسألهم سابور عنها، فنسبها بعضهم إليه، فسأله أن يزوجها منه، فساعفه، فصار بها إلى منازله، وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت، وأرادها على نفسها، فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهرا ينكره.

وتعجب من قوتها، فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره، ففحص عن امرها فأخبرته أنها ابنة مهرك، وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت هرمز، فستر أمره حتى أتت له سنون.

وإن أردشير ركب يوما، ثم انكفأ إلى منزل سابور لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر به القرار خرج هرمز، وقد ترعرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في اثر الكرة، فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره، ووقف على المشابه التي فيه منهم، لأن الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى، ولا يذهب أمرهم على أحد، لعلامات كانت فيهم، من حسن الوجوه، وعبالة الخلق، وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم فاستدناه أردشير، وسأل سابور عنه، فخر مكفرا على سبيل الإقرار بالخطأ مما كان منه، وأخبر أباه حقيقة الخبر، فسر به، وأعلمه أنه قد تحقق الذي ذكر المنجمون في ولد مهرك، ومن يملك منهم، وأنهم إنما ذهبوا فيه إلى هرمز، إذ كان من نسل مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه.

فلما هلك أردشير وأفضى الأمر إلى سابور ولى هرمز خراسان، وسيره إليها، فاستقل بالعمل، وقمع من كان يليه من ملوك الأمم، وأظهر تجبرا شديدا، فوشى به الوشاة إلى سابور، ووهموه أنه إن دعاه لم يجب، وأنه على أن يبتزه الملك، ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز، فقيل: إنه خلا بنفسه، فقطع يده وحسمها، وألقى عليها ما يحفظها، وأدرجها في نفيس من الثياب، وصيرها في سفط، وبعث بها إلى سابور، وكتب إليه بما بلغه، وأنه إنما فعل ما فعل، إزالة للتهمة عنه، ولأن في رسمهم ألا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور، تقطع أسفا، وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل، واعتذر، وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضوا عضوا، لم يؤثر عليه أحدا بالملك.

فملكه وقيل: إنه لما وضع التاج على رأسه، دخل عليه العظماء، فدعوا له فأحسن لهم الجواب، وعرفوا منه صدق الحديث، وأحسن فيهم السيرة، وعدل في رعيته، وسلك سبيل آبائه، وكور كورة رام هرمز وكان ملكه سنة وعشره ايام

** ذكر ملك بهرام بن هرمز **

ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك.

وكان من عمال سابور بن أردشير، وهرمز بن سابور، وبهرام بن هرمز بن سابور- بعد مهلك عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ- ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ القيس البدء، وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس، وعاش- فيما ذكر هشام بن محمد- مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة، من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة ايام، وفي زمن بهرام بن هرمز ابن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة.

وكان بهرام بن هرمز- فيما ذكر- رجلا ذا حلم وتؤدة، فاستبشر الناس بولايته، وأحسن السيرة فيهم، واتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه، وكان ماني الزنديق- فيما ذكر- يدعوه إلى دينه، فاستبرى ما عنده، فوجده داعية للشيطان، فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندي سابور، يدعى باب الماني، وقتل أصحابه ومن دخل في ملته.

وكان ملكه- فيما قبل- ثلاث سنين وثلاثة اشهر وثلاثة ايام

** ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمز **

ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.

وكان ذا علم- فيما قيل- بالأمور، فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه، فرد عليهم مردا حسنا، وأحسن فيهم السيرة، وقال: إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر، وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم.

واختلف في سني ملكه، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة.

وقال بعضهم: كان سبع عشرة سنة

** ذكر ملك شاهنشاه بن بهرام **

ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء، فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر، فرد عليهم أحسن الرد، وكان قبل أن يفضي إليه الملك مملكا على سجستان.

وكان ملكه اربع سنين

** ذكر ملك نرسى بن بهرام **

ثم قام بالملك بعده نرسى بن بهرام، وهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء، فدعوا له فوعدهم خيرا، وأمرهم بمكانفته على أمره، وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال يوم ملك:

إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا.

وكان ملكه تسع سنين

** ذكر ملك هرمز بن نرسى **

ثم ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.

وكان الناس قد وحلوا منه، وأحسوا بالفظاظة والشدة، فأعلمهم أنه قد علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته، وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقة ورأفة، وساسهم بأرفق السياسة، وسار فيهم بأعدل السيرة، وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعية.

ثم هلك ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا بميلهم إليه عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى وقد قال بعضهم: إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه، وأن تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف.

وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر، وفي قول آخرين سبع سنين وخمسة اشهر

** ذكر ملك سابور ذي الاكتاف **

ثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته، وبثوا خبره في الآفاق، وكتبوا الكتب، ووجهوا به البرد إلى الآفاق والأطراف، وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه، ولم يزالوا على ذلك، حتى فشا خبرهم، وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم، وأن أهلها إنما يتلومون صبيا في المهد، لا يدرون ما هو كائن من أمره، فطمعت في مملكتهم الترك والروم.

وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم، لسوء حالهم وشظف عيشهم، فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمه، حتى أناخوا على ابرشهر وسواحل أردشير خرة وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا، لا يغزوهم أحد من الفرس، لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال، وقلة هيبة الناس له، حتى تحرك سابور وترعرع، فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه، أنه استيقظ ذات ليلة وهو في قصر المملكة بطيسبون، من ضوضاء الناس بسحر، فسأل عن ذلك، فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين، فأمر باتخاذ جسر آخر، حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين، والآخر معبرا للمدبرين، فلا يزدحم الناس في المرور عليهما.

فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه وتقدم فيما أمر به من ذلك، فذكر أن الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذي كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفسهم في الجواز على الجسر، وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل.

وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر، فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء وإن الأخبار وردت بان اكثرهم قد اخل، وعظموا عليه الأمر في ذلك، فقال لهم سابور:

لا يكبرن هذا عندكم، فإن الحيلة فيه يسيرة، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعا، بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها، وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم، فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذونا له في ذلك، ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه.

فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه، وقالوا: لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور، وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا به ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور، بما قوم أصحابه، وقمع أعداءه.

حتى إذا تمت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتد عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده، ثم قام فيهم خطيبا، ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم، وما اختل من أمورهم، في الأيام التي مضت من أيام صباه، وأعلمهم أنه يبتدئ العمل في الذب عن البيضة، وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه، ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه، فأبى أن يجيبهم إلى المقام، فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها فأبى ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم، وتقدم إليهم في المضي لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب، والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون، وقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابة، فورد الخط، واستقرى بلاد البحرين، يقتل أهلها ولا يقبل فداء، ولا يعرج على غنيمة ثم مضى على وجهه، فورد هجر، وبها ناس من اعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فأفشي فيهم القتل، وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل، ولا جزيرة في بحر، ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلا من هرب منهم، فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة، فقتل بها مثل تلك المقتلة، ولم يمر بماء من مياه العرب الا عوره، ولا جب من جبابهم إلا طمه ثم أتي قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر، ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام، فقتل من وجد بها من العرب، وسبى وطم مياههم وإنه أسكن من من بني تغلب من البحرين دارين- واسمهما هيج- والخط، ومن كان من عبد القيس وطوائف من بني تميم هجر، ومن كان من بكر بن وائل كرمان، وهم الذين يدعون بكر أبان، ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز وإنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها، بزرج سابور- وهي الأنبار- وبأرض الأهواز مدينتان: إحداهما ايران خره سابور، وتأويلها سابور وبلاده، وتسمى بالسريانية الكرخ، والأخرى السوس، وهي مدينة بناها إلى جانب الحصن الذي في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي ع وإنه غزا أرض الروم فسبي منها سبيا كثيرا، فاسكن مدينه ايران خره سابور، وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية وامر فبنيت بباجرمى مدينه سماها خنى سابور وكور كوره، وبأرض خراسان مدينه، وسماها نيسابور وكور كوره.

وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم، وهو الذي بني مدينة قسطنطينية، وكان أول من تنصر من ملوك الروم، وهلك قسطنطين، وفرق ملكه بين ثلاثة بنين، كانوا له، فهلك بنوه الثلاثة، فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس، وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل النصرانية، ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك، حتى إذا ملك أظهر ملة الروم، وأعادها كهيئتها، وأمرهم بإحيائها، وأمر بهدم البيع وقتل الأساقفة وأحبار النصارى وإنه جمع جموعا من الروم والخزر، ومن كان في مملكته من العرب، ليقاتل بهم سابور وجنود فارس.

وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور، وما كان من قتله العرب، واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون الف مقاتل، فوجههم مع رجل من بطارقة الروم، بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس، وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر، فهاله ذلك، ووجه عيونا تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيشهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده، فتنكر سابور، وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم، فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس، وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار، ويأتوه بها على حقائقها، فنذرت الروم بهم، فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس، فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له إلى عسكره، ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على وجهها، وبمكان سابور حيث كان، وسأله أن يوجه معه جندا، فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته، يعلمه ما لقي من أمره، وينذره، فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور، فأجابهم إلى ما سألوه، فزحفوا إلى سابور، فقاتلوه ففضوا جمعه، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب سابور فيمن بقي من جنده، واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور، وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها، فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقي من لليانوس ومن معه من العرب، ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده، فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق، فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسبون، ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره، وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وإن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته، فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله، فأسقط في روع جنده، وهالهم الذي نزل به، ويئسوا من التفصي من بلاد فارس، وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم، فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم، فأبى ذلك، وألحوا عليه فيه، فأعلمهم أنه على ملة النصرانية، وأنه لا يلي ناسا له مخالفين في الملة فأخبرته الروم إنهم على ملته، وإنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس، فأجابهم إلى ما طلبوا، وملكوه عليهم، وأظهروا النصرانية.

وأن سابور علم بهلاك لليانوس، فأرسل إلى قواد جنود الروم، يقول: إن الله قد أمكننا منكم، وأدالنا عليكم، بظلمكم إيانا، وتخطيكم إلى بلادنا، وإنا نرجو أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا، ونشرع له رمحا، فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور، فلم يتابعه على رأيه أحد من قواد جنده، فاستبد برأيه، وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده، وعليه تاجه، فبلغ سابور مجيئه إليه، فتلقاه وتساجدا، فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره، وطعم عنده يومئذ ونعم.

وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوى الرياسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس، وإن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوي أمر يوسانوس بجهده، ثم قال: إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا، وقتلوا بشرا كثيرا، وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر، وخربوا عمارتها، فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا، وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها، عوضا منه، وكانت من بلاد فارس، فغلبت عليها الروم.

فأجاب يوسانوس واشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض، ودفعوا اليه نصيبين، فبلغ ذلك أهلها، فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم، مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم، فبلغ ذلك سابور، فنقل اثني عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين، وأسكنهم إياها، وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم، وملكها زمنا يسيرا ثم هلك.

وإن سابور ضري بقتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك.

وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامه، ثم هبط الى الشام، وسار إلى حد الروم، أعلم أصحابه إنه على دخول الروم حتى يبحث عن أسرارهم، ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم، فدخل الى الروم، فجال فيها حينا، وبلغه أن قيصر أولم، وامر بجمع الناس ليحضروا طعامه، فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع، لينظر إلى قيصر، ويعرف هيئته وحاله في طعامه، ففطن له فأخذ، وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور، ثم سار بجنوده الى أرض فارس، ومعه سابور على تلك الحالة، فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والأشجار، حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور، وقد تحصن أهلها، فنصب المجانيق، وهدم بعضها فبينا هم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد الذي كان عليه زيتا من زقاق كانت بقربهم، ففعلوا ذلك، ولان الجلد وانسل منه، فلم يزل يدب حتى دنا من باب المدينة، وأخبر حراسهم باسمه فلما دخل على أهلها، اشتد سرورهم به، وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح، فانتبه أصحاب قيصر بأصواتهم، وجمع سابور من كان في المدينة وعباهم، وخرج إلى الروم في تلك الليلة سحرا، فقتل الروم وأخذ قيصر أسيرا، وغنم أمواله ونساءه، ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب، ويقال: إنه أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندي سابور، حتى يرم به ما هدم منها، وبأن يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذي عقره، ثم قطع عقبه ورتقه، وبعث به إلى الروم على حمار، وقال: هذا جزاؤك ببغيك علينا، فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب، ورتق الذؤاب.

ثم أقام سابور في مملكته حينا ثم غزا الروم فقتل من أهلها، وسبى سبيا كثيرا، وأسكن من سبي مدينة بناها بناحية السوس، وسماها ايرانشهر سابور، ثم استصلح العرب، وأسكن بعض قبائل تغلب وعبد القيس وبكر بن وائل كرمان وتوج والأهواز، وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان، ونقل طبيبا من الهند فأسكنه الكرخ من السوس، فلما مات ورث طبه أهل السوس، ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم وأوصى بالملك لأخيه أردشير وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة.

وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة، امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرئ القيس- فيما ذكر- فبقي في عمله بقية ملك سابور، وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسى، وبعض أيام سابور بن سابور.

وكان جميع عمله- على ما ذكرت- من العرب، وولايته عليهم- فيما ذكر ابن الكلبي- ثلاثين سنة

** ذكر ملك أردشير بن هرمز **

ثم قام بالملك بعد سابور ذي الأكتاف اخوه أردشير بن هرمز بن نرسى ابن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء، فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر، وشكروا عنده أخاه سابور، فأحسن جوابهم، وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه عنده، فلما استقر به الملك قراره عطف على العظماء وذوى الرياسة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد اربع سنين من ملكه

** ذكر ملك سابور بن سابور **

ثم ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسى فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه، فلقيهم أحسن اللقاء، وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية، وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته، وخطبهم خطبة بليغة، ولم يزل عادلا على رعيته، متحننا عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم، وخضع له عمه أردشير المخلوع، ومنحه الطاعة.

وإن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره، فسقط عليه الفسطاط.

وكان ملكه خمس سنين

** ذكر ملك بهرام بن سابور **

ثم ملك بعده اخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف وكان يلقب كرمان شاه، وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان، فكتب إلى قواده كتابا يحثهم فيه على الطاعة، ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك، وبنى بكرمان مدينة، وكان حسن السياسة لرعيته، محمودا في أمره وكان ملكه إحدى عشرة سنة وإن ناسا من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برميه رماها اياه بنشابه

** ذكر ملك يزدجرد الأثيم **

ثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالاثيم، بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف.

ومن أهل العلم بأنساب الفرس من يقول: ان يزدجرد الاثيم هذا، هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه، ويقول: هو يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول، هشام بن محمد.

وكان- فيما ذكر- فظا غليظا ذا عيوب كثيرة، وكان من أشد عيوبه وأعظمها- فيما قيل- وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفا من العلم قد مهرها وعلمها، غير موضعه، وكثرة رؤيته في الضار من الأمور، واستعمال كل ما عنده من ذلك، في المواربة والدهاء والمكايده والمخاتله، مع فطنة كانت بجهات الشر، وشدة عجبه بما عنده من ذلك، واستخفافه بكل ما كان في أيدي الناس من علم وأدب، واحتقاره له، وقلة اعتداده به، واستطالته على الناس بما عنده منه وكان مع ذلك غلقا سيئ الخلق، رديء الطعمة حتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيرا، واليسير من السقطات عظيما ثم لم يقدر أحد- وإن كان لطيف المنزلة منه- أن يكون لمن ابتلى عنده بشيء من ذلك شفيعا، وكان دهره كله للناس متهما، ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء، ولم يكن يكافي على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك، وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قال له: ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه؟ وما أخذت عليه؟ فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الأمم وإن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته، وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه، ومخافة سطوته، متواصلين متعاونين، وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لا يستطاع أن يبلغ منه مثلها في مده ثلاثمائة.

وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه.

وكان إذا بلغه أن أحدا من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته.

وكان استوزر عند ولايته نرسي حكيم دهره وكان نرسي كاملا في أدبه، فاضلا في جميع مذاهبه، متقدما لأهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسى ومهر نرسه، ويلقب بالهزار بنده، فأملت الرعية بما كان منه أن ينزع عن أخلاقه، وأن يصلح نرسي منه، فلما استوى له الملك، اشتدت إهانته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء، وأكثر من سفك الدماء، وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والاشراف انه لا يزداد الا تتايعا في الجور، اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه، وتضرعوا إلى ربهم، وابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان، فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا- لم ير مثله في الخيل، في حسن صورة، وتمام خلق- أقبل حتى وقف على بابه، فتعجب الناس منه، لأنه كان متجاوز الحال، فأخبر يزدجرد خبره، فأمر به أن يسرج ويلجم، ويدخل عليه، فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه، فلم يمكن أحدا منهم من ذلك، فأنهي إليه امتناع الفرس عليهم، فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده، وألقى لبدا على ظهره، ووضع فوقه سرجا، وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك، حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال: إن الفرس ملأ فروجه جريا فلم يدرك ولم يوقف على السبب فيه، وخاضت الرعية بينها، وقالت: هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا.

وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما وفي قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما.

ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدى في عهد سابور ابن سابور، استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام.

قال: وهو من العماليق من بني عمرو بن عمليق، فثار به جحجبى بن عتيك بن لخم فقتله، فكان جميع ولاية أوس خمس سنين، وهلك في عهد بهرام بن سابور ذي الأكتاف واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسا وعشرين سنة، وكان هلاكه في عهد يزدجرد الاثيم ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو فارس حليمة، وصاحب الخورنق.

وكان سبب بنائه الخورنق- فيما ذكر- ان يزدجرد الأثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام، فسال عن منزل برى مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكنا له، وأنزله إياه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار، فلما فرغ من بنائه، تعجبوا من حسنه وإتقان عمله، فقال:

لو علمت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فقال: وإنك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه! فأمر به فطرح من رأس الخورنق، ففي ذلك يقول أبو الطمحان القيني.

جزاء سنمار جزاها، وربها وباللات والعزى جزاء المكفر

وقال سليط بن سعد:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار

وقال يزيد بن إياس النهشلي:

جزى الله كمالا بأسوإ فعله جزاء سنمار جزاء موفرا

وقال عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي- وكان أهدى أفراسا إلى الحارث بن مارية الغساني، ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه، وكان للملك ابن مسترضع في بني الحميم بن عوف من بنى عبد ود، من كلب، فنهشته حية، فظن الملك إنهم اغتالوه، فقال لعبد العزى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار، وليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعال، فقال: لتأتيني بهم أو لأفعلن ولأفعلن! فقال: رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه: شراحيل وعبد الحارث، فكتب معهما إلى قومه:

جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

سوى رصه البنيان عشرين حجه يعلى عليه بالقراميد والسكب

فلما راى البنيان تم سموقه وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب

فأتهمه من بعد حرس وحقبة وقد هره أهل المشارق والغرب

وظن سنمار به كل حبرة وفاز لديه بالمودة والقرب

فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه فهذا لعمر الله من أعجب الخطب

وما كان لي عند ابن جفنة فاعلموا من الذنب ما آلى يمينا على كلب

ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم تحلل أبيت اللعن من قولك المزبي

ودون الذي منى ابن جفنة نفسه رجال يردون الظلوم عن الشعب

وقد رامنا من قبلك المرء حارث فغودر مسلولا لدى الأكم الصهب

قال هشام: وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا، وأكثر المصائب في أهلها، وسبى وغنم، وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه، وأبعدهم مغارا فيهم، وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين: يقال لأحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء، وهي لفارس، وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان، فكان يغزو بهما بلاد الشام ومن لم يدن له من العرب.

قال: فذكر لنا- والله أعلم- أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط! فقال: لا، لو كان يدوم! قال:

فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذاك؟ قال:

بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم، سألوا عنه فلم يجدوه، وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي:

وتفكر رب الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تبصير

سره حاله وكثرة ما يملك والبحر معرض والسدير

فارعوى قلبه فقال وما غبطة حي إلى الممات يصير

ثم بعد الفلاح والملك والأمة وارتهم هناك القبور

ثم أضحوا كأنهم ورق جف، فألوت به الصبا والدبور

فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر.

قال ابن الكلبي: من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة.

وأما العلماء من الفرس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما انا ذاكره

** ذكر ملك بهرام جور **

ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن ابن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف وذكر أن مولده كان هرمز دروز فروردين ماه، لسبع ساعات مضين من النهار فان أباه يزدجرد دعا ساعه ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين، فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذي يئول إليه كل أمره، فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم، ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه، وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس، وأن من الرأي أن يربى بغير بلاده، فأجال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس، فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته، فدعا بالمنذر ابن النعمان، واستحضنه بهرام، وشرفه وأكرمه، وملكه على العرب، وحباه بمرتبتين سنيتين، تدعى إحداهما: رام ابزوذ يزدجرد، وتأويله زاد سرور يزدجرد، والأخرى تدعى بمهشت، وتأويلها أعظم الخول، وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته، وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب.

فسار به المنذر إلى محلته منها، واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة، وأذهان ذكية، وآداب رضية، من بنات الأشراف، منهن امرأتان من بنات العرب، وامرأة من بنات العجم، وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه، فتداولن رضاعه ثلاث سنين، وفطم في السنة الرابعة، حتى إذا أتت له خمس سنين، قال للمنذر:

أحضرني مؤدبين ذوي علم، مدربين بالتعليم، ليعلموني الكتابة والرمي والفقه.

فقال له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم، فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث، حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب، واحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر: أنا لعمري صغير، ولكن عقلي عقل محتنك، وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع.

أما تعلم أيها الرجل، أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته، وما يطلب في وقته ينال في غير وقته، وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال! وانى من ولد ملوك، والملك صائر إلي بإذن الله، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم، لأنه لهم زين، ولملكهم ركن به يقوون فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين.

فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس، ومعلمي الرمى والفروسية ومعلمي الكتابه وخاصه ذوى الأدب، وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم، ومحدثين من العرب، فألزمهم بهرام، ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه، وقدر لهم قدرا يفيدونه ما عندهم، فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم، وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث، ووعى كل ما استمع، وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفى بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة، وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه، وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب، حتى اعترفوا له بفضله عليهم.

وأثاب بهرام المنذر ومعلميه، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده، ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به، والإحكام له، ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر، وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها، فآذن النعمان للعرب بذلك، وبلغ المنذر الذي كان من رأي بهرام في اختيار الخيل لمركبه، فقال لبهرام: لا تجشمن العرب إجراء خيلهم، ولكن مر من يعرض الخيل عليك، واختر منها رضاك، وارتبطه لنفسك فقال له بهرام: قد أحسنت القول، ولكنى افضل الرجال سؤددا وشرفا، وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل، وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجربة، ولا تجربة بلا إجراء.

فرضي المنذر مقالته، وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم، وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة، وسرحت الخيل من فرسخين، فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا، ثم أقبل بعده بقيتها بداد بداد من بين فرسين تاليين، أو ثلاثة موزعة، أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام، وقال: يبارك الله لك فيه، فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به، وتشكر للمنذر.

وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد، فبصر بعانة، فرمى عليها وقصد نحوها، فإذا هو بأسد قد شد على عير كان فيها، فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه، فرماه بهرام رمية في ظهره، فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض.

فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها، فتحرك طويلا، وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه.

ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه، فشخص إلى أبيه، وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له، فاتخذ بهرام للخدمة، فلقي بهرام من ذلك عناء.

ثم أن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر، يقال له: ثياذوس، في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم، فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر، فانصرف إلى بلاد العرب، فاقبل على التنعم والتلذذ.

وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء واهل البيوتات الا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، وقالوا: إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام، ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره، ويعرف بها حاله، ولم يتأدب بأدب العجم، وإنما أدبه أدب العرب، وخلقه كخلقهم، لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك، يقال له كسرى، ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب، فدعا بالمنذر والنعمان ابنه، وناس من علية العرب، وقال لهم: إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي، كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم، مع فظاظته وشدته كانت على الفرس، وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه، وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك.

فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى الطف الحيله فيه وإن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، ويدمن إرسال طلائعه إليهما، فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما، وأسر وسبى، ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين، ووجه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جواني صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان، فلما ورد جواني على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه، قال له: الق الملك بهرام، ووجه معه من يوصله إليه فدخل جواني على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه، فكلمه بهرام، ووعده من نفسه أحسن الوعد، ورده إلى المنذر، وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب، فقال المنذر لجواني:

قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به، وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه، وخوله إياكم.

فلما سمع جواني مقالة المنذر، وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه، وإن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج، قال للمنذر: إني لست محيرا جوابا، ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وتشاوروا في ذلك.

وأت فيه ما يجمل، فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.

فرد المنذر جواني إلى من أرسله إليه، واستعد وسار بعد فصول جواني من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك، حتى إذا وردهما، أمر فجمع الناس، وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر، وجلس المنذر عن يمينه، وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت، وسوء سيرته، وإنه أخرب بسوء رأيه الأرض، وأكثر القتل ظلما، حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها، وأمورا غير ذلك فظيعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك، وسألوا المنذر الا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.

فوعى المنذر ما بثوا من ذلك، وقال لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني فقال بهرام: إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك، ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه، ومتنكبا لطريقه ودينه، ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك، فأصلح كل ما أفسد، وأرأب ما صدع، فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا، وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بيني وبينكم وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة، من بين أسدين ضاريين مشبلين، فهو الملك.

فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه، وما وعد من نفسه، استبشروا بذلك، وانبسطت آمالهم، وقالوا فيما بينهم: إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام، مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب، ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته، فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه، والسمع والطاعة له، وإن يهلك ضعفا ومعجزة، فنحن من هلكته برآء، ولشره وغائلته آمنون.

وتفرقوا على هذا الرأي، فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام، وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس، وحضره من كان يحاده فقال لهم: إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس، وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة.

فقال القوم: أما نحن، فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى، ولم نر منه إلا ما نحب، ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج والزينة كما ذكرت بين أسدين، وتتنازعانهما أنت وكسرى، فأيكما تناولها من بينهما، سلمنا له الملك.

فرضي بهرام بمقالتهم، فأتى بالتاج والزينة موبذان موبذ، الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك، فوضعهما في ناحية، وجاء بسطام إصبهبذ، بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين، فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، وأرخى وثاقهما، ثم قال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة فقال كسرى: أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني، لأنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله، لثقته كانت ببطشه وقوته، وحمل جرزا، وتوجه نحو التاج والزينة، فقال له موبذان موبذ: استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه، إنما هو تطوع منك، لا عن رأي أحد من الفرس، ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك.

فقال بهرام: أنتم من ذلك برآء، ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين، فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما، هتف به وقال: بح بذنوبك، وتب منها، ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما، فباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثم مشى نحو الأسدين، فبدر إليه أحدهما، فلما دنا من بهرام وثب وثبة، فعلا ظهره، وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا اثخنه، وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل، ثم شد الأسد الآخر عليه، فقبض على أذنيه، وعركهما بكلتا يديه، فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله: وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة، فكان كسرى أول من هتف به، وقال: عمرك الله بهرام! الذى من حوله سامعون، وله مطيعون، ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر، وقالوا: قد أذعنا للملك بهرام، وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم، وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره، والصفح والتجاوز عنهم، فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك، واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه، فأسعفه بهرام فيما سأل، وبسط آمالهم.

وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة، وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية، يعدهم الخير من نفسه، ويأمرهم بتقوى الله وطاعته.

ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا للهو على ما سواه، حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده، والغلبة على ملكه، وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك، فبلغ الفرس اقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم، فتعاظمهم ذلك وهالهم، ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأي أصيل، وعندهم نظر للعامة، فقالوا له: إنه قد ازمك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ، فتأهب له كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام: إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد.

وانه تجهز فسار الى اذربيجان لينسك في بيت نارها، ويتوجه منها إلى أرمينية، ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره في سبعة رهط من العظماء وأهل البيوتات، وثلاثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة، واستخلف أخا له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه، وإسلام لملكه، وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان، والإقرار له بالخراج، مخافة منه لاستباحة بلادهم، واصطلامة مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك.

فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له، فآمن ناحيتهم، وأمر جنده بالتورع، فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان، فأخبره بأمر خاقان وعزمه، فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته، وقتل خاقان بيده، وأفشى القتل في جنده، وانهزم من سلم من القتل منهم، ومنحوه أكتافهم، وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم، وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم، ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين، وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاده من بلاد الترك، واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حباه سريرا من فضة، وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة، وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه، فحد لهم حدا، وأمر فبنيت منارة، وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد، فقدمت إلى بلاد الترك، ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم، وامره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم، حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية.

وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان، راجعا إلى محلته من السواد، وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر، فعلق على بيت نار أذربيجان، ثم سار وورد مدينة طيسبون، فنزل دار المملكة بها، ثم كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان، وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسي خراسان، وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ، وتقدم إليه بما أراد.

ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها، فركب ذات يوم للصيد، فشد على عير، وأمعن في طلبه، فارتطم في جب، فغرق، فبلغ والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة، وأقامت قريبة منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه منه، فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحماه، حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما، ولم يقدروا على جثة بهرام.

وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوه الترك، خطب أهل مملكته أياما متوالية، حثهم في خطبته على لزوم الطاعة، وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم، وإيصال الخير إليهم، وإنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه، وإن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة، فجحدوا ذلك أو من جحده منهم، ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان، وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت والجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة، وأخدمه خاتون امرأة خاقان، ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا على ما لقي من النصر في وجهه، وقسم في الفقراء والمساكين مالا عظيما، وفي البيوتات وذوي الأحساب عشرين ألف ألف درهم، وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا، يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وإنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه، وسار نحوه في سبعه رهط من اهل البيوتات، وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق، حتى نفذ على براري خوارزم ومفاوزها، فابلاه الله أحسن بلاء، وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج، وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا.

وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج، فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم، فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها.

وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي، ولى نرسي أخاه خراسان، وأنزله بلخ، واستوزر مهر نرسى بن برازه، وخصه وجعله بزرجفرمذار، وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند، ليعرف أخبارها، والتلطف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته، ليخفف بذلك بعض مئونة عن أهل مملكته، وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه، وإنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا، فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع، وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل، وقتل ناسا كثيرا، فسال بعضهم أن يدله عليه ليقتله، وانتهى أمره إلى الملك فدعا به، وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهى بهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل، رقى الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل، فصاح به، فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد، ومنظر هائل، فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب، ووقذه بالنشاب، حتى بلغ منه، ووثب عليه فأخذه بمشفره، فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه، فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه، فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق، ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك، فعجب من شدته وجرأته، وحباه حباء عظيما، واستفهمه أمره فقال له بهرام: أنا رجل من عظماء الفرس، وكان ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك، وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه، وسار إليه بجنود عظيمة، فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته، وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه، وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك، فنهاه بهرام عن ذلك، وضمن له كفاية أمره، فسكن إلى قوله، وخرج بهرام مستعدا له، فلما التقوا قال لاساوره الهند: احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه، ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين، وياتى الفيل فيقد مشفره بالسيف، ويحتمل الفارس عن سرجه- والهند قوم لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة لا دواب لهم- وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه، فلما عاينوا منه ما عاينوا، ولوا منهزمين لا يلوون على شيء، وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه، وانصرف محبورا مسرورا، ومعه بهرام، فكان في مكافاته إياه إن أنكحه ابنته، ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند، وكتب له بذلك كتابا، وأشهد له على نفسه شهودا، وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم، وحمل خراجها إلى بهرام، وانصرف بهرام مسرورا.

ثم انه اغزى مهر نرسى بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها، ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها، مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي، فتوجه في تلك العدة، ودخل القسطنطينية، وقام مقاما مشهورا، وهادنه عظيم الروم، وانصرف بكل الذي أراد بهرام، ولم يزل لمهر نرسي مكرما، وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهر نرسه، وهو مهر نرسى بن برازه بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ ابن سيسنابروه بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب.

وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه، وجودة آرائه، وسكون العامة إليه، وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر، وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته، وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا: احدهم زروانداذ، كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه، فأدرك من ذلك أمرا عظيما، حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ، مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر: ما جشنس، ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم، واسم مرتبته بالفارسية اسطران سلار، وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ، وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزرجفرماندار، وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها ابروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة، فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة، واتخذ فيها بيت نار- هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية- يقال لها مهر نرسيان، واتخذ بالقرب من ابروان أربع قرى، وجعل في كل واحدة منها بيت نار، فجعل واحدا منها لنفسه، وسماه فراز مرا آور خذايان، وتفسير ذلك: اقبلي إلي سيدتي، على وجه التعظيم للنار، وجعل الآخر لزراونداذ، وسماه زراوندادان، والآخر لكارد وسماه كارداذان، والآخر لماجشنس، وسماه ماجشنسفان، واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات، جعل في كل باغ منها اثنتى عشره ألف نخلة، وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون، وفي باغ اثنتى عشره ألف سروة، ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم، وإن ذلك- فيما ذكر- إلى اليوم باق على أحسن حالاته.

وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم، مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقا، ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت.

واختلفوا في مدة ملكة، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشره أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما

** ذكر ملك يزدجرد بن بهرام جور **

ثم قام بالملك من بعده يزدجرد بن بهرام جور فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والأشراف، فدعوا له وهنئوه بالملك، فرد عليهم ردا حسنا، وذكر أباه ومناقبه، وما كان منه إلى الرعية، وطول جلوسه كان لها، وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذي كانوا يعهدونه من أبيه، فلا ينبغي لهم أن يستنكروه، فإن خلواته انما تكون في مصلحه للمملكه وكيد للأعداء، وأنه قد استوزر مهر نرسي بن برازة صاحب أبيه، وإنه سائر فيهم بأحسن السيرة، ومستن لهم أفضل السنن، ولم يزل قامعا لعدوه، رءوفا برعيته وجنوده، محسنا إليهم.

وكان له ابنان: يقال لأحدهما هرمز، وكان ملكا على سجستان، والآخر يقال له فيروز، فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته وقصة هرمز أخيه، وإنه أولى بالملك منه، وسأله أن يمده بجيش يقاتل بهم هرمز، ويحتوي على ملك أبيه، فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك، حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة: إن الجور لا يرضاه الله، ولا يصلح عمل أهله، ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بجيش، فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله، وشتت جمعه، وغلب على الملك.

وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذي كانوا يحملونه إلى أبيه، فوجه إليهم مهر نرسي بن برازة، في مثل العدة التي كان بهرام وجهه إليهم عليها، فبلغ له إرادته

وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم.

وفي قول آخرين سبع عشره سنه

** ذكر ملك فيروز بن يزدجرد **

ثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من اهل بيته.

وحدثت عن هشام بن محمد، قال: استعد فيروز من خراسان، واستنجد بأهل طخارستان وما يليها، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد، وهو بالري- وكانت أمهما واحدة، واسمها دينك، وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك- فظفر فيروز بأخيه فحبسه، وأظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتدين، وقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن تدبير ذلك الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال، وكف عن الجباية، وساسهم أحسن السياسة، فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد.

وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة، وقد كان قوادهم في أول ملكة لمعونتهم إياه على أخيه، وكانوا- فيما زعموا- يعملون عمل قوم لوط، فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم، فقاتلهم فقتلوه في المعركة، وأربعة بنين له، وأربعة أخوة، كلهم كان يتسمى بالملك، وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من اهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز، وكان فيهم عظيما، فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة، فأخرجه من بلاد خراسان، فافترقا على الصلح، ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الإسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنه.

وقال غير هشام من أهل الأخبار: كان فيروز ملكا محدودا محارفا مشئوما على رعيته، وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وأن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية، فغارت الأنهار والقنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهاجت عامة الزروع والأجام في السهل والجبل من بلاده، وموتت فيها الطير والوحوش، وجاعت الأنعام والدواب، حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة، وقل ماء دجلة، وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد.

فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم انه لا خراج عليهم ولا جزية، ولا نائبة ولا سخرة، وأن قد ملكهم أنفسهم، ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم، ثم أعاد الكتاب إليهم في اخراج كل من كان له منهم مطموره أو هرى أو طعام أو غيره، مما يقوت الناس، والتأسي فيه، وترك الاستئثار فيه، وأن يكون حال أهل الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التأسي واحدا.

وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة، أو أهل القرية، أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسي جوعا، ونكل بهم أشد النكال.

فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا، ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة اردشير خرة، يدعى بديه فتعظم ذلك عظماء الفرس، وجميع أهل اردشير خرة وفيروز، وإنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته، وإنزال غيثه عليهم، فأغاثه الله، وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه، وصلحت الأشجار.

وإن فيروز أمر فبنيت بالري مدينة، وسماها رام فيروز، وفيما بين جرجان وباب صول مدينة، وسماها روشن فيروز، وبناحيه اذربيجان مدينة وسماها شهرام فيروز ولما حييت بلاد فيروز، واستوثق له الملك، وأثخن في أعدائه وقهرهم، وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث، سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب اخشنوار ملك الهياطلة، فلما بلغ اخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب اخشنوار بذل له نفسه، وقال له: اقطع يدي ورجلي، وألقني على طريق فيروز، وأحسن إلى ولدي وعيالي- يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز- ففعل ذلك اخشنوار بذلك الرجل، وألقاه على طريق فيروز، فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره، فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به لأنه قال له: لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه، وأمر بحمله معه، فأعلمه على وجه النصح منه له- فيما زعم- أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد، فاغتر فيروز بذلك منه، وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع، فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة، فكلما شكوا عطشا أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة، حتى إذا بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر، بين لهم أمره، فقال أصحاب فيروز لفيروز: قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر، فأما الآن فلا بد من المضي قدما حتى نوافي القوم على الحالات كلها فمضوا لوجوههم، وقتل العطش أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم، فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا اخشنوار إلى الصلح، على أن يخلي سبيلهم، حتى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه الا يغزوهم ولا يروم أرضهم، ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم، ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضي اخشنوار بذلك، وكتب له به فيروز كتابا مختوما، وأشهد له على نفسه شهودا، ثم خلى سبيله وانصرف.

فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة اخشنوار، فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك، لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم وأبى إلا ركوب رأيه، وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه، يقال له مزدبوذ، فلما رأى مزدبوذ لجاجته، كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها، ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد اخشنوار، وقد كان اخشنوار حفر خندقا بينه وبين بلاد فيروز عظيما، فلما انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر، ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم، وجاز الى القوم، فلما التقى بعسكرهم احتج عليه اخشنوار بالكتاب الذي كتبه له، ووعظه بعهده وميثاقه، فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا، فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا، ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب، وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم، للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة، وأخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز، فرفعها على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات، وسقط في الخندق، فهلك، وأخذ اخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه، وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كورة اردشير خرة من الأعاجم، ذو علم وبأس وبطش، يقال له: سوخرا، ومعه جماعة من الاساورة، فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته، فأغذ السير حتى انتهى إلى اخشنوار، فأرسل إليه وآذنه بالحرب، وتوعده بالجائحة والبوار، فبعث إليه اخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين، فيقال: إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه، فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه، فاستبقاه وقال له:

انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رايت، فانصرفوا الى اخشنوار، وحملوا الفرس معهم، فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا: أن سل حاجتك، فقال له: حاجتي أن ترد علي الديوان، وتطلق الأسرى ففعل ذلك، فلما صار الديوان في يده، واستنفذ الأسرى، استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت مع فيروز، فكتب إلى اخشنوار إنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد، افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال، وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس، فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره، وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك.

وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن ابن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس ابن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر.

وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر اخشنوار نحوا مما ذكرت، غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى اخشنوار، استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير- وكانتا محلة الملوك- سوخرا هذا، قال: وكان يقال لمرتبته قارن، وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك، لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدى لها، وكان فيروز عاهد اخشنوار الا يجاوزها الى بلاد الهياطلة، امر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلاثمائة رجل، فجرت أمامه جرا، واتبعها، أراد بذلك زعم الوفاء لاخشنوار بما عاهده عليه، فبلغ اخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة، فأرسل إليه يقول: انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك، ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله، ولم تكرثه رسالته، وجعل يستطعم محاربة اخشنوار، ويدعوه إليها، وجعل اخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها، لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة، وإن اخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعا، وغمى بخشب ضعاف، وألقى عليه ترابا، ثم ارتحل في جنده، فمضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحلة اخشنوار بجنده من عسكره، فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب، فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في طلب اخشنوار وأصحابه، فأغذوا السير، وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه اقحموا على عماية، فتردى فيه فيروز وعامة جنده، وهلكوا من عند آخرهم.

وإن اخشنوار عطف على عسكر فيروز، فاحتوى على كل شيء فيه، وأسر موبذان موبذ، وصارت فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز، وامر اخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق، فوضعت في النواويس، ودعا اخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها، فأبت عليه.

وأن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس، فارتجوا له وفزعوا، حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ اخشنوار خبر مسيره لمحاربته، فاستعد وأقبل متلقيا له، وأرسل إليه يستخبره عن خبره، ويسأله عن اسمه ومرتبته، فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا، ولمرتبته قارن، وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز، فأرسل إليه اخشنوار يقول: إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياي إلا الهلكة والبوار.

فلم ينهنه سوخرا قول اخشنوار، ولم يعبأ به، وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا، وزحف إلى اخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه، فطلب موادعته وصلحه، فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز فسلم اخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه، وفيهن فيروز دخت، ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس، فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس.

واختلف في مدة ملك فيروز، فقال بعضهم: كانت ستا وعشرين سنة.

وقال آخرون: كانت إحدى وعشرين سنة

** ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز بين عمالهما على العرب واهل اليمن **

حدثت عن هشام بن محمد، قال: كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الأشراف من حمير وغيرهم من القبائل، فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي، وكان سيد كندة في زمانه فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره، فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع، وملك مكانه، اصطنع عمرو بن حجر الكندي.

وكان ذا رأي ونبل، وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بني أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع، فتكلمت في ذلك حمير وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها، لأنه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث بن عمرو، وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب، وذلك أن ولد حسان كانوا صغارا، إلا ما كان من تبع بن حسان، فإن الجن استهامته، فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير اهل بيت المملكة، فوليه بسن وتجربة وسياسة حسنة وكان- فيما ذكروا- على دين النصرانية الأولى، وكان يسر ذلك من قومه، وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان، قدم عليه من الشام، فوثبت حمير بالغساني فقتلته، فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحا، وهو أعلم الناس بنجم، وأعقل من تعلم في زمانه، وأكثره حديثا عما كان قبله وما يكون في الزمان بعده فملك تبع ابن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن، فهابته حمير والعرب هيبة شديدة، فبعث بابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء، امرأة من النمر، فذهب ملك آل النعمان، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون.

وقال هشام: ملك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني أربعا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر، وأمه هر ابنة النعمان من بني الهيجمانة، ابنة عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الذي أسرته فارس عشرين سنة، من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز، ست سنين

** ذكر ملك بلاش بن فيروز **

ثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش بن فيروز بن يزدجرد ابن بهرام جور، وكان قباذ أخوه قد نازعه الملك، فغلب بلاش، وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد، فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والأشراف فهنئوه ودعوا له، وسألوه أن يكافئ سوخرا بما كان منه، فخصه وأكرمه وحباه، ولم يزل بلاش حسن السيرة، حريصا على العمارة وكان بلغ من حسن نظره إنه كان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم، وبنى بالسواد مدينه سماها بلا شاواذ، وهي مدينة ساباط التي بقرب المدائن.

وكان ملكه اربع سنين

** ذكر ملك قباذ بن فيروز **

ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور، ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين، وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفس قباذ إلى الجماع، فشكا ذلك إلى زرمهر، وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب، ففعل ذلك، وصار إلى امرأة صاحب منزله، وكان رجلا من الأساورة، وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال، فتنصح لها في ابنتها، وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ، فأعلمت ذلك زوجها، ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها، ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا، وصارت الابنة إلى قباذ، واسمها نيوندخت، فغشيها قباذ في تلك الليلة، فحملت بانوشروان، فأمر لها بجائزة حسنة، وحباها حباء جزيلا.

وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب، فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان، فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس، وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه، وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة، ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا، وأن تكلم فيه زوجها، وتسأله إنجاز عدته ففعلت، ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا، فلما انصرف قباذ بذلك الجيش، وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها، فأخبرته أنها قد ولدت غلاما، فأمر قباذ أن يؤتى بها، فأتته ومعها انو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام، فأخبرته أنه ابنه، وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله.

ويقال: إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود، وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك، فلما صار إلى المدائن، واستوثق له أمر الملك خص سوخرا، وفوض إليه أمره، وشكر له ما كان من خدمة ابنه إياه، ووجه الجنود إلى الأطراف، ففتكوا في الأعداء، وسبوا سبايا كثيرة، وبني بين الأهواز وفارس مدينة الرجان، وبنى أيضا مدينة حلوان، وبنى بكورة اردشير خرة في ناحيه كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة، وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها، وسوى أنهار احتفرها، وجسور عقدها.

فلما مضت أكثر أيامه، وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أموره مال الناس عليه، وعاملوه واستخفوا بقباذ، وتهاونوا بأمره، فلما احتنك لم يحتمل ذلك، ولم يرض به، وكتب إلى سابور الرازي- الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران، وكان إصبهبذ البلاد- في القدوم عليه فيمن قبله من الجند، فقدم سابور بهم عليه، فواصفه قباذ حالة سوخرا، وأمره بأمره فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا، فمشى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا لسوخرا، فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور، حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه، ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن، فحينئذ قيل: نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح، وذهب ذلك مثلا وأن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل، وأنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه، فأزالوه عنه وحبسوه، لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قالوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وانه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم، وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه، وقالوا لقباذ: إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى، وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك، وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار، فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه، فقتل من المزدكية ناسا كثيرا، وأعاد قباذ إلى ملكه، وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله، ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور.

وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره، وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فيه قباذ محبوسا، فحاولت الدخول عليه، فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه، وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب، وألقى إليها طمعه فيها، واخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها، فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس، وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط، وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالي الحبس سأله عما كان حامله فأفحم، واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها، وأنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف، فصدقها الرجل ولم يمس البساط، ولم يدن منه استقذارا له، وخلى عن الغلام الحامل لقباذ، فمضى بقباذ ومضت على أثره.

وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بابرشهر رجل من عظماء أهلها، له ابنة معصر، وأن نكاحه أم كسرى أنوشروان كان في سفره هذا، وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنوشروان وأمه، فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين، وأن- قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم، وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد، وسبى أهلها، وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينه، وسماها رامقباذ، وهي التي تسمى بومقباذ، وتدعى أيضا أرجان وكور كورة، وجعل لها رساتيق من كوره سرق، كوره رام هرمز، وملك قباذ ابنه كسرى، وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه.

فلما هلك قباذ- وكان ملكه بسني ملك أخيه جاماسب:

ثلاثا وأربعين سنة- فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك

** ذكر ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب في ايام قباذ في مملكته وبين عماله **

وحدثت عن هشام بن محمد، قال: لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر ابن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقه قتله، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك، بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي: أنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد، وإني أحب أن ألقاك.

وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء، ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه، واستضعفه الناس، فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه، وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواه، ثم وضعا بين أيديهما، فجعل الذي فيه النوى يلي الحارث بن عمرو، والذي لا نوى فيه يلي قباذ فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى، وجعل قباذ يأكل ما يليه، وقال للحارث: ما لك لا تاكل مثل ما آكل! فقال:

له الحارث إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا وعلم أن قباذ يهزأ به، ثم اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها، ولا يجاوزوا أكثر من ذلك فلما رأى الحارث ما عليه قباذ من الضعف طمع في السواد، فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد، فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن فقال: هذا من تحت كنف ملكهم ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من لصوص العرب قد أغاروا، وأنه يحب لقاءه فلقيه، فقال له قباذ: لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك، فقال له الحارث: ما فعلت ولا شعرت، ولكنها لصوص من لصوص العرب، ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود، قال له قباذ:

فما الذي تريد؟ قال: أريد أن تطعمني من السواد ما اتخذ به سلاحا، فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات، وهي ستة طساسيج، فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن: انى قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستة طساسيج، فاجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء لان الملك عليهم لا يأكل اللحم، ولا يستحل هراقة الدماء لأنه زنديق فجمع تبع الجنود، وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات، فآذاه البق، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهرا إلى النجف ففعل، وهو نهر الحيرة فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ، فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، وأمضى تبع شمرا ذا الجناح إلى خراسان، ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد، وقال:

أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائه الف واربعين ألفا وبعث ابن أخيه يعفر الى الروم، وهو الذى يقول:

أيا صاح عجبك للداهية لحمير إذ نزلوا الجابية!

ثمانون ألفا رواياهمو لكل ثمانية راويه

فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر، فحاصرها وأصاب من معه جوع، ووقع فيهم طاعون فرقوا، فأبصرهم الروم وما لقوا، فوثبوا عليهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد وسار شمر ذو الجناح حتى أتى سمرقند، فحاصرها فلم يظفر بشيء منها فلما رأى ذلك أطاف بالحرس، حتى أخذ رجلا من أهلها، فسأله عن المدينة وملكها، فقال له: أما ملكها فأحمق الناس، ليس له هم إلا الشراب والاكل، وله ابنه وهي التي تقضي أمر الناس.

فبعث معه بهدية إليها، فقال له: أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العجم والعرب، وإني لم أجيء ألتمس المال، وإن معي أربعة آلاف تابوت من ذهب وفضة هاهنا، فأنا أدفعها إليها، وأمضى إلى الصين، فإن كانت الارض لي كانت امرأتي، وإن هلكت كان ذلك المال لها فلما أنهيت إليها رسالته قالت: قد أجبته فليبعث بما ذكر، فأرسل إليها أربعة آلاف تابوت، في كل تابوت رجلان، فكان لسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها أربعة آلاف رجل، وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل.

وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم، فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا، فأخذوا بالأبواب، ونهد شمر في الناس، فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ثم سار إلى الصين، فلقي زحوف الترك فهزمهم، ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها- فيما ذكر بعض الناس- حتى ماتا وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة.

قال: وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا: أن تبعا جعل النار فيما بينه وبينهم، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار بالليل، فأتى الخبر في ليلة، وجعل آية ما بينه وبينهم أن إذا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر، وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبع، وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسان، وإن كانت نارين فهو هلاكهما فمكثوا بذلك ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يعفر، ثم اوقد ثلاثا فكان هلاك تبع قال: وأما الحديث المجتمع عليه فإن شمرا وحسان انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حيث بدءا، حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين، وصنوف الجوهر والطيب والسبي، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم، وسار تبع حتى قدم مكة، فنزل بالشعب من المطابخ، وكانت وفاة تبع باليمن، فلم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده عنها غازيا إلى شيء من البلاد، وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة.

قال: ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للأحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدة كثيرة.

قال: ويقولون: إن علم كعب الأحبار كان من بقية ما أورثت تلك الأحبار، وكان كعب الأحبار رجلا من حمير.

وأما ابن إسحاق فإنه ذكر ان الذى سار الى المشرق من التبابعة تبع الآخر، وأنه تبع تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، وهو أبو حسان، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه

** ذكر ملك كسرى انوشروان **

ثم ملك كسرى انوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين- كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم- كتبا نسخة كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان: بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى بن قباذ إلى واري ابن النخيرجان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها، ودنباوند وطبرستان وحيزها، ومن قبله: سلام، فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن، وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم، في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه، وإنا لا نعلم وحشة ولا فقد شيء أجل رزيئة عند العامة، ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح.

وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له: زراذشت بن خركان ابتدعها في المجوسية، فتابعه الناس على بدعته تلك، وفاق أمره فيها، وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له: مزدق بن بامداذ، وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه، التآسي في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذى يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وإنه لو لم يكن الذي أمرهم به، وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زراذشت خركان، ومزدق بن بامداذ، وأبطل بدعتهما، وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها، وقوما من المنانية، وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها.

وكان يلى الاصبهبذه- وهي الرياسة على الجنود- قبل ملكه رجل، وكان إليه إصبهبذة البلاد، ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين اربعه اصبهذين، منهم اصبهذ المشرق وهو خراسان وما والاها، واصبهذ المغرب، واصبهذ نيمروز، وهي بلاد اليمن، واصبهذ اذربيجان وما والاها، وهي بلاد الخزر، وما والاها، لما رأى في ذلك من النظام لملكه، وقوى المقاتلة بالأسلحة والكراع، وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس، خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى واسباب، منها السند، وبست، والرخج، وزابلستان، وطخارستان، ودردستان، وكابلستان، وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز، وأجلى بقيتهم عن بلادهم، وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته، وأذعنوا له بالعبودية، واستعان بهم في حروبه، وأمر فأسرت أمة أخرى، يقال لها صول، وقدم بهم عليه، وأمر بهم فقتلوا، ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم، وأمر بإنزالهم شهرام فيروز، يستعين بهم في حروبه.

وأن أمة يقال لها أبخز، وأمة يقال لها بنجر، وأمة يقال لها بلنجر، وأمة يقال لها ألان، تمالئوا على غزو بلاده، وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها، وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا، فأغضى كسرى على ما كان منهم، حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا، فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرة آلاف رجل منهم أسروا، فأسكنوا أذربيجان وما والاها، وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألان بناء بصخر إرادة أن يحصن بلاده عن تناول تلك الأمم إياها، وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا، حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير، ليكون حرزا لأهل بلاده يلجئون إليها من عدو إن دهمهم.

وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم، وأعزهم وأكثرهم جنودا، وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم، فقتل وزر ملكها وعامة جنوده، وغنم أموالهم، واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها، وإنه استمال أبخز، وبنجر، وبلنجر، فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم، وأنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول، وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه، أن يبعث إليه بأموال، وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي كانوا يعطونه اياه قبل ملك كسرى، وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطيء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده، ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول، ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسة آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة.

فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول، فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا، ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو- للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها- أن يشنوها بغارة، ويغلبوا عليها، وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله، وبأسه وحزمه، مع رأفته ورحمته بهم، فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له، فلما قضوا مقالتهم، قام خطيبا، فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم، وتوكله بتدبير أمورهم، وتقدير الأقوات والمعايش لهم، ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته، ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم، وإمحاء دينهم، وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم، وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه، وحث الناس على معاونته.

ثم أمر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم، وقسمت أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم، ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم، إذا لم يعرف أبوه، وأن يعطي نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها، وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده، وبين تزويج من غيره، إلا أن يكون كان لها زوج أول، فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الاشراف وساق عنهم واغناهم، وامرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن، أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكري الأنهار، وحفر القني وأسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم، وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح، وتفقد الأساورة، فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة، وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران، وسهل سبل الناس، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الحكام والعمال والولاة، وتقدم إلى من ولى منهم ابلغ التقدم، وعمد الى سير أردشير وكتبه وقضاياه، فاقتدى بها وحمل الناس عليها، فلما استوثق له الملك، ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه، وكان فيها عظماء جنود قيصر، فافتتحها.

ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها، وجميع ما فيها، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها.

فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية، كأنهم لم يخرجوا عنها.

ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية وما دونها، وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم، بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية، ثم انصرف من الروم، فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله، وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن، فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد.

ثم انصرف إلى المدائن، وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن.

وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه، ثم أقام في ملكه بالمدائن، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده- وقد كان أنوشروان صاهر خاقان قبل ذلك- فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه، ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة.

ثم انصرف من خراسان، فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة، فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها، فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن، وأقاموا بها.

ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم، وكان مكرما للعلماء.

وملك ثمانيا وأربعين سنة، وكان مولد النبي ص في آخر ملك أنوشروان.

قال هشام: وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة قال: وفي زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب ابو رسول الله ص، في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه

قال هشام: لما قوي شأن أنوشروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر- وأمه ماء السماء امرأة من النمر- فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو، آكل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك.

قال: وانوشروان غزا بزجان، ثم رجع فبنى الباب والأبواب وقال هشام: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان- وأمه هر ابنة النعمان- سبع سنين.

ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر- وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر اخت الحارث بن عمرو الكندى- أربع سنين.

ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور ابن أسس بن ربي بن نمارة بن لخم، ثلاث سنين.

ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء- وهو ذو القرنين، قال: وإنما سمى بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره، وأمه ماء السماء، وهي مارية ابنه عوف ابن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناه بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة.

ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر- وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار- ست عشرة سنة.

قال: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله ص، وذلك في زمن أنوشروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت

** ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها **

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر بها في بدءته لم يهج أهلها، وخلف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة، أحد بني النجار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول، فخرجوا لقتاله وكان تبع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم- من بني عدي بن النجار يقال له أحمر- رجلا من أصحاب تبع، وجده في عذق له يجده، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبره، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان فزاد ذلك تبعا عليهم حنقا.

فبينا تبع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه- قال: فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره.

فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة، ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما وكان اسم الحبرين كعبا وأسدا، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عمرو، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية، فقال شاعر من الانصار وهو خال ابن عبد العزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، في حربهم وحرب تبع، يفتخر بعمرو بن طلة ويذكر فضله وامتناعه:

أصحا أم انتهى ذكره أم قضى من لذة وطره

أم تذكرت الشباب وما ذكرك الشباب أو عصره!

إنها حرب رباعية مثلها أتى الفتى عبرة

فسلا عمران أو فسلا أسدا إذ يغدو مع الزهره

فيلق فيها أبو كرب سابغا أبدانها ذفره

ثم قالوا من يؤم بها أبني عوف أم النجره

يا بني النجار إن لنا فيهم قبل الأوان تره

فتلقتهم عشنقة مدها كالغبية النثره

سيد سامى الملوك ومن يغز عمرا لا يجد قدره

وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تبع:

تكلفني من تكاليفها نخيل الأساويف والمنصعة

نخيلا حمتها بنو مالك خيول أبي كرب المفظعة

قال: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة- وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدف من جمدان بين عسفان وأمج، في طريقه بين مكة والمدينة، أتاه نفر من هذيل، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى قالوا: بيت بمكة يعبده أهله، ويصلون عنده وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده.

فلما اجمع لما قالوا، أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له:

ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه؟

قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟

قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله، وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له.

فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة، وأري في المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه احسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع- فيما يزعمون- أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، والا يقربوه دما ولا ميته ولا مئلاثا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحا، ثم خرج متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحه ابن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم- قال:

وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم- فلما قالوا ذلك لتبع قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر فصبروا، حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما، لم تضرهما، فأصفقت حمير عند ذلك على دينه، فمن هناك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير، إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم، فخل بيننا وبينه، قال: فشأنكما به، فاستخرجا منه- فيما يزعم أهل اليمن- كلبا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن- كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه.

فقال تبع في مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته تطهيره وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله ص:

ما بال نومك مثل نوم الأرمد أرقا كأنك لا تزال تسهد

حنقا على سبطين حلا يثربا أولى لهم بعقاب يوم مفسد!

ولقد نزلت من المدينة منزلا طاب المبيت به وطاب المرقد

وجعلت عرصة منزل برباوة بين العقيق إلى بقيع الغرقد

ولقد تركنا لأبها وقرارها وسباخها فرشت بقاع أجرد

ولقد هبطنا يثربا وصدورنا تغلي بلابلها بقتل محصد

ولقد حلفت يمين صبر مؤليا قسما لعمرك ليس بالمتردد

إن جئت يثرب لا أغادر وسطها عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد

حتى أتاني من قريظة عالم حبر لعمرك في اليهود مسود

قال ازدجر عن قرية محفوظة لنبي مكة من قريش مهتد

فعفوت عنهم عفو غير مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وتركتهم لله أرجو عفوه يوم الحساب من الجحيم الموقد

ولقد تركت بها له من قومنا نفرا أولي حسب وبأس يحمد

نفرا يكون النصر في أعقابهم أرجو بذاك ثواب رب محمد

ما كنت أحسب أن بيتا طاهرا لله في بطحاء مكة يعبد

حتى أتاني من هذيل أعبد بالدف من جمدان فوق المسند

قالوا بمكة بيت مال داثر وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد

فأردت أمرا حال ربي دونه والله يدفع عن خراب المسجد

فرددت ما أملت فيه وفيهم وتركتهم مثلا لأهل المشهد

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد

ملك المشارق والمغارب يبتغي أسباب علم من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد

من قبله بلقيس كانت عمتي ملكتهم حتى أتاها الهدهد

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: هذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره:

حنقا على سبطين حلا يثربا أولى لهم بعقاب يوم مفسد

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهنا، فأقام عنده، فلما أراد توديعه قال تبع: ما بقي من علمك؟ قال: بقي خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي؟ قال:

لا إلا لملك غسان نجل، قال: فهل تجد ملكا يزيد عليه؟ قال: نعم، قال: ولمن؟ قال أجده لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجيء، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفه النبي ص.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن حدثه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن، ممن يروي الأحاديث، فحدث بعضهم بعض الحديث، وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أن ملكا من لخم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير، يقال له: ربيعة بن نصر، وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الأول، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي ابن سبإ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاويه ابن جشم بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع ابن العرنجج حمير بن سبإ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان:

وكان اسم سبإ عبد شمس، وإنما سمي سبأ- فيما يزعمون- لأنه كان أول من سبى في العرب.

فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التبابعة، ثم كان بعد تبع الأول زيد بن عمرو، وشمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار، ابن عمه.

وشمر يرعش الذي غزا الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة، وهو الذى يقول:

أنا شمر أبو كرب اليماني جلبت الخيل من يمن وشام

لآتي أعبدا مردوا علينا وراء الصين في عثم ويام

فنحكم في بلادهم بحكم سواء لا يجاوزه غلام

القصيدة كلها.

قال: ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الاول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وقال ما قال من الشعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمي، فلما هلك ربيعة بن نصر، رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، وفظع بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما إلا جمعه إليه، ثم قال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم اطمان إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت- واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان، وكان يقال لسطيح: الذئبي، لنسبته إلى ذئب بن عدي وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار فلما قالوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه قبل شق سطيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك ان أصبتها اصبت تأويلها، قال- أفعل، رأيت جمجمة - قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حممه- خرجت من ظلمه، فوقعت بأرض ثهمه، فأكلت منها كل ذات جمجمه فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: احلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش. قال له الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لغائظ موجع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين قال: فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها هاربين قال الملك: ومن ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر يا سطيح من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.

فلما فرغ قدم عليه شق، فدعاه، فقال له: يا شق، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها- كما قال لسطيح، وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان- قال:

نعم، رأيت جمجمه، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمه، فأكلت منها كل ذات نسمه فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئا واحدا، قال له: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك في تأويلها؟ قال: احلف بما بين الحرتين من انسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفله البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال: أحق ما تقول يا شق؟ قال: إي ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان ابن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح وشق:

ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما نطق الذئبي إذ سجعا

وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي، لأنه من ولد ذئب بن عدي فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان اسعد ابى كرب ابن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم- ولكل أمر سبب- ان حسان ابن تبان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبله تفعل، حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلموا أخا له كان معه في جيشه، يقال له عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان، إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك- او كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله- وكان ذو رعين شريفا من حمير- عمد إلى صحيفة فكتب فيها:

ألا من يشتري سهرا بنوم سعيد من يبيت قرير عين

فإما حمير غدرت وخانت فمعذرة الإله لذي رعين

ثم ختم عليها ثم أتى بها عمرا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب، فإن لي فيه بغية وحاجة، ففعل فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله، قال لعمرو:

يا عمرو لا تعجل علي منيتي فالملك تأخذه بغير حشود

فأبى إلا قتله، فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن فقال قائل من حمير:

إن لله من رأى مثل حسان قتيلا في سالف الأحقاب

قتلته الأقيال من خشية الجيش وقالوا له لباب لباب

ميتكم خيرنا وحيكم رب علينا وكلكم اربابى

فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبي كرب اليمن منع منه النوم، وسلط عليه السهر- فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به، ويقول: منع مني النوم فلا اقدر عليه، وقد جهدنى السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلا ذهب نومه، وسلط عليه السهر، فلما قيل له ذلك، جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن، حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله قال: إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي؟

قال: اخرج الكتاب الذى كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر:

ألا من يشتري سهرا بنوم سعيد من يبيت قرير عين

فإما حمير غدرت وخانت فمعذرة الإله لذي رعين

فلما قرأهما عمرو قال له ذو رعين: قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني، فلما أبيت علي وضعت هذا الكتاب عندك حجة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاة لي عندك، فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:

شرينا النوم إذ عصبت علاب بتسهيد وعقد غير مين

تنادوا عند غدرهم: لباب وقد برزت معاذر ذي رعين

قتلنا من تولى المكر منهم بواء بابن رهم غير دين

قتلناهم بحسان بن رهم وحسان قتيل الثائرين

قتلناهم فلا بقيا عليهم وقرت عند ذاكم كل عين

عيون نوادب يبكين شجوا حرائر من نساء الفيلقين

أوانس بالعشاء وهن حور إذا طلعت فروع الشعريين

فنعرف بالوفاء إذا انتمينا ومن يغدر نباينه ببين

فضلنا الناس كلهم جميعا كفضل الإبرزي على اللجين

ملكنا الناس كلهم جميعا لنا الأسباب بعد التبعين

ملكنا بعد داود زمانا وعبدنا ملوك المشرقين

زبرنا في ظفار زبور مجد ليقرأه قروم القريتين

فنحن الطالبون لكل وتر إذا قال المقاول أين أين!

سأشفي من ولاة المكر نفسي وكان المكر حينهم وحيني

أطعتهم فلم أرشد وكانوا غواة أهلكوا حسبي وزيني

قال: ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك.

قال هشام بن محمد: عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان، لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله- قال: وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك، وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد.

رجع الحديث الى حديث ابن اسحق قال: فمرج أمر حمير عند ذلك، وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر، فملكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير، يذكر ما ضيعت حمير من أمرها، وفرقت جماعتها، ونفت من خيارها:

تقتل أبناها وتنفي سراتها وتبني بأيديهم لها الذل حمير

تدمر دنياها بطيش حلومها وما ضيعت من دينها فهو أكثر

كذاك القرون قبل ذاك بظلمها وإسرافها تأتي الشرور فتخسر

وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم- وكان امرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان- مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك أبدا، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكا، فجعله في فيه- أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله، فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه، حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الاذعار أخو حسان- وزرعة كان صبيا صغيرا حين أصيب أخوه، فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل- فبعث اليه لخنيعه ينوف ذو شناتر، ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله، ثم احتز رأسه، فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطب أم يباس؟ فقال: سل نخماس استرطبان ذو نواس، استرطبان ذو نواس، لا باس فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت، إذ أرحتنا من هذا الخبيث.

فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل، أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون، فحملهم عليه فدانوا به قال هشام: زرعة ذو نواس، فلما تهود سمي يوسف، وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبه اليماني، أنه حدثهم إن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا، مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسي، وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، إذ فطن لشأنه رجل من أهلها، يقال له صالح، فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله، فكان يتبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلي، فبينا هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين- الحية ذات الرءوس السبعة- فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدر ما أصابها، فخافها عليه فعيل عوله، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قال: ما شئت، أمري كما ترى، فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفي، وإذا دعى إلى أحد به الضر لم يأته.

وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له:

إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبا، ثم جاءه فقال له:

يا فيميون، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قال: كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي، ثم قال: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبي: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبي ليس به بأس.

وعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشام مر بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال:

أفيميون! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك، فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى نقوم علي، فإني ميت الآن قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدى عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران- وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلي النساء ثم خرجوا، فعكفوا عليها يوما- فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحا، فكان فيميون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه- يصلي، استسرج له البيت نورا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنما أنتم في باطل، وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له قال: فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهر ثم صلى ركعتين، ثم دعا الله عليهما، فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعه من دين عيسى بن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض.

فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب.

فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، مولى لبني هاشم، عن محمد بن كعب القرظي قال: وحدثني محمد بن إسحاق أيضا عن بعض أهل نجران إن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران- ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد- ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر، مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم، فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم- وكان يعلمه- فكتمه إياه وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله، أخشى ضعفك عنه فلما ابى عليه- والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها، لم يضره شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قال، كذا وكذا، قال: وكيف علمته؟ فاخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي، قد أصبته فامسك على نفسك، وما أظن أن تفعل فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك! قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني، فوحد الله ذلك الملك، وشهد بشهاده عبد الله ابن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران

فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك والله اعلم.

قال: فسار اليهم ذو نواس بجنوده من حمير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم.

قال: وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول: إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض.

قال: وأثبت الحديثين عندي الذي حدثني أنه دوس ذو ثعلبان.

ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن

ففي ذي نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: «قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود» الى قوله: «بالله العزيز الحميد» .

يقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم.

ويقال: عبد الله بن الثامر قتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين، وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه.

وأما هشام بن محمد فإنه قال: لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان قال: وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهوديا، فقدم عليه يهودي، يقال له دوس من أهل نجران، فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما، واستنصره عليهم- وأهل نجران نصارى- فحمى ذو نواس لليهودية، فغزا أهل نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نجران، حتى قدم على ملك الحبشه، فاعلمه ما ركبوا به، وأتاه الانجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي بسفن أحمل فيها الرجال.

فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث اليه بالإنجيل المحرق، فبعث اليه قيصر بسفن كثيرة.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، إنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فامسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربي الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا.

وخرج دوس ذو ثعلبان، حين أعجز القوم على وجهه ذلك، حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود، ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك، واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة، يقال له ارياط، وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، واخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم.

فخرج ارياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان، حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق، لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال، ثم انهزموا، ودخلها ارياط بجموعه، فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر، حتى أفضى به إلى غمره، فأقحمه فيه، فكان آخر العهد به.

ووطيء ارياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة، فقال:

لا كدوس ولا كإعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مثل باليمن إلى اليوم.

وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير، وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه، وما هدم من حصون اليمن، وكان ارياط قد اخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان، حصونا لم يكن في الناس مثلها، فقال:

هونك ليس يرد الدمع ما فاتا لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا

أبعد بينون لا عين ولا أثر وبعد سلحين يبني الناس أبياتا!

وقال ذو جدن الحميرى في ذلك:

دعينى لا ابالك لن تطيقي لحاك الله قد أنزفت ريقي

لدى عزف القيان إذ انتشينا وإذ نسقى من الخمر الرحيق

وشرب الخمر ليس على عارا إذا لم يشكني فيها رفيقي

فإن الموت لا ينهاه ناه ولو شرب الشفاء مع النشوق

ولا مترهب في أسطوان يناطح جدره بيض الأنوق

وغمدان الذي حدثت عنه بنوه ممسكا في رأس نيق

بمنهمة وأسفله جروب وحر الموحل اللثق الزليق

مصابيح السليط تلوح فيه إذا يمسي كتوماض البروق

ونخلته التي غرست اليه يكاد البسر يهصر بالعذوق

فأصبح بعد جدته رمادا وغير حسنه لهب الحريق

وأسلم ذو نواس مستميتا وحذر قومه ضنك المضيق

وقال ابن الذئبة الثقفي، وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم:

لعمرك ما للفتى من مفر مع الموت يلحقه والكبر

لعمرك ما للفتى صحرة لعمرك ما إن له من وزر

أبعد قبائل من حمير أتوا ذا صباح بذات العبر

بالب الوب وحرابة كمثل السماء قبيل المطر

يصم صياحهم المقربات وينفون من قاتلوا بالزمر

سعالى كمثل عديد التراب ييبس منهم رطاب الشجر

وأما هشام بن محمد، فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب قال: فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا، فأبوا وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم:

اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح، وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية: أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم، فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، فجهز إليه سبعين ألفا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم، فلما صاروا إلى صنعاء وراى ذو نواس الا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به.

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com