Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم — تتمة ٢
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 44 of 356
وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها، ولم يبعث إلى النجاشى بشيء، فقيل للنجاشي: إنه قد خلع طاعتك، ورأى أنه قد استغنى بنفسه، فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه، يقال له ارياط، فلما حل بساحته، بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين، والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضي بذلك ارياط، وأجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعا يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لارياط عبدا له يقال له أرنجده، في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق ارياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم، ونهض ارنجده من الحفرة، فزرق ارياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتكم فقال: لا تدخل امراه اليمن على زوجها حتى يبدأ بي، قال: لك ذاك، فغبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد انى لكم أن تكونوا أحرارا، وبلغ النجاشي قتل ارياط، فالى الا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة، ويطأ بلاده، وبلغ أبرهة أليته، فكتب إليه: أيها الملك، إنما كان ارياط عبدك، وأنا عبدك، قدم علي يريد توهين ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا، فإن أمرته بالكف عني، وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنما سلطاني لك، وقد بلغني أنك حلفت الا تنتهي حتى تهريق دمي، وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي، وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتم ايها الملك يدك عندي، فإنما أنا عبدك وعزي عزك.
فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لي وأبرز لك، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.
فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة- يريد يافوخه- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته، فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على ارياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عتودة في قتله ارياط: أنا عتودة، من فرقة أردة، لا أب ولا أم نجده، أي يقول: قتلك عبده، قال: فقال الأشرم عند ذلك لعتودة: حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عتودة: حكمي ألا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا، وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري ثم حلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جرابا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي، وكتب إليه: أيها الملك، إنما كان ارياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبط لها وأسوس لها، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن، ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه، وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان- وأبو ريحانة ذو جدن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينا، ثم عدا على عتودة رجل من حمير- أو من خثعم- فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله- وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية- قال: قد انى لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال، إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته، ولا أنعمته عينا، وايم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه.
قال: ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب.
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النساة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟
فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، لما سمع من قولك: أصرف إليه حاج العرب، فغضب فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكواني، ثم السلمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له قيس بن خزاعي، فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخصى، فلما أتى القوم بغدائه قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعي، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني.
ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي، وأمره على مضر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس، كنيسته التي بناها فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة- وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له- بعثوا إليه رجلا من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي، فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا، وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت.
وأما هشام بن محمد، فإنه قال: بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجبا لم ير مثله، بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرها وذكرها، وسأله المعونة له على ذلك فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام، وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها: إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدم البيت، فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل، فلقيه ذو نفر الحميري، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك، إنما أنا عبدك فاستبقني، فإن حياتي خير لك من قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيه نفيل ابن حبيب الخثعمي، فقاتله فهزم أصحابه، وأسره، فسأله أن يستبقيه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت، وخرج معه بالفيل- قال:
وسمعت العرب بذلك فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام- فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرا، فأتي به، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق- وكان أبرهة رجلا حليما- ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا، فأتي به، فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم، شهران وناهس بالسمع والطاعة، فأعفاه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على الطريق، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد- يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكة- يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك من يدلك.
فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس.
ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميري الى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له:
إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يرد حربي فأتني به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم- أو كما قال- فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا من دفع عنه- أو كما قال له- فقال له حناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك- فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر- وكان له صديقا- حتى دل عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك قال: حسبي.
فبعث ذو نفر إلى أنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت.
قال: أفعل، فكلم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قال: فأذن له أبرهة- وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما- فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك إلى الملك، فقال له ذلك الترجمان، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب:
انى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع مني، قال:
أنت وذاك، اردد إلي إبلي.
وكان- فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة- وهو يومئذ سيد بنى كنانه- وخويلد بن واثله الهذلي- وهو يومئذ سيد هذيل- فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم والله أعلم وكان أبرهة قد رد على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا
ثم قال أيضا:
لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك
فلئن فعلت فربما أولى فأمر ما بدا لك
ولئن فعلت فانه امر تتم به فعالك
جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك
وقال أيضا:
وكنت إذا أتى باغ بسلم نرجي أن تكون لنا كذلك
فولوا لم ينالوا غير خزي وكان الحين يهلكهم هنالك
ولم أسمع بأرجس من رجال أرادوا العز فانتهكوا حرامك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبى جيشه- وكان اسم الفيل محمودا- وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب غير الغالب!
وقال نفيل أيضا:
ألا حييت عنا يا ردينا نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت ولم تريه لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتنى وحمدت رأيي ولم تأسى على ما فات بينا
حمدت الله إذ عاينت طيرا وخفت حجارة تلقى علينا
فكل القوم يسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينا!
فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه- فيما يزعمون.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه قال: وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن السلماني، عن ابيه قال: وحدثنا عبد الله ابن عمرو بن زهير الكعبي، عن أبي مالك الحميري عن عطاء بن يسار. قال: وحدثنا محمد بن أبي سعيد الثقفي عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي قال: وحدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الله ابن كثير، عن مجاهد، عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته، فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن، ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجون إلى بيت الله بمكة، قال: مم هو؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته؟ قالوا: ما ياتى هاهنا من الوصائل، قال: والمسيح لأبنين لكم خيرا منه! فبنى لهم بيتا، عمله برخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة، وحفه بالجوهر، وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل لها حجابا، وكان يوقد بالمندل، ويلطخ جدره بالمسك، فيسوده حتى يغيب الجوهر وأمر الناس فحجوه، فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون، ونسكوا له، وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك، فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته، وجمع جيفا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضبا شديدا، وقال: إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم، لأنقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود- وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة- فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير، ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب، وكان نفيل صديقا لعبد المطلب، فكلمه في إبله، فكلم نفيل أبرهة، فقال: أيها الملك، قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدرا، وأقدمهم شرفا، يحمل على الجياد، ويعطي الأموال، ويطعم ما هبت الريح فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك! قال: ترد علي إبلي، فقال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور، وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم، فقال عبد المطلب: اردد علي إبلي، ودونك البيت، فإن له ربا سيمنعه فأمر برد إبله عليه، فلما قبضها قلدها النعال، وأشعرها، وجعلها هديا، وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطلب:
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك
ان كنت تاركهم و قبلتنا فأمر ما بدا لك
قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طير منها ثلاثة أحجار:
حجران في رجليه وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئا إلا هشمته، وإلا نفط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلا أتيا، فذهب بهم فألقاهم في البحر
قال: وولى أبرهة ومن بقي معه هرابا، فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحصب ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلا، ونزل عبد المطلب من حراء، فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا: أنت كنت أعلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي بها مرار الشجر: الحرمل والحنظل والعشر، ذلك العام.
قال ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة- وبه كان يكنى- فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة، فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب.
قال: ولما رد الله الحبشة عن مكة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عظمت العرب قريشا، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفاهم مئونة عدوهم.
قال: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق ابن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن- وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا، واخرجوا الحبشه من اليمن اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة- خرج سيف بن ذي يزن الحميري، وكان يكنى بأبي مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما هم فيه، وطلب اليه أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر- وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق- فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل، فقال له النعمان:
إن لي على كسرى وفماده في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي قال: فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى، فخرج معه الى كسرى، فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته، ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له، وسأل أن يأذن له عليه، ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل العظيم، مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك، ثم قال: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى:
أي الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني عليهم، وتخرجهم عني، ويكون ملك بلادي لك، فأنت أحب إلينا منهم قال:
بعدت أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير، إنما بها الشاء والبعير، وذلك مما لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة.
فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن، خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى، فقيل له:
العربي الذى اعطيته ما أعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء.
فقال كسرى: إن لهذا الرجل لشأنا، ائتوني به، فلما دخل عليه قال: عمدت إلي حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة- يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها- إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم، ويدفع عني الذل، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك فأقام عنده.
وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره، فقال:
ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل منهم: أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردت بهم، وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك.
فقال: إن هذا الرأي! أحصوا لي كم في سجوني من الرجال، فحسبوا له، فوجدوا في سجونه ثمانمائه رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا، اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز- وكان ذا سن- فبعثه مع سيف، وأمره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كل سفينة مائة رجل، وما يصلحهم في البحر فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلص إلى ساحل اليمن من ارض عدن ست سفائن، فيهن ستمائه رجل، فيهم وهرز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنا بأرض اليمن، قال وهرز لسيف: ما عندك؟ قال: ما شئت من رجل عربي، وفرس عربي، ثم اجعل رجلي مع رجلك، حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قال وهرز: أنصفت وأحسنت! فجمع إليه سيف من استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له كان معه- يقال له نوزاذ- على جريدة خيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال، ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه، فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم، وجدا على قتالهم.
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز: أروني ملكهم، فقالوا:
ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال:
نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه فوقفوا طويلا، ثم قال: علا م هو؟
قالوا: قد تحول على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلا، ثم قال: علا م هو؟ قالوا: قد تحول على البغلة، قال: ابنة الحمار! ذل وذل ملكه، هل تسمعون إني سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه- وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها- ثم أمر بحاجبيه فعصبا له، ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكس عن دابته، واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفرس، وانهزمت الحبشة، فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه، فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكسة أبدا، اهدموا الباب.
فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه.
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إني قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت من كان بها من الحبشة، وبعث إليه بالأموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم، يبعث إليه في كل عام وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه فانصرف إليه وهرز، وملك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن.
فهذا ما حدثنا به ابن حميد، عن سلمة عن ابن إسحاق، من أمر حمير والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن.
وأما هشام بن محمد، فإنه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق.
قال: وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ، ونفى الحبشة عن اليمن.
قال: وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن، فولدت له غلاما سماه معد يكرب.
وكانت ذات جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مرة، فاستنكحها، فخرج أبو مرة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر- أظنه عمرو بن هند- فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا، يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال: لا تعجل، فإن لي عليه في كل سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قبله حتى وفد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كسرى، فذكر له شرف ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه، فألطفه وأحسن مسألته، وقال له: ما الأمر الذي نزع بك؟ قال: أيها الملك، إن السودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منا أمورا شنيعة، أجل الملك عن ذكرها، فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه، مؤملين له، راجين ان يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم! فإن رأى الملك أن يصدق ظننا، ويحقق رجاءنا، ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه- فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا، وليست كما يلي الملك من بلاد العرب- فعل.
قال: قد علمت أن بلادكم كما وصفت، فأي السودان غلبوا عليها؟
الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، قال أنوشروان: إني لأحب أن أصدق ظنك، وأن تنصرف بحاجتك، ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب، وأكره أن أغرره بجندي، ولي فيما سألت نظر، وأنت على ما تحب.
وامر بإنزاله وإكرامه، فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى، فلما ترجمت له، أعجب بها.
وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الاشرم غلاما، فسماه مسروقا، ونشا معديكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن اباك! وكان معديكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: من أبي؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، ما هو أبي، ولو كان أبي ما سبني فلان، فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض، واقتصت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبث بعد ذلك لبثا
ثم إن الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم، وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين، فانكفأ راجعا إلى كسرى، فاعترضه يوما وقد ركب، فصاح به: أيها الملك، إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل، وقال: من أنت؟ وما ميراثك؟
قال: أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، الذي وعدته أن تنصره، فمات ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى، وأمر له بمال فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: إني لم آتك للمال، إنما جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموبذان: إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدم من عدته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجههم معه، فإن أصابوا ظفرا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب.
قال كسرى: هذا الرأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائه نفر، فقود عليهم قائدا من أساورته، يقال له وهرز، كان كسرى يعدله بألف أسوار، وقواهم وجهزهم وامر بحملهم في ثمانية سفائن، في كل سفينة مائة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلمت ست، فخرجوا بساحل حضرموت، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير، ونزل وهرز على سيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلا من أرى، ومعي من ترى! لقد غررت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذنت لك، فرجعت إلى بلادك ولم أهجك، ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببت ناجزتك الساعة، وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك، وتشاور أصحابك.
فأعظم وهرز أمرهم، ورأى أنه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق: بل تضرب بيني وبينك أجلا، وتعطيني موثقا وعهدا، وتأخذ مثله مني، ألا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل، ونرى رأينا.
ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كل واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه- ووهرز لا يشعر به- فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فلم قتلتم ابني؟ فأرسل إليه مسروق: إن ابنك حمل علينا، وتوسط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابن زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا ثم أمر فرمي به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه، وحلف ألا يشرب خمرا، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم.
فلما انقضى الأجل إلا يوما واحدا، أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق، ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوا أمر بفضله فألقي في البحر، ثم قام فيهم خطيبا، فقال:
أما ما حرقت من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا، وأما ما حرقت من ثيابكم، فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأما ما ألقيت من زادكم في البحر، فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا، فإن كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري، فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي أبدا فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفر.
فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه، وجعل البحر خلفه، وأقبل عليهم يحضهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خلتين، إما ظفروا بعدوهم، وإما ماتوا كراما، وأمرهم أن تكون قسيهم موترة، وقال:
إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان- ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك- وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة، لا يرى أن دون الظفر شيئا.
وكان وهرز قد كل بصره فقال: أروني عظيمهم، فقالوا: هو صاحب الفيل، ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا، فقالوا: قد ركب فرسا، فقال: ارفعوا لي حاجبي، وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نشابة، فوضعها في كبد قوسه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له إليه حتى أثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنها رشاء، حتى صكت جبهة مسروق، فسقط عن دابته، وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة، وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانها، وغنم من عسكرهم ما لا يحصى ولا يعد كثرة، وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين، لا يمتنعون منه فقال وهرز: أما حمير والأعراب فكفوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدا فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جمل له، فركضه يوما وليلة، ثم التفت، فإذا في الحقيبة نشابة، فقال: لأمك الويل! أبعد أم طول مسير- حسب أن النشابة لحقته وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرق عماله في المخاليف.
وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس، يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبي الصلت الثقفي:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ريم في البحر للأعداء أحوالا
اتى هرقل وقد شالت نعامتهم فلم يجد عنده بعض الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم إنك لعمري لقد أطولت قلقالا
من مثل كسرى شهنشاه الملوك له أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا!
لله درهم من عصبة خرجوا ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
غر جحاجحة، بيض مرازبة، أسد تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط في زمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج متكئا في رأس غمدان دارا منك محلالا
وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: فلما انصرف وهرز إلى كسرى، وملك سيفا على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها، حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خولا، واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينا غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم، حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله، صغيرا أو كبيرا، ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا قتله.
فأقبل وهرز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك، ولم يترك بها حبشيا إلا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمره كسرى عليها فكان عليها، وكان يجبيها إلى كسرى حتى هلك، وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز، فكان عليها حتى هلك، فأمر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز، فكان عليها.
ثم إن كسرى غضب عليه، فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفا لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدا ص.
وكان- فيما ذكر- بين كسرى أنوشروان وبين يخطيانوس ملك الروم، موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشام، يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم، كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب، يقال له المنذر بن النعمان- نائرة، فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أموالا من أمواله.
فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدا أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده، ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر من خالد، وألا يستخف بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه.
وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل بها، فاستعد كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرهاء، ومدينة منبج، ومدينة قنسرين، ومدينة حلب، ومدينة أنطاكية- وكانت أفضل مدينة بالشام- ومدينة فامية، ومدينة حمص، ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن، عنوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسبى أهل مدينة أنطاكية، ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة أنطاكية- على ما قد ذكرت قبل- وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسوج نهروان الأعلى، وطسوج نهروان الأوسط، وطسوج نهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم من أنطاكية إلى الرومية الأرزاق وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الأهواز، كان ولاه الرياسة على أصحاب صناعاته، يقال له: براز، رقة منه لذلك السبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته، ويسكنوا إليه وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنه على الا يغزو بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كل عام.
وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث، ومن كور الربع، ومن كور الخمس، ومن كور السدس، على قدر شربها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئا معلوما، فأمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الارض، سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك، وأذن للناس إذنا عاما، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى:
إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بانجامها في السنه في ثلاثة انجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا، أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا، كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال.
فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟
فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك- عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: يا ذا الكلفه المشئوم، من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدوي حتى يموت، فضربه بها الكتاب خاصة تبرءوا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج.
وإن كسرى اختار رجالا من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورءوس أهل الجزية ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون ان فيه صلاح رعيته، ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الحراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون، وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما، وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم، وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهما، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك، وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك، ولم يضعوا إلا على كل نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوي الناس في معاشهم، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب، ومن كان في خدمة الملك، وصيروها على طبقات: اثني عشر درهما وثمانية وستة وأربعة، كقدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم، كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله الأمر المتراضى، وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمة عليها، إلا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله، مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كل جريب ارض مزارع حنطه او شعير قفيزا من حنطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض وعلى النخل والزيتون والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس.
وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخا، فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله، ودفعت نسخة إلى عمال الخراج، ليجتبوا خراجهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك، ليأمر بحسبه للعمال، والا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتي له دون عشرين سنة.
وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب- نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية، يقال له بابك بن البيروان- ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده.
فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتكأته، ثم جلس على ما فرش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة على ما يلزمهم من السلاح، فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم، فأمرهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك، فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أكرم بتاج وسرير، فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة، ثم اتى بابك ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا، وجوشنا، وساقين، وسيفا، ورمحا، وترسا، وجرزا تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عمودا، وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا.
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة، فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما، ثم غرد داعي بابك بصوته، وقال: للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم.
فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك، إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني.
فقال كسرى: ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أود ذي الأود منهم.
ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معديكرب- ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن- جيشا إلى اليمن، فقتلوا من بها من السودان، واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند- وهي أرض الجوهر- قائدا من قواده في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة، وجوهرا كثيرا.
ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى، فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان، فبلغ ذلك كسرى، فبلغ ذلك منه مشقة، فدعا بموبذان موبذ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا، وقد تعاظم الناس ذلك، فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخبرنا برأيك في ذلك.
فقال له موبذان موبذ: فإني سمعت أيها الملك- عمرك الله- فقهاءنا يقولون: متى لا يغمر في بلدة العدل الجور، ويمحق، بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم، وتساقط إليهم ما يكرهون، وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منه إلا به، فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم، أو كلف مئونة في أمرهم.
وكان لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم.
وكان مولد رسول الله ص في عهد كسرى أنوشروان، عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة، وساق فيه إليها الفيل، يريد هدم بيت الله الحرام، وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى انوشروان وفي هذا العام كان يوم جبلة، وهو يوم من أيام العرب مذكور
** ذكر مولد رسول الله ص **
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده، قال: ولدت أنا ورسول الله ص عام الفيل.
قال: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم، أخا بني عمرو بن ليث: أنت اكبر أم رسول الله ص؟ قال: رسول الله ص أكبر مني، وأنا أقدم منه في الميلاد، ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا بعده بعام، ورأيت أمية بن عبد شمس شيخا كبيرا يقوده عبده فقال ابنه: يا قباث، أنت أعلم وما تقول
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن المطلب ابن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة، قال: ولدت انا ورسول الله ص عام الفيل، فنحن لدان.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد عبد الله بن عبد المطلب ابو رسول الله ص لاربع وعشرين مضت من سلطان كسرى انوشروان، وولد رسول الله ص في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه.
وحدثت عن يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله ص عام الفيل.
حدثت عن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: حدثنا الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، قال: سمعت عبد الملك ابن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله ص؟ قال: رسول الله ص أكبر مني وأنا أسن منه، ولد رسول الله ص عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: ولد رسول الله ص يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة مضت من شهر ربيع الأول، وقيل إنه ولد ص في الدار التي تعرف بدار ابن يوسف، وقيل: ان رسول الله ص كان وهبها لعقيل بن أبي طالب، فلم تزل في يد عقيل حتى توفي، فباعها ولده من محمد بن يوسف، أخي الحجاج بن يوسف، فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيت في الدار، حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون فيما يتحدث الناس- والله أعلم- أن آمنة بنت وهب أم رسول الله ص، كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله ص، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب، أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه.
وما أمرت أن تسميه.
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن عثمان بن أبي العاص، قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله ص- وكان ذلك ليل ولدته- قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو، حتى إني لأقول: لتقعن علي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة، فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، والتمس له الرضعاء، فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب، وأبو ذئيب عبد الله، بن الحارث، بن شجنة، بن جابر، بن رزام، بن ناصرة، بن فصيه، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر. واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزى، بن رفاعة، بن ملان، بن ناصره، بن فصيه، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر واسم إخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة ابنة الحارث، وخذامه ابنة الحارث وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به.
وهي حليمة ابنة عبد الله بن الحارث، أم رسول الله ص، ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم ص.
وأما غير ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة ابنة عبيد الله بن كعب بن مالك، عن بره ابنه ابى تجزاه، قالت: أول من ارضع رسول الله ص ثويبة، بلبن ابن لها- يقال له مسروح- أياما قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وارضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق- وحدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق وحدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: حدثنا المحاربي، عن ابن إسحاق وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني عمي محمد ابن سعيد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق- عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كانت حليمة ابنة ابى ذؤيب السعديه أم رسول الله ص التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها معها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئا، فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع، وما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذوه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ص فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا، غيري فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: إني لأكره أن أرجع من بين صواحباتي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! قالت: فذهبت إليه فأخذته وما حملني على ذلك إلا أني لم أجد غيره قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما- وما كان ينام قبل ذلك- وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنها لحافل، فحلب منها حتى شرب وشربت، حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة قالت: يقول لي صاحبي حين أصبحت: أتعلمين والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، اربعي علينا. أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأنا قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب! فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به، حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا لها: يا ظئر، لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة! قالت: فلم نزل بها حتى رددناه معنا قالت: فرجعنا به، فو الله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه قالت: فخرجت أنا وأبوه نشتد، فوجدناه قائما منتقعا وجهه، قالت: فالتزمه والتزمه أبوه، وقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو! قالت: فرجعنا إلى خبائنا قالت: وقال لي أبوه: والله يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر، وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت: قلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين قالت: ما هذا بشأنك، فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر، قالت: فتخوفت عليه الشيطان؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لبني لشأنا، أفلا أخبرك خبره؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من ارض الشام، ثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا محمد بن يعلى، عن عمر بن صبيح، عن ثور بن يزيد الشامي، عن مكحول الشامي، عن شداد بن أوس، قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ص، إذ أقبل شيخ من بني عامر، وهو مدرة قومه وسيدهم، من شيخ كبير يتوكأ على عصا، فمثل بين يدي النبي ص قائما، ونسبه الى جده، فقال: يا بن عبد المطلب، إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنك فوهت بعظيم، وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل، وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان، فما لك وللنبوة! ولكن لكل قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك، وبدء شانك، قال: فاعجب النبي ص بمسألته، ثم قال: يا أخا بني عامر، إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا، فاجلس، فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستقبله النبي ص بالحديث فقال: يا أخا بني عامر، إن حقيقة قولي وبدء شأني، أني دعوة أبي ابراهيم، وبشرى أخي عيسى بن مريم وإني كنت بكر أمي، وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد. ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور، قالت: فجعلت أتبع بصري النور، والنور يسبق بصري، حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها. ثم إنها ولدتني فنشأت، فلما أن نشأت بغضت إلي أوثان قريش، وبغض إلي الشعر، وكنت مسترضعا في بني ليث بن بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذ من اهلى في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة، إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب مليء ثلجا، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، وهو مسترضع فينا، من غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك! ولكن إن كنتم لا بد قاتليه، فاختاروا منا أينا شئتم، فليأتكم مكانه فاقتلوه، ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا، انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحى، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها ثم قال بيده يمنة منه، كأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي فامتلأ نورا، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا، ثم قال الثالث لصاحبه: تنح عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا، ثم قال للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: دعوه، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم قال: ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب، لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال: فبينا نحن كذلك، إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم، وإذا أمي- وهي ظئري- أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبوا علي فقبلوا رأسي وما بين عيني، فقالوا: حبذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظئري: يا وحيداه! فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد! إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئري: يا يتيماه، استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير! قال: فوصلوا بي إلى شفير الوادي، فلما بصرت بي أمي- وهي ظئري- قالت: يا بني ألا أراك حيا بعد! فجاءت حتى انكبت علي وضمتني الى صدرها، فو الذى نفسي بيده، إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن يدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت: يا هذا، ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قلبة فقال أبي- وهو زوج ظئري- ألا ترون كلامه كلام صحيح! إني لأرجو ألا يكون بابني بأس، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلما قصوا عليه قصتي قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام، فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره، فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب، يا للعرب! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فو اللات والعزى لئن تركتموه وأدرك، ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط! فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لأنت أعته وأجن من ابني هذا! فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر.
فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق، فأنبئني بأشياء أسألك عنها! قال: سل عنك- وكان النبي ص قبل ذلك يقول للسائل: سل عما شئت، وعما بدا لك، فقال للعامري يومئذ: سل عنك، لأنها لغة بني عامر، فكلمه بما علم- فقال له العامري: [أخبرني يا بن عبد المطلب ما يزيد في العلم؟ قال: التعلم، قال: فأخبرني ما يدل على العلم؟ قال النبي ص: السؤال، قال: فأخبرني ماذا يزيد في الشر؟ قال: التمادي، قال: فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور؟
قال: نعم،] [التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات،] و [إذا ذكر العبد ربه عند الرخاء، أغاثه عند البلاء] [، قال العامري: وكيف ذلك يا بن عبد المطلب؟ قال: ذلك بأن الله يقول: لا وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع له أبدا خوفين، إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة الفردوس، فيدوم له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق، وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه، قال: يا بن عبد المطلب، أخبرني إلام تدعو؟ قال: أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تخلع الأنداد، وتكفر باللات والعزى، وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، وتصوم شهرا من السنة، وتؤدي زكاة مالك، يطهرك الله بها ويطيب لك مالك، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، وبالجنة، والنار قال: يا بن عبد المطلب، فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال النبي ص: «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى» قال: يا بن عبد المطلب، هل مع هذا من الدنيا شيء؟ فإنه يعجبني الوطاءة من العيش! قال النبي ص: نعم، النصر والتمكن في البلاد قال: فأجاب وأناب] .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، أن نفرا من اصحاب رسول الله ص وسلم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، [قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذاني، فشقا بطني، ثم استخرجا منه قلبي، فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها] .
قال ابن إسحاق: هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ص، وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حامل به.
وأما هشام فإنه قال: توفي عبد الله أبو رسول الله، بعد ما اتى على رسول الله ص ثمانية وعشرون شهرا.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقدي: الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة- وهو مريض- فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة، في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ان أم رسول الله ص آمنه، توفيت- ورسول الله ص ابن ست سنين- بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.
وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني ابن جريج، عن عثمان بن صفوان، أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبي ذر بمكة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العباس ابن عبد الله بن معبد بن العباس، عن بعض أهله، أن عبد المطلب توفي ورسول الله ص ابن ثماني سنين، وكان بعضهم يقول: توفي عبد المطلب ورسول الله ابن عشر سنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان النبي ص في حجر أبي طالب بعد جده عبد المطلب، فيصبح ولد عبد المطلب غمصا رمصا، ويصبح ص صقيلا دهينا
** رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى بن قباذ انوشروان **
حدثنا علي بن حرب الموصلي، قال: حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي، قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه- وأتت له خمسون ومائة سنة- قال: لما كانت ليله ولد فيها رسول الله ص، ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.
فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فصبر تشجعا، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه
فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه ودعاهم فبيناهم كذلك إذ ورد عليه كتاب بخمود النار فازداد غما إلى غمه، فقال الموبذان:
وأنا أصلح الله الملك! قد رأيت في هذه الليلة وقص عليه الرؤيا في الإبل.
فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك- فقال: حادث يكون من عند العرب، فكتب عند ذلك:
من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد، فوجه إلي رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه.
فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيله الغساني، فلما قدم عليه، قال له: أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك، فإن كان عندي منه علم، وإلا أخبرته بمن يعلمه له، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك، وأتني بجوابه فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح- وقد أشفى على الموت- فسلم عليه وحياه، فلم يحر سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن! يا فاصل الخطة أعيت من ومن
أم فاز فازلم به شأو العنن أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن أزرق ممهى الناب صرار الأذن
أبيض فضفاض الرداء والبدن رسول قيل العجم يسرى للوسن
يجوب بي الارض علنداه شزن ترفعني وجن وتهوى بي وجن
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن حتى أتى عاري الجآجي والقطن
تلفه في الريح بوغاء الدمن كأنما حثحث من حضني ثكن
فلما سمع سطيح شعره، رفع رأسه وقال: عبد المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح:
إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست الشام لسطيح شأما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.
ثم قضى سطيح مكانه، فقام عبد المسيح إلى رحله وهو يقول:
شمر فإنك ماضي الهم شمير لا يفزعنك تفريق وتغيير
إن يك ملك بني ساسان أفرطهم فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما ربما أضحوا بمنزلة تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح مهران وإخوته والهرمزان وسابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا أن قد أقل، فمهجور ومحقور
وهم بنو الأم لما أن رأوا نشبا فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور
فلما قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور.
فملك منهم عشرة أربع سنين، وملك الباقون إلى ملك عثمان بن عفان
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: بعث وهرز بأموال وطرف من طرف اليمن إلى كسرى، فلما صارت ببلاد بني تميم، دعا صعصعة ابن ناجية بن عقال المجاشعي بني تميم إلى الوثوب عليه، فأبوا ذلك، فلما صارت في بلاد بني يربوع دعاهم إلى ذلك، فهابوه، فقال: يا بني يربوع، كأني بهذه العير قد مرت ببلاد بكر بن وائل، فوثبوا عليها فاستعانوا بها على حربكم! فلما سمعوا ذلك انتهبوها، وأخذ رجل من بني سليط يقال له النطف خرجا فيه جوهر، فكان يقال: أصاب كنز النطف، فصار مثلا، وأخذ صعصعة خصفة فيها سبائك فضة، وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فكساهم، وزودهم وحملهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى وكان لهوذة جمال وبيان، فأعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه، ودعا بعقد من در فعقد على رأسه، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثم سمي هوذة ذا التاج، وقال كسرى لهوذة: أرأيت هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا من قومك هم؟
قال: لا، قال: أصلح هم لك؟ قال: بيننا الموت، قال: قد أدركت بعض حاجتك ونلت ثأرك وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له:
إن بلادهم بلاد سوء، إنما هي مفاوز وصحارى لا يهتدى لمسالكها، وماؤهم من الآبار، ولا يؤمن أن يعوروها فيهلك جندك وأشير إليه أن يكتب إلى عامله بالبحرين وهو آزاذفروز بن جشنس الذي سمته العرب المكعبر- وإنما سمي المكعبر، لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل وآلى ألا يدع من بني تميم عينا تطرف- ففعل، ووجه له رسولا ودعا بهوذة فجدد له كرامة وصلة وقال: سر مع رسولي هذا فاشفني واشتف، فأقبل هوذة والرسول معه حتى صار إلى المكعبر، وذلك قريب من أيام اللقاط، وكان بنو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هجر، للميرة واللقاط، فنادى منادى المكعبر: من كان هاهنا من بني تميم فليحضر فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام يقسم فيهم، فحضروا، فأدخلهم المشقر- وهو حصن حياله حصن يقال له الصفا، وبينهما نهر يقال له محلم- وكان الذي بنى المشقر رجلا من أساورة كسرى يقال له: بسك بن ماهبوذ، كان كسرى وجهه لبنائه، فلما ابتدأه قيل له: إن هؤلاء الفعلة لا يقيمون بهذا الموضع إلا أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بهم تم بناؤك، وأقاموا عليه حتى يفرغوا منه، فنقل إليهم الفواجر من ناحية السواد والأهواز، وحملت إليهم روايا الخمر من أرض فارس في البحر، فتناكحوا وتوالدوا، فكانوا جل أهل مدينة هجر، وتكلم القوم بالعربية، وكانت دعوتهم إلى عبد القيس، فلما جاء الإسلام قالوا لعبد القيس:
قد علمتم عددنا وعدتنا وعظيم غنائنا، فأدخلونا فيكم وزوجونا، قالوا: لا، ولكن أقيموا على حالكم، فأنتم إخواننا وموالينا، فقال رجل من عبد القيس: يا معاشر عبد القيس، أطيعوني وألحقوهم، فإنه ليس عن مثل هؤلاء مرغب، فقال رجل من القوم: اما تستحي! أتأمرنا أن ندخل فينا من قد عرفت أوله وأصله! قال: إنكم إن لم تفعلوا ألحقهم غيركم من العرب، قال: إذا لا نستوحش لهم، فتفرق القوم في العرب، وبقيت في عبد القيس منهم بقية فانتموا إليهم، فلم يردوهم عن ذلك فلما أدخل المكعبر بني تميم المشقر قتل رجالهم واستبقى الغلمان، وقتل يومئذ قعنب الرياحي- وكان فارس بني يربوع- قتله رجلان من شن كانا ينوبان الملوك، وجعل الغلمان في السفن، فعبر بهم إلى فارس، فخصوا منهم بشرا قال هبيرة بن حدير العدوي: رجع إلينا بعد ما فتحت إصطخر عدة منهم، أحدهم خصي والآخر خياط وشد رجل من بني تميم، يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج، فقال:
تذكرت هندا لات حين تذكر تذكرتها ودونها سير أشهر
حجازية علوية حل أهلها مصاب الخريف بين زور ومنور
ألا هل أتى قومي على النأي أنني حميت ذماري يوم باب المشقر
ضربت رتاج الباب بالسيف ضربة تفرج منها كل باب مضبر
وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، ففي ذلك يقول الأعشى:
سائل تميما به أيام صفقتهم لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في غبراء مظلمة لا يستطيعون بعد الضر منتفعا
فقال للملك اطلق منهم مائة رسلا من القول مخفوضا وما رفعا
ففك عن مائة منهم إسارهم وأصبحوا كلهم من غله خلعا
بهم تقرب يوم الفصح ضاحية يرجو الإله بما اسدى وما صنعا
فلا يرون بذاكم نعمة سبقت إن قال قائلها حقا بها وسعا
يصف بني تميم بالكفر لنعمته.
قال: فلما حضرت وهرز الوفاة- وذلك في آخر ملك انوشروان- دعا بقوسه ونشابته، ثم قال: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى وقال: انظروا حيث وقعت نشابتى فاجعلوا ناؤوسى هناك، فوقعت نشابته من وراء الدير، وهي الكنيسة التي عند نعم، وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز، فلما بلغ كسرى موت وهرز، بعث الى اليمن اسوارا يقال له وين، وكان جبارا مسرفا، فعزله هرمز بن كسرى، واستعمل مكانه المروزان، فأقام باليمن حتى ولد له بها، وبلغ ولده ثم هلك كسرى انوشروان، وكان ملكه ثمانيا واربعين سنه
** ذكر ملك هرمز بن كسرى انوشروان **
ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان، وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، فحدثت عن هشام بن محمد، قال: كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب، ذا نية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه عليهم مثل ذلك، ولما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه أشراف أهل مملكته، واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده، فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته بالعدل، شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء، وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف، فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها، ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها، ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره.
وكان ابنه كسرى في عسكره، فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها، فأخذ ذلك المركب، ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على انفاذ أمر هرمز في كسرى، ولا في أحد ممن كان معه في حشمه، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز، فامر ان يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرم كسرى، فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك، فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره، فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه، فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه، ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة، وأنه عار فوقع في محرثة، فأخذ من ساعة وقع فيها، وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك، وامر بالمركب فجدع أذناه، وبتر ذنبه، وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد، ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن، وكان ممره على بساتين وكروم، وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فراى فيه حصرما، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه، وقال له: اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ، فبلغ من إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه، عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه، وافتدى نفسه بها، ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه، منة من بها عليه، ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله، وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية، قد نزعه أخواله الأتراك، وكان مقصيا للأشراف، وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر الف رجل وستمائه رجل، وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم، وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم، وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم، ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى، فوقع فيها: إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين، فكذلك لأقوام لملكنا ولا ثبات له، مع استفسادنا من في بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا، فأقصروا عن البغي على النصارى، وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل والأديان، فيحمدوكم عليه، وتتوق أنفسهم إلى ملتكم وحدثت عن هشام بن محمد، قال: خرج على هرمز الترك- وقال غيره:
أقبل عليه شابة ملك الترك الأعظم- في ثلاثمائة ألف مقاتل، في سنة إحدى عشرة من ملكه، حتى صار إلى باذغيس وهراة وإن ملك الروم صار إلى الضواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدا له، وإن ملك الخزر صار في جمع عظيم إلى الباب والأبواب، فعاث وأخرب، وإن رجلين من العرب يقال لأحدهما: عباس الأحول، والآخر: عمرو الأزرق، نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطئ الفرات، وشنوا الغارة على أهل السواد، واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكتنافهم إياها أنها سميت منخلا كثير السمام وقيل: قد اكتنف بلاد الفرس الأعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتي القوس وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده، ويقول: رموا قناطر أنهار وأودية اجتاز عليها إلى بلادكم، واعقدوا القناطر على كل نهر من تلك الأنهار لا قنطرة له، وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم، لإجماعي بالمسير إليها من بلادكم فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وشاور فيه، فأجمع له على القصد لملك الترك، فوجه إليه رجلا من أهل الري يقال له بهرام بن بهرام جشنس- ويعرف بجوبين- في اثني عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب ويقال: إن هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية، فكانت عدتهم سبعين ألف مقاتل، فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذا حتى جاز هراة وباذغيس، ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكرا، فجرت بينهما رسائل وحروب، وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها وقيل: إن الرمي في ملك العجم كان لثلاثة نفر، منها رمية أرششياطين بين منوشهر، وأفراسياب، ومنها رمية سوخرا في الترك، ومنها رمية بهرام هذه واستباح عسكره وأقام بموضعه، فوافاه برموذة بن شابة، وكان يعدل بأبيه، فحاربه فهزمه، وحصره في بعض الحصون، ثم ألح عليه حتى استسلم له، فوجهه إلى هرمز أسيرا، وغنم مما كان في الحصن وكانت كنوزا عظيمة.
ويقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز لبهرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام سطوة هرمز، وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن، وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز، وإن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، فهرب أبرويز بهذا السبب إلى أذربيجان خوفا من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة والإصبهبذين، فأعطوه بيعتهم، ووثب العظماء والأشراف بالمدائن، وفيهم بندي وبسطام خالا أبرويز، فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله.
وبلغ الخبر أبرويز، فأقبل بمن شايعه من أذربيجان إلى دار الملك مسابقا لبهرام، فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام، والتقى هو وهو على شاطئ النهروان، فجرت بينهما مناظره ومواقفه، ودعا أبرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسني ولايته، فلم يقبل ذلك، وجرت بينهما حروب اضطرت أبرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثا بملكها بعد حرب شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض وقيل إنه كان مع بهرام جماعة من الأشداء، وكان فيهم ثلاثة نفر من وجوه الأتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الأتراك أحد، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز فلما كان الغد من ليلة البيات وقف أبرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه، قصده النفر الثلاثة من الأتراك، فخرج إليهم أبرويز فقتلهم بيده واحدا واحدا، ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغير، فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه، وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره، فأشار عليه بالمصير إلى موريق ملك الروم ليستنجده، فأحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام، ومضى في عدة يسيرة، منهم بندي وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنطاكية، وكاتب موريق فقبله، وزوجه ابنة له كانت عزيزة عليه، يقال لها: مريم وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في قول بعضهم، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام وأما هشام بن محمد فإنه قال: كان ملكه اثنتي عشره سنه
** ذكر ملك كسرى ابرويز بن هرمز **
ثم ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، وكان من أشد ملوكهم بطشا، وأنفذهم رأيا، وأبعدهم غورا، وبلغ- فيما ذكر- من البأس والنجدة والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعفة الدهر إياه ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمي أبرويز، وتفسيره بالعربية: المظفر وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز- لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك، حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم بالملك لنفسه دونه- سار إلى أذربيجان مكتتما، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك من الإصبهبذين وغيرهم، فأعطوه بيعتهم على نصرته، فلم يحدث في الأمر شيئا وقيل انه لما قتل آذين جشنس الموجه لمحاربة بهرام جوبين، انفض الجمع الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتبعهم جوبين، فاضطرب امر هرمز، وكتبت اخت آذين جشنس الى ابرويز- وكانت تربه- نخبره بضعف هرمز للحادث في آذين جشنس، وأن العظماء قد أجمعوا على خلعه، وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها.
فلما ورد الكتاب على أبرويز، جمع من أمكنه من أرمينية وأذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوه والأشراف مسرورين بموافاته، فتتوج بتاج الملك، وجلس على سريره، وقال: إن من ملتنا إيثار البر، ومن رأينا العمل بالخير، وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإن هرمز أبانا كان لكم قاضيا عادلا، فعليكم بلزوم السمع والطاعة.
فلما كان في اليوم الثالث، أتى أباه فسجد له، وقال: عمرك الله أيها الملك! إنك تعلم أني بريء مما أتى إليك المنافقون، وإني إنما تواريت ولحقت بأذربيجان خوفا من إقدامك على القتل فصدقه هرمز وقال له: إن لي إليك يا بني حاجتين، فأسعفني بهما، إحداهما: أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي والسمل لعيني، ولا تأخذك فيهم رأفة، والأخرى: أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول علي فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمد يدا إلى من آتى إليك ما آتى، فإن أدالني الله على المنافق، فأنا خليفتك وطوع يدك.
وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثا نحو المدائن، وأذكى أبرويز العيون عليه، فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح، فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده، فتزينوا وتسلحوا، وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام، والناس يدعون له، وقد احتوشه بندويه وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان، فلما عرف بهرام مكانه، ركب برذونا له أبلق كان معجبا به، وأقبل حاسرا ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيرا، وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج، يسايره معه درفش كابيان علمهم الأعظم منشورا، وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم، اكتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم، وتحول من الحداثة إلى الحنكة، واستوت لحيته وكمل شبابه، وعظم بدنه! فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف غلى شاطئ النهروان.
إذ قال كسرى لبعض من كان واقفا: أي هؤلاء بهرام؟ فقال أخ لبهرام يسمى كردي لم يزل مطيعا لأبرويز مؤثرا له: عمرك الله! صاحب البرذون الأبلق فبدأ كسرى فقال: إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا، وقد حسن بلاؤك عندنا، وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا، فقال له بهرام- وازداد من كسرى قربا-: لكني أختار لك يوما أصلبك فيه فامتلأ كسرى حزنا من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء، وامتد بينهما الكلام، فقال بهرام لأبرويز: يا بن الزانية المربى في خيام الأكراد! هذا ومثله، ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه، وجرى ذكر إيرش جد بهرام، فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كانت لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه.
وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية، من أتم النساء وأكملهن، وكان تزوجها، فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى، وأرادته على الدخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة، فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كان البيات فيها، أبرز كسرى نفسه، فلما رآه الأتراك الثلاثة قصدوه، فقتلهم بيده أبرويز، وحرض الناس على القتال فتبين فشلا، فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة، فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا، فأعلموا أبرويز ذلك، واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقا، ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا: سر على خير طائر، فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان، وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام، يرأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك، فإن القوم قد أطلوك، قال كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بندويه أنه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير، ففعلوا ذلك، وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل، فلما وافى بهرام بن سياوش، اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز، فوهمه بذلك أنه أبرويز، وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سياوش.
ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبرويز، وذمه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات وكلام كان كلهم منصرفا عنه، إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفا- ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين، وإن جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية، وكاتب موريق ملك الروم منها، وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرته، فأجابه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه، وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير أمرهم، ورجل آخر كانت قوته تعدل بقوة ألف رجل، واشترط عليه حياطته، وألا يسأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم فلما ورد القوم على أبرويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء، وفي القوم ثياذوس وسرجس والكمي الذي يعدل بألف رجل، وسار بهم حتى صار إلى أذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق، فوافاه هناك بندويه ورجل من أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل، وانقض الناس من فارس وأصبهان وخراسان إلى أبرويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمي الرومي ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا من العسكر بأربعة عشر رجلا- منهم كردي أخو بهرام، وبندويه وبسطام، وسابور بن افريان بن فرخزاد، وفرخهرمز- حربا شديدا وصل فيها بعضهم إلى بعض والمجوس تزعم أن أبرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلما ظن أنه قد تمكن منه، رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه وذكر أن المنجمين أجمعت أن أبرويز يملك ثمانيا وأربعين سنة وقد كان أبرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصف، فاضطرب على بهرام أمره ووجل، وعلم أنه لا حيلة له في أبرويز فانحاز نحو خراسان، ثم صار إلى الترك، وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين الف ألف وصرفهم إلى موريق ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتابا أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس، واحتج في ذلك أن أنوشروان كان هادن قيصر في الإتاوة التي أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده، واتخاذ بيوت النيران هنالك وإن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى، ولبث بهرام في الترك مكرما عند الملك، حتى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز، وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امراه الملك ولاطفها بذلك الجوهر وغيره، حتى دست لبهرام من قتله.
فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألها أن تزوج نفسها نطرا أخاه، وطلق خاتون بهذا السبب، فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابا لينا وصرفت نطرا، وإنها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، وإن نطرا التركي اتبعها في اثني عشر ألف مقاتل، وإن كردية قتلت نطرا بيدها ومضت لوجهها، وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانا من أبرويز فلما قدمت عليه تزوجها أبرويز واغتبط بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام، وأقبل أبرويز على بر موريق وإلطافه.
وإن الروم خلعوا- بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة- موريق وقتلوه وأبادوا ورثته- خلا ابن له هرب إلى كسرى- وملكوا عليهم رجلا يقال له قوفا.
فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه، امتعض من ذلك وأنف منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابن موريق اللاجئ إليه، وتوجه وملكه على الروم، ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنود كثيفة.
أما أحدهم فكان يقال له رميوزان، وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت وضعت في تابوت من ذهب، وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة، وألح عليهم حتى دلوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستخرجها، وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه
وأما القائد الآخر- وكان يقال له شاهين، وكان فاذوسبان المغرب- فإنه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد نوبة، وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان، وتدعى مرتبته شهربراز وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها، وخيم هنالك، فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق، وانتقاما له منهم، ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل.
فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم، بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس، عليه بزة، قائما في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع، وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة، فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه، وقال له: هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته، فاغزه فإن الظفر لك، وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام، قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم.
فأخبروه أنه مدال عليه، وأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذى فيه شهربراز، وسار حتى اوغل في بلاد أرمينية، ونزل نصيبين بعد سنة، وكان شاهين- فاذوسبان المغرب- بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إياه عن ذلك الثغر، وكان شهربراز مرابطا للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين، فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها- وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيما بدسكرة الملك- فنفذ راهزار لأمر كسرى، وعسكر حيث أمره، فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس، فأذكى راهزار العيون عليه، فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدتهم، كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه، أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك، عبى جنده وناهض الروم، فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر، فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل.
وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن، فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله، انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم، ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب، فاحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهربراز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصف ما كان من أمر الروم في عمله
وقد قيل: إن قول الله: «الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» ، إنما نزل في أمر أبرويز ملك فارس وملك الروم هرقل، وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الأخبار.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال: وأدنى الأرض يومئذ أذرعات، بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي ص وأصحابه وهم بمكة، فشق ذلك عليهم- وكان النبي ص يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم- وفرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا اصحاب النبي ص، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله: «الم غلبت الروم» - إلى- «وهم عن الآخرة هم غافلون» ، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال:
أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا! فلا تفرحوا ولا يقرن الله اعينكم، فو الله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبي بن خلف الجمحي، فقال: كذبت يا أبا فصيل! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله! فقال: أناحبك! عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء ابو بكر الى النبي ص، فأخبره، [فقال:
ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل] فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت، قال:
لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، قال: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى، فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل، قالت:
هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو انفذ من سنان، وهذا شهربراز وهو أحلم من كذا، فاستعمل أيهم شئت، قال: فانى قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم.
قال أبو بكر: فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال: أما إنك لو أتيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته.
قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر، أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمه بجيش من الروم، وبعث كسرى بشهربراز، فالتقيا بأذرعات وبصرى- وهي أدنى الشام إليكم- فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون، فأنزل الله: «الم غلبت الروم» الآيات ثم ذكر مثل حديث عكرمة، وزاد: فلم يبرح شهربراز يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، ثم مات كسرى فبلغهم موته، فانهزم شهربراز وأصحابه، وأديلت عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم.
قال: وقال عكرمة في حديثه: لما ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب الى شهربراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان فكتب إليه: أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتا في العدو فلا تفعل فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل علي برأسه فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان.
ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة، وقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه، فأعطه هذه الصحيفة فلما قرأ شهربراز الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد! فرد الملك الى أخيه، وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه، إنه ليس معه إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين، فدعوا ترجمانا بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: اجل، فقتلا الترجمان جميعا بسكينهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر الى رسول الله ص يوم الحديبية، ففرح ومن معه.
وحدثت عن هشام بن محمد، أنه قال: في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز، بعث الله محمدا ص، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنه ثلاث وثلاثين من ملكه الى المدينة
** ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد ص من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى أبرويز. **
فمن ذلك ما روي عن وهب بن منبه، وهو ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان من حديث كسرى كما حدثني بعض أصحابي، عن وهب بن منبه، أنه كان سكر دجلة العوراء، وأنفق عليها من الأموال ما لا يدرى ما هو، وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله، وكان يعلق تاجه، فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلاثمائة رجل من الحزاة- والحزاة العلماء- من بين كاهن وساحر ومنجم، قال: وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب، يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ- بعث به إليه باذان من اليمن- فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو! فلما أن بعث الله نبيه محمدا ص، أصبح كسرى ذات غداة وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل، وانخرقت عليه دجلة العوراء، فلما راى ذلك حزنه، وقال: انقصمت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست:
يقول: الملك انكسر ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، ودعا السائب معهم، فقال لهم: انقصمت طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست انظروا في هذا الأمر ما هو؟ فخرجوا من عنده فنظروا في أمره، فأخذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت عليهم الأرض، وتسكعوا في علمهم، فلا يمضي لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقيم لمنجم علم نجومه.
وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه، فإذا روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى، ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق، تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله.
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض، ورأوا ما قد أصابهم، ورأى السائب ما رأى، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء، وإنه لنبي قد بعث- أو هو مبعوث- يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمر ما ساعة.
فجاءوا كسرى، فقالوا له: إنا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كل ما وضع عليهما، وإنا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدري ما هو، حتى إذا فرغ منها قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم، فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا له، واجتمع إليه اللعابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج إلا بآخر رمق
فلما أخرجوه، جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقتل منهم قريبا من مائة، وقال سمنتكم وأدنيتكم دون الناس، وأجريت عليكم أرزاقي، ثم تلعبون بي! فقالوا: أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا، ولكنا سنحسب لك حسابا فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود قال: انظروا ما تقولون! قالوا: فإنا نفعل، قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له:
ابنه، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو، ثمانية أشهر من ذي قبل ثم قالوا: قد فرغنا، قال: أفأخرج فأقعد عليها؟ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب برذونا له، وخرج يسير عليها، فبينا هو يسير فوقها إذ انتسفته دجلة بالبنيان، فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال: والله لأمرن على آخركم ولأنزعن أكتافكم، ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هذا الأمر الذي تلفقون علي! قالوا: لا نكذبك أيها الملك، أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة، وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك! فنظرنا، فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء، فتردد علينا علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه، فعرفنا أن هذا الأمر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث، فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نعينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس، فعللناك عن أنفسنا بما رأيت قال: ويحكم! فهلا تكونون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي! قالوا: منعنا من ذلك ما تخوفنا منك فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الفضل ابن عيسى الرقاشي، عن الحسن البصري، [أن أصحاب رسول الله ص قالوا: يا رسول الله، ما حجة الله على كسرى فيك! قال: بعث إليه ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نورا، فلما رآها فزع، فقال: لم ترع يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك، قال: سأنظر] .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال:
بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه، فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا، بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا! فقال: بهل بهل، فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم، وقال: من أدخل هذا الرجل علي؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه، حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قال له، ثم قال له:
أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل بهل، ثلاثا، فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها، فقال له كما قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟
فقال: بهل بهل، قال: فكسر العصا، ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه، وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه.
قال عبد الله بن أبي بكر: فقال الزهري: حدثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه، ثم قال له: أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما، ثم خرج فكان من أمر هلاكه ما كان
حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، يقول: بينما كسرى ابن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان، إيوان المدائن، والأساورة محدقون بقصره، إذ أقبل رجل يمشي معه عصا، حتى قام على رأسه، فقال: يا كسرى ابن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، قالها ثلاث مرات- وكسرى مستلق ينظر إليه لا يجيبه، ثم انصرف عنه- قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه، فقال: أنت أدخلت علي هذا الرجل؟ قال: لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد قال: فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة، فأرسل إليه أن أحدق بقصري، ولا يدخل علي أحد، قال: ففعل، فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه، ومعه عصا، وهو يقول له: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك- قال: وكسرى ينظر إليه لا يجيبه- فانصرف عنه، قال: فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك ألا يدخل علي أحد! قال: أيها الملك، إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد، فانظر من أين دخل عليك؟ قال: فلما كان العام المقبل، فكأنه خاف تلك الليلة، فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس: أن أحدقوا بي الليلة، ولا تدخل امرأة ولا رجل، ففعلوا فلما كان تلك الساعة، إذا هو قائم على رأسه، وهو يقول: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه قال: يا كسرى إنك قد أبيت علي، والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه، ثم كسرها وخرج، فأرسل كسرى الى الحرس، فقال: الم آمركم ألا يدخل علي الليلة أحد، أهل ولا ولد! قالوا: ما دخل عليك من قبلنا احد! قال: فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله
** ذكر خبر يوم ذي قار **
ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذي كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم، فالتقوا بذي قار.
[وذكر عن النبي ص أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى، قال: هذا أول يوم انتصف العرب من العجم، وبي نصروا] وهو يوم قراقر ويوم الحنو حنو ذي قار، ويوم حنو قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذي العجرم، ويوم الغذوان، ويوم البطحاء، بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار.
فحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثني ابو المختار فراس بن خندق- او خندقه- وعدة من علماء العرب قد سماهم، أن الذي جر يوم ذي قار، قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدي بن زيد العبادي، وكان عدي من تراجمة أبرويز كسرى بن هرمز.
وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدي بن زيد، ما ذكر لي عن هشام ابن محمد، قال: سمعت إسحاق بن الجصاص- وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبي بعضه- قال: ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة: عديا الشاعر، وكان جميلا شاعرا خطيبا، وقد قرأ كتب العرب والفرس، وعمارا- وهو أبي- وعمرا- وهو سمي- ولهم أخ من أمهم، يقال له عدي بن حنظله من طيئ وكان عمار يكون عند كسرى، فكان أحدهما يشتهي هلاك عدي بن زيد، وكان الآخر يتدين في نصرانيته، وكانوا أهل بيت يكونون مع الأكاسرة لهم معهم أكل وناحية، يقطعونهم القطائع، ويجزلون صلاتهم
وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي، فهم الذين ارضعوه وربوه، وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود، أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فارضعه، ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم: بنو مرينا، ينسبون إلى لخم، وكانوا أشرافا وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة، وكان يقال لولده كلهم الأشاهب، من جمالهم، فذلك قول الأعشى:
وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة يمشون غدوة بالسيوف
وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا، وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من اهل فدك، وكانت أمه للحارث ابن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وكان قابوس بن المنذر الأكبر عم النعمان وإخوته، بعث إلى كسرى بن هرمز بعدي بن زيد وإخوته، فكانوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر، جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه فكان عليه أشهرا، وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدي بن زيد، فقال له: من بقي من بني المنذر؟ وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيتهم في ولد هذا الميت المنذر بن المنذر، وهم رجال، فقال: ابعث إليهم، فكتب فيهم فقدموا عليه، فأنزلهم على عدي بن زيد فكان عدي يفضل إخوة النعمان عليه في النزل، وهو يريهم أنه لا يرجوه ويخلو بهم رجلا رجلا، ويقول لهم: ان سألكم الملك: اتكفوني العرب؟ فقولوا: نكفيكهم إلا النعمان، وقال للنعمان:
إن سألك الملك: عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز.
وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان ماردا شاعرا، وكان يقول للأسود بن المنذر: إنك قد عرفت أني لك راج، وأن طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله.
فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم عليه رجلا رجلا، فيكلمه، فكان يرى رجالا قلما رأى مثلهم، فإذا سألهم:
هل تكفونني ما كنتم تلون؟ قالوا: نكفيك العرب إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه، وقال له: أتستطيع أن تكفيني العرب؟
قال: نعم: قال، فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه، وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم، فيه اللؤلؤ والذهب مفلما خرج- وقد ملك- قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود:
دونك فإنك قد خالفت الرأي ثم إن عدي بن زيد صنع طعاما في بيعة، ثم أرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت، فإن لي حاجة، فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة، وشربوا، فقال: عدي بن زيد لعدي بن مرينا: يا عدي، إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه، من كان مثلك، إني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يزوي عنه خبرا أبدا فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا، فحلف على مثل يمينه الا يزال يهجوه أبدا، ويبغيه الغوائل ما بقي وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد:
ألا أبلغ عديا عن عدي فلا تجزع وإن رثت قواكا
هياكلنا تبز لغير فقر لتحمد أو يتم به غناكا
فإن تظفر فلم تظفر حميدا وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لما رأت عيناك ما صنعت يداكا
وقال عدي بن مرينا للأسود: اما إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي، الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها امرتك أن تعصيه فخالفتني قال: فما تريد؟ قال: أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل.
وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه، وكان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر عدي بن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء، وذكر فضله، وقال: إنه لا يصلح المعدي الا ان يكون فيه مكر وخديعه فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عدى ابن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما تقول، ولكنه لا يسلم عليه أحد، وإنه ليقول: إن الملك- يعني النعمان- عامله، وإنه ولاه ما ولاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسان عدي إلى قهرمان لعدي ثم دسوا له، حتى أخذوا الكتاب، ثم أتي به النعمان فقرأه، فأغضبه، فأرسل إلى عدي بن زيد: عزمت عليك إلا زرتني، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك! وهو عند كسرى فاستأذن كسرى، فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن، فكان أول ما قال في السجن من الشعر:
ليت شعري عن الهمام ويأتيك بخبر الأنباء عطف السؤال
فقال أشعارا، وكان كلما قال عدي من الشعر، بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه، فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل، فقال عدي:
أرقت لمكفهر بات فيه بوارق يرتقين رءوس شيب
وقال أيضا:
طال ذا الليل علينا واعتكر.
وقال أيضا:
ألا طال الليالي والنهار.
وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا، يذكره فيها الموت، ويخبره من هلك من الملوك قبله، فقال:
أرواح مودع أم بكور.
وأشعارا كثيرة.
قال: وخرج النعمان يريد البحرين، فأقبل رجل من غسان، فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال: الذي أغار على الحيرة فحرق فيها، جفنة بن النعمان الجفني، فقال عدي:
سما صقر فأشعل جانبيها وألهاك المروح والعزيب
فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي، وهو مع كسرى بشعر فقال:
ابلغ أبيا على نايه وهل ينفع المرء ما قد علم!
بأن أخاك شقيق الفؤاد، كنت به والها ما سلم
لدى ملك موثق بالحديد إما بحق وإما ظلم
فلا أعرفنك كدأب الغلام ما لم يجد عارما يعترم
فأرضك أرضك إن تأتنا تنم نومة ليس فيها حلم
فكتب إليه اخوه:
ان يكن خانك الزمان فلا عاجز باع ولا ألف ضعيف
ويمين الإله لو أن جأواء طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رز مجتابه غمرة الموت صحيح سربالها مكفوف
كنت في حميها، لجئنك أسعى فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
أو بمال سئلت دونك لم يمنع تلاد لحاجة أو طريف
أو بأرض أسطيع آتيك فيها لم يهلني بعيدها أو مخوف
في الأعادي وأنت مني بعيد عز هذا الزمان والتعريف
إن تفتني والله إلفا فجوعا لا يعقبك ما يصوب الخريف
فلعمري لئن جزعت عليه لجزوع على الصديق أسوف
ولعمري لئن ملكت عزائي لقليل شرواك فيما أطوف
فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه، فكتب وبعث معه رجلا، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه قد كتب إليك في أمره فأتاه أعداء عدى من بنى بقيلة من غسان، فقالوا: اقتله الساعة، فأبى عليهم وجاء الرجل، وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه، وأمره أن يبدأ بعدي، فدخل عليه وهو محبوس بالصنين، فقال: ادخل عليه فانظر ما يأمرك به، فدخل الرسول على عدي، فقال: إني قد جئت بإرسالك، فما عندك؟ قال: عندي الذي تحب، ووعده عدة، وقال: لا تخرجن من عندي، وأعطني الكتاب حتى أرسل به، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن، فقال: لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب، فأدخله عليه، فانطلق مخبر حتى أتى النعمان، فقال: إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو ذاهب به، وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا، أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات، ثم دفنوه.
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب، فقال: نعم وكرامة! وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية، وقال له: إذا أصبحت فادخل عليه، فأخرجه أنت بنفسك فلما أصبح ركب، فدخل السجن، فقال له الحرس: إنه قد مات منذ أيام، فلم نجترئ على أن نخبر الملك للفرق منه، وقد علمنا كراهته لموته فرجع إلى النعمان فقال: إني قد دخلت عليه وهو حي، وجئت اليوم فجحدنى السجان وبهتني وذكر له انه قد مات منذ ايام فقال له النعمان:
يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي! كذبت، ولكنك أردت الرشوة والخبث.
فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه، واستوثق منه ألا يخبر كسرى، إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه.
فرجع الرسول إلى كسرى، فقال: إنه قد مات قبل أن ادخل عليه، وندم النعمان على موت عدي، واجترأ أعداء عدي على النعمان، وهابهم النعمان هيبة شديدة، فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم، فلقي ابنا لعدي، يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال: من أنت؟ قال: أنا زيد بن عدي بن زيد، فكلمه فإذا غلام ظريف، ففرح به فرحا شديدا، وقربه وأعطاه، واعتذر إليه من أمر أبيه، وجهزه، ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه، فأصابه ما لا بد منه، وانقضت مدته، وانقطع أكله، ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا، لما عظم الله له من ملكه وشأنه، وقد أدرك له ابن ليس دونه، وقد سرحته إلى الملك، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه، فليفعل.
فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه، وصرف عمه إلى عمل آخر، فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب، وخاصة الملك وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة، والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك، وكان هذا عمل عدي.
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع، سأله كسرى عن النعمان، فأحسن عليه الثناء، فمكث سنوات بمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى، وكان يكثر الدخول عليه، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك، ولا يريدونه فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه، ثم قال: إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وقد كنت بآل المنذر عالما، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال: فتكتب فيهن قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصه أنهم يتكرمون- زعموا في أنفسهم- عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن، عمن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن، فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربية، حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جليدا، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة.
فلما دخل عليه اعظم الملك، وقال: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك فقال: وما هؤلاء النسوة؟ فقال: هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى الى انوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغساني بن أبي شمر، فكتب إلى انوشروان يصفها له، وقال: إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء، قمراء، ووطفاء، كحلاء دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، زجاء، برجاء، أسيلة الخد، شهية القد، جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشى، مكسال الضحى، بضه المتجرد، سموعا للسيد، ليست بخنساء، ولا سعفاء، ذليلة الأنف، عزيزة النفر، لم تغذ في بؤس، حيية رزينه، حليمه ركينه، كريمه الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحمر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست/.
فقبلها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز، فقرأ عليه زيد هذه الصفة، فشق عليه، فقال لزيد- والرسول يسمع: أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم! فقال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر، فقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به.
فأنزلهما يومين، ثم كتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلما رجع إلى كسرى، قال زيد للرسول الذى جاء معه: اصدق الملك الذي سمعت منه، فإني سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: فأين الذي كنت خبرتني به؟ قال: قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم، وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن الذي قال ورد عليه أن أقوله، فقال للرسول: وما قال؟ قال:
أيها الملك، أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا! فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، ولكنه قد قال: رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا، فيصير أمره إلى التباب وشاع هذا الكلام، فبلغ النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهرا، وجعل النعمان يستعد ويتوقع، حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك إليك حاجة، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه، وما قوى عليه، ثم لحق بجبلي طيئ وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلا وامرأة، وكانت أيضا عنده زينب ابنة أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه بين الجبلين ويمنعوه، فأبوا ذلك عليه، وقالوا: لولا صهرك لقاتلناك، فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى، ولا طاقه لنا به فاقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد من الناس يقبله، غير أن بني رواحة بن سعد من بني عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك- لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ- فقال: لا أحب أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى.
فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا، فلقي هانئ بن مسعود ابن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان سيدا منيعا، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين، لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا مانعه مما يمنع منه نفسه.
وتوجه النعمان إلى كسرى، فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال:
انج نعيم، إن استطعت النجاء، فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! اما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت لك عنده آخية لا يقطعها المهر الأرن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه، فقيده وبعث به إلى خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه، والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى:
فذاك وما أنجى من الموت ربه بساباط حتى مات، وهو محرزق
وإنما هلك بخانقين، وهذا قبيل الإسلام، فلم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله نبيه ص، وكان سبب وقعة ذي قار بسبب النعمان.
وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثنا أبو المختار فراس بن خندق، وعدة من علماء العرب قد سماهم، أن النعمان لما قتل عديا كاد أخو عدي وابنه النعمان عند كسرى، وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشيء غضب منه كسرى، فأمر بقتله، وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانئ بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، حلقته ونعمه وسلاحا غير ذلك، وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له.
- قال أبو عبيدة: وقال بعضهم: لم يدرك هانئ بن مسعود هذا الأمر، إنما هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود وهو الثبت عندي- فلما قتل كسرى النعمان، استعمل اياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان قال أبو عبيدة: كان كسرى لما هرب من بهرام مر بإياس بن قبيصة فأهدى له فرسا وجزورا، فشكر ذلك له كسرى، فبعث كسرى إلى إياس: أين تركة النعمان؟ قال: قد أحرزها في بكر بن وائل، فأمر كسرى إياسا أن يضم ما كان للنعمان ويبعث به إليه، فبعث إياس إلى هانئ: أن أرسل إلي ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها- والمقلل يقول: كانت أربعمائة درع، والمكثر يقول: كانت ثمانمائه درع- فأبى هانئ أن يسلم خفارته قال: فلما منعها هانئ، غضب كسرى وأظهر أنه يستأصل بكر بن وائل- وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي، وهو يحب هلاك بكر بن وائل- فقال لكسرى: يا خير الملوك، أدلك على غرة بكر؟ قال نعم، قال أمهلها حتى تقيظ، فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار، تساقط الفراش في النار، فأخذتهم كيف شئت، وأنا أكفيكهم فترجموا له قوله: تساقطوا تساقط الفراش في النار، فأقرهم حتى إذا قاظوا، جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو، حنو ذي قار، وهي من ذي قار على مسيرة ليلة، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة: أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال، فنزل النعمان على هانئ ثم قال له: أنا رسول الملك إليكم أخيركم ثلاث خصال: إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإما أن تعروا الديار، واما ان تأذنوا بحرب.
فتوامروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وكانوا يتيمنون به فقال لهم: لا ارى إلا القتال، لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش، وتلقاكم تميم فتهلككم فآذنوا الملك بحرب فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التستري- وكان مسلحه بالقطقطانة- وإلى جلابزين- وكان مسلحة ببارق- وكتب كسرى الى قيس بن مسعود ابن قيس بن خالد بن ذي الجدين- وكان كسرى استعمله على طف سفوان- أن يوافوا اياسا، فإذا اجتمعوا فإياس على الناس وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة، وقد بعث النبي ص ورق امر فارس، [وقال النبي ص: اليوم انتصفت العرب من العجم،] فحفظ ذلك اليوم، فإذا هو يوم الوقعة فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس بن مسعود ليلا فأتى هانئا، فقال له: أعط قومك سلاح النعمان فيقووا، فإن هلكوا كان تبعا لأنفسهم، وكنت قد أخذت بالحزم، وان ظفروا ردوه عليك ففعل وقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر، قال لهم هانئ: يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فاركبوا الفلاة فتسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له: إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة، فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا- فسمي مقطع الوضن، وهي حزم الرحال ويقال: مقطع البطن، والبطن حزم الأقتاب- وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار، وآلى ألا يفر حتى تفر القبة فمضى من مضى من الناس، ورجع أكثرهم، واستقوا ماء لنصف شهر، فأتتهم العجم، فقاتلتهم بالحنو، فجزعت العجم من العطش، فهربت ولم تقم لمحاصرتهم، فهربت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر، وعجل أوائل بكر، فتقدمت عجل، وأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدوا عجلا ثابتة تقاتل، وامرأة منهم تقول:
إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل إيها فداء لكم بني عجل!
وتقول أيضا تحضض الناس:
إن تهزموا نعانق ونفرش النمارق
أو تهربوا نفارق فراق غير وامق
فقاتلوهم بالجبابات يوما ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار، فأرسلت إياد إلى بكر سرا- وكانوا أعوانا على بكر مع إياس بن قبيصة: أي الأمرين أعجب إليكم؟ أن نطير تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفر حين تلاقوا القوم؟ قالوا: بل تقيمون، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم قال: فصبحتهم بكر بن وائل، والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال وقال يزيد بن حمار السكوني- وكان حليفا لبني شيبان-: يا بني شيبان، أطيعوني وأكمنوني لهم كمينا ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم فكمنوا في مكان من ذي قار، يسمى إلى اليوم الجب، فاجتلدوا، وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامرز، وعلى ميسرته الجلابزين، وعلى ميمنة هانئ بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيباني، وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وجعل الناس يتحاضون ويرجزون، فقال حنظلة بن ثعلبة:
قد شاع أشياعكم فجدوا ما علتي وأنا مؤد جلد!
والقوس فيها وتر عرد مثل ذراع البكر أو أشد
قد جعلت أخبار قومي تبدو إن المنايا ليس منها بد
هذا عمير تحته ألد يقدمه ليس له مرد
حتى يعود كالكميت الورد خلوا بني شيبان واستبدوا
نفسي فداكم وأبي والجد.
وقال حنظلة أيضا:
يا قوم طيبوا بالقتال نفسا أجدر يوم أن تفلوا الفرسا
وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار:
من فر منكم فر عن حريمه وجاره، وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه من قارح الهجنة أو صميمه
قال فراس: ثم صيروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة، فمال إلى مارية ابنته- وهي أم عشرة نفر، أحدهم جابر بن أبجر- فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض وقطع وضن النساء، فوقعن إلى الأرض، ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الأرض:
ويها بني شيبان صفا بعد صف إن تهزموا يصبغوا فينا القلف
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم، لأن تخف أيديهم بضرب السيوف، فجالدوهم.
قال: ونادى الهامرز: مرد ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري:
ما يقول؟ قالوا: يدعو إلى البراز رجل ورجل، قال: وأبيكم لقد انصف.
فبرز له فقتله برد، فقال سويد بن أبي كاهل:
ومنا بريد إذ تحدى جموعكم فلم تقربوه المرزبان المسورا
أي لم تجعلوه ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار: يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب، فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش، وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز، وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش، وعليهم جلابزين، وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم، وعليهم يزيد بن حمار، فشدوا على قلب الجيش، وفيهم إياس ابن قبيصة، وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، وانهزمت الفرس.
قال سليط: فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ، قالوا: فلما التقى الناس، ولت بكر منهزمة، فقلنا: يريدون الماء، فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه، وجاوزوا الماء، قلنا: هي الهزيمة، وذاك في حر الظهيرة وفي يوم قائظ، فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب، لا يفوت بعضهم بعضا، لا يمعنون هربا، ولا يخالطون القوم ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بجباههم، فلم تكن إلا إياها، فأمالوا بأيديهم، فولوا، فقتلوا الفرس ومن معهم، ما بين بطحاء ذي قار، حتى بلغوا الراحضة.
قال فراس: فخبرت أنه تبعه تسعون فارسا، لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شيء حتى تعارفوا بأدم موضع قريب من ذي قار، فوجد ثلاثون فارسا من بني عجل، ومن سائر بكر ستون فارسا، وقتلوا جلابزين، قتله حنظلة بن ثعلبة وقال ميمون بن قيس يمدح بني شيبان خاصة في قوله:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي وراكبها يوم اللقاء، وقلت
هم ضربوا بالحنو، حنو قراقر مقدمة الهامرز حتى تولت
وأفلتنا قيس وقلت لعله هنالك لو كانت به النعل زلت
فهذا يدل على أن قيسا قد شهد ذا قار.
وقال بكير، أصم بني الحارث بن عباد، يمدح بني شيبان:
إن كنت ساقية المدامة أهلها فاسقي على كرم بني همام
وأبا ربيعة كلها ومحلما سبقا بغاية أمجد الأيام
ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم بالمشرفي على مقبل الهام
عربا ثلاثة آلف وكتيبة ألفين أعجم من بني الفدام
شد ابن قيس شدة ذهبت لها ذكرى له في معرق وشآم
عمرو وما عمرو بقحم داله فيها، ولا غمر ولا بغلام
فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة غضبت اللهازم، فقال أبو كلبة، أحد بني قيس يؤنبها بذلك:
جدعتما شاعري قوم أولي حسب حزت أنوفهما حزا بمنشار
أعني الأصم وأعشانا إذا اجتمعا فلا استعانا على سمع بإبصار
لولا فوارس لا ميل ولا عزل من اللهازم ما قاظوا بذي قار
نحن أتيناهم من عند أشملهم كما تلبس وراد بصدار؟
قال أبو عمرو بن العلاء: فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة، قال: صدق.
وقال معتذرا مما قال:
متى يقرن أصم بحبل أعشى يتيها في الضلال وفي الخسار
فلست بمبصر ما قد يراه وليس بسامع أبدا حواري
وقال الأعشى في ذلك اليوم:
أتانا عن بني الأحرار قول لم يكن أمما
أرادوا نحت انلتنا وكنا نمنع الخطما
وقال أيضا لقيس بن مسعود:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
أتجمع في عام غزاة ورحلة ألا ليت قيسا غرقته القوابل!
وقال أعشى بني ربيعة:
ونحن غداة ذي قار أقمنا وقد شهد القبائل محلبينا
وقد جاءوا بها جأواء فلقا ململمة كتائبها طحونا
ليوم كريهة حتى تجلت ظلال دجاه عنا مصلتينا
فولونا الدوابر واتقونا بنعمان بن زرعة أكتعينا
وذدنا عارض الأحرار وردا كما ورد القطا الثمد المعينا
** ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند **
قد مضى ذكرنا من كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر ابن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند، وقدر مدة ولاية كل من ولي منهم ذلك، ونذكر الآن من ولي ذلك لهم بعد عمرو بن هند، إلى أن ولي ذلك لهم النعمان بن المنذر، والذي ولي لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن المنذر، وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو، فولي ذلك أربع سنين، من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر، وفي زمن هرمز بن أنوشروان ثلاث سنين وأربعة أشهر.
ثم ولي بعد قابوس بن المنذر السهرب.
ثم ولي بعده المنذر أبو النعمان أربع سنين.
ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك زمن هرمز بن انوشروان سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمن كسرى ابرويز ابن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرجان، تسع سنين في زمن كسرى ابن هرمز ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي ص فيما زعم هشام بن محمد.
ثم استخلف آزاذبه بن ماهان بن مهربنداذ الهمذاني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر، وفي زمن بوران دخت بنت كسرى شهرا.
ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر- وهو الذي تسميه العرب الغرور، الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثى، إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة- ثمانية اشهر فكان آخر من بقي من آل نصر بن ربيعة، فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس.
فجميع ملوك آل نصر- فيما زعم هشام- ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكا قال: وعده ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر رجع الحديث الى ذكر المرزان وولايته اليمن، من قبل هرمز وابنه أبرويز، ومن وليها بعده:
حدثت عن هشام بن محمد، قال: عزل هرمز بن كسرى وين عن اليمن، واستعمل مكانه المروزان، فأقام باليمن، حتى ولد له بها، وبلغ ولده ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه، وامتنعوا من حمل الخراج إليه- والمصانع جبل طويل ممتنع، إلى جانبه جبل آخر قريب منه، بينهما فضاء ليس بالبعيد، إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه- فسار المروزان إلى المصانع، فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد، يمنع ذلك الباب رجل واحد، فلما رأى أن لا سبيل له إليه، صعد الجبل الذي يحاذي حصنهم، فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب، فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع، فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين، ثم يصيحوا به صيحه واحده، وضرب فرسه فاستجمع حضرا، ثم رمى به فوثب المضيق، فإذا هو على رأس الحصن فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا: هذا أيم- والأيم بالحميرية شيطان- فانتهرهم وزبرهم بالفارسية، وأمرهم أن يكتف بعضهم بعضا، فاستنزلهم من حصنهم، وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم، وكتب بالذي كان من امره الى كسرى ابن هرمز فتعجب من صنيعه، وكتب إليه: أن استخلف من شئت، وأقبل إلي.
قال: وكان للمروزان ابنان: أحدهما تعجبه العربية، ويروي الشعر، يقال له خرخسره، والآخر أسوار يتكلم بالفارسية، ويتدهقن، فاستخلف المروزان ابنه خرخسره- وكان أحب ولده إليه- على اليمن، وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك، فوضع في تابوت، وحمل حتى قدم به على كسرى، فأمر بذلك التابوت فوضع في خزانته، وكتب عليه في هذا التابوت:
فلان الذي صنع كذا وكذا، قصته في الجبلين ثم بلغ كسرى تعرب خرخسره وروايته الشعر، وتأدبه بأدب العرب، فعزله، وولى باذان، وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم.
وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة والكراع وافتتح من بلاد العدو، وساعده من الأمور، ورزق من مؤاتاته، وبطر، وشره شرها فاسدا، وحسد الناس على ما في أيديهم من الأموال، فولى جباية البقايا علجا من أهل قرية تدعى خندق من طسوج بهرسير، يقال له: فرخزاذ بن سمي، فسام الناس سوء العذاب، وظلمهم واعتدى عليهم، وغصبهم أموالهم في غير حله، بسبب بقايا الخراج، واستفسدهم بذلك، وضيق عليهم المعاش، وبغض إليهم كسرى وملكه.
وحدثت عن هشام بن محمد، أنه قال: كان أبرويز كسرى هذا قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحد من الملوك، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية، وكان يشتو بالمدائن، ويتصيف ما بينها وبين همذان، وكان يقال: إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلا واحدا، وخمسون ألف دابة بين فرس وبرذون وبغل، وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك.
وأما غير هشام فإنه قال: كان له في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن، وألوف جوار اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته، وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابه لمركبه، وسبعمائة وستون فيلا، واثنا عشر ألف بغل لثقله، وأمر فبنيت بيوت النيران، وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة وأنه أمر أن يحصى ما اجتبي من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال، سنة ثماني عشرة من ملكه، فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال، يكون ذلك وزن سبعه، ستمائه ألف ألف درهم، وأمر فحول إلى بيت مال بنى بمدينه طيسبون، وسماه بهار حفرد خسرو، وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز، اثنا عشر ألف بدرة، في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال، يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال، وهو وزن سبعه، ثمانية وستون الف الف وخمسمائة الف واحد وسبعون ألفا وأربعمائة وعشرون درهما ونصف وثلث ثمن درهم، في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله، من الجواهر والكسي وغير ذلك.
وإن كسرى احتقر الناس، واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم، وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص- يقال له: زاذان فروخ- أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه، فأحصوا، فبلغوا ستة وثلاثين ألفا، فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم، وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم، لعلل أعدها له، فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه، أحد ذلك احتقاره إياهم، وتصغيره عظماءهم.
والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم، والثالث أمره بقتل من كان في السجن، والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل والروم، فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل، وفيه شيري بن أبرويز مع إخوته بها، قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم، وأساورة يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخل مدينة بهرسير ليلا، فخلى عمن كان في سجونها، وخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب من كان في قصره من حرسه، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره، ويدعى باغ الهندوان فارا مرعوبا، وطلب فاخذ ماه آذر وروز آذر، وحبس في دار المملكة، ودخل شيرويه دار الملك، واجتمع إليه الوجوه، فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا، أكبرهم شهريار، وكانت شيرين تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام، ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فحصر ولده لذلك عن النساء، فمكثوا حينا لا يصلون إلى امرأة، حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين، وبعث إليها يشكو الشبق، ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه: إني لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها، ولا يجمل بك أن تمسها، فقال لها: لست أبالي ما كانت، بعد أن تكون امرأة فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها، وكانت- فيما يزعمون- من بنات أشرافهم، إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور، فأسلمتها في الحجامين، فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها، فحملت بيزدجرد، فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت، وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر، فقالت له: هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه؟ فقال: لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي، وأدخلته عليه، وقالت: هذا يزدجرد بن شهريار، فدعا به فأجلسه في حجره، وقبله وعطف عليه، وأحبه حبا شديدا، وجعل يبيته معه، فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه، إذ ذكر ما قيل فيه، فدعا به فعراه من ثيابه، واستقبله واستدبره، فاستبان النقص في أحد وركيه، فاستشاط غضبا وأسفا، واحتمله ليجلد به الأرض، فتعلقت به شيرين، وناشدته الله ألا يقتله، وقالت له: انه ان يكن امر قد حضر في هذا الملك فليس له مرد.
قال: إن هذا المشئوم، الذي أخبرت عنه، فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان وقال آخرون: بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية.
ووثبت فارس على كسرى فقتلته، وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية.
وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه هاجر النبي ص من مكة الى المدينة
** ذكر ملك شيرويه بن ابرويز **
ثم ملك من بعده ابنه شيرويه، واسمه قباذ بن أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه أباه، فقالوا له: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان، فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته، وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على برذون، وقنع رأسه، وسير به إلى تلك الدار، ومعه ناس من الجند، فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق، فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع، عرف أن المقنع كسرى، فحذفه بقالب، فعطف إليه رجل ممن كان مع كسرى من الجند، فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف، ثم لحق بأصحابه.
فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات، فقال: إنا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته في تدبيره ونوقفه على أشياء منها، ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له اسفاذ جشنس، ولمرتبته رئيس الكتيبة، كان يلي تدبير المملكة، فقال له: انطلق إلى الملك أبينا، فقل له عن رسالتنا: إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا، ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيئ أعمالك، منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به، وإزالتك الملك عنه، وسملك عينيه، وقتلك إياه شر قتلة، وما قارفت في أمره من الإثم العظيم ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم، وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة.
ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر، حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل، وحبسك إياهن قبلك مكرهات ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج، وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد، واستفساد منك إياهم، وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم من الجنود، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق، ملك الروم، وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك، وحسن بلائه عندك، ودفعه عنك شر عدوك، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك اكرم النساء من بناته عليه، وآثرهن عنده، واستخفافك بحقه، وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب، التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، علمته.
فإن كانت لك حجج تدلي بها عندنا وعند الرعية فأدل بها، وإن لم تكن لك حجة، فتب إلى الله من قريب، وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا.
فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه، وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها، فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا، فتحاورا ساعة، ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه، فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى، فدخل عليه، وقال له: عمرك الله! ان اسفاذ جشنس بالباب، وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة، وهو يستأذن عليك، فرأيك في الأمر فيه برأيك! فتبسم كسرى وقال مازحا: يا جلينوس اسفاذ ان، كلامك مخالف كلام أهل العقل، وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه الملك فليس لنا مع ملكه إذن، وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك، ولكن المثل في ذلك كما قيل: يشاء الله الشيء فيكون، ويأمر الملك بأمر فينفذ فاذن لاسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى، وأخذ بيد اسفاذ جشنس، وقال له: قم فادخل إلى كسرى راشدا.