Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
[القول في السيرة النبوية] — تتمة ٢
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 47 of 356
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن ميناء، مولى أبي البختري، قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب واميه بن خلف رسول الله ص، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز وجل: «قل يا أيها الكافرون» ، حتى انقضت السورة.
فكان رسول الله ص حريصا على صلاح قومه، محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل الى مقاربتهم، لكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما راى رسول الله ص تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه قومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله عز وجل: «والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى» ، فلما انتهى إلى قوله: «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى» ، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتي به قومه: تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فاصاخوا له- والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل- فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو: أنها الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف آخرون، وأتى جبريل رسول الله ص، فقال: يا محمد، ماذا صنعت! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله ص عند ذلك حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله عز وجل- وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته، كما القى على لسانه ص، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله عز وجل: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم» ، فأذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى، بقول الله عز وجل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى:
«ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى» أي عوجاء، «إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم» - الى قوله- «لمن يشاء ويرضى» ، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده! فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله ص قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه، وشدة على من اسلم واتبع رسول الله ص منهم،
وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله ص، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار، أو مستخفيا، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد معه بدرا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، عثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله ص، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا.
حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس، قالا: جلس رسول الله ص في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ الا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عز وجل:
«والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى» ، فقرأها رسول الله ص حتى إذا بلغ: «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى» ألقى الشيطان عليه كلمتين: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترجى، فتكلم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم معه جميعا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته، فسجد عليه- وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود- فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا: فلما امسى أتاه جبرئيل ع، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين! [فقال رسول الله ص:
افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: «وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره» إلى قوله:
«ثم لا تجد لك علينا نصيرا» ، فما زال مغموما مهموما، حتى نزلت: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي» - الى قوله:
«والله عليم حكيم] » قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان، ثم قام- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في نقض الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني المطلب- نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري، من عامر بن لؤي- وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه- وأنه مشى الى زهير ابن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب- فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم! أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال:
ويحك يا هشام! فماذا أصنع! إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال: قد وجدت رجلا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب الى المطعم بن عدى ابن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن امكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك! فماذا أصنع! إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال:
نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية، عليه حلة له، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت، قال أبو البختري:
صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به! قال المطعم بن عدي:
صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا ما كان من باسمك اللهم، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش، تفتتح بها كتابها إذا كتبت.
قال: وكان كاتب صحيفة قريش- فيما بلغني- التي كتبوا على رسول الله ص ورهطه من بني هاشم وبني المطلب، منصور بن عكرمه ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فشلت يده.
وأقام بقيتهم بأرض الحبشه، حتى بعث فيهم رسول الله ص إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم على رسول الله ص، وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا.
ولم يزل رسول الله ص مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا، صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به، حتى إن كان بعضهم- فيما ذكر- يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، ويطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ص منهم- فيما بلغني- حجرا يستتر به منهم إذا صلى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: كان رسول الله ص يخرج بذلك إذا رمي به في داره على العود فيقف على بابه، [ثم يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا! ثم يلقيه بالطريق] .
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد- وذلك فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله ص بهلاكهما، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه، حتى نثر بعضهم على رأسه التراب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما نثر ذلك السفيه التراب على راس رسول الله ص، دخل رسول الله ص بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب، وهي تبكي، [ورسول الله ص يقول لها: يا بنية لا تبكي، فإن الله مانع أباك! قال: ويقول رسول الله ص: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب]
ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله ص إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه، وذكر أنه خرج إليهم وحده،
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله ص إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف- هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود ابن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم- فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم:
هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك! فقام رسول الله ص من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد [قال لهم- فيما ذكر لي-: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي] وكره رسول الله ص أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله ص- فيما ذكر لي- تلك المرأة من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من احمائك! فلما اطمان رسول الله ص، قال- فيما ذكر لي: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي! ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك.
فلما رأى ابنا ربيعة: عتبة وشيبة ما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا له غلاما لهما نصرانيا، يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ص، فلما وضع رسول الله ص يده، قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، [قال له رسول الله ص: ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله ص: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله ص: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي،] فأكب عداس على رسول الله ص يقبل رأسه ويديه ورجليه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له:
ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه! قال: يا سيدي ما في هذه الأرض خير من هذا الرجل! لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، فقالا: ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ثم ان رسول الله ص انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلي، فمر به نفر من الجن الذين ذكر الله عز وجل.
قال محمد بن إسحاق: وهم- فيما ذكر لي- سبعة نفر من جن اهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله عز وجل خبرهم عليه:
«وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن» - إلى قوله:
«ويجركم من عذاب أليم» وقال: «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة.
قال محمد: وتسمية النفر من الجن الذين استمعوا الوحي- فيما بلغني- حسا، ومسا، وشاصر، وناصر، وايناالارد، واينين، والاحقم.
قال: ثم قدم رسول الله ص مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به.
وذكر بعضهم أن رسول الله ص لما انصرف من الطائف مريدا مكة مر به بعض أهل مكة، [فقال له رسول الله ص:
هل أنت مبلغ عني رسالة أرسلك بها؟ قال: نعم، قال: ائت الاخنس ابن شريق، فقل له: يقول لك محمد: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح قال: فأتى النبي ص، فأخبره، قال: تعود؟ قال:
نعم، قال: ائت سهيل بن عمرو، فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟ فأتاه فقال له ذلك، قال: فقال:
إن بني عامر بن لؤي، لا تجير على بني كعب قال: فرجع إلى النبي ص فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عدي، فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟
قال: نعم، فليدخل، قال: فرجع الرجل اليه، فاخبره، واصبح المطعم ابن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل، قال: أمجير أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرنا من أجرت، فدخل النبي ص مكة، وأقام بها، فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة، فلما رآه أبو جهل، قال: هذا نبيكم يا بني عبد مناف، قال عتبة بن ربيعة: وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك! فأخبر بذلك النبي ص- أو سمعه- فأتاهم، فقال:
أما أنت يا عتبة بن ربيعه فو الله ما حميت لله ولا لرسوله، ولكن حميت لأنفك، وأما أنت يا أبا جهل بن هشام، فو الله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا وأما أنتم يا معشر الملا من قريش، فو الله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون] وكان رسول الله ص يعرض نفسه في المواسم- إذا كانت- على قبائل العرب، يدعوهم الى الله والى نصرته ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي، قال: إني لغلام شاب مع ابى بمنى، ورسول الله ص يقف على منازل القبائل من العرب، [فيقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به] .
قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ص من قوله، وما دعا إليه، قال الرجل:
يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وخلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له.
قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه، يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله ص أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم، يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين، أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم: يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن رسول الله ص أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم، يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ [قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء] قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام، سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به معنا إلى بلادنا قال:
فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف! هل لذناباها من مطلب! والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط! وإنها لحق، فأين كان رأيكم عنه!
فكان رسول الله ص على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، لا يسمع بقادم يقدم من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت- أخو بني عمرو بن عوف- مكة حاجا أو معتمرا، قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل، لجلده وشعره، ونسبه وشرفه، وهو الذي يقول:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشحم ما كان شاهدا وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه نميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتني وخير الموالي من يريش ولا يبري
مع أشعار له كثيره يقولها قال: فتصدى له رسول الله ص حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام قال: فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي! [فقال له رسول الله ص: وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان- يعني حكمه لقمان- فقال له رسول الله ص:
عرضها علي، فعرضها عليه، فقال: إن هذا لكلام حسن، معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي، هدى ونور قال: فتلا عليه رسول الله ص القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن] .
ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل بعاث
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل، عن محمود بن لبيد، أخي بنى الأشهل، قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ص، فأتاهم فجلس إليهم، [فقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب.
ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن] فقال إياس بن معاذ- وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له قال: فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه اياس ابن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال: فصمت إياس، وقام رسول الله ص عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك
قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده ويسبحه، حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ص ما سمع.
قال: فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ص في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله ص، [قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود: قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى، قال:
فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن] .
قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله ص أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمن والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.
فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله ص راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
وهم- فيما ذكر لي- ستة نفر من الخزرج: منهم من بني النجار- وهم تيم الله- ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبه بن عمرو بن الخزرج ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابو امامه، وعوف بن الحارث ابن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم ابن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق.
ومن بني سلمه بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني سواد، قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمه.
ومن بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمه، عقبه ابن عامر بن نابي بن زيد بن حرام.
ومن بنى عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد.
قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول الله ص، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ص، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبه الاولى، فبايعوا رسول الله ص على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب، منهم من بني النجار أسعد بن زراره ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو أبو أمامة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك ابن النجار، وهما ابنا عفراء.
ومن بني زريق بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر ابن زريق، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق.
ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني غنم بن عوف- وهم القواقل- عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وأبو عبد الرحمن، وهو يزيد بن ثعلبه بن خزمه بن اصرم ابن عمرو بن عمارة، من بني غضينة من بلي، حليف لهم
ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة ابن نضله بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف.
ومن بني سلمة، ثم من بني حرام، عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة.
ومن بني سواد، قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة.
وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني الأشهل: أبو الهيثم بن التيهان، اسمه مالك، حليف لهم.
ومن بني عمرو بن عوف، عويم بن ساعدة بن صلعجة، حليف لهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، قال:
كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ص على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على الا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا، فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله، إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ص مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله ص مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى مصعب بالمدينة: المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال:
وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال لها بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد ابن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا، ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله.
ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا، إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة، قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، قال: فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة فأخذ الحربة من يده، ثم قال:
والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمصعب: أي مصعب! جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة، فجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟
قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.
قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال: فو الله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من أوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرا لهم، وقائدا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله ص إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق قال: ثم إن مصعب بن عمير، رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ص العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه ص وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين، أخو بني سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب- وكان من أعلم الأنصار- حدثه ان أباه كعب ابن مالك حدثه- وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله ص بها، قال: خرجنا في حجاج قومنا، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء ابن معرور، سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيت رأيا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رايت الا أدع هذه البنية مني بظهر- يعني الكعبة- وأن أصلي إليها قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه قال: فقال: إني لمصل إليها، قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل، قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة.
قال: وقد عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قد منا مكة قال لي: يا بن أخي، انطلق بنا الى رسول الله ص، حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإني والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ص- وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك- فلقينا رجلا من اهل مكة، فسألناه عن رسول الله ص، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا: لا، قال: فهل تعرفان العباس ابن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم- قال: وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس ابن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد، فإذا العباس جالس ورسول الله ص جالس مع العباس، فسلمنا، ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ص للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟
قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك- قال:
فو الله ما انسى قول رسول الله ص: الشاعر؟ قال: نعم- قال:
فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرايت الا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها! فرجع البراء إلى قبله رسول الله ص، وصلى معنا إلى الشام قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.
قال: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ص العقبة من أوسط أيام التشريق.
قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ص لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام، أبو جابر، أخبرناه، وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من سادتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله ص إيانا العقبة.
قال: فأسلم، وشهد معنا العقبة- وكان نقيبا- فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ص، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ص، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج- وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك وربك ما أحببت.
قال: [فتكلم رسول الله ص، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم] .
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر
قال: فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله ص- أبو الهيثم بن التيهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك، وتدعنا! قال: فتبسم رسول الله ص، [ثم قال: بل الدم الدم، الهدم الهدم! أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم] [وقد قال رسول الله ص: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا،] يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق:
فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، [ان رسول الله ص قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي،] قالوا: نعم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن القوم لما اجتمعوا لبيعه رسول الله ص، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، ثم أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا:
ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وأما عاصم بن عمر بن قتادة، فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله ص في أعناقهم وأما عبد الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن ابى بن سلول، فيكون أقوى لأمر القوم والله أعلم أي ذلك كان، فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل ابو الهيثم ابن التيهان.
قال ابن حميد، قال: سلمة، قال محمد: وأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني- قال أبو جعفر: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد- قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ص البراء بن معرور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله ص صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله ص: ما يقول عدو الله؟ هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، اسمع عدو الله، أما والله لافرغن لك ثم قال رسول الله ص: ارفضوا الى رحالكم فقال له العباس ابن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله ص: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه.
قال: وصدقوا لم يعلموا قال: وبعضنا ينظر إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان جديدان.
قال: فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما الى، وقال: والله لتنتعلنهما قال: يقول أبو جابر: مه أحفظت والله الفتى! فاردد عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنه.
فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها قال أبو جعفر: وقال غير ابن إسحاق: كان مقدم من قدم على النبي ص للبيعة من الأنصار في ذي الحجة، وأقام رسول الله ص بعدهم بمكة بقية ذي الحجة من تلك السنه، والمحرم وصفر، وخرج مهاجرا إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وقدمها يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليله خلت منه.
وحدثنى علي بن نصر بن علي، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث- قال علي بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثني أبي- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه قال: لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي ص إلى المدينة، جعل أهل الإسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإسلام، فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ص بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.
ثم انه جاء رسول الله ص من المدينة سبعون نقيبا، رءوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فامر رسول الله ص أصحابه بالخروج إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي اخرج فيها رسول الله ص أصحابه وخرج، وهي التي أنزل الله عز وجل فيها:
«وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنهم أتوا عبد الله بن ابى بن سلون- يعني قريشا- فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم، فقال لهم: إن هذا لأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا وما علمته كان فانصرفوا عنه، وتفرق الناس من منى، فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر، والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعده ابن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة، يضربونه ويجبذونه بجمته- وكان ذا شعر كثير- فقال سعد:
فو الله إني لفي أيديهم، إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل أبيض وضيء شعشاع حلو من الرجال قال: قلت: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا مني رفع يديه فلطمني لطمة شديدة.
قال: قلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا خير قال: فو الله إني لفي أيديهم يسحبونني، إذ أوى إلي رجل منهم ممن معهم، فقال: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد! قال: قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف «تجاره،» وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال: ويحك! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما.
قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح، وإنه ليهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا، قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله إن كان ليجير تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده.
قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم وانطلق وكان الذى لكم سعدا سهيل ابن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي.
قال أبو جعفر: فلما قدموا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك، منهم عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبه، وبايع رسول الله ص في فتيان منهم، وبايع رسول الله ص من بايع من الأوس والخزرج في العقبة الآخرة، وهي بيعة الحرب حين أذن الله عز وجل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الأولى، وأما الأولى فإنما كانت على بيعة النساء، على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل، وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الأحمر والأسود على ما قد ذكرت قبل، عن عروة بن الزبير
وقد حدثنا ابن حميد- قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت- وكان أحد النقباء- قال: بايعنا رسول الله ص على بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى.
قال أبو جعفر: فلما أذن الله عز وجل لرسوله ص في القتال، ونزل قوله: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله» ، وبايعه الأنصار على ما وصفت من بيعتهم، امر رسول الله ص أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، [وقال: إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها] فخرجوا إرسالا، واقام رسول الله ص بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة، فكان أول من هاجر من المدينة والهجره إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، ثم من بني مخزوم، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى المدينة قبل بيعة اصحاب العقبه رسول الله ص بسنه، وكان قدم على رسول الله ص بمكة من ارض الحبشه، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرا.
ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة، حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب ثم عبد الله ابن جحش بن رئاب، وأبو أحمد بن جحش- وكان رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد- ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إرسالا.
واقام رسول الله ص بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد المهاجرين إلا أخذ فحبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ص في الهجره، [فيقول له رسول الله ص: لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحبا،] فطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رات قريش ان رسول الله ص قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم، بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعه، فحذروا خروج رسول الله ص إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ص حين خافوه!
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس والحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله ص غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بت له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم، من كل قبيلة، من بني عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بنى نوفل ابن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر ابن نوفل ومن بني عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام، ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن بني جمح أمية بن خلف، ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رايا، قال: فتشاروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله:
زهيرا، والنابغة ومن مضى منهم، من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم.
قال: فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه- كما تقولون- لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا، وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيا غير هذا! قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد! قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيله فتى شابا جلدا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه، ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم.
قال: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي لكم غيره.
فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله ص، فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه! قال: فلما كان العتمة من الليل، اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام، فيثبون عليه فلما رأى رسول الله ص مكانهم، [قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، واتشح ببردي الحضرمي الأخضر، فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم] وكان رسول الله ص ينام في برده ذلك إذا نام.
قال أبو جعفر: زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع: وقال له:
إن أتاك ابن أبي قحافة، فأخبره أني توجهت إلى ثور، فمره فليلحق بي، وأرسل إلي بطعام، واستأجر لي دليلا يدلني على طريق المدينة، واشتر لي راحلة ثم مضى رسول الله ص، وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه، وخرج عليهم رسول الله ص.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال:
اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال: وخرج رسول الله ص، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدهم وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم، وهو يتلو هذه الآيات من يس: «يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم» إلى قوله: «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» ، حتى فرغ رسول الله ص من هؤلاء الآيات، فلم يبق منهم رجل الا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا:
محمدا، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟
قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون، فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ص، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا، فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا له: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» ، وقول الله عز وجل:
«أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين» وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبى الله ص فأخبره أنه لحق بالغار من ثور، وقال: إن كان لك فيه حاجة فالحقه، فخرج ابو بكر مسرعا، فلحق نبى الله ص في الطريق، فسمع رسول الله ص جرس أبي بكر في ظلمة الليل، فحسبه من المشركين، فاسرع رسول الله ص المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر ان يشق على رسول الله ص، فرفع صوته، وتكلم، فعرفه رسول الله ص فقام حتى أتاه، فانطلقا ورجل رسول الله ص تستن دما، حتى انتهى إلى الغار مع الصبح، فدخلاه وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله ص، فدخلوا الدار، وقام على ع عن فراشه، فلما دنوا منه عرفوه، فقالوا له: اين صاحبك؟ قال: لا ادرى، او رقيبا كنت عليه! أمرتموه بالخروج فخرج، فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد، فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»
قال أبو جعفر: وأذن الله عز وجل لرسوله ص عند ذلك بالهجرة، فحدثنا علي بن نصر الجهضمي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: لما خرج أصحاب رسول الله ص إلى المدينة، وقبل أن يخرج- يعني رسول الله ص- وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمروا فيها بالقتال، استأذنه أبو بكر، ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه، حبسه رسول الله ص، وقال له: انظرني، فإني لا أدري، لعلي يؤذن لي بالخروج وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله ص الى المدينة، فلما استنظره رسول الله ص، وأخبره بالذي يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج، حبسهما وعلفهما، انتظار صحبة رسول الله ص، حتى أسمنهما، فلما حبس عليه خروج النبي ص، قال أبو بكر: أتطمع أن يؤذن لك؟ قال: نعم، فانتظره فمكث بذلك فأخبرتني عائشة، أنهم بينا هم ظهرا في بيتهم، وليس عند أبي بكر إلا ابنتاه: عائشة وأسماء، إذا هم برسول الله ص، حين قام قائم الظهيرة- وكان لا يخطئه يوما أن يأتي بيت أبي بكر أول النهار وآخره- فلما رأى أبو بكر النبي ص جاء ظهرا، قال له: ما جاء بك يا نبي الله إلا أمر حدث؟ فلما دخل عليهم النبي ص البيت، قال لأبي بكر: أخرج من عندك، قال: ليس علينا عين، إنما هما ابنتاي، قال: إن الله قد أذن لي بالخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر:
يا رسول الله، الصحابة، الصحابة! قال: الصحابة قال أبو بكر: خذ إحدى الراحلتين- وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر، يعدهما للخروج، إذا اذن لرسول الله ص- فأعطاه إحدى الراحلتين، فقال:
خذها يا رسول الله فارتحلها، [فقال النبي ص قد أخذتها بالثمن،] وكان عامر بن فهيرة مولدا من مولدي الأزد، كان للطفيل ابن عبد الله بن سخبرة، وهو أبو الحارث بن الطفيل، وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما، فأسلم عامر بن فهيرة، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حسن الإسلام، فلما خرج النبي ص وأبو بكر، كان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على أهله، فأرسل أبو بكر عامرا في الغنم إلى ثور، فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله ص بالغار في ثور، وهو الغار الذي سماه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلا من بني عبد بن عدي، حليفا لقريش من بني سهم، ثم آل العاص بن وائل، وذلك العدوي يومئذ مشرك، ولكنهما استأجراه، وهو هاد بالطريق وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبد الله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر بمكة، ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة، فيحلبان، ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس، ولا يفطن له، حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أن قد سكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطلق معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله، ليس معهما أحد إلا عامر بن فهيرة، وأخو بني عدي يهديهما الطريق، فأجاز بهما في أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد ما جاوز قديدا، ثم سلك الخرار، ثم أجاز على ثنية المرة، ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء، حتى توافوا طريق العرج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة، حتى يطلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدم المدينة على بني عمرو بن عوف قبل القائلة فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين- وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك- فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بنى النجار، فأراهم رسول الله ص مربدا كان بين ظهري دورهم.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ص، قالت: كان رسول الله ص لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله ص بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها.
قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ص هذه الساعة إلا لأمر حدث قالت: فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ص، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ص: أخرج عني من عندك، قال: يا نبي الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي! قال: إن الله عز وجل قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة.
قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتاي، كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أرقد- رجلا من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا- يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم- فيما بلغنى- بخروج رسول الله ص أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، فأما علي بن أبي طالب فإن رسول الله ص- فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ص الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ص وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه الا وضعه عند رسول الله ص، لما يعرف من صدقه وأمانته فلما أجمع رسول الله ص للخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله ص في الغار ثلاثا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ص وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم، حتى يعفي عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها، فجعلته لها عصاما، ثم علقتها به- فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين، لذلك- فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ص، قرب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك ابى وأمي! [فقال رسول الله ص: إني لا أركب بعيرا ليس لي،] قال: فهو لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال:
قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثت عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسول الله ص وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال، لا ندري أين توجه رسول الله ص، حتى أقبل رجل من الجن، من أسفل مكة يغني بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه، يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واغتدوا به فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله ص، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله ص، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقد دليلهما.
قال أبو جعفر: حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال: حدثنا هشام ابن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر، سعد تميم، سعد هذيم! فلما كان في الليلة الثانية، سمعوه يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
قال أبو جعفر: وقدم دليلهما بهما قباء، على بني عمرو بن عوف، لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين حين اشتد الضحى، وكادت الشمس أن تعتدل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله ص، قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ص من مكة، وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا، ننتظر رسول الله ص، فو الله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا بيوتنا، وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان في اليوم الذى قدم فيه رسول الله ص جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله ص حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وإنا كنا ننتظر قدوم رسول الله ص، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء.
قال: فخرجنا إلى رسول الله ص، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا من لم يكن راى رسول الله ص قبل ذلك، قال: وركبه الناس، وما نعرفه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله ص، فقام أبو بكر، فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، فنزل رسول الله ص- فيما يذكرون- على كلثوم بن هدم، أخي بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني عبيد، ويقال:
بل نزل على سعد بن خيثمة.
ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم: إنما كان رسول الله ص إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم، جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله ص من المهاجرين عنده، فمن هنالك يقال: نزل على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة: بيت العزاب، فالله أعلم أي ذلك كان، كلا قد سمعنا.
ونزل أبو بكر بن أبي قحافة على خبيب بن اساف، أخي بنى الحارث ابن الخزرج بالسنح، ويقول قائل: كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير، أخي بني الحارث بن الخزرج.
وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله ص الودائع التي كانت عنده إلى الناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ص، فنزل معه على كلثوم ابن هدم، فكان علي يقول: وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة، ليلة أو ليلتين، وكان يقول: كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها في جوف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه، قال: فاستربت لشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئا، ما أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك! قالت: هذا سهل بن حنيف بن واهب، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، وقال: احتطبي بهذا فكان علي بن أبي طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فأقام رسول الله ص بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم أخرجه الله عز وجل من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم.
ويقول بعضهم: إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما.
قال أبو جعفر: واختلف السلف من أهل العلم في مده مقام رسول الله ص بمكة بعد ما استنبئ، فقال بعضهم: كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدني- يقال له أبو زكير- قال: سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس ابن مالك، ان رسول الله ص بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشرا.
حدثني الحسين بن نصر الآملي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أخبرتني عائشة وابن عباس ان رسول الله ص لبث بمكة عشر سنين، ينزل عليه القرآن.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: انزل على رسول الله ص القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكة عشرا.
حدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا احمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبي ص وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكة عشرا.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، قال: هاجر رسول الله ص على رأس عشر من مخرجه
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل أقام بعد ما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد- يعني ابن سلمة-، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ص بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه.
حدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا حماد ابن سلمة، قال: حدثنا أبو جمرة الضبعي، عن ابن عباس، قال:
بعث رسول الله ص لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة
حدثني محمد بن معمر، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا زكرياء ابن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: مكث رسول الله ص بمكة ثلاث عشرة سنة.
حدثني عبيد بن محمد الوراق، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث النبي ص لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة.
قال أبو جعفر: وقد وافق قول من قال: بعث رسول الله ص لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، أخي بني عدي بن النجار، في قصيدته التي يقول فيها، وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبى الله ص، عليهم:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مواتيا!
ويعرض في اهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوى، ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنت به النوى وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه وما قال موسى إذ أجاب المناديا
وأصبح لا يخشى من الناس واحدا قريبا، ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتأسيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره ونعلم ان الله افضل هاديا
فاخبر ابو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله ص في قومه قريش كان بعد ما استنبئ وصدع بالوحي من الله بضع عشرة حجة.
وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:
** ذكر من قال ذلك: **
حدثني بذلك الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك:
ثوى في قريش خمس عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مواتيا!
قال أبو جعفر: وقد روي عن الشعبي إن إسرافيل قرن برسول الله ص قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي- قال: وحدثنا إملاء من لفظه منصور عن الأشعث، عن الشعبي- قال:
قرن إسرافيل بنبوة رسول الله ص ثلاث سنين، يسمع حسه، ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل ع قال الواقدي:
فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار، فقال: والله يا بن أخي لقد سمعت عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقي يقول لهما هذا، فأنكراه جميعا وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفى ص.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر، قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ع، فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة.
قال أبو جعفر: فلعل الذين قالوا: كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عز وجل، وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا: كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبئ فيه، وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة.
وقد روي عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت، وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله ص ثماني سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر، وكان الحسن يقول: عشرا بمكة وعشرا بالمدينة
** ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ **
قال ابو جعفر: ولما قدم رسول الله ص المدينة، أمر بالتأريخ فيما قيل حدثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي سلمه، عن ابن شهاب، ان النبي ص لما قدم المدينة- وقدمها في شهر ربيع الأول- أمر بالتأريخ.
قال أبو جعفر: فذكر أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة، وقد قيل إن أول من أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب، رحمه الله.
** ذكر الأخبار الواردة بذلك: **
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا ابو نعيم، قال: حدثنا حبان ابن علي العنزي، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر: إنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ قال: فجمع عمر الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله ص وقال بعضهم: لمهاجر رسول الله ص، فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله ص، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الخراز، عن فرات بن سلمان، عن ميمون بن مهران، قال: رفع إلى عمر صك محله في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟
الذي هو آت، أو الذي نحن فيه؟ قال: ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا للناس شيئا يعرفونه، فقال: بعضهم: اكتبوا على تأريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول وقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا: كم اقام رسول الله ص بالمدينة؟ فوجدوه عشر سنين، فكتب التأريخ من هجره رسول الله ص
حدثت عن أمية بن خالد وأبي داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ قال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب: حسن، فأرخوا فقالوا: من أي السنين نبدأ؟ قالوا: من مبعثه، وقالوا: من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا: فأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرم، فهو منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام، فأجمعوا على المحرم.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن أبي مريم وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أبي، قالا جميعا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل ابن سعد، قال: ما أصاب الناس العدد، ما عدوا من مبعث رسول الله ص، ولا من وفاته، ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس، قال: كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله ص المدينة، وفيها ولد عبد الله بن الزبير
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا يعقوب ابن إسحاق بن أبي عباد، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التأريخ في السنه التي قدم رسول الله ص فيها، فذكر مثله.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا نوح بن قيس الطاحي، عن عثمان بن محصن، أن ابن عباس كان يقول في: «والفجر وليال عشر» ، قال: الفجر هو المحرم، فجر السنة.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبيد بن عمير، قال: إن المحرم شهر الله عز وجل، وهو رأس السنة، فيه يكسى البيت، ويؤرخ التأريخ، ويضرب فيه الورق، وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله عز وجل عليهم.
حدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن أول من أرخ الكتب يعلى بن اميه، وهو باليمن، وان النبي ص قدم المدينة في شهر ربيع الأول، وأن الناس أرخوا لأول السنة، وإنما أرخ الناس لمقدم النبي ص.
وقال علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وعن محمد ابن صالح، عن الشعبي، قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار ابراهيم ع إلى بنيان البيت، حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان البيت، حتى تفرقت، فكان كلما خرج قوم من تهامه ارخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة، بني زيد، من تهامة، حتى مات كعب بن لؤي، فأرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل، فكان التأريخ من الفيل، حتى ارخ عمر ابن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة.
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا الدراوردي، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال:
سمعت سعيد بن المسيب، يقول: جمع عمر بن الخطاب الناس، فسألهم، فقال: من اى يوم نكتب؟ [فقال على ع: من يوم هاجر رسول الله ص، وترك أرض الشرك] ، ففعله عمر رضي الله عنه
قال أبو جعفر: وهذا الذي رواه علي بن مجاهد، عمن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غير بعيد من الحق، وذلك انهم لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم، وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم، ولزبة أصابتهم، أو بالعامل كان يكون عليهم، أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم، يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم، ولو كان لهم تأريخ على أمر معروف، وأصل معمول عليه، لم يختلف ذلك منهم.
ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزاري:
هأنذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا!
فارخ عمره بحجر بن عمرو أبي امرئ القيس.
وقال نابغة بني جعدة:
فمن يك سائلا عني فإني من الشبان أزمان الخنان
فجعل النابغة تأريخه ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة.
وقال آخر:
وما هي إلا في إزار وعلقة مغار ابن همام على حي خثعما
فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات، أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض، وقرب وقت ما أرخ به من وقت الآخر، بغير المعنى الذي أرخ به الآخر، ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها، كانوا إن شاء الله لا يتعدونه، ولكن الأمر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت، فأما قريش من بين العرب، فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجره النبي ص من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل، وذلك عام ولد رسول الله ص، وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة، وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبه ومبعث النبي ص خمس سنين.
قال أبو جعفر: وبعث رسول الله ص وهو ابن أربعين سنة، وقرن بنبوته- كما قال الشعبي- ثلاث سنين: إسرافيل، وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قدمنا الرواية والإخبار به، ثم قرن بنبوته جبريل ع بعد السنين الثلاث، وأمره بإظهار الدعوة إلى الله، فأظهرها، ودعا إلى الله مقيما بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ، وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين، وقدومه المدينة يوم الاثنين، لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الاول
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ص يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، قال: قدم رسول الله ص المدينة يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر في تأريخ المسلمين كالذي وصفت، فإنه وإن كان من الهجرة، فإن ابتداءهم اياه قبل مقدم النبي ص المدينة بشهرين وأيام، هي اثنا عشر، وذلك أن أول السنة المحرم، وكان قدوم النبي ص المدينة، بعد مضي ما ذكرت من السنة، ولم يؤرخ التاريخ من وقت قدومه، بل من أول تلك السنة