Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
[القول في السيرة النبوية]
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 46 of 356
** ذكر نسب رسول الله ص وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده **
اسم رسول الله ص، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف- وهو أبو طالب- بنو عبد المطلب لأم واحدة، وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، وأبو طالب- واسمه عبد مناف- والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، أم جميعهم فاطمه بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم بن يقظة.
وكان عبد المطلب- فيما حدثني يونس بن عبد الأعلى- قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم- وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة- على المائة من الإبل- فقال ابن عباس للمرأة: فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصابا الفتيا، إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبي إلى الله، وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير، فأما أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك، وأعجبهم قول مروان، ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله.
وأما ابن إسحاق، فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة، هي اشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب، وذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبد المطلب بن هاشم- فيما يذكرون والله أعلم- قد نذر حين لقي من قريش في حفر زمزم ما لقي: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل سبعة أقدح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، وإذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه: نعم للأمر إذا ارادوه يضرب به، فإن خرج قدح: نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح- فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطى كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه- وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، وهو أبو رسول الله ص- فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده، وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إساف ونائلة- وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها- ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا، لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا! فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- وكان عبد الله ابن أخت القوم-:
والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته.
فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها- فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا إليها حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به، ونذره فيه فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله.
فرجعوا عنها، فلما خرجوا من عندها، قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل- وكانت كذلك- قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم،.
وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل- وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله- فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله، فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشرا، حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مائة، وعبد المطلب قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر:
قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.
ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر- فيما يزعمون- على امراه من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يقال لها: أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت:
لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- ووهب يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا- فزوجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وبرة لأم حبيب بنت اسد ابن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بمحمد ص ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة ابن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، حتى أدرك، فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق بن يسار، أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد ص، ثم مر بامرأته تلك، فقال: هل لك؟ فقالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة، فدعوتني فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى علي، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها، فحملت برسول الله ص.
حدثني علي بن حرب الموصلي، قال: حدثنا محمد بن عمارة القرشي، قال: حدثنا الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من خثعم، يقال لها فاطمة بنت مر، متهودة من أهل تبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورا، فقالت له: يا فتى، هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فقال:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه، فمضى به، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت؟ فقالت:
يا فتى، إني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في، وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد، فما صنعت بعدي؟ قال:
زوجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثا، فأنشأت فاطمة بنت مر تقول:
إني رأيت مخيله لمعت فتلألأت بحناتم القطر
فلمأتها نورا يضيء له ما حوله كإضاءة البدر
فرجوتها فخرا أبوء به ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت ثوبيك ما استلبت وما تدري!
وقالت أيضا:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم امينه إذ للباه تعتركان
كما غادر المصباح عند خموده فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي الفتى من تلاده لعزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه سيكفيكه جدان يعتلجان
سيكفيكه إما يد مقفعلة وإما يد مبسوطة ببنان
ولما حوت منه أمينة ما حوت حوت منه فخرا ما لذلك ثان
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا معمر وغيره، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته، وقيل لها:
هل لك أن تزوجيه! فتزوجته آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلقت برسول الله ص، وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.
قال الواقدي: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري، عن أم بكر بنت المسور، أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوجا في مجلس واحد، فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج عبد الله ابن عبد المطلب
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقدي: والثبت عندنا، ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة- وقيل التابعة- في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.
** ابن عبد المطلب **
وعبد المطلب اسمه شيبة، سمي بذلك، لأنه فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.
وقيل له عبد المطلب، وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له الى الشام، فسلك طريق المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وفيما حدثت عن هشام ابن محمد عن أبيه وفيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض- على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو- وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو- ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشرط عليه ألا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها، ثم انصرف راجعا من الشام، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها، ومضى إلى الشام فمات بها بغزة، فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثي مكة، قال للمطلب وهو جالس في الحجر:
يا أبا الحارث، تعلم أني وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به، فقال له الحارثي: هذه ناقتي بالفناء فاركبها، فجلس المطلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بني عدي بن النجار، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس، فعرف ابن أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه، فإنها إن علمت لم تدعه، وحلنا بينك وبينه فدعاه، فقال: يا بن أخي، أنا عمك، وقد أردت الذهاب بك الى قومك- واناخ راحلته- فما كذب أن جلس على عجز الناقة، فانطلق به، ولم تعلم به أمه حتى كان الليل، فقامت تدعو بحربها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، وقدم به المطلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟
فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة، فاشترى حلة فألبسها شيبة، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة، فيقال:
هذا عبد المطلب، لقوله: هذا عبدي حين سأله قومه، فقال المطلب:
عرفت شيبة والنجار قد جعلت ابناؤها حوله بالنبل تنتضل
وقد حدثني هذا الحديث علي بن حرب الموصلي، قال: حدثني أبو معن عيسى- من ولد كعب بن مالك- عن محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بني عدي بن النجار، ذات شرف، تشرط على من خطبها المقام بدار قومها، فتزوجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فربى في أخواله مكرما، فبينا هو يناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خصلة، فقال: أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة، قال لعمه المطلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة فرحل المطلب حتى ورد المدينة، فأراده على الرحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذنت له، وأقبل به قد أردفه، فإذا لقيه اللاقي وقال: من هذا يا مطلب؟ قال: عبد لي، فسمي عبد المطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه، فسألهم النصرة على عمه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:
أبلغ بني النجار إن جئتهم إني منهم وابنهم والخميس
رأيتهم قوما إذا جئتهم هووا لقائي وأحبوا حسيس
فإن عمي نوفلا قد أبى إلا التي يغضي عليها الخسيس
قال: فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا، حتى أتى الأبطح، وبلغ عبد المطلب، فخرج يتلقاه، فقال: المنزل يا خال! فقال: أما حتى ألقى نوفلا فلا قال: تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استل سيفه، ثم قال: ورب هذه البنية، لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإني ورب هذه البنية أرد ركحه فأشهد عليه من حضر، ثم قال: المنزل يا بن أختي، فأقام عنده ثلاثا واعتمر، وأنشأ عبد المطلب يقول:
تأبى مازن وبنو عدي ودينار بن تيم اللات ضيمي
وساده مالك حتى تناهى ونكب بعد نوفل عن حريمي
بهم رد الإله علي ركحي وكانوا في التنسب دون قومي
وقال في ذلك سمرة بن عمير، أبو عمرو الكناني:
لعمري لأخوال لشيبة قصرة من أعمامه دنيا أبر وأوصل
أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل
جزى الله خيرا عصبة خزرجية تواصوا على بر، وذو البر أفضل
قال: فلما رأى ذلك نوفل، حالف بني عبد شمس كلها على بني هاشم.
قال محمد بن أبي بكر: فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال:
يا بن أبي بكر، هذا شيء ترويه الأنصار تقربا إلينا، إذ صير الله الدولة فينا! عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال: وكان متكئا فجلس مغضبا، وقال: من خير من عبد المطلب! قلت: محمد رسول الله ص، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.
وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدثنا زياد بن علاقة التغلبي- وكان قد أدرك الجاهلية- قال: كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله ص بسببه مكة، وقال: لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب، أن نوفل بن عبد مناف- وكان آخر من بقي من بني عبد مناف- ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له- وهي الساحات- وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصف عبد المطلب عمه، فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله:
يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي هل من رسول الى النجار اخوالى!
بنى عديا ودينارا ومازنها ومالكا عصمة الجيران عن حالي
قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ظلم عزيزا منيعا ناعم البال
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني عن ذاك مطلب عمي بترحال
وكنت ما كان حيا ناعما جذلا امشى لعرضنه سحابا لأذيالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة وقام نوفل كي يعدو على مالي
أإن رأى رجلا غابت عمومته وغاب أخواله عنه بلا وال
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ما أمنع المرء بين العم والخال!
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم لا تخذلوه وما أنتم بخذال
ما مثلكم في بني قحطان قاطبة حي لجار وإنعام وإفضال
أنتم ليان لمن لانت عريكته سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي
قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكبا، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحا! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل! أنصف ابن أختنا من ظلامته قال: أفعل بالحب لكم والكرامة، فرد عليه الأركاح وأنصفه.
قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال: فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا.
وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة، وشرف في قومه، وعظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد، وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونا، وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما- فيما ذكر- حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية، وأدراع، فجعل الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته- فيما قيل- الكعبه.
وكانت كنيه عبد المطلب أبا الحارث، كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة
** ابن هاشم **
واسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي- وقال ابن الكلبي: إنما قاله ابن الزبعرى:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزورا، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز.
وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس- وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطلب- وكان أصغرهم- أمهم عاتكة بنت مرة السلمية، ونوفل- وأمه واقدة- بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعا، وكان يقال لهم المجبرون، قال: ولهم يقال:
يا ايها الرجل المحول رحله ألا نزلت بآل عبد مناف!
فكانوا أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبر الله بهم قريشا، فسموا المجبرين.
وقيل: ان عبد شمس وهاشما توأمان، وإن أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت عنها فسال من ذلك دم، فتطير من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء ولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك- يعني في إطعام هاشم قومه الثريد:
تحمل هاشم ما ضاق عنه وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر متأقات من أرض الشام بالبر النفيض
فأوسع أهل مكة من هشيم وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مكللات من الشيزى وحائرها يفيض
قال: فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف- وكان ذا مال- فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
حدثني الحارث قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد، وكان عالما، قالا: تنافر عبد المطلب ابن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى ان ينفر بينها، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى ابن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا! فنفره عليه فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما! فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزة من أرض الشام، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب
** ابن عبد مناف **
واسمه المغيرة، وكان يقال له القمر من جماله وحصنه وكان قصي يقول- فيما زعموا-: ولد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي، وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصي- وعبد العزى والد أسد- وعبد الدار بن قصي، وعبد قصي بن قصي- درج ولده- وبرة بنت قصي، أمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه حبى دفعته إلى مناف- وكان أعظم أصنام مكة- تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له:
كانت قريش بيضه فتفلقت فالمح خالصة لعبد مناف
** ابن قصي **
وقصي اسمه زيد، وإنما قيل له قصي، لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل- واسم سيل، خير- بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جعثمة بن يشكر، من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل، فولدت لكلاب زهرة وزيدا، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شب زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنه بن عبد بن كبير ابن عذرة بن سعد بن زيد، أحد قضاعة، فتزوج- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه- فاطمة أم زهرة وقصي- وزهرة رجل قد بلغ، وقصي فطيم أو قريب من ذلك- فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة، من أشراف الشام، فاحتملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى، وهم حن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة، فسمي زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكة، فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي- فيما يزعمون- إلا إلى ربيعة بن حرام، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء- وقد بلغ قصي، وكان رجلا شابا- فأنبه القضاعي بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا! فرجع قصي إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بني أكرم منه نفسا ووالدا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان رجلا جليدا نسيبا، فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى بنت حليل، فعرف حليل النسب ورغب فيه، فزوجه- وحليل يومئذ فيما يزعمون- يلي الكعبة وأمر مكة.
فأما ابن إسحاق، فإنه قال في خبره: فأقام قصي معه- يعني مع حليل- وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام- وهو ببلاد قومه- يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.
وقال هشام في خبره: قدم قصي على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصي أخاه رزاحا، وله ثلاثة أخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع قصي قومه بنو النضر، فنفوا خزاعة، فتزوج قصي حبى بنت حليل بن حبشية من خزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حليل آخر من ولي البيت، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى، فقالت:
قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غبشان- وهو سليم بن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى- فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود.
فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة.
فبلغنا- والله أعلم- أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تفنيهم، فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم، فسمي مجمعا، وله يقول مطرود- وقيل: إن قائله حذافة ابن غانم:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر
وملكه قومه عليهم.
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصي ما طلب.
فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا منى، وقصي مجمع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة، ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيزهم إذا نفروا من منى، إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار- ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي- فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمي معك، فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك، ويقولون: ويلك قم فارم! فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، هذا الحديث، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد.
فإذا فرغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منى، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلما كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.
قال: وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة، وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم، والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعا، وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، إلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه، ليقضي بينهم، فحكموا يعمر بن عوف ابن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانه وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى ابن كلاب وبين الكعبة ومكة، فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء ووضع منها فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصي أول ولد كعب ابن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة أرباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدها لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمنا بأمره ومعرفة بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب- وهو خليفة- حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة، فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره.
قال: فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة، إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه، وذلك لأنه كان يراه دينا في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث ابن شجنة وراثة، وكانت عدوان على ما كانت عليه، وكانت النسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصي دارا بمكة، وهي دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، فلما كبر قصى ورق عظمه- وكان عبد الدار بكره هو، كان أكبر ولده، وكان- فيما يزعمون- ضعيفا، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصي لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك.
فأعطاه داره، دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة- وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج، حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى من امر قصى ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار، يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
ثم إن قصيا هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه.
** ابن كلاب **
وأم كلاب- فيما ذكر- هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وله أخوان من ابيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما- فيما قال هشام بن الكلبي- أسماء بنت عدي بن حارثة ابن عمرو بن عامر بن بارق.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمهما هند بنت حارثة البارقية قال: ويقال:
بل يقظة لهند بنت سرير، أم كلاب
** ابن مرة **
وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل: إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان
** ابن كعب **
وأم كعب ماوية- فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي- وماوية بنت كعب ابن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وله أخوان من أبيه وأمه: أحدهما يقال له عامر، والآخر سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم، كان يقال له: عوف، أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان.
ذكر أن الباردة لما مات لؤي بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها، فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض، فتبنى عوفا، وفيه يقول- فيما ذكر- فزارة بن ذبيان:
عرج علي ابن لؤي جملك يتركك القوم ولا منزل لك
ولكعب أخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمه، وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة، من خثعم، والآخر سعد ويقال لهم بنانة، وبنانة أمهم، فأهل البادية منهم اليوم- فيما ذكر- في بني أسعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة، وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش
** ابن لؤي **
وأم لؤي- فيما قال هشام- عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله ص من قريش، وله أخوان من أبيه وأمه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم- والدرم نقصان في الذقن، قيل إنه كان ناقص اللحي- وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤي أحد، وإن آخر من كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسري، فبقي ميراثه، لا يدري من يستحقه.
وقد قيل: إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة ابن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، من خزاعة
** ابن غالب **
وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وإخوته من أبيه وأمه: الحارث، ومحارب، وأسد، وعوف، وجون، وذئب، وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح
** ابن فهر **
وفهر- فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال: هو جماع قريش، قال: وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي.
وقال ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد- قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي.
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول- فيما ذكر عنه- أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وقيل: إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق، من الأزد.
وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري وكان حسان- فيما قيل- أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نزل بنخلة، فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة، فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة- فيمن قتل من الناس- ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به، فمات بين مكة واليمن.
** ابن مالك **
وأمه عكرشة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان.
وقيل: إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان، واسمها عاتكة.
وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك أخوان، يقال لأحدهما: يخلد، فدخلت يخلد في بني عمرو بن الحارث ابن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش والآخر منهما يقال له:
الصلت، لم يبق من ذريته أحد.
وقيل: سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة، وبه سميت قريش قريشا، لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل بني النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدرا، احتفر بدرا، قالوا: فيه سميت البئر التي تدعى بدرا، بدرا.
وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة.
وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشا، لأن النضر بن كنانة خرج يوما على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.
وقيل: إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها، لأنها أعظم دواب البحر قوة.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش- فيما زعموا- التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم- واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، بقول الشاعر:
أيها الناطق المقرش عنا عند عمرو فهل لهن انتهاء!
وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل: بل لم تزل بنو النضر ابن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب، فقيل لهم: قريش، من أجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب تقرش بنو النضر، أي قد تجمعوا.
وقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرشت عن الغارات.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم، أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال:
لما نزل قصي الحرم وغلب عليه، فعل أفعالا جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سمي به.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم، قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر:
وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة، حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فأخبرني كثير بن عبد الله المزني، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله ص وأبي بكر وعمر وعثمان، قال: محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم
** ابن النضر **
النضر قيس، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخه واخوته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمر وسعد وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة- وقيل فكهة- وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني، وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هندا بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود، فولدت له، فحضن علي بني أخيه، فنسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة: بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله:
لله در بني علي أيم منهم وناكح
وكعب بن زهير بقوله:
صدموا عليا يوم بدر صدمة دانت علي بعدها لنزار
ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود، فقتله، فوداه أسد بن خزيمة
** ابن كنانة **
وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل: إن أمه هند بنت عمرو بن قيس، وإخوته من أبيه أسد وأسدة، يقال إنه أبو جذام والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة، وهي أم النضر بن كنانة، خلف عليها بعد أبيه.
** ابن خزيمة **
وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأمه هذيل، وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وقد قيل: إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة
** ابن مدركة **
واسمه عمرو، وأمه خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل: بها سمي حمى ضرية، وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر- وهو طابخة- وعمير- وهو قمعة- ويقال:
إنه أبو خزاعة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق أنه قال: أم بني إلياس خندف، وهي امرأة من أهل اليمن، فغلبت على نسب بنيها، فقيل: بنو خندف.
قال: وكان اسم مدركة عامرا، واسم طابخة عمرا قال: وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيدا، فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟
فقال عمرو: بل أطبخ الصيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو:
أنت طابخة.
وحدثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمي مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة، وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة، وخرجت أمهم تمشي فقال لها: إلياس أين تخندفين؟ فسميت خندف- والخندفة ضرب من المشي- قال: وقال قصي بن كلاب:
أمهتي خندف وإلياس أبي.
قال: وقال إلياس لعمرو ابنه:
إنك قد أدركت ما طلبتا.
ولعامر:
وأنت قد أنضجت ما طبختا.
ولعمير:
وأنت قد اسات وانقمعتا
** ابن إلياس **
وأمه الرباب بنت حيدة بن معد، واخوه لأبيه وأمه الناس، وهو عيلان، وسمي عيلان- فيما ذكر- لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له: لتغلبن عليك العيلة يا عيلان، فلزمه هذا الاسم.
وقيل: بل سمي عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان.
وقيل: سمي بذلك، لأنه ولد في جبل يسمى عيلان.
وقيل: سمي بذلك لأنه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان.
** ابن مضر **
وأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأمه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما، وهما ربيعة وأنمار، أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم ابن جلهمة بن عمرو، من جرهم.
وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة اوصى بنيه، وقسم ماله بينهم، فقال: يا بني، هذه القبة- وهي قبة من أدم حمراء- وما أشبهها من مالي لمضر، فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة، فخلف خيلا دهما، فسمي الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد- وكانت شمطاء- فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي فاختلفوا في القسمة، فتوجهوا إلى الأفعى، فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر؟
قال: نعم، قال أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بعيري، دلوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته! فساروا جميعا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فنادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وصفوا لي صفته ثم قالوا:
لم نره فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره.
وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به وقال:
أنمار: عرفت أنه شرود، لأنه يرعى المكان الملتف نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم: من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم فقال: أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مضر:
لم أر كاليوم خمرا أجود، لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له وقال أنمار: لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا.
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم، وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة، ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد وقيل لربيعة: بم عرفت؟ فذكر كلاما.
فأتاهم الجرهمي، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما اوصاهم به أبوهم، فقضي بالقبة الحمراء والدنانير والإبل- وهي حمر- لمضر، وقضي بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة، وقضي بالخادم- وكانت شمطاء- وبالخيل البلق لإياد، وقضي بالأرض والدراهم لأنمار
** ابن نزار **
وقيل إن نزارا كان يكنى أبا إياد وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمه قنص، وقناصة، وسنام، وحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعبيد الرماح، والعرف، وعوف، وشك، وقضاعة، وبه كان معد يكنى، وعدة درجوا.
** ابن معد **
وأم معد- فيما زعم هشام- مهدد بنت اللهم- ويقال: اللهم- ابن جلحب بن جديس وقيل: ابن طسم وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.
حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني: وإخوته من أبيه وأمه الديث- وقيل: إن الديث هو عك وقيل: ان عكا هو ابن الديث ابن عدنان
- وعدن بن عدنان، فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن، وإليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا، وأبين- وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا- وأد بن عدنان درج، والضحاك، والعي، وأم جميعهم أم معد
وقال بعض النسابة: كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن، وترك أخاه معدا، وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضوري، بعث الله عليهم بختنصر عذابا، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معدا، فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة، فوجد معد إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوجوا فيهم، وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم، واستشهدوا في ذلك قول الشاعر:
تركنا الديث أخوتنا وعكا إلى سمران فانطلقوا سراعا
وكانوا من بني عدنان حتى أضاعوا الأمر بينهم، فضاعا
** ابن عدنان **
ولعدنان أخوان لأبيه، يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد ص لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان، وأنه على ما بينت من نسبه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره، عن نسبة رسول الله ص: محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد.
ثم يختلفون فيما بعد ذلك.
وقال الزبير بن بكار: حدثني يحيى بن المقداد الزمعي، عن عمه موسى ابن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن عمته أم سلمة زوج النبي ص، قالت: [سمعت رسول الله ص يقول: معد ابن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى،] قالت أم سلمة:
فزند هو الهميسع، ويرى وهو نبت، وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني، عن موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته، عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني، قالت: [قال رسول الله ص: معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى] .
وقال ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان- فيما يزعم بعض النساب- بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح ابن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.
وبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
قال: وقد انتمى قصي بن كلاب إلى قيذر في شعر.
قال: ويقول بعض النساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول.
وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه- فيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن هشام- قال: أخبرني مخبر عن أبي ولم أسمعه منه، أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال ابن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم ابن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعاء بن حمدان بن سنبر ابن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيفى بن ديشان بن عيصر بن اقناد ابن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: وكان رجل من أهل تدمر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بني إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علما، فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا، أثبت نسب معد بن عدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية.
قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعر قصي:
فلست لحاضن إن لم تأثل بها أولاد قيذر والنبيت
قال: أراد نبت بن إسماعيل.
وقال الزبير بن بكار: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكرياء ابن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.
وقال بعضهم: هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن تريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن اسماعيل ابن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير ابن المجشر بن معد مر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سلمان- وهو سلامان- ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح ابن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن اسحب ابن سعد بن تريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانه ابن العوام بن نبت بن قيدر بن إسماعيل.
وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب، فوجد العدد متفقا، واللفظ مختلفا، وأملى ذلك علي فكتبته عنه، فقال: هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع- وهميسع هو سلمان وهو أمين- ابن هميتع- وهو هميدع وهو الشاجب ابن سلامان- وهو منجر، وهو نبيت سمي بذلك- فيما زعم- لأنه كان منجر العرب، لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي:
تناشدني طي وطي بعيده وتذكرني بالود ازمان ينبت
قال: نبيت بن عوص- وهو ثعلبة قال: وإليه تنسب الثعلبية- ابن بورا- وهو بوز وهو عتر العتائر، وأول من سن العتيرة للعرب- ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب- ابن يعمانا- وهو قموال.
وهو بريح الناصب، وكان في عصر سليمان بن داود النبي ص- ابن كسدانا- وهو محلم ذو العين- ابن حرانا- وهو العوام- ابن بلداسا- وهو المحتمل- ابن بدلانا- وهو يدلاف، وهو رائمه- ابن طهبا- وهو طالب، وهو العيقان- ابن جهمي- وهو جاحم، وهو علة- ابن محشي- وهو تاحش، وهو الشحدود- ابن معجالي- وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار- ابن عقارا- وهو عافي، وهو عبقر أبو الجن، قال: وإليه تنسب جنة عبقر- ابن عاقاري- وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل قال: وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف، ورد كل طريد، واستصلح الناس-- ابن بيداعى- وهو الدعاء، وهو إسماعيل ذو المطابخ، سمي بذلك لأنه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة- ابن ابداعي- وهو عبيد وهو يزن الطعان، وهو أول من قاتل بالرماح، فنسبت إليه- ابن همادي وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسا له، وإليه تنسب الأعوجية من الخيل- ابن بشماني- وهو بشين وهو المطعم في المحل- ابن بثراني- وهو بثرم، وهو الطمح- ابن بحرانى- وهو يحزن، وهو القسور- ابن نلحانى، وهو يلحن، وهو العنود- ابن رعواني- وهو رعوي، وهو الدعدع- ابن عاقاري- وهو عاقر- ابن داسان، وهو الزائد- ابن عاصار- وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان- ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية- ابن قنادي- وهو قنار، وهو إيامة بن ثامار، وهو بهامي، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دوس لأمرين: أما أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا، وذلك أنهم بغوا في الحرم، فقتلهم دوس، وأتبع الذر آثار من بقي منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم- ابن مقصر- وهو مقاصري، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير- ابن سمي- وهو سما، وهو المجشر، وكان- فيما زعم- أعدل ملك ولي وأحسنه سياسة، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:
كن كالمجشر إذ قالت رعيته كان المجشر أوفانا بما حملا
ابن مزرا- ويقال مرهر- ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفي، هو اجود ملك رئى على وجه الأرض، وله يقول أمية بن أبي الصلت:
إن الصفي بن النبيت مملكا أعلى وأجود من هرقل وقيصرا
ابن جعثم- وهو عرام، وهو النبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل قيذر صاحب ملك، كان أول من ملك من ولد إسماعيل- ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن ابراهيم خليل الرحمن بن تارخ- وهو آزر- ابن ناحور بن ساروع بن ارغوا ابن بالغ- وتفسير بالغ القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام بن نوح ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي ص- ابن يرد- وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه- ابن مهلائيل بن قينان بن انوش ابن شيث- وهو هبه الله ابن آدم ع وكان وصي أبيه بعد مقتل هابيل، فقال: هبة الله من هابيل، فاشتق اسمه من اسمه.
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا، بوجيز من القول مختصر، في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وحدثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش، وإنما حرم الحنث، منذ ولد أبونا شث، وهو بالسريانية شيث.
ونعود الآن إلى:
** ذكر رسول الله ص وأسبابه **
فتوفي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين،
كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطلب يوصى برسول الله ص عمه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله ص كانا لأم، فكان أبو طالب هو الذي يلى امر رسول الله ص بعد جده، وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله ص- فيما يزعمون- فرق له أبو طالب، فقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا، أو كما قال فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب- فيما يزعمون- يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك أنه رأى رسول الله ص وهو في صومعته، عليه غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين اظلت الشجرة، وتهصرت اغصان الشجرة على رسول الله ص، حتى استظل تحتها، فلما راى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا، فلما راى بحيرى رسول الله ص جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته.
فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، سال رسول الله ص عن أشياء في حاله، في يقظته وفي نومه، فجعل رسول الله ص يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، فقال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال:
مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع به الى بلدك، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنه شرا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة.
وقال هشام بن محمد: خرج ابو طالب برسول الله ص إلى بصرى من أرض الشام، وهو ابن تسع سنين.
حدثني العباس بن محمد، قال: حدثنا ابو نوح، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه رسول الله ص في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب- وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.
قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ص، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش: ما علمك؟ قال:
إنكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به كان هو في رعية الإبل.
قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة، فقال: انظروا إليه، عليه غمامة تظله! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال:
فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس، وإنا اخترنا خيرة، بعثنا إلى طريقك هذا، قال لهم: هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم؟
قالوا: لا، إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده! قالوا: لا، فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم، فقال: أنشدكم الله، أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن علي، [عن جده علي بن أبي طالب، قال:
سمعت رسول الله ص، يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك.
ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته، فإني قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب! فقال: أفعل، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفا بالدفوف والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان ابن فلان تزوج بفلانة بنت فلان.
فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، قال: فجئت صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: ما صنعت شيئا، ثم أخبرته الخبر قال: ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فقال:
أفعل، فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة، فجلست أنظر، فضرب الله على اذنى، فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته]
** ذكر تزويج النبي ص خديجة رضي الله عنها **
قال هشام بن محمد: نكح رسول الله ص خديجة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستتجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله ص ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله ص، فخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتى قدما الشام، فنزل رسول الله ص في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش، من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط الا نبى، ثم باع رسول الله ص سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة.
فكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمس، وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجه بمالها، باعت ما جاء به فأضعفت، أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه- وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة، مع ما أراد الله بها من كرامته- فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها، بعثت الى رسول الله ص، فقالت له- فيما يزعمون-: يا بن عم، انى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله ص ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه، حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها، فولدت له ولده كلهم الا ابراهيم: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، والقاسم- وبه كان يكنى ص- والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب، فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فاسلمن، وهاجرن معه ص.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا معمر وغيره، عن ابن شهاب الزهري- وقد قال ذلك غيره من أهل البلد: إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله ص ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة، وكان الذي زوجها إياه خويلد، وكان التي مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة.
قال الحارث: قال محمد بن سعد: قال الواقدي: فكل هذا غلط.
قال الواقدي: ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي ص تدعوه إلى نفسها- تعني التزويج- وكانت امرأة ذات شرف، وكان كل قريش حريصا على نكاحها- قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل، ونحرت بقرة وخلقته بخلوق، وألبسته حلة حبرة، ثم أرسلت الى رسول الله ص في عمومته، فدخلوا عليه، فزوجه، فلما صحا قال: ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش، فلم أفعل! قال الواقدي: وهذا غلط، والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد ابن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ومن حديث ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمها عمرو بن اسد زوجها رسول الله ص، وأن أباها مات قبل الفجار.
قال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية- فيما ذكر- فجعله مسجدا يصلي فيه الناس، وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله ص كان يجلس تحته يستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب، ودار عدى ابن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة، والحجر ذراع وشبر في ذراع
** ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله ص قبل أن ينبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده **
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي ص خديجة واختلاف المختلفين في ذلك، ووقت نكاحه ص إياها.
وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله ص هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها- وذلك في قول ابن إسحاق- في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ص.
وكان سبب هدمهم إياها فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة.
وكان أمر غزالي الكعبة- فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه- أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح، فأمر الله إبراهيم خليله ع وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزل في القرآن: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» ، فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح ع، وهو مرفوع ثم أمر الله عز وجل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت، لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد ص، فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح، ومكة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح اسماعيل ع امراه من جرهم، فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض:
وصاهرنا من أكرم الناس والدا فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت، وأمه الجرهمية، ثم مات نبت، ولم يكثر ولد إسماعيل، فغلبت جرهم على ولاية البيت، فقال عمرو بن الحارث بن مضاض:
وكنا ولاة البيت من بعد نابت نطوف بذاك البيت، والخير ظاهر
فكان أول من ولي من جرهم البيت مضاض، ثم وليته بعده بنوه كابرا بعد كابر، حتى بغت جرهم بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا من دخل مكة، ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبه فزنى فزعموا أن إسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة، فمسخا حجرين، وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة، وتسمى بكة، تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها، والجبابرة.
قال: ولما لم تتناه جرهم عن بغيها، وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو، فأوطنوا تهامة- فسميت خزاعة، وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة- وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي، ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض، فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة، وهو يقول:
لا هم ان جرهما عبادك الناس طرف وهم تلادك
بهم قديما عمرت بلادك.
فلم تقبل توبته، فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم، ثم دفنها وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتي فذهب بهم، فذلك قول أمية بن أبي الصلت:
وجرهم دمنوا تهامة في الدهر فسالت بجمعهم إضم
وولي البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني، وهو يقول:
ونحن ولينا البيت من بعد جرهم لنعمره من كل باغ وملحد
وقال:
واد حرام طيره ووحشه نحن ولاته فلا نغشه
وقال عامر بن الحارث:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالى والجدود العواثر
وقال:
يا ايها الناس سيروا إن قصركم أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا دهر، فأنتم كما كنا تكونونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها قبل الممات وقضوا ما تقضونا
يقول: اعملوا لآخرتكم، وافرغوا من حوائجكم في الدنيا، فوليت خزاعة البيت، غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالحج للناس من عرفة، وكان ذلك إلى الغوث بن مر- وهو صوفة- فكانت إذا كانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى، فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان، فكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش ابن زيد، والثالثة النسيء للشهور الحرم، فكان ذلك إلى القلمس، وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بني مالك بن كنانة، ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة، وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة.
وقام عليه الإسلام، وقد عادت الحرم إلى أصلها، فأحكمها الله وأبطل النسيء، فلما كثرت معد تفرقت، فذلك قول مهلهل:
غنيت دارنا تهامة في الدهر وفيها بنو معد حلولا.
وأما قريش، فلم يفارقوا مكة، فلما حفر عبد المطلب زمزم، وجد الغزالين، غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه، فاستخرجهما، وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال: وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو، من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم، وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وابو إهاب ابن عزيز بن قيس بن سويد التميمي- وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه- وأبو لهب بن عبد المطلب، وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بني مليح، فلما اتهمتهم قريش، دلوا على دويك، فقطع، ويقال: هم وضعوه عنده وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف، خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب، فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين، بما استحل من حرمة الكعبة، فزعموا أنهم أخرجوه من مكة، فكان فيما حولها عشر سنين، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزالت وكشت وفتحت فاها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرا، فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله أمر الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول الله ص عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة،
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي نجيح المكي، أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل له: هذا ابن لجعدة ابن هبيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جد هذا- يعني أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد.
وأبو وهب خال أبي رسول الله ص، وكان شريفا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش، ضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم، وكان شق الحجر- وهو الحطيم- لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، وبني عدي بن كعب.
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس به تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا هدمنا.
فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم والناس معه، حتى انتهى الهدم إلى الأساس، فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض من يروي الحديث، أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها، ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتقضت مكة بأسرها، فانتهوا عند ذلك إلى الأساس.
قال: ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها، ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا ايديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا لعقة الدم بذلك، فمكثت قريش أربع ليال- أو خمس ليال- على ذلك.
ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض الرواه ان أبا اميه ابن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ص، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا به، هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: هلم لي ثوبا، فأتي به فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه بيده، ثم بنى عليه، وكانت قريش تسمى رسول الله ص قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين.
قال أبو جعفر: وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة.
واختلف السلف في سن رسول الله ص حين نبى كم كانت؟ فقال بعضهم: نبئ رسول الله ص بعد ما بنت قريش الكعبة بخمس سنين، وبعد ما تمت له من مولده أربعون سنة.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو جمرة الضبعي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ص لأربعين سنه
حدثنا عمرو بن علي وابن المثنى، قالا: حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال: سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أن رسول الله ص بعث على رأس أربعين.
حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ص بعث على رأس أربعين.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك، ان رسول الله ص بعث على رأس أربعين.
حدثني أبو شرحبيل الحمصي، قال: حدثني أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: أنزل على النبي ص وهو ابن أربعين.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله ص وهو ابن أربعين.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا الحجاج، عن حماد، قال: أخبرنا عمرو، عن يحيى بن جعدة، [أن رسول الله ص قال لفاطمة: إنه كان يعرض علي القرآن كل عام مرة، وإنه قد عرض علي العام مرتين، وإنه قد خيل إلي أن أجلي قد حضر، وأن أول أهلي لحاقا بي أنت، وإنه لم يبعث نبي إلا بعث الذي بعده بنصف من عمره، وبعث عيسى لأربعين، وبعثت لعشرين]
حدثني عبيد بن محمد الوراق، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ص لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني، عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ص وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة.
وقال آخرون: بل نبئ حين نبئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبي ص وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أنزل على رسول الله ص الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، قال: سمعت سعيدا- يعني ابن المسيب- يقول: انزل على رسول الله ص الوحي، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
** ذكر اليوم الذى نبى فيه رسول الله ص من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك **
قال أبو جعفر: صح الخبر عن رسول الله ص بما حدثنا به ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن غيلان بن جرير، أنه سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري، [ان رسول الله ص سئل عن صوم الاثنين، فقال: ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت- أو أنزل علي فيه] .
حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا غيلان بن جرير المعولي قال: حدثنا عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، عن عمر رحمه الله انه [قال للنبي ص: يا نبي الله، صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزلت علي فيه النبوة] .
حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: ولد النبي ص يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين. قال أبو جعفر: وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك؟
فقال بعضهم: نزل القرآن على رسول الله ص لثماني عشرة خلت من رمضان.
** ذكر من قال ذلك. **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن أيوب، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أنه كان يقول- فيما بلغه وانتهى إليه من العلم: أنزل الفرقان على رسول الله ص لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت منه.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق،: حدثني من لا يتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بن دعامة السدوسي، عن أبي الجلد، قال: نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله عز وجل: «وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان» ، وذلك ملتقى رسول الله ص والمشركين ببدر، وان التقاء رسول الله ص والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان.
قال أبو جعفر: وكان رسول الله ص من قبل ان يظهر له جبريل ع برسالة الله عز وجل إليه- فيما ذكر عنه- يرى ويعاين آثارا وأسبابا من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله، فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغل والدنس، وهو عند أمه من الرضاعة حليمة، ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر- فيما ذكر- عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة، قالت: إن رسول الله ص حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا.
قال أبو جعفر: وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك،
وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني علي بن عيسى الحكمي، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب ولا أراني ادركه، وانا أومن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته، فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك! قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره
قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ص قول زيد ابن عمرو وأقرأته منه السلام، [فرد عليه رسول الله ص، وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا] .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان، أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله ص، إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد، يريد عمر- يعني ابن الخطاب- فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه بعد، ما فارقه- أو لقد كان كاهنا في الجاهلية- فسلم عليه الرجل، ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمت؟ فقال: نعم، فقال: هل كنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله! لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت! فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك، نعبد الأصنام، ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين، لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال: فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال: جاءني قبل الإسلام بشهر- أو سنة- فقال لي: ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها!. قال: فقال عمر عند ذلك يحدث الناس: والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه، وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه، يقول: يا آل ذريح، أمر نجيح، ورجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب، مولى عثمان بن عفان، مثله.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله ص بشهر، نحرنا جزورا، فإذا صائح يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلى العجب! ذهب استراق الوحي، ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد، مهاجره إلى يثرب قال: فأمسكنا، وعجبنا، وخرج رسول الله ص.
حدثني أحمد بن سنان القطان الواسطي، قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، أن رجلا من بنى عامر اتى النبي ص، فقال: أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإن يك بك طب داويتك، فإني أطب العرب، [قال: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، ادع ذاك العذق، قال: فنظر إلى عذق في نخلة، فدعاه فجعل ينقز، حتى قام بين يديه، قال: قل له فليرجع، فرجع، فقال العامري: يا بني عامر، ما رأيت كاليوم أسحر!]
قال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته ص أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله.
ونرجع الآن إلى:
** ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله ص عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل ع إليه بوحيه **
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدا ص بالوحي من الله، وكم كان سن النبي ص يومئذ، ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربه.
فحدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدثنا وهب ابن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد، يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان أول ما ابتدئ به رسول الله ص من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق، [فأتاه، فقال: يا محمد، أنت رسول الله! قال رسول الله ص: فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زملوني، زملوني! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ، فقرأت فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري، فقالت: ابشر، فو الله لا يخزيك الله ابدا، وو الله انك لتصل الرحيم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جذع! ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك! قلت: أمخرجي هم؟ قال: نعم، انه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ: «ن والقلم وما يسطرون.
ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون» ، و «يا أيها المدثر قم فأنذر» و «والضحى والليل إذا سجى» .
] حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة، أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه، غير أنه لم يقل: ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن. إلى آخره.
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: حدثنا عبد الله بن شداد، قال: [اتى جبريل محمدا ص، فقال: يا محمد، اقرأ؟ فقال: ما أقرأ؟ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد، اقرأ، قال: ما أقرأ؟ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق» حتى بلغ «علم الإنسان ما لم يعلم» ، قال: فجاء إلى خديجة، فقال: يا خديجة، ما أراني إلا قد عرض لي، قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك،] ما أتيت فاحشة قط قال: فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة، إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأومنن به.
قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك، قال: فأنزل الله عز وجل: «والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى» .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير، وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ص من النبوه حين جاء جبريل ع؟ فقال عبيد- وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس: كان رسول الله ص يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية- والتحنث: التبرر- وقال أبو طالب:
وراق ليرقى في حراء ونازل.
فكان رسول الله ص يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ص جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به- إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عز وجل فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله ص إلى حراء- كما كان يخرج لجواره- معه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله [فقال رسول الله ص ، فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج، فيه كتاب، فقال:
اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال:
اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي، قال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» إلى قوله: «علم الإنسان ما لم يعلم» ، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتابا] .
[قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إن الأبعد- يعني نفسه- لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبدا! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن قال، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال:
فرفعت راسى الى السماء، فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وانا جبرئيل قال: فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي، ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت:
يا أبا القاسم، أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي قال: قلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك! وما ذاك يا بن عم! لعلك رأيت شيئا؟ قال: فقلت لها: نعم ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا بن عم واثبت،] فو الذى نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد- وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ص أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس، قدوس! والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر- يعني بالناموس جبرئيل ع الذي كان يأتي موسى- وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله ص، فأخبرته بقول ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم، فلما قضى رسول الله ص جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع، وبدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله ص، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ص، إلى منزله.
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، أنه حدث عن خديجه انها قالت لرسول الله ص فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته: يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟
قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل ع كما كان يأتيه، [فقال رسول الله ص لخديجة: يا خديجه هذا جبرئيل قد جاءني، فقالت: نعم، فقم يا بن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله ص فجلس عليها، قالت:
هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله ص فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت:
هل تراه؟ قال: نعم، فتحسرت، فالقت خمارها ورسول الله ص جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، فقالت:
يا بن عم، اثبت وابشر، فو الله إنه لملك وما هو بشيطان] .
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني قد سمعتها تقول: أدخلت رسول الله ص بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول الله ص: إن هذا لملك، وما هو بشيطان.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى- يعني ابن أبي كثير- قال: سألت أبا سلمة:
أي القرآن أنزل أول؟ فقال: «يا أيها المدثر» ، فقلت: يقولون:
«اقرأ باسم ربك» ! فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: اى القرآن انزل أول؟ فقال: «يا أيها المدثر» ، فقلت: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ، فقال: لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي ص، [قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي، وخلفي وقدامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي، فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه- قال ابن المثنى: هكذا قال عثمان بن عمر، وانما هو فجئثت منه فلقيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا على ماء، وانزل على:
«يا أيها المدثر قم فأنذر] » .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن، قال: نزلت: «يا أيها المدثر» أول، قال: قلت: إنهم يقولون: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدثك إلا ما [حدثنا رسول الله ص، قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتا، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا وعن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء، قال: فدثرونى وصبوا على ماء باردا، فنزلت:
«يا أيها المدثر] » .
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: اتى جبريل رسول الله ص أول ما أتاه ليلة السبت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله عز وجل يوم الاثنين، فعلمه الوضوء، وعلمه الصلاة، وعلمه: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ، وكان لرسول الله ص يوم الاثنين، يوم أوحي إليه، أربعون سنة.
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري [قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي أول ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: يا أبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما في الأرض والآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل، فوزنت برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني بمائة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان، قال: فقال أحدهما للآخر:
لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني، ثم قال أحدهما: أخرج قلبه- أو قال: شق قلبه- فشق قلبي، فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الإناء- أو اغسل قلبه غسل الملاءة- ثم دعا بالسكينة، كأنها وجه هرة بيضاء فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطا بطني، وجعلا الخاتم بين كتفي، فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة] .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: فتر الوحي عن رسول الله ص فترة، فحزن حزنا شديدا، جعل يغدو إلى رءوس شواهق الجبال ليتردى منها، فكلما أوفى بذروه جبل تبدى له جبرئيل، فيقول: إنك نبي الله، فيسكن لذلك جأشه، وترجع اليه نفسه، فكان النبي ص يحدث عن ذلك، [قال: فبينما أنا أمشي يوما، إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء، على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زملوني، فزملناه- أي دثرناه- فأنزل الله عز وجل: «يا أيها المدثر قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر» ، قال الزهري: فكان أول شيء أنزل عليه: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» حتى بلغ «ما لم يعلم] » .
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: [قال رسول الله ص وهو يحدث عن فترة الوحي: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض قال رسول الله ص: فجئثت منه فرقا، وجئت فقلت: زملوني، زملوني! فدثرونى، فانزل الله عز وجل: «يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر» إلى قوله: «والرجز فاهجر» ، قال: ثم تتابع الوحي] .
قال أبو جعفر: فلما أمر الله عز وجل نبيه محمدا ص أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم، وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله: «وأما بنعمة ربك فحدث» ، وذلك- فيما زعم ابن إسحاق- النبوة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:
«وأما بنعمة ربك فحدث» ، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث، اذكرها وادع إليها قال: فجعل رسول الله ص يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن اليه من أهله، فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله- فيما ذكر- زوجته خديجة رحمها الله.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال الواقدي: أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله ص خديجة بنت خويلد رحمها الله.
قال أبو جعفر: ثم كان أول شيء فرض الله عز وجل من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام وخلع الأنداد الصلاة- فيما ذكر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله ص، أتاه جبرئيل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحيه الوادى، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبرئيل ع، ورسول الله ص ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ص كما راى جبرئيل ع توضأ، ثم قام جبرئيل ع، فصلى به وصلى النبي ص بصلاته ثم انصرف جبرئيل ع، فجاء رسول الله ص خديجة، فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة، كما أراه جبرئيل ع، فتوضأت كما توضأ رسول الله ص، ثم صلى بها رسول الله ص كما صلى به جبرئيل ع، فصلت بصلاته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي هاشم الواسطي، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك، قال: لما كان حين نبى النبي ص، وكان ينام حول الكعبة، وكانت قريش تنام حولها، فأتاه ملكان: جبرئيل وميكائيل، فقالا:
بأيهم أمرنا؟ فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة، وهم ثلاثة، فألفوه وهو نائم، فقلبوه لظهره، وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء من ماء زمزم، فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلالة، ثم جاءوا بطست من ذهب، مليء إيمانا وحكمة، فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبرئيل، فقالوا:
من هذا؟ فقال: جبرئيل، فقالوا: من معك؟ فقال: محمد، قالوا:
وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا، فدعوا له في دعائهم، فلما دخل، فإذا هو برجل جسيم وسيم، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا أبوك آدم، ثم أتوا به الى السماء الثانيه، فاستفتح جبرئيل، فقيل له مثل ذلك، وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا، فلما دخل، إذا برجلين، فقال: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: يحيى وعيسى ابنا الخالة، ثم أتي به السماء الثالثة، فلما دخل إذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أخوك يوسف، فضل بالحسن على الناس، كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب، ثم أتي به السماء الرابعة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا إدريس، ثم قرأ: «ورفعناه مكانا عليا» ، ثم أتي به السماء الخامسة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا هارون، ثم أتي به السماء السادسة، فإذا هو برجل فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا موسى، ثم أتي به السماء السابعة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، ثم انطلق إلى الجنة، فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، بجنبتيه قباب الدر، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، وهذه مساكنك، قال: وأخذ جبرئيل بيده من تربته، فإذا هو مسك أذفر، ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهي سدرة نبق أعظمها أمثال الجرار، وأصغرها أمثال البيض، فدنا ربك عز وجل: «فكان قاب قوسين أو أدنى» ، فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى، أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان فأوحى إلى عبده، وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة، فمر على موسى، فقال: ما فرض على أمتك؟ فقال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فإن أمتك أضعف الأمم قوة، وأقلها عمرا، وذكر ما لقي من بني إسرائيل، فرجع فوضع عنه عشرا، ثم مر على موسى، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، كذلك حتى جعلها خمسا، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقال: لست براجع، غير عاصيك، وقذف في قلبه ألا يرجع، [فقال الله عز وجل: لا يبدل كلامي، ولا يرد قضائي وفرضي،] وخفف عن أمتي الصلاة لعشر قال أنس: وما وجدت ريحا قط ولا ريح عروس قط، أطيب ريحا من جلد رسول الله ص، ألزقت جلدي بجلده وشممته.
قال أبو جعفر: ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله ص وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلى معه.
فقال بعضهم: كان أول ذكر آمن برسول الله ص وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله على بن ابى طالب ع
** ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره: **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أول من صلى علي.
حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: بعث النبي ص يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرقم، قال: أول من أسلم مع رسول الله ص علي بن أبي طالب قال: فذكرته للنخعي، فأنكره، وقال: أبو بكر أول من أسلم
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أول من أسلم مع رسول الله ص على بن ابى طالب ع.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزه جلا من الأنصار، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أول رجل صلى مع رسول الله ص على ع.
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا العلاء، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، قال: [سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين]
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا سعيد بن خثيم، عن أسد بن عبدة البجلي، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال: فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام، فقام عن يمينه قال: فلم يلبث حتى جاءت امرأة، فقامت خلفهما، فركع الشاب، فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فقلت: يا عباس، أمر عظيم! فقال: أمر عظيم! أتدري من هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي أتدري من هذا معه؟ قلت: لا، قال: هذا علي بن ابى طالب ابن عبد المطلب، ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا، قال: هذه خديجة بنت خويلد، زوجة ابن أخي، وهذا حدثني أن ربك رب السماء، أمرهم بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي، من أهل الكوفة، قال: حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده، قال:
كنت امرا تاجرا، فقدمت أيام الحج، فأتيت العباس، فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلي، فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه، فقلت: يا عباس، ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما أدري ما هو؟ قال: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أن الله أرسله به، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب، آمن به.
قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا!
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، قال سلمة: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن أبي الأشعث- قال أبو جعفر: وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث- عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي- وكان عفيف، أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه، وكان ابن عمه- عن أبيه عن جده عفيف، قال: كان العباس ابن عبد المطلب لي صديقا، وكان يختلف إلى اليمن، يشتري العطر فيبيعه أيام الموسم، فبينا أنا عند العباس بن عبد المطلب بمنى، فأتاه رجل مجتمع، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم قام يصلي، فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق، فتوضأ، ثم قام إلى جنبه يصلي، فقلت: ويحك يا عباس! ما هذا؟ قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، يزعم أن الله بعثه رسولا، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه، وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد، قد تابعته على دينه قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه: يا ليتني كنت رابعا!
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد، قال: حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو حازم المدني، والكلبي، قالوا: علي أول من أسلم قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان أول ذكر آمن برسول الله ص، وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله، علي بن أبي طالب، وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان مما أنعم الله به على على بن ابى طالب ع، انه كان في حجر رسول الله ص قبل الاسلام
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له وأراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، [فقال رسول الله ص للعباس عمه- وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمه، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ من بنيه رجلا، فنكفهما عنه قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله ص عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله ص حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه علي فآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه] .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ص كان إذا حضرت الصلاة، خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ص: يا بن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ [قال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم- أو كما قال- بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه- أو كما قال] فقال ابو طالب:
يا بن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وزعموا أنه قال لعلي بن أبي طالب: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ [قال: يا أبه، آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله] فزعموا أنه قال له: أما إنه لا يدعوك إلا إلى خير، فالزمه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
أسلم علي وهو ابن عشر سنين.
قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقدي: واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله ص بسنة، فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة.
وقال آخرون: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قلت لابن عباس: من أول الناس
إسلاما؟
فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا
وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الهيثم ابن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، قال: حدثني عمرو بن عبسه قال:
اتيت رسول الله ص وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله، من تبعك على هذا الأمر؟ [قال: اتبعني عليه رجلان، حر وعبد:
أبو بكر وبلال،] قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: حدثنا صدقة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام، ولم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال، كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: أول من أسلم أبو بكر.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من اسلم
وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما؟
فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاما.
وقال آخرون: كان أول من آمن واتبع النبي ص من الرجال زيد بن حارثة مولاه
** ذكر من قال ذلك: **
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال الواقدي: حدثني ابن أبي ذئب، قال: سألت الزهري: من أول من أسلم؟
قال: من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن ابى الأسود، عن سليمان ابن يسار، قال: أول من أسلم زيد بن حارثة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد- يعني ابن عمر- قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس مثله.
وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا عبد الملك ابن مسلمة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال:
أول من أسلم زيد بن حارثة.
وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ص فكان أول ذكر أسلم، وصلى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، فلما أسلم أظهر إسلامه، ودعا إلى الله عز وجل وإلى رسوله قال: وكان ابو بكر رجلا مألفا لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه- فيما بلغني- عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ص حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية، النفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله ص وآمنوا بما جاء به من عند الله، ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام، الرجال منهم والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس.
وقال الواقدي في ذلك ما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عنه: اجتمع أصحابنا على أن أول اهل القبله استجاب لرسول الله ص خديجة بنت خويلد، ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر: في أبي بكر وعلي، وزيد بن حارثة، أيهم أسلم أول.
قال: وقال الواقدي: أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامسا، وأسلم أبو ذر، قالوا: رابعا أو خامسا، وأسلم عمرو بن عبسة السلمي، فيقال: رابعا أو خامسا قال: فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول، وفي ذلك روايات كثيرة قال: فيختلف في الثلاثة المتقدمين، وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مصعب بن ثابت، قال: حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل، قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر، كان رابعا أو خامسا.
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص وامراته امينه بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة، من خزاعة، أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم بأسمائهم، أنهم كانوا من السابقين إلى الإسلام.
ثم إن الله عز وجل امر نبيه محمدا ص بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، ويدعو إليه، فقال له:
«فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين» ، وكان قبل ذلك- في السنين الثلاث من مبعثه، إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله- مستسرا مخفيا امره ص، وأنزل عليه: «وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون» ، قال: وكان اصحاب رسول الله ص إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب، فاستخفوا من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من اصحاب النبي ص في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام.
فحدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [صعد رسول الله ص ذات يوم الصفا، فقال: يا صباحاه! فاجتمعت اليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: ارايت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني! قالوا: بلى، قال:
فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد] فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا دعوتنا- أو جمعتنا! فأنزل الله عز وجل: «تبت يدا أبي لهب وتب» إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، [قال: لما نزلت هذه الآية: «وأنذر عشيرتك الأقربين» ، خرج رسول الله ص حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟
قالوا: محمد، فقال: يا بني فلان، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد] فقال أبو لهب: تبا لك! ما جمعتنا إلا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: «تبت يدا أبي لهب وتب» إلى آخر السورة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، [عن علي بن أبي طالب، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ص: «وأنذر عشيرتك الأقربين» ، دعانى رسول الله ص فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله ص حذية من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما اراد رسول الله ص أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهدما سحركم صاحبكم! فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله ص، فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إلي.
قال: ففعلت، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله ص، فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا، أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال: ان هذا أخي ووصى وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا] قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
حدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، [ان رجلا قال لعلى ع: يا أمير المؤمنين، بم ورثت ابن عمك دون عمك؟ فقال علي: هاؤم! ثلاث مرات، حتى اشرأب الناس، ونشروا آذانهم ثم قال: جمع رسول الله ص- أو دعا رسول الله- بني عبد المطلب منهم رهطه، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، كأنه لم يمس قال: ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال: ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه- وكنت أصغر القوم- قال: فقال: اجلس، قال:
ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، قال: فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي] .
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ص: «وأنذر عشيرتك الأقربين» ، قام رسول الله ص بالأبطح، [ثم قال: يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني قصي- قال: ثم فخذ قريشا قبيلة قبيلة، حتى مر على آخرهم- إني أدعوكم إلى الله وانذركم عذابه] .
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: أمر رسول الله ص أن يصدع بما جاءه من عند الله، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين، مستخفيا، إلى أن أمر بالظهور للدعاء.
قال ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه:
فصدع رسول الله ص بأمر الله، وبادى قومه بالإسلام، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه بعض الرد- فيما بلغني- حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله ص على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله ص لا يعتبهم من شيء يكرهونه مما أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من اشراف قريش الى ابى طالب: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج- أو من مشى إليه منهم- فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله ص على ما هو عليه، يظهر دين الله، ويدعو إليه قال: ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ص بينها، وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا او تنازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين- أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه، فعظم على ابى طالب فراق قومه وعدواتهم له، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ص لهم ولا خذلانه.
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أن ناسا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يعبد، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب، يقولون: تركوه، حتى إذا مات عمه تناولوه.
قال: فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه.
قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ص قال: يا بن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك النصف، أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك [قال: أي عم، أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ قال: وإلام تدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها وعشرا أمثالها قال: تقول: لا إله إلا الله، قال: فنفروا وتفرقوا وقالوا: سلنا غير هذه،] [فقال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها!] قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابى، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا، «وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد» ، إلى قوله: «إلا اختلاق» [واقبل على عمه فقال له عمه: يا بن أخي، ما شططت عليهم، فأقبل على عمه فدعاه، فقال: قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة، تقول: لا إله إلا الله،] فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب، يقولون: جزع من الموت لأعطيتكها، ولكن على ملة الأشياخ، قال: فنزلت هذه الآية:
«إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» .
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل، فقال: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته! فبعث اليه، فجاء النبي ص، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال:
فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ص مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول! قال:
وأكثروا عليه من القول، [وتكلم رسول الله ص، فقال: يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم كلمة واحدة: نعم وأبيك عشرا فما هي؟ فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا بن أخي؟ قال:
لا إله إلا الله،] قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب» قال: ونزلت من هذا الموضع الى قوله: «لما يذوقوا عذاب» لفظ الحديث لأبي كريب.
** رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق **
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقاله، بعث الى رسول الله ص، فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق! فظن رسول الله ص أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، [فقال رسول الله ص: يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته] ثم استعبر رسول الله ص، فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: اقبل يا بن أخي، فاقبل عليه رسول الله ص فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما احببت فو الله لا أسلمك لشيء أبدا.
قال: ثم إن قريشا لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله ص وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له- فيما بلغني: يا أبا طالب، هذا عماره ابن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا، فهو لك، وأسلم لنا ابن أخيك- هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم- فنقتله، فإنما رجل كرجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون ابدا فقال المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك! أو كما قال أبو طالب.
قال: فحقب الأمر عند ذلك، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا.
قال: ثم إن قريشا تذامروا على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ص، والقيام دونه فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله ص، إلا ما كان من أبي لهب، فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم، ويذكر فضل رسول الله ص فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم.
حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي، وعبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد الوارث- قال علي بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثني أبي- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فانه- يعنى رسول الله ص- لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال لهم، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ص من أهل الإسلام، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين، امرهم رسول الله ص أن يخرجوا إلى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم احد بارضه، وكان ينثى عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا- فأمرهم بها رسول الله ص، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات، يشتدون على من أسلم منهم.
ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم.
قال أبو جعفر: فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجرة الأولى.
فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفري، عن أبيه، عن رجل من قومه.
قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلي، عن الحارث بن الفضيل، قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبه، منهم الراكب والماشي، ووفق الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة، من حين نبئ رسول الله ص، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر، حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.
قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني يونس بن محمد، عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد، عن محمد بن يحيى بن حبان، قالا: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله ص، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امراته سهله بنت سهيل ابن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعامر بن ربيعة العنزي، من عنز بن وائل- ليس من عنزة- حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسهيل بن بيضاء، من بني الحارث بن فهر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة
قال أبو جعفر: وقال آخرون: كان الذين لحقوا بأرض الحبشة، وهاجروا إليها من المسلمين- سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها- اثنين وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه!
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال:
لما راى رسول الله ص ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، [قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة! فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه!] فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله عز وجل بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام، فكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن ابى العاص ابن أمية، ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله ص، ومن بني عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤي، ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي الزبير بن العوام.
فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي، غير أنه قال: من بني عامر بن لؤي ابن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي قال: ويقال: هو أول من قدمها، فجعلهم ابن إسحاق عشرة، وقال: كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة- فيما بلغني.
قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه، ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا، بالعشرة الذين ذكرت باسمائهم، ومن كان منهم معه أهله وولده، ومن ولد له بأرض الحبشة، ومن كان منهم لا أهل معه.
قال أبو جعفر: ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها، ورسول الله ص مقيم بمكة، يدعو إلى الله سرا وجهرا، قد منعه الله بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته، ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه، رموه بالسحر والكهانة والجنون، وأنه شاعر، وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه، فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ- فيما ذكر- ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا اصابت من رسول الله ص فيما كانت تظهر من عداوته! قال: قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ص فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط! سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا! لقد صبرنا منه على أمر عظيم- أو كما قالوا.
فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله ص فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول.
قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله ص، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف [فقال: أتسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح!] قال: فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، وحتى ان اشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:
انصرف يا أبا القاسم راشدا، فو الله ما كنت جهولا! قال: فانصرف رسول الله ص، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبيناهم كذلك إذ طلع رسول الله ص، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ص: نعم أنا الذي أقول ذلك، قال: فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال: وقام أبو بكر الصديق دونه، يقول وهو يبكي: ويلكم! أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله! ثم انصرفوا عنه.
فإن ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء رأيت المشركين صنعوا برسول الله ص قال: أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله ص عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه، وخنقه خنقا شديدا، فقام أبو بكر من خلفه، فوضع يده على منكبه، فدفعه عن رسول الله ص، ثم قال أبو بكر:
يا قوم: «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله» إلى قوله: «إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب»
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم كان واعيه، ان أبا جهل ابن هشام مر برسول الله ص، وهو جالس عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه رسول الله ص، ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له- وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة- فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله ص ورجع الى بيته، قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من ابى الحكم بن هشام! وجده هاهنا جالسا فسبه وآذاه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
قال: فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعا- لا يقف على أحد كما كان يصنع- يريد الطواف بالكعبة، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه بها شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول! فرد ذلك علي إن استطعت! وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ص قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن رسول الله ص بعض ما كانوا ينالون منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ص بمكة عبد الله بن مسعود، قال:
اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله ابن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني، فإن الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم» - رافعا بها صوته- «الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان» ، قال: ثم استقبلها يقرأ فيها، قال:
وتأملوا وجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد! ثم قالوا: انه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا بوجهه، فقالوا:
هذا الذي خشينا عليك! قال: ما كان أعداء الله اهون على منهم الان! لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها، قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون قال أبو جعفر: ولما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا، تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين، فوجهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي، مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما، فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي، فرجعا مقبوحين، وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله، فلما أسلم- وكان رجلا جلدا جليدا منيعا، وكان قد اسلم قبل ذلك حمزه ابن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسهم قوة، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم- اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه، على الا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب، ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا، حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ص ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم! والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة! فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث ابن اسد، فقال: مالك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام لعمته عنده بعثت اليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها! خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير، فضربه فشجه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزه ابن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون ان يبلغ ذلك رسول الله ص واصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله ص في كل ذلك، يدعو قومه سرا وجهرا، آناء الليل وآناء النهار، والوحي عليه من الله متتابع بأمره ونهيه، ووعيد من ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله ص على من خالفه
فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما- فيما حدثني محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى، قال: حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، ان قريشا وعدوا رسول الله ص أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة، اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي! فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون» السورة، وأنزل الله عز وجل: «قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون» إلى قوله: «بل الله فاعبد وكن من الشاكرين» .