Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Yunus
Tafseer Al Qurtubi · Jonas · 109 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يونس عليه السلام سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾[[راجع ص ٣٨٢ وص ٣٤٥ من هذا الجزء.]] [يونس: ٩٤] إِلَى آخِرِهِنَّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا آيَتَيْنِ وَهِيَ قَوْلُهُ: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ" نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾[[كذا في نسخ الأصل وتفسير ابن عطية.]] [يونس: ٤٠] نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي الْيَهُودِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَ مِنْ أَوَّلِهَا نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ وباقيها بالمدينة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الر﴾ قَالَ النَّحَّاسُ: قُرِئَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بن علي ابن الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الر، وَحم، وَنون [حُرُوفُ] الرَّحْمَنِ مُفَرَّقَةٌ، فَحَدَّثْتُ بِهِ الْأَعْمَشَ فَقَالَ: عِنْدَكَ أَشْبَاهُ هَذَا وَلَا تُخْبِرُنِي بِهِ؟. وَعَنِ ابن عباس أيضا قال: معنى "الر" أَنَا اللَّهُ أَرَى. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكَى مِثْلَهُ عَنِ الْعَرَبِ وَأَنْشَدَ:
بالخير خيرات وإن شرافا ... وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ [[أجزيك بالخير خيرات وإن كان منك شر كان منى مثله ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
(عن شرح الشواهد).]] إِلَّا أَنْ تَا
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: "الر" قَسَمٌ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: "الر" اسْمُ السُّورَةِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ هِجَاءٍ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هِيَ تَنْبِيهٌ، وكذا حروف التهجي. وقرى "الر" من غير إمالة. وقرى بالامالة لئلا تشبه ما ولا من الحروف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ تِلْكَ الَّتِي جَرَى ذِكْرُهَا آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرَادَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَإِنَّ "تِلْكَ" إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ. وَقِيلَ: "تِلْكَ" بِمَعْنَى هَذِهِ، أَيْ هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ
أَيْ هَذِهِ خَيْلِي. وَالْمُرَادُ الْقُرْآنُ وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وَلِأَنَّ "الْحَكِيمِ" مِنْ نَعْتِ الْقُرْآنِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾[[راجع ج ٩ ص ٢.]] [هود: ١] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٥٧ وما بعدها.]]. وَالْحَكِيمُ: الْمُحْكَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، أَيْ إِنَّهُ حَاكِمٌ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَحَاكِمٌ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٣٠.]] [البقرة: ٢١٣]. وَقِيلَ: الْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْمَحْكُومِ فِيهِ، أَيْ حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَحَكَمَ فِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَبِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَبِالنَّارِ لِمَنْ عَصَاهُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ مِنَ الْبَاطِلِ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٌ، كَقَوْلِ الْأَعْشَى يَذْكُرُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي قَالَهَا:
وَغَرِيبَةٍ تَأْتِي الْمُلُوكَ حَكِيمَةٍ ... قَدْ قُلْتُهَا لِيُقَالَ مَنْ ذَا قالها
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ. وَ "عَجَباً" خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهَا (أَنْ أَوْحَيْنا) وَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ كَانَ إِيحَاؤُنَا عَجَبًا لِلنَّاسِ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "عَجَبٌ" عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ. وَالْخَبَرُ "أَنْ أَوْحَيْنا".
(إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ) قُرِئَ "رَجْلٍ" بِإِسْكَانِ الْجِيمِ. وَسَبَبُ النُّزُولِ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. وَقَالُوا: مَا وَجَدَ اللَّهُ مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَّا يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ، فَنَزَلَتْ: "أَكانَ لِلنَّاسِ" يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ "عَجَباً". وَقِيلَ: إِنَّمَا تَعَجَّبُوا مِنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ، أَيْ بِأَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، وَكَذَا (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ). وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى النِّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ [[راجع ج ١ ص ١٨٤ وص ٢٣٨.]] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْآيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى "قَدَمَ صِدْقٍ" فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدَمَ صِدْقٍ مَنْزِلَ صِدْقٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣١٢.]] [الاسراء: ٨٠]. وَعَنْهُ أَيْضًا أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا "قَدَمَ صِدْقٍ" سَبْقَ السَّعَادَةِ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ. الزَّجَّاجُ: دَرَجَةً عَالِيَةً. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَكُمْ قَدَمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الْحَسَبِ الْعَالِي [[في ديوانه وتفسير الطبري (العادي).]] طَمَّتْ عَلَى الْبَحْرِ
قَتَادَةُ: سَلَفَ صِدْقٍ. الرَّبِيعُ: ثَوَابَ صِدْقٍ. عَطَاءٌ: مَقَامَ صِدْقٍ. يَمَانٍ: إِيمَانَ صِدْقٍ. وَقِيلَ: دَعْوَةُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: وَلَدٌ صَالِحٌ قَدَّمُوهُ. الماوردي: أن يوافق صدق الطاعة صدق الْجَزَاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْضًا: هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ شَفِيعٌ مُطَاعٌ يتقد مهم، كَمَا قَالَ: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) [[أي متقدمكم إليه.]]. وَقَدْ سُئِلَ ﷺ فَقَالَ: (هِيَ شَفَاعَتِي تَوَسَّلُونَ بِي إِلَى رَبِّكُمْ). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: قَدَمَهُ ﷺ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: مُصِيبَتُهُمْ فِي النبي ﷺ. وقال عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: "قَدَمَ صِدْقٍ" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾[[راجع ج ١١ ص ٣٤٥.]] [الأنبياء: ١٠١]. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَعْمَالًا قَدَّمُوهَا، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. قَالَ الْوَضَّاحُ:
صَلِّ لِذِي الْعَرْشِ وَاتَّخِذْ قَدَمًا ... تُنْجِيكَ يَوْمَ الْعِثَارِ وَالزَّلَلِ
وَقِيلَ: هُوَ تَقْدِيمُ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْحَشْرِ مِنَ الْقَبْرِ وَفِي إِدْخَالِ الْجَنَّةِ. كَمَا قَالَ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ). وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ السَّعْيِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَكَنَّى عَنْهُ بِالْقَدَمِ كَمَا يُكَنَّى عَنِ الْإِنْعَامِ بِالْيَدِ وَعَنِ الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ. وَأَنْشَدَ حَسَّانُ:
لَنَا الْقَدَمُ الْعُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا ... لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ
يُرِيدُ السَّابِقَةَ بِإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: كُلُّ سَابِقٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ عِنْدُ الْعَرَبِ قَدَمٌ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ، لَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ شَرٍّ وَقَدَمُ خَيْرٍ. وَهُوَ مُؤَنَّثٌ وَقَدْ يُذَكَّرُ، يُقَالُ: قَدَمٌ حَسَنٌ وَقَدَمٌ صَالِحَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْقَدَمُ التَّقَدُّمُ فِي الشَّرَفِ، قَالَ الْعَجَّاجُ:
زَلَّ بَنُو الْعَوَّامِ عَنْ آلِ الْحَكَمْ ... وَتَرَكُوا الْمُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ
وَفِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءَ. أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ) يُرِيدُ آخِرَ الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[[راجع ج ١٤ ص]] [الأحزاب: ٤٠].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْكُوفِيُّونَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَالْأَعْمَشُ "لَساحِرٌ" نَعْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "لَسِحْرٌ" نَعْتًا لِلْقُرْآنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى السحر في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ٤٣.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢١٨.]].
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقْضِيهِ وَيُقَدِّرُهُ وَحْدَهُ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُشْرِكُهُ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ أَحَدٌ. وَقِيلَ: يَبْعَثُ بِالْأَمْرِ. وَقِيلَ: يَنْزِلُ بِهِ. وَقِيلَ: يَأْمُرُ بِهِ وَيُمْضِيهِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. فَجِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، وَمِيكَائِيلُ لِلْقَطْرِ، وَإِسْرَافِيلُ لِلصُّورِ، وَعِزْرَائِيلُ لِلْقَبْضِ. وَحَقِيقَتُهُ تَنْزِيلُ الْأُمُورِ فِي مَرَاتِبِهَا عَلَى أَحْكَامِ عَوَاقِبِهَا، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدُّبْرِ. وَالْأَمْرُ اسْمٌ لِجِنْسِ الْأُمُورِ.
(مَا مِنْ شَفِيعٍ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَالْمَعْنَى مَا شَفِيعٌ (إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٧٣.]] مَعْنَى الشَّفَاعَةِ. فَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ فِيمَا عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾[[راجع ص ٣٢١ من هذا الجزء.]] [يونس: ١٨] فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْفَعُ لِأَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَكَيْفَ بِشَفَاعَةِ أَصْنَامٍ لَا تَعْقِلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ هُوَ رَبُّكُمْ لَا رَبَّ لَكُمْ غَيْرُهُ. "فَاعْبُدُوهُ" أَيْ وَحِّدُوهُ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ.
(أَفَلا تَذَكَّرُونَ) أَيْ أَنَّهَا مَخْلُوقَاتُهُ فَتَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَيْهِ.
قوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ. "جَمِيعاً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَمَعْنَى الرجوع إلى الله الرجوع إلى أجزائه.
(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) مَصْدَرَانِ، أَيْ وَعَدَ اللَّهُ ذَلِكَ وَعْدًا وَحَقَّقَهُ "حَقًّا" صِدْقًا لَا خُلْفَ فِيهِ. وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ "وَعْدَ الله حق" على الاستئناف.
قوله تعالى: "إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ" أَيْ مِنَ التُّرَابِ. "ثُمَّ يُعِيدُهُ" إِلَيْهِ. مُجَاهِدٌ: يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ لِلْبَعْثِ، أَوْ يُنْشِئُهُ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَقَرَأَ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ "إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ" تَكُونُ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ وَعَدَكُمْ أَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ، كَمَا يُقَالُ: لَبَّيْكَ أَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ أَنْ تَكُونَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فَتَكُونُ اسْمًا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: يَكُونُ التَّقْدِيرُ حَقًّا إِبْدَاؤُهُ الْخَلْقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ بِالْعَدْلِ.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ) أَيْ مَاءٌ حَارٌّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَالْحَمِيمَةُ مِثْلُهُ. يُقَالُ: حَمَمْتُ الْمَاءَ أَحُمُّهُ فَهُوَ حَمِيمٌ، أَيْ مَحْمُومٌ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ حَمِيمٌ.
(وَعَذابٌ أَلِيمٌ) أَيْ مُوجِعٌ، يَخْلُصُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ.
(بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) أَيْ بِكُفْرِهِمْ، وَكَانَ مُعْظَمُ قُرَيْشٍ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذَا فَقَالَ: مَنْ قَدَرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ بَعْدَ الإفناء أو بعد تفريق الاجزاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ مَفْعُولَانِ، أَيْ مُضِيئَةً، وَلَمْ يُؤَنَّثْ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ، أَوْ ذَاتُ ضِيَاءٍ (وَالْقَمَرَ نُوراً) عَطْفٌ، أَيْ مُنِيرًا، أَوْ ذَا نُورٍ، فَالضِّيَاءُ ما يضئ الْأَشْيَاءَ، وَالنُّورُ مَا يَبِينُ فَيَخْفَى لِأَنَّهُ مِنَ النَّارِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ. وَالضِّيَاءُ جَمْعُ ضَوْءٍ، كَالسِّيَاطِ وَالْحِيَاضِ جَمْعُ سَوْطٍ وَحَوْضٍ. وَقَرَأَ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ "ضِئَاءً" بِهَمْزِ الْيَاءِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ يَاءَهُ كَانَتْ وَاوًا مَفْتُوحَةً وَهِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ، أَصْلُهَا ضِوَاءً فَقُلِبَتْ وَجُعِلَتْ يَاءً كَمَا جُعِلَتْ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ ضِئَاءً بِالْهَمْزِ فَهُوَ مَقْلُوبٌ، قدمت الْهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الْأَلِفِ فَصَارَتْ قَبْلَ الْأَلِفِ ضِئَايًا، ثُمَّ قُلِبَتِ الْيَاءُ هَمْزَةً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ الْيَاءَ حِينَ تَأَخَّرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْوَاوِ الَّتِي انْقَلَبَتْ عَنْهَا فَإِنَّهَا تُقْلَبُ هَمْزَةً أَيْضًا فَوَزْنُهُ فِلَاعٌ مَقْلُوبٌ مِنْ فِعَالٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تضيء وجوههما لأهل السموات السَّبْعِ وَظُهُورُهُمَا لِأَهْلِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أَيْ ذَا مَنَازِلَ، أَوْ قَدَّرَ لَهُ مَنَازِلَ. ثُمَّ قِيلَ: الْمَعْنَى وَقَدَّرَهُمَا، فَوَحَّدَ إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا، كَمَا قَالَ: "وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها" [[راجع ج ١٨ ص ٩٠١.]]. وَكَمَا قَالَ:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَقِيلَ: إِنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْقَمَرِ وَحْدَهُ، إِذْ بِهِ تُحْصَى الشُّهُورُ الَّتِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٤١ وما بعد ها.]]. وفي سورة يس: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٩.]] [يس: ٣٩] أَيْ عَلَى عَدَدِ الشَّهْرِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا. وَيَوْمَانِ لِلنُّقْصَانِ وَالْمِحَاقِ [[المحاق (مثلثة): آخر الشهر إذا امحق فلم ير.]]، وَهُنَاكَ يَأْتِي بَيَانُهُ. قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ جَعَلَ شَمْسَيْنِ، شَمْسًا بِالنَّهَارِ وَشَمْسًا بِاللَّيْلِ لَيْسَ فِيهِمَا ظُلْمَةٌ وَلَا لَيْلٌ، لَمْ يُعْلَمْ عَدَدُ السِّنِينَ وَحِسَابُ الشُّهُورِ. وَوَاحِدُ "السِّنِينَ" سَنَةٌ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: سَنَوَاتٌ فِي الْجَمْعِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَنَهَاتٌ. وَالتَّصْغِيرُ سُنَيَّةٌ وَسُنَيْهَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ مَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِ ذَلِكَ إِلَّا الْحِكْمَةَ وَالصَّوَابَ، وَإِظْهَارًا لِصَنْعَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَدَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تَفْصِيلُ الْآيَاتِ تَبْيِينُهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى، لِاخْتِصَاصِ اللَّيْلِ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارِ بِضِيَائِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لهما ولا إيجاب، فَيَكُونُ هَذَا لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِإِرَادَةِ مُرِيدٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "يُفَصِّلُ" بِالْيَاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِقَوْلِهِ مِنْ قَبْلِهِ: "مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ" وَبَعْدَهُ "وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْقَعِ "تُفَصَّلُ" بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَ "الْآيَاتُ" رَفْعًا. الباقون "نفصل" بالنون على التعظيم.
تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" وَغَيْرِهَا مَعْنَاهُ [[راجع ج ٢ ص ١٩١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا آيَةً فَرَدَّهُمْ إِلَى تَأَمُّلِ مَصْنُوعَاتِهِ والنظر فيها، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ. "لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ" أَيِ الشِّرْكَ، فَأَمَّا مَنْ أَشْرَكَ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ فَلَيْسَتِ الْآيَةُ لَهُ آية.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ "يَرْجُونَ" يَخَافُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ [[البيت لابي ذؤيب. وقوله: (وخالفها) بالخاء المعجمة: جاء إلى عسلها وهي غائبة ترعى. ويروى (وحالفها) بالمهملة أي لازمها. والنوب: النحل: لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها. ويروى: (عوامل) بدل (عواسل) وهي التي تعمل العسل والشمع.
(عن شرح ديوان أبي ذؤيب).]]
وَقِيلَ يَرْجُونَ يَطْمَعُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ ورائيا
فَالرَّجَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ وَالطَّمَعِ، أَيْ لَا يَخَافُونَ عِقَابًا وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابًا. وَجُعِلَ لِقَاءُ الْعَذَابِ وَالثَّوَابِ لِقَاءٌ لِلَّهِ تَفْخِيمًا لَهُمَا. وَقِيلَ: يَجْرِي اللِّقَاءُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الرُّؤْيَةُ، أَيْ لَا يَطْمَعُونَ فِي رُؤْيَتِنَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَقَعُ الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ إِلَّا مَعَ الْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً﴾[[راجع ج ١٩ ص ٣٠٣.]] [نوح: ١٣]. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَقَعُ بِمَعْنَاهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أَيْ رَضُوا بِهَا عِوَضًا مِنَ الْآخِرَةِ فَعَمِلُوا لَهَا.
(وَاطْمَأَنُّوا بِها) أَيْ فَرِحُوا بها وسكنوا إليها، واصل اطمأن طأمن طُمَأْنِينَةٍ، فَقُدِّمَتْ مِيمُهُ وَزِيدَتْ نُونٌ وَأَلِفُ وَصْلٍ، ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ.
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا) أَيْ عَنْ أَدِلَّتِنَا (غافِلُونَ) لَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ.
(أُولئِكَ مَأْواهُمُ) أَيْ مَثْوَاهُمْ وَمُقَامُهُمُ.
(النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي من الكفر والتكذيب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ "يَرْجُونَ" يَخَافُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ [[البيت لابي ذؤيب. وقوله: (وخالفها) بالخاء المعجمة: جاء إلى عسلها وهي غائبة ترعى. ويروى (وحالفها) بالمهملة أي لازمها. والنوب: النحل: لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها. ويروى: (عوامل) بدل (عواسل) وهي التي تعمل العسل والشمع.
(عن شرح ديوان أبي ذؤيب).]]
وَقِيلَ يَرْجُونَ يَطْمَعُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ ورائيا
فَالرَّجَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ وَالطَّمَعِ، أَيْ لَا يَخَافُونَ عِقَابًا وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابًا. وَجُعِلَ لِقَاءُ الْعَذَابِ وَالثَّوَابِ لِقَاءٌ لِلَّهِ تَفْخِيمًا لَهُمَا. وَقِيلَ: يَجْرِي اللِّقَاءُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الرُّؤْيَةُ، أَيْ لَا يَطْمَعُونَ فِي رُؤْيَتِنَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَقَعُ الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ إِلَّا مَعَ الْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً﴾[[راجع ج ١٩ ص ٣٠٣.]] [نوح: ١٣]. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَقَعُ بِمَعْنَاهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أَيْ رَضُوا بِهَا عِوَضًا مِنَ الْآخِرَةِ فَعَمِلُوا لَهَا.
(وَاطْمَأَنُّوا بِها) أَيْ فَرِحُوا بها وسكنوا إليها، واصل اطمأن طأمن طُمَأْنِينَةٍ، فَقُدِّمَتْ مِيمُهُ وَزِيدَتْ نُونٌ وَأَلِفُ وَصْلٍ، ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ.
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا) أَيْ عَنْ أَدِلَّتِنَا (غافِلُونَ) لَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ.
(أُولئِكَ مَأْواهُمُ) أَيْ مَثْوَاهُمْ وَمُقَامُهُمُ.
(النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي من الكفر والتكذيب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ صَدَّقُوا.
(وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ) أَيْ يَزِيدُهُمْ [[في ب: يرزقهم.]] هِدَايَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾[[راجع ج ١٦ ص ٢٣٨.]] [محمد: ١٧]. وَقِيلَ: "يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ" إِلَى مَكَانٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ. وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: "يَهْدِيهِمْ" يُثِيبُهُمْ وَيَجْزِيهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ" بِالنُّورِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ، يَجْعَلُ لَهُمْ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُقَوِّي هَذَا أَنَّهُ قَالَ: (يَتَلَقَّى الْمُؤْمِنُ عَمَلَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَيُؤْنِسُهُ وَيَهْدِيهِ وَيَتَلَقَّى الْكَافِرُ عَمَلَهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ وَيُضِلُّهُ). هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَجْعَلُ عَمَلَهُمْ هَادِيًا لَهُمْ. الْحَسَنُ: "يَهْدِيهِمْ" يَرْحَمُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ قِيلَ: فِي الْكَلَامِ وَاوٌ مَحْذُوفَةٌ، أَيْ وَتَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، أَيْ مِنْ تَحْتِ بَسَاتِينِهِمْ. وَقِيلَ: مِنْ تَحْتِ أَسِرَّتِهِمْ، وَهَذَا أَحْسَنُ فِي النُّزْهَةِ والفرجة.
قوله تعالى: (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ) دعوا هم: ادعاؤهم، وَالدَّعْوَى مَصْدَرُ دَعَا يَدْعُو، كَالشَّكْوَى مَصْدَرُ شَكَا يشكو، أي دعاو هم فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولُوا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَقِيلَ: إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوا شَيْئًا أَخْرَجُوا السُّؤَالَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ وَيَخْتِمُونَ بِالْحَمْدِ. وَقِيلَ: نِدَاؤُهُمُ الْخَدَمَ لِيَأْتُوهُمْ بِمَا شَاءُوا ثُمَّ سَبَّحُوا. وَقِيلَ: إِنَّ الدُّعَاءَ هُنَا بِمَعْنَى التَّمَنِّي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٤٣.]] [فصلت: ٣١] أَيْ مَا تَتَمَنَّوْنَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ أَيْ تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهُمْ أَوْ تَحِيَّةُ الْمَلَكِ أَوْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَلَامٌ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" مَعْنَى التَّحِيَّةِ مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ٢٩٧.]]. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا مَرَّ بِهِمُ الطَّيْرُ وَاشْتَهَوْهُ قَالُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، فَيَأْتِيهِمُ الْمَلَكُ بِمَا اشْتَهَوْا، فَإِذَا أَكَلُوا حَمِدُوا اللَّهَ فَسُؤَالُهُمْ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ وَالْخَتْمُ بِلَفْظِ الْحَمْدِ. وَلَمْ يَحْكِ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَّا تَخْفِيفَ "أَنْ" وَرَفْعِ مَا بَعْدَهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا نَرَاهُمُ اخْتَارُوا هَذَا وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ" و "أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ" لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْحِكَايَةَ حِينَ يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ "أَنْ" هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: وَيَجُوزُ "أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" يُعْمِلُهَا خَفِيفَةً عَمَلَهَا ثَقِيلَةً، وَالرَّفْعُ أَقْيَسُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ قَرَأَ "وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ". قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، حَكَاهَا الْغَزْنَوِيُّ لأنه يحكي عنه.
الثَّانِيَةُ- التَّسْبِيحُ وَالْحَمْدُ وَالتَّهْلِيلُ قَدْ يُسَمَّى دُعَاءً، رَوَى مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السموات وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ). قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ السَّلَفُ يَدْعُونَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَيُسَمُّونَهُ دُعَاءَ الْكَرْبِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (إِذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ). وَالَّذِي يَقْطَعُ النِّزَاعَ وَأَنَّ هَذَا يُسَمَّى دُعَاءً وَإِنْ لَمْ يكن فيه من معنى الدعاء شي وَإِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ ما رواه النسائي عن سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (دعوة ذي النون إذا دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فإنه لن يدعو بها مسلم في شي إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ (. الثَّالِثَةُ- مِنَ السُّنَّةِ لِمَنْ بَدَأَ بِالْأَكْلِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عِنْدَ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَيَحْمَدَهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ اقْتِدَاءً بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). الرَّابِعَةُ- يُسْتَحَبُّ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ دُعَائِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحَسُنَ أَنْ يَقْرَأَ آخِرَ "وَالصَّافَّاتِ" [[راجع ج ١٥ ص ١٤٠.]] فَإِنَّهَا جَمَعَتْ تَنْزِيهَ الْبَارِئِ تَعَالَى عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْخَتْمَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنَّاسِ الْعُقُوبَةَ كَمَا يَسْتَعْجِلُونَ الثَّوَابَ وَالْخَيْرَ لَمَاتُوا، لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الدُّنْيَا خَلْقًا ضَعِيفًا، وَلَيْسَ هُمْ كَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْلَقُونَ لِلْبَقَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى الْمَكْرُوهِ مِثْلَ مَا يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهُمْ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى "لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ". وقيل: إنه خاص بالكافر، أي ولو يجعل اللَّهُ لِلْكَافِرِ الْعَذَابَ عَلَى كُفْرِهِ كَمَا عَجَّلَ لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ لَعَجَّلَ له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة، قاله ابْنُ إِسْحَاقَ. مُقَاتِلٌ: هُوَ قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ هَذَا لَهَلَكُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُ، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ لَهُ فِيهِ وَالْعَنْهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَلَوِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يُسْتَجَابُ الْخَيْرُ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ. فَالْآيَةُ نَزَلَتْ ذَامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هُوَ فِي بَعْضِ النَّاسِ يَدْعُونَ فِي الْخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الْإِجَابَةِ ثُمَّ يَحْمِلُهُمْ أَحْيَانًا سُوءُ الْخُلُقِ عَلَى الدُّعَاءِ فِي الشَّرِّ، فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ لَهَلَكُوا. الثَّانِيَةُ- وَاخْتُلِفَ فِي إِجَابَةِ هَذَا الدُّعَاءِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَسْتَجِيبَ دُعَاءَ حبيب على حبيبه). وقال شهر ابن حَوْشَبٍ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْعَبْدِ: لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِي فِي حَالِ ضَجَرِهِ شَيْئًا، لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُسْتَجَابُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ آخِرَ الْكِتَابِ، قَالَ جَابِرٌ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ [[بواط (بضم أوله): جبل من جبال جهينة بناحية رضوى (جبل بالمدينة عند ينبع) غزاة النبي ﷺ في شهر ربيع الأول في السنة الثانية من الهجرة يريد قريشا.]] وَهُوَ يطلب المجدي بن عمرو الجهني وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتَقِبُهُ [[أي يتعاقبونه في الركوب واحد بعد واحد. والعقبة: النوبة.]] مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ [[تلدن: تلكأ وتوقف ولم ينبعث.]] عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأْ، لَعَنَكَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ)؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (انْزِلْ عَنْهُ فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ (. فِي غَيْرِ [كِتَابِ] [[من ع وهـ.]] مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سفر فلعن رجل ناقته فقال:) أبن الَّذِي لَعَنَ نَاقَتَهُ (؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:) أَخِّرْهَا عَنْكَ فَقَدْ أُجِبْتَ فِيهَا) ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِ الدِّينِ. "شَأْ" يُرْوَى بِالسِّينِ وَالشِّينِ، وَهُوَ زَجْرٌ لِلْبَعِيرِ بِمَعْنَى سِرْ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: التَّعْجِيلُ مِنَ اللَّهِ، وَالِاسْتِعْجَالُ مِنَ الْعَبْدِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هُمَا مِنَ اللَّهِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجَالِهِمْ بِالْخَيْرِ، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وَأَقَامَ صِفَتَهُ مَقَامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، هَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ وَالْفَرَّاءِ كَاسْتِعْجَالِهِمْ، ثُمَّ حَذَفَ الْكَافَ وَنَصَبَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَمَا تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ، أَيْ كَضَرْبِكَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ". وَهِيَ قِرَاءَةٌ حَسَنَةٌ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ". قوله تعالى: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا) أَيْ لَا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ فَرُبَّمَا يَتُوبُ مِنْهُمْ تَائِبٌ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مُؤْمِنٌ.
(فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أَيْ يَتَحَيَّرُونَ. وَالطُّغْيَانُ: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٠٩.]]. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَهْلُ مَكَّةَ، وَإِنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، على ما تقدم [[ج ٧ ص ٣٩٨.]] والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ، قِيلَ: هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمُشْرِكُ، تُصِيبُهُ الْبَأْسَاءُ وَالشِّدَّةُ [[في ع: الضراء.]] وَالْجَهْدُ. "دَعانا لِجَنْبِهِ" أَيْ عَلَى جَنْبِهِ مُضْطَجِعًا.
(أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً) وَإِنَّمَا أَرَادَ جَمِيعَ حَالَاتِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْدُو إِحْدَى هذه الحالات الثلاثة. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا بَدَأَ بِالْمُضْطَجِعِ لِأَنَّهُ بِالضُّرِّ أَشَدُّ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ، فَهُوَ يَدْعُو أَكْثَرَ، وَاجْتِهَادُهُ أَشَدُّ، ثُمَّ الْقَاعِدِ ثُمَّ الْقَائِمِ.
(فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ) أَيِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَلَمْ يَشْكُرْ وَلَمْ يَتَّعِظْ. قُلْتُ: وَهَذِهِ صفة كثير من المخلطين الْمُوَحِّدِينَ، إِذَا أَصَابَتْهُ الْعَافِيَةُ مَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي، فَالْآيَةُ تَعُمُّ الْكَافِرَ وَغَيْرَهُ.
(كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا) قَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ "كَأَنَّ" الثَّقِيلَةُ خُفِّفَتْ، وَالْمَعْنَى كَأَنَّهُ وَأَنْشَدَ:
وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ [[البيت لزيد بن عمر بن نفيل فراجعه في خزانة الأدب في الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة.]]
(كَذلِكَ زُيِّنَ) أَيْ كَمَا زُيِّنَ لِهَذَا الدُّعَاءُ عِنْدَ الْبَلَاءِ والاعراض عند الرَّخَاءِ.
(زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ) أَيْ لِلْمُشْرِكِينَ أَعْمَالُهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَهَذَا التَّزْيِينُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ مِنْ قَبْلِ أَهْلِ مَكَّةَ أَهْلَكْنَاهُمْ.
(لَمَّا ظَلَمُوا) أَيْ كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا.
(وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أَيْ بِالْمُعْجِزَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَالْبَرَاهِينِ النَّيِّرَاتِ.
(وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي أهلكنا هم لِعِلْمِنَا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. يُخَوِّفُ كُفَّارَ مَكَّةَ عَذَابَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، أَيْ نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى إِهْلَاكِ هَؤُلَاءِ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، وَلَكِنْ نُمْهِلُهُمْ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ. وَقِيلَ: مَعْنَى "مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا" أَيْ جَازَاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِأَنْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ قَالَ: "كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ﴾ مَفْعُولَانِ. وَالْخَلَائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آخر "الانعام" [[راجع ج ٧ ص ١٥٨.]] أي جعلنا كم سُكَّانًا فِي الْأَرْضِ. "مِنْ بَعْدِهِمْ" أَيْ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الْمُهْلَكَةِ. "لِنَنْظُرَ" نُصِبَ بِلَامِ كَيْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ وَأَمْثَالُهُ، أَيْ لِيَقَعَ مِنْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَلَمْ يَزَلْ يَعْلَمُهُ غَيْبًا. وَقِيلَ: يُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِ إِظْهَارًا لِلْعَدْلِ. وَقِيلَ: النَّظَرُ رَاجِعٌ إِلَى الرُّسُلِ، أَيْ لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم. و "كَيْفَ" نُصِبَ بِقَوْلِهِ: تَعْمَلُونَ: لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ فيه ما قبله.
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ "تُتْلى " تقرأ، و "بَيِّناتٍ" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ وَاضِحَاتٍ لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا إِشْكَالَ.
(قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لقائنا) يَعْنِي لَا يَخَافُونَ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَلَا يَرْجُونَ الثَّوَابَ. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ.
(ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ وَالْإِتْيَانِ بِغَيْرِهِ أَنَّ تَبْدِيلَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، وَالْإِتْيَانَ بِغَيْرِهِ قد يجوز أن يكون معه، وفي قو لهم ذلك ثلاثة أوجه: أحد ها- أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يُحَوِّلَ الْوَعْدَ وَعِيدًا وَالْوَعِيدَ وَعْدًا، وَالْحَلَالَ حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. الثَّانِي- سَأَلُوهُ أَنْ يُسْقِطَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الثَّالِثُ- أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ إِسْقَاطَ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: "(قُلْ مَا يَكُونُ لِي) " أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ مَا كَانَ لِي. "أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي" وَمِنْ عِنْدِي، كَمَا لَيْسَ لِي أَنْ أَلْقَاهُ بِالرَّدِّ وَالتَّكْذِيبِ.
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) أَيْ لَا أَتَّبِعُ إِلَّا مَا أَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَتَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَمْنَعُ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: "قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي" وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، فَإِنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِي طَلَبِ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ الْقُرْآنِ نَظْمًا، وَلَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ ﷺ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ تَبْدِيلَ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ، وَلِأَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ إِذَا كَانَ وَحْيًا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أَيْ إِنْ خَالَفْتُ فِي تَبْدِيلِهِ وَتَغْيِيرِهِ أَوْ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ.
(عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يعني يوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ فَتَلَوْتُ عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ، وَلَا أَعْلَمَكُمُ اللَّهُ وَلَا أَخْبَرَكُمْ بِهِ، يُقَالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وَأَدْرَانِي اللَّهُ بِهِ، وَدَرَيْتُهُ وَدَرَيْتُ بِهِ. وَفِي الدارية مَعْنَى الْخَتْلِ، وَمِنْهُ دَرَيْتُ الرَّجُلَ أَيْ خَتَلْتُهُ، وَلِهَذَا لَا يُطْلَقُ الدَّارِي فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا عُدِمَ فِيهِ التَّوْقِيفُ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَلَأَدْرَاكُمْ بِهِ" بِغَيْرِ أَلِفٍ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَمْزَةِ، وَالْمَعْنَى: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْلَمَكُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ، فَهِيَ لَامُ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ أَفْعَلَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ "وَلَا أَدْرَاتُكُمْ بِهِ" بِتَحْوِيلِ الْيَاءِ ألفا [[أي أن الأصل: (أدريتكم).]]، على لغة بني عقيل، فال الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقَى ... عَلَى الْأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الْأَبَاعِرَا
وَقَالَ آخَرُ:
أَلَا آذَنَتْ أَهْلَ الْيَمَامَةِ طَيِّئٌ ... بِحَرْبٍ كَنَاصَاتِ الْأَغَرِّ الْمُشَهَّرِ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ سَأَلْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ: هَلْ لِقِرَاءَةِ الْحَسَنِ "وَلَا أَدْرَاتُكُمْ بِهِ" وَجْهٌ؟ فَقَالَ لا. وهل أَبُو عُبَيْدٍ: لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ الْحَسَنِ "وَلَا أَدْرَاتُكُمْ بِهِ" إِلَّا الْغَلَطُ. قَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ: لَا وَجْهَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى الْغَلَطِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: دَرَيْتُ أَيْ عَلِمْتُ، وَأَدْرَيْتُ غَيْرِي، وَيُقَالُ: دَرَأْتُ أَيْ دَفَعْتُ، فَيَقَعُ الْغَلَطُ بَيْنَ دَرَيْتُ وَدَرَأْتُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُرِيدُ الْحَسَنُ فِيمَا أَحْسَبُ "وَلَا أَدْرَيْتُكُمْ بِهِ" فَأَبْدَلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفًا عَلَى لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفًا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، مِثْلَ: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾[[راجع ج ١١ ص ٢١٥ فما بعد.]] [طه: ٦٣]. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ "أَدْرَأْتُكُمْ" فَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْهَمْزَةِ يَاءٌ، فَأَصْلُهُ "أَدْرَيْتُكُمْ" فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً، كَمَا قَالَ: يَايِسُ في يئس وطائي في طيئ، ثم قلبت الالف هَمْزَةً عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ فِي الْعَالَمِ الْعَأْلَمِ وَفِي الْخَاتَمِ الْخَأْتَمِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا غَلَطٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنِ الْحَسَنِ "وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ" بِالْهَمْزَةِ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ تَكَلَّمَ أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ دَرَأْتُ أَيْ دَفَعْتُ، أَيْ وَلَا أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَدْفَعُوا فَتَتْرُكُوا الْكُفْرَ بِالْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً﴾ ظَرْفٌ، أَيْ مِقْدَارًا مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً.
(مِنْ قَبْلِهِ) أَيْ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، لَا أَقْرَأُ وَلَا أَكْتُبُ، ثُمَّ جِئْتُكُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنْ قِبَلِي. وَقِيلَ: مَعْنَى (لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً) أَيْ لَبِثْتُ فِيكُمْ مُدَّةَ شَبَابِي لَمْ أَعْصِ الله أفتر يدون مِنِّي الْآنَ وَقَدْ بَلَغْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ أُخَالِفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأُغَيِّرَ مَا يُنْزِلُهُ عَلَيَّ. قال قتادة: لبثت فِيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَقَامَ سَنَتَيْنِ يَرَى رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَتُوُفِّيَ ﷺ وَهُوَ ابن اثنتين وستين سنة.
هَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَبَدَّلَ كَلَامَهُ وَأَضَافَ شَيْئًا إِلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُنَزِّلْهُ. وَكَذَلِكَ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْكُمْ إِذَا أَنْكَرْتُمُ الْقُرْآنَ وَافْتَرَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَقُلْتُمْ لَيْسَ هَذَا كَلَامَهُ. وَهَذَا مِمَّا أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ابْتِدَاءً. وَقِيلَ: الْمُفْتَرِي الْمُشْرِكُ، وَالْمُكَذِّبُ بِالْآيَاتِ أَهْلُ الْكِتَابِ. "إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ يُرِيدُ الْأَصْنَامَ.
(وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) وَهَذِهِ غَايَةُ الْجَهَالَةِ مِنْهُمْ، حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفَاعَةَ فِي الْمَآلِ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ نَفْعٌ وَلَا ضَرٌّ فِي الْحَالِ. وَقِيلَ: "شُفَعاؤُنا" أَيْ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ الله في إصلاح معايشنا فِي الدُّنْيَا.
(قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "تُنَبِّئُونَ" بِالتَّشْدِيدِ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ "أَتُنْبِئُونَ اللَّهَ" مُخَفَّفًا، مِنْ أَنْبَأَ يُنْبِئُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ مِنْ نَبَّأَ يُنَبِّئُ تَنْبِئَةً، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾[[راجع ج ١٨ ص ١٨٦ فما بعد.]] [التحريم: ٣] أَيْ أَتُخْبِرُونَ اللَّهَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ أَوْ شَفِيعًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاللَّهُ لَا يعلم لنفسه شريكا في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَلِذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٢٢ فما بعد.]] [الرعد: ٣٣] ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ وَقَدَّسَهَا عَنِ الشِّرْكِ فَقَالَ: "سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ" أَيْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَيْ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [[في ب وع وهـ: ما لا يشفع ولا ينصر.]] وَلَا يُمَيِّزُ "وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ" فَيَكْذِبُونَ، وَهَلْ يَتَهَيَّأُ لَكُمْ أَنْ تُنَبِّئُوهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ!. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "تُشْرِكُونَ" بِالتَّاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عبيد. الباقون بالياء.
تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٣٠.]] مَعْنَاهُ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُمُ الْعَرَبُ كَانُوا عَلَى الشِّرْكِ. وَقِيلَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. "وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" إِشَارَةٌ إِلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، أَيْ لَوْلَا مَا سَبَقَ فِي حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ الْقِيَامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَدْخَلَ المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفر هم، وَلَكِنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ الْأَجَلُ مَعَ عِلْمِهِ بصنيعهم فجعل موعد هم الْقِيَامَةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" لَأَقَامَ عَلَيْهِمُ السَّاعَةَ. وَقِيلَ: لَفَرَغَ مِنْ هَلَاكِهِمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: "الْكَلِمَةُ" أَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فَلَا يُهْلِكُهُمْ بِالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَوْلَا هَذَا التَّأْخِيرُ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِنُزُولِ الْعَذَابِ أَوْ بِإِقَامَةِ السَّاعَةِ. وَالْآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ السَّابِقَةُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَحَدًا إِلَّا بِحُجَّةٍ وَهُوَ إِرْسَالُ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٣٠.]] [الاسراء: ١٥] وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ قَوْلُهُ: (سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي) وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أَخَّرَ الْعُصَاةَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَقَرَأَ عيسى "لقضى" بالفتح.
يُرِيدُ أَهْلَ مَكَّةَ، أَيْ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ، أَيْ مُعْجِزَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ، فَيَجْعَلُ لَنَا الْجِبَالَ ذَهَبًا وَيَكُونُ لَهُ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، وَيُحْيِي لَنَا مَنْ مَاتَ مِنْ آبَائِنَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عَصًا كَعَصَا مُوسَى.
(فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ نُزُولَ الْآيَةِ غَيْبٌ.
(فَانْتَظِرُوا) أَيْ تَرَبَّصُوا.
(إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لِنُزُولِهَا. وَقِيلَ: انْتَظِرُوا قَضَاءَ الله بيننا بإظهار المحق على المبطل.
يُرِيدُ كُفَّارَ مَكَّةَ.
(رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) قِيلَ: رَخَاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، وَخِصْبٌ بَعْدَ جَدْبٍ.
(إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) أَيِ اسْتِهْزَاءٌ وَتَكْذِيبٌ. وَجَوَابُ قَوْلِهِ: "وَإِذا أَذَقْنَا": "إِذا لَهُمْ" عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. "قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "مَكْراً" عَلَى الْبَيَانِ، أَيْ أَعْجَلُ عُقُوبَةً عَلَى جَزَاءِ مَكْرِهِمْ، أَيْ أَنَّ مَا يَأْتِيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ أَسْرَعُ فِي أهلا كهم مِمَّا أَتَوْهُ مِنَ الْمَكْرِ.
(إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) يَعْنِي بِالرُّسُلِ الْحَفَظَةَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "تَمْكُرُونَ" بِالتَّاءِ خِطَابًا. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَةِ رُوَيْسٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ هَارُونَ الْعَتَكِيِّ "يَمْكُرُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ: "إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا" قيل: قال أبو سفيان قحطنا بل بِدُعَائِكَ فَإِنْ سَقَيْتَنَا صَدَّقْنَاكَ، فَسُقُوا بِاسْتِسْقَائِهِ ﷺ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَهَذَا مَكْرُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أَيْ يَحْمِلُكُمْ فِي الْبَرِّ عَلَى الدَّوَابِّ وَفِي الْبَحْرِ عَلَى الْفُلْكِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَحْفَظُكُمْ فِي السَّيْرِ. وَالْآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ فِيمَا هِيَ الْحَالُ بِسَبِيلِهِ مِنْ رُكُوبِ النَّاسِ الدَّوَابَّ وَالْبَحْرَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٤.]]. "يُسَيِّرُكُمْ" قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ. ابْنُ عَامِرٍ "يَنْشُرُكُمْ" بِالنُّونِ وَالشِّينِ، أَيْ يَبُثُّكُمْ وَيُفَرِّقُكُمْ. وَالْفُلْكُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [[راجع ج ٢ ص ١٩٤.]]. وَقَوْلُهُ: "وَجَرَيْنَ بِهِمْ" خُرُوجٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَجَائِزٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُرْجَعَ مِنْ خِطَابِ الْغَيْبَةِ إِلَى لَفْظِ الْمُوَاجَهَةِ بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾[[راجع ج ١٩ ص ١٤١ فما بعد.]] [الإنسان: ٢٢ - ٢١] فَأَبْدَلَ الْكَافَ مِنَ الْهَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى "بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها" تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٢ ص ٢٩٧ وص ١٩٥.]] فِيهَا فِي الْبَقَرَةِ (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ) الضَّمِيرُ فِي "جاءَتْها" لِلسَّفِينَةِ. وَقِيلَ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ. وَالْعَاصِفُ الشَّدِيدَةُ، يُقَالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ وَأَعْصَفَتْ، فَهِيَ عَاصِفٌ وَمُعْصِفٌ وَمُعْصِفَةٌ أَيْ شَدِيدَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى إِذَا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ... فِيهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجِلُ
وَقَالَ "عَاصِفٌ" بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ لَفْظَ الرِّيحِ مُذَكَّرٌ، وَهِيَ الْقَاصِفُ أَيْضًا. وَالطَّيِّبَةُ غَيْرُ عَاصِفٍ وَلَا بَطِيئَةٍ.
(وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) وَالْمَوْجُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ (وَظَنُّوا) أَيْ أَيْقَنُوا (أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أَيْ أَحَاطَ بِهِمُ الْبَلَاءُ، يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ: قَدْ أُحِيطَ بِهِ، كَأَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا أَحَاطَ بِمَوْضِعٍ فَقَدْ هَلَكَ أَهْلُهُ.
(دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيْ دَعَوْهُ وَحْدَهُ وَتَرَكُوا مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ جُبِلُوا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ يُجَابُ دُعَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، لِانْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ وَرُجُوعِهِ إِلَى الْوَاحِدِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "النَّمْلِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [[راجع ج ١٣ ص ٢٢٣.]]. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ أَهْيَا شَرَاهِيَا، أَيْ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. وَهِيَ لُغَةُ الْعَجَمِ. مَسْأَلَةٌ- هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ مُطْلَقًا، وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ... الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِهِ فِي الْغَزْوِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص ٢٩٧ وص ١٩٥.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ "الْأَعْرَافِ" حُكْمُ رَاكِبِ الْبَحْرِ فِي حَالِ ارْتِجَاجِهِ وَغَلَيَانِهِ، هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ أَوِ الْمَرِيضِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْهُ هناك [[راجع ج ٧ ص ٣٤١.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ أَيْ من هَذِهِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ.
(لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أَيْ مِنَ الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِكَ عَلَى نِعْمَةِ الْخَلَاصِ.
(فَلَمَّا أَنْجاهُمْ) أَيْ خلصهم وأنقذ هم.
(إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ يَعْمَلُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَبِالْمَعَاصِي. وَالْبَغْيُ: الْفَسَادُ وَالشِّرْكُ، مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، أَيْ يَطْلُبُونَ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْفَسَادِ.
(بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ بِالتَّكْذِيبِ، وَمِنْهُ بَغَتِ الْمَرْأَةُ طَلَبَتْ غَيْرَ زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ وَبَالُهُ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ، وَتَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:" مَتاعَ [[قراءة الجمهور الضم والفتح قراءة حفص وبعض.]] الْحَياةِ الدُّنْيا "أَيْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا بَقَاءَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: بَغْيُكُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ "مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا". وَ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ مَعْنَى فِعْلِ الْبَغْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" وَتُضْمِرُ مُبْتَدَأً، أَيْ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَوْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ حَرْفٌ [[حرف: كذا في الأصول أي ميل قليل أو تغيير قليل.]] لَطِيفٌ، إِذَا رَفَعْتَ مَتَاعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ "بَغْيُكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا بَغْيُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وكذا ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا فَسَادُكُمْ رَاجِعٌ عَلَيْكُمْ، مِثْلُ "وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ الْبَغْيَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَيْ عُقُوبَتُهُ تُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يُقَالُ: الْبَغْيُ مَصْرَعَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ "مَتَاعَ" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، أَيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتَاعَ الحياة الدنيا. أو ينزع الْخَافِضِ، أَيْ لِمَتَاعِ، أَوْ مَصْدَرٌ، بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ مُتَمَتِّعِينَ. أَوْ هُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ فِي مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ وَالْجَارِّ وَالْحَالِ مَعْنَى الْفِعْلِ فِي الْبَغْيِ. وَ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أَيْ يَحْمِلُكُمْ فِي الْبَرِّ عَلَى الدَّوَابِّ وَفِي الْبَحْرِ عَلَى الْفُلْكِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَحْفَظُكُمْ فِي السَّيْرِ. وَالْآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ فِيمَا هِيَ الْحَالُ بِسَبِيلِهِ مِنْ رُكُوبِ النَّاسِ الدَّوَابَّ وَالْبَحْرَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٤.]]. "يُسَيِّرُكُمْ" قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ. ابْنُ عَامِرٍ "يَنْشُرُكُمْ" بِالنُّونِ وَالشِّينِ، أَيْ يَبُثُّكُمْ وَيُفَرِّقُكُمْ. وَالْفُلْكُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [[راجع ج ٢ ص ١٩٤.]]. وَقَوْلُهُ: "وَجَرَيْنَ بِهِمْ" خُرُوجٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَجَائِزٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُرْجَعَ مِنْ خِطَابِ الْغَيْبَةِ إِلَى لَفْظِ الْمُوَاجَهَةِ بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾[[راجع ج ١٩ ص ١٤١ فما بعد.]] [الإنسان: ٢٢ - ٢١] فَأَبْدَلَ الْكَافَ مِنَ الْهَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى "بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها" تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٢ ص ٢٩٧ وص ١٩٥.]] فِيهَا فِي الْبَقَرَةِ (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ) الضَّمِيرُ فِي "جاءَتْها" لِلسَّفِينَةِ. وَقِيلَ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ. وَالْعَاصِفُ الشَّدِيدَةُ، يُقَالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ وَأَعْصَفَتْ، فَهِيَ عَاصِفٌ وَمُعْصِفٌ وَمُعْصِفَةٌ أَيْ شَدِيدَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى إِذَا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ... فِيهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجِلُ
وَقَالَ "عَاصِفٌ" بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ لَفْظَ الرِّيحِ مُذَكَّرٌ، وَهِيَ الْقَاصِفُ أَيْضًا. وَالطَّيِّبَةُ غَيْرُ عَاصِفٍ وَلَا بَطِيئَةٍ.
(وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) وَالْمَوْجُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ (وَظَنُّوا) أَيْ أَيْقَنُوا (أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أَيْ أَحَاطَ بِهِمُ الْبَلَاءُ، يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ: قَدْ أُحِيطَ بِهِ، كَأَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا أَحَاطَ بِمَوْضِعٍ فَقَدْ هَلَكَ أَهْلُهُ.
(دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيْ دَعَوْهُ وَحْدَهُ وَتَرَكُوا مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ جُبِلُوا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ يُجَابُ دُعَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، لِانْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ وَرُجُوعِهِ إِلَى الْوَاحِدِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "النَّمْلِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [[راجع ج ١٣ ص ٢٢٣.]]. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ أَهْيَا شَرَاهِيَا، أَيْ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. وَهِيَ لُغَةُ الْعَجَمِ. مَسْأَلَةٌ- هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ مُطْلَقًا، وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ... الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِهِ فِي الْغَزْوِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص ٢٩٧ وص ١٩٥.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ "الْأَعْرَافِ" حُكْمُ رَاكِبِ الْبَحْرِ فِي حَالِ ارْتِجَاجِهِ وَغَلَيَانِهِ، هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ أَوِ الْمَرِيضِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْهُ هناك [[راجع ج ٧ ص ٣٤١.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ أَيْ من هَذِهِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ.
(لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أَيْ مِنَ الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِكَ عَلَى نِعْمَةِ الْخَلَاصِ.
(فَلَمَّا أَنْجاهُمْ) أَيْ خلصهم وأنقذ هم.
(إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ يَعْمَلُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَبِالْمَعَاصِي. وَالْبَغْيُ: الْفَسَادُ وَالشِّرْكُ، مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، أَيْ يَطْلُبُونَ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْفَسَادِ.
(بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ بِالتَّكْذِيبِ، وَمِنْهُ بَغَتِ الْمَرْأَةُ طَلَبَتْ غَيْرَ زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ وَبَالُهُ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ، وَتَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:" مَتاعَ [[قراءة الجمهور الضم والفتح قراءة حفص وبعض.]] الْحَياةِ الدُّنْيا "أَيْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا بَقَاءَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: بَغْيُكُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ "مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا". وَ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ مَعْنَى فِعْلِ الْبَغْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" وَتُضْمِرُ مُبْتَدَأً، أَيْ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَوْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ حَرْفٌ [[حرف: كذا في الأصول أي ميل قليل أو تغيير قليل.]] لَطِيفٌ، إِذَا رَفَعْتَ مَتَاعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ "بَغْيُكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا بَغْيُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وكذا ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا فَسَادُكُمْ رَاجِعٌ عَلَيْكُمْ، مِثْلُ "وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ الْبَغْيَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَيْ عُقُوبَتُهُ تُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يُقَالُ: الْبَغْيُ مَصْرَعَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ "مَتَاعَ" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، أَيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتَاعَ الحياة الدنيا. أو ينزع الْخَافِضِ، أَيْ لِمَتَاعِ، أَوْ مَصْدَرٌ، بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ مُتَمَتِّعِينَ. أَوْ هُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ فِي مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ وَالْجَارِّ وَالْحَالِ مَعْنَى الْفِعْلِ فِي الْبَغْيِ. وَ "عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ مَعْنَى الْآيَةِ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ، أَيْ صِفَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وقلة خطر ها وَالْمَلَاذِّ بِهَا كَمَاءٍ، أَيْ مِثْلُ مَاءٍ، فَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا التَّشْبِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي "الْكَهْفِ" [[راجع ج ١٠ ص ٤١٢.]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. "أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ" نَعْتٌ لِ"- مَاءٍ".
(فَاخْتَلَطَ) رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى "فَاخْتَلَطَ" أَيْ فَاخْتَلَطَ الْمَاءُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ ابْتَدَأَ (بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) أَيْ بِالْمَاءِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، فَأَخْرَجَتْ أَلْوَانًا مِنَ النَّبَاتِ، فَنَبَاتٌ عَلَى هَذَا ابْتِدَاءٌ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى "فَاخْتَلَطَ" مَرْفُوعٌ بِاخْتَلَطَ، أَيِ اخْتَلَطَ النَّبَاتُ بِالْمَطَرِ، أَيْ شَرِبَ مِنْهُ فَتَنَدَّى وَحَسُنَ وَاخْضَرَّ. وَالِاخْتِلَاطُ تَدَاخُلُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْبُقُولِ.
(وَالْأَنْعامُ) مِنَ الْكَلَإِ وَالتِّبْنِ وَالشَّعِيرِ.
(حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها) أَيْ حُسْنَهَا وَزِينَتَهَا. وَالزُّخْرُفُ كَمَالُ حُسْنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ: زُخْرُفٌ.
(وَازَّيَّنَتْ) أَيْ بِالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزْهَارِ، وَالْأَصْلُ تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التاء في الزاي وجئ بِأَلِفِ الْوَصْلِ، لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُدْغَمَ مَقَامُ حَرْفَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا سَاكِنٌ وَالسَّاكِنُ لَا يُمْكِنُ الِابْتِدَاءُ بِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَتَزَيَّنَتْ" عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ "وَأَزْيَنَتْ" أَيْ أَتَتْ بِالزِّينَةِ عَلَيْهَا، أَيِ الْغَلَّةِ وَالزَّرْعِ، وَجَاءَ بِالْفِعْلِ عَلَى أَصْلِهِ وَلَوْ أعله لقال وازانت. وقال عوف ابن أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ: قَرَأَ أَشْيَاخُنَا "وَازْيَانَّتْ" وَزْنُهُ اسْوَادَّتْ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُقَدِّمِيِّ "وَازَّايَنَتْ" وَالْأَصْلُ فِيهِ تَزَايَنَتْ، وَزْنُهُ تَقَاعَسَتْ ثُمَّ أُدْغِمَ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ "وَأَزْيَنَتْ" مِثْلُ أفْعَلَتْ. وَقَرَأَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ "وَازْيَنَتْ" مِثْلُ افْعَلَتْ، وَعَنْهُ أَيْضًا "وَازْيَانَتْ مِثْلُ افْعَالَتْ، وَرُوِيَ عَنْهُ" ازْيَأَنَتْ" بِالْهَمْزَةِ، ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُها﴾ أَيْ أَيْقَنَ.
(أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أَيْ عَلَى حَصَادِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، أَخْبَرَ عَنِ الْأَرْضِ وَالْمَعْنِيُّ النَّبَاتُ إِذْ كان مفهوما وهو منها. وقيل: رد إِلَى الْغَلَّةِ، وَقِيلَ: إِلَى الزِّينَةِ.
(أَتاها أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا، أَوْ أَمَرْنَا بِهَلَاكِهَا.
(لَيْلًا أَوْ نَهاراً) ظَرْفَانِ.
(فَجَعَلْناها حَصِيداً) مَفْعُولَانِ، أَيْ مَحْصُودَةً مقطوعة لا شي فِيهَا. وَقَالَ "حَصِيدًا" وَلَمْ يُؤَنِّثْ لِأَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْحَصِيدُ الْمُسْتَأْصَلُ.
(كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أَيْ لَمْ تَكُنْ عَامِرَةً، مِنْ غَنِيَ إِذَا أَقَامَ فِيهِ وَعَمَّرَهُ. وَالْمَغَانِي فِي اللُّغَةِ: الْمَنَازِلُ الَّتِي يَعْمُرُهَا النَّاسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَأَنْ لَمْ تَنْعَمْ. قَالَ لَبِيَدٌ:
وَغَنِيْتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ ... لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ [[السبت: البرهة من الدهر. وداحس: اسم الفرس.]]
وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "تَغْنَ" بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ "يَغْنَ" بِالْيَاءِ، يَذْهَبُ بِهِ إِلَى الزُّخْرُفِ، يَعْنِي فَكَمَا يَهْلِكُ هَذَا الزَّرْعُ هَكَذَا كَذَلِكَ الدُّنْيَا.
(نُفَصِّلُ الْآياتِ) أَيْ نبينها.
(لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في آيات الله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمَّا ذَكَرَ وَصْفَ هَذِهِ الدَّارَ وَهِيَ دَارُ الدُّنْيَا وَصَفَ الْآخِرَةَ فَقَالَ: إن الله لا يدعو كم إِلَى جَمْعِ الدُّنْيَا بَلْ يَدْعُوكُمْ إِلَى الطَّاعَةِ لِتَصِيرُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ، أَيْ إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ، وَسُمِّيَتِ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَهَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ "السَّلَامُ"، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي (الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى). وَيَأْتِي فِي سُورَةِ" الْحَشْرِ [[راجع ج ١٨ ص ٤٥.]] " إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامَةِ. وَالسَّلَامُ وَالسَّلَامَةُ بِمَعْنًى كَالرَّضَاعِ وَالرَّضَاعَةِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكَ من سلام
وَقِيلَ: أَرَادَ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ التَّحِيَّةِ، لِأَنَّ أَهْلَهَا يَنَالُونَ مِنَ اللَّهِ التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ السَّلَامَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ تَحِيَّتُهُمْ، كما قال: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]. وقال يحيى بن معاذ: يا بن آدَمَ، دَعَاكَ اللَّهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ فَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ تُجِيبُهُ، فَإِنْ أَجَبْتَهُ مِنْ دُنْيَاكَ دَخَلْتَهَا، وَإِنْ أَجَبْتَهُ مِنْ قَبْرِكَ مُنِعْتَهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِنَانُ سَبْعٌ: دَارُ الْجَلَالِ، وَدَارُ السَّلَامِ، وَجَنَّةُ عَدْنٍ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَجَنَّةُ الْخُلْدِ، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ النَّعِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ إِظْهَارًا لِحُجَّتِهِ، وَخَصَّ بِالْهِدَايَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ خَلْقِهِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، قِيلَ: كِتَابُ اللَّهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى). وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ، رَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: الْحَقُّ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: (رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا فَقَالَ لَهُ اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنَاكَ وَاعْقِلْ عَقِلَ قَلْبُكَ وَإِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ فَاللَّهُ الْمَلِكُ وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِمَّا فِيهَا) ثُمَّ تَلَا يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "(وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) " [[هذه الآية والجملة قبلها ليست في ب وك وهـ وى.]]. ثُمَّ تَلَا قَتَادَةُ ومجاهد: "وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ". وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيِّنَةُ الْحُجَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: هَدَى اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَاللَّهُ قَالَ: "وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" فردوا على الله نصوص القرآن.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَزِيادَةٌ" قَالَ: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا لَهُمُ الْحُسْنى وَهِيَ الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي رِوَايَةٍ. وَحُذَيْفَةَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَبِي مُوسَى وَصُهَيْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ (- وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ تَلَا- "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ" وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ الْآيَةُ "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ" قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ قَالُوا أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ قَالَ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ (. وَخَرَّجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي دَقَائِقِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَوْقُوفًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَعْنَى كَشْفِ الْحِجَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الزِّيَادَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ "قَالَ: (النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ) وَعَنْ قَوْلِهِ:﴿ وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ١٢٧ فما بعد.]] [الصافات: ١٤٧] قال: (عِشْرُونَ أَلْفًا). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الزِّيَادَةَ أَنْ تُضَاعَفَ الْحَسَنَةُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[من ع وهـ وى.]]] رَضِيَ اللَّهُ عنه: الزِّيَادَةُ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ بَابٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحُسْنَى حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ، وَالزِّيَادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ فَضْلِهِ لَا يُحَاسِبُهُمْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ: الْحُسْنَى الْبُشْرَى، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ١١١، وص ٢٢١ فما بعد.]] [القيامة: ٢٣ - ٢٢]. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ: الزِّيَادَةُ أَنْ تَمُرَّ السَّحَابَةُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَتُمْطِرُهُمْ مِنْ كُلِّ النَّوَادِرِ الَّتِي لَمْ يَرَوْهَا، وَتَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، مَا تُرِيدُونَ أَنْ أُمْطِرَكُمْ؟ فَلَا يُرِيدُونَ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُمْ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: الزِّيَادَةُ أَنَّهُ مَا يَمُرُّ عَلَيْهِمْ مِقْدَارُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلَّا حَتَّى يُطِيفَ بِمَنْزِلِ أَحَدِهِمْ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، مَعَ كُلِّ مَلَكٍ هَدَايَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَتْ مَعَ صَاحِبِهِ، مَا رَأَوْا مِثْلَ تِلْكَ الْهَدَايَا قَطُّ، فَسُبْحَانَ [الْوَاسِعِ الْعَلِيمِ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ الْعَزِيزِ الْقَدِيرِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ الْمُدَبِّرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْكَرِيمِ الَّذِي] [[من ع وهـ وى.]] لَا تَتَنَاهَى مَقْدُورَاتُهُ. وَقِيلَ: "أَحْسَنُوا" أَيْ مُعَامَلَةَ النَّاسِ، "الْحُسْنى ": شَفَاعَتُهُمْ، وَالزِّيَادَةُ: إِذْنُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَقَبُولُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْهَقُ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَلْحَقُ، وَمِنْهُ قِيلَ: غُلَامٌ مُرَاهِقٌ إِذَا لَحِقَ بِالرِّجَالِ. وَقِيلَ: يَعْلُو. وَقِيلَ: يَغْشَى، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. "قَتَرٌ" غُبَارٌ. "وَلا ذِلَّةٌ" أَيْ مَذَلَّةٌ، كَمَا يَلْحَقُ أَهْلَ النَّارِ، أَيْ لَا يَلْحَقُهُمْ غُبَارٌ فِي مَحْشَرِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَلَا تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِلْفَرَزْدَقِ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَقَرَأَ الْحَسَنُ "قَتْرٌ" بِإِسْكَانِ التَّاءِ. وَالْقَتَرُ وَالْقَتَرَةُ وَالْقَتْرَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَهُ النَّحَّاسُ. وَوَاحِدُ الْقَتَرِ قَتَرَةٌ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ١١١، وص ٢٢١ فما بعد.]] [عبس: ٤١] أَيْ تَعْلُوهَا غَبَرَةٌ. وَقِيلَ: قَتَرٌ كَآبَةٌ وَكُسُوفٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: الْقَتَرُ سَوَادُ الْوُجُوهِ. ابْنُ بَحْرٍ: دُخَانُ النَّارِ، وَمِنْهُ قُتَارُ الْقِدْرِ. وَقَالَ ابْنُ أبي لَيْلَى: هُوَ بُعْدُ نَظَرِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وجل.
قُلْتُ: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: "إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ."- إِلَى قَوْلِهِ-" لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ [[راجع ج ١١ ص ٣٤٥.]] الْأَكْبَرُ" [الأنبياء: ١٠٣ - ١٠١] وَقَالَ فِي غَيْرِ آيَةٍ: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[[راجع ج ١ ص ٣٢٧ فما بعد.]] [البقرة: ٦٢] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٥٧.]] [فصلت: ٣٠] [الْآيَةَ [[من ع.]]]. وَهَذَا عَامٌّ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِفَضْلِ اللَّهِ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ لَا قَبْلَ النَّظَرِ وَلَا بَعْدَهُ وَجْهُ الْمُحْسِنِ بِسَوَادٍ مِنْ كَآبَةٍ ولا حزن، ولا يعلوه شي مِنْ دُخَانِ جَهَنَّمَ وَلَا غَيْرُهُ.
(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خالدون) [[راجع ج ٤ ص ١٦٦.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أَيْ عَمِلُوا الْمَعَاصِيَ. وَقِيلَ: الشِّرْكُ.
(جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) "جَزاءُ" مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ "بِمِثْلِها". قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا. وَقِيلَ: الْبَاءُ مَعَ مَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قَامَتْ مَقَامَهُ، وَالْمَعْنَى: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ كَائِنٌ بِمِثْلِهَا، كقولك: إنما أنا بك، أي وإنما أنا كائن بك. ويجوز أن تتعلق بجزاء، التَّقْدِيرُ: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا كَائِنٌ، فَحُذِفَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "جَزَاءٌ" مَرْفُوعًا عَلَى تَقْدِيرِ فَلَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[[راجع ج ٢ ص ٢٧٢ فما بعد.]] [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَشِبْهُهُ، وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ ثَابِتٌ بِمِثْلِهَا، أَوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أَوْ زَائِدَةً. وَمَعْنَى هَذِهِ الْمِثْلِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ الْجَزَاءَ مِمَّا يُعَدُّ مُمَاثِلًا لِذُنُوبِهِمْ، أَيْ هُمْ غَيْرُ مَظْلُومِينَ، وَفِعْلُ الرَّبِّ [جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَعَالَى شَأْنُهُ [[من ع.]]] غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِعِلَّةٍ.
(وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) أَيْ يَغْشَاهُمْ هَوَانٌ وَخِزْيٌ.
(مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ) أَيْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
(مِنْ عاصِمٍ) أَيْ مَانِعٍ يمنعهم منه.
(كَأَنَّما أُغْشِيَتْ) أَيْ أُلْبِسَتْ.
(وُجُوهُهُمْ قِطَعاً) جَمْعُ قطعة، وعلى هذا يكون "مُظْلِماً" حال مِنَ "اللَّيْلِ" أَيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ فِي حَالِ ظُلْمَتِهِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ "قِطْعًا" بِإِسْكَانِ الطَّاءِ، فَ"- مُظْلِماً "عَلَى هَذَا نَعْتٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ اللَّيْلِ. وَالْقِطْعُ اسْمُ مَا قُطِعَ فَسَقَطَ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْقِطْعُ طَائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَسَيَأْتِي في" هود" [[راجع ج ٩ ص ٨٣ فما بعد.]] إن شاء الله تعالى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أَيْ نَجْمَعُهُمْ، وَالْحَشْرُ الْجَمْعَ. "جَمِيعاً" حَالٌ.
(ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) " أَيِ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا.
(مَكانَكُمْ) أَيِ الْزَمُوا وَاثْبُتُوا مَكَانَكُمْ، وَقِفُوا مَوَاضِعَكُمْ.
(أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) وَهَذَا وَعِيدٌ.
(فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ) أَيْ فَرَّقْنَا وَقَطَّعْنَا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّوَاصُلِ فِي الدُّنْيَا، يُقَالُ: زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ، أَيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، وَهُوَ فَعَّلْتُ، لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي مَصْدَرِهِ تَزْيِيلًا، وَلَوْ كَانَ فَيْعَلْتُ لَقُلْتَ زَيْلَةً. وَالْمُزَايَلَةُ الْمُفَارَقَةُ، يُقَالُ: زَايَلَهُ اللَّهُ مُزَايَلَةً وَزِيَالًا إِذَا فَارَقَهُ. وَالتَّزَايُلُ التَّبَايُنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ "فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ"، يُقَالُ: لَا أُزَايِلُ فُلَانًا، أَيْ لَا أُفَارِقُهُ، فَإِنْ قُلْتَ: لَا أُزَاوِلُهُ فَهُوَ بِمَعْنًى آخَرَ، مَعْنَاهُ لَا أُخَاتِلُهُ.
(وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ) عُنِيَ بِالشُّرَكَاءِ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ، وَقِيلَ: الْأَصْنَامُ، فَيُنْطِقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَتَكُونُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ. وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا عَلَى الشَّيَاطِينِ الذين أطاعوهم والأصنام التي عبد وها أَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَقُولُونَ مَا عَبَدْنَاكُمْ حَتَّى أَمَرْتُمُونَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: يُنْطِقُ اللَّهُ الْأَوْثَانَ فَتَقُولُ مَا كُنَّا نَشْعُرُ بِأَنَّكُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، وَمَا أَمَرْنَاكُمْ بِعِبَادَتِنَا. وَإِنْ حُمِلَ الشُّرَكَاءُ عَلَى الشَّيَاطِينِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ دَهَشًا، أَوْ يَقُولُونَ كَذِبًا وَاحْتِيَالًا لِلْخَلَاصِ، وَقَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا غدا، وإن صارت المعارف ضرورية.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ "شَهِيداً" مَفْعُولٌ، أَيْ كَفَى اللَّهُ شَهِيدًا، أَوْ تَمْيِيزٌ، أَيِ اكْتَفِ بِهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا أَمَرْنَاكُمْ بِهَذَا أَوْ رَضِينَاهُ مِنْكُمْ.
(إِنْ كُنَّا) أَيْ مَا كُنَّا (عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) إِلَّا غَافِلِينَ لَا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ، لِأَنَّا كُنَّا جَمَادًا لَا رُوحَ فينا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنالِكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظرف.
(تَبْلُوا) أي في ذلك الوقت. "تَبْلُوا" أَيْ تَذُوقُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تَعْلَمُ. مُجَاهِدٌ: تَخْتَبِرُ.
(كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ) أَيْ جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ وَقَدَّمَتْ. وَقِيلَ: تُسَلِّمُ، أَيْ تُسَلِّمُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "تَتْلُو" أَيْ تَقْرَأُ كُلُّ نَفْسٍ كِتَابَهَا الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: "تَتْلُو" تَتْبَعُ، أَيْ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِنَّ الْمُرِيبَ يَتْبَعُ الْمُرِيبَا ... كَمَا رَأَيْتُ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الصِّفَةِ. وَيَجُوزُ نَصْبُ الْحَقِّ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ، يَكُونُ التقدير: وردوا حقا، ثم جئ بالألف واللام. ويجوز أن يكون التقدير: مولا هم حَقًّا لَا مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا، أَيْ أَعْنِي الْحَقَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ "الْحَقُّ"، وَيَكُونُ الْمَعْنَى مَوْلَاهُمُ الْحَقُّ- عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَالْقَطْعِ مِمَّا قَبْلُ- لَا مَا يُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ. وَوَصَفَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ لِأَنَّ الْعَدْلَ مِنْهُ، أَيْ كُلُّ عَدْلٍ وَحَقٍّ فَمِنْ قِبَلِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مولاهم بالحق" أي الذي يجازيهم بالحق.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ) أي بطل.
(ما كانُوا يَفْتَرُونَ) "يَفْتَرُونَ" في موضع رفع وهو بمعنى المصدر، أي افتراؤهم. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ "وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ" وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ. قِيلَ: لَيْسَ بِمَوْلَاهُمْ فِي النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَهُوَ مَوْلًى لَهُمْ فِي الرِّزْقِ وَإِدْرَارِ النعم.