John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Yusuf

Tafseer Al Qurtubi · Joseph · 111 ayat · ayat 91–111 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ [[أي تصديق قول الله، كما في تفسير الفخر وفى ع: قال الرب.]] اللَّهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾ [يوسف: ١٥] الْآيَةَ [[من ع.]].

(إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارًا فِي وَقْتِ أَخْذِهِمْ لِيُوسُفَ، غَيْرَ أَنْبِيَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْجَهْلِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَسُنَتْ حَالُهُمُ الْآنَ، أَيْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارٌ جُهَّالٌ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِمَا فَعَلُوا حياء وخوفا منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إِلَيْهِ الْعَاقِبَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: "مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ" فَخَضَعُوا لَهُ وَتَوَاضَعُوا رَقَّ لَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ" فتنبهوا فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ" قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ تَبَسَّمَ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ وَاسْتَفْهَمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" الْآيَةَ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يُوسُفُ- وَكَانَ إِذَا تَبَسَّمَ كَأَنَّ ثَنَايَاهُ اللُّؤْلُؤُ الْمَنْظُومُ- فَشَبَّهُوهُ بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ إِخْوَتَهُ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاجَ عَنْهُ، وَكَانَ فِي قَرْنِهِ عَلَامَةٌ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُهَا شَبَهُ الشَّامَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" رَفَعَ التَّاجَ عَنْهُ فَعَرَفُوهُ، فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَ يَعْقُوبُ إِلَيْهِ يَطْلُبُ رَدَّ ابْنِهِ، وَفِي الْكِتَابِ: مِنْ يَعْقُوبَ صَفِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ بَلَاءٍ وَمِحَنٍ، ابْتَلَى اللَّهُ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ بِنُمْرُوذَ وَنَارِهِ، ثُمَّ ابْتَلَى أَبِي إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ ابْتَلَانِي بِوَلَدٍ كَانَ لِي أَحَبُّ أَوْلَادِي إِلَيَّ حَتَّى كُفَّ بَصَرِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَإِنِّي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَلِدْ سَارِقًا وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَعِيلَ صَبْرُهُ فَبَاحَ بِالسِّرِّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "إِنَّكَ" عَلَى الْخَبَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ القراءة استفهاما كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٩٣.]] [الشعراء: ٢٢].

(قالَ أَنَا يُوسُفُ) أَيْ أَنَا الْمَظْلُومُ وَالْمُرَادُ قَتْلُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَا هُوَ تَعْظِيمًا لِلْقِصَّةِ.

(قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا) أَيْ بِالنَّجَاةِ وَالْمُلْكِ.

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ) أَيْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْبِرْ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَعَنِ الْمَعَاصِي.

(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أَيِ الصَّابِرِينَ فِي بَلَائِهِ، الْقَائِمِينَ بِطَاعَتِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي" بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَالْقِرَاءَةُ بِهَا جَائِزَةٌ على أن تجعل "مَنَّ" بِمَعْنَى الَّذِي، وَتَدْخُلُ "يَتَّقِي" فِي الصِّلَةِ، فتثبت الياء لأغير، وَتُرْفَعُ "وَيَصْبِرُ". وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تُجْزَمَ "وَيَصْبِرْ" عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "يَتَّقِي" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ وَ "مَنَّ" لِلشَّرْطِ، وَتَثْبُتُ الْيَاءُ، وَتُجْعَلُ عَلَامَةُ الْجَزْمِ حَذْفَ الضَّمَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا قَالَ:

ثُمَّ نَادِي إِذَا دَخَلْتَ دِمَشْقَا ... يَا يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ

وَقَالَ آخَرُ:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ

وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ ظَاهِرَةٌ، وَالْهَاءُ فِي "إِنَّهُ" كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ، وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ الْأَصْلُ هَمْزَتَانِ خُفِّفَتِ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَجُوزُ تَحْقِيقُهَا، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مُؤْثِرٌ، وَالْمَصْدَرُ إِيثَارٌ. وَيُقَالُ: أَثَرْتُ التُّرَابَ إِثَارَةً فَأَنَا مُثِيرٌ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى أَفْعَلُ ثُمَّ أُعِلَّ، وَالْأَصْلُ أَثْيَرُ [[كذا في الأصل وأعراب القرآن للنحاس. ويلاحظ أن عين الفعل واو لا ياء، وعليه فالأصل أثور، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت- عند اتصال الفعل بضمير متحرك- لالتقاء الساكنين.]] نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ عَلَى الثَّاءِ، فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَأَثَرْتُ الْحَدِيثَ عَلَى فَعَلْتُ فَأَنَا آثِرٌ، وَالْمَعْنَى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَاخْتَارَكَ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْحُكْمِ وَالْعَقْلِ وَالْمُلْكِ.

(وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ) أَيْ مُذْنِبِينَ مِنْ خَطِئَ يَخْطَأُ إِذَا أَتَى الْخَطِيئَةَ، وَفِي ضِمْنِ هَذَا سُؤَالُ الْعَفْوِ. وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ قَالُوا "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" وَقَدْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ؟ قَالَ: وَإِنْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ، فَمَا تَعَمَّدُوا حَتَّى أَخْطَئُوا الْحَقَّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا تَخَطَّى الْمِنْهَاجَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، حَتَّى يَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ قَالَ يُوسُفُ- وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا-: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" وَتَمَّ الْكَلَامُ. وَمَعْنَى "الْيَوْمَ": الْوَقْتُ. وَالتَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ، أَيْ لَا تَعْيِيرَ وَلَا تَوْبِيخَ وَلَا لَوْمَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" أَيْ لَا يُعَيِّرْهَا، وَقَالَ بِشْرٌ:

فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّبْتُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى إِذَا قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى لَا إِفْسَادَ لِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَحَقِّ الْإِخْوَةِ، وَلَكُمْ عِنْدِي الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ، وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ الْإِفْسَادُ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِعُضَادَتَيِ الْبَابِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ لَاذَ النَّاسُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" ثُمَّ قَالَ: "مَاذَا تَظُنُّونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ وَقَدْ قَدَرْتَ، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفَ" لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"" فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَفِضْتُ عَرَقًا مِنَ الْحَيَاءِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَلِكَ أَنِّي قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ: الْيَوْمَ نَنْتَقِمُ مِنْكُمْ وَنَفْعَلُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ قَوْلِي.

(يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) مُسْتَقْبَلٌ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمَهُمْ. وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ الْوَقْفَ عَلَى "عَلَيْكُمُ" وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ، فَإِنَّ فِي الْوَقْفِ عَلَى "عَلَيْكُمُ" والابتداء ب "الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" جزم بِالْمَغْفِرَةِ فِي الْيَوْمِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: طَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنَ الشَّبَابِ أَسْهَلُ مِنْهُ مِنَ الشُّيُوخِ، أَلَمْ تَرَ قَوْلَ يُوسُفَ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" وَقَالَ يَعْقُوبُ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ نَعْتٌ لِلْقَمِيصِ، وَالْقَمِيصُ مُذَكَّرٌ، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو جرير.]]:

تَدْعُو هَوَازِنُ وَالْقَمِيصُ مُفَاضَةٌ ... فَوْقَ النِّطَاقِ تُشَدُّ بِالْأَزْرَارِ

فَتَقْدِيرُهُ: [وَالْقَمِيصُ] [[الزيادة عن النحاس.]] دِرْعٌ مُفَاضَةٌ. قَالَهُ النَّحَّاسُ. وَقَالَ ابْنُ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: "اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً" قَالَ: كَانَ يُوسُفُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَمِيصَهُ يَرُدُّ عَلَى يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَمِيصُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَلْبَسُهُ اللَّهُ فِي النَّارِ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ كَسَاهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ كَسَاهُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَدْرَجَ ذَلِكَ الْقَمِيصَ فِي قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، لِمَا كَانَ يَخَافُ عليه من الْعَيْنِ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأَنْ أَرْسِلْ قَمِيصَكَ فَإِنَّ فيه ريح الجنة، و [إن [[من ى.]]] رِيحَ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ [[في ى: هبت.]] وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ يُوسُفَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ يَهُوذَا، قَالَ لِيُوسُفَ: أَنَا الَّذِي حَمَلْتُ إِلَيْهِ قَمِيصَكَ بِدَمٍ كَذِبٍ فَأَحْزَنْتُهُ، وَأَنَا الَّذِي أَحْمِلُهُ الْآنَ لِأُسِرَّهُ، وَلِيَعُودَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، فَحَمَلَهُ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ.

(وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) لِتَتَّخِذُوا مِصْرَ دَارًا. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَكَانُوا ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي بَعَثَهُ هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِنْ دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى، وَالْقَوْلِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ذكره القشيري والله أعلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ [[أي تصديق قول الله، كما في تفسير الفخر وفى ع: قال الرب.]] اللَّهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾ [يوسف: ١٥] الْآيَةَ [[من ع.]].

(إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارًا فِي وَقْتِ أَخْذِهِمْ لِيُوسُفَ، غَيْرَ أَنْبِيَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْجَهْلِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَسُنَتْ حَالُهُمُ الْآنَ، أَيْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارٌ جُهَّالٌ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِمَا فَعَلُوا حياء وخوفا منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إِلَيْهِ الْعَاقِبَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: "مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ" فَخَضَعُوا لَهُ وَتَوَاضَعُوا رَقَّ لَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ" فتنبهوا فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ" قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ تَبَسَّمَ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ وَاسْتَفْهَمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" الْآيَةَ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يُوسُفُ- وَكَانَ إِذَا تَبَسَّمَ كَأَنَّ ثَنَايَاهُ اللُّؤْلُؤُ الْمَنْظُومُ- فَشَبَّهُوهُ بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ إِخْوَتَهُ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاجَ عَنْهُ، وَكَانَ فِي قَرْنِهِ عَلَامَةٌ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُهَا شَبَهُ الشَّامَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" رَفَعَ التَّاجَ عَنْهُ فَعَرَفُوهُ، فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَ يَعْقُوبُ إِلَيْهِ يَطْلُبُ رَدَّ ابْنِهِ، وَفِي الْكِتَابِ: مِنْ يَعْقُوبَ صَفِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ بَلَاءٍ وَمِحَنٍ، ابْتَلَى اللَّهُ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ بِنُمْرُوذَ وَنَارِهِ، ثُمَّ ابْتَلَى أَبِي إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ ابْتَلَانِي بِوَلَدٍ كَانَ لِي أَحَبُّ أَوْلَادِي إِلَيَّ حَتَّى كُفَّ بَصَرِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَإِنِّي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَلِدْ سَارِقًا وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَعِيلَ صَبْرُهُ فَبَاحَ بِالسِّرِّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "إِنَّكَ" عَلَى الْخَبَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ القراءة استفهاما كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٩٣.]] [الشعراء: ٢٢].

(قالَ أَنَا يُوسُفُ) أَيْ أَنَا الْمَظْلُومُ وَالْمُرَادُ قَتْلُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَا هُوَ تَعْظِيمًا لِلْقِصَّةِ.

(قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا) أَيْ بِالنَّجَاةِ وَالْمُلْكِ.

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ) أَيْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْبِرْ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَعَنِ الْمَعَاصِي.

(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أَيِ الصَّابِرِينَ فِي بَلَائِهِ، الْقَائِمِينَ بِطَاعَتِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي" بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَالْقِرَاءَةُ بِهَا جَائِزَةٌ على أن تجعل "مَنَّ" بِمَعْنَى الَّذِي، وَتَدْخُلُ "يَتَّقِي" فِي الصِّلَةِ، فتثبت الياء لأغير، وَتُرْفَعُ "وَيَصْبِرُ". وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تُجْزَمَ "وَيَصْبِرْ" عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "يَتَّقِي" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ وَ "مَنَّ" لِلشَّرْطِ، وَتَثْبُتُ الْيَاءُ، وَتُجْعَلُ عَلَامَةُ الْجَزْمِ حَذْفَ الضَّمَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا قَالَ:

ثُمَّ نَادِي إِذَا دَخَلْتَ دِمَشْقَا ... يَا يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ

وَقَالَ آخَرُ:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ

وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ ظَاهِرَةٌ، وَالْهَاءُ فِي "إِنَّهُ" كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ، وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ الْأَصْلُ هَمْزَتَانِ خُفِّفَتِ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَجُوزُ تَحْقِيقُهَا، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مُؤْثِرٌ، وَالْمَصْدَرُ إِيثَارٌ. وَيُقَالُ: أَثَرْتُ التُّرَابَ إِثَارَةً فَأَنَا مُثِيرٌ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى أَفْعَلُ ثُمَّ أُعِلَّ، وَالْأَصْلُ أَثْيَرُ [[كذا في الأصل وأعراب القرآن للنحاس. ويلاحظ أن عين الفعل واو لا ياء، وعليه فالأصل أثور، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت- عند اتصال الفعل بضمير متحرك- لالتقاء الساكنين.]] نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ عَلَى الثَّاءِ، فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَأَثَرْتُ الْحَدِيثَ عَلَى فَعَلْتُ فَأَنَا آثِرٌ، وَالْمَعْنَى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَاخْتَارَكَ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْحُكْمِ وَالْعَقْلِ وَالْمُلْكِ.

(وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ) أَيْ مُذْنِبِينَ مِنْ خَطِئَ يَخْطَأُ إِذَا أَتَى الْخَطِيئَةَ، وَفِي ضِمْنِ هَذَا سُؤَالُ الْعَفْوِ. وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ قَالُوا "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" وَقَدْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ؟ قَالَ: وَإِنْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ، فَمَا تَعَمَّدُوا حَتَّى أَخْطَئُوا الْحَقَّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا تَخَطَّى الْمِنْهَاجَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، حَتَّى يَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ قَالَ يُوسُفُ- وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا-: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" وَتَمَّ الْكَلَامُ. وَمَعْنَى "الْيَوْمَ": الْوَقْتُ. وَالتَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ، أَيْ لَا تَعْيِيرَ وَلَا تَوْبِيخَ وَلَا لَوْمَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" أَيْ لَا يُعَيِّرْهَا، وَقَالَ بِشْرٌ:

فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّبْتُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى إِذَا قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى لَا إِفْسَادَ لِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَحَقِّ الْإِخْوَةِ، وَلَكُمْ عِنْدِي الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ، وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ الْإِفْسَادُ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِعُضَادَتَيِ الْبَابِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ لَاذَ النَّاسُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" ثُمَّ قَالَ: "مَاذَا تَظُنُّونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ وَقَدْ قَدَرْتَ، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفَ" لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"" فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَفِضْتُ عَرَقًا مِنَ الْحَيَاءِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَلِكَ أَنِّي قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ: الْيَوْمَ نَنْتَقِمُ مِنْكُمْ وَنَفْعَلُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ قَوْلِي.

(يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) مُسْتَقْبَلٌ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمَهُمْ. وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ الْوَقْفَ عَلَى "عَلَيْكُمُ" وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ، فَإِنَّ فِي الْوَقْفِ عَلَى "عَلَيْكُمُ" والابتداء ب "الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" جزم بِالْمَغْفِرَةِ فِي الْيَوْمِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: طَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنَ الشَّبَابِ أَسْهَلُ مِنْهُ مِنَ الشُّيُوخِ، أَلَمْ تَرَ قَوْلَ يُوسُفَ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" وَقَالَ يَعْقُوبُ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ نَعْتٌ لِلْقَمِيصِ، وَالْقَمِيصُ مُذَكَّرٌ، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو جرير.]]:

تَدْعُو هَوَازِنُ وَالْقَمِيصُ مُفَاضَةٌ ... فَوْقَ النِّطَاقِ تُشَدُّ بِالْأَزْرَارِ

فَتَقْدِيرُهُ: [وَالْقَمِيصُ] [[الزيادة عن النحاس.]] دِرْعٌ مُفَاضَةٌ. قَالَهُ النَّحَّاسُ. وَقَالَ ابْنُ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: "اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً" قَالَ: كَانَ يُوسُفُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَمِيصَهُ يَرُدُّ عَلَى يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَمِيصُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَلْبَسُهُ اللَّهُ فِي النَّارِ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ كَسَاهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ كَسَاهُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَدْرَجَ ذَلِكَ الْقَمِيصَ فِي قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، لِمَا كَانَ يَخَافُ عليه من الْعَيْنِ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأَنْ أَرْسِلْ قَمِيصَكَ فَإِنَّ فيه ريح الجنة، و [إن [[من ى.]]] رِيحَ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ [[في ى: هبت.]] وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ يُوسُفَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ يَهُوذَا، قَالَ لِيُوسُفَ: أَنَا الَّذِي حَمَلْتُ إِلَيْهِ قَمِيصَكَ بِدَمٍ كَذِبٍ فَأَحْزَنْتُهُ، وَأَنَا الَّذِي أَحْمِلُهُ الْآنَ لِأُسِرَّهُ، وَلِيَعُودَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، فَحَمَلَهُ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ.

(وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) لِتَتَّخِذُوا مِصْرَ دَارًا. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَكَانُوا ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي بَعَثَهُ هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِنْ دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى، وَالْقَوْلِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ذكره القشيري والله أعلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ [[أي تصديق قول الله، كما في تفسير الفخر وفى ع: قال الرب.]] اللَّهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾ [يوسف: ١٥] الْآيَةَ [[من ع.]].

(إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارًا فِي وَقْتِ أَخْذِهِمْ لِيُوسُفَ، غَيْرَ أَنْبِيَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْجَهْلِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَسُنَتْ حَالُهُمُ الْآنَ، أَيْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارٌ جُهَّالٌ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِمَا فَعَلُوا حياء وخوفا منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إِلَيْهِ الْعَاقِبَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: "مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ" فَخَضَعُوا لَهُ وَتَوَاضَعُوا رَقَّ لَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ" فتنبهوا فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ" قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ تَبَسَّمَ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ وَاسْتَفْهَمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" الْآيَةَ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يُوسُفُ- وَكَانَ إِذَا تَبَسَّمَ كَأَنَّ ثَنَايَاهُ اللُّؤْلُؤُ الْمَنْظُومُ- فَشَبَّهُوهُ بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ إِخْوَتَهُ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاجَ عَنْهُ، وَكَانَ فِي قَرْنِهِ عَلَامَةٌ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُهَا شَبَهُ الشَّامَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ" رَفَعَ التَّاجَ عَنْهُ فَعَرَفُوهُ، فقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَ يَعْقُوبُ إِلَيْهِ يَطْلُبُ رَدَّ ابْنِهِ، وَفِي الْكِتَابِ: مِنْ يَعْقُوبَ صَفِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ بَلَاءٍ وَمِحَنٍ، ابْتَلَى اللَّهُ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ بِنُمْرُوذَ وَنَارِهِ، ثُمَّ ابْتَلَى أَبِي إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ ابْتَلَانِي بِوَلَدٍ كَانَ لِي أَحَبُّ أَوْلَادِي إِلَيَّ حَتَّى كُفَّ بَصَرِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَإِنِّي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَلِدْ سَارِقًا وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَعِيلَ صَبْرُهُ فَبَاحَ بِالسِّرِّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "إِنَّكَ" عَلَى الْخَبَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ القراءة استفهاما كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٩٣.]] [الشعراء: ٢٢].

(قالَ أَنَا يُوسُفُ) أَيْ أَنَا الْمَظْلُومُ وَالْمُرَادُ قَتْلُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَا هُوَ تَعْظِيمًا لِلْقِصَّةِ.

(قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا) أَيْ بِالنَّجَاةِ وَالْمُلْكِ.

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ) أَيْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْبِرْ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَعَنِ الْمَعَاصِي.

(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أَيِ الصَّابِرِينَ فِي بَلَائِهِ، الْقَائِمِينَ بِطَاعَتِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي" بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَالْقِرَاءَةُ بِهَا جَائِزَةٌ على أن تجعل "مَنَّ" بِمَعْنَى الَّذِي، وَتَدْخُلُ "يَتَّقِي" فِي الصِّلَةِ، فتثبت الياء لأغير، وَتُرْفَعُ "وَيَصْبِرُ". وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تُجْزَمَ "وَيَصْبِرْ" عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "يَتَّقِي" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ وَ "مَنَّ" لِلشَّرْطِ، وَتَثْبُتُ الْيَاءُ، وَتُجْعَلُ عَلَامَةُ الْجَزْمِ حَذْفَ الضَّمَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا قَالَ:

ثُمَّ نَادِي إِذَا دَخَلْتَ دِمَشْقَا ... يَا يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ

وَقَالَ آخَرُ:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ

وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ ظَاهِرَةٌ، وَالْهَاءُ فِي "إِنَّهُ" كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ، وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ الْأَصْلُ هَمْزَتَانِ خُفِّفَتِ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَجُوزُ تَحْقِيقُهَا، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مُؤْثِرٌ، وَالْمَصْدَرُ إِيثَارٌ. وَيُقَالُ: أَثَرْتُ التُّرَابَ إِثَارَةً فَأَنَا مُثِيرٌ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى أَفْعَلُ ثُمَّ أُعِلَّ، وَالْأَصْلُ أَثْيَرُ [[كذا في الأصل وأعراب القرآن للنحاس. ويلاحظ أن عين الفعل واو لا ياء، وعليه فالأصل أثور، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت- عند اتصال الفعل بضمير متحرك- لالتقاء الساكنين.]] نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ عَلَى الثَّاءِ، فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَأَثَرْتُ الْحَدِيثَ عَلَى فَعَلْتُ فَأَنَا آثِرٌ، وَالْمَعْنَى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَاخْتَارَكَ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْحُكْمِ وَالْعَقْلِ وَالْمُلْكِ.

(وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ) أَيْ مُذْنِبِينَ مِنْ خَطِئَ يَخْطَأُ إِذَا أَتَى الْخَطِيئَةَ، وَفِي ضِمْنِ هَذَا سُؤَالُ الْعَفْوِ. وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ قَالُوا "وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ" وَقَدْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ؟ قَالَ: وَإِنْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ، فَمَا تَعَمَّدُوا حَتَّى أَخْطَئُوا الْحَقَّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا تَخَطَّى الْمِنْهَاجَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، حَتَّى يَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ قَالَ يُوسُفُ- وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا-: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" وَتَمَّ الْكَلَامُ. وَمَعْنَى "الْيَوْمَ": الْوَقْتُ. وَالتَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ، أَيْ لَا تَعْيِيرَ وَلَا تَوْبِيخَ وَلَا لَوْمَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" أَيْ لَا يُعَيِّرْهَا، وَقَالَ بِشْرٌ:

فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّبْتُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى إِذَا قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى لَا إِفْسَادَ لِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَحَقِّ الْإِخْوَةِ، وَلَكُمْ عِنْدِي الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ، وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ الْإِفْسَادُ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِعُضَادَتَيِ الْبَابِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ لَاذَ النَّاسُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" ثُمَّ قَالَ: "مَاذَا تَظُنُّونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ وَقَدْ قَدَرْتَ، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفَ" لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"" فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَفِضْتُ عَرَقًا مِنَ الْحَيَاءِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَلِكَ أَنِّي قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ: الْيَوْمَ نَنْتَقِمُ مِنْكُمْ وَنَفْعَلُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ قَوْلِي.

(يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) مُسْتَقْبَلٌ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمَهُمْ. وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ الْوَقْفَ عَلَى "عَلَيْكُمُ" وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ، فَإِنَّ فِي الْوَقْفِ عَلَى "عَلَيْكُمُ" والابتداء ب "الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" جزم بِالْمَغْفِرَةِ فِي الْيَوْمِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: طَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنَ الشَّبَابِ أَسْهَلُ مِنْهُ مِنَ الشُّيُوخِ، أَلَمْ تَرَ قَوْلَ يُوسُفَ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" وَقَالَ يَعْقُوبُ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ نَعْتٌ لِلْقَمِيصِ، وَالْقَمِيصُ مُذَكَّرٌ، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو جرير.]]:

تَدْعُو هَوَازِنُ وَالْقَمِيصُ مُفَاضَةٌ ... فَوْقَ النِّطَاقِ تُشَدُّ بِالْأَزْرَارِ

فَتَقْدِيرُهُ: [وَالْقَمِيصُ] [[الزيادة عن النحاس.]] دِرْعٌ مُفَاضَةٌ. قَالَهُ النَّحَّاسُ. وَقَالَ ابْنُ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: "اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً" قَالَ: كَانَ يُوسُفُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَمِيصَهُ يَرُدُّ عَلَى يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَمِيصُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَلْبَسُهُ اللَّهُ فِي النَّارِ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ كَسَاهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ كَسَاهُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَدْرَجَ ذَلِكَ الْقَمِيصَ فِي قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، لِمَا كَانَ يَخَافُ عليه من الْعَيْنِ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأَنْ أَرْسِلْ قَمِيصَكَ فَإِنَّ فيه ريح الجنة، و [إن [[من ى.]]] رِيحَ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ [[في ى: هبت.]] وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ يُوسُفَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ يَهُوذَا، قَالَ لِيُوسُفَ: أَنَا الَّذِي حَمَلْتُ إِلَيْهِ قَمِيصَكَ بِدَمٍ كَذِبٍ فَأَحْزَنْتُهُ، وَأَنَا الَّذِي أَحْمِلُهُ الْآنَ لِأُسِرَّهُ، وَلِيَعُودَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، فَحَمَلَهُ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ.

(وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) لِتَتَّخِذُوا مِصْرَ دَارًا. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَكَانُوا ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي بَعَثَهُ هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِنْ دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى، وَالْقَوْلِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ذكره القشيري والله أعلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ.

(قالَ أَبُوهُمْ) أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مِصْرَ وَهُمْ وَلَدُ وَلَدِهِ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ). وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بَعْضُ بَنِيهِ، فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ: "إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَاجَتْ [[من ى.]] رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِ لَيَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَقَالَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] [[من ووى.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحَهُ مَنْ أَوْصَلَ عَرْشَ بِلْقِيسِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرْفُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ [[صفقت الريح الشيء وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته.]] الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "إِنِّي لَأَجِدُ" أَيْ أَشُمُّ، فهو وجود بحاسة الشم.

(لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ [[شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد

ويروى: فارددها. واحددها: احبسها. والفند أيضا الخطأ في الرأى. والظلم أيضا.]]

أَيْ عَنِ السَّفَهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ. وَالْفَنَدُ الْكَذِبُ. وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدِ [[أود: عوج.]] ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصَّدُوقِ مِنْ فَنَدِ

أَيْ مِنْ كَذِبٍ. وَقِيلَ: لَوْلَا أَنْ تُقَبِّحُونَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالتَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ

وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ" لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَلُومُونِي، وَالتَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَتَضْعِيفُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تُهَرِّمُونَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ، كَمَا قَالَ:

أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ، وَالْفَنَدُ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

... فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ

أَيِ امْنَعْهَا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: اللَّوْمُ تَفْنِيدٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامَ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا

وَيُقَالُ: أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ مُقْبِلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ ... إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أَيْ لَفِي ذَهَابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْمَاضِي مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذَا عُقُوقٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَفِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا، لِأَنَّ يُوسُفَ عِنْدَهُمْ كَانَ قَدْ مَاتَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ.

(فَارْتَدَّ بَصِيراً) "أَنْ" زَائِدَةٌ، وَالْبَشِيرُ قِيلَ هُوَ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: يَهُوذَا قَالَ: أَنَا أَذْهَبُ بِالْقَمِيصِ الْيَوْمَ كَمَا ذَهَبْتُ بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أَذْهَبْ إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ قَالَ لَهُ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ عَلَى يَعْقُوبَ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عِنْدَنَا شَيْئًا، وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَوَائِزِ، وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَالذَّخَائِرِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْبَذْلِ وَالْهِبَاتِ عِنْدَ الْبَشَائِرِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- الطَّوِيلُ- وَفِيهِ: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [[راجع ج ٨ ص ٢٨٢ فما بعد.]]، وَكِسْوَةُ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا ارْتَجَى حُصُولَ ما يستبشر به. وهو دليل على جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بَعْدَ زَوَالِ الْغَمِّ وَالتَّرَحِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَوَازُ حِذَاقَةِ [[حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.]] الصِّبْيَانِ، وَإِطْعَامِ الطعام فيها، وقد نَحَرَ عُمَرُ بَعْدَ [حِفْظِهِ] [[من ا، ع، ك، و، ى.]] سُورَةَ "الْبَقَرَةِ" جَزُورًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرهم قوله:﴿نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ

﴾ [يوسف: ٨٦].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ قَالُوا يَا أَبَانَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" بَنُو بَنِيهِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ لَا وَلَدُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا، وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْعُقُوقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الْمَأْثَمُ عَنْهُ إِلَّا بِإِحْلَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَنْ آذَى مُسْلِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ظَالِمًا لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ لَهُ [[في ع وك: منه.]] وَيُخْبِرَهُ بِالْمَظْلِمَةِ [[مظلمة (بكسر اللام) وحكى فتحها.]] وَقَدْرِهَا، وَهَلْ يَنْفَعُهُ التَّحْلِيلُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِمَظْلِمَةٍ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ رُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْمَظْلُومِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مظلمة لأخيه من عرضه أو شي فَلْيُحْلِلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" قَالَ الْمُهَلَّبُ فَقَوْلُهُ ﷺ: "أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ" يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَظْلِمَةُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ مُشَارًا إِلَيْهَا مُبَيَّنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى السَّحَرِ. وَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَحَرُ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ. وَفِي دُعَاءِ الْحِفْظِ- مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- تَفَلَّتَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ صَدْرِي، فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ وَيَنْفَعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ وَيُثَبِّتُ مَا تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قَالَ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ" سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي "يَقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" أَيْ أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمُ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ رَبِّي، وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ آتِي الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ فَأَمُرُّ بِدَارِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَدَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي، فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: كَلِمَاتٌ أَسْمَعُكُ تَقُولُهُنَّ فِي السَّحَرِ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصْرًا كَانَ لَهُ هُنَاكَ.

(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ بَعَثَ مَعَ الْبَشِيرِ مِائَتَيْ رَاحِلَةٍ وَجَهَازًا، وَسَأَلَ يَعْقُوبَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ ضَمَّ، وَيَعْنِي بِأَبَوَيْهِ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ فِي وِلَادَةِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ [لَهُ] [[من اوع وى.]] أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: يَذْهَبُ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ فَكَيْفَ يَقُولُ: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ". وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شاءَ اللَّهُ" تَبَرُّكًا وَجَزْمًا. "آمِنِينَ" مِنَ الْقَحْطِ، أَوْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانُوا لَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يريد السرير، وقد تقدمت محامله، قد يُعَبَّرُ بِالْعَرْشِ عَنِ الْمُلْكِ وَالْمَلِكِ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:

عُرُوشٌ تَفَانَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَأَمْنَةٍ

وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٠.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾. فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ الْهَاءُ فِي "خَرُّوا لَهُ" قِيلَ: إِنَّهَا تَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، الْمَعْنَى: وَخَرُّوا شُكْرًا لِلَّهِ سُجَّدًا، وَيُوسُفُ كَالْقِبْلَةِ لِتَحْقِيقِ روياه، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ النَّقَّاشُ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى يُوسُفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أول السورة: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وَكَانَ تَحِيَّتَهُمْ أَنْ يَسْجُدَ الْوَضِيعُ لِلشَّرِيفِ، وَالصَّغِيرُ لِلْكَبِيرِ، سَجَدَ يَعْقُوبُ وَخَالَتُهُ وَإِخْوَتُهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السلام، فاقشعر جلده وقال: "هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ" وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَبَيْنَ تَأْوِيلِهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذَلِكَ آخِرُ مَا تُبْطِئُ الرُّؤْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ وَجِسْرُ بْنُ فَرْقَدٍ وفضيل ابن عِيَاضٍ: ثَمَانُونَ سَنَةٍ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَغَابَ عَنْ أَبِيهِ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ أَنِ الْتَقَى بِأَبِيهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَفِي التَّوْرَاةِ مِائَةٌ وَسِتٌّ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِيُوسُفَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ إِفْرَاثِيمُ ومنشا وَرَحْمَةُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ. وَبَيْنَ يُوسُفَ وَمُوسَى أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ. وَقِيلَ: أَقَامَ عِنْدَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ بعض المحدثين: بعضا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً حَتَّى جَمَعَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ إسحاق: ثماني عشرة سنة، والله أعلم. الثاني- قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ: فِي قَوْلِهِ: "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً"- قَالَ: لَمْ يَكُنْ سُجُودًا، لَكِنَّهُ سُنَّةٌ كَانَتْ فِيهِمْ، يُومِئُونَ بِرُءُوسِهِمْ إِيمَاءً، كَذَلِكَ كَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ سُجُودًا كَالسُّجُودِ الْمَعْهُودِ عِنْدَنَا، وَهُوَ كَانَ تَحِيَّتَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ انْحِنَاءً كَالرُّكُوعِ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُورًا عَلَى الْأَرْضِ، وَهَكَذَا كَانَ سَلَامُهُمْ بِالتَّكَفِّي وَالِانْحِنَاءِ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْعِنَا، وَجَعَلَ الْكَلَامَ بَدَلًا عَنِ الِانْحِنَاءِ. وَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّمَا كَانَ تَحِيَّةً لَا عِبَادَةً، قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ كَانَتْ تَحِيَّةَ الْمُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: هَذَا الِانْحِنَاءُ وَالتَّكَفِّي الَّذِي نُسِخَ عَنَّا قَدْ صَارَ عَادَةً بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَعِنْدَ الْعَجَمِ، وَكَذَلِكَ قِيَامُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا لَمْ يَقُمْ لَهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ كَأَنَّهُ لَا يُؤْبَهُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا قَدْرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا الْتَقَوُا انْحَنَى بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَوِرَاثَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْتِقَاءِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ. نَكَبُوا عَنِ السُّنَنِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ السُّنَنِ. وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَنْحَنِي بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ إِذَا الْتَقَيْنَا؟ قَالَ: "لَا"، قُلْنَا: أَفَيَعْتَنِقُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ "لَا". قُلْنَا: أَفَيُصَافِحُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ "نَعَمْ". خَرَّجَهُ أَبُو عُمَرَ فِي "التَّمْهِيدِ" فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ وَخَيْرِكُمْ"- يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ- قُلْنَا: ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِسَعْدٍ لِمَا تَقْتَضِيهِ الْحَالُ الْمُعَيَّنَةُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ قِيَامُهُمْ لِيُنْزِلُوهُ عَنِ الْحِمَارِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ إِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ وَأُعْجِبَ بِهِ وَرَأَى لِنَفْسِهِ حَظًّا لَمْ يَجُزْ عَوْنُهُ عَلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَجَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجْهٌ أَكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنْ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ إِذَا رَأَوْهُ، لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِي الْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ؟ قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا بَعُدَ عَنْكَ، لِتُعَيِّنَ لَهُ بِهِ وَقْتَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَانَ دَانِيًا فَلَا، وَقَدْ قِيلَ بِالْمَنْعِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، لِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وَقَالَ: "لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ بِالْأَكُفِّ وَالنَّصَارَى بِالْإِشَارَةِ". وَإِذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَنْحَنِي، وَلَا أَنْ يُقَبِّلَ مَعَ السَّلَامِ يَدَهُ، وَلِأَنَّ الِانْحِنَاءَ عَلَى مَعْنَى التَّوَاضُعِ لَا يَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ. وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَلَا يُتَّبَعُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمُ الَّتِي أَحْدَثُوهَا تَعْظِيمًا مِنْهُمْ لِكُبَرَائِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا تَقُومُوا عِنْدَ رَأْسِي كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ عِنْدَ رُءُوسِ أَكَاسِرَتِهَا" فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ، فَقَدْ صَافَحَ النَّبِيُّ ﷺ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَأَمَرَ بِهَا، وَنَدَبَ إِلَيْهَا، وَقَالَ: "تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ" وَرَوَى غَالِبٌ التَّمَّارُ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا إِذَا الْتَقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا [[في اوع وك وى: الرابعة. ويلاحظ أن المسائل ثلاث.]]، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ؟ قُلْنَا: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُصَافَحَةَ وَالْمُعَانَقَةَ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا سُحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْمُصَافَحَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ، وَعَلَى جَوَازِ الْمُصَافَحَةِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا أَمْرًا عَامًّا فِي الدِّينِ، وَلَا مَنْقُولًا نَقْلَ السَّلَامِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ [[في ع، و، ى: سنة.]] لَاسْتَوَى مَعَهُ. قُلْتُ: قَدْ جَاءَ فِي الْمُصَافَحَةِ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهَا، وَالدَّأَبِ عَلَيْهَا وَالْمُحَافَظَةِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَحْسِبُ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ لِلْأَعَاجِمِ؟ فَقَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مأمن مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبها بينهما".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْجُبِّ اسْتِعْمَالًا لِلْكَرَمِ، لِئَلَّا يُذَكِّرَ إِخْوَتَهُ صَنِيعَهُمْ بَعْدَ عَفْوِهِ [عَنْهُمْ [[من ع وك.]]] بِقَوْلِهِ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ". قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ: ذِكْرُ الْجَفَا فِي وَقْتِ الصَّفَا جَفَا، وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ دل عليه الكتاب. وقيل: لأن في دخول السِّجْنَ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وَكَانَ فِي الْجُبِّ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي السِّجْنِ مَعَ اللُّصُوصِ وَالْعُصَاةِ، وَفِي الْجُبِّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِنَّةَ فِي النَّجَاةِ مِنَ السِّجْنِ كَانَتْ أكبر، لأنه دخله بسبب أمرهم بِهِ، وَأَيْضًا دَخَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ إِذْ قَالَ: "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ" فَكَانَ الْكَرْبُ فِيهِ أَكْثَرَ، وقال فيه أيضا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فَعُوقِبَ فِيهِ.

(وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) يُرْوَى أَنَّ مَسْكَنَ يَعْقُوبَ كَانَ بِأَرْضِ كَنْعَانَ، وَكَانُوا أَهْلُ مَوَاشٍ وَبَرِّيَّةٍ، وَقِيلَ: كَانَ يَعْقُوبُ تَحَوَّلَ إِلَى بَادِيَةٍ وَسَكَنَهَا، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ خَرَجَ إِلَى بَدَا، وَهُوَ مَوْضِعٌ، وَإِيَّاهُ عَنَى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ:

وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَغْبًا [[شغب: موضع بين المدينة والشام. و (بدا) يروى منونا وغير منون.]] إِلَى بَدَا ... إِلَيَّ وَأَوْطَانِي بِلَادٌ سِوَاهُمَا

وَلِيَعْقُوبَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقَالُ: بَدَا الْقَوْمُ بَدْوًا إِذَا أَتَوْا بَدَا، كَمَا يُقَالُ: غَارُوا غَوْرًا أَيْ أَتَوُا الْغَوْرَ، وَالْمَعْنَى: وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ مَكَانِ بَدَا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

(مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) بِإِيقَاعِ الْحَسَدِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: أَفْسَدَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، أَحَالَ ذَنْبَهُمْ عَلَى الشَّيْطَانِ تَكَرُّمًا مِنْهُ.

(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) أَيْ رَفِيقٌ بِعِبَادِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللَّطِيفُ هُوَ الْبَرُّ بِعِبَادِهِ الَّذِي يَلْطُفُ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَيُسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، كَقَوْلِهِ:" اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ [[راجع ج ١٦ ص ١٦.]] " [الشورى: ١٩]. وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الْعَالِمُ بِدَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِكْرَامُ وَالرِّفْقُ. قَالَ قَتَادَةُ، لَطَفَ بِيُوسُفَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وَجَاءَهُ بِأَهْلِهِ مِنَ الْبَدْوِ، وَنَزَعَ عَنْ قَلْبِهِ نَزْغَ الشَّيْطَانِ. وَيُرْوَى أَنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا قَدِمَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَشَارَفَ أَرْضَ مِصْرَ وَبَلَغَ ذَلِكَ يُوسُفَ اسْتَأْذَنَ فِرْعَوْنَ- وَاسْمُهُ الرَّيَّانُ- أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَلَقِّي أَبِيهِ يَعْقُوبَ، وأخبره قدومه فَأَذِنَ لَهُ، وَأَمَرَ الْمَلَأَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالرُّكُوبِ مَعَهُ، فَخَرَجَ يُوسُفُ وَالْمَلِكُ مَعَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ خَلْقٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ، وَرَكِبَ أَهْلُ مِصْرَ مَعَهُمْ يَتَلَقَّوْنَ يَعْقُوبَ، فَكَانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَّكِئًا عَلَى يَدِ يَهُوذَا، فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْخَيْلِ وَالنَّاسِ وَالْعَسَاكِرِ فَقَالَ: يَا يَهُوذَا! هَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ هَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ، فَلَمَّا دَنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ لِيَبْدَأهُ بِالسَّلَامِ فَمُنِعَ [[أي منعه يعقوب عليه السلام لأن القادم يسلم، قاله العيني في "عقد الجمان". وقال الألوسي: ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه.]] مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ، فَابْتَدَأَ يَعْقُوبُ بِالسَّلَامِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ، وَبَكَى وَبَكَى مَعَهُ يُوسُفُ، فَبَكَى يَعْقُوبُ فَرَحًا، وَبَكَى يُوسُفُ لِمَا رَأَى بِأَبِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْبُكَاءُ أَرْبَعَةٌ، بُكَاءٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَبُكَاءٌ مِنَ الْجَزَعِ، وَبُكَاءٌ مِنَ الْفَرَحِ، وَبُكَاءُ رِيَاءٍ. ثُمَّ قَالَ يَعْقُوبُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَرَّ عَيْنَيَّ بَعْدَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَدَخَلَ مِصْرَ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مِصْرَ حَتَّى بَلَغُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَنَيِّفَ أَلْفٍ، وَقَطَعُوا الْبَحْرَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ دَخَلُوا مِصْرَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَخَرَجُوا مَعَ مُوسَى وَهُمْ سِتُّمِائَةِ [أَلْفٍ] [[من ع.]] وَسَبْعُونَ أَلْفًا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: دَخَلُوهَا وَهُمُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَخَرَجُوا مَعَ مُوسَى وَهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ وَهْبُ: [بْنُ مُنَبِّهٍ] [[من ع.]] دَخَلَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ مِصْرَ وَهُمْ تِسْعُونَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَغِيرٍ، وَخَرَجُوا مِنْهَا مَعَ مُوسَى فِرَارًا مِنْ فِرْعَوْنَ، وَهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وخمسمائة وبضع وسبعون رجل مُقَاتِلِينَ، سِوَى الذُّرِّيَّةِ وَالْهَرْمَى وَالزَّمْنَى، وَكَانَتِ الذُّرِّيَّةُ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ سِوَى الْمُقَاتِلَةِ، وَقَالَ أَهْلُ التَّوَارِيخِ: أَقَامَ يَعْقُوبُ بِمِصْرَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أَغْبَطِ حَالٍ وَنِعْمَةٍ، وَمَاتَ بِمِصْرَ، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ يُوسُفَ أَنْ يَحْمِلَ جَسَدَهُ حَتَّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بِالشَّامِ فَفَعَلَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نُقِلَ يَعْقُوبُ ﷺ فِي تَابُوتٍ مِنْ سَاجٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ عِيصُو، فَدُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ثَمَّ تَنْقُلُ الْيَهُودُ مَوْتَاهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَوُلِدَ يَعْقُوبُ وَعِيصُو فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَدُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَكَانَ عُمْرُهُمَا جَمِيعًا مِائَةً وسبعا [[في ع وك ى: تسعا. والمشهور ما ذكر.]] وأربعين سنة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ، نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْلُ اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ، وَإِنَّمَا تَمَنَّى الْوَفَاةَ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَيْ إِذَا جَاءَ أَجَلِي تَوَفَّنِي مُسْلِمًا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: لَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ إِلَّا ثَلَاثٌ: رَجُلٌ جَاهِلٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ رَجُلٌ يَفِرُّ مِنْ أَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَوْ مُشْتَاقٌ مُحِبٌّ لِلِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خيرا لي وتوفقني إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ [[قيل: وجه صحة عطفه على النفي من حيث إنه بمعنى النهى. وقال ابن حجر: فيه إيماء إلى أن الأول نهى على بابه، ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته.]] بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلَّا خَيْرًا". وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَنَّى الْمَوْتَ وَالْخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيَا وَقَطْعَ الْعَمَلِ؟ هَذَا بَعِيدٌ! إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ، أَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَغَلَبَتِهَا، وَخَوْفِ ذَهَابِ الدِّينِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ". وَ "مِنَ" مِنْ قَوْلِهِ: "مِنَ الْمُلْكِ" لِلتَّبْعِيضِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ" لِأَنَّ مُلْكَ مِصْرَ مَا كَانَ كُلَّ الْمُلْكِ، وَعِلْمُ التَّعْبِيرِ مَا كَانَ كُلَّ الْعُلُومِ. وَقِيلَ: "مِنَ" لِلْجِنْسِ كقوله:" فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ [[راجع ج ١٢ ص ٥٤.]] الْأَوْثانِ" [الحج: ٣٠] وَقِيلَ: لِلتَّأَكُّدِ أَيْ آتَيْتَنِي الْمُلْكَ وَعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الأحاديث قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نُصِبَ عَلَى النَّعْتِ لِلنِّدَاءِ، وَهُوَ رَبِّ، وَهُوَ نِدَاءٌ مُضَافٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا رَبِّ! وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نِدَاءً ثَانِيًا. وَالْفَاطِرُ الْخَالِقُ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ فَاطِرُ الْمَوْجُودَاتِ، أَيْ خَالِقُهَا وَمُبْدِئُهَا وَمُنْشِئُهَا وَمُخْتَرِعُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ من غير شي، وَلَا مِثَالٍ سَبَقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص ٨٦ فما بعد.]]، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] وَزِدْنَاهُ بَيَانًا فِي الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى.

(أَنْتَ وَلِيِّي) أَيْ نَاصِرِي وَمُتَوَلِّي أُمُورِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

(تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يُرِيدُ آبَاءَهُ الثَّلَاثَةَ، إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ- طَاهِرًا طَيِّبًا ﷺ- بِمِصْرَ، وَدُفِنَ فِي النِّيلِ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ رُخَامٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَشَاحَّ النَّاسُ عَلَيْهِ، كُلٌّ يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَحَلَّتِهِمْ، لِمَا يَرْجُونَ مِنْ بَرَكَتِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَمُّوا بِالْقِتَالِ، فَرَأَوْا أَنْ يَدْفِنُوهُ فِي النِّيلَ مِنْ حَيْثُ مَفْرِقُ الْمَاءِ بِمِصْرَ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فِي جَمِيعِ مِصْرَ، فَيَكُونُوا فِيهِ شَرَعًا فَفَعَلُوا، فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَخْرَجَهُ مِنَ النِّيلِ: وَنَقَلَ تَابُوتَهُ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَدَفَنُوهُ مَعَ آبَائِهِ لِدَعْوَتِهِ: "وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةَ عَامٍ وَسَبْعَةَ أَعْوَامٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالسِّجْنِ وَالْمُلْكِ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ جُمِعَ لَهُ شَمْلُهُ فَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ إِفْرَاثِيمُ، وَمَنْشَا، وَرَحْمَةُ، زَوْجَةُ أَيُّوبَ، فِي قَوْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَوُلِدَ لِإِفْرَاثِيمَ- بْنِ يُوسُفَ- نُونُ بْنُ إِفْرَاثِيمَ، وَوُلِدَ لِنُونٍ يُوشَعُ، فَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَهُوَ فَتَى مُوسَى الَّذِي كَانَ مَعَهُ صَاحِبُ أَمْرِهِ، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَانَ بَعْدَهُ نَبِيًّا، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ أَرِيحَا، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَاسْتَوْقِفَتْ لَهُ الشَّمْسُ حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦٠ ص ١٣٠ فما بعد.]]. وَوُلِدَ لَمَنْشَا بْنِ يُوسُفَ مُوسَى بْنُ مَنْشَا، قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي طَلَبَ الْعَالِمَ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ، وَالْعَالِمُ هُوَ الَّذِي خرق السَّفِينَةَ، وَقَتَلَ الْغُلَامَ، وَبَنَى الْجِدَارَ، وَمُوسَى بْنُ مَنْشَا مَعَهُ حَتَّى بَلَغَهُ مَعَهُ حَيْثُ بَلَغَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَالْحَقُّ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ كَانَ بَيْنَ يُوسُفَ وَمُوسَى أُمَمٌ وَقُرُونٌ، وَكَانَ فِيمَا بَيْنَهُمَا شُعَيْبٌ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجمعين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خَبَرٌ ثَانٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "ذلِكَ" بِمَعْنَى الَّذِي، "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" خَبَرَهُ، أَيِ الَّذِي مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي هُوَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" أَيْ نُعَلِّمُكَ بِوَحْيِ هَذَا إِلَيْكَ.

(وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أَيْ مَعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) فِي إِلْقَاءِ يُوسُفَ فِي الْجُبِّ.

(وَهُمْ يَمْكُرُونَ) أَيْ بِيُوسُفَ فِي إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ. وَقِيلَ: "يَمْكُرُونَ" بِيَعْقُوبَ حِينَ جَاءُوهُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، أَيْ مَا شَاهَدْتَ تِلْكَ الْأَحْوَالَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَطْلَعَكَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ظَنَّ أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَخْبَرَهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ لَيْسَ تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ مَنْ أَرَدْتَ هِدَايَتَهُ، تَقُولُ: حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلُ: ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَالْحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاخْتِيَارٍ [[قال الراغب في مفردات القرآن: الحرص فرط الشره وفرط الإرادة.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ "مِنْ" صِلَةٍ، أَيْ مَا تَسْأَلُهُمْ جُعْلًا.

(إِنْ هُوَ) أَيْ مَا هُوَ، يعني القرآن والوحي.

(إِلَّا ذِكْرٌ) أي عظة وتذكرة (لِلْعالَمِينَ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خَبَرٌ ثَانٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "ذلِكَ" بِمَعْنَى الَّذِي، "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" خَبَرَهُ، أَيِ الَّذِي مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي هُوَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" أَيْ نُعَلِّمُكَ بِوَحْيِ هَذَا إِلَيْكَ.

(وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أَيْ مَعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) فِي إِلْقَاءِ يُوسُفَ فِي الْجُبِّ.

(وَهُمْ يَمْكُرُونَ) أَيْ بِيُوسُفَ فِي إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ. وَقِيلَ: "يَمْكُرُونَ" بِيَعْقُوبَ حِينَ جَاءُوهُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، أَيْ مَا شَاهَدْتَ تِلْكَ الْأَحْوَالَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَطْلَعَكَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ظَنَّ أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَخْبَرَهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ لَيْسَ تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ مَنْ أَرَدْتَ هِدَايَتَهُ، تَقُولُ: حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلُ: ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَالْحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاخْتِيَارٍ [[قال الراغب في مفردات القرآن: الحرص فرط الشره وفرط الإرادة.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ "مِنْ" صِلَةٍ، أَيْ مَا تَسْأَلُهُمْ جُعْلًا.

(إِنْ هُوَ) أَيْ مَا هُوَ، يعني القرآن والوحي.

(إِلَّا ذِكْرٌ) أي عظة وتذكرة (لِلْعالَمِينَ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خَبَرٌ ثَانٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "ذلِكَ" بِمَعْنَى الَّذِي، "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" خَبَرَهُ، أَيِ الَّذِي مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي هُوَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ "نُوحِيهِ إِلَيْكَ" أَيْ نُعَلِّمُكَ بِوَحْيِ هَذَا إِلَيْكَ.

(وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أَيْ مَعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) فِي إِلْقَاءِ يُوسُفَ فِي الْجُبِّ.

(وَهُمْ يَمْكُرُونَ) أَيْ بِيُوسُفَ فِي إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ. وَقِيلَ: "يَمْكُرُونَ" بِيَعْقُوبَ حِينَ جَاءُوهُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، أَيْ مَا شَاهَدْتَ تِلْكَ الْأَحْوَالَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَطْلَعَكَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ظَنَّ أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَخْبَرَهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ لَيْسَ تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ مَنْ أَرَدْتَ هِدَايَتَهُ، تَقُولُ: حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلُ: ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَالْحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاخْتِيَارٍ [[قال الراغب في مفردات القرآن: الحرص فرط الشره وفرط الإرادة.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ "مِنْ" صِلَةٍ، أَيْ مَا تَسْأَلُهُمْ جُعْلًا.

(إِنْ هُوَ) أَيْ مَا هُوَ، يعني القرآن والوحي.

(إِلَّا ذِكْرٌ) أي عظة وتذكرة (لِلْعالَمِينَ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: هِيَ "أَيْ" دَخَلَ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَبُنِيَتْ مَعَهَا، فَصَارَ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى كَمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٢٨ فما بعد.]] الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَمَضَى الْقَوْلُ فِي آيَةِ "السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٢ فما بعد.]]. وَقِيلَ: الْآيَاتُ آثَارُ عُقُوبَاتِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَيْ هُمْ غَافِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّلِهَا. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَعَمْرُو بْنُ فَائِدٍ "وَالْأَرْضِ" رَفْعًا ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ.

(يَمُرُّونَ عَلَيْها). وَقَرَأَ السُّدِّيُّ "وَالْأَرْضِ" نَصْبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى "السَّماواتِ". وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَمْشُونَ عَلَيْهَا".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَقَرُّوا بِاللَّهِ خَالِقِهِمْ وَخَالِقِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُمْ يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٢٣.]] [الزخرف: ٨٧] ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ وَيَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ مَعَهُمْ شِرْكٌ وَإِيمَانٌ، آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُهُمْ، حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ النَّصَارَى. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مُفَصَّلًا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، الْمَعْنَى: "وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ" أَيْ بِاللِّسَانِ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَنْسَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، بَيَانُهُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ٢٢] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ١٢] الْآيَةَ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]] [فصلت: ٥١]. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فَإِذَا أَنْجَاهُمْ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْلَا فُلَانٌ مَا نَجَوْنَا، وَلَوْلَا الْكَلْبُ لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ، وَنَحْوَ هَذَا، فَيَجْعَلُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ مَنْسُوبَةً إِلَى فُلَانٍ، وَوِقَايَتَهُ مَنْسُوبَةً إِلَى الْكَلْبِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا غَشِيَهُمُ الدُّخَانُ فِي سِنِي الْقَحْطِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٣٢.]] [الدخان: ١٢] فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَشِرْكُهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ كشف العذاب، بيانه قوله: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وَالْعَوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ابْتِدَاءٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى: "إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ" أَيْ إِلَّا وَهُمْ عَائِدُونَ [إِلَى الشِّرْكِ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]]]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُجَلَّلَةٌ [[مجللة: عامة التغطية.]]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾[[راجع ج ١٣ ص.]] [العنكبوت: ٥٥]. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ تَقَعُ لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ.

(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) يَعْنِي الْقِيَامَةَ.

(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَأَصْلُهُ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ حَالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَقَعَ أَمْرٌ بَغْتَةً وَفَجْأَةً، قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَعْنَى "بَغْتَةً" إِصَابَةٌ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]] مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعْ.

(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وَهُوَ تَوْكِيدٌ. وَقَوْلُهُ: "بَغْتَةً" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَصِيحُ الصَّيْحَةُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] على ما يأتي [[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ طَرِيقِي وَسُنَّتِي وَمِنْهَاجِي، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: دَعْوَتِي، مُقَاتِلٌ: دِينِي، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، أَيِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَأَدْعُو إِلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ.

(عَلى بَصِيرَةٍ) أَيْ عَلَى يَقِينٍ وَحَقٍّ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ مُسْتَبْصِرٌ بِهَذَا.

(أَنَا) تَوْكِيدٌ.

(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ.

(وَسُبْحانَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: "وَسُبْحانَ اللَّهِ".

(وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يتخذون من دون الله أندادا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: هِيَ "أَيْ" دَخَلَ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَبُنِيَتْ مَعَهَا، فَصَارَ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى كَمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٢٨ فما بعد.]] الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَمَضَى الْقَوْلُ فِي آيَةِ "السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٢ فما بعد.]]. وَقِيلَ: الْآيَاتُ آثَارُ عُقُوبَاتِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَيْ هُمْ غَافِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّلِهَا. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَعَمْرُو بْنُ فَائِدٍ "وَالْأَرْضِ" رَفْعًا ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ.

(يَمُرُّونَ عَلَيْها). وَقَرَأَ السُّدِّيُّ "وَالْأَرْضِ" نَصْبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى "السَّماواتِ". وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَمْشُونَ عَلَيْهَا".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَقَرُّوا بِاللَّهِ خَالِقِهِمْ وَخَالِقِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُمْ يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٢٣.]] [الزخرف: ٨٧] ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ وَيَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ مَعَهُمْ شِرْكٌ وَإِيمَانٌ، آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُهُمْ، حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ النَّصَارَى. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مُفَصَّلًا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، الْمَعْنَى: "وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ" أَيْ بِاللِّسَانِ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَنْسَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، بَيَانُهُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ٢٢] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ١٢] الْآيَةَ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]] [فصلت: ٥١]. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فَإِذَا أَنْجَاهُمْ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْلَا فُلَانٌ مَا نَجَوْنَا، وَلَوْلَا الْكَلْبُ لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ، وَنَحْوَ هَذَا، فَيَجْعَلُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ مَنْسُوبَةً إِلَى فُلَانٍ، وَوِقَايَتَهُ مَنْسُوبَةً إِلَى الْكَلْبِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا غَشِيَهُمُ الدُّخَانُ فِي سِنِي الْقَحْطِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٣٢.]] [الدخان: ١٢] فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَشِرْكُهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ كشف العذاب، بيانه قوله: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وَالْعَوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ابْتِدَاءٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى: "إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ" أَيْ إِلَّا وَهُمْ عَائِدُونَ [إِلَى الشِّرْكِ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]]]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُجَلَّلَةٌ [[مجللة: عامة التغطية.]]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾[[راجع ج ١٣ ص.]] [العنكبوت: ٥٥]. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ تَقَعُ لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ.

(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) يَعْنِي الْقِيَامَةَ.

(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَأَصْلُهُ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ حَالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَقَعَ أَمْرٌ بَغْتَةً وَفَجْأَةً، قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَعْنَى "بَغْتَةً" إِصَابَةٌ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]] مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعْ.

(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وَهُوَ تَوْكِيدٌ. وَقَوْلُهُ: "بَغْتَةً" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَصِيحُ الصَّيْحَةُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] على ما يأتي [[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ طَرِيقِي وَسُنَّتِي وَمِنْهَاجِي، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: دَعْوَتِي، مُقَاتِلٌ: دِينِي، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، أَيِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَأَدْعُو إِلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ.

(عَلى بَصِيرَةٍ) أَيْ عَلَى يَقِينٍ وَحَقٍّ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ مُسْتَبْصِرٌ بِهَذَا.

(أَنَا) تَوْكِيدٌ.

(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ.

(وَسُبْحانَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: "وَسُبْحانَ اللَّهِ".

(وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يتخذون من دون الله أندادا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: هِيَ "أَيْ" دَخَلَ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَبُنِيَتْ مَعَهَا، فَصَارَ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى كَمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٢٨ فما بعد.]] الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَمَضَى الْقَوْلُ فِي آيَةِ "السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٢ فما بعد.]]. وَقِيلَ: الْآيَاتُ آثَارُ عُقُوبَاتِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَيْ هُمْ غَافِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّلِهَا. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَعَمْرُو بْنُ فَائِدٍ "وَالْأَرْضِ" رَفْعًا ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ.

(يَمُرُّونَ عَلَيْها). وَقَرَأَ السُّدِّيُّ "وَالْأَرْضِ" نَصْبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى "السَّماواتِ". وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَمْشُونَ عَلَيْهَا".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَقَرُّوا بِاللَّهِ خَالِقِهِمْ وَخَالِقِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُمْ يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٢٣.]] [الزخرف: ٨٧] ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ وَيَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ مَعَهُمْ شِرْكٌ وَإِيمَانٌ، آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُهُمْ، حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ النَّصَارَى. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مُفَصَّلًا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، الْمَعْنَى: "وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ" أَيْ بِاللِّسَانِ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَنْسَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، بَيَانُهُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ٢٢] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ١٢] الْآيَةَ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]] [فصلت: ٥١]. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فَإِذَا أَنْجَاهُمْ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْلَا فُلَانٌ مَا نَجَوْنَا، وَلَوْلَا الْكَلْبُ لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ، وَنَحْوَ هَذَا، فَيَجْعَلُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ مَنْسُوبَةً إِلَى فُلَانٍ، وَوِقَايَتَهُ مَنْسُوبَةً إِلَى الْكَلْبِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا غَشِيَهُمُ الدُّخَانُ فِي سِنِي الْقَحْطِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٣٢.]] [الدخان: ١٢] فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَشِرْكُهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ كشف العذاب، بيانه قوله: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وَالْعَوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ابْتِدَاءٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى: "إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ" أَيْ إِلَّا وَهُمْ عَائِدُونَ [إِلَى الشِّرْكِ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]]]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُجَلَّلَةٌ [[مجللة: عامة التغطية.]]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾[[راجع ج ١٣ ص.]] [العنكبوت: ٥٥]. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ تَقَعُ لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ.

(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) يَعْنِي الْقِيَامَةَ.

(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَأَصْلُهُ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ حَالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَقَعَ أَمْرٌ بَغْتَةً وَفَجْأَةً، قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَعْنَى "بَغْتَةً" إِصَابَةٌ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]] مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعْ.

(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وَهُوَ تَوْكِيدٌ. وَقَوْلُهُ: "بَغْتَةً" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَصِيحُ الصَّيْحَةُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] على ما يأتي [[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ طَرِيقِي وَسُنَّتِي وَمِنْهَاجِي، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: دَعْوَتِي، مُقَاتِلٌ: دِينِي، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، أَيِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَأَدْعُو إِلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ.

(عَلى بَصِيرَةٍ) أَيْ عَلَى يَقِينٍ وَحَقٍّ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ مُسْتَبْصِرٌ بِهَذَا.

(أَنَا) تَوْكِيدٌ.

(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ.

(وَسُبْحانَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: "وَسُبْحانَ اللَّهِ".

(وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يتخذون من دون الله أندادا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: هِيَ "أَيْ" دَخَلَ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَبُنِيَتْ مَعَهَا، فَصَارَ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى كَمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٢٨ فما بعد.]] الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَمَضَى الْقَوْلُ فِي آيَةِ "السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٢ فما بعد.]]. وَقِيلَ: الْآيَاتُ آثَارُ عُقُوبَاتِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَيْ هُمْ غَافِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّلِهَا. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَعَمْرُو بْنُ فَائِدٍ "وَالْأَرْضِ" رَفْعًا ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرُهُ.

(يَمُرُّونَ عَلَيْها). وَقَرَأَ السُّدِّيُّ "وَالْأَرْضِ" نَصْبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى "السَّماواتِ". وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَمْشُونَ عَلَيْهَا".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَقَرُّوا بِاللَّهِ خَالِقِهِمْ وَخَالِقِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُمْ يعبدون الأوثان، قاله الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٢٣.]] [الزخرف: ٨٧] ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ وَيَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ مَعَهُمْ شِرْكٌ وَإِيمَانٌ، آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُهُمْ، حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ النَّصَارَى. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمُ المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مُفَصَّلًا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، الْمَعْنَى: "وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ" أَيْ بِاللِّسَانِ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَنْسَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، بَيَانُهُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ٢٢] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وص ٣١٧.]] [يونس: ١٢] الْآيَةَ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]] [فصلت: ٥١]. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فَإِذَا أَنْجَاهُمْ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْلَا فُلَانٌ مَا نَجَوْنَا، وَلَوْلَا الْكَلْبُ لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ، وَنَحْوَ هَذَا، فَيَجْعَلُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ مَنْسُوبَةً إِلَى فُلَانٍ، وَوِقَايَتَهُ مَنْسُوبَةً إِلَى الْكَلْبِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا غَشِيَهُمُ الدُّخَانُ فِي سِنِي الْقَحْطِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٣٢.]] [الدخان: ١٢] فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَشِرْكُهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ كشف العذاب، بيانه قوله: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وَالْعَوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ابْتِدَاءٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى: "إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ" أَيْ إِلَّا وَهُمْ عَائِدُونَ [إِلَى الشِّرْكِ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]]]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُجَلَّلَةٌ [[مجللة: عامة التغطية.]]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾[[راجع ج ١٣ ص.]] [العنكبوت: ٥٥]. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ تَقَعُ لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ.

(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) يَعْنِي الْقِيَامَةَ.

(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَأَصْلُهُ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ حَالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَقَعَ أَمْرٌ بَغْتَةً وَفَجْأَةً، قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَعْنَى "بَغْتَةً" إِصَابَةٌ [[من ع، وفى ع: أصابهم.]] مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعْ.

(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وَهُوَ تَوْكِيدٌ. وَقَوْلُهُ: "بَغْتَةً" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَصِيحُ الصَّيْحَةُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] على ما يأتي [[راجع ج ١٥ ص ٣٧٣ وص ٣٨.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ طَرِيقِي وَسُنَّتِي وَمِنْهَاجِي، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: دَعْوَتِي، مُقَاتِلٌ: دِينِي، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، أَيِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَأَدْعُو إِلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ.

(عَلى بَصِيرَةٍ) أَيْ عَلَى يَقِينٍ وَحَقٍّ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ مُسْتَبْصِرٌ بِهَذَا.

(أَنَا) تَوْكِيدٌ.

(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ.

(وَسُبْحانَ اللَّهِ) أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: "وَسُبْحانَ اللَّهِ".

(وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يتخذون من دون الله أندادا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي [[وقراءة نافع والجمهور: يوحى. بالبناء للمجهول.]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) هذا رد على القائلين: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾[[راجع ج ٦ ص ٣٩٣.]] [الأنعام: ٨] أَيْ أَرْسَلْنَا رِجَالًا لَيْسَ فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا مَلَكٌ، وَهَذَا يَرُدُّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي النِّسَاءِ أَرْبَعُ نَبِيَّاتٍ حَوَّاءُ وَآسِيَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَمَرْيَمُ". وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آل عمران" [[راجع ج ٤ ص ٨٢ فما بعد. وج ٦ ص ٢٥١.]] شي مِنْ هَذَا. "مِنْ أَهْلِ الْقُرى " يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِغَلَبَةِ الْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَعْقَلُ وَأَحْلَمُ وَأَفْضَلُ وَأَعْلَمُ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ قَطُّ، وَلَا مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا مِنَ الْجِنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: "مِنْ أَهْلِ الْقُرى " أَيْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ وَأَحْلَمُ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ شَرْطِ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا آدَمِيًّا مَدَنِيًّا، وَإِنَّمَا قَالُوا آدَمِيًّا تَحَرُّزًا، مِنْ قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٨ فما بعد.]] [الجن: ٦] والله أعلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إِلَى مَصَارِعِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِأَنْبِيَائِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا.

(وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرُهُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الدَّارَ هِيَ الْآخِرَةُ، وَأُضِيفَ الشَّيْءُ إِلَى نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ، كَيَوْمِ الْخَمِيسِ، وَبَارِحَةِ الْأُولَى، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ [[وفى رواية: "فإنك لو حللت ديار عبس" في ع وك وى: عرفت الدار.]] ... عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ الْيَقِينِ

أَيْ عِرْفَانًا يَقِينًا، وَاحْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الْأُولَى، وَاحْتَجَّ الْأَخْفَشُ بِمَسْجِدِ الْجَامِعِ. قَالَ النَّحَّاسُ: إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى غَيْرِهِ لِيَتَعَرَّفَ بِهِ، وَالْأَجْوَدُ الصَّلَاةُ الْأُولَى، وَمَنْ قَالَ صَلَاةُ الْأُولَى فَمَعْنَاهُ: عِنْدَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا صُلِّيَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا أُظْهِرَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا أَيْضًا الظُّهْرُ. وَالتَّقْدِيرُ: وَلَدَارُ الْحَالِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الدَّارِ الْجَنَّةُ، أي هي خير للمتقين. وقرى: "وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ". وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ وَغَيْرُهُمْ (أَفَلا تَعْقِلُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِيهِ وَمَعْنَاهُ [[راجع ص ٢٤١ من هذا الجزء.]].

(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) وهذه الْآيَةُ فِيهَا تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ وَعِصْمَتُهُمْ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِمْ. وَهَذَا الْبَابُ عَظِيمٌ، وَخَطَرُهُ جَسِيمٌ، يَنْبَغِي الْوُقُوفُ، عَلَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ الْإِنْسَانُ فَيَكُونُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. الْمَعْنَى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا رِجَالًا ثُمَّ لَمْ نُعَاقِبْ أُمَمَهُمْ بِالْعَذَابِ [[من ع وح الجمل عن القرطبي. وفى اوح وك ى: بالعقاب.]]. "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ" أَيْ يَئِسُوا مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ. "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ أَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ. وَقِيلَ الْمَعْنَى: حَسِبُوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ كَذَّبُوهُمْ، لَا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبُوا، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ظَنُّوا وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، أَيْ خَافُوا أَنْ يَدْخُلَ قُلُوبَ أَتْبَاعِهِمْ شَكٌّ، فَيَكُونُ "وَظَنُّوا" عَلَى بَابِهِ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَخَلَفٌ "كُذِبُوا" بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا به من العذاب، وَلَمْ يَصْدُقُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ظَنَّ الْأُمَمُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا بِهِ مِنْ نَصْرِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ظَنَّ الرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ أَخْلَفَ مَا وَعَدَهُمْ. وَقِيلَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالرُّسُلِ هَذَا الظَّنُّ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا الظَّنَّ لَا يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ، فَكَيْفَ قَالَ: (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)؟! قال القشيري أبو نصر: ولا يبعد إن صَحَّتِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْمُرَادَ خَطَرَ بِقُلُوبِ الرُّسُلِ [[من ع. وهو الصواب، وفى غيرها البشر.]] هَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَقَّقُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ". وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَرُبُوا مِنْ ذَلِكَ الظَّنِّ، كَقَوْلِكَ: بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ، أَيْ قَرُبْتُ مِنْهُ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَالنَّحَّاسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا مِنْ طُولِ الْبَلَاءِ، وَنَسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُخْلِفُوا، ثُمَّ تَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٣٣ فما بعد، وص ٢٧٣.]] [البقرة: ٢١٤]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَجْهُهُ عِنْدَنَا أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَخَافُ بُعْدَ مَا وَعَدَ اللَّهُ النَّصْرَ، لَا مِنْ تُهْمَةٍ لِوَعْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْدَثَتْ، حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَالْعَهْدَ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ إِذَا طَالَتْ [عَلَيْهِمُ] [[من ع. وهو الصواب، وفى غيرها البشر.]] الْمُدَّةُ دَخَلَهُمُ الْإِيَاسُ وَالظُّنُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ قَدْ أُخْلِفُوا عَلَى مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ﴾[[راجع ج ٣ ص ٣٣ فما بعد، وص ٢٧٣.]] [البقرة: ٢٦٠] الْآيَةَ. وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَوْلَى. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ- "قَدْ كَذَبُوا" بِفَتْحِ الْكَافِ وَالذَّالِ مُخَفَّفًا، عَلَى مَعْنَى: وَظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا، لِمَا رَأَوْا مِنْ تَفَضُّلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المعنى: و [لما] أَيْقَنَ الرُّسُلُ أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ" قَالَ قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِبُوا. قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: أَجَلَّ! لَعَمْرِي! لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهَا: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ [الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النصر حتى إذا استيأس الرسل [[الزيادة من صحيح البخاري.]]] مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ [قَدْ] [[من ع.]] كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا عِنْدَ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "جاءَهُمْ نَصْرُنا" قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- جاء الرسل نصر الله، قاله مُجَاهِدٌ. الثَّانِي- جَاءَ قَوْمَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ، قَالَهُ ابن عباس.

(فننجي [[قراءة نافع وكذا باقى السبعة بنونين ما عدا عاصما كما يأتي.]] مَنْ نَشَاءُ) قِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ "فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَفْتُوحَةِ الْيَاءِ، وَ "مِنَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَسَائِرِ مَصَاحِفَ الْبُلْدَانِ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ [[يعنى في الرسم.]]. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَنَجَا" فِعْلٌ مَاضٍ، وَ "مِنَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ نَصَبًا عَلَى الْمَفْعُولِ.

(وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أَيِ الْكَافِرِينَ المشركين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي [[وقراءة نافع والجمهور: يوحى. بالبناء للمجهول.]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) هذا رد على القائلين: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾[[راجع ج ٦ ص ٣٩٣.]] [الأنعام: ٨] أَيْ أَرْسَلْنَا رِجَالًا لَيْسَ فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا مَلَكٌ، وَهَذَا يَرُدُّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي النِّسَاءِ أَرْبَعُ نَبِيَّاتٍ حَوَّاءُ وَآسِيَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَمَرْيَمُ". وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آل عمران" [[راجع ج ٤ ص ٨٢ فما بعد. وج ٦ ص ٢٥١.]] شي مِنْ هَذَا. "مِنْ أَهْلِ الْقُرى " يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِغَلَبَةِ الْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَعْقَلُ وَأَحْلَمُ وَأَفْضَلُ وَأَعْلَمُ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ قَطُّ، وَلَا مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا مِنَ الْجِنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: "مِنْ أَهْلِ الْقُرى " أَيْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ وَأَحْلَمُ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ شَرْطِ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا آدَمِيًّا مَدَنِيًّا، وَإِنَّمَا قَالُوا آدَمِيًّا تَحَرُّزًا، مِنْ قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٨ فما بعد.]] [الجن: ٦] والله أعلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إِلَى مَصَارِعِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِأَنْبِيَائِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا.

(وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرُهُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الدَّارَ هِيَ الْآخِرَةُ، وَأُضِيفَ الشَّيْءُ إِلَى نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ، كَيَوْمِ الْخَمِيسِ، وَبَارِحَةِ الْأُولَى، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ [[وفى رواية: "فإنك لو حللت ديار عبس" في ع وك وى: عرفت الدار.]] ... عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ الْيَقِينِ

أَيْ عِرْفَانًا يَقِينًا، وَاحْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الْأُولَى، وَاحْتَجَّ الْأَخْفَشُ بِمَسْجِدِ الْجَامِعِ. قَالَ النَّحَّاسُ: إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى غَيْرِهِ لِيَتَعَرَّفَ بِهِ، وَالْأَجْوَدُ الصَّلَاةُ الْأُولَى، وَمَنْ قَالَ صَلَاةُ الْأُولَى فَمَعْنَاهُ: عِنْدَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا صُلِّيَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا أُظْهِرَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا أَيْضًا الظُّهْرُ. وَالتَّقْدِيرُ: وَلَدَارُ الْحَالِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الدَّارِ الْجَنَّةُ، أي هي خير للمتقين. وقرى: "وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ". وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ وَغَيْرُهُمْ (أَفَلا تَعْقِلُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِيهِ وَمَعْنَاهُ [[راجع ص ٢٤١ من هذا الجزء.]].

(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) وهذه الْآيَةُ فِيهَا تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ وَعِصْمَتُهُمْ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِمْ. وَهَذَا الْبَابُ عَظِيمٌ، وَخَطَرُهُ جَسِيمٌ، يَنْبَغِي الْوُقُوفُ، عَلَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ الْإِنْسَانُ فَيَكُونُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. الْمَعْنَى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا رِجَالًا ثُمَّ لَمْ نُعَاقِبْ أُمَمَهُمْ بِالْعَذَابِ [[من ع وح الجمل عن القرطبي. وفى اوح وك ى: بالعقاب.]]. "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ" أَيْ يَئِسُوا مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ. "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ أَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ. وَقِيلَ الْمَعْنَى: حَسِبُوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ كَذَّبُوهُمْ، لَا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبُوا، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ظَنُّوا وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، أَيْ خَافُوا أَنْ يَدْخُلَ قُلُوبَ أَتْبَاعِهِمْ شَكٌّ، فَيَكُونُ "وَظَنُّوا" عَلَى بَابِهِ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَخَلَفٌ "كُذِبُوا" بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا به من العذاب، وَلَمْ يَصْدُقُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ظَنَّ الْأُمَمُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا بِهِ مِنْ نَصْرِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ظَنَّ الرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ أَخْلَفَ مَا وَعَدَهُمْ. وَقِيلَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالرُّسُلِ هَذَا الظَّنُّ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا الظَّنَّ لَا يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ، فَكَيْفَ قَالَ: (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)؟! قال القشيري أبو نصر: ولا يبعد إن صَحَّتِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْمُرَادَ خَطَرَ بِقُلُوبِ الرُّسُلِ [[من ع. وهو الصواب، وفى غيرها البشر.]] هَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَقَّقُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ". وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَرُبُوا مِنْ ذَلِكَ الظَّنِّ، كَقَوْلِكَ: بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ، أَيْ قَرُبْتُ مِنْهُ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَالنَّحَّاسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا مِنْ طُولِ الْبَلَاءِ، وَنَسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُخْلِفُوا، ثُمَّ تَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٣٣ فما بعد، وص ٢٧٣.]] [البقرة: ٢١٤]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَجْهُهُ عِنْدَنَا أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَخَافُ بُعْدَ مَا وَعَدَ اللَّهُ النَّصْرَ، لَا مِنْ تُهْمَةٍ لِوَعْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْدَثَتْ، حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَالْعَهْدَ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ إِذَا طَالَتْ [عَلَيْهِمُ] [[من ع. وهو الصواب، وفى غيرها البشر.]] الْمُدَّةُ دَخَلَهُمُ الْإِيَاسُ وَالظُّنُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ قَدْ أُخْلِفُوا عَلَى مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ﴾[[راجع ج ٣ ص ٣٣ فما بعد، وص ٢٧٣.]] [البقرة: ٢٦٠] الْآيَةَ. وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَوْلَى. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ- "قَدْ كَذَبُوا" بِفَتْحِ الْكَافِ وَالذَّالِ مُخَفَّفًا، عَلَى مَعْنَى: وَظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا، لِمَا رَأَوْا مِنْ تَفَضُّلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المعنى: و [لما] أَيْقَنَ الرُّسُلُ أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ" قَالَ قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِبُوا. قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: أَجَلَّ! لَعَمْرِي! لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهَا: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ [الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النصر حتى إذا استيأس الرسل [[الزيادة من صحيح البخاري.]]] مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ [قَدْ] [[من ع.]] كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا عِنْدَ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "جاءَهُمْ نَصْرُنا" قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- جاء الرسل نصر الله، قاله مُجَاهِدٌ. الثَّانِي- جَاءَ قَوْمَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ، قَالَهُ ابن عباس.

(فننجي [[قراءة نافع وكذا باقى السبعة بنونين ما عدا عاصما كما يأتي.]] مَنْ نَشَاءُ) قِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ "فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَفْتُوحَةِ الْيَاءِ، وَ "مِنَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَسَائِرِ مَصَاحِفَ الْبُلْدَانِ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ [[يعنى في الرسم.]]. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَنَجَا" فِعْلٌ مَاضٍ، وَ "مِنَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ نَصَبًا عَلَى الْمَفْعُولِ.

(وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أَيِ الْكَافِرِينَ المشركين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أَيْ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، أَوْ فِي قَصَصِ الْأُمَمِ.

(عِبْرَةٌ) أَيْ فِكْرَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِظَةٌ.

(لِأُولِي الْأَلْبابِ) أَيِ الْعُقُولِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ: إِنَّ يَعْقُوبَ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ أَخُوهُ عِيصُو مَعَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَقُبِرَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

(مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى) أَيْ مَا كَانَ الْقُرْآنُ حَدِيثًا يُفْتَرَى، أَوْ مَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ حَدِيثًا يُفْتَرَى.

(وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي [ولكن كان [[من ع وك.]] تصديق، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِمَعْنَى لَكِنْ هُوَ تَصْدِيقٌ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ] مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا تَأْوِيلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْقُرْآنُ.

(وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) مِمَّا يَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ.

(وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com