Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Taa-Haa
Tafseer Al Qurtubi · Taa-Haa · 135 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [٢٠: ٥٦] أَيِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى. وَقِيلَ: حُجَجَ اللَّهِ الدَّالَّةَ عَلَى تَوْحِيدِهِ.
(فَكَذَّبَ وَأَبى) [٢٠: ٥٦] أَيْ لَمْ يُؤْمِنْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَرَ عِنَادًا لِأَنَّهُ رَأَى الْآيَاتِ عَيَانًا لَا خَبَرًا. نَظِيرُهُ "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" [[راجع ج ١٣ ص ١٦٣.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يَا مُوسى﴾ [٢٠: ٥٧] لَمَّا رَأَى الْآيَاتِ الَّتِي أَتَاهُ بِهَا مُوسَى قَالَ: إِنَّهَا سِحْرٌ، وَالْمَعْنَى: جِئْتَ لِتُوهِمَ النَّاسَ أَنَّكَ جِئْتَ بِآيَةٍ تُوجِبُ اتِّبَاعَكَ وَالْإِيمَانَ بِكَ، حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى أَرْضِنَا وَعَلَيْنَا.
(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) [٢٠: ٥٨] أَيْ لَنُعَارِضَنَّكَ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ لِيَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ مَا أَتَيْتَ بِهِ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
(فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً) [٢٠: ٥٨] هُوَ مَصْدَرٌ، أَيْ وَعْدًا. وَقِيلَ: الْمَوْعِدُ اسْمٌ لِمَكَانِ الْوَعْدِ، كَمَا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٩ فما بعد.]] [الحجر: ٤٣] فالموعد ها هنا مَكَانٌ. وَقِيلَ: الْمَوْعِدُ اسْمٌ لِزَمَانِ الْوَعْدِ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾[[راجع ج ٩ ص ٨١]] [هود: ٨١] فَالْمَعْنَى: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مَعْلُومًا، أَوْ مَكَانًا مَعْرُوفًا. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ وَلِهَذَا قَالَ: (لَا نُخْلِفُهُ) [٢٠: ٥٨] أَيْ لَا نُخْلِفُ ذَلِكَ الْوَعْدَ، وَالْإِخْلَافُ أَنْ يَعِدَ شَيْئًا وَلَا يُنْجِزَهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْمِيعَادُ الْمُوَاعَدَةُ وَالْوَقْتُ وَالْمَوْضِعُ وَكَذَلِكَ الْمَوْعِدُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: "لَا نُخْلِفْهُ" بِالْجَزْمِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ "اجْعَلْ". وَمَنْ رَفَعَ فَهُوَ نَعْتٌ ل "مَوْعِدٌ" وَالتَّقْدِيرُ: مَوْعِدًا غَيْرَ مُخْلَفٍ.
(مَكاناً سُوىً) [٢٠: ٥٨] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ "سُوًى" بِضَمِّ السِّينِ. الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ عُدًا وَعِدًا وَطِوًى وَطُوًى. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ كَسْرَ السِّينِ لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ الْفَصِيحَةُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَالْكَسْرُ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ. وَكُلُّهُمْ نَوَّنُوا الْوَاوَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُ ضَمُّ السِّينِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: سُوَى هَذَا الْمَكَانِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: مَكَانًا مُسْتَوِيًا يتبين للناس ما بيناه فيه، قاله ابْنُ زَيْدٍ. ابْنُ عَبَّاسٍ: نِصْفًا. مُجَاهِدٌ: مُنْصَفًا، وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك. وقال النَّحَّاسُ: وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى "سُوًى" نَصَفٌ وَعَدْلٌ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، قَالَ سِيبَوَيْهِ يُقَالُ: سُوًى وَسِوًى أَيْ عَدْلٌ، يَعْنِي مَكَانًا عدل، بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ فِيهِ النَّصَفَةُ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِكَ: جَلَسَ فِي سَوَاءِ الدَّارِ بِالْمَدِّ أَيْ فِي وسطها، ووسط كل شي أَعْدَلُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾[[راجع ج ٢ ص ١٥٣]] [البقرة: ١٤٣] أَيْ عَدْلًا، وَقَالَ زُهَيْرٌ:
أَرُونَا خُطَّةً لَا ضَيْمَ فِيهَا ... يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيهَا السَّوَاءُ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَبِيُّ: وَسَطًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسَى بْنِ جَابِرٍ الْحَنَفِيِّ:
وَإِنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ ... سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالْفِزْرِ
وَالْفِزْرُ: سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "سِوًى" إِذَا كَانَ بِمَعْنَى غَيْرٍ أَوْ بِمَعْنَى الْعَدْلِ يَكُونُ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: إِنْ ضَمَمْتَ السِّينَ أَوْ كَسَرْتَ قَصَرْتَ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَإِنْ فَتَحْتَ مَدَدْتَ، تَقُولُ: مَكَانٌ سُوًى وَسِوًى وَسَوَاءٌ، أَيْ عَدْلٌ وَوَسَطٌ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. قَالَ مُوسَى بْنُ جابر: وَجَدْنَا أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ
الْبَيْتَ. وَقِيلَ:" مَكاناً سُوىً [٢٠: ٥٨]" أَيْ قَصْدًا، وَأَنْشَدَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ:
لَوْ تَمَنَّتْ حَبِيبَتِي مَا عَدَتْنِي ... أَوْ تَمَنَّيْتُ مَا عَدَوْتُ سِوَاهَا
وَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سِوَاكَ وَسُوَاكَ وَسَوَائِكَ أَيْ غَيْرِكَ. وَهُمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ سَوَاءٌ وَإِنْ شِئْتَ سَوَاءَانِ. وَهُمْ سواء للجميع وَهُمْ أَسْوَاءٌ، وَهُمْ سَوَاسِيَةٌ مِثْلَ ثَمَانِيَةٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَانْتَصَبَ "مَكَانًا" عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِ"- جَعَلَ". وَلَا يَحْسُنُ انْتِصَابُهُ بِالْمَوْعِدِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوْ ظَرْفٌ لَهُ، لِأَنَّ الْمَوْعِدَ قَدْ وُصِفَ، وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي تَعْمَلُ عَمَلَ الْأَفْعَالِ إذا وصفت أو صغرت لم ينبغ [[كذا في جميع الأصول.]] أَنْ تَعْمَلَ لِخُرُوجِهَا عَنْ شَبَهِ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَحْسُنْ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْمَوْعِدَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَهُ ظَرْفٌ لَمْ تُجْرِهِ الْعَرَبُ مَجْرَى الْمَصَادِرِ مَعَ الظُّرُوفِ، لَكِنَّهُمْ يَتَّسِعُونَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾[[راجع ج ٩ ص ٢٨١.]] [هود: ٨١] وَ" مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [٢٠: ٥٩]". وَاخْتُلِفَ فِي يَوْمِ الزِّينَةِ، فَقِيلَ هُوَ يَوْمُ عِيدٍ كَانَ لَهُمْ يَتَزَيَّنُونَ وَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَوْمُ سُوقٍ كَانَ لَهُمْ يَتَزَيَّنُونَ فِيهَا، وَقَالَهُ قَتَادَةُ أَيْضًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَوْمُ السَّبْتِ. وَقِيلَ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقِيلَ: يَوْمٌ يُكْسَرُ فِيهِ الْخَلِيجُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِيهِ يَتَفَرَّجُونَ وَيَتَنَزَّهُونَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَأْمَنُ الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ مِنْ قِبَلِ النِّيلِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ وَالسُّلَمِيُّ وَهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ "يَوْمُ الزِّينَةِ" بِالنَّصْبِ. وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، أَيْ فِي يَوْمِ الزينة إنجاز موعدنا. والباقون بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ.
(وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [٢٠: ٥٩] أَيْ وَجُمِعَ النَّاسُ، فَ"- أَنْ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ:" يَوْمُ "بِالرَّفْعِ. وَعَطْفُ" وَأَنْ يُحْشَرَ [٢٠: ٥٩] "يُقَوِّي قِرَاءَةَ الرَّفْعِ، لِأَنَّ" أَنْ "لَا تَكُونُ ظَرْفًا، وَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ الصَّرِيحُ يَكُونُ ظَرْفًا كَمَقْدِمِ الْحَاجِّ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ: آتِيكَ مَقْدِمَ الْحَاجِّ لَمْ يَقُلْ آتِيكَ أَنْ يَقْدِمَ الْحَاجُّ. النَّحَّاسُ: وَأَوْلَى مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عطفا على الزينة. والضحى مُؤَنَّثَةٌ تُصَغِّرُهَا الْعَرَبُ بِغَيْرِ هَاءٍ لِئَلَّا يُشْبِهَ تصغيرها ضحوة، قاله النحاس. وقال الجوهري: ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الضحا وَهِيَ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، مَقْصُورَةً تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، فَمَنْ أَنَّثَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ ضَحْوَةٍ، وَمَنْ ذَكَّرَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ عَلَى فِعْلٍ مِثْلَ صُرَدٍ وَنُغَرٍ، وَهُوَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِثْلَ سَحَرٍ، تَقُولُ: لَقِيتُهُ ضُحًا، وَضُحَا إذ أَرَدْتَ بِهِ ضُحَا يَوْمِكَ لَمْ تُنَوِّنْهُ، ثُمَّ بَعْدَهُ الضَّحَاءُ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ، وَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النهار الأعلى. وخص الضحا لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ، فَلَوِ امْتَدَّ الْأَمْرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَانَ فِي النَّهَارِ مُتَّسَعٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْجَحْدَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا:" وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [٢٠: ٥٩] "عَلَى مَعْنَى وَأَنْ يَحْشُرَ اللَّهُ النَّاسَ وَنَحْوِهِ. وَعَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ" وَأَنْ تَحْشُرَ النَّاسَ "وَالْمَعْنَى وَأَنْ تَحْشُرَ أَنْتَ يَا فِرْعَوْنُ النَّاسَ وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا" وَأَنْ نَحْشُرَ" بِالنُّونِ وَإِنَّمَا وَاعَدَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَظُهُورُ دِينِهِ، وَكَبْتُ الْكَافِرِ، وَزُهُوقُ الْبَاطِلِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَفِي الْمَجْمَعِ الْغَاصِّ لِتَقْوَى رَغْبَةُ مَنْ رَغِبَ فِي الْحَقِّ، وَيَكِلَّ حَدَّ الْمُبْطِلِينَ وَأَشْيَاعِهِمْ، وَيُكْثِرَ الْمُحَدِّثُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْعِلْمَ فِي كُلِّ بَدْوٍ وَحَضَرٍ، وَيَشِيعَ فِي جَمْعِ أَهْلِ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [٢٠: ٦٠] أَيْ حِيَلَهُ وَسِحْرَهُ، وَالْمُرَادُ جَمْعُ السَّحَرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَاحِرًا، مَعَ كُلِّ سَاحِرٍ مِنْهُمْ حِبَالٌ وَعِصِيٌّ. وَقِيلَ: كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ. وَقِيلَ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: أربعة عشرا أَلْفًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا. وقيل: كانوا مجتمعين عَلَى رَئِيسٍ يُقَالُ لَهُ شَمْعُونُ. وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ يُوحَنَّا مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا، مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ عِشْرُونَ عَرِيفًا، مَعَ كُلِّ عَرِيفٍ ألف ساحر. وقيل كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ سَاحِرٍ مِنَ الصَّعِيدِ، وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ سَاحِرٍ مِنَ الرِّيفِ، فَصَارُوا تِسْعَمِائَةِ أَلْفٍ وَكَانَ رَئِيسُهُمْ أَعْمَى.
(ثُمَّ أَتى) [٢٠: ٦٠] أَيْ أَتَى الْمِيعَادُ.
(قالَ لَهُمْ مُوسى) أَيْ قَالَ لِفِرْعَوْنَ وَالسَّحَرَةِ (وَيْلَكُمْ) دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْوَيْلِ. وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ وَيْلًا. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نِدَاءً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا﴾[[راجع ج ١٥ ص ٣٩ فما بعد.]] [يس: ٥٢] (لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً) [٢٠: ٦١] أَيْ لَا تَخْتَلِقُوا عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ، وَلَا تَقُولُوا لِلْمُعْجِزَاتِ إِنَّهَا سِحْرٌ.
(فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [٢٠: ٦١] مِنْ عنده أي يستأصلكم بالإهلاك.
يُقَالُ فِيهِ: سَحَتَ وَأَسْحَتَ بِمَعْنًى. وَأَصْلُهُ مِنَ اسْتِقْصَاءِ الشَّعْرِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ" فَيُسْحِتَكُمْ [٢٠: ٦١] "مِنْ أَسْحَتَ، الْبَاقُونَ" فَيَسْحَتَكُمْ" مِنْ سَحَتَ وَهَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الحجاز و [الاولى [[الزيادة من كتب التفسير.]] لغة] بَنِي تَمِيمٍ. وَانْتَصَبَ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ.
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إِلَّا مُسْحَتًا [[ويروى: (إلا مسحت) ومن وراه كذلك جعل معنى.
(لم يدع) لم يتقار ومن رواه (إلا مسحتا) جعل (لم يدع) بمعنى لم يترك. ورفع (مجلف) بإضمار كأنه قال: أو هو مجلف.
(اللسان).]] أَوْ مجلف [[المجلف: الذي بقيت منه بقية.]]
الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا بَيْتٌ لَا تَزَالُ الرَّكْبُ تَصْطَكُّ فِي تَسْوِيَةِ إِعْرَابِهِ.
(وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) أَيْ خَسِرَ وَهَلَكَ، وَخَابَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ مَنِ ادَّعَى عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٠: ٦٢] أَيْ تَشَاوَرُوا، يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(وَأَسَرُّوا النَّجْوى) قَالَ قَتَادَةُ "قالُوا": إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ سِحْرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَيَكُونُ لَهُ أَمْرٌ، وَهَذَا الَّذِي أَسَرُّوهُ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قولهم" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "الآيات قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قَوْلَهُمْ: إن غلبنا اتبعناه، قاله الكلبي، دليله من ظَهَرَ مِنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سِرُّهُمْ أَنْ قَالُوا حِينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى" وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً [٢٠: ٦١]" [طه: ٦١]: ما هذا بقول ساحر. و "النَّجْوى " المنجاة يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٨٢ فما بعد.]] بيانه.
قوله تعالى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [٢٠: ٦٣] قرأ أبو عمرو "إِنَّ هَذَيْنَ لَسَاحِرَانِ". وَرُوِيَتْ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الْقُرَّاءِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرِيُّ، فِيمَا ذَكَرَ النَّحَّاسُ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْإِعْرَابِ مُخَالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُفَضَّلُ وَأَبَانٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ: فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣] "بِتَخْفِيفِ" إِنْ" "لَساحِرانِ" وَابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ نُونَ "هَذَانَ". وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ سَلِمَتْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُصْحَفِ وَمِنْ فَسَادِ الْإِعْرَابِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَا هَذَانَ إِلَّا سَاحِرَانِ. وَقَرَأَ الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ: "إِنَّ هَذَانِ" بِتَشْدِيدِ "إِنَّ"" لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَوَافَقُوا الْمُصْحَفَ وَخَالَفُوا الْإِعْرَابَ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ قَدْ رَوَاهَا الْجَمَاعَةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ" إِنْ هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ "وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ:" إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ "بِغَيْرِ لَامٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي حَرْفِ أُبَيٍّ" إِنْ ذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ" فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ أُخْرَى تُحْمَلُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا أَنَّهَا جَائِزٌ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْمُصْحَفَ. قُلْتُ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّدِّ لَهُ، وَالنَّحَّاسُ فِي إِعْرَابِهِ، وَالْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَيْرُهُمْ أَدْخَلَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. وَقَدْ خَطَّأَهَا قَوْمٌ حَتَّى قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ الله [تعالى [[من ك:]]] أَنْ أَقْرَأَ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣]". وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى "لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] ثُمَّ قَالَ: "وَالْمُقِيمِينَ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] وَفِي "الْمَائِدَةِ" ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾[[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] [المائدة: ٦٩] وَ" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي! هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ. وَقَالَ عُثْمَانُ ابن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الْمُصْحَفِ لَحْنٌ وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهِمْ. وَقَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ: لَحْنٌ وَخَطَأٌ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَلَا تُغَيِّرُوهُ؟ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ حلالا ولا يحلل حرما. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ: أَنَّهَا لُغَةُ بنى الحرث بْنِ كَعْبٍ وَزُبَيْدٍ وَخَثْعَمَ. وَكِنَانَةَ بْنِ زَيْدٍ يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف، يَقُولُونَ: جَاءَ الزَّيْدَانِ وَرَأَيْتُ الزَّيْدَانِ وَمَرَرْتُ بِالزَّيْدَانِ، ومنه قوله تعالى:" وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [١٠: ١٦]" [يونس: ١٦] عَلَى مَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٠ فما بعد.]]. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ [[هو المتلمس كما في (اللسان).]] - قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ:
فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا [[صمم الشجاع في عضته: أي عض ونيب فلم يرسل ما عض.]]
وَيَقُولُونَ: كَسَرْتُ يَدَاهُ وَرَكِبْتُ عَلَاهُ، بمعنى يديه وعليه، قال شاعرهم: [[هو هوبر الحارثي. والهابي من التراب ما ارتفع ودق.]]
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إِلَى هابي التراب عقيم
وَقَالَ آخَرُ: [[قيل: هو لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها
واشدد بمثنى حقب حقواها ... ناجية وناجيا أباها
والحقو: الخاصرة. والناجية: السريعة.]]
طَارُوا عَلَاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا
أَيْ عَلَيْهِنَّ وَعَلَيْهَا. وَقَالَ آخَرُ: [[نسبه الجوهري لابي النجم وأن قبله:
واها لسلمى ثم واها واها ... هي المنى لو أننا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها ... بثمن نرضى به أباها إن أباها ...
إلخ. ونسبه بعضهم لرؤبة. وقيل: لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن ...
إلخ.]]
إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
أَيْ إن أبا أبيها وغايتها. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحْسَنِ مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ مَعْرُوفَةً، وَقَدْ حَكَاهَا مَنْ يُرْتَضَى بِعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: إِذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ فَإِنَّمَا يَعْنِينِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْأَخْفَشُ وَهُوَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ اللُّغَةِ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بْنِ كَعْبٍ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ هَذِهِ لُغَةُ بَنِي كِنَانَةَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ لِخَثْعَمَ. قَالَ النَّحَّاسُ وَمِنْ أَبْيَنِ مَا فِي هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا ثَنَّيْتَ الْوَاحِدَ زِدْتَ عَلَيْهِ زَائِدَتَيْنِ، الْأُولَى مِنْهُمَا حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، يُوجِبُ أَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يتغير، فيكون "إن هذان" جاء عَلَى أَصْلِهِ لِيُعْلَمَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٣٠٥.]] [المجادلة: ١٩] وَلَمْ يَقُلِ اسْتَحَاذَ، فَجَاءَ هَذَا لِيَدُلَّ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ "إِنْ هَذَانِ" وَلَا يُفَكَّرُ فِي إنكار من أنكر هذه اللغة إذ كَانَ الْأَئِمَّةُ قَدْ رَوَوْهَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ "إِنْ" بِمَعْنَى نَعَمْ، كَمَا حَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: الْعَرَبُ تَأْتِي بِ"- إِنْ "بِمَعْنَى نَعَمْ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ" إِنْ" تَأْتِي بِمَعْنَى أَجَلْ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي يَذْهَبَانِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ وَعَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَذْهَبَانِ إِلَيْهِ. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَدْ أُعْجِبَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ. النَّحَّاسُ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النَّيْسَابُورِيُّ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ الله بن أحمد [هذا [[الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس.]]] فَحَدَّثَنِي، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، قَالَ حدثنا محمد ابن موسى النوفلي من ولد حرث بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ جميع الكوفي عن جعفر ابن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، قَالَ: لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِهِ: "إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ" ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَفْصَحُ قريش كلها وأفصحها بعدي أبان ابن سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ" قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَفَّافُ قَالَ عُمَيْرٌ: إِعْرَابُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالنَّحْوِ "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ" بِالنَّصْبِ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ "إِنَّ" فِي مَعْنَى نَعَمْ كَأَنَّهُ أَرَادَ ﷺ نَعَمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح [في [[من ب وج وط وك]]] خُطَبَهَا بِنَعَمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى نَعَمْ:
قَالُوا غَدَرْتَ فَقُلْتُ إِنَّ وَرُبَّمَا ... نَالَ الْعُلَا وَشَفَى الْغَلِيلَ الْغَادِرُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسُ الرُّقَيَّاتِ:
بَكَرَ الْعَوَاذِلُ فِي الصَّبَا ... حَ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا ... كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
فَعَلَى هَذَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" بِمَعْنَى نَعَمْ وَلَا تُنْصَبُ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَنْشَدَنِي دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ أَنْشَدَنِي ثَعْلَبٌ:
لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِلْمُحِبِّ شِفَاءٌ ... مِنْ جوى حبهن إن اللقاء
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: نَعَمْ زَيْدٌ خارج، ولا تكاد تقع اللام ها هنا، وَإِنْ كَانَ النَّحْوِيُّونَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: اللَّامُ يُنْوَى بِهَا التَّقْدِيمُ، كَمَا قَالَ:
خَالِي لَأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ الْعَلَاءَ وَيُكْرِمِ الْأَخْوَالَا
آخَرُ:
أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
أَيْ لَخَالِي وَلَأُمِّ الْحُلَيْسِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ إِنَّ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ ثُمَّ حَذَفَ الْمُبْتَدَأَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: "هُمَا" الْمَحْذُوفُ لَمْ يُحْذَفْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ عُرِفَ، وَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا فَقَدِ اسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِاللَّامِ، وَيَقْبُحُ أَنْ تَحْذِفَ الْمُؤَكَّدَ وَتَتْرُكَ الْمُؤَكِّدَ. الْقَوْلُ الثالث: قاله الفراء أيضا [قال [[من ب وج وط وك.]]]: وَجَدْتُ الْأَلِفَ دِعَامَةً لَيْسَتْ بِلَامِ الْفِعْلِ فَزِدْتُ عَلَيْهَا نُونًا وَلَمْ أُغَيِّرْهَا كَمَا قُلْتُ: "الَّذِي" ثُمَّ زِدْتُ عَلَيْهِ نُونًا فَقُلْتُ: جَاءَنِي الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَرَأَيْتُ الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَمَرَرْتُ بِالَّذِينَ عِنْدَكَ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ قَالَ الْأَلِفُ فِي "هَذَانَ" مُشَبَّهَةٌ بِالْأَلِفِ فِي يَفْعَلَانِ فَلَمْ تُغَيَّرْ. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: النَّحْوِيُّونَ القدماء يقولون الهاء ها هنا مُضْمَرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَأُضْمِرَتِ الْهَاءُ الَّتِي هِيَ مَنْصُوبُ "إِنْ" وَ" هذانِ [٢٠: ٦٣] "خَبَرُ" إِنْ "وَ" سَاحِرَانِ "يَرْفَعُهَا" هُمَا" الْمُضْمَرُ [وَالتَّقْدِيرُ [[الزيادة يقتضيها السياق.]]] إِنَّهُ هَذَانَ لَهُمَا سَاحِرَانِ. وَالْأَشْبَهُ [[في ب وك: الا ثبت.]] عِنْدَ أَصْحَابِ أَهْلِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْهَاءَ اسْمُ "إِنْ" وَ "هذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. الْقَوْلُ السَّادِسُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَسَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ كَيْسَانَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِجَوَابِ النَّحْوِيِّينَ، وَإِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِقَوْلِي، فَقُلْتُ: بِقَوْلِكَ، فَقَالَ: سَأَلَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهَا فَقُلْتُ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُقَالُ: "هَذَا" فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أَلَّا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ تَقَدَّمَكَ أَحَدٌ بِالْقَوْلِ بِهِ حَتَّى يُؤْنَسَ بِهِ، قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَيَقُولُ الْقَاضِي بِهِ حَتَّى يؤنس به، فتبسم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [٢٠: ٦٣] هَذَا مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِلسَّحَرَةِ، أَيْ غَرَضُهُمَا إِفْسَادُ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ:" إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [٤٠: ٢٦]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٤ فما بعد.]] [غافر: ٢٦]. وَيُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ أَيْ حَسَنُ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: طَرِيقَةُ الْقَوْمِ أَفْضَلُ الْقَوْلِ، وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ وَيَقْتَدُوا بِهِ، فَالْمَعْنَى: وَيَذْهَبَا بِسَادَتِكُمْ وَرُؤَسَائِكُمْ، اسْتِمَالَةً لَهُمْ. أَوْ يَذْهَبَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمُ الْأَمَاثِلُ وَإِنْ كَانُوا خَوَلًا لَكُمْ لِمَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الِانْتِسَابِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ. أَوْ يَذْهَبَا بِأَهْلِ طَرِيقَتِكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَ" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣] "تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ، كَمَا يُقَالُ الْأَفْضَلُ وَالْفُضْلَى. وَأَنَّثَ الطَّرِيقَةَ عَلَى اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ يُرَادُ بِهَا الرِّجَالُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ:" بِطَرِيقَتِكُمُ [٢٠: ٦٣] "بِسُنَّتِكُمْ وَسَمْتِكُمْ. و" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣]" نَعْتٌ كَقَوْلِكَ امْرَأَةٌ كُبْرَى. تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى يَعْنُونَ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [٢٠: ٦٤] الْإِجْمَاعُ الْإِحْكَامُ وَالْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ. تَقُولُ: أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ وَعَلَى الْخُرُوجِ أَيْ عَزَمْتُ. وَقِرَاءَةُ كُلِّ الْأَمْصَارِ "فَأَجْمِعُوا" إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ: "فَاجْمَعُوا" بِالْوَصْلِ وَفَتَحَ الميم. واحتج بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى [٢٠: ٦٠]". قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِيمَا حُكِيَ لِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ عَلَى أَبِي عَمْرٍو أَنْ يَقْرَأَ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ. قَالَ: لِأَنَّهُ احْتَجَّ ب"- جَمَعَ "وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ "قَدْ ثَبَتَ هَذَا فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "أَيِ اعْزِمُوا وَجِدُّوا، وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِخِلَافِ مَعْنَاهُ. يُقَالُ: أَمْرٌ مُجْمَعٌ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيُصَحِّحُ قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو" فَاجْمَعُوا" أَيِ اجْمَعُوا كُلَّ كَيْدٍ لَكُمْ وَكُلُّ حِيلَةٍ فَضُمُّوهُ مَعَ أَخِيهِ. وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ. الثَّعْلَبِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمِيمِ لَهَا وَجْهَانِ: أحدهما- بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَأَجْمَعْتُ الشَّيْءَ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ حُمُرًا:
فَكَأَنَّهَا بِالْجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ [[نبايع: اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل ويجمع على (نبايعات).]] ... وَأُولَاتِ ذِي الْعَرْجَاءِ نَهْبٌ مجمع
أَيْ مَجْمُوعٌ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَزْمِ وَالْإِحْكَامِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ
أَيْ مُحْكَمٌ.
(ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) ٢٠: ٦٤ قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: جَمِيعًا. وَقِيلَ: صُفُوفًا لِيَكُونَ أَشَدَّ لِهَيْبَتِكُمْ. وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ يُقَالُ: أَتَيْتُ الصَّفَّ يَعْنِي الْمُصَلَّى، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ ائْتُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ: مَا قَدَرْتُ أَنْ آتِيَ الصَّفَّ، يَعْنِي الْمُصَلَّى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ثُمَّ ائْتُوا وَالنَّاسُ مُصْطَفُّونَ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَصْدَرًا في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرى: "ثُمِّ ايِتُوا" بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَاءٍ. وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَةَ أَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا.
(وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) ٢٠: ٦٤ أَيْ مَنْ غَلَبَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: من قول فرعون لهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٠: ٦٢] أَيْ تَشَاوَرُوا، يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(وَأَسَرُّوا النَّجْوى) قَالَ قَتَادَةُ "قالُوا": إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ سِحْرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَيَكُونُ لَهُ أَمْرٌ، وَهَذَا الَّذِي أَسَرُّوهُ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قولهم" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "الآيات قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قَوْلَهُمْ: إن غلبنا اتبعناه، قاله الكلبي، دليله من ظَهَرَ مِنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سِرُّهُمْ أَنْ قَالُوا حِينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى" وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً [٢٠: ٦١]" [طه: ٦١]: ما هذا بقول ساحر. و "النَّجْوى " المنجاة يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٨٢ فما بعد.]] بيانه.
قوله تعالى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [٢٠: ٦٣] قرأ أبو عمرو "إِنَّ هَذَيْنَ لَسَاحِرَانِ". وَرُوِيَتْ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الْقُرَّاءِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرِيُّ، فِيمَا ذَكَرَ النَّحَّاسُ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْإِعْرَابِ مُخَالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُفَضَّلُ وَأَبَانٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ: فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣] "بِتَخْفِيفِ" إِنْ" "لَساحِرانِ" وَابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ نُونَ "هَذَانَ". وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ سَلِمَتْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُصْحَفِ وَمِنْ فَسَادِ الْإِعْرَابِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَا هَذَانَ إِلَّا سَاحِرَانِ. وَقَرَأَ الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ: "إِنَّ هَذَانِ" بِتَشْدِيدِ "إِنَّ"" لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَوَافَقُوا الْمُصْحَفَ وَخَالَفُوا الْإِعْرَابَ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ قَدْ رَوَاهَا الْجَمَاعَةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ" إِنْ هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ "وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ:" إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ "بِغَيْرِ لَامٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي حَرْفِ أُبَيٍّ" إِنْ ذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ" فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ أُخْرَى تُحْمَلُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا أَنَّهَا جَائِزٌ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْمُصْحَفَ. قُلْتُ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّدِّ لَهُ، وَالنَّحَّاسُ فِي إِعْرَابِهِ، وَالْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَيْرُهُمْ أَدْخَلَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. وَقَدْ خَطَّأَهَا قَوْمٌ حَتَّى قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ الله [تعالى [[من ك:]]] أَنْ أَقْرَأَ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣]". وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى "لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] ثُمَّ قَالَ: "وَالْمُقِيمِينَ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] وَفِي "الْمَائِدَةِ" ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾[[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] [المائدة: ٦٩] وَ" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي! هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ. وَقَالَ عُثْمَانُ ابن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الْمُصْحَفِ لَحْنٌ وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهِمْ. وَقَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ: لَحْنٌ وَخَطَأٌ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَلَا تُغَيِّرُوهُ؟ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ حلالا ولا يحلل حرما. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ: أَنَّهَا لُغَةُ بنى الحرث بْنِ كَعْبٍ وَزُبَيْدٍ وَخَثْعَمَ. وَكِنَانَةَ بْنِ زَيْدٍ يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف، يَقُولُونَ: جَاءَ الزَّيْدَانِ وَرَأَيْتُ الزَّيْدَانِ وَمَرَرْتُ بِالزَّيْدَانِ، ومنه قوله تعالى:" وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [١٠: ١٦]" [يونس: ١٦] عَلَى مَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٠ فما بعد.]]. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ [[هو المتلمس كما في (اللسان).]] - قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ:
فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا [[صمم الشجاع في عضته: أي عض ونيب فلم يرسل ما عض.]]
وَيَقُولُونَ: كَسَرْتُ يَدَاهُ وَرَكِبْتُ عَلَاهُ، بمعنى يديه وعليه، قال شاعرهم: [[هو هوبر الحارثي. والهابي من التراب ما ارتفع ودق.]]
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إِلَى هابي التراب عقيم
وَقَالَ آخَرُ: [[قيل: هو لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها
واشدد بمثنى حقب حقواها ... ناجية وناجيا أباها
والحقو: الخاصرة. والناجية: السريعة.]]
طَارُوا عَلَاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا
أَيْ عَلَيْهِنَّ وَعَلَيْهَا. وَقَالَ آخَرُ: [[نسبه الجوهري لابي النجم وأن قبله:
واها لسلمى ثم واها واها ... هي المنى لو أننا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها ... بثمن نرضى به أباها إن أباها ...
إلخ. ونسبه بعضهم لرؤبة. وقيل: لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن ...
إلخ.]]
إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
أَيْ إن أبا أبيها وغايتها. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحْسَنِ مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ مَعْرُوفَةً، وَقَدْ حَكَاهَا مَنْ يُرْتَضَى بِعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: إِذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ فَإِنَّمَا يَعْنِينِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْأَخْفَشُ وَهُوَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ اللُّغَةِ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بْنِ كَعْبٍ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ هَذِهِ لُغَةُ بَنِي كِنَانَةَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ لِخَثْعَمَ. قَالَ النَّحَّاسُ وَمِنْ أَبْيَنِ مَا فِي هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا ثَنَّيْتَ الْوَاحِدَ زِدْتَ عَلَيْهِ زَائِدَتَيْنِ، الْأُولَى مِنْهُمَا حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، يُوجِبُ أَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يتغير، فيكون "إن هذان" جاء عَلَى أَصْلِهِ لِيُعْلَمَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٣٠٥.]] [المجادلة: ١٩] وَلَمْ يَقُلِ اسْتَحَاذَ، فَجَاءَ هَذَا لِيَدُلَّ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ "إِنْ هَذَانِ" وَلَا يُفَكَّرُ فِي إنكار من أنكر هذه اللغة إذ كَانَ الْأَئِمَّةُ قَدْ رَوَوْهَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ "إِنْ" بِمَعْنَى نَعَمْ، كَمَا حَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: الْعَرَبُ تَأْتِي بِ"- إِنْ "بِمَعْنَى نَعَمْ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ" إِنْ" تَأْتِي بِمَعْنَى أَجَلْ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي يَذْهَبَانِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ وَعَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَذْهَبَانِ إِلَيْهِ. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَدْ أُعْجِبَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ. النَّحَّاسُ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النَّيْسَابُورِيُّ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ الله بن أحمد [هذا [[الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس.]]] فَحَدَّثَنِي، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، قَالَ حدثنا محمد ابن موسى النوفلي من ولد حرث بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ جميع الكوفي عن جعفر ابن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، قَالَ: لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِهِ: "إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ" ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَفْصَحُ قريش كلها وأفصحها بعدي أبان ابن سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ" قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَفَّافُ قَالَ عُمَيْرٌ: إِعْرَابُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالنَّحْوِ "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ" بِالنَّصْبِ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ "إِنَّ" فِي مَعْنَى نَعَمْ كَأَنَّهُ أَرَادَ ﷺ نَعَمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح [في [[من ب وج وط وك]]] خُطَبَهَا بِنَعَمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى نَعَمْ:
قَالُوا غَدَرْتَ فَقُلْتُ إِنَّ وَرُبَّمَا ... نَالَ الْعُلَا وَشَفَى الْغَلِيلَ الْغَادِرُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسُ الرُّقَيَّاتِ:
بَكَرَ الْعَوَاذِلُ فِي الصَّبَا ... حَ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا ... كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
فَعَلَى هَذَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" بِمَعْنَى نَعَمْ وَلَا تُنْصَبُ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَنْشَدَنِي دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ أَنْشَدَنِي ثَعْلَبٌ:
لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِلْمُحِبِّ شِفَاءٌ ... مِنْ جوى حبهن إن اللقاء
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: نَعَمْ زَيْدٌ خارج، ولا تكاد تقع اللام ها هنا، وَإِنْ كَانَ النَّحْوِيُّونَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: اللَّامُ يُنْوَى بِهَا التَّقْدِيمُ، كَمَا قَالَ:
خَالِي لَأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ الْعَلَاءَ وَيُكْرِمِ الْأَخْوَالَا
آخَرُ:
أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
أَيْ لَخَالِي وَلَأُمِّ الْحُلَيْسِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ إِنَّ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ ثُمَّ حَذَفَ الْمُبْتَدَأَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: "هُمَا" الْمَحْذُوفُ لَمْ يُحْذَفْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ عُرِفَ، وَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا فَقَدِ اسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِاللَّامِ، وَيَقْبُحُ أَنْ تَحْذِفَ الْمُؤَكَّدَ وَتَتْرُكَ الْمُؤَكِّدَ. الْقَوْلُ الثالث: قاله الفراء أيضا [قال [[من ب وج وط وك.]]]: وَجَدْتُ الْأَلِفَ دِعَامَةً لَيْسَتْ بِلَامِ الْفِعْلِ فَزِدْتُ عَلَيْهَا نُونًا وَلَمْ أُغَيِّرْهَا كَمَا قُلْتُ: "الَّذِي" ثُمَّ زِدْتُ عَلَيْهِ نُونًا فَقُلْتُ: جَاءَنِي الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَرَأَيْتُ الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَمَرَرْتُ بِالَّذِينَ عِنْدَكَ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ قَالَ الْأَلِفُ فِي "هَذَانَ" مُشَبَّهَةٌ بِالْأَلِفِ فِي يَفْعَلَانِ فَلَمْ تُغَيَّرْ. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: النَّحْوِيُّونَ القدماء يقولون الهاء ها هنا مُضْمَرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَأُضْمِرَتِ الْهَاءُ الَّتِي هِيَ مَنْصُوبُ "إِنْ" وَ" هذانِ [٢٠: ٦٣] "خَبَرُ" إِنْ "وَ" سَاحِرَانِ "يَرْفَعُهَا" هُمَا" الْمُضْمَرُ [وَالتَّقْدِيرُ [[الزيادة يقتضيها السياق.]]] إِنَّهُ هَذَانَ لَهُمَا سَاحِرَانِ. وَالْأَشْبَهُ [[في ب وك: الا ثبت.]] عِنْدَ أَصْحَابِ أَهْلِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْهَاءَ اسْمُ "إِنْ" وَ "هذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. الْقَوْلُ السَّادِسُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَسَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ كَيْسَانَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِجَوَابِ النَّحْوِيِّينَ، وَإِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِقَوْلِي، فَقُلْتُ: بِقَوْلِكَ، فَقَالَ: سَأَلَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهَا فَقُلْتُ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُقَالُ: "هَذَا" فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أَلَّا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ تَقَدَّمَكَ أَحَدٌ بِالْقَوْلِ بِهِ حَتَّى يُؤْنَسَ بِهِ، قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَيَقُولُ الْقَاضِي بِهِ حَتَّى يؤنس به، فتبسم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [٢٠: ٦٣] هَذَا مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِلسَّحَرَةِ، أَيْ غَرَضُهُمَا إِفْسَادُ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ:" إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [٤٠: ٢٦]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٤ فما بعد.]] [غافر: ٢٦]. وَيُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ أَيْ حَسَنُ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: طَرِيقَةُ الْقَوْمِ أَفْضَلُ الْقَوْلِ، وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ وَيَقْتَدُوا بِهِ، فَالْمَعْنَى: وَيَذْهَبَا بِسَادَتِكُمْ وَرُؤَسَائِكُمْ، اسْتِمَالَةً لَهُمْ. أَوْ يَذْهَبَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمُ الْأَمَاثِلُ وَإِنْ كَانُوا خَوَلًا لَكُمْ لِمَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الِانْتِسَابِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ. أَوْ يَذْهَبَا بِأَهْلِ طَرِيقَتِكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَ" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣] "تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ، كَمَا يُقَالُ الْأَفْضَلُ وَالْفُضْلَى. وَأَنَّثَ الطَّرِيقَةَ عَلَى اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ يُرَادُ بِهَا الرِّجَالُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ:" بِطَرِيقَتِكُمُ [٢٠: ٦٣] "بِسُنَّتِكُمْ وَسَمْتِكُمْ. و" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣]" نَعْتٌ كَقَوْلِكَ امْرَأَةٌ كُبْرَى. تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى يَعْنُونَ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [٢٠: ٦٤] الْإِجْمَاعُ الْإِحْكَامُ وَالْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ. تَقُولُ: أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ وَعَلَى الْخُرُوجِ أَيْ عَزَمْتُ. وَقِرَاءَةُ كُلِّ الْأَمْصَارِ "فَأَجْمِعُوا" إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ: "فَاجْمَعُوا" بِالْوَصْلِ وَفَتَحَ الميم. واحتج بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى [٢٠: ٦٠]". قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِيمَا حُكِيَ لِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ عَلَى أَبِي عَمْرٍو أَنْ يَقْرَأَ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ. قَالَ: لِأَنَّهُ احْتَجَّ ب"- جَمَعَ "وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ "قَدْ ثَبَتَ هَذَا فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "أَيِ اعْزِمُوا وَجِدُّوا، وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِخِلَافِ مَعْنَاهُ. يُقَالُ: أَمْرٌ مُجْمَعٌ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيُصَحِّحُ قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو" فَاجْمَعُوا" أَيِ اجْمَعُوا كُلَّ كَيْدٍ لَكُمْ وَكُلُّ حِيلَةٍ فَضُمُّوهُ مَعَ أَخِيهِ. وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ. الثَّعْلَبِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمِيمِ لَهَا وَجْهَانِ: أحدهما- بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَأَجْمَعْتُ الشَّيْءَ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ حُمُرًا:
فَكَأَنَّهَا بِالْجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ [[نبايع: اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل ويجمع على (نبايعات).]] ... وَأُولَاتِ ذِي الْعَرْجَاءِ نَهْبٌ مجمع
أَيْ مَجْمُوعٌ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَزْمِ وَالْإِحْكَامِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ
أَيْ مُحْكَمٌ.
(ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) ٢٠: ٦٤ قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: جَمِيعًا. وَقِيلَ: صُفُوفًا لِيَكُونَ أَشَدَّ لِهَيْبَتِكُمْ. وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ يُقَالُ: أَتَيْتُ الصَّفَّ يَعْنِي الْمُصَلَّى، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ ائْتُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ: مَا قَدَرْتُ أَنْ آتِيَ الصَّفَّ، يَعْنِي الْمُصَلَّى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ثُمَّ ائْتُوا وَالنَّاسُ مُصْطَفُّونَ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَصْدَرًا في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرى: "ثُمِّ ايِتُوا" بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَاءٍ. وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَةَ أَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا.
(وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) ٢٠: ٦٤ أَيْ مَنْ غَلَبَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: من قول فرعون لهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٠: ٦٢] أَيْ تَشَاوَرُوا، يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(وَأَسَرُّوا النَّجْوى) قَالَ قَتَادَةُ "قالُوا": إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ سِحْرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَيَكُونُ لَهُ أَمْرٌ، وَهَذَا الَّذِي أَسَرُّوهُ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قولهم" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "الآيات قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوا قَوْلَهُمْ: إن غلبنا اتبعناه، قاله الكلبي، دليله من ظَهَرَ مِنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سِرُّهُمْ أَنْ قَالُوا حِينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى" وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً [٢٠: ٦١]" [طه: ٦١]: ما هذا بقول ساحر. و "النَّجْوى " المنجاة يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٨٢ فما بعد.]] بيانه.
قوله تعالى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [٢٠: ٦٣] قرأ أبو عمرو "إِنَّ هَذَيْنَ لَسَاحِرَانِ". وَرُوِيَتْ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الْقُرَّاءِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرِيُّ، فِيمَا ذَكَرَ النَّحَّاسُ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْإِعْرَابِ مُخَالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُفَضَّلُ وَأَبَانٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ: فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣] "بِتَخْفِيفِ" إِنْ" "لَساحِرانِ" وَابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ نُونَ "هَذَانَ". وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ سَلِمَتْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُصْحَفِ وَمِنْ فَسَادِ الْإِعْرَابِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَا هَذَانَ إِلَّا سَاحِرَانِ. وَقَرَأَ الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ: "إِنَّ هَذَانِ" بِتَشْدِيدِ "إِنَّ"" لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَوَافَقُوا الْمُصْحَفَ وَخَالَفُوا الْإِعْرَابَ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ قَدْ رَوَاهَا الْجَمَاعَةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ" إِنْ هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ "وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ:" إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ "بِغَيْرِ لَامٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي حَرْفِ أُبَيٍّ" إِنْ ذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ" فَهَذِهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ أُخْرَى تُحْمَلُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا أَنَّهَا جَائِزٌ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْمُصْحَفَ. قُلْتُ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّدِّ لَهُ، وَالنَّحَّاسُ فِي إِعْرَابِهِ، وَالْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَيْرُهُمْ أَدْخَلَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. وَقَدْ خَطَّأَهَا قَوْمٌ حَتَّى قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ الله [تعالى [[من ك:]]] أَنْ أَقْرَأَ" إِنْ هذانِ [٢٠: ٦٣]". وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى "لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] ثُمَّ قَالَ: "وَالْمُقِيمِينَ" [[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] وَفِي "الْمَائِدَةِ" ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾[[راجع ج ٦ ص ١٣، وص ٢٤٦. راجع ما نقله القرطبي في رد هذا الكلام ج ٦ ص ١٥. وكان إغفال المصنف لهذا أولى لأنه قدح في خط المصحف المروي عن أئمة اللغة الثقات.]] [المائدة: ٦٩] وَ" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣] "فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي! هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ. وَقَالَ عُثْمَانُ ابن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الْمُصْحَفِ لَحْنٌ وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهِمْ. وَقَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ: لَحْنٌ وَخَطَأٌ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَلَا تُغَيِّرُوهُ؟ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ حلالا ولا يحلل حرما. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ: أَنَّهَا لُغَةُ بنى الحرث بْنِ كَعْبٍ وَزُبَيْدٍ وَخَثْعَمَ. وَكِنَانَةَ بْنِ زَيْدٍ يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف، يَقُولُونَ: جَاءَ الزَّيْدَانِ وَرَأَيْتُ الزَّيْدَانِ وَمَرَرْتُ بِالزَّيْدَانِ، ومنه قوله تعالى:" وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [١٠: ١٦]" [يونس: ١٦] عَلَى مَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٠ فما بعد.]]. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ [[هو المتلمس كما في (اللسان).]] - قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ:
فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا [[صمم الشجاع في عضته: أي عض ونيب فلم يرسل ما عض.]]
وَيَقُولُونَ: كَسَرْتُ يَدَاهُ وَرَكِبْتُ عَلَاهُ، بمعنى يديه وعليه، قال شاعرهم: [[هو هوبر الحارثي. والهابي من التراب ما ارتفع ودق.]]
تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إِلَى هابي التراب عقيم
وَقَالَ آخَرُ: [[قيل: هو لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها
واشدد بمثنى حقب حقواها ... ناجية وناجيا أباها
والحقو: الخاصرة. والناجية: السريعة.]]
طَارُوا عَلَاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا
أَيْ عَلَيْهِنَّ وَعَلَيْهَا. وَقَالَ آخَرُ: [[نسبه الجوهري لابي النجم وأن قبله:
واها لسلمى ثم واها واها ... هي المنى لو أننا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها ... بثمن نرضى به أباها إن أباها ...
إلخ. ونسبه بعضهم لرؤبة. وقيل: لبعض أهل اليمن وأن قبله:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن ...
إلخ.]]
إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
أَيْ إن أبا أبيها وغايتها. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحْسَنِ مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ مَعْرُوفَةً، وَقَدْ حَكَاهَا مَنْ يُرْتَضَى بِعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: إِذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ فَإِنَّمَا يَعْنِينِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْأَخْفَشُ وَهُوَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ اللُّغَةِ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بْنِ كَعْبٍ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ هَذِهِ لُغَةُ بَنِي كِنَانَةَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ لِخَثْعَمَ. قَالَ النَّحَّاسُ وَمِنْ أَبْيَنِ مَا فِي هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا ثَنَّيْتَ الْوَاحِدَ زِدْتَ عَلَيْهِ زَائِدَتَيْنِ، الْأُولَى مِنْهُمَا حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وَهُوَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، يُوجِبُ أَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يتغير، فيكون "إن هذان" جاء عَلَى أَصْلِهِ لِيُعْلَمَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٣٠٥.]] [المجادلة: ١٩] وَلَمْ يَقُلِ اسْتَحَاذَ، فَجَاءَ هَذَا لِيَدُلَّ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ "إِنْ هَذَانِ" وَلَا يُفَكَّرُ فِي إنكار من أنكر هذه اللغة إذ كَانَ الْأَئِمَّةُ قَدْ رَوَوْهَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ "إِنْ" بِمَعْنَى نَعَمْ، كَمَا حَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: الْعَرَبُ تَأْتِي بِ"- إِنْ "بِمَعْنَى نَعَمْ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ" إِنْ" تَأْتِي بِمَعْنَى أَجَلْ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي يَذْهَبَانِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ وَعَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَذْهَبَانِ إِلَيْهِ. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَدْ أُعْجِبَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ. النَّحَّاسُ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النَّيْسَابُورِيُّ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ الله بن أحمد [هذا [[الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس.]]] فَحَدَّثَنِي، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، قَالَ حدثنا محمد ابن موسى النوفلي من ولد حرث بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ جميع الكوفي عن جعفر ابن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، قَالَ: لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِهِ: "إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ" ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَفْصَحُ قريش كلها وأفصحها بعدي أبان ابن سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ" قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَفَّافُ قَالَ عُمَيْرٌ: إِعْرَابُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالنَّحْوِ "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ" بِالنَّصْبِ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ "إِنَّ" فِي مَعْنَى نَعَمْ كَأَنَّهُ أَرَادَ ﷺ نَعَمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح [في [[من ب وج وط وك]]] خُطَبَهَا بِنَعَمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى نَعَمْ:
قَالُوا غَدَرْتَ فَقُلْتُ إِنَّ وَرُبَّمَا ... نَالَ الْعُلَا وَشَفَى الْغَلِيلَ الْغَادِرُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسُ الرُّقَيَّاتِ:
بَكَرَ الْعَوَاذِلُ فِي الصَّبَا ... حَ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا ... كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
فَعَلَى هَذَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" بِمَعْنَى نَعَمْ وَلَا تُنْصَبُ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَنْشَدَنِي دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ أَنْشَدَنِي ثَعْلَبٌ:
لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِلْمُحِبِّ شِفَاءٌ ... مِنْ جوى حبهن إن اللقاء
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: نَعَمْ زَيْدٌ خارج، ولا تكاد تقع اللام ها هنا، وَإِنْ كَانَ النَّحْوِيُّونَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: اللَّامُ يُنْوَى بِهَا التَّقْدِيمُ، كَمَا قَالَ:
خَالِي لَأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ الْعَلَاءَ وَيُكْرِمِ الْأَخْوَالَا
آخَرُ:
أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
أَيْ لَخَالِي وَلَأُمِّ الْحُلَيْسِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ إِنَّ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ ثُمَّ حَذَفَ الْمُبْتَدَأَ. الْمَهْدَوِيُّ: وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: "هُمَا" الْمَحْذُوفُ لَمْ يُحْذَفْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ عُرِفَ، وَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا فَقَدِ اسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِاللَّامِ، وَيَقْبُحُ أَنْ تَحْذِفَ الْمُؤَكَّدَ وَتَتْرُكَ الْمُؤَكِّدَ. الْقَوْلُ الثالث: قاله الفراء أيضا [قال [[من ب وج وط وك.]]]: وَجَدْتُ الْأَلِفَ دِعَامَةً لَيْسَتْ بِلَامِ الْفِعْلِ فَزِدْتُ عَلَيْهَا نُونًا وَلَمْ أُغَيِّرْهَا كَمَا قُلْتُ: "الَّذِي" ثُمَّ زِدْتُ عَلَيْهِ نُونًا فَقُلْتُ: جَاءَنِي الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَرَأَيْتُ الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَمَرَرْتُ بِالَّذِينَ عِنْدَكَ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ قَالَ الْأَلِفُ فِي "هَذَانَ" مُشَبَّهَةٌ بِالْأَلِفِ فِي يَفْعَلَانِ فَلَمْ تُغَيَّرْ. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: النَّحْوِيُّونَ القدماء يقولون الهاء ها هنا مُضْمَرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَأُضْمِرَتِ الْهَاءُ الَّتِي هِيَ مَنْصُوبُ "إِنْ" وَ" هذانِ [٢٠: ٦٣] "خَبَرُ" إِنْ "وَ" سَاحِرَانِ "يَرْفَعُهَا" هُمَا" الْمُضْمَرُ [وَالتَّقْدِيرُ [[الزيادة يقتضيها السياق.]]] إِنَّهُ هَذَانَ لَهُمَا سَاحِرَانِ. وَالْأَشْبَهُ [[في ب وك: الا ثبت.]] عِنْدَ أَصْحَابِ أَهْلِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْهَاءَ اسْمُ "إِنْ" وَ "هذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. الْقَوْلُ السَّادِسُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَسَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ كَيْسَانَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِجَوَابِ النَّحْوِيِّينَ، وَإِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ بِقَوْلِي، فَقُلْتُ: بِقَوْلِكَ، فَقَالَ: سَأَلَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهَا فَقُلْتُ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُقَالُ: "هَذَا" فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أَلَّا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ تَقَدَّمَكَ أَحَدٌ بِالْقَوْلِ بِهِ حَتَّى يُؤْنَسَ بِهِ، قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَيَقُولُ الْقَاضِي بِهِ حَتَّى يؤنس به، فتبسم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ [٢٠: ٦٣] هَذَا مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِلسَّحَرَةِ، أَيْ غَرَضُهُمَا إِفْسَادُ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ:" إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [٤٠: ٢٦]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٤ فما بعد.]] [غافر: ٢٦]. وَيُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ أَيْ حَسَنُ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: طَرِيقَةُ الْقَوْمِ أَفْضَلُ الْقَوْلِ، وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ وَيَقْتَدُوا بِهِ، فَالْمَعْنَى: وَيَذْهَبَا بِسَادَتِكُمْ وَرُؤَسَائِكُمْ، اسْتِمَالَةً لَهُمْ. أَوْ يَذْهَبَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمُ الْأَمَاثِلُ وَإِنْ كَانُوا خَوَلًا لَكُمْ لِمَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الِانْتِسَابِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ. أَوْ يَذْهَبَا بِأَهْلِ طَرِيقَتِكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَ" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣] "تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ، كَمَا يُقَالُ الْأَفْضَلُ وَالْفُضْلَى. وَأَنَّثَ الطَّرِيقَةَ عَلَى اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ يُرَادُ بِهَا الرِّجَالُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ:" بِطَرِيقَتِكُمُ [٢٠: ٦٣] "بِسُنَّتِكُمْ وَسَمْتِكُمْ. و" الْمُثْلى [٢٠: ٦٣]" نَعْتٌ كَقَوْلِكَ امْرَأَةٌ كُبْرَى. تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى يَعْنُونَ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [٢٠: ٦٤] الْإِجْمَاعُ الْإِحْكَامُ وَالْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ. تَقُولُ: أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ وَعَلَى الْخُرُوجِ أَيْ عَزَمْتُ. وَقِرَاءَةُ كُلِّ الْأَمْصَارِ "فَأَجْمِعُوا" إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ: "فَاجْمَعُوا" بِالْوَصْلِ وَفَتَحَ الميم. واحتج بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى [٢٠: ٦٠]". قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِيمَا حُكِيَ لِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ عَلَى أَبِي عَمْرٍو أَنْ يَقْرَأَ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ. قَالَ: لِأَنَّهُ احْتَجَّ ب"- جَمَعَ "وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:" فَجَمَعَ كَيْدَهُ "قَدْ ثَبَتَ هَذَا فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ" فَأَجْمِعُوا "أَيِ اعْزِمُوا وَجِدُّوا، وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِخِلَافِ مَعْنَاهُ. يُقَالُ: أَمْرٌ مُجْمَعٌ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيُصَحِّحُ قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو" فَاجْمَعُوا" أَيِ اجْمَعُوا كُلَّ كَيْدٍ لَكُمْ وَكُلُّ حِيلَةٍ فَضُمُّوهُ مَعَ أَخِيهِ. وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ. الثَّعْلَبِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمِيمِ لَهَا وَجْهَانِ: أحدهما- بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَأَجْمَعْتُ الشَّيْءَ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ حُمُرًا:
فَكَأَنَّهَا بِالْجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ [[نبايع: اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل ويجمع على (نبايعات).]] ... وَأُولَاتِ ذِي الْعَرْجَاءِ نَهْبٌ مجمع
أَيْ مَجْمُوعٌ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَزْمِ وَالْإِحْكَامِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ
أَيْ مُحْكَمٌ.
(ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) ٢٠: ٦٤ قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: جَمِيعًا. وَقِيلَ: صُفُوفًا لِيَكُونَ أَشَدَّ لِهَيْبَتِكُمْ. وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ يُقَالُ: أَتَيْتُ الصَّفَّ يَعْنِي الْمُصَلَّى، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ ائْتُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ: مَا قَدَرْتُ أَنْ آتِيَ الصَّفَّ، يَعْنِي الْمُصَلَّى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ثُمَّ ائْتُوا وَالنَّاسُ مُصْطَفُّونَ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَصْدَرًا في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرى: "ثُمِّ ايِتُوا" بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَاءٍ. وَمَنْ تَرَكَ الْهَمْزَةَ أَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا.
(وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) ٢٠: ٦٤ أَيْ مَنْ غَلَبَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: من قول فرعون لهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا مُوسى﴾ يُرِيدُ السَّحَرَةَ.
(إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عَصَاكَ مِنْ يَدِكَ (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ.
(قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ) ٢٠: ٦٦ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا، دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَعُصِيَّهُمْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ هَارُونُ الْقَارِئُ: لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ "وَعُصِيُّهُمْ" وَبِهَا يَأْخُذُ الْحَسَنُ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ الصَّادِ. وَنَحْوُهُ دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ وَقُسِيٌّ وَقِسِيٌّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) ٢٠: ٦٦. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "تُخَيَّلُ" بِالتَّاءِ، وَرَدُّوهُ إِلَى الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ إِذْ هِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْعِصِيَّ بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا أَصَابَهَا حَرُّ الشَّمْسِ ارْتَهَشَتْ وَاهْتَزَّتْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: خُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ الْأَرْضَ حَيَّاتٌ وَأَنَّهَا تَسْعَى عَلَى بَطْنِهَا. وقرى: "تَخَيَّلُ" بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ وَطَرِيقُهُ طَرِيقُ "تُخَيَّلُ" وَمَنْ قرأ "يخيل" بالياء رده إلى الكيد. وقرى "نُخَيِّلُ" بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخَيِّلُ لِلْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ. "أَنَّها تَسْعى " فَ"- أَنَّ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ سَعْيُهَا، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ نَصْبٍ، أَيْ بِأَنَّهَا ثُمَّ حَذَفَ الْبَاءَ. وَالْمَعْنَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: تَشَبَّهَ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهَا تَسْعَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ" أَنَّ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ تُخَيَّلُ إِلَيْهِ ذَاتَ سَعْيٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي" تَخَيَّلُ "وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَالْبَدَلُ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ. و" تَسْعى " مَعْنَاهُ تَمْشِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: وَجَدَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ أَيْ مِنَ الْحَيَّاتِ وَذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِضُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ. وَقِيلَ: خَافَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إن كَانَ السَّبَبُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا الْتَقَى بِالسَّحَرَةِ وَقَالَ لَهُمْ: "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ٢٠: ٦١" الْتَفَتَ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى تَرَفَّقْ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ سَحَرَةٌ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لِيُبْطِلُوا الْمُعْجِزَةَ، وَيَنْصُرُوا دِينَ فِرْعَوْنَ، وَيَرُدُّوا دِينَ اللَّهِ، تَقُولُ: ترفق بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ جِبْرِيلُ: هُمْ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَكَ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْجَسَ فِي نَفْسِ مُوسَى وَخَطَرَ أَنَّ مَا يُدْرِينِي مَا عِلْمُ اللَّهِ فِيَّ، فَلَعَلِّي أَكُونُ الْآنَ فِي حَالَةٍ، وَعِلْمُ اللَّهِ فِيَّ عَلَى خِلَافِهَا كَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ" لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [٢٠: ٦٨] "أَيِ الْغَالِبُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الْجَنَّةِ، لِلنُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ بِهِ. وَأَصْلُ" خِيفَةً" خِوْفَةً فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ الْخَاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [٢٠: ٦٩] [[تلقف بالتشديد قراءة (نافع).]] وَلَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا، أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمَ الَّذِي فِي يَمِينِكَ، فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا، وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْفَلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهَا كُلِّهَا، وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شي وَأَنْزَرُهُ عِنْدَهَا، فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَمْحَقُهَا. وَ "تَلْقَفْ" بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُلْقِهِ تَتَلَقَّفْ، أَيْ تَأْخُذْ وَتَبْتَلِعْ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَحَفْصٌ: "تَلْقَفُ" سَاكِنَةَ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفًا. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو حَيْوَةَ الشامي ويحيى بن الحرث "تَلْقَفُ" بِحَذْفِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْفَاءِ، عَلَى مَعْنَى فَإِنَّهَا تَتَلَقَّفُ. وَالْخِطَابُ لِمُوسَى. وَقِيلَ: لِلْعَصَا. وَاللَّقْفُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ "بِالْكَسْرِ" أَلْقَفُهُ لَقْفًا، وَتَلَقَّفْتُهُ أَيْضًا أَيْ تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ. عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ رَجُلٌ لَقِفٌ ثَقِفٌ أَيْ خَفِيفٌ حَاذِقٌ. وَاللَّقَفُ "بِالتَّحْرِيكِ" سُقُوطُ الْحَائِطِ. وَلَقَدْ لَقِفَ الْحَوْضُ لَقْفًا أَيْ تَهَوَّرَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاتَّسَعَ. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد مضى في (الأعراف) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧ فما بعد.]]. لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ "بِالْكَسْرِ" لَقْمًا، وَتَلَقَّمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا فِي مُهْلَةٍ. وَكَذَلِكَ لَهِمَهُ "بِالْكَسْرِ" إِذَا ابْتَلَعَهُ. "ما صَنَعُوا" أَيِ الَّذِي صَنَعُوهُ. وَكَذَا (إِنَّما صَنَعُوا) أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ "كَيْدُ" بِالرَّفْعِ "سِحْرٍ" بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ إِلَّا عَاصِمًا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنْ يَكُونَ الكيد مضافا إلى السحر عَلَى الْإِتْبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ. وَالثَّانِي- أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ كَيْدُ ذِي سِحْرٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ [[العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور. والجمهور قرأ: (كَيْدُ ساحِرٍ) ٢٠: ٦٩ برفع (كَيْدُ) كما في (البحر) وغيره قال في البحر: وقرا الجمهور: (كَيْدُ) بالرفع.]] بِوُقُوعِ الصنع عليه و "ما" كَافَّةٌ وَلَا تُضْمَرُ هَاءُ "ساحِرٍ" بِالْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُضَافٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلسِّحْرِ. وَيَجُوزُ فَتْحُ "أَنَّ" عَلَى مَعْنَى لِأَنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ.
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [٢٠: ٦٩] أَيْ لَا يَفُوزُ وَلَا يَنْجُو حَيْثُ أَتَى مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: حَيْثُ احْتَالَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) [[راجع ج ٢ ص ٤٣ فما بعد.]] حُكْمُ السَّاحِرِ وَمَعْنَى السِّحْرِ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ [٢٠: ٧٠] لَمَّا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ فِي الْعَصَا، فَإِنَّهَا ابْتَلَعَتْ جَمِيعَ مَا احْتَالُوا بِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَكَانَتْ حِمْلَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ عَادَتْ عَصَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ ذَهَبَتِ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٥٩.]] هَذَا الْمَعْنَى وَأَمْرُ الْعَصَا مُسْتَوْفًى.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى. قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) [٢٠: ٧١] - ٧٠ أَيْ بِهِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ، ومنه ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.]] [العنكبوت: ٢٦] وفي الأعراف قال آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ تَعَدَّيْتُمْ وَفَعَلْتُمْ مَا لَمْ آمُرْكُمْ بِهِ.
(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أَيْ رَئِيسُكُمْ فِي التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا غَلَبَكُمْ لِأَنَّهُ أَحْذَقُ بِهِ منكم. وإنما أراد فرعون بقول هَذَا لِيُشْبِهَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَّبِعُوهُمْ فَيُؤْمِنُوا كَإِيمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى، بَلْ قَدْ عَلِمُوا السِّحْرَ قَبْلَ قُدُومِ مُوسَى وَوِلَادَتِهِ.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [٢٠: ٧١] أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
فَقَطَّعَ وَصَلَّبَ حَتَّى مَاتُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ هُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ" فَلَأُقَطِّعَنَّ [٢٠: ٧١]" "وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ قَطَعَ وَصَلَبَ.
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [٢٠: ٧١] يَعْنِي أَنَا أَمْ رب موسى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي السَّحَرَةَ (لَنْ نُؤْثِرَكَ) [٢٠: ٧٢] أَيْ لَنْ نَخْتَارَكَ (عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) [٢٠: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: لَمَّا سَجَدُوا أَرَاهُمُ اللَّهُ فِي سُجُودِهِمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا قَالُوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ [٢٠: ٧٢]". وَكَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ مَنْ غَلَبَ؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ فَإِنْ مَضَتْ [[في ب وا وج وط وك: مرت.]] عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَانْتَزَعَ رُوحَهَا، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدِهَا وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا [[في اوب وط وك وي: وليس فيها روح.]] رُوحٌ. وَقِيلَ: قَالَ مُقَدَّمُ السَّحَرَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ لَمَّا رَأَى مِنْ عَصَا مُوسَى مَا رَأَى: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحَيَّةِ هَلْ تَخَوَّفَتْ؟ [[في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.]] فَتَكُونُ جِنِّيًّا أَوْ لَمْ تَتَخَوَّفْ فَهِيَ مِنْ صَنْعَةِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَلَيْهِ مَصْنُوعٌ، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وَمُوسَى.
(وَالَّذِي فَطَرَنا) [٢٠: ٧٢] قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى" مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ [٢٠: ٧٢]" أَيْ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي فَطَرَنَا أَيْ خَلَقَنَا. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أَيْ وَاللَّهِ لَنْ نُؤْثِرَكَ.
(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) [٢٠: ٧٢] التَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ. وَلَيْسَتْ "مَا" ها هنا الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ تِلْكَ تُوصَلُ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَخَبَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. وَقِيلَ: فَاحْكُمْ مَا أَنْتَ حَاكِمٌ، أَيْ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ قَاضٍ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ إِثْبَاتَهَا في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء [[من ب وج وط وك وى.]]] السَّاكِنَيْنِ.
(إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) [٢٠: ٧٢] أَيْ إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا تَقْضِي فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَوْ وَقْتَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَقَدَّرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تَقْضِي أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَنْتَصِبُ انتصاب المفعول و "ما" كَافَّةٌ لِإِنَّ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَتُحْذَفَ الْهَاءُ مِنْ تَقْضِي وَرُفِعَتْ "هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا".
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) [٢٠: ٧٣] أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
(لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يُرِيدُونَ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
(وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفَةً عَلَى الْخَطَايَا. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهَا وَهِيَ نَافِيَةٌ، أَيْ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا مِنَ السِّحْرِ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ. النَّحَّاسُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. الْمَهْدَوِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٨.]] وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مُكْرَهِينَ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أُكْرِهُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ صِغَارًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ أَطْفَالًا ثُمَّ عَمِلُوهُ مُخْتَارِينَ بَعْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيُضْمَرَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ مَوْضُوعٌ عَنَّا. وَ "مِنَ السِّحْرِ" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِ"- أَكْرَهْتَنا [٢٠: ٧٣]". وَعَلَى أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ يَتَعَلَّقُ بِ"- خَطايانا [٢٠: ٧٣]".
(وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) أَيْ ثَوَابُهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَحَذَفَ الْمُضَافَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا مِنْكَ وَأَبْقَى عَذَابًا لَنَا مِنْ عَذَابِكَ لَنَا وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [٢٠: ٧١]" وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا إِنْ أَطَعْنَاهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا مِنْكَ إِنْ عَصَيْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [٢٠: ٧٤] قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ لَمَّا آمَنُوا. وَقِيلَ: ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ. وَيَجُوزُ إِنَّ من يأت، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جآذرا وظباء [[البيت للأخطل وهو نصراني.]]
أَرَادَ إِنَّهُ مَنْ يَدْخُلْ، أَيْ إِنَّ الْأَمْرَ هذا، وهو أَنَّ الْمُجْرِمَ يَدْخُلُ النَّارَ، وَالْمُؤْمِنَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَالْمُجْرِمُ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْتَرِفُ الْمَعَاصِيَ وَيَكْتَسِبُهَا. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [٢٠: ٧٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ) [[راجع ج ٥ ص ٢٥٣.]] وَغَيْرِهَا- فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ وَلَا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ... شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ
وَقِيلَ: نَفْسُ الكافر معلقة في حنجرته أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ بِفِرَاقِهَا، ولا يحيا باستقرارها. وَمَعْنَى.
(مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [٢٠: ٧٤] مَنْ يَأْتِ موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) [٢٠: ٧٥] أَيْ يَمُتْ عَلَيْهِ وَيُوَافِيهِ مصدقا به.
(قَدْ عَمِلَ) أَيْ وَقَدْ عَمِلَ "الصَّالِحاتِ" أَيِ الطَّاعَاتِ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ.
(فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) [٢٠: ٧٥] أَيِ الرَّفِيعَةُ الَّتِي قَصُرَتْ دُونَهَا الصِّفَاتُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [٢٠: ٧٥]" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِ الْمُشْرِكُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَيَانٌ لِلدَّرَجَاتِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٦.]] بَيَانُهُ.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أَيْ مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَسُرُرِهَا (الْأَنْهارُ) مِنَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(خالِدِينَ فِيها) أَيْ مَاكِثِينَ دَائِمِينَ.
(وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [٢٠: ٧٦] أَيْ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ قَالَ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ سَمِعُوهُ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بِمِصْرَ أَقْوَامٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلْهَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنْطَقَهُمْ بذلك لما آمنوا، والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي السَّحَرَةَ (لَنْ نُؤْثِرَكَ) [٢٠: ٧٢] أَيْ لَنْ نَخْتَارَكَ (عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) [٢٠: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: لَمَّا سَجَدُوا أَرَاهُمُ اللَّهُ فِي سُجُودِهِمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا قَالُوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ [٢٠: ٧٢]". وَكَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ مَنْ غَلَبَ؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ فَإِنْ مَضَتْ [[في ب وا وج وط وك: مرت.]] عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَانْتَزَعَ رُوحَهَا، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدِهَا وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا [[في اوب وط وك وي: وليس فيها روح.]] رُوحٌ. وَقِيلَ: قَالَ مُقَدَّمُ السَّحَرَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ لَمَّا رَأَى مِنْ عَصَا مُوسَى مَا رَأَى: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحَيَّةِ هَلْ تَخَوَّفَتْ؟ [[في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.]] فَتَكُونُ جِنِّيًّا أَوْ لَمْ تَتَخَوَّفْ فَهِيَ مِنْ صَنْعَةِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَلَيْهِ مَصْنُوعٌ، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وَمُوسَى.
(وَالَّذِي فَطَرَنا) [٢٠: ٧٢] قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى" مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ [٢٠: ٧٢]" أَيْ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي فَطَرَنَا أَيْ خَلَقَنَا. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أَيْ وَاللَّهِ لَنْ نُؤْثِرَكَ.
(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) [٢٠: ٧٢] التَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ. وَلَيْسَتْ "مَا" ها هنا الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ تِلْكَ تُوصَلُ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَخَبَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. وَقِيلَ: فَاحْكُمْ مَا أَنْتَ حَاكِمٌ، أَيْ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ قَاضٍ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ إِثْبَاتَهَا في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء [[من ب وج وط وك وى.]]] السَّاكِنَيْنِ.
(إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) [٢٠: ٧٢] أَيْ إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا تَقْضِي فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَوْ وَقْتَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَقَدَّرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تَقْضِي أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَنْتَصِبُ انتصاب المفعول و "ما" كَافَّةٌ لِإِنَّ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَتُحْذَفَ الْهَاءُ مِنْ تَقْضِي وَرُفِعَتْ "هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا".
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) [٢٠: ٧٣] أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
(لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يُرِيدُونَ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
(وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفَةً عَلَى الْخَطَايَا. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهَا وَهِيَ نَافِيَةٌ، أَيْ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا مِنَ السِّحْرِ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ. النَّحَّاسُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. الْمَهْدَوِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٨.]] وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مُكْرَهِينَ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أُكْرِهُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ صِغَارًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ أَطْفَالًا ثُمَّ عَمِلُوهُ مُخْتَارِينَ بَعْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيُضْمَرَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ مَوْضُوعٌ عَنَّا. وَ "مِنَ السِّحْرِ" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِ"- أَكْرَهْتَنا [٢٠: ٧٣]". وَعَلَى أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ يَتَعَلَّقُ بِ"- خَطايانا [٢٠: ٧٣]".
(وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) أَيْ ثَوَابُهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَحَذَفَ الْمُضَافَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا مِنْكَ وَأَبْقَى عَذَابًا لَنَا مِنْ عَذَابِكَ لَنَا وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [٢٠: ٧١]" وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا إِنْ أَطَعْنَاهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا مِنْكَ إِنْ عَصَيْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [٢٠: ٧٤] قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ لَمَّا آمَنُوا. وَقِيلَ: ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ. وَيَجُوزُ إِنَّ من يأت، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جآذرا وظباء [[البيت للأخطل وهو نصراني.]]
أَرَادَ إِنَّهُ مَنْ يَدْخُلْ، أَيْ إِنَّ الْأَمْرَ هذا، وهو أَنَّ الْمُجْرِمَ يَدْخُلُ النَّارَ، وَالْمُؤْمِنَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَالْمُجْرِمُ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْتَرِفُ الْمَعَاصِيَ وَيَكْتَسِبُهَا. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [٢٠: ٧٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ) [[راجع ج ٥ ص ٢٥٣.]] وَغَيْرِهَا- فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ وَلَا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ... شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ
وَقِيلَ: نَفْسُ الكافر معلقة في حنجرته أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ بِفِرَاقِهَا، ولا يحيا باستقرارها. وَمَعْنَى.
(مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [٢٠: ٧٤] مَنْ يَأْتِ موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) [٢٠: ٧٥] أَيْ يَمُتْ عَلَيْهِ وَيُوَافِيهِ مصدقا به.
(قَدْ عَمِلَ) أَيْ وَقَدْ عَمِلَ "الصَّالِحاتِ" أَيِ الطَّاعَاتِ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ.
(فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) [٢٠: ٧٥] أَيِ الرَّفِيعَةُ الَّتِي قَصُرَتْ دُونَهَا الصِّفَاتُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [٢٠: ٧٥]" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِ الْمُشْرِكُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَيَانٌ لِلدَّرَجَاتِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٦.]] بَيَانُهُ.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أَيْ مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَسُرُرِهَا (الْأَنْهارُ) مِنَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(خالِدِينَ فِيها) أَيْ مَاكِثِينَ دَائِمِينَ.
(وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [٢٠: ٧٦] أَيْ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ قَالَ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ سَمِعُوهُ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بِمِصْرَ أَقْوَامٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلْهَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنْطَقَهُمْ بذلك لما آمنوا، والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي السَّحَرَةَ (لَنْ نُؤْثِرَكَ) [٢٠: ٧٢] أَيْ لَنْ نَخْتَارَكَ (عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) [٢٠: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: لَمَّا سَجَدُوا أَرَاهُمُ اللَّهُ فِي سُجُودِهِمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا قَالُوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ [٢٠: ٧٢]". وَكَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ مَنْ غَلَبَ؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ فَإِنْ مَضَتْ [[في ب وا وج وط وك: مرت.]] عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَانْتَزَعَ رُوحَهَا، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدِهَا وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا [[في اوب وط وك وي: وليس فيها روح.]] رُوحٌ. وَقِيلَ: قَالَ مُقَدَّمُ السَّحَرَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ لَمَّا رَأَى مِنْ عَصَا مُوسَى مَا رَأَى: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحَيَّةِ هَلْ تَخَوَّفَتْ؟ [[في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.]] فَتَكُونُ جِنِّيًّا أَوْ لَمْ تَتَخَوَّفْ فَهِيَ مِنْ صَنْعَةِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَلَيْهِ مَصْنُوعٌ، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وَمُوسَى.
(وَالَّذِي فَطَرَنا) [٢٠: ٧٢] قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى" مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ [٢٠: ٧٢]" أَيْ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي فَطَرَنَا أَيْ خَلَقَنَا. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أَيْ وَاللَّهِ لَنْ نُؤْثِرَكَ.
(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) [٢٠: ٧٢] التَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ. وَلَيْسَتْ "مَا" ها هنا الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ تِلْكَ تُوصَلُ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَخَبَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. وَقِيلَ: فَاحْكُمْ مَا أَنْتَ حَاكِمٌ، أَيْ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ قَاضٍ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ إِثْبَاتَهَا في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء [[من ب وج وط وك وى.]]] السَّاكِنَيْنِ.
(إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) [٢٠: ٧٢] أَيْ إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا تَقْضِي فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَوْ وَقْتَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَقَدَّرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تَقْضِي أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَنْتَصِبُ انتصاب المفعول و "ما" كَافَّةٌ لِإِنَّ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَتُحْذَفَ الْهَاءُ مِنْ تَقْضِي وَرُفِعَتْ "هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا".
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) [٢٠: ٧٣] أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
(لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يُرِيدُونَ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
(وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفَةً عَلَى الْخَطَايَا. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهَا وَهِيَ نَافِيَةٌ، أَيْ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا مِنَ السِّحْرِ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ. النَّحَّاسُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. الْمَهْدَوِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٨.]] وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مُكْرَهِينَ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أُكْرِهُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ صِغَارًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ أَطْفَالًا ثُمَّ عَمِلُوهُ مُخْتَارِينَ بَعْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيُضْمَرَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ مَوْضُوعٌ عَنَّا. وَ "مِنَ السِّحْرِ" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِ"- أَكْرَهْتَنا [٢٠: ٧٣]". وَعَلَى أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ يَتَعَلَّقُ بِ"- خَطايانا [٢٠: ٧٣]".
(وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) أَيْ ثَوَابُهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَحَذَفَ الْمُضَافَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا مِنْكَ وَأَبْقَى عَذَابًا لَنَا مِنْ عَذَابِكَ لَنَا وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [٢٠: ٧١]" وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا إِنْ أَطَعْنَاهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا مِنْكَ إِنْ عَصَيْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [٢٠: ٧٤] قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ لَمَّا آمَنُوا. وَقِيلَ: ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ. وَيَجُوزُ إِنَّ من يأت، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جآذرا وظباء [[البيت للأخطل وهو نصراني.]]
أَرَادَ إِنَّهُ مَنْ يَدْخُلْ، أَيْ إِنَّ الْأَمْرَ هذا، وهو أَنَّ الْمُجْرِمَ يَدْخُلُ النَّارَ، وَالْمُؤْمِنَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَالْمُجْرِمُ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْتَرِفُ الْمَعَاصِيَ وَيَكْتَسِبُهَا. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [٢٠: ٧٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ) [[راجع ج ٥ ص ٢٥٣.]] وَغَيْرِهَا- فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ وَلَا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ... شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ
وَقِيلَ: نَفْسُ الكافر معلقة في حنجرته أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ بِفِرَاقِهَا، ولا يحيا باستقرارها. وَمَعْنَى.
(مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [٢٠: ٧٤] مَنْ يَأْتِ موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) [٢٠: ٧٥] أَيْ يَمُتْ عَلَيْهِ وَيُوَافِيهِ مصدقا به.
(قَدْ عَمِلَ) أَيْ وَقَدْ عَمِلَ "الصَّالِحاتِ" أَيِ الطَّاعَاتِ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ.
(فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) [٢٠: ٧٥] أَيِ الرَّفِيعَةُ الَّتِي قَصُرَتْ دُونَهَا الصِّفَاتُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [٢٠: ٧٥]" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِ الْمُشْرِكُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَيَانٌ لِلدَّرَجَاتِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٦.]] بَيَانُهُ.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أَيْ مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَسُرُرِهَا (الْأَنْهارُ) مِنَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(خالِدِينَ فِيها) أَيْ مَاكِثِينَ دَائِمِينَ.
(وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [٢٠: ٧٦] أَيْ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ قَالَ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ سَمِعُوهُ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بِمِصْرَ أَقْوَامٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلْهَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنْطَقَهُمْ بذلك لما آمنوا، والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي السَّحَرَةَ (لَنْ نُؤْثِرَكَ) [٢٠: ٧٢] أَيْ لَنْ نَخْتَارَكَ (عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) [٢٠: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: لَمَّا سَجَدُوا أَرَاهُمُ اللَّهُ فِي سُجُودِهِمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا قَالُوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ [٢٠: ٧٢]". وَكَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ مَنْ غَلَبَ؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ فَإِنْ مَضَتْ [[في ب وا وج وط وك: مرت.]] عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَانْتَزَعَ رُوحَهَا، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدِهَا وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا [[في اوب وط وك وي: وليس فيها روح.]] رُوحٌ. وَقِيلَ: قَالَ مُقَدَّمُ السَّحَرَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ لَمَّا رَأَى مِنْ عَصَا مُوسَى مَا رَأَى: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحَيَّةِ هَلْ تَخَوَّفَتْ؟ [[في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.]] فَتَكُونُ جِنِّيًّا أَوْ لَمْ تَتَخَوَّفْ فَهِيَ مِنْ صَنْعَةِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَلَيْهِ مَصْنُوعٌ، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وَمُوسَى.
(وَالَّذِي فَطَرَنا) [٢٠: ٧٢] قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى" مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ [٢٠: ٧٢]" أَيْ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي فَطَرَنَا أَيْ خَلَقَنَا. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أَيْ وَاللَّهِ لَنْ نُؤْثِرَكَ.
(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) [٢٠: ٧٢] التَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ. وَلَيْسَتْ "مَا" ها هنا الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ تِلْكَ تُوصَلُ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَخَبَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. وَقِيلَ: فَاحْكُمْ مَا أَنْتَ حَاكِمٌ، أَيْ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ قَاضٍ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ إِثْبَاتَهَا في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء [[من ب وج وط وك وى.]]] السَّاكِنَيْنِ.
(إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) [٢٠: ٧٢] أَيْ إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا تَقْضِي فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَوْ وَقْتَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَقَدَّرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تَقْضِي أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَنْتَصِبُ انتصاب المفعول و "ما" كَافَّةٌ لِإِنَّ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَتُحْذَفَ الْهَاءُ مِنْ تَقْضِي وَرُفِعَتْ "هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا".
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) [٢٠: ٧٣] أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
(لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يُرِيدُونَ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
(وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفَةً عَلَى الْخَطَايَا. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهَا وَهِيَ نَافِيَةٌ، أَيْ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا مِنَ السِّحْرِ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ. النَّحَّاسُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. الْمَهْدَوِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٨.]] وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مُكْرَهِينَ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أُكْرِهُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ صِغَارًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ أَطْفَالًا ثُمَّ عَمِلُوهُ مُخْتَارِينَ بَعْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيُضْمَرَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ مَوْضُوعٌ عَنَّا. وَ "مِنَ السِّحْرِ" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِ"- أَكْرَهْتَنا [٢٠: ٧٣]". وَعَلَى أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ يَتَعَلَّقُ بِ"- خَطايانا [٢٠: ٧٣]".
(وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) أَيْ ثَوَابُهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَحَذَفَ الْمُضَافَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا مِنْكَ وَأَبْقَى عَذَابًا لَنَا مِنْ عَذَابِكَ لَنَا وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [٢٠: ٧١]" وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا إِنْ أَطَعْنَاهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا مِنْكَ إِنْ عَصَيْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [٢٠: ٧٤] قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ لَمَّا آمَنُوا. وَقِيلَ: ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ. وَيَجُوزُ إِنَّ من يأت، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جآذرا وظباء [[البيت للأخطل وهو نصراني.]]
أَرَادَ إِنَّهُ مَنْ يَدْخُلْ، أَيْ إِنَّ الْأَمْرَ هذا، وهو أَنَّ الْمُجْرِمَ يَدْخُلُ النَّارَ، وَالْمُؤْمِنَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَالْمُجْرِمُ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْتَرِفُ الْمَعَاصِيَ وَيَكْتَسِبُهَا. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [٢٠: ٧٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ) [[راجع ج ٥ ص ٢٥٣.]] وَغَيْرِهَا- فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ وَلَا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ... شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ
وَقِيلَ: نَفْسُ الكافر معلقة في حنجرته أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ بِفِرَاقِهَا، ولا يحيا باستقرارها. وَمَعْنَى.
(مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [٢٠: ٧٤] مَنْ يَأْتِ موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) [٢٠: ٧٥] أَيْ يَمُتْ عَلَيْهِ وَيُوَافِيهِ مصدقا به.
(قَدْ عَمِلَ) أَيْ وَقَدْ عَمِلَ "الصَّالِحاتِ" أَيِ الطَّاعَاتِ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ.
(فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) [٢٠: ٧٥] أَيِ الرَّفِيعَةُ الَّتِي قَصُرَتْ دُونَهَا الصِّفَاتُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [٢٠: ٧٥]" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِ الْمُشْرِكُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَيَانٌ لِلدَّرَجَاتِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٦.]] بَيَانُهُ.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أَيْ مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَسُرُرِهَا (الْأَنْهارُ) مِنَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(خالِدِينَ فِيها) أَيْ مَاكِثِينَ دَائِمِينَ.
(وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [٢٠: ٧٦] أَيْ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ قَالَ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ سَمِعُوهُ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بِمِصْرَ أَقْوَامٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلْهَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنْطَقَهُمْ بذلك لما آمنوا، والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي السَّحَرَةَ (لَنْ نُؤْثِرَكَ) [٢٠: ٧٢] أَيْ لَنْ نَخْتَارَكَ (عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) [٢٠: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: لَمَّا سَجَدُوا أَرَاهُمُ اللَّهُ فِي سُجُودِهِمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا قَالُوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ [٢٠: ٧٢]". وَكَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ مَنْ غَلَبَ؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ فَإِنْ مَضَتْ [[في ب وا وج وط وك: مرت.]] عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ مَنْزِلَهَا فِي الْجَنَّةِ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَانْتَزَعَ رُوحَهَا، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدِهَا وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا [[في اوب وط وك وي: وليس فيها روح.]] رُوحٌ. وَقِيلَ: قَالَ مُقَدَّمُ السَّحَرَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ لَمَّا رَأَى مِنْ عَصَا مُوسَى مَا رَأَى: انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحَيَّةِ هَلْ تَخَوَّفَتْ؟ [[في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.]] فَتَكُونُ جِنِّيًّا أَوْ لَمْ تَتَخَوَّفْ فَهِيَ مِنْ صَنْعَةِ الصَّانِعِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَلَيْهِ مَصْنُوعٌ، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وَمُوسَى.
(وَالَّذِي فَطَرَنا) [٢٠: ٧٢] قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى" مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ [٢٠: ٧٢]" أَيْ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى الَّذِي فَطَرَنَا أَيْ خَلَقَنَا. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أَيْ وَاللَّهِ لَنْ نُؤْثِرَكَ.
(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) [٢٠: ٧٢] التَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ. وَلَيْسَتْ "مَا" ها هنا الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ تِلْكَ تُوصَلُ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَخَبَرٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. وَقِيلَ: فَاحْكُمْ مَا أَنْتَ حَاكِمٌ، أَيْ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ. وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ قَاضٍ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ إِثْبَاتَهَا في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء [[من ب وج وط وك وى.]]] السَّاكِنَيْنِ.
(إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) [٢٠: ٧٢] أَيْ إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا تَقْضِي فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَوْ وَقْتَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَقَدَّرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تَقْضِي أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَتَنْتَصِبُ انتصاب المفعول و "ما" كَافَّةٌ لِإِنَّ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَتُحْذَفَ الْهَاءُ مِنْ تَقْضِي وَرُفِعَتْ "هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا".
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) [٢٠: ٧٣] أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
(لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يُرِيدُونَ الشِّرْكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
(وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفَةً عَلَى الْخَطَايَا. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهَا وَهِيَ نَافِيَةٌ، أَيْ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا مِنَ السِّحْرِ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ. النَّحَّاسُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. الْمَهْدَوِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٨.]] وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مُكْرَهِينَ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أُكْرِهُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ صِغَارًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ أَطْفَالًا ثُمَّ عَمِلُوهُ مُخْتَارِينَ بَعْدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيُضْمَرَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ مَوْضُوعٌ عَنَّا. وَ "مِنَ السِّحْرِ" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِ"- أَكْرَهْتَنا [٢٠: ٧٣]". وَعَلَى أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ يَتَعَلَّقُ بِ"- خَطايانا [٢٠: ٧٣]".
(وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) أَيْ ثَوَابُهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَحَذَفَ الْمُضَافَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا مِنْكَ وَأَبْقَى عَذَابًا لَنَا مِنْ عَذَابِكَ لَنَا وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [٢٠: ٧١]" وَقِيلَ: اللَّهُ خَيْرٌ لَنَا إِنْ أَطَعْنَاهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا مِنْكَ إِنْ عَصَيْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [٢٠: ٧٤] قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ لَمَّا آمَنُوا. وَقِيلَ: ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ. وَيَجُوزُ إِنَّ من يأت، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جآذرا وظباء [[البيت للأخطل وهو نصراني.]]
أَرَادَ إِنَّهُ مَنْ يَدْخُلْ، أَيْ إِنَّ الْأَمْرَ هذا، وهو أَنَّ الْمُجْرِمَ يَدْخُلُ النَّارَ، وَالْمُؤْمِنَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَالْمُجْرِمُ الْكَافِرُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْتَرِفُ الْمَعَاصِيَ وَيَكْتَسِبُهَا. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [٢٠: ٧٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ- عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ) [[راجع ج ٥ ص ٢٥٣.]] وَغَيْرِهَا- فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ وَلَا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ... شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ
وَقِيلَ: نَفْسُ الكافر معلقة في حنجرته أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ بِفِرَاقِهَا، ولا يحيا باستقرارها. وَمَعْنَى.
(مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [٢٠: ٧٤] مَنْ يَأْتِ موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) [٢٠: ٧٥] أَيْ يَمُتْ عَلَيْهِ وَيُوَافِيهِ مصدقا به.
(قَدْ عَمِلَ) أَيْ وَقَدْ عَمِلَ "الصَّالِحاتِ" أَيِ الطَّاعَاتِ وَمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ.
(فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) [٢٠: ٧٥] أَيِ الرَّفِيعَةُ الَّتِي قَصُرَتْ دُونَهَا الصِّفَاتُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [٢٠: ٧٥]" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْرِمِ الْمُشْرِكُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَيَانٌ لِلدَّرَجَاتِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٦.]] بَيَانُهُ.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أَيْ مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَسُرُرِهَا (الْأَنْهارُ) مِنَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(خالِدِينَ فِيها) أَيْ مَاكِثِينَ دَائِمِينَ.
(وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [٢٠: ٧٦] أَيْ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ قَوْلِ السَّحَرَةِ قَالَ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ سَمِعُوهُ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ بِمِصْرَ أَقْوَامٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلْهَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنْطَقَهُمْ بذلك لما آمنوا، والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ [٢٠: ٧٧] تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى.
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) [٢٠: ٧٧] أَيْ يَابِسًا لَا طِينَ فِيهِ ولا ماء. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٨٩ فما بعد.]] ضَرْبُ مُوسَى الْبَحْرَ وَكُنْيَتُهُ إِيَّاهُ وَإِغْرَاقُ فِرْعَوْنَ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
(لَا تَخافُ دَرَكاً) [٢٠: ٧٧] أَيْ لِحَاقًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. "وَلَا تَخْشَى" قَالَ ابن جريج قال أصحاب موسى [له [[من ب وج وز وط وك وى.]]]: هَذَا فِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَنَا، وَهَذَا الْبَحْرُ قَدْ غَشِيَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "أَيْ لَا تَخَافُ دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَا تَخْشَى غَرَقًا مِنَ الْبَحْرِ أَنْ يَمَسَّكَ إِنْ غَشِيَكَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ" لَا تَخَفْ "عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ. التَّقْدِيرُ إِنْ تَضْرِبْ لهم طريقا في البحر لا تخف. و" لا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُسْتَأْنَفٌ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَا أَنْتَ تَخْشَى. أَوْ يَكُونُ مَجْزُومًا وَالْأَلِفُ مُشَبَّعَةٌ مِنْ فَتْحَةٍ، كقوله:﴿ فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[[راجع ج ١٤ ص ٢٤٩.]] [الأحزاب: ٦٧] أو يكون على حد قول الشاعر: [[هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت:
وتضحك مني شيخة عبشمية]]
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْحَرَكَةِ كَمَا تُحْذَفُ حَرَكَةُ الصَّحِيحِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ. وَقَالَ آخَرُ:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تهجو ولم تدع
وَقَالَ آخَرُ [[البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي.]]:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ أَنْ يُحْمَلَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الشُّذُوذِ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ الشِّعْرِ لَا يُشْبِهُ مِنَ الْآيَةِ شَيْئًا، لِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَاوَ مُخَالِفَتَانِ لِلْأَلِفِ، لِأَنَّهُمَا تَتَحَرَّكَانِ وَالْأَلِفُ لَا تَتَحَرَّكُ، وَلِلشَّاعِرِ إِذَا اضْطُرَّ أَنْ يُقَدِّرَهُمَا مُتَحَرِّكَتَيْنِ ثُمَّ تُحْذَفُ الْحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي الْأَلِفِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَبْيَنُ لِأَنَّ بَعْدَهُ" وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِلَا جَزْمٍ، وَفِيهَا ثَلَاثُ تَقْدِيرَاتٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَكُونَ" لَا تَخافُ [٢٠: ٧٧]" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُخَاطَبِ، التَّقْدِيرُ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا غَيْرَ خَائِفٍ وَلَا خَاشٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى يَبَسٍ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَا تَخَافُ فِيهِ، فَحَذَفَ الرَّاجِعَ مِنَ الصِّفَةِ. وَالثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خَبَرَ ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [٢٠: ٧٨] أَيِ اتَّبَعَهُمْ ومعه جنوده، وقرى "فَاتَّبَعَهُمْ" بِالتَّشْدِيدِ فَتَكُونُ الْبَاءُ فِي" بِجُنُودِهِ [٢٠: ٧٨] "عَدَّتِ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ اتَّبَعَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ أَيْ تَبِعَهُمْ لِيَلْحَقَهُمْ بِجُنُودِهِ أَيْ مَعَ جُنُودِهِ كَمَا يُقَالُ: رَكِبَ الْأَمِيرُ بِسَيْفِهِ أَيْ مَعَ سَيْفِهِ. وَمَنْ قَطَعَ" فَأَتْبَعَ "يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ: فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: تَبِعَهُ وَأَتْبَعَهُ وَلَحِقَهُ وَأَلْحَقَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ:" بِجُنُودِهِ" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَتْبَعَهُمْ سَائِقًا جُنُودَهُ.
(فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [٢٠: ٧٨] أَيْ أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَا غَرَّقَهُمْ، وَكَرَّرَ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَمْرِ.
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [٢٠: ٧٩] أَيْ أَضَلَّهُمْ عَنِ الرُّشْدِ وَمَا هَدَاهُمْ إِلَى خَيْرٍ وَلَا نَجَاةٍ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَفُوتُونَهُ، لِأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْبَحْرَ. فَلَمَّا ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ انْفَلَقَ مِنْهُ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا وَبَيْنَ الطُّرُقِ الْمَاءُ قَائِمًا كَالْجِبَالِ. وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: "فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" [[راجع ج ١٣ ص ١٠٠ فما بعد.]] أَيِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ طَرِيقًا. وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَطْوَادِ الْمَاءِ أَنْ تَشَبَّكِي فَصَارَتْ شَبَكَاتٍ يَرَى بَعْضُهُمْ بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرِ الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ وَرَأَى الطُّرُقَ فِي الْبَحْرِ وَالْمَاءَ قَائِمًا أَوْهَمَهُمْ أَنَّ الْبَحْرَ فَعَلَ هَذَا لِهَيْبَتِهِ، فَدَخَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ:" وَما هَدى [٢٠: ٧٩] "تَأْكِيدٌ لِإِضْلَالِهِ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ:" مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [٤٠: ٢٩]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٥ فما بعد.]] [غافر: ٢٩] فَكَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ" وَما هَدى [٢٠: ٧٩]" أَيْ مَا هَدَى نَفْسَهُ بَلْ أَهْلَكَ نفسه وقومه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ [٢٠: ٧٧] تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى.
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) [٢٠: ٧٧] أَيْ يَابِسًا لَا طِينَ فِيهِ ولا ماء. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٨٩ فما بعد.]] ضَرْبُ مُوسَى الْبَحْرَ وَكُنْيَتُهُ إِيَّاهُ وَإِغْرَاقُ فِرْعَوْنَ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
(لَا تَخافُ دَرَكاً) [٢٠: ٧٧] أَيْ لِحَاقًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. "وَلَا تَخْشَى" قَالَ ابن جريج قال أصحاب موسى [له [[من ب وج وز وط وك وى.]]]: هَذَا فِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَنَا، وَهَذَا الْبَحْرُ قَدْ غَشِيَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "أَيْ لَا تَخَافُ دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَا تَخْشَى غَرَقًا مِنَ الْبَحْرِ أَنْ يَمَسَّكَ إِنْ غَشِيَكَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ" لَا تَخَفْ "عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ. التَّقْدِيرُ إِنْ تَضْرِبْ لهم طريقا في البحر لا تخف. و" لا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُسْتَأْنَفٌ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَا أَنْتَ تَخْشَى. أَوْ يَكُونُ مَجْزُومًا وَالْأَلِفُ مُشَبَّعَةٌ مِنْ فَتْحَةٍ، كقوله:﴿ فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[[راجع ج ١٤ ص ٢٤٩.]] [الأحزاب: ٦٧] أو يكون على حد قول الشاعر: [[هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت:
وتضحك مني شيخة عبشمية]]
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْحَرَكَةِ كَمَا تُحْذَفُ حَرَكَةُ الصَّحِيحِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ. وَقَالَ آخَرُ:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تهجو ولم تدع
وَقَالَ آخَرُ [[البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي.]]:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ أَنْ يُحْمَلَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الشُّذُوذِ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ الشِّعْرِ لَا يُشْبِهُ مِنَ الْآيَةِ شَيْئًا، لِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَاوَ مُخَالِفَتَانِ لِلْأَلِفِ، لِأَنَّهُمَا تَتَحَرَّكَانِ وَالْأَلِفُ لَا تَتَحَرَّكُ، وَلِلشَّاعِرِ إِذَا اضْطُرَّ أَنْ يُقَدِّرَهُمَا مُتَحَرِّكَتَيْنِ ثُمَّ تُحْذَفُ الْحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي الْأَلِفِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَبْيَنُ لِأَنَّ بَعْدَهُ" وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِلَا جَزْمٍ، وَفِيهَا ثَلَاثُ تَقْدِيرَاتٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَكُونَ" لَا تَخافُ [٢٠: ٧٧]" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُخَاطَبِ، التَّقْدِيرُ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا غَيْرَ خَائِفٍ وَلَا خَاشٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى يَبَسٍ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَا تَخَافُ فِيهِ، فَحَذَفَ الرَّاجِعَ مِنَ الصِّفَةِ. وَالثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خَبَرَ ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [٢٠: ٧٨] أَيِ اتَّبَعَهُمْ ومعه جنوده، وقرى "فَاتَّبَعَهُمْ" بِالتَّشْدِيدِ فَتَكُونُ الْبَاءُ فِي" بِجُنُودِهِ [٢٠: ٧٨] "عَدَّتِ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ اتَّبَعَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ أَيْ تَبِعَهُمْ لِيَلْحَقَهُمْ بِجُنُودِهِ أَيْ مَعَ جُنُودِهِ كَمَا يُقَالُ: رَكِبَ الْأَمِيرُ بِسَيْفِهِ أَيْ مَعَ سَيْفِهِ. وَمَنْ قَطَعَ" فَأَتْبَعَ "يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ: فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: تَبِعَهُ وَأَتْبَعَهُ وَلَحِقَهُ وَأَلْحَقَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ:" بِجُنُودِهِ" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَتْبَعَهُمْ سَائِقًا جُنُودَهُ.
(فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [٢٠: ٧٨] أَيْ أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَا غَرَّقَهُمْ، وَكَرَّرَ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَمْرِ.
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [٢٠: ٧٩] أَيْ أَضَلَّهُمْ عَنِ الرُّشْدِ وَمَا هَدَاهُمْ إِلَى خَيْرٍ وَلَا نَجَاةٍ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَفُوتُونَهُ، لِأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْبَحْرَ. فَلَمَّا ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ انْفَلَقَ مِنْهُ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا وَبَيْنَ الطُّرُقِ الْمَاءُ قَائِمًا كَالْجِبَالِ. وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: "فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" [[راجع ج ١٣ ص ١٠٠ فما بعد.]] أَيِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ طَرِيقًا. وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَطْوَادِ الْمَاءِ أَنْ تَشَبَّكِي فَصَارَتْ شَبَكَاتٍ يَرَى بَعْضُهُمْ بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرِ الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ وَرَأَى الطُّرُقَ فِي الْبَحْرِ وَالْمَاءَ قَائِمًا أَوْهَمَهُمْ أَنَّ الْبَحْرَ فَعَلَ هَذَا لِهَيْبَتِهِ، فَدَخَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ:" وَما هَدى [٢٠: ٧٩] "تَأْكِيدٌ لِإِضْلَالِهِ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ:" مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [٤٠: ٢٩]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٥ فما بعد.]] [غافر: ٢٩] فَكَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ" وَما هَدى [٢٠: ٧٩]" أَيْ مَا هَدَى نَفْسَهُ بَلْ أَهْلَكَ نفسه وقومه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ [٢٠: ٧٧] تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى.
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) [٢٠: ٧٧] أَيْ يَابِسًا لَا طِينَ فِيهِ ولا ماء. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٨٩ فما بعد.]] ضَرْبُ مُوسَى الْبَحْرَ وَكُنْيَتُهُ إِيَّاهُ وَإِغْرَاقُ فِرْعَوْنَ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
(لَا تَخافُ دَرَكاً) [٢٠: ٧٧] أَيْ لِحَاقًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. "وَلَا تَخْشَى" قَالَ ابن جريج قال أصحاب موسى [له [[من ب وج وز وط وك وى.]]]: هَذَا فِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَنَا، وَهَذَا الْبَحْرُ قَدْ غَشِيَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "أَيْ لَا تَخَافُ دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَا تَخْشَى غَرَقًا مِنَ الْبَحْرِ أَنْ يَمَسَّكَ إِنْ غَشِيَكَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ" لَا تَخَفْ "عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ. التَّقْدِيرُ إِنْ تَضْرِبْ لهم طريقا في البحر لا تخف. و" لا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُسْتَأْنَفٌ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَا أَنْتَ تَخْشَى. أَوْ يَكُونُ مَجْزُومًا وَالْأَلِفُ مُشَبَّعَةٌ مِنْ فَتْحَةٍ، كقوله:﴿ فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[[راجع ج ١٤ ص ٢٤٩.]] [الأحزاب: ٦٧] أو يكون على حد قول الشاعر: [[هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت:
وتضحك مني شيخة عبشمية]]
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْحَرَكَةِ كَمَا تُحْذَفُ حَرَكَةُ الصَّحِيحِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ. وَقَالَ آخَرُ:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تهجو ولم تدع
وَقَالَ آخَرُ [[البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي.]]:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ أَنْ يُحْمَلَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الشُّذُوذِ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ الشِّعْرِ لَا يُشْبِهُ مِنَ الْآيَةِ شَيْئًا، لِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَاوَ مُخَالِفَتَانِ لِلْأَلِفِ، لِأَنَّهُمَا تَتَحَرَّكَانِ وَالْأَلِفُ لَا تَتَحَرَّكُ، وَلِلشَّاعِرِ إِذَا اضْطُرَّ أَنْ يُقَدِّرَهُمَا مُتَحَرِّكَتَيْنِ ثُمَّ تُحْذَفُ الْحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي الْأَلِفِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَبْيَنُ لِأَنَّ بَعْدَهُ" وَلا تَخْشى [٢٠: ٧٧] "مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِلَا جَزْمٍ، وَفِيهَا ثَلَاثُ تَقْدِيرَاتٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَكُونَ" لَا تَخافُ [٢٠: ٧٧]" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُخَاطَبِ، التَّقْدِيرُ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا غَيْرَ خَائِفٍ وَلَا خَاشٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى يَبَسٍ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَا تَخَافُ فِيهِ، فَحَذَفَ الرَّاجِعَ مِنَ الصِّفَةِ. وَالثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خَبَرَ ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [٢٠: ٧٨] أَيِ اتَّبَعَهُمْ ومعه جنوده، وقرى "فَاتَّبَعَهُمْ" بِالتَّشْدِيدِ فَتَكُونُ الْبَاءُ فِي" بِجُنُودِهِ [٢٠: ٧٨] "عَدَّتِ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ اتَّبَعَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ أَيْ تَبِعَهُمْ لِيَلْحَقَهُمْ بِجُنُودِهِ أَيْ مَعَ جُنُودِهِ كَمَا يُقَالُ: رَكِبَ الْأَمِيرُ بِسَيْفِهِ أَيْ مَعَ سَيْفِهِ. وَمَنْ قَطَعَ" فَأَتْبَعَ "يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ: فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: تَبِعَهُ وَأَتْبَعَهُ وَلَحِقَهُ وَأَلْحَقَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ:" بِجُنُودِهِ" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَتْبَعَهُمْ سَائِقًا جُنُودَهُ.
(فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [٢٠: ٧٨] أَيْ أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَا غَرَّقَهُمْ، وَكَرَّرَ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَمْرِ.
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [٢٠: ٧٩] أَيْ أَضَلَّهُمْ عَنِ الرُّشْدِ وَمَا هَدَاهُمْ إِلَى خَيْرٍ وَلَا نَجَاةٍ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَفُوتُونَهُ، لِأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْبَحْرَ. فَلَمَّا ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ انْفَلَقَ مِنْهُ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا وَبَيْنَ الطُّرُقِ الْمَاءُ قَائِمًا كَالْجِبَالِ. وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: "فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" [[راجع ج ١٣ ص ١٠٠ فما بعد.]] أَيِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ طَرِيقًا. وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَطْوَادِ الْمَاءِ أَنْ تَشَبَّكِي فَصَارَتْ شَبَكَاتٍ يَرَى بَعْضُهُمْ بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرِ الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ وَرَأَى الطُّرُقَ فِي الْبَحْرِ وَالْمَاءَ قَائِمًا أَوْهَمَهُمْ أَنَّ الْبَحْرَ فَعَلَ هَذَا لِهَيْبَتِهِ، فَدَخَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ:" وَما هَدى [٢٠: ٧٩] "تَأْكِيدٌ لِإِضْلَالِهِ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ:" مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [٤٠: ٢٩]" [[راجع ج ١٥ ص ٣٠٥ فما بعد.]] [غافر: ٢٩] فَكَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ" وَما هَدى [٢٠: ٧٩]" أَيْ مَا هَدَى نَفْسَهُ بَلْ أَهْلَكَ نفسه وقومه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [٢٠: ٨٠] لَمَّا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ قَالَ لهم هذا ليشكروه.
(وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [٢٠: ٨٠] "جانِبَ" نُصِبَ عَلَى المفعول الثاني ل "واعدنا" وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، لِأَنَّهُ ظرف مكان محض غَيْرُ مُبْهَمٍ. وَإِنَّمَا تَتَعَدَّى الْأَفْعَالُ وَالْمَصَادِرُ إِلَى ظُرُوفِ الْمَكَانِ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ إِذَا كَانَتْ مُبْهَمَةً. قَالَ مَكِّيٌّ: هَذَا أَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ. وَوَاعَدْنَاكُمْ إِتْيَانَ جَانِبِ الطُّورِ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَيْ أَمَرْنَا مُوسَى أَنْ يَأْمُرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ لِيُكَلِّمَهُ بِحَضْرَتِكُمْ فَتَسْمَعُوا الْكَلَامَ. وَقِيلَ: وَعَدَ مُوسَى بَعْدَ إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَأْتِيَ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ فَيُؤْتِيهِ التَّوْرَاةَ، فَالْوَعْدُ كَانَ لِمُوسَى وَلَكِنْ خُوطِبُوا بِهِ لِأَنَّ الْوَعْدَ كَانَ لِأَجْلِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو "وَوَعَدْنَاكُمْ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِأَنَّ الْوَعْدَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى خَاصَّةً، وَالْمُوَاعَدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٩٤ وص ٤٠٦.]] هذا المعنى. و "الْأَيْمَنَ" نُصِبَ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْجَانِبِ وَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وَلَا شِمَالٌ، فَإِذَا قِيلَ: خُذْ عَنْ يَمِينِ الْجَبَلِ فَمَعْنَاهُ خُذْ عَلَى يَمِينِكَ مِنَ الْجَبَلِ. وَكَانَ الْجَبَلُ عَلَى يَمِينِ مُوسَى إِذْ أَتَاهُ.
(وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) [٢٠: ٨٠] أَيْ فِي التِّيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [[من ب وط وى.]].
(كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ) أَيْ مِنْ لَذِيذِ الرِّزْقِ. وَقِيلَ: مِنْ حَلَالِهِ إِذْ لَا صُنْعَ فِيهِ لِآدَمِيٍّ فتدخله شبهة.
(وَلا تَطْغَوْا) أَيْ لَا تَحْمِلَنَّكُمُ السَّعَةُ وَالْعَافِيَةُ أَنْ تَعْصُوا، لِأَنَّ الطُّغْيَانَ التَّجَاوُزُ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ لَا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ وَلَا تنسوا [شكر النعم ولا شُكْرَ [[من ب وط وى.]]] الْمُنْعِمِ بِهَا عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ وَلَا تَسْتَبْدِلُوا بِهَا شَيْئًا آخَرَ كَمَا قَالَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾[[من ب وط وى.]] [البقرة: ٦١] وَقِيلَ: لَا تَدَّخِرُوا مِنْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَيَتَدَوَّدَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّخَرُوهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَدَوَّدَ طَعَامٌ أَبَدًا.
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [٢٠: ٨١] أَيْ يَجِبَ وَيَنْزِلَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفَاءِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ مِنْ قَوْلِهِ: "وَلا تَطْغَوْا".
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) [٢٠: ٨١] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ والكسائي:" فَيَحِلَّ [٢٠: ٨١]" بضم الحاء (وَمَنْ يَحْلِلْ) [٢٠: ٨١] بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى. وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ وهما لغتان. وحكى أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُقَالُ حَلَّ يَحِلُّ إِذَا وَجَبَ وَحَلَّ يَحُلُّ إِذَا نَزَلَ. وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ: الضَّمُّ مِنَ الْحُلُولِ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْكَسْرُ مِنَ الْوُجُوبِ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ إِلَّا أَنَّ الْكَسْرَ أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٣.]] [هود: ٣٩]. وَغَضَبُ اللَّهِ عِقَابُهُ وَنِقْمَتُهُ وَعَذَابُهُ." فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١]" قَالَ الزَّجَّاجُ: فَقَدْ هَلَكَ، أَيْ صَارَ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَهِيَ قَعْرُ النَّارِ، مِنْ هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا أَيْ سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهَوَى فُلَانٌ أَيْ مَاتَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا ثَعْلَبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ [[بالتصغير بن ماتع (بالتاء المثناة الفوقية) الأصبحي.]] قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعَى صَعُودًا يَطْلُعُ فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَرْقَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾[[راجع ج ١٩ ص ٧٢.]] [المدثر: ١٧] وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ هَوَى يُرْمَى الْكَافِرُ مِنْ أَعْلَاهُ فَيَهْوِي أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَصْلَهُ [[في ك: قعره.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١] "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [٢٠: ٨٢] أَيْ مِنَ الشِّرْكِ.
(وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) [٢٠: ٨٢] أَيْ أَقَامَ عَلَى إِيمَانِهِ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَمْ يُشَكَّ فِي إِيمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَقَامَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَذَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ذكره الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: أَصَابَ الْعَمَلَ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَهْتَدِيَ كَيْفَ يَفْعَلُ، ذَكَرَ الْأَوَّلَ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: عَلِمَ أَنَّ لِذَلِكَ ثَوَابًا وَعَلَيْهِ عِقَابًا، وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَوْلٌ ثَامِنٌ:" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢] "فِي وِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ سَائِرُهَا. قَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [٢٠: ٨٢] "أَيْ مِنَ الشِّرْكِ" وَآمَنَ ١١٠ "أَيْ بَعْدَ الشِّرْكِ" وَعَمِلَ صالِحاً "صَلَّى وَصَامَ" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢]" مات على ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [٢٠: ٨٠] لَمَّا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ قَالَ لهم هذا ليشكروه.
(وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [٢٠: ٨٠] "جانِبَ" نُصِبَ عَلَى المفعول الثاني ل "واعدنا" وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، لِأَنَّهُ ظرف مكان محض غَيْرُ مُبْهَمٍ. وَإِنَّمَا تَتَعَدَّى الْأَفْعَالُ وَالْمَصَادِرُ إِلَى ظُرُوفِ الْمَكَانِ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ إِذَا كَانَتْ مُبْهَمَةً. قَالَ مَكِّيٌّ: هَذَا أَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ. وَوَاعَدْنَاكُمْ إِتْيَانَ جَانِبِ الطُّورِ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَيْ أَمَرْنَا مُوسَى أَنْ يَأْمُرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ لِيُكَلِّمَهُ بِحَضْرَتِكُمْ فَتَسْمَعُوا الْكَلَامَ. وَقِيلَ: وَعَدَ مُوسَى بَعْدَ إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَأْتِيَ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ فَيُؤْتِيهِ التَّوْرَاةَ، فَالْوَعْدُ كَانَ لِمُوسَى وَلَكِنْ خُوطِبُوا بِهِ لِأَنَّ الْوَعْدَ كَانَ لِأَجْلِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو "وَوَعَدْنَاكُمْ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِأَنَّ الْوَعْدَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى خَاصَّةً، وَالْمُوَاعَدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٩٤ وص ٤٠٦.]] هذا المعنى. و "الْأَيْمَنَ" نُصِبَ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْجَانِبِ وَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وَلَا شِمَالٌ، فَإِذَا قِيلَ: خُذْ عَنْ يَمِينِ الْجَبَلِ فَمَعْنَاهُ خُذْ عَلَى يَمِينِكَ مِنَ الْجَبَلِ. وَكَانَ الْجَبَلُ عَلَى يَمِينِ مُوسَى إِذْ أَتَاهُ.
(وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) [٢٠: ٨٠] أَيْ فِي التِّيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [[من ب وط وى.]].
(كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ) أَيْ مِنْ لَذِيذِ الرِّزْقِ. وَقِيلَ: مِنْ حَلَالِهِ إِذْ لَا صُنْعَ فِيهِ لِآدَمِيٍّ فتدخله شبهة.
(وَلا تَطْغَوْا) أَيْ لَا تَحْمِلَنَّكُمُ السَّعَةُ وَالْعَافِيَةُ أَنْ تَعْصُوا، لِأَنَّ الطُّغْيَانَ التَّجَاوُزُ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ لَا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ وَلَا تنسوا [شكر النعم ولا شُكْرَ [[من ب وط وى.]]] الْمُنْعِمِ بِهَا عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ وَلَا تَسْتَبْدِلُوا بِهَا شَيْئًا آخَرَ كَمَا قَالَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾[[من ب وط وى.]] [البقرة: ٦١] وَقِيلَ: لَا تَدَّخِرُوا مِنْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَيَتَدَوَّدَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّخَرُوهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَدَوَّدَ طَعَامٌ أَبَدًا.
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [٢٠: ٨١] أَيْ يَجِبَ وَيَنْزِلَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفَاءِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ مِنْ قَوْلِهِ: "وَلا تَطْغَوْا".
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) [٢٠: ٨١] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ والكسائي:" فَيَحِلَّ [٢٠: ٨١]" بضم الحاء (وَمَنْ يَحْلِلْ) [٢٠: ٨١] بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى. وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ وهما لغتان. وحكى أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُقَالُ حَلَّ يَحِلُّ إِذَا وَجَبَ وَحَلَّ يَحُلُّ إِذَا نَزَلَ. وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ: الضَّمُّ مِنَ الْحُلُولِ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْكَسْرُ مِنَ الْوُجُوبِ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ إِلَّا أَنَّ الْكَسْرَ أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٣.]] [هود: ٣٩]. وَغَضَبُ اللَّهِ عِقَابُهُ وَنِقْمَتُهُ وَعَذَابُهُ." فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١]" قَالَ الزَّجَّاجُ: فَقَدْ هَلَكَ، أَيْ صَارَ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَهِيَ قَعْرُ النَّارِ، مِنْ هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا أَيْ سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهَوَى فُلَانٌ أَيْ مَاتَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا ثَعْلَبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ [[بالتصغير بن ماتع (بالتاء المثناة الفوقية) الأصبحي.]] قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعَى صَعُودًا يَطْلُعُ فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَرْقَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾[[راجع ج ١٩ ص ٧٢.]] [المدثر: ١٧] وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ هَوَى يُرْمَى الْكَافِرُ مِنْ أَعْلَاهُ فَيَهْوِي أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَصْلَهُ [[في ك: قعره.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١] "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [٢٠: ٨٢] أَيْ مِنَ الشِّرْكِ.
(وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) [٢٠: ٨٢] أَيْ أَقَامَ عَلَى إِيمَانِهِ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَمْ يُشَكَّ فِي إِيمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَقَامَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَذَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ذكره الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: أَصَابَ الْعَمَلَ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَهْتَدِيَ كَيْفَ يَفْعَلُ، ذَكَرَ الْأَوَّلَ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: عَلِمَ أَنَّ لِذَلِكَ ثَوَابًا وَعَلَيْهِ عِقَابًا، وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَوْلٌ ثَامِنٌ:" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢] "فِي وِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ سَائِرُهَا. قَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [٢٠: ٨٢] "أَيْ مِنَ الشِّرْكِ" وَآمَنَ ١١٠ "أَيْ بَعْدَ الشِّرْكِ" وَعَمِلَ صالِحاً "صَلَّى وَصَامَ" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢]" مات على ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [٢٠: ٨٠] لَمَّا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ قَالَ لهم هذا ليشكروه.
(وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [٢٠: ٨٠] "جانِبَ" نُصِبَ عَلَى المفعول الثاني ل "واعدنا" وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، لِأَنَّهُ ظرف مكان محض غَيْرُ مُبْهَمٍ. وَإِنَّمَا تَتَعَدَّى الْأَفْعَالُ وَالْمَصَادِرُ إِلَى ظُرُوفِ الْمَكَانِ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ إِذَا كَانَتْ مُبْهَمَةً. قَالَ مَكِّيٌّ: هَذَا أَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ. وَوَاعَدْنَاكُمْ إِتْيَانَ جَانِبِ الطُّورِ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَيْ أَمَرْنَا مُوسَى أَنْ يَأْمُرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ لِيُكَلِّمَهُ بِحَضْرَتِكُمْ فَتَسْمَعُوا الْكَلَامَ. وَقِيلَ: وَعَدَ مُوسَى بَعْدَ إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَأْتِيَ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ فَيُؤْتِيهِ التَّوْرَاةَ، فَالْوَعْدُ كَانَ لِمُوسَى وَلَكِنْ خُوطِبُوا بِهِ لِأَنَّ الْوَعْدَ كَانَ لِأَجْلِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو "وَوَعَدْنَاكُمْ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِأَنَّ الْوَعْدَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى خَاصَّةً، وَالْمُوَاعَدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ. وقد مضى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٣٩٤ وص ٤٠٦.]] هذا المعنى. و "الْأَيْمَنَ" نُصِبَ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْجَانِبِ وَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وَلَا شِمَالٌ، فَإِذَا قِيلَ: خُذْ عَنْ يَمِينِ الْجَبَلِ فَمَعْنَاهُ خُذْ عَلَى يَمِينِكَ مِنَ الْجَبَلِ. وَكَانَ الْجَبَلُ عَلَى يَمِينِ مُوسَى إِذْ أَتَاهُ.
(وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) [٢٠: ٨٠] أَيْ فِي التِّيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ [[من ب وط وى.]].
(كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ) أَيْ مِنْ لَذِيذِ الرِّزْقِ. وَقِيلَ: مِنْ حَلَالِهِ إِذْ لَا صُنْعَ فِيهِ لِآدَمِيٍّ فتدخله شبهة.
(وَلا تَطْغَوْا) أَيْ لَا تَحْمِلَنَّكُمُ السَّعَةُ وَالْعَافِيَةُ أَنْ تَعْصُوا، لِأَنَّ الطُّغْيَانَ التَّجَاوُزُ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ لَا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ وَلَا تنسوا [شكر النعم ولا شُكْرَ [[من ب وط وى.]]] الْمُنْعِمِ بِهَا عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ وَلَا تَسْتَبْدِلُوا بِهَا شَيْئًا آخَرَ كَمَا قَالَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾[[من ب وط وى.]] [البقرة: ٦١] وَقِيلَ: لَا تَدَّخِرُوا مِنْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَيَتَدَوَّدَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّخَرُوهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَدَوَّدَ طَعَامٌ أَبَدًا.
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [٢٠: ٨١] أَيْ يَجِبَ وَيَنْزِلَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفَاءِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ مِنْ قَوْلِهِ: "وَلا تَطْغَوْا".
(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) [٢٠: ٨١] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ والكسائي:" فَيَحِلَّ [٢٠: ٨١]" بضم الحاء (وَمَنْ يَحْلِلْ) [٢٠: ٨١] بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى. وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ وهما لغتان. وحكى أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُقَالُ حَلَّ يَحِلُّ إِذَا وَجَبَ وَحَلَّ يَحُلُّ إِذَا نَزَلَ. وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ: الضَّمُّ مِنَ الْحُلُولِ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْكَسْرُ مِنَ الْوُجُوبِ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ إِلَّا أَنَّ الْكَسْرَ أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٣.]] [هود: ٣٩]. وَغَضَبُ اللَّهِ عِقَابُهُ وَنِقْمَتُهُ وَعَذَابُهُ." فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١]" قَالَ الزَّجَّاجُ: فَقَدْ هَلَكَ، أَيْ صَارَ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَهِيَ قَعْرُ النَّارِ، مِنْ هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا أَيْ سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهَوَى فُلَانٌ أَيْ مَاتَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا ثَعْلَبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ [[بالتصغير بن ماتع (بالتاء المثناة الفوقية) الأصبحي.]] قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعَى صَعُودًا يَطْلُعُ فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَرْقَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾[[راجع ج ١٩ ص ٧٢.]] [المدثر: ١٧] وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ هَوَى يُرْمَى الْكَافِرُ مِنْ أَعْلَاهُ فَيَهْوِي أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَصْلَهُ [[في ك: قعره.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [٢٠: ٨١] "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [٢٠: ٨٢] أَيْ مِنَ الشِّرْكِ.
(وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) [٢٠: ٨٢] أَيْ أَقَامَ عَلَى إِيمَانِهِ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَمْ يُشَكَّ فِي إِيمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَقَامَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَذَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ذكره الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: أَصَابَ الْعَمَلَ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَهْتَدِيَ كَيْفَ يَفْعَلُ، ذَكَرَ الْأَوَّلَ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: عَلِمَ أَنَّ لِذَلِكَ ثَوَابًا وَعَلَيْهِ عِقَابًا، وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَوْلٌ ثَامِنٌ:" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢] "فِي وِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ سَائِرُهَا. قَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [٢٠: ٨٢] "أَيْ مِنَ الشِّرْكِ" وَآمَنَ ١١٠ "أَيْ بَعْدَ الشِّرْكِ" وَعَمِلَ صالِحاً "صَلَّى وَصَامَ" ثُمَّ اهْتَدى [٢٠: ٨٢]" مات على ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [٢٠: ٨٣] أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْبِقَهُمْ. قِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَى هَذَا قيل: استخلف هرون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمِيقَاتِ. فَقَوْلُهُ: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [٢٠: ٨٤] لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ خَلْفَهُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَ عَوْدِي إِلَيْهِمْ. وقيل: لا بل كان أمر هرون بِأَنْ يَتَّبِعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَثَرَهُ وَيَلْتَحِقُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ، وَكَانَ مُوسَى لَمَّا قَرُبَ مِنَ الطُّورِ سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل [[من ى. وفي ك: تعالى.]]] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بِالْوَعْدِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَطَالَتْ عَلَيْهِ الْمَسَافَةُ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَضَاقَ به الامر حتى شَقَّ قَمِيصَهُ، ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى خَلَّفَهُمْ وَمَضَى وَحْدَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ فِي مَقَامِهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى [٢٠: ٨٣]" فَبَقِيَ ﷺ متحيرا عن الجواب [لهذه [[من اوب وج وز وط وك وى.]] الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عَنِ الْجَوَابِ] وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَإِنَّمَا سَأَلَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَعْجَلَهُ بِقَوْلِهِ" مَا" فَأَخْبَرَ عَنْ مَجِيئِهِمْ بِالْأَثَرِ. ثُمَّ قَالَ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [٢٠: ٨٤] فَكَنَّى عَنْ ذِكْرِ الشَّوْقِ وَصِدْقِهِ [[في ب وج وك وى: وصرفه.]] إِلَى ابْتِغَاءِ الرِّضَا. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤] "قَالَ: شَوْقًا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذَا آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا تَقُولُ: هَاتُوا الْمَجِيدَ. فَتُؤْتَى بِالْمُصْحَفِ فَتَأْخُذُهُ فِي صَدْرِهَا وَتَنَامُ مَعَهُ تَتَسَلَّى بِذَلِكَ، رواه سفيان عن معسر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ خَلَعَ ثِيَابَهُ وَتَجَرَّدَ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ وَيَقُولَ:" إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّي "فَهَذَا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّوْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ:" طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إلى لقائهم أشوق". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ اللَّهُ عَالِمًا وَلَكِنْ قَالَ:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ [٢٠: ٨٣]" رَحْمَةً لِمُوسَى، وَإِكْرَامًا لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَرِقَّةً [[المراد بالرقة هنا التعطف.]] عَلَيْهِ، فَقَالَ مُجِيبًا لِرَبِّهِ:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤]". قَالَ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ عِيسَى: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "هُمْ أُولَى" مَقْصُورَةً مُرْسَلَةً، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يقولون "أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٢٠: ٨٤] "وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَنَّ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُضَافُ فَيَكُونُ مِثْلَ هُدَايَ. وَلَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُبْهَمًا فَإِضَافَتُهُ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَلَا يُضَافُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" عَلَى إِثْرِي "بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَثَرٍ، لُغَتَانِ." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [٢٠: ٨٤]" أي عَجِلْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ لِتَرْضَى عَنِّي. يُقَالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وَعُجُلٌ وَعَجُولٌ وَعَجْلَانُ بَيِّنُ الْعَجَلَةِ، وَالْعَجَلَةُ خِلَافُ الْبُطْءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [٢٠: ٨٥] أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ بِأَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [٢٠: ٨٥] أَيْ دَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ أَوْ هُوَ سَبَبُهَا. وَقِيلَ: فَتَنَّاهُمْ أَلْقَيْنَاهُمْ فِي الْفِتْنَةِ: أَيْ زَيَّنَّا لَهُمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٩٤ فما بعد.]] [الأعراف: ١٥٥]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ [[أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.]]، فَوَقَعَ بِأَرْضِ مِصْرَ فَدَخَلَ فِي دِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظَاهِرِهِ، وَفِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ. وقيل: كان رجلا مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ جَارًا لِمُوسَى آمَنَ بِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ. وَقِيلَ: كَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسَّامِرَةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالشَّامِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ [٢٠: ٨٦] حَالٌ وَقَدْ مَضَى فِي (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص ٢٨٦ فما بعد.]] بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى.
(قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [٢٠: ٨٦] وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ كَلَامَهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ. وَقِيلَ: وَعْدُهُ قَوْلُهُ:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [٢٠: ٨٢]" الْآيَةَ.
(أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [٢٠: ٨٦] أَيْ أَفَنَسِيتُمْ، كَمَا قِيلَ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْدِ.
(أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [٢٠: ٨٦] "يَحِلَّ" أَيْ يَجِبُ وَيَنْزِلُ. وَالْغَضَبُ الْعُقُوبَةُ وَالنِّقْمَةُ. وَالْمَعْنَى: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُونُ سَبَبَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِكُمْ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُبُ غَضَبَ اللَّهِ [[في ب وج وز وط وك: غضب الرب.]]، بَلْ قَدْ يَرْتَكِبُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) [٢٠: ٨٦] لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ. وَقِيلَ: وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَرِهِ لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا.
(قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) [٢٠: ٨٧] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَمَعْنَاهُ بِطَاقَتِنَا. ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ نَمْلِكْ أَنْفُسَنَا أَيْ كُنَّا مُضْطَرِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ" بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧] "بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ. وَهُوَ مَصْدَرٌ مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مِلْكًا. وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِمِلْكِنَا الصَّوَابَ بَلْ أَخْطَأْنَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِالْخَطَأِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" بِمُلْكِنَا "بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى بِسُلْطَانِنَا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَنَا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ. ثُمَّ قِيلَ قَوْلُهُ:" قالُوا "عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، أَيْ قَالَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ:" مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢٠: ٨٧]" وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ.
(وَلكِنَّا حُمِّلْنا) [٢٠: ٨٧] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَكْسُورَةً، قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَرُوَيْسٌ. الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْحَرْفَيْنِ خَفِيفَةً. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا حلى القوم مَعَهُمْ وَمَا حَمَلُوهُ كُرْهًا.
(أَوْزاراً) ٢٠: ٨٧ أَيْ أَثْقَالًا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) ٢٠: ٨٧ أَيْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، وَكَانُوا اسْتَعَارُوهُ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي عِيدٍ لَهُمْ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا قَذَفَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ. وَسُمِّيَتْ أَوْزَارًا بِسَبَبِ أَنَّهَا كَانَتْ آثَامًا أَيْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَخْذُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، وَأَيْضًا فَالْأَوْزَارُ هِيَ الْأَثْقَالُ فِي اللُّغَةِ.
(فَقَذَفْناها) ٢٠: ٨٧ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْنَا حَمْلُ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْحُلِيِّ فَقَذَفْنَاهُ فِي النَّارِ لِيَذُوبَ، أَيْ طَرَحْنَاهُ فِيهَا. وَقِيلَ: طَرَحْنَاهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِتَرْجِعَ فَتَرَى فِيهَا رَأْيَكَ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ اسْتَبْطَأَ الْقَوْمُ مُوسَى: إِنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَجْلِ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ وَدَفَعُوهُ إِلَى السَّامِرِيِّ فَرَمَى بِهِ فِي النَّارِ وَصَاغَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الْفَرَسُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هُوَ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا أَلْقَى عَلَيْهِ الْقَبْضَةَ صَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ. وَالْخُوَارُ صَوْتُ الْبَقَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا انْسَكَبَتِ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ، جَاءَ السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي مَا فِي يَدِي- وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْحُلِيِّ- فَقَذَفَ التُّرَابَ فِيهِ، وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ، فَخَارَ خَوْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُتْبِعْهَا مِثْلَهَا. وَقِيلَ: خُوَارُهُ وَصَوْتُهُ كَانَ بِالرِّيحِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا فَإِذَا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِي جَوْفِهِ خَارَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَ عِجْلًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: مر هرون بِالسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ. وَكَانَ إِذَا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَارَ كَمَا يَخُورُ الْحَيُّ مِنَ الْعُجُولِ. وَرَوَى أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ الْجَسَدَ وَالْخُوَارَ؟ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا. قَالَ مُوسَى ﷺ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِكَ وَعُلُوِّكَ وَسُلْطَانِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) [[راجع ج ٧ ص فما ٢٨٤ بعد]].
(فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) [٢٠: ٨٨] أَيْ قَالَ السَّامِرِيُّ وَمَنْ [[في ب وج وط وك وى: تابعه]] تَبِعَهُ وَكَانُوا مَيَّالِينَ إِلَى التشبيه، إذ قَالُوا "اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: ١٣٨" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب [[عبارة الحلالين يقتضيها المقام]]] بِطَلَبِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَى رَبِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَتَرَكَهُ مُوسَى هُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ أَيْ تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هُنَا. وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَذْكُرَ لَكُمْ أَنَّهُ إِلَهُهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ خَبَرٌ عَنِ السَّامِرِيِّ أَيْ تَرَكَ السَّامِرِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِيمَانِ فَضَلَّ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ:" أَفَلا يَرَوْنَ [٢٠: ٨٩]" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن) - هـ لَا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَعُودُ إِلَى الْخُوَارِ وَالصَّوْتِ.
(وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) [٢٠: ٨٩] فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟! وَالَّذِي يَعْبُدُهُ مُوسَى ﷺ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ [٢٠: ٨٩] "تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فَخُفِّفَتْ" أَنْ" وَحُذِفَ الضَّمِيرُ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعِلْمِ وَالظَّنِّ. قَالَ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ سُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَدْ يُحْذَفُ [[في ط وك: يجوز. أى الحذف]] مَعَ التَّشْدِيدِ، قَالَ:
فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ الْمَشَافِرِ
أَيْ وَلَكِنَّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ [٢٠: ٩٠] أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ مُوسَى وَيَرْجِعَ إِلَيْهِمْ (يَا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ) [٢٠: ٩٠] أَيِ ابْتُلِيتُمْ وَأُضْلِلْتُمْ بِهِ، أَيْ بِالْعِجْلِ.
(وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ) [٢٠: ٩٠] لَا الْعِجْلُ.
(فَاتَّبِعُونِي) فِي عِبَادَتِهِ.
(وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [٢٠: ٩٠] لَا أَمْرَ السَّامِرِيِّ. أَوْ فَاتَّبِعُونِي فِي مَسِيرِي إلى موسى ودعوا العجل. فعصوه و (قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) [٢٠: ٩١] أَيْ لَنْ نِزَالَ مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) [٢٠: ٩١] فَيَنْظُرَ هَلْ يَعْبُدُهُ كَمَا عَبَدْنَاهُ، فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هرون في أثنى عشر ألفا، الَّذِينَ [[كذا في ب وج وط وى. والذي في ا: من الذين.]] لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى وَسَمِعَ الصِّيَاحَ وَالْجَلَبَةَ وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ الْعِجْلِ قَالَ لِلسَّبْعِينَ مَعَهُ: هَذَا صَوْتُ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا رأى هرون أَخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ وَلِحْيَتَهُ بِشِمَالِهِ غَضَبًا وَ (قالَ يَا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) [٢٠: ٩٢] أَيْ أَخْطَئُوا الطَّرِيقَ وَكَفَرُوا.
(أَلَّا تَتَّبِعَنِ) [٢٠: ٩٣] "لَا" زَائِدَةٌ أَيْ أَنْ تَتَّبِعَ أَمْرِي وَوَصِيَّتِي. وَقِيلَ: مَا مَنَعَكَ عَنِ اتِّبَاعِي فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَلَّا قَاتَلْتَهُمْ إِذْ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَوْ كُنْتُ بَيْنَهُمْ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: مَا مَنَعَكَ مِنَ اللُّحُوقِ بِي لَمَّا فُتِنُوا.
(أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [٢٠: ٩٣] يُرِيدُ أَنَّ مَقَامَكَ بَيْنَهُمْ وَقَدْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى عِصْيَانٌ مِنْكَ لِي، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَلَّا فَارَقْتَهُمْ فَتَكُونُ مُفَارَقَتُكَ إِيَّاهُمْ تَقْرِيعًا لَهُمْ وَزَجْرًا. وَمَعْنَى:" أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [٢٠: ٩٣] "قِيلَ: إِنَّ أَمْرَهُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ﴿ وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[[راجع ج ٧ ص ٢٧٧.]] [الأعراف: ١٤٢]، فَلَمَّا أَقَامَ مَعَهُمْ وَلَمْ يُبَالِغْ فِي مَنْعِهِمْ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ نَسَبَهُ إِلَى عِصْيَانِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. مَسْأَلَةٌ- وَهَذَا كُلُّهُ أَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَغْيِيرِهِ وَمُفَارَقَةِ أَهْلِهِ، وَأَنَّ الْمُقِيمَ بَيْنَهُمْ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ رَاضِيًا حُكْمُهُ كَحُكْمِهِمْ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَالْأَنْفَالِ. وسيل الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا يَقُولُ سَيِّدُنَا الْفَقِيهُ فِي مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ؟ وَأُعْلِمَ- حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَهُ- أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ رِجَالٍ، فَيُكْثِرُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يوقعون بالقضيب على شي مِنَ الْأَدِيمِ، وَيَقُومُ بَعْضُهُمْ يَرْقُصُ وَيَتَوَاجَدُ حَتَّى يَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَيُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ. هَلِ الْحُضُورُ مَعَهُمْ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ، [يرحمكم الله [[من ب وط وى.]]] وهذا القول الذي يذكرونه يَا شَيْخُ كُفَّ عَنِ الذُّنُوبِ ... قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالزَّلَلْ
وَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ صَالِحًا ... مَا دَامَ يَنْفَعُكَ الْعَمَلْ
أَمَّا الشَّبَابُ فَقَدْ مَضَى ... وَمَشِيبُ رَأَسِكَ قَدْ نَزَلْ
وَفِي مِثْلِ هَذَا وَنَحْوِهِ [[في ب وج وط وك: وجوه.]]. الْجَوَابُ:- يَرْحَمُكَ اللَّهُ- مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ بَطَالَةٌ وَجَهَالَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَمَا الْإِسْلَامُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَأَمَّا الرَّقْصُ وَالتَّوَاجُدُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ، لَمَّا اتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ قَامُوا يَرْقُصُونَ حَوَالَيْهِ وَيَتَوَاجَدُونَ، فَهُوَ دِينُ الْكُفَّارِ وَعُبَّادِ الْعِجْلِ، وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهُ الزَّنَادِقَةُ لِيَشْغَلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّمَا عَلَى رؤوسهم الطَّيْرُ مِنَ الْوَقَارِ، فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ أَنْ يمنعهم من الْحُضُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ، وَلَا يُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ من أئمة المسلمين وبالله التوفيق.