Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Al-Muminoon
Tafseer Al Qurtubi · The Believers · 118 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده [[من ك.
(]]] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال- أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى "مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول "البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى [[راجع ج ١ ص ١٨١.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خاشِعُونَ﴾ رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي "الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[راجع ج ٢ ص ١٥٨.]] " [البقرة: ١٤٤]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [[راجع ج ١ ٣٧٤.]] " [البقرة: ٤٥]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر: أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ ... لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ [[الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.]] لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا ... وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ ... وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ ... نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران [[كذا في أوب وج وط وك.]] الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ- "يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي ... الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ [[كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.]]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ [[هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.]] بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة [[راجع ج ١ ص ٣٤٣، ج ٣ ص ٩٩.]]. وقال
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي "لُقْمَانَ" بَيَانُهُ [[راجع ج ١٤ ص ٥١ فما بعد.]]. وَمَعْنَى "فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ ... مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ "فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ- "العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ [[في ب: البهي.]] فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ [[في ب وط: يجاوزن.]].
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى "أَزْواجِهِمْ ٢٤٠" وَ "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي "النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٥ ص ١٢٩.]]. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا [[في ك: من لا تحل.]] لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢ فما بعد.]] "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و "وَراءَ ١٠" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ "ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ "وَراءَ ١٠" ظَرْفٌ. و "ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
(فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل أَوْقَاتِهَا، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٦٤ فما بعد.]] "مُسْتَوْفًى. ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) ١٠ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَهُمُ الْوَارِثُونَ، أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الْجَنَّةِ وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ الْكُفَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ (. خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ١٠﴾ (. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ عَلَى الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ اسْمٌ مُسْتَعَارٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ أُمِّ حَارِثَةَ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وفي صحيح [[كذا في ب وج وك.]] مُسْلِمٍ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تُفْجَرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) يُرِيدُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فِي وَسَطِ الْجِنَانِ فِي الْعَرْضِ وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، يُرِيدُ فِي الِارْتِفَاعِ. وَهَذَا كُلُّهُ يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْفِرْدَوْسَ جَبَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَاللَّفْظَةُ فِيمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: رُومِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّةٌ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاقٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ الْكَرْمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ فَرَادِيسُ.
(هُمْ فِيها خالِدُونَ) فَأُنِّثَ على معنى الجنة.
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ الْإِنْسَانُ هُنَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِّينِ. وَيَجِيءُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ جَعَلْناهُ) عَائِدًا عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهُ. نَظِيرُ ذَلِكَ" حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [[راجع ج ١٥ ص ١٩٥ فما بعد.]] " [ص: ٣٢]. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسُّلَالَةِ ابْنُ آدَمَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَالسُّلَالَةُ عَلَى هَذَا صَفْوَةُ الْمَاءِ، يَعْنِي الْمَنِيَّ. وَالسُّلَالَةُ فُعَالَةٌ مِنَ السَّلِّ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ: سَلَلْتُ الشَّعْرَ مِنَ الْعَجِينِ، وَالسَّيْفَ مِنَ الْغِمْدِ فَانْسَلَّ، وَمِنْهُ قوله:
فَسُلِّيَ ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس. وصدره:
وإن تك قد ساءتك منى خليقة]]
فَالنُّطْفَةُ سُلَالَةٌ، وَالْوَلَدُ سَلِيلٌ وَسُلَالَةٌ، عَنَى بِهِ الْمَاءَ يُسَلُّ من الظهر سلا. قال الشاعر:
فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كان غير حصين [[البيت لحسان بن ثابت.]]
وقال آخر:
وَمَا هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تجللها بغل [[نسب صاحب لسان العرب هذا البيت لهند بنت النعمان (مادة سلل). وتجللها: علاها. وقوله: "بغل" قال ابن برى: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب، وفى ب وجوك: تحللها. بالمهملة وهو المشهور.]]
وقوله: "مِنْ طِينٍ) " أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ آدَمُ وَهُوَ مِنْ طِينٍ. قُلْتُ: أَيْ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ، فَأَمَّا وَلَدُهُ فَهُوَ مِنْ طِينٍ وَمَنِيٍّ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٧.]]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: السُّلَالَةُ الطِّينُ إِذَا عَصَرْتَهُ انْسَلَّ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكَ، فَالَّذِي يَخْرُجُ هُوَ السُّلَالَةُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُطْفَةً﴾ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ [[راجع ص ٦ من هذا الجزء.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ فِرْقَةٍ: نَبَاتُ شَعْرِهِ. الضَّحَّاكُ: خُرُوجُ الْأَسْنَانِ وَنَبَاتُ الشَّعْرِ. مُجَاهِدٌ: كَمَالُ شَبَابِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ وَالْإِدْرَاكِ وَحُسْنِ الْمُحَاوَلَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَعْقُولَاتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَمِعَ صَدْرَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: "خَلْقًا آخَرَ" قَالَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ). وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ: وَنَزَلَتْ "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْتُ أَنَا: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: "فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ". وَيُرْوَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَبِهَذَا السَّبَبِ ارْتَدَّ وَقَالَ: آتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي مُحَمَّدٌ، وَفِيهِ نَزَلَ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الانعام: ٩٣] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي" الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٧ ص ٣٩.]] ". وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ﴾ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ.
(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أَتْقَنُ الصَّانِعِينَ. يُقَالُ لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، ومنه قول الشَّاعِرُ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي»
وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى نَفْيِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ جريح: إِنَّمَا قَالَ: "أَحْسَنُ الْخالِقِينَ" لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَخْلُقَ، وَاضْطَرَبَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَلَا تُنْفَى اللَّفْظَةُ عَنِ الْبَشَرِ فِي مَعْنَى الصُّنْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْفِيَّةٌ بِمَعْنَى الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ. الْخَامِسَةُ [[كذا في ك وز. وفى ب وج وط: مسألة.]]: مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَ مَشْيَخَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الله تعالى خلق السموات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا، وَخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِنْ سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عنه أعجز [[في الدر المنثور: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام".]] كم أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَى هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ. فَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ "خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِنْ سَبْعٍ" بِهَذِهِ الْآيَةِ [[كذا في الأصول، وسياق الكلام يقتضى أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن عباس بقوله: "خلق ابن آدم من سبع هذه الآية ... " إلخ.]]، وَبِقَوْلِهِ: "وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي سَبْعٍ" قَوْلُهُ:" فَأَنْبَتْنَا فِيهَا [[راجع ج ١٩ ص ٢١٨ فما بعد.]] حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا" [عبس: ٣١ - ٢٧] الْآيَةَ. السَّبْعُ مِنْهَا لِابْنِ آدَمَ، وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ. وَالْقَضْبُ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وَيَسْمَنُ مِنْهُ النِّسَاءُ، هَذَا قَوْلٌ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ الْبُقُولُ لِأَنَّهَا تُقْضَبُ، فَهِيَ رِزْقُ ابْنِ آدَمَ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ، وَالسِّتُّ الْبَاقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، وَالسَّابِعَةُ هِيَ لِلْأَنْعَامِ، إِذْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدم.
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ الْإِنْسَانُ هُنَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِّينِ. وَيَجِيءُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ جَعَلْناهُ) عَائِدًا عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهُ. نَظِيرُ ذَلِكَ" حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [[راجع ج ١٥ ص ١٩٥ فما بعد.]] " [ص: ٣٢]. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسُّلَالَةِ ابْنُ آدَمَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَالسُّلَالَةُ عَلَى هَذَا صَفْوَةُ الْمَاءِ، يَعْنِي الْمَنِيَّ. وَالسُّلَالَةُ فُعَالَةٌ مِنَ السَّلِّ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ: سَلَلْتُ الشَّعْرَ مِنَ الْعَجِينِ، وَالسَّيْفَ مِنَ الْغِمْدِ فَانْسَلَّ، وَمِنْهُ قوله:
فَسُلِّيَ ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس. وصدره:
وإن تك قد ساءتك منى خليقة]]
فَالنُّطْفَةُ سُلَالَةٌ، وَالْوَلَدُ سَلِيلٌ وَسُلَالَةٌ، عَنَى بِهِ الْمَاءَ يُسَلُّ من الظهر سلا. قال الشاعر:
فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كان غير حصين [[البيت لحسان بن ثابت.]]
وقال آخر:
وَمَا هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تجللها بغل [[نسب صاحب لسان العرب هذا البيت لهند بنت النعمان (مادة سلل). وتجللها: علاها. وقوله: "بغل" قال ابن برى: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب، وفى ب وجوك: تحللها. بالمهملة وهو المشهور.]]
وقوله: "مِنْ طِينٍ) " أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ آدَمُ وَهُوَ مِنْ طِينٍ. قُلْتُ: أَيْ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ، فَأَمَّا وَلَدُهُ فَهُوَ مِنْ طِينٍ وَمَنِيٍّ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٧.]]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: السُّلَالَةُ الطِّينُ إِذَا عَصَرْتَهُ انْسَلَّ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكَ، فَالَّذِي يَخْرُجُ هُوَ السُّلَالَةُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُطْفَةً﴾ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ [[راجع ص ٦ من هذا الجزء.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ فِرْقَةٍ: نَبَاتُ شَعْرِهِ. الضَّحَّاكُ: خُرُوجُ الْأَسْنَانِ وَنَبَاتُ الشَّعْرِ. مُجَاهِدٌ: كَمَالُ شَبَابِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ وَالْإِدْرَاكِ وَحُسْنِ الْمُحَاوَلَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَعْقُولَاتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَمِعَ صَدْرَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: "خَلْقًا آخَرَ" قَالَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ). وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ: وَنَزَلَتْ "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْتُ أَنَا: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: "فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ". وَيُرْوَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَبِهَذَا السَّبَبِ ارْتَدَّ وَقَالَ: آتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي مُحَمَّدٌ، وَفِيهِ نَزَلَ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الانعام: ٩٣] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي" الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٧ ص ٣٩.]] ". وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ﴾ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ.
(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أَتْقَنُ الصَّانِعِينَ. يُقَالُ لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، ومنه قول الشَّاعِرُ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي»
وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى نَفْيِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ جريح: إِنَّمَا قَالَ: "أَحْسَنُ الْخالِقِينَ" لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَخْلُقَ، وَاضْطَرَبَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَلَا تُنْفَى اللَّفْظَةُ عَنِ الْبَشَرِ فِي مَعْنَى الصُّنْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْفِيَّةٌ بِمَعْنَى الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ. الْخَامِسَةُ [[كذا في ك وز. وفى ب وج وط: مسألة.]]: مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَ مَشْيَخَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الله تعالى خلق السموات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا، وَخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِنْ سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عنه أعجز [[في الدر المنثور: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام".]] كم أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَى هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ. فَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ "خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِنْ سَبْعٍ" بِهَذِهِ الْآيَةِ [[كذا في الأصول، وسياق الكلام يقتضى أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن عباس بقوله: "خلق ابن آدم من سبع هذه الآية ... " إلخ.]]، وَبِقَوْلِهِ: "وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي سَبْعٍ" قَوْلُهُ:" فَأَنْبَتْنَا فِيهَا [[راجع ج ١٩ ص ٢١٨ فما بعد.]] حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا" [عبس: ٣١ - ٢٧] الْآيَةَ. السَّبْعُ مِنْهَا لِابْنِ آدَمَ، وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ. وَالْقَضْبُ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وَيَسْمَنُ مِنْهُ النِّسَاءُ، هَذَا قَوْلٌ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ الْبُقُولُ لِأَنَّهَا تُقْضَبُ، فَهِيَ رِزْقُ ابْنِ آدَمَ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ، وَالسِّتُّ الْبَاقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، وَالسَّابِعَةُ هِيَ لِلْأَنْعَامِ، إِذْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدم.
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ الْإِنْسَانُ هُنَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِّينِ. وَيَجِيءُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ جَعَلْناهُ) عَائِدًا عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهُ. نَظِيرُ ذَلِكَ" حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [[راجع ج ١٥ ص ١٩٥ فما بعد.]] " [ص: ٣٢]. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسُّلَالَةِ ابْنُ آدَمَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَالسُّلَالَةُ عَلَى هَذَا صَفْوَةُ الْمَاءِ، يَعْنِي الْمَنِيَّ. وَالسُّلَالَةُ فُعَالَةٌ مِنَ السَّلِّ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ: سَلَلْتُ الشَّعْرَ مِنَ الْعَجِينِ، وَالسَّيْفَ مِنَ الْغِمْدِ فَانْسَلَّ، وَمِنْهُ قوله:
فَسُلِّيَ ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس. وصدره:
وإن تك قد ساءتك منى خليقة]]
فَالنُّطْفَةُ سُلَالَةٌ، وَالْوَلَدُ سَلِيلٌ وَسُلَالَةٌ، عَنَى بِهِ الْمَاءَ يُسَلُّ من الظهر سلا. قال الشاعر:
فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كان غير حصين [[البيت لحسان بن ثابت.]]
وقال آخر:
وَمَا هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تجللها بغل [[نسب صاحب لسان العرب هذا البيت لهند بنت النعمان (مادة سلل). وتجللها: علاها. وقوله: "بغل" قال ابن برى: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب، وفى ب وجوك: تحللها. بالمهملة وهو المشهور.]]
وقوله: "مِنْ طِينٍ) " أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ آدَمُ وَهُوَ مِنْ طِينٍ. قُلْتُ: أَيْ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ، فَأَمَّا وَلَدُهُ فَهُوَ مِنْ طِينٍ وَمَنِيٍّ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٧.]]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: السُّلَالَةُ الطِّينُ إِذَا عَصَرْتَهُ انْسَلَّ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكَ، فَالَّذِي يَخْرُجُ هُوَ السُّلَالَةُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُطْفَةً﴾ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ [[راجع ص ٦ من هذا الجزء.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ فِرْقَةٍ: نَبَاتُ شَعْرِهِ. الضَّحَّاكُ: خُرُوجُ الْأَسْنَانِ وَنَبَاتُ الشَّعْرِ. مُجَاهِدٌ: كَمَالُ شَبَابِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ وَالْإِدْرَاكِ وَحُسْنِ الْمُحَاوَلَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَعْقُولَاتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَمِعَ صَدْرَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: "خَلْقًا آخَرَ" قَالَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ). وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ: وَنَزَلَتْ "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْتُ أَنَا: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: "فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ". وَيُرْوَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَبِهَذَا السَّبَبِ ارْتَدَّ وَقَالَ: آتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي مُحَمَّدٌ، وَفِيهِ نَزَلَ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الانعام: ٩٣] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي" الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٧ ص ٣٩.]] ". وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبارَكَ﴾ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ.
(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أَتْقَنُ الصَّانِعِينَ. يُقَالُ لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، ومنه قول الشَّاعِرُ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي»
وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى نَفْيِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ جريح: إِنَّمَا قَالَ: "أَحْسَنُ الْخالِقِينَ" لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَخْلُقَ، وَاضْطَرَبَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَلَا تُنْفَى اللَّفْظَةُ عَنِ الْبَشَرِ فِي مَعْنَى الصُّنْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْفِيَّةٌ بِمَعْنَى الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ. الْخَامِسَةُ [[كذا في ك وز. وفى ب وج وط: مسألة.]]: مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَ مَشْيَخَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الله تعالى خلق السموات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا، وَخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِنْ سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عنه أعجز [[في الدر المنثور: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام".]] كم أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَى هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ. فَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ "خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِنْ سَبْعٍ" بِهَذِهِ الْآيَةِ [[كذا في الأصول، وسياق الكلام يقتضى أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن عباس بقوله: "خلق ابن آدم من سبع هذه الآية ... " إلخ.]]، وَبِقَوْلِهِ: "وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي سَبْعٍ" قَوْلُهُ:" فَأَنْبَتْنَا فِيهَا [[راجع ج ١٩ ص ٢١٨ فما بعد.]] حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا" [عبس: ٣١ - ٢٧] الْآيَةَ. السَّبْعُ مِنْهَا لِابْنِ آدَمَ، وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ. وَالْقَضْبُ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وَيَسْمَنُ مِنْهُ النِّسَاءُ، هَذَا قَوْلٌ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ الْبُقُولُ لِأَنَّهَا تُقْضَبُ، فَهِيَ رِزْقُ ابْنِ آدَمَ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ، وَالسِّتُّ الْبَاقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، وَالسَّابِعَةُ هِيَ لِلْأَنْعَامِ، إِذْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ أَيْ بَعْدَ الْخَلْقِ وَالْحَيَاةِ. النحاس: وَيُقَالُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَمَائِتُونَ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ أَيْ بَعْدَ الْخَلْقِ وَالْحَيَاةِ. النحاس: وَيُقَالُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَمَائِتُونَ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ سبع سموات. وَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ يُقَالُ: طَارَقْتُ الشَّيْءَ، أَيْ جعلت بعضه فوق بعض، فقيل للسموات طَرَائِقُ لِأَنَّ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كل شي فوق شي طَرِيقَةً. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا طَرَائِقُ الْمَلَائِكَةِ.
(وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) قال بعض العلماء: أي عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَيْ عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكَهُمْ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى "وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ" أَيْ فِي الْقِيَامِ بمصالحهم وحفظهم [[مذا في ك. وفى ب وج بالإفراد.]]، وَهُوَ مَعْنَى الْحَيُّ الْقَيُّومُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ [[راجع ج ٣ ص ٢٧١.]].
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَمِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ الْمَاءُ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ الْأَبَدَانِ وَنَمَاءُ الْحَيَوَانِ. وَالْمَاءُ الْمُنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَهُ فِيهَا مُخْتَزَنًا لِسَقْيِ النَّاسِ يَجِدُونَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْآبَارِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وغيره أنه إنما أراد الأنهار الاربعة: سبحان وَجَيْحَانَ وَنِيلَ مِصْرَ وَالْفُرَاتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا وَهُوَ مِنَ السَّمَاءِ. وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا فَالْأُجَاجُ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ فِي الْأَرْضِ مَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: "وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً" إِشَارَةٌ إِلَى الْمَاءِ الْعَذْبِ، وَأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْبَحْرِ، رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى طَابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ وَالتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَى مَاءِ الْبَحْرِ لَمَا انْتُفِعَ بِهِ مِنْ مُلُوحَتِهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ عَلَى مِقْدَارٍ مُصْلِحٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَثُرَ أَهْلَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [[راجع ج ١٠ ص ١٤.]] " [الحجر: ٢١].
(وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) يَعْنِي الْمَاءَ الْمُخْتَزِنَ. وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، أَيْ فِي قُدْرَتِنَا إِذْهَابُهُ وَتَغْوِيرُهُ، وَيَهْلِكُ النَّاسُ بِالْعَطَشِ وَتَهْلِكُ مَوَاشِيهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ٣٠"- أَيْ غَائِرًا-" فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [[راجع ج ١٨ ص ٢٢٢.]] ٣٠" [الملك: ٣٠]. الثَّالِثَةُ- ذَكَرَ النَّحَّاسُ: قُرِئَ عَلَى أَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ عَنْ جَامِعِ بن سوادة فال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بن على عن مقاتل بن حيان عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ سَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ، وَجَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ، وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَهُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ، وَالنِّيلَ وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ فِي أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: "وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ" فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَجَمِيعَ الْأَنْهَارِ الْخَمْسَةِ فَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا (. الرَّابِعَةُ- كُلُّ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مُخْتَزَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُخْتَزَنٍ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ يُغْتَسَلُ بِهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ، عَلَى مَا يأتي في" الفرقان [[راجع ج ١٣ ص ٣٩.]] " بيانه.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْشَأْنا﴾ أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ سَبَبَ النَّبَاتِ، وَأَوْجَدْنَاهُ بِهِ وَخَلَقْنَاهُ. وَذَكَرَ تَعَالَى النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ، لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ الْحِجَازِ بِالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمَا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَلِأَنَّهَا أَيْضًا أَشْرَفُ الثِّمَارِ، فَذَكَرَهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَتَنْبِيهًا عَلَيْهَا.
(لَكُمْ فِيها) ١٠ أَيْ فِي الْجَنَّاتِ.
(فَواكِهُ) مِنْ غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ خَاصَّةً إِذْ فِيهَا مَرَاتِبُ وَأَنْوَاعُ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ لِسَائِرِ الثَّمَرَاتِ. الثَّانِيَةُ- مَنْ حَلَفَ أَلَّا يأكل فاكهة، ففي الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا يَحْنَثُ بِالْبَاقِلَاءِ الْخَضْرَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ والخيار والجزر، لأنها من القبول لَا مِنَ الْفَاكِهَةِ. وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْفُسْتُقُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُعَدُّ مِنَ الْفَاكِهَةِ.
وَإِنْ أَكَلَ تُفَّاحًا أَوْ خَوْخًا أَوْ مِشْمِشًا أَوْ تِينًا أَوْ إِجَّاصًا يَحْنَثُ. وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُؤْكَلُ عَلَى جِهَةِ التَّفَكُّهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، فَكَانَتْ فَاكِهَةً. وَكَذَلِكَ يَابِسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الْبِطِّيخَ الْيَابِسَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ. وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْبِطِّيخِ الْهِنْدِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الْفَوَاكِهِ. وَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْفَوَاكِهِ، وَتُؤْكَلُ عَلَى وَجْهِ التَّنَعُّمِ. وَالْإِفْرَادُ لَهَا بالذكر في كتاب الله عز جَلَّ لِكَمَالِ مَعَانِيهَا، كَتَخْصِيصِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنْ قَالَ: عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْفَاكِهَةِ مَرَّةً فَقَالَ:" فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [[راجع ج ١٧ ص ١٨٥.]] " [الرحمن: ٦٨] وَمَرَّةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ:" وَفاكِهَةً [[راجع ج ١٩ ص ٢٢٠.]] وَأَبًّا [٨٠: ٣١]" [عبس: ٣١] وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ. وَالْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ يُكْتَفَى بِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ فَلَا يَكُونُ فَاكِهَةً، وَلِأَنَّ مَا كَانَ فَاكِهَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ رَطْبِهِ وَيَابِسِهِ، وَيَابِسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُعَدُّ فَاكِهَةً فَكَذَلِكَ رَطْبُهَا.
فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَشَجَرَةً﴾ ٢٠ شَجَرَةً عُطِفَ عَلَى جَنَّاتٍ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرِ الْفِعْلُ، بِمَعْنَى وَثَمَّ شَجَرَةً، وَيُرِيدُ بِهَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ. وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِعَظِيمِ مَنَافِعِهَا فِي أَرْضِ الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقِلَّةِ تَعَاهُدِهَا بِالسَّقْيِ وَالْحَفْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُرَاعَاةِ فِي سَائِرِ الْأَشْجَارِ.
(تَخْرُجُ) فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ.
(مِنْ طُورِ سَيْناءَ) ٢٠ أَيْ أَنْبَتَهَا اللَّهُ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ الَّذِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ. وَطُورِ سَيْنَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ [[راجع ج ٣ ص ٢٦٤، ج ٧ ص ٢٨٧.]]. وَالطُّورُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا عُرِّبَ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ. وَقَالَ ابْنُ زيد: هو جبل بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَمْدُودٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَيْلَةَ [[أيلة: تعرف اليوم باسم "العقبة".]]. وَاخْتُلِفَ فِي سَيْنَاءَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ الْحَسَنُ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يُنَوَّنَ الطُّورُ عَلَى النَّعْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ مُبَارَكٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْنَاهُ شَجَرٌ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُنَوِّنُوا الطُّورَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ اسْمُ الْجَبَلِ، كَمَا تَقُولُ جَبَلُ أُحُدٍ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: سَيْنَاءُ حَجَرٌ بِعَيْنِهِ أُضِيفَ الْجَبَلُ إِلَيْهِ لِوُجُودِهِ عِنْدَهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ يَحْمِلُ الثِّمَارَ فَهُوَ سَيْنَاءُ، أَيْ حَسَنٌ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى وَزْنِ فَعْلَاءَ، وَفَعْلَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ، لِأَنَّ فِي آخِرِهَا أَلِفَ التَّأْنِيثِ، وَأَلِفُ التَّأْنِيثِ مُلَازِمَةٌ لِمَا هِيَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعْلَاءُ، وَلَكِنْ مَنْ قَرَأَ سِينَاءَ بِكَسْرِ السين جعله فعلا لا، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ كَهَمْزَةِ حِرْبَاءَ، وَلَمْ يُصْرَفْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ جُعِلَ اسْمَ بُقْعَةٍ. وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ ٢٠ قَرَأَ الْجُمْهُورُ "تَنْبُتُ" بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: تَنْبُتُ وَمَعَهَا الدُّهْنُ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو بضمء التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ جَنَاهَا وَمَعَهُ الدُّهْنُ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، مِثْلُ:" وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [[راجع ج ٢ ص ٣٦١.]] " [البقرة: ١٩٥] وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجِ
وَقَالَ آخَرُ:
هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ [[كذا في الأصول ولسان العرب مادة "سور" بالخاء المعجمة. وأورده صاحب خزانة الأدب بالحاء المهملة، قال: "والأحمرة جمع حمار (بالحاء المهملة) جمع قلة، وخص الحمير لأنها رذال المال وشره ... وقد صحف الدما مبنى هذه الكلمة بالخاء المعجمة، وقال والاخمرة جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها".
(راجع الشاهد الخامس بعد السبعمائة من الخزانة)]] ... سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بالسور
ونحو هذا قال أَبُو عَلِيٍّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: نَبَتَ وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى كَمَا مَضَى فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ وَالْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أَنْبَتَ، وَيَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيهَا:
رَأَيْتُ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ
أَيْ نَبَتَ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ: "تُنْبَتُ بِالدُّهْنِ" بِرَفْعِ التَّاءِ وَنَصْبِ الْبَاءِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي وَالزَّجَّاجُ: هِيَ بَاءُ الْحَالِ، أَيْ تَنْبُتُ وَمَعَهَا دُهْنُهَا. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ" وَهِيَ بَاءُ الْحَالِ. ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ: الدُّهْنُ الْمَاءُ اللَّيِّنُ، تُنْبِتُ مِنَ الْإِنْبَاتِ. وَقَرَأَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تُنْبِتُ- بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ- الدُّهْنُ" بِحَذْفِ الْبَاءِ وَنَصْبِهِ. وَقَرَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْأَشْهَبُ: "بِالدِّهَانِ". وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الزَّيْتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِ النِّعَمُ الَّتِي لَا غِنَى بِالصِّحَّةِ عَنْهَا. وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الزَّيْتُونِ [[في ب وج وز وط وك: في معنى الزيتونة.]] شَجَرُ الزَّيْتِ كُلُّهُ عَلَى اخْتِلَافِهِ بِحَسَبِ الْأَقْطَارِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ٢٠ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: "وَأَصْبَاغٌ" بِالْجَمْعِ. وَقَرَأَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: "وَمَتاعاً"، وَيُرَادُ بِهِ الزَّيْتُ الَّذِي يُصْطَبَغُ بِهِ الْأَكْلُ، يُقَالُ: صِبْغٌ وَصِبَاغٌ، مِثْلَ دِبْغٍ وَدِبَاغٍ، وَلِبْسٍ وَلِبَاسٍ. وَكُلُّ إِدَامٍ يُؤْتَدَمُ بِهِ فَهُوَ صِبْغٌ، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَصْلُ الصِّبْغِ مَا يُلَوَّنُ بِهِ الثَّوْبُ، وَشُبِّهَ الْإِدَامُ بِهِ لِأَنَّ الْخُبْزَ يُلَوَّنُ [[في ك: يلوث.]] بِالصِّبْغِ إِذَا غُمِسَ فِيهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْأُدْمُ الزَّيْتُونُ، وَالدُّهْنُ الزَّيْتُ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ أُدْمًا وَدُهْنًا، فَالصِّبْغُ عَلَى هَذَا الزَّيْتُونُ. الرَّابِعَةُ- لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ مَا يُصْطَبَغُ فِيهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالرُّبِّ وَالْخَلِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاقِ أَنَّهُ إِدَامٌ. وَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخَلِّ فَقَالَ: (نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ) رَوَاهُ تِسْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، سَبْعَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَمِمَّنْ رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَخَارِجَةُ وَعُمَرُ وَابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وأبو هريرة وسمرة ابن جُنْدُبٍ وَأَنَسٌ وَأُمُّ هَانِئٍ. الْخَامِسَةُ- وَاخْتُلِفَ فِيمَا كَانَ جَامِدًا كَاللَّحْمِ وَالتَّمْرِ وَالزَّيْتُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَامِدِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِدَامٌ، فَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ إِدَامًا فَأَكَلَ لَحْمًا أَوْ جُبْنًا حَنِثَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْبَقْلُ لَيْسَ بِإِدَامٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّمْرِ وَجْهَانِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِدَامٍ لِقَوْلِهِ في التنبيه.
وَقِيلَ يَحْنَثُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إِدَامٌ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عبد الله ابن سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً فَقَالَ: (هَذَا إِدَامُ هَذِهِ). وَقَالَ ﷺ: (سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ). ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ (بَابَ الْإِدَامِ) وَسَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّ الْإِدَامَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُؤَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُوَافِقُ الْخُبْزَ فَكَانَ إِدَامًا. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (ائْتَدِمُوا وَلَوْ بِالْمَاءِ). وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِدَامِ الْمُوَافَقَةُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ، كَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْبَيْضُ وَغَيْرُهُمَا لَا يُوَافِقُ الْخُبْزَ بَلْ يُجَاوِزُهُ [[كذا في الأصول من المجاورة.]] كَالْبِطِّيخِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَا يُحْتَاجُ فِي الْأَكْلِ إِلَى مُوَافَقَةِ الْخُبْزِ كَانَ إِدَامًا، وَكُلُّ مَا لَا يُحْتَاجُ وَيُؤْكَلُ عَلَى حِدَةٍ لَا يَكُونُ إِدَامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ- رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ). هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا يُذْكَرُ فِيهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرُبَّمَا رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ فَقَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خُصَّ الطُّورُ بِالزَّيْتُونِ لِأَنَّ أَوَّلَ الزَّيْتُونِ نَبَتَ مِنْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الزَّيْتُونَ أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الطوفان. والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا فِي" النَّحْلِ [[راجع ج ١٠ ص ٦٨، ٨٩.]] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفِي هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٣٠.]] قِصَّةُ السَّفِينَةِ وَنُوحٍ، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ١٩٥.]]. قوله تعالى: َ- عَلَيْها)
أي وعلى الانعام في البر. َ- عَلَى الْفُلْكِ)
في البحر. ُحْمَلُونَ)
وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي الْبَرِّ عَلَى الْإِبِلِ فَيَجُوزُ أن ترجع الكناية إلى بعض النعام. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ بَقَرَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا! وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ رَدًّا عَلَى اللَّفْظِ، وَبِالرَّفْعِ رَدًّا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٣.]] " قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَسُودَكُمْ وَيُشَرَّفَ عَلَيْكُمْ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا وَنَحْنُ لَهُ تَبَعٌ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) أَيْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ألا يعبد شي سِوَاهُ لَجَعَلَ رَسُولَهُ مَلَكًا.
(مَا سَمِعْنا بِهذا) أَيْ بِمِثْلِ دَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ بشرا، أتى [[كذا في ج وك. وفى ط وب وى: أي.]] بِرِسَالَةِ رَبِّهِ.
(فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) أَيْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْبَاءُ فِي "بِهذا" زَائِدَةٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا هَذَا كَائِنًا في ءابائنا الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ عَطَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا.
(إِنْ هُوَ) ٩٠ يَعْنُونَ نُوحًا (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أَيْ جُنُونٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) أَيِ انْتَظِرُوا مَوْتَهُ. وَقِيلَ: حَتَّى يَسْتَبِينَ جُنُونُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ يُرَادُ بِالْحِينِ ها هنا وَقْتٌ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَقَالَ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ: (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) أَيِ انْتَقِمْ مِمَّنْ لَمْ يُطِعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ رِسَالَتِي.
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنَ السَّمَاءِ (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ إِذَا أَدْخَلْتُهُ. قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رَبْعٍ الْهُذَلِيُّ:
حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[قنائدة: موضع بعينه. والثل: الطرد. والشرد: جمع شرود.]]
.
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ٤٠ قَرَأَ حَفْصٌ: "مِنْ كُلٍّ" بِالتَّنْوِينِ، الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ [[راجع ج ٩ ص ٣٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَحْمِلْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا مَا يَلِدُ وَيَبِيضُ، فَأَمَّا الْبَقُّ وَالذُّبَابُ وَالدُّودُ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الطِّينِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السَّفِينَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ أَيْ عَلَوْتَ.
(أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) رَاكِبِينَ.
(فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيِ احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى تَخْلِيصِهِ إياكم.
(مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وَمِنَ الْغَرَقِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ: كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ لِلَّهِ. وَقَدْ مَضَى فِي الفاتحة بيانه [[راجع ج ١ ص ١٣١.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً﴾ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "مُنْزَلًا" بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ، عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْزَالُ، أَيْ أَنْزِلْنِي إِنْزَالًا مُبَارَكًا. وَقَرَأَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبو بكر عَنْ عَاصِمٍ وَالْمُفَضَّلِ: "مَنْزِلًا" بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ عَلَى الْمَوْضِعِ، أَيْ أَنْزِلْنِي مَوْضِعًا مُبَارَكًا. الْجَوْهَرِيُّ: الْمَنْزَلُ (بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ) النُّزُولُ وَهُوَ الْحُلُولُ، تَقُولُ: نَزَلْتُ نُزُولًا وَمَنْزَلًا. وَقَالَ:
أَأَنْ ذكرتك الدار منزلها جمل ... بكيت فدم الْعَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
نُصِبَ "الْمَنْزَلُ" لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ [[يلاحظ أن "منزلها" بالنصب مفعول ثان لذكرتك. "جمل" فاعل بالمصدر، وهو المنزل]]. وَأَنْزَلَهُ غَيْرُهُ وَاسْتَنْزَلَهُ بِمَعْنًى. وَنَزَّلَهُ تَنْزِيلًا، وَالتَّنْزِيلُ أَيْضًا التَّرْتِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هَذَا حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:" اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [[راجع ج ٩ ص ٤٨.]] " [هود: ٤٨]. وَقِيلَ: حِينَ دَخَلَهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "مُبارَكاً" يَعْنِي بِالسَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ. قُلْتُ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ إِذَا رَكِبُوا وَإِذَا نَزَلُوا أَنْ يَقُولُوا هَذَا، بَلْ وَإِذَا دَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَسَلَّمُوا قَالُوا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وأنت خير المنزلين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ [١٠: ٦٧] أَيْ فِي أَمْرِ نُوحٍ وَالسَّفِينَةِ وَإِهْلَاكِ الْكَافِرِينَ. "لَآياتٍ" أَيْ دَلَالَاتٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَنْصُرُ أَنْبِيَاءَهُ وَيُهْلِكُ أَعْدَاءَهُمْ.
(وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) ٣٠ أَيْ مَا كُنَّا إِلَّا مُبْتَلِينَ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ، أَيْ مُخْتَبِرِينَ لَهُمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ لِيَظْهَرَ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي فَيَتَبَيَّنَ لِلْمَلَائِكَةِ حَالُهُمْ، لَا أَنْ يَسْتَجِدَّ الرَّبُّ عِلْمًا. وَقِيلَ: أَيْ نُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى في" البقرة [[راجع ج ٢ ص ١٧٣.]] "وغيرها. وقيل:" إِنْ كُنَّا" أي وقد كنا.