Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Al-Ankaboot
Tafseer Al Qurtubi · The Spider · 69 ayat · ayat 31–60 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى وَأَنْجَيْنَا لُوطًا أَوْ أَرْسَلْنَا لُوطًا. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ موبخا أو محذرا أ (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) "أَإِنَّكُمْ" تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِي هَذَا وَبَيَانُهَا فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ لُوطٍ وَقَوْمِهِ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ" هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٧٩ طبعه أولى أو ثانية.]] " أَيضًا.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قِيلَ: كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ النَّاسَ مِنَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ الْفَاحِشَةِ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ بِالْعُدُولِ عن النساء إلى الرجال. قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. أَيِ اسْتَغْنَوْا بِالرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِيهِمْ فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ لِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْفَاحِشَةِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ. "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" النَّادِي الْمَجْلِسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانُوا يَخْذِفُونَ النِّسَاءَ بِالْحَصَى، وَيَسْتَخِفُّونَ بِالْغَرِيبِ وَالْخَاطِرِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ أم هانئ: سألت رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" قَالَ "كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَعِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ قَصْعَةٌ فِيهَا الْحَصَى لِلْخَذْفِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ عَابِرٌ قَذَفُوهُ فَأَيُّهُمْ أَصَابَهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ" يَعْنِي يَذْهَبُ بِهِ لِلْفَاحِشَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ والقاسم بن أبي بزة [[بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.]] والقاسم ابن مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ [مَنْصُورٌ عَنْ [[في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويت عن تفسير الطبري وغيره]]] مُجَاهِدٍ كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَعْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ لَعِبُ الْحَمَامِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ وَالصَّفِيرُ وَالْخَذْفُ وَنَبْذُ الْحَيَاءِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي بَعْضِ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَالتَّنَاهِي وَاجِبٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ: مَضْغُ الْعِلْكِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ الْإِزَارِ، وَتَنْقِيضُ [[تنقيض الأصابع قرقعتها.]] الْأَصَابِعِ، وَالْعِمَامَةُ الَّتِي تُلَفُّ حَوْلَ الرَّأْسِ، وَالتَّشَابُكُ، وَرَمْيُ الْجُلَاهِقِ، [[الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة الحذف به.]] وَالصَّفِيرُ، وَالْخَذْفُ، وَاللُّوطِيَّةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَتَظَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَشْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَخْذِفُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيَلْبَسُونَ الْمُصَبَّغَاتِ، وَيَتَنَاقَرُونَ بِالدِّيَكَةِ، وَيَتَنَاطَحُونَ بِالْكِبَاشِ، وَيُطَرِّفُونَ أَصَابِعَهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِلِبَاسِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِلِبَاسِ الرِّجَالِ، وَيَضْرِبُونَ الْمُكُوسَ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ اللُّوطِيَّةُ وَالسِّحَاقُ، فَلَمَّا وَقَّفَهُمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ رَجَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَاللِّجَاجِ، فَقَالُوا: (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ) أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا إِلَّا وَهُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى اعْتِقَادِ كَذِبِهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مُعَانِدٌ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ استنصر لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةً لِعَذَابِهِمْ، فَجَاءُوا إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلَى قَوْمِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "هُودٍ" وغيرها. وقرا الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجيه وَأَهْلَهُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْجَى وَنَجَّى بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "إِنَّا مُنَزِّلُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي أبقيت وقاله أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجَمُ بِهَا قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ آثَارُ مَنَازِلِهِمُ الْخَرِبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ فلا تعارض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى وَأَنْجَيْنَا لُوطًا أَوْ أَرْسَلْنَا لُوطًا. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ موبخا أو محذرا أ (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) "أَإِنَّكُمْ" تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِي هَذَا وَبَيَانُهَا فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ لُوطٍ وَقَوْمِهِ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ" هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٧٩ طبعه أولى أو ثانية.]] " أَيضًا.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قِيلَ: كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ النَّاسَ مِنَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ الْفَاحِشَةِ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ بِالْعُدُولِ عن النساء إلى الرجال. قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. أَيِ اسْتَغْنَوْا بِالرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِيهِمْ فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ لِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْفَاحِشَةِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ. "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" النَّادِي الْمَجْلِسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانُوا يَخْذِفُونَ النِّسَاءَ بِالْحَصَى، وَيَسْتَخِفُّونَ بِالْغَرِيبِ وَالْخَاطِرِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ أم هانئ: سألت رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" قَالَ "كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَعِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ قَصْعَةٌ فِيهَا الْحَصَى لِلْخَذْفِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ عَابِرٌ قَذَفُوهُ فَأَيُّهُمْ أَصَابَهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ" يَعْنِي يَذْهَبُ بِهِ لِلْفَاحِشَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ والقاسم بن أبي بزة [[بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.]] والقاسم ابن مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ [مَنْصُورٌ عَنْ [[في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويت عن تفسير الطبري وغيره]]] مُجَاهِدٍ كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَعْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ لَعِبُ الْحَمَامِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ وَالصَّفِيرُ وَالْخَذْفُ وَنَبْذُ الْحَيَاءِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي بَعْضِ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَالتَّنَاهِي وَاجِبٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ: مَضْغُ الْعِلْكِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ الْإِزَارِ، وَتَنْقِيضُ [[تنقيض الأصابع قرقعتها.]] الْأَصَابِعِ، وَالْعِمَامَةُ الَّتِي تُلَفُّ حَوْلَ الرَّأْسِ، وَالتَّشَابُكُ، وَرَمْيُ الْجُلَاهِقِ، [[الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة الحذف به.]] وَالصَّفِيرُ، وَالْخَذْفُ، وَاللُّوطِيَّةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَتَظَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَشْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَخْذِفُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيَلْبَسُونَ الْمُصَبَّغَاتِ، وَيَتَنَاقَرُونَ بِالدِّيَكَةِ، وَيَتَنَاطَحُونَ بِالْكِبَاشِ، وَيُطَرِّفُونَ أَصَابِعَهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِلِبَاسِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِلِبَاسِ الرِّجَالِ، وَيَضْرِبُونَ الْمُكُوسَ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ اللُّوطِيَّةُ وَالسِّحَاقُ، فَلَمَّا وَقَّفَهُمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ رَجَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَاللِّجَاجِ، فَقَالُوا: (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ) أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا إِلَّا وَهُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى اعْتِقَادِ كَذِبِهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مُعَانِدٌ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ استنصر لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةً لِعَذَابِهِمْ، فَجَاءُوا إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلَى قَوْمِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "هُودٍ" وغيرها. وقرا الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجيه وَأَهْلَهُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْجَى وَنَجَّى بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "إِنَّا مُنَزِّلُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي أبقيت وقاله أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجَمُ بِهَا قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ آثَارُ مَنَازِلِهِمُ الْخَرِبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ فلا تعارض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى وَأَنْجَيْنَا لُوطًا أَوْ أَرْسَلْنَا لُوطًا. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ موبخا أو محذرا أ (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) "أَإِنَّكُمْ" تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِي هَذَا وَبَيَانُهَا فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ لُوطٍ وَقَوْمِهِ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ" هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٧٩ طبعه أولى أو ثانية.]] " أَيضًا.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قِيلَ: كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ النَّاسَ مِنَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ الْفَاحِشَةِ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ بِالْعُدُولِ عن النساء إلى الرجال. قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. أَيِ اسْتَغْنَوْا بِالرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِيهِمْ فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ لِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْفَاحِشَةِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ. "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" النَّادِي الْمَجْلِسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانُوا يَخْذِفُونَ النِّسَاءَ بِالْحَصَى، وَيَسْتَخِفُّونَ بِالْغَرِيبِ وَالْخَاطِرِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ أم هانئ: سألت رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" قَالَ "كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَعِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ قَصْعَةٌ فِيهَا الْحَصَى لِلْخَذْفِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ عَابِرٌ قَذَفُوهُ فَأَيُّهُمْ أَصَابَهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ" يَعْنِي يَذْهَبُ بِهِ لِلْفَاحِشَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ والقاسم بن أبي بزة [[بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.]] والقاسم ابن مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ [مَنْصُورٌ عَنْ [[في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويت عن تفسير الطبري وغيره]]] مُجَاهِدٍ كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَعْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ لَعِبُ الْحَمَامِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ وَالصَّفِيرُ وَالْخَذْفُ وَنَبْذُ الْحَيَاءِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي بَعْضِ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَالتَّنَاهِي وَاجِبٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ: مَضْغُ الْعِلْكِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ الْإِزَارِ، وَتَنْقِيضُ [[تنقيض الأصابع قرقعتها.]] الْأَصَابِعِ، وَالْعِمَامَةُ الَّتِي تُلَفُّ حَوْلَ الرَّأْسِ، وَالتَّشَابُكُ، وَرَمْيُ الْجُلَاهِقِ، [[الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة الحذف به.]] وَالصَّفِيرُ، وَالْخَذْفُ، وَاللُّوطِيَّةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَتَظَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَشْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَخْذِفُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيَلْبَسُونَ الْمُصَبَّغَاتِ، وَيَتَنَاقَرُونَ بِالدِّيَكَةِ، وَيَتَنَاطَحُونَ بِالْكِبَاشِ، وَيُطَرِّفُونَ أَصَابِعَهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِلِبَاسِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِلِبَاسِ الرِّجَالِ، وَيَضْرِبُونَ الْمُكُوسَ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ اللُّوطِيَّةُ وَالسِّحَاقُ، فَلَمَّا وَقَّفَهُمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ رَجَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَاللِّجَاجِ، فَقَالُوا: (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ) أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا إِلَّا وَهُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى اعْتِقَادِ كَذِبِهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مُعَانِدٌ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ استنصر لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةً لِعَذَابِهِمْ، فَجَاءُوا إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلَى قَوْمِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "هُودٍ" وغيرها. وقرا الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجيه وَأَهْلَهُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْجَى وَنَجَّى بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "إِنَّا مُنَزِّلُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي أبقيت وقاله أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجَمُ بِهَا قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ آثَارُ مَنَازِلِهِمُ الْخَرِبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ فلا تعارض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى وَأَنْجَيْنَا لُوطًا أَوْ أَرْسَلْنَا لُوطًا. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ موبخا أو محذرا أ (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) "أَإِنَّكُمْ" تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِي هَذَا وَبَيَانُهَا فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ لُوطٍ وَقَوْمِهِ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ" هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٧٩ طبعه أولى أو ثانية.]] " أَيضًا.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قِيلَ: كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ النَّاسَ مِنَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ الْفَاحِشَةِ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ بِالْعُدُولِ عن النساء إلى الرجال. قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. أَيِ اسْتَغْنَوْا بِالرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِيهِمْ فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ لِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْفَاحِشَةِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ. "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" النَّادِي الْمَجْلِسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانُوا يَخْذِفُونَ النِّسَاءَ بِالْحَصَى، وَيَسْتَخِفُّونَ بِالْغَرِيبِ وَالْخَاطِرِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ أم هانئ: سألت رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" قَالَ "كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَعِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ قَصْعَةٌ فِيهَا الْحَصَى لِلْخَذْفِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ عَابِرٌ قَذَفُوهُ فَأَيُّهُمْ أَصَابَهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ" يَعْنِي يَذْهَبُ بِهِ لِلْفَاحِشَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ والقاسم بن أبي بزة [[بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.]] والقاسم ابن مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ [مَنْصُورٌ عَنْ [[في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويت عن تفسير الطبري وغيره]]] مُجَاهِدٍ كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَعْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ لَعِبُ الْحَمَامِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ وَالصَّفِيرُ وَالْخَذْفُ وَنَبْذُ الْحَيَاءِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي بَعْضِ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَالتَّنَاهِي وَاجِبٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ: مَضْغُ الْعِلْكِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ الْإِزَارِ، وَتَنْقِيضُ [[تنقيض الأصابع قرقعتها.]] الْأَصَابِعِ، وَالْعِمَامَةُ الَّتِي تُلَفُّ حَوْلَ الرَّأْسِ، وَالتَّشَابُكُ، وَرَمْيُ الْجُلَاهِقِ، [[الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة الحذف به.]] وَالصَّفِيرُ، وَالْخَذْفُ، وَاللُّوطِيَّةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَتَظَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَشْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَخْذِفُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيَلْبَسُونَ الْمُصَبَّغَاتِ، وَيَتَنَاقَرُونَ بِالدِّيَكَةِ، وَيَتَنَاطَحُونَ بِالْكِبَاشِ، وَيُطَرِّفُونَ أَصَابِعَهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِلِبَاسِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِلِبَاسِ الرِّجَالِ، وَيَضْرِبُونَ الْمُكُوسَ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ اللُّوطِيَّةُ وَالسِّحَاقُ، فَلَمَّا وَقَّفَهُمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ رَجَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَاللِّجَاجِ، فَقَالُوا: (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ) أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا إِلَّا وَهُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى اعْتِقَادِ كَذِبِهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مُعَانِدٌ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ استنصر لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةً لِعَذَابِهِمْ، فَجَاءُوا إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلَى قَوْمِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "هُودٍ" وغيرها. وقرا الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجيه وَأَهْلَهُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْجَى وَنَجَّى بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "إِنَّا مُنَزِّلُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي أبقيت وقاله أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجَمُ بِهَا قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ آثَارُ مَنَازِلِهِمُ الْخَرِبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ فلا تعارض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى وَأَنْجَيْنَا لُوطًا أَوْ أَرْسَلْنَا لُوطًا. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ موبخا أو محذرا أ (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) "أَإِنَّكُمْ" تَقَدَّمَ الْقِرَاءَةُ فِي هَذَا وَبَيَانُهَا فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ لُوطٍ وَقَوْمِهِ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ" هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ٧٩ طبعه أولى أو ثانية.]] " أَيضًا.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قِيلَ: كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ النَّاسَ مِنَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ الْفَاحِشَةِ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ بِالْعُدُولِ عن النساء إلى الرجال. قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. أَيِ اسْتَغْنَوْا بِالرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِيهِمْ فَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ لِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْفَاحِشَةِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ. "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" النَّادِي الْمَجْلِسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانُوا يَخْذِفُونَ النِّسَاءَ بِالْحَصَى، وَيَسْتَخِفُّونَ بِالْغَرِيبِ وَالْخَاطِرِ عَلَيْهِمْ. وَرَوَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ أم هانئ: سألت رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" قَالَ "كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَعِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ قَصْعَةٌ فِيهَا الْحَصَى لِلْخَذْفِ فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ عَابِرٌ قَذَفُوهُ فَأَيُّهُمْ أَصَابَهُ كَانَ أَوْلَى بِهِ" يَعْنِي يَذْهَبُ بِهِ لِلْفَاحِشَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ والقاسم بن أبي بزة [[بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.]] والقاسم ابن مُحَمَّدٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَقَالَ [مَنْصُورٌ عَنْ [[في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويت عن تفسير الطبري وغيره]]] مُجَاهِدٍ كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَعْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ لَعِبُ الْحَمَامِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ وَالصَّفِيرُ وَالْخَذْفُ وَنَبْذُ الْحَيَاءِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي بَعْضِ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَالتَّنَاهِي وَاجِبٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ: مَضْغُ الْعِلْكِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ الْإِزَارِ، وَتَنْقِيضُ [[تنقيض الأصابع قرقعتها.]] الْأَصَابِعِ، وَالْعِمَامَةُ الَّتِي تُلَفُّ حَوْلَ الرَّأْسِ، وَالتَّشَابُكُ، وَرَمْيُ الْجُلَاهِقِ، [[الجلاهق كعلابط البندق الذي يرمى به. والخذف بالخاء المعجمة الحذف به.]] وَالصَّفِيرُ، وَالْخَذْفُ، وَاللُّوطِيَّةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ ذُنُوبٌ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَتَظَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَشْتُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَخْذِفُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَيَلْبَسُونَ الْمُصَبَّغَاتِ، وَيَتَنَاقَرُونَ بِالدِّيَكَةِ، وَيَتَنَاطَحُونَ بِالْكِبَاشِ، وَيُطَرِّفُونَ أَصَابِعَهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِلِبَاسِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِلِبَاسِ الرِّجَالِ، وَيَضْرِبُونَ الْمُكُوسَ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ اللُّوطِيَّةُ وَالسِّحَاقُ، فَلَمَّا وَقَّفَهُمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ رَجَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ وَاللِّجَاجِ، فَقَالُوا: (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ) أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا إِلَّا وَهُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى اعْتِقَادِ كَذِبِهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مُعَانِدٌ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ استنصر لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةً لِعَذَابِهِمْ، فَجَاءُوا إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلَى قَوْمِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي "هُودٍ" وغيرها. وقرا الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي (لننجيه وَأَهْلَهُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْجَى وَنَجَّى بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "إِنَّا مُنَزِّلُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي أبقيت وقاله أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجَمُ بِهَا قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ آثَارُ مَنَازِلِهِمُ الْخَرِبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ فلا تعارض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وأرسلنا إلى مدين. وقد يقدم ذِكْرُهُمْ وَفَسَادُهُمْ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٧ وما بعدها وج ٩ ص ٨٥ وما بعدها طبعه أولى أو طبعه ثانية.]] "وَ" هُودٍ".
(وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) وَقَالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: أَيِ اخْشَوُا الْآخِرَةَ الَّتِي فِيهَا الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ.
(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أَيْ لَا تَكْفُرُوا فَإِنَّهُ أَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ. وَالْعُثُوُّ وَالْعِثِيُّ أَشَدُّ الْفَسَادِ. عَثِيَ يَعْثَى وَعَثَا يَعْثُو بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: "وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ" أَيْ صَدِّقُوا بِهِ فَإِنَّ الْقَوْمَ كانوا ينكرونه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وأرسلنا إلى مدين. وقد يقدم ذِكْرُهُمْ وَفَسَادُهُمْ فِي" الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٧ وما بعدها وج ٩ ص ٨٥ وما بعدها طبعه أولى أو طبعه ثانية.]] "وَ" هُودٍ".
(وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) وَقَالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: أَيِ اخْشَوُا الْآخِرَةَ الَّتِي فِيهَا الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ.
(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أَيْ لَا تَكْفُرُوا فَإِنَّهُ أَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ. وَالْعُثُوُّ وَالْعِثِيُّ أَشَدُّ الْفَسَادِ. عَثِيَ يَعْثَى وَعَثَا يَعْثُو بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: "وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ" أَيْ صَدِّقُوا بِهِ فَإِنَّ الْقَوْمَ كانوا ينكرونه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَيَّ أَوَّلِ السُّورَةِ، أَيْ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَفَتَنَّا عَادًا وَثَمُودَ. قَالَ: وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يكون معطوفا على "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وأخذت عادا وثمودا. وزعم الزجاج: أن التقدير وأهلكنا عادا وثمودا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَاذْكُرْ عَادًا إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ هودا فكذبوه فأهلكناهم، وثمودا أَيْضًا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ صَالِحًا فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِالصَّيْحَةِ كَمَا أَهْلَكْنَا عَادًا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ.
(وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ (مِنْ مَساكِنِهِمْ) بِالْحِجْرِ وَالْأَحْقَافِ آيَاتٌ فِي إِهْلَاكِهِمْ فَحُذِفَ فَاعِلُ التَّبَيُّنِ.
(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) أَيْ أَعْمَالَهُمُ الْخَسِيسَةَ فَحَسِبُوهَا رَفِيعَةً.
(فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أَيْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.
(وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فِي الضَّلَالَةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّانِي: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قَدْ عَرَفُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ بِظُهُورِ الْبَرَاهِينِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ فُلَانٌ مُسْتَبْصِرٌ إِذَا عَرَفَ الشَّيْءَ عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا عُقَلَاءَ ذَوِي بَصَائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ بَصَائِرُهُمْ. وَقِيلَ: أَتَوْا مَا أَتَوْا وقد تبين لهم أن عاقبتهم العذاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنْ شِئْتَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى عَادٍ، وَكَانَ فِيهِ مَا فِيهِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ عَلَى "فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" وَصَدَّ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ. وَقِيلَ: أَيْ وَأَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) عَنِ الْحَقِّ وَعَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.
(وَما كانُوا سابِقِينَ أَيْ فَائِتِينَ. وَقِيلَ: سَابِقِينَ فِي الْكُفْرِ بَلْ قَدْ سَبَقَهُمْ لِلْكُفْرِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ فَأَهْلَكْنَاهُمْ.
(فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: "فَكُلًّا" مَنْصُوبٌ بِ "أَخَذْنا" أَيْ أَخَذْنَا كُلًّا بِذَنْبِهِ.
(فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ. وَالْحَاصِبُ رِيحٌ يَأْتِي بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ. وَتُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ عَذَابٍ (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) يَعْنِي ثَمُودًا وَأَهْلَ مَدْيَنَ.
(وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ) يَعْنِي قَارُونَ (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) قَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ.
(وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) لِأَنَّهُ أَنْذَرَهُمْ وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنْ شِئْتَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى عَادٍ، وَكَانَ فِيهِ مَا فِيهِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ عَلَى "فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" وَصَدَّ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ. وَقِيلَ: أَيْ وَأَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) عَنِ الْحَقِّ وَعَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.
(وَما كانُوا سابِقِينَ أَيْ فَائِتِينَ. وَقِيلَ: سَابِقِينَ فِي الْكُفْرِ بَلْ قَدْ سَبَقَهُمْ لِلْكُفْرِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ فَأَهْلَكْنَاهُمْ.
(فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: "فَكُلًّا" مَنْصُوبٌ بِ "أَخَذْنا" أَيْ أَخَذْنَا كُلًّا بِذَنْبِهِ.
(فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ. وَالْحَاصِبُ رِيحٌ يَأْتِي بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ. وَتُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ عَذَابٍ (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) يَعْنِي ثَمُودًا وَأَهْلَ مَدْيَنَ.
(وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ) يَعْنِي قَارُونَ (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) قَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ.
(وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) لِأَنَّهُ أَنْذَرَهُمْ وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: "كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ" وَقْفٌ تَامٌّ، ثم قِصَّتَهَا فَقَالَ: (اتَّخَذَتْ بَيْتًا) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ "اتَّخَذَتْ بَيْتًا" صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَثَلِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الصِّلَةِ دُونَ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ بمنزلة قوله: "كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً" فيحمل صِلَةٌ لِلْحِمَارِ وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْحِمَارِ دُونَ يَحْمِلُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَقِيهَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا. وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْعَنْكَبُوتِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شي، فَشُبِّهَتِ الْآلِهَةُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ بِهِ.
(وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) أَيْ أَضْعَفَ الْبُيُوتِ (لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ). قَالَ الضَّحَّاكُ: ضَرَبَ مَثَلًا لِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وَوَهَنِهَا فَشَبَّهَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
(لَوْ كَانُوا يعلمون) "لو" متعلقه ببيت الْعَنْكَبُوتِ أَيْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ كَاتِّخَاذِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ الَّتِي لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النُّحَاةُ: إِنَّ تَاءَ الْعَنْكَبُوتِ فِي آخِرِهَا مَزِيدَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي التَّصْغِيرِ وَالْجَمْعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ تَذْكِيرَهَا وَأَنْشَدَ:
عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كأن العنكبوت قد ابتناها
ويروى:
على أهطالهم مِنْهُمْ بُيُوتٌ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْهَطَّالُ: اسْمُ جَبَلٍ. وَالْعَنْكَبُوتُ الدُّوَيْبَّةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا مهلهلا بين الهواء. ويجمع عناكيب وعناكب وَعِكَابٌ وَعُكُبٌ وَأَعْكُبٌ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ يُقَالُ عنكب وعنكباة [[ويقال أيضا: عنكباة بتقديم النون على الكاف.]]، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّمَا يَسْقُطُ مِنْ لُغَامِهَا ... بَيْتُ عنكباة على زمانها
وَتُصَغَّرُ فَيُقَالُ عُنَيْكِبٌ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ شَيْطَانٌ مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَسَجَتِ الْعَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى دَاوُدَ حِيْنَ كَانَ جَالُوتُ يَطْلُبُهُ، وَمَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ مِنْ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ فَإِنَّ تَرْكَهُ فِي الْبُيُوتِ يُورِثُ الْفَقْرَ، وَمَنْعُ الْخَمِيرِ يُورِثُ الْفَقْرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَ "مِنْ" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ضَعْفَ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: "يَدْعُونَ" بِالْيَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِذِكْرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا. الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها) أي هذا المثل وغيره مما ذكر في "البقرة" و "الحج" وغيرهما (نضربها) نُبَيِّنُهَا (لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا) أَيْ يَفْهَمُهَا (إِلَّا الْعَالِمُونَ) أَيِ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ، كَمَا رَوَى جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْعَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بطاعته واجتنب سخطه".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: "كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ" وَقْفٌ تَامٌّ، ثم قِصَّتَهَا فَقَالَ: (اتَّخَذَتْ بَيْتًا) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ "اتَّخَذَتْ بَيْتًا" صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَثَلِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الصِّلَةِ دُونَ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ بمنزلة قوله: "كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً" فيحمل صِلَةٌ لِلْحِمَارِ وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْحِمَارِ دُونَ يَحْمِلُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَقِيهَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا. وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْعَنْكَبُوتِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شي، فَشُبِّهَتِ الْآلِهَةُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ بِهِ.
(وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) أَيْ أَضْعَفَ الْبُيُوتِ (لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ). قَالَ الضَّحَّاكُ: ضَرَبَ مَثَلًا لِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وَوَهَنِهَا فَشَبَّهَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
(لَوْ كَانُوا يعلمون) "لو" متعلقه ببيت الْعَنْكَبُوتِ أَيْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ كَاتِّخَاذِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ الَّتِي لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النُّحَاةُ: إِنَّ تَاءَ الْعَنْكَبُوتِ فِي آخِرِهَا مَزِيدَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي التَّصْغِيرِ وَالْجَمْعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ تَذْكِيرَهَا وَأَنْشَدَ:
عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كأن العنكبوت قد ابتناها
ويروى:
على أهطالهم مِنْهُمْ بُيُوتٌ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْهَطَّالُ: اسْمُ جَبَلٍ. وَالْعَنْكَبُوتُ الدُّوَيْبَّةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا مهلهلا بين الهواء. ويجمع عناكيب وعناكب وَعِكَابٌ وَعُكُبٌ وَأَعْكُبٌ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ يُقَالُ عنكب وعنكباة [[ويقال أيضا: عنكباة بتقديم النون على الكاف.]]، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّمَا يَسْقُطُ مِنْ لُغَامِهَا ... بَيْتُ عنكباة على زمانها
وَتُصَغَّرُ فَيُقَالُ عُنَيْكِبٌ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ شَيْطَانٌ مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَسَجَتِ الْعَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى دَاوُدَ حِيْنَ كَانَ جَالُوتُ يَطْلُبُهُ، وَمَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ مِنْ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ فَإِنَّ تَرْكَهُ فِي الْبُيُوتِ يُورِثُ الْفَقْرَ، وَمَنْعُ الْخَمِيرِ يُورِثُ الْفَقْرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَ "مِنْ" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ضَعْفَ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: "يَدْعُونَ" بِالْيَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِذِكْرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا. الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها) أي هذا المثل وغيره مما ذكر في "البقرة" و "الحج" وغيرهما (نضربها) نُبَيِّنُهَا (لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا) أَيْ يَفْهَمُهَا (إِلَّا الْعَالِمُونَ) أَيِ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ، كَمَا رَوَى جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْعَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بطاعته واجتنب سخطه".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: "كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ" وَقْفٌ تَامٌّ، ثم قِصَّتَهَا فَقَالَ: (اتَّخَذَتْ بَيْتًا) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ "اتَّخَذَتْ بَيْتًا" صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَثَلِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الصِّلَةِ دُونَ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ بمنزلة قوله: "كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً" فيحمل صِلَةٌ لِلْحِمَارِ وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْحِمَارِ دُونَ يَحْمِلُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَقِيهَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا. وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى الْعَنْكَبُوتِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شي، فَشُبِّهَتِ الْآلِهَةُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ بِهِ.
(وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) أَيْ أَضْعَفَ الْبُيُوتِ (لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ). قَالَ الضَّحَّاكُ: ضَرَبَ مَثَلًا لِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وَوَهَنِهَا فَشَبَّهَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
(لَوْ كَانُوا يعلمون) "لو" متعلقه ببيت الْعَنْكَبُوتِ أَيْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ كَاتِّخَاذِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ الَّتِي لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النُّحَاةُ: إِنَّ تَاءَ الْعَنْكَبُوتِ فِي آخِرِهَا مَزِيدَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي التَّصْغِيرِ وَالْجَمْعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ تَذْكِيرَهَا وَأَنْشَدَ:
عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كأن العنكبوت قد ابتناها
ويروى:
على أهطالهم مِنْهُمْ بُيُوتٌ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْهَطَّالُ: اسْمُ جَبَلٍ. وَالْعَنْكَبُوتُ الدُّوَيْبَّةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا مهلهلا بين الهواء. ويجمع عناكيب وعناكب وَعِكَابٌ وَعُكُبٌ وَأَعْكُبٌ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ يُقَالُ عنكب وعنكباة [[ويقال أيضا: عنكباة بتقديم النون على الكاف.]]، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّمَا يَسْقُطُ مِنْ لُغَامِهَا ... بَيْتُ عنكباة على زمانها
وَتُصَغَّرُ فَيُقَالُ عُنَيْكِبٌ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ شَيْطَانٌ مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَسَجَتِ الْعَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى دَاوُدَ حِيْنَ كَانَ جَالُوتُ يَطْلُبُهُ، وَمَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ مِنْ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ فَإِنَّ تَرْكَهُ فِي الْبُيُوتِ يُورِثُ الْفَقْرَ، وَمَنْعُ الْخَمِيرِ يُورِثُ الْفَقْرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَ "مِنْ" للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ضَعْفَ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: "يَدْعُونَ" بِالْيَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِذِكْرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا. الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها) أي هذا المثل وغيره مما ذكر في "البقرة" و "الحج" وغيرهما (نضربها) نُبَيِّنُهَا (لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا) أَيْ يَفْهَمُهَا (إِلَّا الْعَالِمُونَ) أَيِ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ، كَمَا رَوَى جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْعَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بطاعته واجتنب سخطه".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ. وَقِيلَ: بِكَلَامِهِ وَقُدْرَتِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أَيْ عَلَامَةً وَدَلَالَةً (لِلْمُؤْمِنِينَ) الْمُصَدِّقِينَ.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتْلُ﴾ أَمْرٌ مِنَ التِّلَاوَةِ وَالدُّءُوبِ عَلَيْهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "طه" [[راجع ج ١ ص ٢٥٨ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]] الْوَعِيدُ فِيمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا، وَفِي مُقَدَّمَةِ الْكِتَابِ [[راجع ج ١ ص وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.]] الْأَمْرُ بِالْحَضِّ عَلَيْهَا. وَالْكِتَابُ يُرَادُ به القرآن. الثانية- قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ. وإقامة الصلاة أداؤها في وقتها بِقِرَاءَتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَقُعُودِهَا وَتَشَهُّدِهَا وَجَمِيعِ شُرُوطِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٦٤ وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.]] فَلَا معنى للإعادة. الثالثة- قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) يُرِيدُ إن الصلاة الْخَمْسَ هِيَ الَّتِي تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شي" قالوا: لا يبقى من درنه شي، قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا" خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ فِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلَاةُ هُنَا الْقُرْآنُ. وَالْمَعْنَى: الَّذِي يُتْلَى فِي الصَّلَاةِ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وعن الزنى وَالْمَعَاصِي قُلْتُ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ" يُرِيدُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْكَلْبِيُّ: الْعَبْدُ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ لَا يَأْتِي فَحْشَاءَ وَلَا مُنْكَرًا، أَيْ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى مَا دُمْتَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ عُجْمَةٌ وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ فَتًى مِنِ الْأَنْصَارِ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالسَّرِقَةِ إِلَّا رَكِبَهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إن الصلاة ستنهاه" فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تَابَ وَصَلُحَتْ حَالُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ". وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالَ بِهِ الْمَشْيَخَةُ الصُّوفِيَّةُ وَذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِ "أَقِمِ الصَّلَاةَ" إِدَامَتُهَا وَالْقِيَامُ بِحُدُودِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى صَاحِبَهَا وَمُمْتَثِلَهَا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَوْعِظَةِ. وَالصَّلَاةُ تَشْغَلُ كُلَّ بَدَنِ الْمُصَلِّي، فَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي فِي مِحْرَابِهِ وَخَشَعَ وأخبت لربه وادكر أَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَيَرَاهُ، صَلُحَتْ لِذَلِكَ نَفْسُهُ وَتَذَلَّلَتْ، وَخَامَرَهَا ارْتِقَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَظَهَرَتْ عَلَى جَوَارِحِهِ هَيْبَتُهَا، وَلَمْ يَكَدْ يَفْتُرُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى تُظِلَّهُ صَلَاةٌ أُخْرَى يَرْجِعُ بِهَا إِلَى أَفْضَلِ حَالَةٍ. فَهَذَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُؤْمِنِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ. قُلْتُ: لَا سِيَّمَا وَإِنْ أَشْعَرَ نَفْسَهُ أَنَّ هَذَا رُبَّمَا يَكُونُ آخِرَ عَمَلِهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَأَتَمُّ فِي الْمُرَادِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ لَهُ سِنٌّ مَحْدُودٌ، وَلَا زَمَنٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا مَرَضٌ مَعْلُومٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ارْتَعَدَ وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقَّ لِي هَذَا مَعَ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَكَيْفَ مَعَ مَلِكِ الْمُلُوكِ. فَهَذِهِ صَلَاةٌ تَنْهَى وَلَا بُدَّ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ دَائِرَةً حَوْلَ الْإِجْزَاءِ، لَا خُشُوعَ فِيهَا وَلَا تَذَكُّرَ وَلَا فَضَائِلَ، كَصَلَاتِنَا- وَلَيْتَهَا تَجْزِي- فَتِلْكَ تَتْرُكُ صَاحِبَهَا مِنْ مَنْزِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ مَعَاصٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَرَكَتْهُ الصَّلَاةُ يَتَمَادَى عَلَى بُعْدِهِ. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالْأَعْمَشِ قَوْلُهُمْ: "مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرُ لَمْ تَزِدْهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا" وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ أَرْسَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحِ السَّنَدِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ سَمِعْتُ أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: فَإِذَا قَرَرْنَا وَنُظِرَ مَعْنَاهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ نَفْسَ صَلَاةِ الْعَاصِي تُبْعِدُهُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى كَأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي تَقْرِيبِهِ مِنَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُهُ عَلَى حَالِهِ وَمَعَاصِيهِ، مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبُعْدِ، فَلَمْ تَزِدْهُ الصَّلَاةُ إِلَّا تَقْرِيرَ ذَلِكَ الْبُعْدِ الَّذِي كَانَ سَبِيلَهُ، فَكَأَنَّهَا بَعَّدَتْهُ حِيْنَ لَمْ تَكُفَّ بُعْدَهُ عَنِ اللَّهِ. وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ فُلَانًا كَثِيرُ الصَّلَاةِ فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا.
قُلْتُ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِالْحَدِيثِ: "لَمْ تَزِدْهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا وَلَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا مَقْتًا" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَا قَدْرَ لِصَلَاتِهِ، لِغَلَبَةِ الْمَعَاصِي عَلَى صَاحِبِهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ لِيَنْتَهِ الْمُصَلِّي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. وَالصَّلَاةُ بِنَفْسِهَا لَا تَنْهَى، وَلَكِنَّهَا سَبَبُ الِانْتِهَاءِ. وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" وَقَوْلُهُ: "أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ". الرابعة- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ لَكُمْ بِالثَّوَابِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ لَهُ فِي عِبَادَتِكُمْ وَصَلَوَاتِكُمْ. قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو قُرَّةَ وَسَلْمَانُ وَالْحَسَنُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: "وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ" قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إِيَّاهُ". وَقِيلَ: ذِكْرُكُمُ اللَّهَ فِي صَلَاتِكُمْ وَفِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أفضل من كل شي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أَكْبَرُ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي النَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ والمنكر. وقال الضحاك: ولذكر الله عند ما يُحْرِمُ فَيَتْرُكُ أَجَلَّ الذِّكْرِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَذِكْرُ اللَّهِ لِلنَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ أَكْبَرُ أَيْ كبير، وأكبر يَكُونُ بِمَعْنَى كَبِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَتَادَةُ: ولذكر الله أكبر من كل شي أَيْ أَفْضَلُ مِنَ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا بِغَيْرِ ذِكْرٍ. وَقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ يَمْنَعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّ مَنْ كَانَ ذَاكِرًا لَهُ لَا يُخَالِفُهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَعِنْدِي أَنَّ الْمَعْنَى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَيْ هُوَ الَّذِي يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَالْجُزْءُ الَّذِي مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذَاكِرٍ اللَّهَ مُرَاقِبٍ لَهُ. وَثَوَابُ
ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا فِي الْحَدِيثِ "مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ" وَالْحَرَكَاتُ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي نَهْيٍ، وَالذِّكْرُ النَّافِعُ هُوَ مَعَ الْعِلْمِ وَإِقْبَالِ الْقَلْبِ وَتَفَرُّغِهُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ. وَأَمَّا مَا لَا يَتَجَاوَزُ اللِّسَانَ فَفِي رُتْبَةٍ أُخْرَى. وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ هُوَ إِفَاضَةُ الْهُدَى وَنُورِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ ثَمَرَةٌ لِذِكْرِ الْعَبْدِ رَبَّهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ". وَبَاقِي الْآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ الْوَعِيدِ وَالْحَثِّ على المراقبة.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ" فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ فَيَجُوزُ مُجَادَلَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ لَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى حُجَجِهِ وَآيَاتِهِ، رَجَاءَ إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِغْلَاظِ وَالْمُخَاشَنَةِ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" مَعْنَاهُ ظَلَمُوكُمْ، وَإِلَّا فَكُلُّهُمْ ظَلَمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تُجَادِلُوا مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ ابن سَلَامٍ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ.
(إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أَيْ بِالْمُوَافَقَةِ فِيمَا حَدَّثُوكُمْ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا" يُرِيدُ بِهِ مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ مِنْهُمْ، كَمَنْ كَفَرَ وَغَدَرَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا أَيْضًا مُحْكَمَةٌ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال قَتَادَةُ: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا" أَيْ جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا، وَقَالُوا: "يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ" وَ "إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ" فَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ [الَّذِينَ نَصَبُوا الْحَرْبَ وَلَمْ يُؤَدُّوا [[عبارة الأصل هنا: "فهؤلاء المشركون في سقوط الجزية ... إلخ" والتصويب مستفاد من كتب التفسير.]]] الْجِزْيَةَ فَانْتَصَرُوا [مِنْهُمْ]. قَالَ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ: مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قِتَالٌ مَفْرُوضٌ، وَلَا طَلَبَ جِزْيَةٍ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ حَسَنٌ، لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُقَالُ فِيهَا إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، أَوْ حُجَّةٍ مِنْ معقول. واختار هذا القول ابن العربي.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَقَوْلُهُ "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" مَعْنَاهُ إِلَّا الَّذِينَ نَصَبُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الْحَرْبَ فَجِدَالُهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُؤْمِنُوا، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ" "وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ". وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الكتاب عن شي فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ وَإِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ". وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ" فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ فَيَجُوزُ مُجَادَلَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ لَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى حُجَجِهِ وَآيَاتِهِ، رَجَاءَ إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِغْلَاظِ وَالْمُخَاشَنَةِ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" مَعْنَاهُ ظَلَمُوكُمْ، وَإِلَّا فَكُلُّهُمْ ظَلَمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تُجَادِلُوا مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ ابن سَلَامٍ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ.
(إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أَيْ بِالْمُوَافَقَةِ فِيمَا حَدَّثُوكُمْ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا" يُرِيدُ بِهِ مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ مِنْهُمْ، كَمَنْ كَفَرَ وَغَدَرَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا أَيْضًا مُحْكَمَةٌ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال قَتَادَةُ: "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا" أَيْ جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا، وَقَالُوا: "يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ" وَ "إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ" فَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ [الَّذِينَ نَصَبُوا الْحَرْبَ وَلَمْ يُؤَدُّوا [[عبارة الأصل هنا: "فهؤلاء المشركون في سقوط الجزية ... إلخ" والتصويب مستفاد من كتب التفسير.]]] الْجِزْيَةَ فَانْتَصَرُوا [مِنْهُمْ]. قَالَ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ: مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قِتَالٌ مَفْرُوضٌ، وَلَا طَلَبَ جِزْيَةٍ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ حَسَنٌ، لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُقَالُ فِيهَا إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، أَوْ حُجَّةٍ مِنْ معقول. واختار هذا القول ابن العربي.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَقَوْلُهُ "إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" مَعْنَاهُ إِلَّا الَّذِينَ نَصَبُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الْحَرْبَ فَجِدَالُهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُؤْمِنُوا، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ" "وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ". وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الكتاب عن شي فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ وَإِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ". وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ فِي "قَبْلِهِ" عَائِدٌ إِلَى الْكِتَابِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، أَيْ وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَهُ، وَلَا تَخْتَلِفُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فِي غَايَةِ الْإِعْجَازِ وَالتَّضْمِينِ لِلْغُيُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْرَأُ كِتَابًا، وَيَخُطُّ حُرُوفًا "لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ" أَيْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ لَهُمْ فِي ارْتِيَابِهِمْ مُتَعَلَّقٌ، وَقَالُوا الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ وَلَيْسَ بِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَجِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَا يَخُطُّ وَلَا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ النَّحَّاسُ: دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ لِقُرَيْشٍ، لِأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَلَا يُخَالِطُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَجَاءَهُمْ بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ وَزَالَتِ الرِّيبَةُ والشك.
الثَّانِيَةُ- ذَكَرَ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَتَبَ. وَأَسْنَدَ أيضا حديث أبي كشة السَّلُولِيِّ، مُضْمَنُهُ: أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَأَخْبَرَ بِمَعْنَاهَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: "اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ- وَفِي رِوَايَةٍ بَايَعْنَاكَ- وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَمَرَ عليا أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه [[محا الشيء يمحوه ويمحاه محوا ومحيا أذهب أثره.]]. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرِنِي مَكَانَهَا" فَأَرَاهُ فَمَحَاهَا وَكَتَبَ ابْنُ عَبْدِ الله. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَحَا تِلْكَ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ- بِيَدِهِ، وَكَتَبَ مَكَانَهَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِأَظْهَرَ مِنْ هَذَا. فَقَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكُتَّابَ فَكَتَبَ. وَزَادَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى: وَلَا يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: بِجَوَازِ هَذَا الظَّاهِرِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ كَتَبَ بِيَدِهِ، مِنْهُمِ السِّمَنَانِيُّ وَأَبُو ذَرٍّ [[السمنان هو أبو عمرو الفلسطيني. وأبو ذر هو عبد الله بن أحمد الهروي، والباجى هو أبو الوليد.]] وَالْبَاجِيُّ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وَلَا مُعَارِضَ بِقَوْلِهِ: "وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ" وَلَا بِقَوْلِهِ: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ" بَلْ رَأَوْهُ زِيَادَةً فِي مُعْجِزَاتِهِ، وَاسْتِظْهَارًا عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّةِ رِسَالَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ لِكِتَابَةٍ، وَلَا تَعَاطٍ لِأَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِهِ وَقَلَمِهِ حَرَكَاتٍ كَانَتْ عَنْهَا خُطُوطٌ مَفْهُومُهَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِمَنْ قَرَأَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ وَلَا اكْتِسَابٍ، فَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي مُعْجِزَاتِهِ، وَأَعْظَمَ فِي فضائله. لا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْأُمِّيِّ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: وَلَا يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ. فَبَقِيَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأُمِّيِّ مَعَ كَوْنِهِ قَالَ كَتَبَ. قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ: وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا كَثِيرٌ من مُتَفَقِّهَةِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهِمْ وَشَدَّدُوا النَّكِيرَ فِيهِ، وَنَسَبُوا قَائِلَهُ إِلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وَعَدَمِ التَّوَقُّفِ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا، لِأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ، لَا سِيَّمَا رَمْيُ مَنْ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ الْعَصْرِ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالْإِمَامَةِ، عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، بَلْ مُسْتَنَدُهَا ظَوَاهِرُ أَخْبَارِ آحَادٍ صَحِيحَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُهَا. وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ قَاطِعٌ يُحِيلُ وُقُوعَهَا. قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ هِيَ آيَةٌ خَارِقَةٌ، فَيُقَالُ لَهُ: كَانَتْ تَكُونُ آيَةً لَا تُنْكَرُ لَوْلَا أَنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِآيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَوْنُهُ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ، وَبِكَوْنِهِ أُمِّيًّا فِي أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ قَامَتِ الْحُجَّةُ، وَأُفْحِمَ الْجَاحِدُونَ، وَانْحَسَمَتِ الشُّبْهَةُ، فَكَيْفَ يُطْلِقُ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ فَيَكْتُبُ وَتَكُونُ آيَةً. وَإِنَّمَا الْآيَةُ أَلَّا يَكْتُبَ، وَالْمُعْجِزَاتُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَإِنَّمَا مَعْنَى كَتَبَ وَأَخَذَ الْقَلَمَ، أَيْ أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ بِهِ مِنْ كُتَّابِهِ، وَكَانَ مِنْ كَتَبَةِ الْوَحْيِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ كَاتِبًا. الثَّالِثَةُ- ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفِ الْقَلَمَ وَأَقِمِ الْبَاءَ وَفَرِّقِ السِّينَ وَلَا تُعَوِّرِ الْمِيمَ وَحَسِّنِ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ" قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا وَإِنْ لَمْ تَصِحِّ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرْزَقَ عِلْمَ هَذَا، وَيُمْنَعَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ أَنَّهُ مَا كَتَبَ وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ، وَكَذَلِكَ مَا قَرَأَ وَلَا تَهَجَّى. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَهَجَّى النَّبِيُّ ﷺ حِينَ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فقال: "مكتوب بين عينيه ك اف ر" وَقُلْتُمْ إِنَّ الْمُعْجِزَةَ قَائِمَةٌ فِي كَوْنِهِ أميا، قال الله تعالى: "وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ" الْآيَةَ وَقَالَ: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ" فَكَيْفَ هَذَا؟ فَالْجَوَابُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ﷺ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالْحَدِيثُ كَالْقُرْآنِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ "يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ" فَقَدْ نَصَّ في ذلك على غير الكتاب مِمَّنْ يَكُونُ أُمِّيًّا. وَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ مَا يكون جليا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ" الْمَعْنَى بَلْ آيَاتُ الْقُرْآنِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ. قَالَ الْحَسَنُ: وَمِثْلُهُ "هَذَا بَصائِرُ" وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ لَجَازَ، نَظِيرُهُ "هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي" قَالَ الْحَسَنُ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْحِفْظَ، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهَا لَا يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ إِلَّا نَظَرًا، فَإِذَا أَطْبَقُوهُ لَمْ يَحْفَظُوا مَا فِيهِ إِلَّا النَّبِيُّونَ. فَقَالَ كَعْبٌ فِي صِفَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ: إِنَّهُمْ حُكَمَاءُ عُلَمَاءَ وَهُمْ فِي الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ.
(فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أَيْ لَيْسَ هَذَا الْقُرْآنُ كَمَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ مِنْ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ شِعْرٌ، وَلَكِنَّهُ عَلَامَاتٌ وَدَلَائِلُ يُعْرَفُ بِهَا دِينُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ. وَهِيَ كَذَلِكَ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ، يَحْفَظُونَهُ وَيَقْرَءُونَهُ. وَوَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ، لِأَنَّهُمْ مَيَّزُوا بِأَفْهَامِهِمْ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ الْبَشَرِ وَالشَّيَاطِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: "بَلْ هُوَ" يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ "آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ، وَلَا يَكْتُبُ، وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَكَتَمُوا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ السَّمَيْقَعِ: "بَلْ هَذَا آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ" وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ آيَاتٍ لَا آيَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَلِهَذَا قَالَ: "بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ". وَقِيلَ: بَلْ هُوَ ذُو آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
(وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ) أَيِ الْكُفَّارُ، لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به.
قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ) هَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعْنَاهُ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ كَآيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. قِيلَ: كَمَا جَاءَ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ، وَمُوسَى بِالْعَصَا، وَعِيسَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، أَيْ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) فَهُوَ يَأْتِي بِهَا كَمَا يُرِيدُ، إِذَا شَاءَ أَرْسَلَهَا وَلَيْسَتْ عِنْدِي (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ). وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "آيَةٌ" بِالتَّوْحِيدِ. وَجَمَعَ الْبَاقُونَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هذا جواب لقولهم "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ" أي أو لم يَكْفِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْآيَاتِ هَذَا الْكِتَابُ الْمُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أَوْ بسورة منه فعجزوا، ولوا أَتَيْتَهُمْ بِآيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى لَقَالُوا: سِحْرٌ وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ السِّحْرَ، وَالْكَلَامُ مَقْدُورٌ، لَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ عَجَزُوا عَنِ الْمُعَارَضَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ "كَفَى بِقَوْمٍ ضلالة وأن يرغبون عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ" أَخْرَجَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي كُتُبِهِمْ. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" وَفِي مِثْلِهِ قَالَ ﷺ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَيْ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَهَذَا تَأْوِيلُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ. وَإِذَا كَانَ لِقَاءُ رَبِّهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُقَدَّمَةِ الْكِتَابِ فَالرَّغْبَةُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ضَلَالٌ وَخُسْرَانٌ وَغَبْنٌ وَنُقْصَانٌ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ) أَيْ فِي الْقُرْآنِ "لَرَحْمَةً" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقِيلَ: رَحْمَةً فِي الدُّنْيَا باستنقاذهم مِنَ الضَّلَالَةِ. "وَذِكْرى " فِي الدُّنْيَا بِإِرْشَادِهِمْ بِهِ إِلَى الْحَقِّ (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أَيْ قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ لَكَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ فِيمَا أَدَّعِيهِ مِنْ أَنِّي رَسُولُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كِتَابُهُ.
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لا يخفى عليه شي. وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّةِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ، لأنهم قد أَقَرُّوا بِعِلْمِهِ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يُقِرُّوا بِشَهَادَتِهِ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: بِإِبْلِيسَ. وَقِيلَ: بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
(وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) أَيْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِرُسُلِهِ، وَجَحْدِهِمْ لِكِتَابِهِ. وَقِيلَ: بِمَا أَشْرَكُوا بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَضْدَادِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.
قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ) هَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعْنَاهُ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ كَآيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. قِيلَ: كَمَا جَاءَ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ، وَمُوسَى بِالْعَصَا، وَعِيسَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، أَيْ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) فَهُوَ يَأْتِي بِهَا كَمَا يُرِيدُ، إِذَا شَاءَ أَرْسَلَهَا وَلَيْسَتْ عِنْدِي (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ). وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "آيَةٌ" بِالتَّوْحِيدِ. وَجَمَعَ الْبَاقُونَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هذا جواب لقولهم "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ" أي أو لم يَكْفِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْآيَاتِ هَذَا الْكِتَابُ الْمُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أَوْ بسورة منه فعجزوا، ولوا أَتَيْتَهُمْ بِآيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى لَقَالُوا: سِحْرٌ وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ السِّحْرَ، وَالْكَلَامُ مَقْدُورٌ، لَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ عَجَزُوا عَنِ الْمُعَارَضَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ "كَفَى بِقَوْمٍ ضلالة وأن يرغبون عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ" أَخْرَجَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي كُتُبِهِمْ. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" وَفِي مِثْلِهِ قَالَ ﷺ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَيْ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَهَذَا تَأْوِيلُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ. وَإِذَا كَانَ لِقَاءُ رَبِّهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُقَدَّمَةِ الْكِتَابِ فَالرَّغْبَةُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ضَلَالٌ وَخُسْرَانٌ وَغَبْنٌ وَنُقْصَانٌ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ) أَيْ فِي الْقُرْآنِ "لَرَحْمَةً" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقِيلَ: رَحْمَةً فِي الدُّنْيَا باستنقاذهم مِنَ الضَّلَالَةِ. "وَذِكْرى " فِي الدُّنْيَا بِإِرْشَادِهِمْ بِهِ إِلَى الْحَقِّ (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أَيْ قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ لَكَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ فِيمَا أَدَّعِيهِ مِنْ أَنِّي رَسُولُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كِتَابُهُ.
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لا يخفى عليه شي. وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّةِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ، لأنهم قد أَقَرُّوا بِعِلْمِهِ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يُقِرُّوا بِشَهَادَتِهِ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: بِإِبْلِيسَ. وَقِيلَ: بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
(وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) أَيْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِرُسُلِهِ، وَجَحْدِهِمْ لِكِتَابِهِ. وَقِيلَ: بِمَا أَشْرَكُوا بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَضْدَادِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.
قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ) هَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعْنَاهُ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ كَآيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. قِيلَ: كَمَا جَاءَ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ، وَمُوسَى بِالْعَصَا، وَعِيسَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، أَيْ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) فَهُوَ يَأْتِي بِهَا كَمَا يُرِيدُ، إِذَا شَاءَ أَرْسَلَهَا وَلَيْسَتْ عِنْدِي (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ). وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "آيَةٌ" بِالتَّوْحِيدِ. وَجَمَعَ الْبَاقُونَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هذا جواب لقولهم "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ" أي أو لم يَكْفِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْآيَاتِ هَذَا الْكِتَابُ الْمُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أَوْ بسورة منه فعجزوا، ولوا أَتَيْتَهُمْ بِآيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى لَقَالُوا: سِحْرٌ وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ السِّحْرَ، وَالْكَلَامُ مَقْدُورٌ، لَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ عَجَزُوا عَنِ الْمُعَارَضَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ "كَفَى بِقَوْمٍ ضلالة وأن يرغبون عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ" أَخْرَجَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي كُتُبِهِمْ. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" وَفِي مِثْلِهِ قَالَ ﷺ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَيْ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَهَذَا تَأْوِيلُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ. وَإِذَا كَانَ لِقَاءُ رَبِّهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُقَدَّمَةِ الْكِتَابِ فَالرَّغْبَةُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ضَلَالٌ وَخُسْرَانٌ وَغَبْنٌ وَنُقْصَانٌ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ) أَيْ فِي الْقُرْآنِ "لَرَحْمَةً" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقِيلَ: رَحْمَةً فِي الدُّنْيَا باستنقاذهم مِنَ الضَّلَالَةِ. "وَذِكْرى " فِي الدُّنْيَا بِإِرْشَادِهِمْ بِهِ إِلَى الْحَقِّ (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أَيْ قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ لَكَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ فِيمَا أَدَّعِيهِ مِنْ أَنِّي رَسُولُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كِتَابُهُ.
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لا يخفى عليه شي. وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّةِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ، لأنهم قد أَقَرُّوا بِعِلْمِهِ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يُقِرُّوا بِشَهَادَتِهِ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: بِإِبْلِيسَ. وَقِيلَ: بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
(وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) أَيْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِرُسُلِهِ، وَجَحْدِهِمْ لِكِتَابِهِ. وَقِيلَ: بِمَا أَشْرَكُوا بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَضْدَادِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ لَمَّا أَنْذَرَهُمْ بِالْعَذَابِ قَالُوا لِفَرْطِ الْإِنْكَارِ: عَجِّلْ لَنَا هَذَا الْعَذَابَ. وقيل: إن قائل ذلك النضر بن الحرث وَأَبُو جَهْلٍ حِينَ قَالَا "اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" وَقَوْلُهُمْ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" وقوله: (وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى) فِي نُزُولِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي هُوَ مَا وَعَدْتُكَ أَلَّا أُعَذِّبَ قَوْمَكَ وَأُؤَخِّرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. بَيَانُهُ: "بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ". وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مُدَّةُ أَعْمَارِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى النَّفْخَةُ الْأُولَى، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: الْوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلَاكِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلِكُلِّ عَذَابٍ أَجَلٌ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: "لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ".
(لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) يَعْنِي الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.
(وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً) أَيْ فَجْأَةً.
(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
(يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) أَيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَأَنَّهَا سَتُحِيطُ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ، فَمَا مَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا "أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا هُوَ قَبْلَهُ، أَيْ يَوْمَ يُصِيبُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فَإِذَا غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ أَحَاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ. وَإِنَّمَا قَالَ "مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" لِلْمُقَارَبَةِ وَإِلَّا فَالْغَشَيَانُ مِنْ فَوْقُ أَعَمُّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرِ:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا [[تمام البيت:
حتى شتت همالة عيناها]]
وَقَالَ آخَرُ:
لَقَدْ كَانَ قَوَّادَ الْجِيَادِ إِلَى الْعِدَا ... عَلَيْهِنَّ غَابٌ مِنْ قَنًى وَدُرُوعِ
"(وَيَقُولُ ذُوقُوا) " قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: "نَقُولُ" بِالنُّونِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ: "قُلْ كَفى بِاللَّهِ" وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِمْ يَقُولُ "ذُوقُوا" والقراءتان تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى أَيْ يَقُولُ الْمَلَكُ بِأَمْرِنَا ذوقوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ لَمَّا أَنْذَرَهُمْ بِالْعَذَابِ قَالُوا لِفَرْطِ الْإِنْكَارِ: عَجِّلْ لَنَا هَذَا الْعَذَابَ. وقيل: إن قائل ذلك النضر بن الحرث وَأَبُو جَهْلٍ حِينَ قَالَا "اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" وَقَوْلُهُمْ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" وقوله: (وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى) فِي نُزُولِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي هُوَ مَا وَعَدْتُكَ أَلَّا أُعَذِّبَ قَوْمَكَ وَأُؤَخِّرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. بَيَانُهُ: "بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ". وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مُدَّةُ أَعْمَارِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى النَّفْخَةُ الْأُولَى، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: الْوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلَاكِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلِكُلِّ عَذَابٍ أَجَلٌ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: "لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ".
(لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) يَعْنِي الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.
(وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً) أَيْ فَجْأَةً.
(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
(يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) أَيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَأَنَّهَا سَتُحِيطُ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ، فَمَا مَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا "أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا هُوَ قَبْلَهُ، أَيْ يَوْمَ يُصِيبُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فَإِذَا غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ أَحَاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ. وَإِنَّمَا قَالَ "مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" لِلْمُقَارَبَةِ وَإِلَّا فَالْغَشَيَانُ مِنْ فَوْقُ أَعَمُّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرِ:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا [[تمام البيت:
حتى شتت همالة عيناها]]
وَقَالَ آخَرُ:
لَقَدْ كَانَ قَوَّادَ الْجِيَادِ إِلَى الْعِدَا ... عَلَيْهِنَّ غَابٌ مِنْ قَنًى وَدُرُوعِ
"(وَيَقُولُ ذُوقُوا) " قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: "نَقُولُ" بِالنُّونِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ: "قُلْ كَفى بِاللَّهِ" وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِمْ يَقُولُ "ذُوقُوا" والقراءتان تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى أَيْ يَقُولُ الْمَلَكُ بِأَمْرِنَا ذوقوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ لَمَّا أَنْذَرَهُمْ بِالْعَذَابِ قَالُوا لِفَرْطِ الْإِنْكَارِ: عَجِّلْ لَنَا هَذَا الْعَذَابَ. وقيل: إن قائل ذلك النضر بن الحرث وَأَبُو جَهْلٍ حِينَ قَالَا "اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" وَقَوْلُهُمْ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ" وقوله: (وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى) فِي نُزُولِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي هُوَ مَا وَعَدْتُكَ أَلَّا أُعَذِّبَ قَوْمَكَ وَأُؤَخِّرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. بَيَانُهُ: "بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ". وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مُدَّةُ أَعْمَارِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى النَّفْخَةُ الْأُولَى، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: الْوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلَاكِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلِكُلِّ عَذَابٍ أَجَلٌ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: "لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ".
(لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) يَعْنِي الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.
(وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً) أَيْ فَجْأَةً.
(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
(يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) أَيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَأَنَّهَا سَتُحِيطُ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ، فَمَا مَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا "أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا هُوَ قَبْلَهُ، أَيْ يَوْمَ يُصِيبُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فَإِذَا غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ أَحَاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ. وَإِنَّمَا قَالَ "مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" لِلْمُقَارَبَةِ وَإِلَّا فَالْغَشَيَانُ مِنْ فَوْقُ أَعَمُّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرِ:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا [[تمام البيت:
حتى شتت همالة عيناها]]
وَقَالَ آخَرُ:
لَقَدْ كَانَ قَوَّادَ الْجِيَادِ إِلَى الْعِدَا ... عَلَيْهِنَّ غَابٌ مِنْ قَنًى وَدُرُوعِ
"(وَيَقُولُ ذُوقُوا) " قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: "نَقُولُ" بِالنُّونِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ: "قُلْ كَفى بِاللَّهِ" وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِمْ يَقُولُ "ذُوقُوا" والقراءتان تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى أَيْ يَقُولُ الْمَلَكُ بِأَمْرِنَا ذوقوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ عَلَى الْهِجْرَةِ- فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ- فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَعَةِ أَرْضِهِ، وَأَنَّ الْبَقَاءَ فِي بُقْعَةٍ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بِصَوَابٍ. بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتَلَمَّسَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ صَالِحِي عِبَادِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي ضِيقٍ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهَا فَهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا وَاسِعَةٌ، لِإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم وَالْمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَتَلْزَمُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ حَقٍّ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ" فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: الْمَعْنَى إِنَّ رَحْمَتِي وَاسِعَةٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ فَابْتَغُوهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ غَالِيَةٍ فَانْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا تَمْلَأُ فِيهَا جِرَابَكَ خُبْزًا بِدِرْهَمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَرْضِي التي هي أرضى الْجَنَّةِ وَاسِعَةٌ. "فَاعْبُدُونِ" حَتَّى أُورِثَكُمُوهَا. "فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" "فَإِيَّايَ" مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ فَاعْبُدُوا إِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، فَاسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ عَنِ الثَّانِي، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِيَّايَ" بِمَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ ضَاقَ بِكُمْ مَوْضِعٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي [فِي غَيْرِهِ [[زيادة يقتضيها السياق.]]]، لِأَنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عمران" [[راجع ج ٤ ص ٢٩٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وإنما ذكره ها هنا تَحْقِيرًا لِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا. كَأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَ فِي عَاقِبَةٍ تَلْحَقُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَجُوعُ أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَحَقَّرَ اللَّهُ شَأْنَ الدُّنْيَا أَيْ أَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ وَمَحْشُورُونَ إِلَيْنَا، فَالْبِدَارُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا يُمْتَثَلُ. ثُمَّ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَنَالُونَهُ، ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقرا ابو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي أسحق وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "يَا عِبَادِي" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ. "إِنَّ أَرْضِي" فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ. وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلَوْ قِيدَ شِبْرٍ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. "ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ". وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "يُرْجَعُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ" وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينِ يَنْشُدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإِنْ تَوَشَّحْتَ من أثوابها الحسنا
أَيْنَ الْأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا فَعَلُوا .. أَيْنَ الَّذِينَ هُمُو كَانُوا لَهَا سَكَنَا
سَقَاهُمُ الْمَوْتُ كَأْسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لَنُثَوِّيَنَّهُمْ" بِالثَّاءِ مَكَانَ الْبَاءِ مِنَ الثَّوْيِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، أَيْ لَنُعْطِيَنَّهُمْ غُرَفًا يَثْوُونَ فِيهَا. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَالْجَحْدَرِيِّ وَالسُّلَمِيِّ "لَيُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالْيَاءِ مَكَانَ النُّونِ. الْبَاقُونَ "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أَيْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ. "غُرَفاً" جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ الْعَلِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَهْلِ [[هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم.]] بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا" فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ﴾ أَسْنَدَ الْوَاحِدِيُّ عَنْ يزيد بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ [ويأكل [[الزيادة من كتاب "أسباب النزول" للواحدي.]]] فقال "يا بن عمر مالك لَا تَأْكُلُ" فَقُلْتُ لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صَبِيحَةُ رَابِعَةٍ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ قَالَ: وَاللَّهُ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:" وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يُضَعِّفُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمٌ. وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ وَالْأَئِمَّةُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ "اخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَاجِرُوا وَلَا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ" قَالُوا: لَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا عَقَارٌ وَلَا مَنْ يُطْعِمُنَا وَلَا مَنْ يَسْقِينَا. فَنَزَلَتْ: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" أَيْ لَيْسَ مَعَهَا رِزْقُهَا مُدَّخَرًا. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ. وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ القول الأول. وتقدم الكلام في "كَأَيِّنْ" وأن هَذِهِ أَيِّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَصَارَ فِيهَا مَعْنَى كَمْ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ كَالْعَدَدِ أَيْ كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ دَابَّةٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ وَالْبَهَائِمَ تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا. الْحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِهَا وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ. وَقِيلَ: "لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا" أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهَا "اللَّهُ يَرْزُقُها" أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ "وَإِيَّاكُمْ" وَقِيلَ: الْحَمْلُ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْمُرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ وَلَا يَدَّخِرُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَكَيْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّمْلِ" عِنْدَ قَوْلِهِ "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّوَابُّ هُوَ كُلُّ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ لَا يَحْمِلُ رِزْقَهُ وَلَا يَدَّخِرُ إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالنَّمْلُ وَالْفَأْرُ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَأَيْتُ الْبُلْبُلَ يَحْتَكِرُ فِي مِحْضَنِهِ. وَيُقَالُ لِلْعَقْعَقِ مَخَابِئُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْسَاهَا. "اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" يُسَوِّي بَيْنَ الْحَرِيصِ وَالْمُتَوَكِّلِ فِي رِزْقِهِ، وَبَيْنَ الرَّاغِبِ وَالْقَانِعِ، وَبَيْنَ الْحَيُولِ وَالْعَاجِزِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ الْجَلِدُ أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِجَلَدِهِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ الْعَاجِزُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا". لِدُعَائِكُمْ وَقَوْلِكُمْ لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ (الْعَلِيمُ) بما في قلوبكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ عَلَى الْهِجْرَةِ- فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ- فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَعَةِ أَرْضِهِ، وَأَنَّ الْبَقَاءَ فِي بُقْعَةٍ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بِصَوَابٍ. بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتَلَمَّسَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ صَالِحِي عِبَادِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي ضِيقٍ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهَا فَهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا وَاسِعَةٌ، لِإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم وَالْمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَتَلْزَمُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ حَقٍّ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ" فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: الْمَعْنَى إِنَّ رَحْمَتِي وَاسِعَةٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ فَابْتَغُوهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ غَالِيَةٍ فَانْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا تَمْلَأُ فِيهَا جِرَابَكَ خُبْزًا بِدِرْهَمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَرْضِي التي هي أرضى الْجَنَّةِ وَاسِعَةٌ. "فَاعْبُدُونِ" حَتَّى أُورِثَكُمُوهَا. "فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" "فَإِيَّايَ" مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ فَاعْبُدُوا إِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، فَاسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ عَنِ الثَّانِي، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِيَّايَ" بِمَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ ضَاقَ بِكُمْ مَوْضِعٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي [فِي غَيْرِهِ [[زيادة يقتضيها السياق.]]]، لِأَنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عمران" [[راجع ج ٤ ص ٢٩٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وإنما ذكره ها هنا تَحْقِيرًا لِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا. كَأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَ فِي عَاقِبَةٍ تَلْحَقُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَجُوعُ أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَحَقَّرَ اللَّهُ شَأْنَ الدُّنْيَا أَيْ أَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ وَمَحْشُورُونَ إِلَيْنَا، فَالْبِدَارُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا يُمْتَثَلُ. ثُمَّ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَنَالُونَهُ، ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقرا ابو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي أسحق وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "يَا عِبَادِي" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ. "إِنَّ أَرْضِي" فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ. وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلَوْ قِيدَ شِبْرٍ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. "ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ". وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "يُرْجَعُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ" وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينِ يَنْشُدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإِنْ تَوَشَّحْتَ من أثوابها الحسنا
أَيْنَ الْأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا فَعَلُوا .. أَيْنَ الَّذِينَ هُمُو كَانُوا لَهَا سَكَنَا
سَقَاهُمُ الْمَوْتُ كَأْسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لَنُثَوِّيَنَّهُمْ" بِالثَّاءِ مَكَانَ الْبَاءِ مِنَ الثَّوْيِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، أَيْ لَنُعْطِيَنَّهُمْ غُرَفًا يَثْوُونَ فِيهَا. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَالْجَحْدَرِيِّ وَالسُّلَمِيِّ "لَيُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالْيَاءِ مَكَانَ النُّونِ. الْبَاقُونَ "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أَيْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ. "غُرَفاً" جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ الْعَلِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَهْلِ [[هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم.]] بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا" فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ﴾ أَسْنَدَ الْوَاحِدِيُّ عَنْ يزيد بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ [ويأكل [[الزيادة من كتاب "أسباب النزول" للواحدي.]]] فقال "يا بن عمر مالك لَا تَأْكُلُ" فَقُلْتُ لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صَبِيحَةُ رَابِعَةٍ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ قَالَ: وَاللَّهُ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:" وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يُضَعِّفُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمٌ. وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ وَالْأَئِمَّةُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ "اخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَاجِرُوا وَلَا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ" قَالُوا: لَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا عَقَارٌ وَلَا مَنْ يُطْعِمُنَا وَلَا مَنْ يَسْقِينَا. فَنَزَلَتْ: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" أَيْ لَيْسَ مَعَهَا رِزْقُهَا مُدَّخَرًا. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ. وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ القول الأول. وتقدم الكلام في "كَأَيِّنْ" وأن هَذِهِ أَيِّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَصَارَ فِيهَا مَعْنَى كَمْ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ كَالْعَدَدِ أَيْ كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ دَابَّةٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ وَالْبَهَائِمَ تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا. الْحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِهَا وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ. وَقِيلَ: "لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا" أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهَا "اللَّهُ يَرْزُقُها" أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ "وَإِيَّاكُمْ" وَقِيلَ: الْحَمْلُ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْمُرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ وَلَا يَدَّخِرُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَكَيْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّمْلِ" عِنْدَ قَوْلِهِ "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّوَابُّ هُوَ كُلُّ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ لَا يَحْمِلُ رِزْقَهُ وَلَا يَدَّخِرُ إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالنَّمْلُ وَالْفَأْرُ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَأَيْتُ الْبُلْبُلَ يَحْتَكِرُ فِي مِحْضَنِهِ. وَيُقَالُ لِلْعَقْعَقِ مَخَابِئُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْسَاهَا. "اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" يُسَوِّي بَيْنَ الْحَرِيصِ وَالْمُتَوَكِّلِ فِي رِزْقِهِ، وَبَيْنَ الرَّاغِبِ وَالْقَانِعِ، وَبَيْنَ الْحَيُولِ وَالْعَاجِزِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ الْجَلِدُ أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِجَلَدِهِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ الْعَاجِزُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا". لِدُعَائِكُمْ وَقَوْلِكُمْ لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ (الْعَلِيمُ) بما في قلوبكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ عَلَى الْهِجْرَةِ- فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ- فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَعَةِ أَرْضِهِ، وَأَنَّ الْبَقَاءَ فِي بُقْعَةٍ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بِصَوَابٍ. بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتَلَمَّسَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ صَالِحِي عِبَادِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي ضِيقٍ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهَا فَهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا وَاسِعَةٌ، لِإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم وَالْمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَتَلْزَمُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ حَقٍّ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ" فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: الْمَعْنَى إِنَّ رَحْمَتِي وَاسِعَةٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ فَابْتَغُوهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ غَالِيَةٍ فَانْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا تَمْلَأُ فِيهَا جِرَابَكَ خُبْزًا بِدِرْهَمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَرْضِي التي هي أرضى الْجَنَّةِ وَاسِعَةٌ. "فَاعْبُدُونِ" حَتَّى أُورِثَكُمُوهَا. "فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" "فَإِيَّايَ" مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ فَاعْبُدُوا إِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، فَاسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ عَنِ الثَّانِي، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِيَّايَ" بِمَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ ضَاقَ بِكُمْ مَوْضِعٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي [فِي غَيْرِهِ [[زيادة يقتضيها السياق.]]]، لِأَنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عمران" [[راجع ج ٤ ص ٢٩٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وإنما ذكره ها هنا تَحْقِيرًا لِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا. كَأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَ فِي عَاقِبَةٍ تَلْحَقُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَجُوعُ أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَحَقَّرَ اللَّهُ شَأْنَ الدُّنْيَا أَيْ أَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ وَمَحْشُورُونَ إِلَيْنَا، فَالْبِدَارُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا يُمْتَثَلُ. ثُمَّ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَنَالُونَهُ، ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقرا ابو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي أسحق وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "يَا عِبَادِي" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ. "إِنَّ أَرْضِي" فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ. وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلَوْ قِيدَ شِبْرٍ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. "ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ". وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "يُرْجَعُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ" وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينِ يَنْشُدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإِنْ تَوَشَّحْتَ من أثوابها الحسنا
أَيْنَ الْأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا فَعَلُوا .. أَيْنَ الَّذِينَ هُمُو كَانُوا لَهَا سَكَنَا
سَقَاهُمُ الْمَوْتُ كَأْسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لَنُثَوِّيَنَّهُمْ" بِالثَّاءِ مَكَانَ الْبَاءِ مِنَ الثَّوْيِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، أَيْ لَنُعْطِيَنَّهُمْ غُرَفًا يَثْوُونَ فِيهَا. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَالْجَحْدَرِيِّ وَالسُّلَمِيِّ "لَيُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالْيَاءِ مَكَانَ النُّونِ. الْبَاقُونَ "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أَيْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ. "غُرَفاً" جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ الْعَلِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَهْلِ [[هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم.]] بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا" فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ﴾ أَسْنَدَ الْوَاحِدِيُّ عَنْ يزيد بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ [ويأكل [[الزيادة من كتاب "أسباب النزول" للواحدي.]]] فقال "يا بن عمر مالك لَا تَأْكُلُ" فَقُلْتُ لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صَبِيحَةُ رَابِعَةٍ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ قَالَ: وَاللَّهُ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:" وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يُضَعِّفُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمٌ. وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ وَالْأَئِمَّةُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ "اخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَاجِرُوا وَلَا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ" قَالُوا: لَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا عَقَارٌ وَلَا مَنْ يُطْعِمُنَا وَلَا مَنْ يَسْقِينَا. فَنَزَلَتْ: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" أَيْ لَيْسَ مَعَهَا رِزْقُهَا مُدَّخَرًا. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ. وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ القول الأول. وتقدم الكلام في "كَأَيِّنْ" وأن هَذِهِ أَيِّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَصَارَ فِيهَا مَعْنَى كَمْ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ كَالْعَدَدِ أَيْ كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ دَابَّةٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ وَالْبَهَائِمَ تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا. الْحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِهَا وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ. وَقِيلَ: "لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا" أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهَا "اللَّهُ يَرْزُقُها" أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ "وَإِيَّاكُمْ" وَقِيلَ: الْحَمْلُ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْمُرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ وَلَا يَدَّخِرُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَكَيْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّمْلِ" عِنْدَ قَوْلِهِ "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّوَابُّ هُوَ كُلُّ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ لَا يَحْمِلُ رِزْقَهُ وَلَا يَدَّخِرُ إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالنَّمْلُ وَالْفَأْرُ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَأَيْتُ الْبُلْبُلَ يَحْتَكِرُ فِي مِحْضَنِهِ. وَيُقَالُ لِلْعَقْعَقِ مَخَابِئُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْسَاهَا. "اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" يُسَوِّي بَيْنَ الْحَرِيصِ وَالْمُتَوَكِّلِ فِي رِزْقِهِ، وَبَيْنَ الرَّاغِبِ وَالْقَانِعِ، وَبَيْنَ الْحَيُولِ وَالْعَاجِزِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ الْجَلِدُ أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِجَلَدِهِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ الْعَاجِزُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا". لِدُعَائِكُمْ وَقَوْلِكُمْ لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ (الْعَلِيمُ) بما في قلوبكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ عَلَى الْهِجْرَةِ- فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ- فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَعَةِ أَرْضِهِ، وَأَنَّ الْبَقَاءَ فِي بُقْعَةٍ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بِصَوَابٍ. بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتَلَمَّسَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ صَالِحِي عِبَادِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي ضِيقٍ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهَا فَهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا وَاسِعَةٌ، لِإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم وَالْمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَتَلْزَمُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ حَقٍّ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ" فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: الْمَعْنَى إِنَّ رَحْمَتِي وَاسِعَةٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ فَابْتَغُوهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ غَالِيَةٍ فَانْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا تَمْلَأُ فِيهَا جِرَابَكَ خُبْزًا بِدِرْهَمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَرْضِي التي هي أرضى الْجَنَّةِ وَاسِعَةٌ. "فَاعْبُدُونِ" حَتَّى أُورِثَكُمُوهَا. "فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" "فَإِيَّايَ" مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ فَاعْبُدُوا إِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، فَاسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ عَنِ الثَّانِي، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِيَّايَ" بِمَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ ضَاقَ بِكُمْ مَوْضِعٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي [فِي غَيْرِهِ [[زيادة يقتضيها السياق.]]]، لِأَنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عمران" [[راجع ج ٤ ص ٢٩٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وإنما ذكره ها هنا تَحْقِيرًا لِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا. كَأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَ فِي عَاقِبَةٍ تَلْحَقُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَجُوعُ أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَحَقَّرَ اللَّهُ شَأْنَ الدُّنْيَا أَيْ أَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ وَمَحْشُورُونَ إِلَيْنَا، فَالْبِدَارُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا يُمْتَثَلُ. ثُمَّ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَنَالُونَهُ، ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقرا ابو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي أسحق وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "يَا عِبَادِي" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ. "إِنَّ أَرْضِي" فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ. وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلَوْ قِيدَ شِبْرٍ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. "ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ". وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "يُرْجَعُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ" وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينِ يَنْشُدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإِنْ تَوَشَّحْتَ من أثوابها الحسنا
أَيْنَ الْأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا فَعَلُوا .. أَيْنَ الَّذِينَ هُمُو كَانُوا لَهَا سَكَنَا
سَقَاهُمُ الْمَوْتُ كَأْسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لَنُثَوِّيَنَّهُمْ" بِالثَّاءِ مَكَانَ الْبَاءِ مِنَ الثَّوْيِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، أَيْ لَنُعْطِيَنَّهُمْ غُرَفًا يَثْوُونَ فِيهَا. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَالْجَحْدَرِيِّ وَالسُّلَمِيِّ "لَيُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالْيَاءِ مَكَانَ النُّونِ. الْبَاقُونَ "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أَيْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ. "غُرَفاً" جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ الْعَلِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَهْلِ [[هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم.]] بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا" فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ﴾ أَسْنَدَ الْوَاحِدِيُّ عَنْ يزيد بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ [ويأكل [[الزيادة من كتاب "أسباب النزول" للواحدي.]]] فقال "يا بن عمر مالك لَا تَأْكُلُ" فَقُلْتُ لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صَبِيحَةُ رَابِعَةٍ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ قَالَ: وَاللَّهُ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:" وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يُضَعِّفُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمٌ. وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ وَالْأَئِمَّةُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ "اخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَاجِرُوا وَلَا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ" قَالُوا: لَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا عَقَارٌ وَلَا مَنْ يُطْعِمُنَا وَلَا مَنْ يَسْقِينَا. فَنَزَلَتْ: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" أَيْ لَيْسَ مَعَهَا رِزْقُهَا مُدَّخَرًا. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ. وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ القول الأول. وتقدم الكلام في "كَأَيِّنْ" وأن هَذِهِ أَيِّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَصَارَ فِيهَا مَعْنَى كَمْ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ كَالْعَدَدِ أَيْ كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ دَابَّةٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ وَالْبَهَائِمَ تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا. الْحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِهَا وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ. وَقِيلَ: "لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا" أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهَا "اللَّهُ يَرْزُقُها" أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ "وَإِيَّاكُمْ" وَقِيلَ: الْحَمْلُ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْمُرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ وَلَا يَدَّخِرُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَكَيْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّمْلِ" عِنْدَ قَوْلِهِ "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّوَابُّ هُوَ كُلُّ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ لَا يَحْمِلُ رِزْقَهُ وَلَا يَدَّخِرُ إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالنَّمْلُ وَالْفَأْرُ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَأَيْتُ الْبُلْبُلَ يَحْتَكِرُ فِي مِحْضَنِهِ. وَيُقَالُ لِلْعَقْعَقِ مَخَابِئُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْسَاهَا. "اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" يُسَوِّي بَيْنَ الْحَرِيصِ وَالْمُتَوَكِّلِ فِي رِزْقِهِ، وَبَيْنَ الرَّاغِبِ وَالْقَانِعِ، وَبَيْنَ الْحَيُولِ وَالْعَاجِزِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ الْجَلِدُ أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِجَلَدِهِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ الْعَاجِزُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا". لِدُعَائِكُمْ وَقَوْلِكُمْ لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ (الْعَلِيمُ) بما في قلوبكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ عَلَى الْهِجْرَةِ- فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ- فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَعَةِ أَرْضِهِ، وَأَنَّ الْبَقَاءَ فِي بُقْعَةٍ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بِصَوَابٍ. بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتَلَمَّسَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ صَالِحِي عِبَادِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي ضِيقٍ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهَا فَهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا وَاسِعَةٌ، لِإِظْهَارِ التَّوْحِيدِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم وَالْمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَتَلْزَمُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ حَقٍّ. وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ" فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: الْمَعْنَى إِنَّ رَحْمَتِي وَاسِعَةٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِعٌ فَابْتَغُوهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ غَالِيَةٍ فَانْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا تَمْلَأُ فِيهَا جِرَابَكَ خُبْزًا بِدِرْهَمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَرْضِي التي هي أرضى الْجَنَّةِ وَاسِعَةٌ. "فَاعْبُدُونِ" حَتَّى أُورِثَكُمُوهَا. "فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" "فَإِيَّايَ" مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ فَاعْبُدُوا إِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، فَاسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ عَنِ الثَّانِي، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِيَّايَ" بِمَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ ضَاقَ بِكُمْ مَوْضِعٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي [فِي غَيْرِهِ [[زيادة يقتضيها السياق.]]]، لِأَنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عمران" [[راجع ج ٤ ص ٢٩٧ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. وإنما ذكره ها هنا تَحْقِيرًا لِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا. كَأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَ فِي عَاقِبَةٍ تَلْحَقُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَجُوعُ أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَحَقَّرَ اللَّهُ شَأْنَ الدُّنْيَا أَيْ أَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ وَمَحْشُورُونَ إِلَيْنَا، فَالْبِدَارُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا يُمْتَثَلُ. ثُمَّ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَنَالُونَهُ، ثُمَّ نَعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقرا ابو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي أسحق وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "يَا عِبَادِي" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ. "إِنَّ أَرْضِي" فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ. وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلَوْ قِيدَ شِبْرٍ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. "ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ". وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ "يُرْجَعُونَ" بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ" وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينِ يَنْشُدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإِنْ تَوَشَّحْتَ من أثوابها الحسنا
أَيْنَ الْأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا فَعَلُوا .. أَيْنَ الَّذِينَ هُمُو كَانُوا لَهَا سَكَنَا
سَقَاهُمُ الْمَوْتُ كَأْسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لَنُثَوِّيَنَّهُمْ" بِالثَّاءِ مَكَانَ الْبَاءِ مِنَ الثَّوْيِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، أَيْ لَنُعْطِيَنَّهُمْ غُرَفًا يَثْوُونَ فِيهَا. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَالْجَحْدَرِيِّ وَالسُّلَمِيِّ "لَيُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالْيَاءِ مَكَانَ النُّونِ. الْبَاقُونَ "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أَيْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ. "غُرَفاً" جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ الْعَلِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَهْلِ [[هذه رواية أبي سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم.]] بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا" فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ﴾ أَسْنَدَ الْوَاحِدِيُّ عَنْ يزيد بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنِ الزُّهْرِيِّ- وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ [ويأكل [[الزيادة من كتاب "أسباب النزول" للواحدي.]]] فقال "يا بن عمر مالك لَا تَأْكُلُ" فَقُلْتُ لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صَبِيحَةُ رَابِعَةٍ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ قَالَ: وَاللَّهُ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:" وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يُضَعِّفُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ وَمُسْلِمٌ. وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ وَالْأَئِمَّةُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ "اخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَاجِرُوا وَلَا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَ" قَالُوا: لَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا عَقَارٌ وَلَا مَنْ يُطْعِمُنَا وَلَا مَنْ يَسْقِينَا. فَنَزَلَتْ: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" أَيْ لَيْسَ مَعَهَا رِزْقُهَا مُدَّخَرًا. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ. وَهَذَا أَشْبَهُ مِنَ القول الأول. وتقدم الكلام في "كَأَيِّنْ" وأن هَذِهِ أَيِّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ وَصَارَ فِيهَا مَعْنَى كَمْ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ كَالْعَدَدِ أَيْ كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ دَابَّةٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ وَالْبَهَائِمَ تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا. الْحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِهَا وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ. وَقِيلَ: "لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا" أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهَا "اللَّهُ يَرْزُقُها" أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ "وَإِيَّاكُمْ" وَقِيلَ: الْحَمْلُ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْمُرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ وَلَا يَدَّخِرُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَكَيْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّمْلِ" عِنْدَ قَوْلِهِ "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّوَابُّ هُوَ كُلُّ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ لَا يَحْمِلُ رِزْقَهُ وَلَا يَدَّخِرُ إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالنَّمْلُ وَالْفَأْرُ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَأَيْتُ الْبُلْبُلَ يَحْتَكِرُ فِي مِحْضَنِهِ. وَيُقَالُ لِلْعَقْعَقِ مَخَابِئُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْسَاهَا. "اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ" يُسَوِّي بَيْنَ الْحَرِيصِ وَالْمُتَوَكِّلِ فِي رِزْقِهِ، وَبَيْنَ الرَّاغِبِ وَالْقَانِعِ، وَبَيْنَ الْحَيُولِ وَالْعَاجِزِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ الْجَلِدُ أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِجَلَدِهِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ الْعَاجِزُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا". لِدُعَائِكُمْ وَقَوْلِكُمْ لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ (الْعَلِيمُ) بما في قلوبكم.