Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Yaseen
Tafseer Al Qurtubi · Yaseen · 83 ayat · ayat 31–60 · Quran text →
قوله تعالى: "يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مَنْصُوبٌ، لِأَنَّهُ نِدَاءُ نَكِرَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ النَّصْبِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ" عَلَى الْإِضَافَةِ. وَحَقِيقَةُ الْحَسْرَةِ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَلْحَقَ الْإِنْسَانَ مِنَ النَّدَمِ مَا يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ النَّصْبُ، وَأَنَّهُ لَوْ رَفَعْتَ النَّكِرَةَ الْمَوْصُولَةَ بِالصِّلَةِ كَانَ صَوَابًا. وَاسْتَشْهَدَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ: يَا مُهْتَمُّ بِأَمْرِنَا لَا تَهْتَمَّ. وَأَنْشَدَ:
يَا دَارُ غَيَّرَهَا الْبِلَى تَغْيِيرَا [[البيت للأحوص، وتمامه:
وسفت عليها الريح بعدك مورا]]
قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِي هَذَا إِبْطَالُ بَابِ النِّدَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِ، لِأَنَّهُ يَرْفَعُ النَّكِرَةَ الْمَحْضَةَ، وَيَرْفَعُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَافِ فِي طول، وَيَحْذِفُ التَّنْوِينَ مُتَوَسِّطًا، وَيَرْفَعُ مَا هُوَ فِي الْمَعْنَى مَفْعُولٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ. فَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنِ الْعَرَبِ فَلَا يُشْبِهُ مَا أَجَازَهُ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ يَا مُهْتَمُّ بِأَمْرِنَا لَا تَهْتَمَّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْمَعْنَى يَا أَيُّهَا الْمُهْتَمُّ لَا تَهْتَمَّ بِأَمْرِنَا. وَتَقْدِيرُ الْبَيْتِ: يَا أَيَّتُهَا الدَّارُ، ثُمَّ حَوَّلَ الْمُخَاطَبَةَ، أَيْ يَا هَؤُلَاءِ غَيَّرَ هَذِهِ الدَّارَ الْبِلَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. فَ "حَسْرَةً" مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ، كَمَا تَقُولُ يا رجلا أقبل، ومعنى النداء هَذَا مَوْضِعُ حُضُورِ الْحَسْرَةِ. الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى يَا حَسْرَةً مِنَ الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا في استهزائهم برسل عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. ابْنُ عَبَّاسٍ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" أَيْ يَا وَيْلًا عَلَى الْعِبَادِ. وَعَنْهُ أَيْضًا حَلَّ هَؤُلَاءِ مَحَلَّ مَنْ يُتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أن العباد ها هنا الرُّسُلُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ قَالُوا: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" فَتَحَسَّرُوا عَلَى قَتْلِهِمْ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ بِهِمْ، فَتَمَنَّوُا الْإِيمَانَ حِينَ لم ينفعهم الإيمان، وقال مُجَاهِدٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّهَا حَسْرَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْكُفَّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وَقِيلَ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، لَمَّا وَثَبَ الْقَوْمُ لِقَتْلِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرُّسُلَ الثَّلَاثَةَ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا لَمَّا قَتَلَ الْقَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، وَحَلَّ بِالْقَوْمِ العذاب: يا حسرة على هؤلاء، كأنهم أمنوا أَنْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا. وَقِيلَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ الْقَوْمِ قَالُوا لَمَّا قَتَلُوا الرَّجُلَ وَفَارَقَتْهُمُ الرُّسُلُ، أَوْ قَتَلُوا الرَّجُلَ مَعَ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ: يَا حَسْرَةً عَلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، وَعَلَى هَذَا الرَّجُلِ، لَيْتَنَا آمَنَّا بِهِمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْفَعُ الْإِيمَانُ وَتَمَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ". وَقَرَأَ ابْنُ هُرْمُزَ وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ وَعِكْرِمَةُ: "يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَادِ" بِسُكُونِ الْهَاءِ لِلْحِرْصِ عَلَى الْبَيَانِ وَتَقْرِيرِ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ، إِذْ كَانَ مَوْضِعَ وَعْظٍ وَتَنْبِيهٍ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلْوَقْفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا، حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "عَلَى الْعِبادِ" مُتَعَلِّقًا بِالْحَسْرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لَا بِالْحَسْرَةِ، فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ الْوَقْفَ عَلَى الْحَسْرَةِ فَأَسْكَنَ الْهَاءَ، ثُمَّ قَالَ: "عَلَى الْعِبادِ" أَيْ أَتَحَسَّرُ عَلَى الْعِبَادِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا: "يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ" مُضَافٌ بِحَذْفِ "عَلَى". وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْحَفِ. وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْفَاعِلِ فَيَكُونُ الْعِبَادُ فَاعِلِينَ، كَأَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا الْعَذَابَ تَحَسَّرُوا فَهُوَ كَقَوْلِكَ يَا قِيَامَ زَيْدٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ الْعِبَادُ مَفْعُولِينَ، فَكَأَنَّ الْعِبَادَ يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُشْفِقُ لَهُمْ. وَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مُقَوِّيَةٌ لهذا المعنى.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: "أَنَّ" بَدَلٌ مِنْ "كَمْ"، وَمَعْنَى كم ها هنا الْخَبَرُ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُبْدَلَ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ. وَالْمَعْنَى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْقُرُونَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِ "يَرَوْا" وَاسْتَشْهَدَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا". وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أَهْلَكْنا". قَالَ النَّحَّاسُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُحَالٌ، لِأَنَّ "كَمْ" لَا يَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهَا اسْتِفْهَامٌ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهَامُ فِي خَبَرِ مَا قَبْلَهُ. وَكَذَا حُكْمُهَا إِذَا كَانَتْ خَبَرًا، وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أَوْمَأَ إِلَى بَعْضِ هَذَا فَجَعَلَ "أَنَّهُمْ" بَدَلًا مِنْ كَمْ. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أَشَدَّ رَدٍّ، وَقَالَ: "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أَهْلَكْنا" وَ "أَنَّهُمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ بِأَنَّهُمْ أَيْ "أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ" بِالِاسْتِئْصَالِ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَرْجِعُ قَبْلَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ. يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْجَزَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وعاصم وحمزة: "وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا" بتشديد "لَمَّا". وخفف الباقون. فإن مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَبَطَلَ عَمَلُهَا حِينَ تَغَيَّرَ لَفْظُهَا. وَلَزِمَتِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِنْ الَّتِي بِمَعْنَى مَا. "وَمَا" عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ زَائِدَةٌ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وَإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَ "لَمَّا" بِمَعْنَى إِلَّا وَ "إِنْ" بِمَعْنَى مَا، أَيْ مَا كُلٌّ إِلَّا لَجَمِيعٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: فِي قَوْلِهِ سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ لَمَا فَعَلْتَ. وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ١٠٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا محضرون".
قوله تعالى: "يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مَنْصُوبٌ، لِأَنَّهُ نِدَاءُ نَكِرَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ النَّصْبِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ" عَلَى الْإِضَافَةِ. وَحَقِيقَةُ الْحَسْرَةِ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَلْحَقَ الْإِنْسَانَ مِنَ النَّدَمِ مَا يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ النَّصْبُ، وَأَنَّهُ لَوْ رَفَعْتَ النَّكِرَةَ الْمَوْصُولَةَ بِالصِّلَةِ كَانَ صَوَابًا. وَاسْتَشْهَدَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ: يَا مُهْتَمُّ بِأَمْرِنَا لَا تَهْتَمَّ. وَأَنْشَدَ:
يَا دَارُ غَيَّرَهَا الْبِلَى تَغْيِيرَا [[البيت للأحوص، وتمامه:
وسفت عليها الريح بعدك مورا]]
قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِي هَذَا إِبْطَالُ بَابِ النِّدَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِ، لِأَنَّهُ يَرْفَعُ النَّكِرَةَ الْمَحْضَةَ، وَيَرْفَعُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَافِ فِي طول، وَيَحْذِفُ التَّنْوِينَ مُتَوَسِّطًا، وَيَرْفَعُ مَا هُوَ فِي الْمَعْنَى مَفْعُولٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ. فَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنِ الْعَرَبِ فَلَا يُشْبِهُ مَا أَجَازَهُ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ يَا مُهْتَمُّ بِأَمْرِنَا لَا تَهْتَمَّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْمَعْنَى يَا أَيُّهَا الْمُهْتَمُّ لَا تَهْتَمَّ بِأَمْرِنَا. وَتَقْدِيرُ الْبَيْتِ: يَا أَيَّتُهَا الدَّارُ، ثُمَّ حَوَّلَ الْمُخَاطَبَةَ، أَيْ يَا هَؤُلَاءِ غَيَّرَ هَذِهِ الدَّارَ الْبِلَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. فَ "حَسْرَةً" مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ، كَمَا تَقُولُ يا رجلا أقبل، ومعنى النداء هَذَا مَوْضِعُ حُضُورِ الْحَسْرَةِ. الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى يَا حَسْرَةً مِنَ الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا في استهزائهم برسل عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. ابْنُ عَبَّاسٍ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" أَيْ يَا وَيْلًا عَلَى الْعِبَادِ. وَعَنْهُ أَيْضًا حَلَّ هَؤُلَاءِ مَحَلَّ مَنْ يُتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أن العباد ها هنا الرُّسُلُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ قَالُوا: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" فَتَحَسَّرُوا عَلَى قَتْلِهِمْ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ بِهِمْ، فَتَمَنَّوُا الْإِيمَانَ حِينَ لم ينفعهم الإيمان، وقال مُجَاهِدٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّهَا حَسْرَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْكُفَّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وَقِيلَ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، لَمَّا وَثَبَ الْقَوْمُ لِقَتْلِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرُّسُلَ الثَّلَاثَةَ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا لَمَّا قَتَلَ الْقَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، وَحَلَّ بِالْقَوْمِ العذاب: يا حسرة على هؤلاء، كأنهم أمنوا أَنْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا. وَقِيلَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ الْقَوْمِ قَالُوا لَمَّا قَتَلُوا الرَّجُلَ وَفَارَقَتْهُمُ الرُّسُلُ، أَوْ قَتَلُوا الرَّجُلَ مَعَ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ: يَا حَسْرَةً عَلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، وَعَلَى هَذَا الرَّجُلِ، لَيْتَنَا آمَنَّا بِهِمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْفَعُ الْإِيمَانُ وَتَمَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ". وَقَرَأَ ابْنُ هُرْمُزَ وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ وَعِكْرِمَةُ: "يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَادِ" بِسُكُونِ الْهَاءِ لِلْحِرْصِ عَلَى الْبَيَانِ وَتَقْرِيرِ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ، إِذْ كَانَ مَوْضِعَ وَعْظٍ وَتَنْبِيهٍ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلْوَقْفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا، حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "عَلَى الْعِبادِ" مُتَعَلِّقًا بِالْحَسْرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لَا بِالْحَسْرَةِ، فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ الْوَقْفَ عَلَى الْحَسْرَةِ فَأَسْكَنَ الْهَاءَ، ثُمَّ قَالَ: "عَلَى الْعِبادِ" أَيْ أَتَحَسَّرُ عَلَى الْعِبَادِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا: "يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ" مُضَافٌ بِحَذْفِ "عَلَى". وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْحَفِ. وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْفَاعِلِ فَيَكُونُ الْعِبَادُ فَاعِلِينَ، كَأَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا الْعَذَابَ تَحَسَّرُوا فَهُوَ كَقَوْلِكَ يَا قِيَامَ زَيْدٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ الْعِبَادُ مَفْعُولِينَ، فَكَأَنَّ الْعِبَادَ يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُشْفِقُ لَهُمْ. وَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ" مُقَوِّيَةٌ لهذا المعنى.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: "أَنَّ" بَدَلٌ مِنْ "كَمْ"، وَمَعْنَى كم ها هنا الْخَبَرُ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُبْدَلَ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ. وَالْمَعْنَى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْقُرُونَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِ "يَرَوْا" وَاسْتَشْهَدَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا". وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أَهْلَكْنا". قَالَ النَّحَّاسُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُحَالٌ، لِأَنَّ "كَمْ" لَا يَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهَا اسْتِفْهَامٌ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهَامُ فِي خَبَرِ مَا قَبْلَهُ. وَكَذَا حُكْمُهَا إِذَا كَانَتْ خَبَرًا، وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أَوْمَأَ إِلَى بَعْضِ هَذَا فَجَعَلَ "أَنَّهُمْ" بَدَلًا مِنْ كَمْ. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أَشَدَّ رَدٍّ، وَقَالَ: "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أَهْلَكْنا" وَ "أَنَّهُمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ بِأَنَّهُمْ أَيْ "أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ" بِالِاسْتِئْصَالِ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَرْجِعُ قَبْلَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ. يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْجَزَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وعاصم وحمزة: "وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا" بتشديد "لَمَّا". وخفف الباقون. فإن مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَبَطَلَ عَمَلُهَا حِينَ تَغَيَّرَ لَفْظُهَا. وَلَزِمَتِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِنْ الَّتِي بِمَعْنَى مَا. "وَمَا" عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ زَائِدَةٌ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وَإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَ "لَمَّا" بِمَعْنَى إِلَّا وَ "إِنْ" بِمَعْنَى مَا، أَيْ مَا كُلٌّ إِلَّا لَجَمِيعٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: فِي قَوْلِهِ سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ لَمَا فَعَلْتَ. وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [هُودٍ [[راجع ج ٩ ص ١٠٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا محضرون".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَذَكَّرَهُمْ تَوْحِيدَهُ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَإِخْرَاجِ الْحَبِّ مِنْهَا. "فَمِنْهُ" أَيْ مِنَ الْحَبِّ "يَأْكُلُونَ" وَبِهِ يَتَغَذَّوْنَ. وَشَدَّدَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الْمَيِّتَةُ" وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ٢١٦ وما بعدها طبعه ثانيه.]]. "وَجَعَلْنا فِيها" أَيْ فِي الْأَرْضِ. "جَنَّاتٍ" أَيْ بَسَاتِينَ. "مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ" وَخَصَّصَهُمَا بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُمَا أَعْلَى الثِّمَارِ. "وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ" أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ. "لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ" الْهَاءُ فِي "ثَمَرِهِ" تَعُودُ عَلَى مَاءِ الْعُيُونِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ مِنْهُ انْدَرَجَ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: أَيْ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "مِنْ ثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ. وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ ضَمُّ الثَّاءِ وَإِسْكَانُ الْمِيمِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي [الأنعام [[راجع ج ٧ ص ٤٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. "مَا" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى "مِنْ ثَمَرِهِ" أَيْ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: "وَمَا عَمِلَتْ" بِغَيْرِ هَاءٍ. الْبَاقُونَ "عَمِلَتْهُ" عَلَى الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ. وَحَذْفُ الصِّلَةِ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ لِطُولِ الِاسْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَافِيَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى صِلَةٍ وَلَا رَاجِعٍ أَيْ وَلَمْ تَعْمَلْهُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمُ: الْمَعْنَى وَمِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَيْ مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَصْنَافِ الْحَلَاوَاتِ والأطعمة، ومما اتَّخَذُوا مِنَ الْحُبُوبِ بِعِلَاجٍ كَالْخُبْزِ وَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ السُّمْسُمِ وَالزَّيْتُونِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَغْرِسُهُ النَّاسُ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عباس أيضا. نعمه. نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ، إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ مَعَ مَا رَأَوْهُ مِنْ نِعَمِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ. وَفِيهِ تَقْدِيرُ الْأَمْرِ، أَيْ سَبِّحُوهُ وَنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَقِيلَ: فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ فِي كُفْرِهِمْ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَنْ تعجب من شي قَالَ: سُبْحَانَ اللَّه. وَالْأَزْوَاجُ الْأَنْوَاعُ وَالْأَصْنَافُ، فَكُلُّ زَوْجٍ صِنْفٌ، لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْأَشْكَالِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَاخْتِلَافُهَا هُوَ ازْدِوَاجُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
(مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ، لِأَنَّهُ أَصْنَافٌ.
(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) يَعْنِي وَخَلَقَ مِنْهُمْ أَوْلَادًا أَزْوَاجًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. و (مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْلُقُهُ لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَتَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَيَجُوزُ أَلَّا يَعْلَمَهُ مَخْلُوقٌ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ فلا ينبغي أن يشرك به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَذَكَّرَهُمْ تَوْحِيدَهُ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَإِخْرَاجِ الْحَبِّ مِنْهَا. "فَمِنْهُ" أَيْ مِنَ الْحَبِّ "يَأْكُلُونَ" وَبِهِ يَتَغَذَّوْنَ. وَشَدَّدَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الْمَيِّتَةُ" وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ٢١٦ وما بعدها طبعه ثانيه.]]. "وَجَعَلْنا فِيها" أَيْ فِي الْأَرْضِ. "جَنَّاتٍ" أَيْ بَسَاتِينَ. "مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ" وَخَصَّصَهُمَا بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُمَا أَعْلَى الثِّمَارِ. "وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ" أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ. "لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ" الْهَاءُ فِي "ثَمَرِهِ" تَعُودُ عَلَى مَاءِ الْعُيُونِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ مِنْهُ انْدَرَجَ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: أَيْ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "مِنْ ثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ. وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ ضَمُّ الثَّاءِ وَإِسْكَانُ الْمِيمِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي [الأنعام [[راجع ج ٧ ص ٤٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. "مَا" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى "مِنْ ثَمَرِهِ" أَيْ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: "وَمَا عَمِلَتْ" بِغَيْرِ هَاءٍ. الْبَاقُونَ "عَمِلَتْهُ" عَلَى الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ. وَحَذْفُ الصِّلَةِ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ لِطُولِ الِاسْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَافِيَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى صِلَةٍ وَلَا رَاجِعٍ أَيْ وَلَمْ تَعْمَلْهُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمُ: الْمَعْنَى وَمِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَيْ مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَصْنَافِ الْحَلَاوَاتِ والأطعمة، ومما اتَّخَذُوا مِنَ الْحُبُوبِ بِعِلَاجٍ كَالْخُبْزِ وَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ السُّمْسُمِ وَالزَّيْتُونِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَغْرِسُهُ النَّاسُ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عباس أيضا. نعمه. نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ، إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ مَعَ مَا رَأَوْهُ مِنْ نِعَمِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ. وَفِيهِ تَقْدِيرُ الْأَمْرِ، أَيْ سَبِّحُوهُ وَنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَقِيلَ: فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ فِي كُفْرِهِمْ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَنْ تعجب من شي قَالَ: سُبْحَانَ اللَّه. وَالْأَزْوَاجُ الْأَنْوَاعُ وَالْأَصْنَافُ، فَكُلُّ زَوْجٍ صِنْفٌ، لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْأَشْكَالِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَاخْتِلَافُهَا هُوَ ازْدِوَاجُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
(مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ، لِأَنَّهُ أَصْنَافٌ.
(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) يَعْنِي وَخَلَقَ مِنْهُمْ أَوْلَادًا أَزْوَاجًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. و (مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْلُقُهُ لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَتَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَيَجُوزُ أَلَّا يَعْلَمَهُ مَخْلُوقٌ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ فلا ينبغي أن يشرك به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَذَكَّرَهُمْ تَوْحِيدَهُ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَإِخْرَاجِ الْحَبِّ مِنْهَا. "فَمِنْهُ" أَيْ مِنَ الْحَبِّ "يَأْكُلُونَ" وَبِهِ يَتَغَذَّوْنَ. وَشَدَّدَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الْمَيِّتَةُ" وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ٢١٦ وما بعدها طبعه ثانيه.]]. "وَجَعَلْنا فِيها" أَيْ فِي الْأَرْضِ. "جَنَّاتٍ" أَيْ بَسَاتِينَ. "مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ" وَخَصَّصَهُمَا بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُمَا أَعْلَى الثِّمَارِ. "وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ" أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ. "لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ" الْهَاءُ فِي "ثَمَرِهِ" تَعُودُ عَلَى مَاءِ الْعُيُونِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ مِنْهُ انْدَرَجَ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: أَيْ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "مِنْ ثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ. وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ ضَمُّ الثَّاءِ وَإِسْكَانُ الْمِيمِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي [الأنعام [[راجع ج ٧ ص ٤٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. "مَا" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى "مِنْ ثَمَرِهِ" أَيْ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: "وَمَا عَمِلَتْ" بِغَيْرِ هَاءٍ. الْبَاقُونَ "عَمِلَتْهُ" عَلَى الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ. وَحَذْفُ الصِّلَةِ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ لِطُولِ الِاسْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَافِيَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى صِلَةٍ وَلَا رَاجِعٍ أَيْ وَلَمْ تَعْمَلْهُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمُ: الْمَعْنَى وَمِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَيْ مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَصْنَافِ الْحَلَاوَاتِ والأطعمة، ومما اتَّخَذُوا مِنَ الْحُبُوبِ بِعِلَاجٍ كَالْخُبْزِ وَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ السُّمْسُمِ وَالزَّيْتُونِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَغْرِسُهُ النَّاسُ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عباس أيضا. نعمه. نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ، إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ مَعَ مَا رَأَوْهُ مِنْ نِعَمِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ. وَفِيهِ تَقْدِيرُ الْأَمْرِ، أَيْ سَبِّحُوهُ وَنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَقِيلَ: فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ فِي كُفْرِهِمْ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَنْ تعجب من شي قَالَ: سُبْحَانَ اللَّه. وَالْأَزْوَاجُ الْأَنْوَاعُ وَالْأَصْنَافُ، فَكُلُّ زَوْجٍ صِنْفٌ، لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْأَشْكَالِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَاخْتِلَافُهَا هُوَ ازْدِوَاجُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
(مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ، لِأَنَّهُ أَصْنَافٌ.
(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) يَعْنِي وَخَلَقَ مِنْهُمْ أَوْلَادًا أَزْوَاجًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. و (مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْلُقُهُ لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَتَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَيَجُوزُ أَلَّا يَعْلَمَهُ مَخْلُوقٌ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ فلا ينبغي أن يشرك به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَذَكَّرَهُمْ تَوْحِيدَهُ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَإِخْرَاجِ الْحَبِّ مِنْهَا. "فَمِنْهُ" أَيْ مِنَ الْحَبِّ "يَأْكُلُونَ" وَبِهِ يَتَغَذَّوْنَ. وَشَدَّدَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الْمَيِّتَةُ" وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ٢١٦ وما بعدها طبعه ثانيه.]]. "وَجَعَلْنا فِيها" أَيْ فِي الْأَرْضِ. "جَنَّاتٍ" أَيْ بَسَاتِينَ. "مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ" وَخَصَّصَهُمَا بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُمَا أَعْلَى الثِّمَارِ. "وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ" أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ. "لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ" الْهَاءُ فِي "ثَمَرِهِ" تَعُودُ عَلَى مَاءِ الْعُيُونِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ مِنْهُ انْدَرَجَ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: أَيْ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "مِنْ ثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ. وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ ضَمُّ الثَّاءِ وَإِسْكَانُ الْمِيمِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي [الأنعام [[راجع ج ٧ ص ٤٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]]. "مَا" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى "مِنْ ثَمَرِهِ" أَيْ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: "وَمَا عَمِلَتْ" بِغَيْرِ هَاءٍ. الْبَاقُونَ "عَمِلَتْهُ" عَلَى الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ. وَحَذْفُ الصِّلَةِ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ لِطُولِ الِاسْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَافِيَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى صِلَةٍ وَلَا رَاجِعٍ أَيْ وَلَمْ تَعْمَلْهُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمُ: الْمَعْنَى وَمِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَيْ مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَصْنَافِ الْحَلَاوَاتِ والأطعمة، ومما اتَّخَذُوا مِنَ الْحُبُوبِ بِعِلَاجٍ كَالْخُبْزِ وَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ السُّمْسُمِ وَالزَّيْتُونِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَغْرِسُهُ النَّاسُ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عباس أيضا. نعمه. نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ، إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ مَعَ مَا رَأَوْهُ مِنْ نِعَمِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ. وَفِيهِ تَقْدِيرُ الْأَمْرِ، أَيْ سَبِّحُوهُ وَنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَقِيلَ: فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ فِي كُفْرِهِمْ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَنْ تعجب من شي قَالَ: سُبْحَانَ اللَّه. وَالْأَزْوَاجُ الْأَنْوَاعُ وَالْأَصْنَافُ، فَكُلُّ زَوْجٍ صِنْفٌ، لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْأَشْكَالِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَاخْتِلَافُهَا هُوَ ازْدِوَاجُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
(مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ، لِأَنَّهُ أَصْنَافٌ.
(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) يَعْنِي وَخَلَقَ مِنْهُمْ أَوْلَادًا أَزْوَاجًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. و (مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْلُقُهُ لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَتَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَيَجُوزُ أَلَّا يَعْلَمَهُ مَخْلُوقٌ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ فلا ينبغي أن يشرك به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ أَيْ وَعَلَامَةٌ دَالَّةٌ على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. وَالسَّلْخُ: الْكَشْطُ وَالنَّزْعُ، يُقَالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِنْ دِينِهِ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ. وَقَدْ جَعَلَ ذَهَابَ الضَّوْءِ وَمَجِيءَ الظُّلْمَةِ كَالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ وَظُهُورِ الْمَسْلُوخِ فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ. وَ (مُظْلِمُونَ) دَاخِلُونَ فِي الظَّلَامِ، يُقَالُ: أَظْلَمْنَا أَيْ دَخَلْنَا فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، وَأَظْهَرْنَا دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَكَذَلِكَ أَصْبَحْنَا وَأَضْحَيْنَا وَأَمْسَيْنَا. وَقِيلَ: "مِنْهُ" بِمَعْنَى عَنْهُ، وَالْمَعْنَى نَسْلَخُ عَنْهُ ضِيَاءَ النَّهَارِ. "فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ" أَيْ فِي ظُلْمَةٍ، لِأَنَّ ضَوْءَ النَّهَارِ يَتَدَاخَلُ فِي الْهَوَاءِ فَيُضِيءُ فَإِذَا خَرَجَ منه أظلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ وَآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّمْسُ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الثَّانِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ "تَجْرِي" فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ أَيْ جَارِيَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". وَفِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: (أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ) قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهَا ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" أَتَدْرُونَ مَتَى ذَلِكُمْ ذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨] (. وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ" قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ" قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا" قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ" ذَلِكَ [[كذا في الأصول وفى صحيح الترمذي والعلة تحريف، إذ لا تعرف قراءة بهذا النص، وقراءة عبد الله بن مسعود "والشمس تجرى لا مستقر لها" كما سيأتي.]] مُسْتَقَرٌّ لَهَا" قَالَ وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ دَخَلَتْ مِحْرَابًا تَحْتَ الْعَرْشِ تُسَبِّحُ اللَّهَ حَتَّى تُصْبِحَ، فَإِذَا أَصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّهَا مِنَ الْخُرُوجِ فَيَقُولُ لَهَا الرَّبُّ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِنْ دُونِكَ. فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وتعالى: أخرجي فليس عليك من ذاك شي، سَأَبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَهَنَّمَ مَعَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا حَتَّى يُدْخِلُوهُمْ فِيهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى تَجْرِي إِلَى أَبْعَدِ مَنَازِلِهَا فِي الْغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى أَدْنَى مَنَازِلِهَا، فَمُسْتَقَرُّهَا بُلُوغُهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا تَتَجَاوَزُهُ بَلْ تَرْجِعُ مِنْهُ، كَالْإِنْسَانِ يَقْطَعُ مَسَافَةً حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَى مَقْصُودِهِ فيقضي وطره، ثم يرجع إلى منزل الْأَوَّلِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ سَفَرَهُ. وَعَلَى تَبْلِيغِ الشَّمْسِ أَقْصَى مَنَازِلِهَا، وَهُوَ مُسْتَقَرُّهَا إِذَا طَلَعَتِ الْهَنْعَةَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ أَطْوَلُ الْأَيَّامِ فِي السَّنَةِ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ أَقْصَرُ اللَّيَالِي، فَالنَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَاللَّيْلُ تِسْعُ سَاعَاتٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النُّقْصَانِ وَتَرْجِعُ الشَّمْسَ، فَإِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، ثُمَّ تَبْلُغُ أَدْنَى مَنَازِلِهَا وَتَطْلُعُ النَّعَائِمَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرُ الْأَيَّامِ، وَاللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، حَتَّى إِذَا طَلَعَ فَرْغُ الدَّلْوِ الْمُؤَخَّرِ اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَيَأْخُذُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ كُلَّ يَوْمٍ عُشْرَ ثُلُثِ سَاعَةٍ، وَكُلَّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثُلُثَ سَاعَةٍ، وَكُلَّ شَهْرٍ سَاعَةً تَامَّةً، حَتَّى يَسْتَوِيَا وَيَأْخُذُ اللَّيْلُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَيَأْخُذُ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ لِلشَّمْسِ فِي السَّنَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَطْلِعًا، تَنْزِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَطْلِعًا، ثُمَّ لَا تَنْزِلُهُ إِلَى الْحَوْلِ، فَهِيَ تَجْرِي فِي تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَهِيَ مُسْتَقَرُّهَا. وَهُوَ مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا إِذَا غَرَبَتْ وَانْتَهَتْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَتَجَاوَزُهُ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ. قُلْتُ: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ فَتَأَمَّلْهُ. وَقِيلَ: إِلَى انْتِهَاءِ أَمَدِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وقرا ابن مسعود وا بن عَبَّاسٍ "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَ لَهَا" أَيْ إِنَّهَا تَجْرِي فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا وُقُوفَ لَهَا وَلَا قَرَارَ، إِلَى أَنْ يُكَوِّرَهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ خَالَفَ الْمُصْحَفَ فَقَالَ: أَنَا أَقْرَأُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مردود على من نقله، لأن أبا عمر وروى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنَ كَثِيرٍ روى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" فَهَذَانَ السَّنَدَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّذَانِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِمَا الْإِجْمَاعُ، يُبْطِلَانِ مَا رُوِيَ بِالسَّنَدِ الضَّعِيفِ مِمَّا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ، وَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. قُلْتُ: وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَرُدُّ قَوْلَهُ، فَمَا أَجْرَأَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، قَاتَلَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: "لِمُسْتَقَرٍّ لَها" أَيْ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا، وَالْمُسْتَقَرُّ مَوْضِعُ الْقَرَارِ.
(ذلِكَ تَقْدِيرُ) أَيِ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ والشمس تقدير "الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ أَيْ وَعَلَامَةٌ دَالَّةٌ على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. وَالسَّلْخُ: الْكَشْطُ وَالنَّزْعُ، يُقَالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِنْ دِينِهِ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ. وَقَدْ جَعَلَ ذَهَابَ الضَّوْءِ وَمَجِيءَ الظُّلْمَةِ كَالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ وَظُهُورِ الْمَسْلُوخِ فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ. وَ (مُظْلِمُونَ) دَاخِلُونَ فِي الظَّلَامِ، يُقَالُ: أَظْلَمْنَا أَيْ دَخَلْنَا فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، وَأَظْهَرْنَا دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَكَذَلِكَ أَصْبَحْنَا وَأَضْحَيْنَا وَأَمْسَيْنَا. وَقِيلَ: "مِنْهُ" بِمَعْنَى عَنْهُ، وَالْمَعْنَى نَسْلَخُ عَنْهُ ضِيَاءَ النَّهَارِ. "فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ" أَيْ فِي ظُلْمَةٍ، لِأَنَّ ضَوْءَ النَّهَارِ يَتَدَاخَلُ فِي الْهَوَاءِ فَيُضِيءُ فَإِذَا خَرَجَ منه أظلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ وَآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّمْسُ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الثَّانِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ "تَجْرِي" فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ أَيْ جَارِيَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". وَفِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: (أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ) قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهَا ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" أَتَدْرُونَ مَتَى ذَلِكُمْ ذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨] (. وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ" قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ" قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا" قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ" ذَلِكَ [[كذا في الأصول وفى صحيح الترمذي والعلة تحريف، إذ لا تعرف قراءة بهذا النص، وقراءة عبد الله بن مسعود "والشمس تجرى لا مستقر لها" كما سيأتي.]] مُسْتَقَرٌّ لَهَا" قَالَ وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ دَخَلَتْ مِحْرَابًا تَحْتَ الْعَرْشِ تُسَبِّحُ اللَّهَ حَتَّى تُصْبِحَ، فَإِذَا أَصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّهَا مِنَ الْخُرُوجِ فَيَقُولُ لَهَا الرَّبُّ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِنْ دُونِكَ. فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وتعالى: أخرجي فليس عليك من ذاك شي، سَأَبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَهَنَّمَ مَعَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا حَتَّى يُدْخِلُوهُمْ فِيهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى تَجْرِي إِلَى أَبْعَدِ مَنَازِلِهَا فِي الْغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى أَدْنَى مَنَازِلِهَا، فَمُسْتَقَرُّهَا بُلُوغُهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا تَتَجَاوَزُهُ بَلْ تَرْجِعُ مِنْهُ، كَالْإِنْسَانِ يَقْطَعُ مَسَافَةً حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَى مَقْصُودِهِ فيقضي وطره، ثم يرجع إلى منزل الْأَوَّلِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ سَفَرَهُ. وَعَلَى تَبْلِيغِ الشَّمْسِ أَقْصَى مَنَازِلِهَا، وَهُوَ مُسْتَقَرُّهَا إِذَا طَلَعَتِ الْهَنْعَةَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ أَطْوَلُ الْأَيَّامِ فِي السَّنَةِ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ أَقْصَرُ اللَّيَالِي، فَالنَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَاللَّيْلُ تِسْعُ سَاعَاتٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النُّقْصَانِ وَتَرْجِعُ الشَّمْسَ، فَإِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، ثُمَّ تَبْلُغُ أَدْنَى مَنَازِلِهَا وَتَطْلُعُ النَّعَائِمَ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرُ الْأَيَّامِ، وَاللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، حَتَّى إِذَا طَلَعَ فَرْغُ الدَّلْوِ الْمُؤَخَّرِ اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَيَأْخُذُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ كُلَّ يَوْمٍ عُشْرَ ثُلُثِ سَاعَةٍ، وَكُلَّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثُلُثَ سَاعَةٍ، وَكُلَّ شَهْرٍ سَاعَةً تَامَّةً، حَتَّى يَسْتَوِيَا وَيَأْخُذُ اللَّيْلُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَيَأْخُذُ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ لِلشَّمْسِ فِي السَّنَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَطْلِعًا، تَنْزِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَطْلِعًا، ثُمَّ لَا تَنْزِلُهُ إِلَى الْحَوْلِ، فَهِيَ تَجْرِي فِي تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَهِيَ مُسْتَقَرُّهَا. وَهُوَ مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا إِذَا غَرَبَتْ وَانْتَهَتْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَتَجَاوَزُهُ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ. قُلْتُ: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ فَتَأَمَّلْهُ. وَقِيلَ: إِلَى انْتِهَاءِ أَمَدِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وقرا ابن مسعود وا بن عَبَّاسٍ "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَ لَهَا" أَيْ إِنَّهَا تَجْرِي فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا وُقُوفَ لَهَا وَلَا قَرَارَ، إِلَى أَنْ يُكَوِّرَهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ خَالَفَ الْمُصْحَفَ فَقَالَ: أَنَا أَقْرَأُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مردود على من نقله، لأن أبا عمر وروى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنَ كَثِيرٍ روى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" فَهَذَانَ السَّنَدَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّذَانِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِمَا الْإِجْمَاعُ، يُبْطِلَانِ مَا رُوِيَ بِالسَّنَدِ الضَّعِيفِ مِمَّا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ، وَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. قُلْتُ: وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَرُدُّ قَوْلَهُ، فَمَا أَجْرَأَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، قَاتَلَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: "لِمُسْتَقَرٍّ لَها" أَيْ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا، وَالْمُسْتَقَرُّ مَوْضِعُ الْقَرَارِ.
(ذلِكَ تَقْدِيرُ) أَيِ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ والشمس تقدير "الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: "وَالْقَمَرَ" يَكُونُ تَقْدِيرُهُ وَآيَةٌ لَهُمُ الْقَمَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "وَالْقَمَرُ" مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "وَالْقَمَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: لِأَنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وَبَعْدَهُ فِعْلًا، قَبْلَهُ "نَسْلَخُ" وَبَعْدَهُ "قَدَّرْناهُ". النَّحَّاسُ: وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيمَا عَلِمْتُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ: مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ قَالَ: الرَّفْعُ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا كَانَ الرَّفْعُ عِنْدَهُمْ أَوْلَى، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَمَعْنَاهُ وَآيَةٌ لَهُمُ الْقَمَرُ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ قَبْلَهُ "نَسْلَخُ" فَقَبْلَهُ مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ وَهُوَ "تَجْرِي" وَقَبْلَهُ "وَالشَّمْسُ" بِالرَّفْعِ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ وَهُوَ "قَدَّرْنَاهُ" قَدْ عَمِلَ فِي الْهَاءِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الرَّفْعُ أَوْلَى، لِأَنَّكَ شَغَلْتَ الْفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِدَاءِ. وَيُقَالُ: الْقَمَرُ لَيْسَ هُوَ الْمَنَازِلَ فَكَيْفَ قَالَ: "قَدَّرْناهُ مَنازِلَ" فَفِي هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا قَدَّرْنَاهُ إذا منازل، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وَالتَّقْدِيرُ الْآخَرُ قَدَّرْنَا لَهُ مَنَازِلَ ثُمَّ حُذِفَتِ اللَّامُ، وَكَانَ حَذْفُهَا حَسَنًا لِتَعَدِّي الْفِعْلِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِثْلَ ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وَالْمَنَازِلُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، يَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِمَنْزِلٍ، وَهِيَ، الشَّرَطَانُ. الْبُطَيْنُ. الثُّرَيَّا. الدَّبَرَانُ. الْهَقْعَةُ. الْهَنْعَةُ. الذِّرَاعُ. النَّثْرَةُ. الطَّرْفُ الْجَبْهَةُ. الْخَرَاتَانِ. الصُّرْفَةُ. الْعَوَّاءُ. السِّمَاكُ. الْغَفْرُ. الزُّبَانَيَانِ.
الْإِكْلِيلُ. الْقَلْبُ. الشَّوْلَةُ. النَّعَائِمُ. الْبَلَدَّةُ. سَعْدُ الذَّابِحِ. سَعْدُ بُلَعَ. سَعْدُ السُّعُودِ. سَعْدُ الْأَخْبِيَةِ. الْفَرْغُ المقدم. الفرغ المؤخر. بَطْنُ الْحُوتِ. فَإِذَا صَارَ الْقَمَرُ فِي آخِرِهَا عَادَ إِلَى أَوَّلِهَا، فَيَقْطَعُ الْفَلَكَ فِي ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. ثُمَّ يَسْتَسِرُّ ثُمَّ يَطْلُعُ هِلَالًا، فَيَعُودُ فِي قَطْعِ الْفَلَكِ عَلَى الْمَنَازِلِ، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى الْبُرُوجِ لِكُلِّ بُرْجٍ مَنْزِلَانِ وَثُلُثٌ. فَلِلْحَمَلِ الشَّرَطَانُ وَالْبُطَيْنُ وَثُلُثُ الثُّرَيَّا، وَلِلثَّوْرِ ثُلُثَا الثُّرَيَّا وَالدَّبَرَانِ وَثُلُثَا الْهَقْعَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى سَائِرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْحِجْرِ" [[." راجع ج ١٠ ص ٩ طبعة أولى أو ثانيه.]] تَسْمِيَةُ الْبُرُوجِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ كُسِيَا النُّورَ عِنْدَ الطُّلُوعِ، فَأَمَّا نُورُ الشَّمْسِ فَمِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَأَمَّا نُورُ الْقَمَرِ فَمِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ، فَذَلِكَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ وَهَذِهِ الْكِسْوَةِ. فَأَمَّا الشَّمْسُ فَتُرِكَتْ كِسْوَتُهَا عَلَى حَالِهَا لِتُشَعْشِعَ وَتُشْرِقَ، وَأَمَّا القمر فأمر الروح الأمين جناح عَلَى وَجْهِهِ فَمَحَا ضَوْءَهُ بِسُلْطَانِ الْجَنَاحِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوحٌ وَالرُّوحُ سُلْطَانُهُ غَالِبٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ. فَبَقِيَ ذَلِكَ الْمَحْوُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْخَلْقُ، ثُمَّ جُعِلَ فِي غِلَافٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ جُعِلَ لَهُ مَجْرًى، فَكُلُّ لَيْلَةٍ يَبْدُو لِلْخَلْقِ مِنْ ذَلِكَ الْغِلَافِ قَمَرًا بِمِقْدَارِ مَا يُقْمَرُ لَهُمْ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَدْؤُهُ، وَيَرَاهُ الْخَلْقُ بِكَمَالِهِ وَاسْتِدَارَتِهِ. ثُمَّ لَا يَزَالُ يَعُودُ إِلَى الْغِلَافِ كل ليلة شي منه فينقص من الرؤية والإفمار بِمِقْدَارِ مَا زَادَ فِي الْبَدْءِ. وَيَبْتَدِئُ فِي النُّقْصَانِ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي لَا تَرَاهُ الشَّمْسُ وَهِيَ نَاحِيَةُ الْغُرُوبِ حَتَّى يَعُودَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، وَهُوَ الْعِذْقُ الْمُتَقَوِّسُ لِيُبْسِهِ وَدِقَّتِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ الْقَمَرُ، لِأَنَّهُ يُقْمِرُ أَيْ يُبَيِّضُ الْجَوَّ بِبَيَاضِهِ إِلَى أَنْ يَسْتَسِرَ. الثَّانِيَةُ- "حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ عُودُ الْعِذْقِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّمَارِيخُ، وَهُوَ فُعْلُونُ مِنَ الِانْعِرَاجِ وَهُوَ الِانْعِطَافُ، أَيْ سَارَ فِي مَنَازِلِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِهَا دَقَّ وَاسْتَقْوَسَ وَضَاقَ حَتَّى صَارَ كَالْعُرْجُونِ. وَعَلَى هَذَا فَالنُّونُ زَائِدَةٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْعِذْقُ الْيَابِسُ الْمُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. ثَعْلَبٌ: "كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" قال: "كَالْعُرْجُونِ" الَّذِي يَبْقَى مِنَ الْكِبَاسَةِ فِي النَّخْلَةِ إِذَا قُطِعَتْ، وَ "الْقَدِيمِ" الْبَالِي. الْخَلِيلُ: فِي بَابِ الرُّبَاعِيِّ "الْعُرْجُونُ" أَصْلُ الْعِذْقِ وَهُوَ أَصْفَرُ عَرِيضٌ يشبه به الهلال إذا انحنى. الجوهري: الْعُرْجُونُ" أَصْلُ الْعِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ وَتُقْطَعُ مِنْهُ الشَّمَارِيخُ فَيَبْقَى عَلَى النَّخْلِ يَابِسًا، وَعَرْجَنَهُ ضَرَبَهُ بِالْعُرْجُونِ. فَالنُّونُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصْلِيَّةٌ، وَمِنْهُ شِعْرُ أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ:
شَرَقُ الْمِسْكِ وَالْعَبِيرِ [[كذا في الأصل ولم نعثر عليه في ديوانه، ويحتمل أن يكون: شرق العنبر والمسك بها.]] بها ... وفهي صَفْرَاءُ كَعُرْجُونِ الْقَمَرْ
فَالْعُرْجُونُ إِذَا عَتَقَ وَيَبِسَ وتوس شُبِّهَ الْقَمَرُ فِي دِقَّتِهِ وَصُفْرَتِهِ بِهِ. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْإِهَانُ وَالْكِبَاسَةُ وَالْقِنْوُ، وَأَهْلُ مِصْرَ يسمونه الإسباطة. وقرى: "الْعِرْجَوْنِ" بِوَزْنِ الْفِرْجَوْنِ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْبُزْيُونِ [[اليزيون: السندس. وقيل هو رقيق الديباج.]] وَالْبِزْيَوْنِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَالَ: هُوَ عُودُ الْعِذْقِ مَا بَيْنَ شَمَارِيخِهِ إِلَى مَنْبَتِهِ مِنَ النَّخْلَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّنَةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ، لِكُلِّ فَصْلٍ سَبْعَةُ مَنَازِلَ: فَأَوَّلُهَا الرَّبِيعُ، وَأَوَّلُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ آذَارَ، وَعَدَدُ أَيَّامِهِ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا، تَقْطَعُ فِيهِ الشَّمْسُ ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ: الْحَمَلُ، وَالثَّوْرُ، وَالْجَوْزَاءُ، وَسَبْعَةَ مَنَازِلَ: الشَّرَطَانُ وَالْبُطَيْنُ وَالثُّرَيَّا وَالدَّبَرَانُ وَالْهَقْعَةُ وَالْهَنْعَةُ وَالذِّرَاعُ. ثُمَّ يَدْخُلُ فَصْلُ الصَّيْفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ حُزَيْرَانَ، وَعَدَدُ أَيَّامِهِ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا، تَقْطَعُ الشَّمْسُ فِيهِ ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ: الشَّرَطَانُ، وَالْأَسَدُ، وَالسُّنْبُلَةُ، وَسَبْعَةَ مَنَازِلَ: وَهِيَ النَّثْرَةُ وَالطَّرْفُ وَالْجَبْهَةُ وَالْخَرَاتَانِ وَالصُّرْفَةُ وَالْعَوَّاءُ وَالسِّمَاكُ. ثُمَّ يَدْخُلُ فَصْلُ الْخَرِيفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ أَيْلُولَ، وَعَدَدُ أَيَّامِهِ أَحَدٌ وَتِسْعُونَ يَوْمًا، تَقْطَعُ فِيهِ الشَّمْسُ ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ، وَهِيَ الْمِيزَانُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْقَوْسُ، وَسَبْعَةَ مَنَازِلَ الْغَفْرُ وَالزُّبَانَانِ وَالْإِكْلِيلُ وَالْقَلْبُ وَالشَّوْلَةُ وَالنَّعَائِمُ وَالْبَلْدَةُ. ثُمَّ يَدْخُلُ فَصْلُ الشِّتَاءِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ، وَعَدَدُ أَيَّامِهِ تِسْعُونَ يَوْمًا وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدًا وَتِسْعِينَ يَوْمًا، تَقْطَعُ فِيهِ الشَّمْسُ ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ: وَهِيَ الْجَدْيُ وَالدَّلْوُ وَالْحُوتُ، وَسَبْعَةَ مَنَازِلَ سَعْدَ الذَّابِحِ وَسَعْدَ بُلَعَ وَسَعْدَ السُّعُودِ وَسَعْدَ الْأَخْبِيَةِ وَالْفَرْغَ الْمُقَدَّمَ، وَالْفَرْغَ الْمُؤَخَّرَ وَبَطْنَ الْحُوتِ. وَهَذِهِ قِسْمَةُ السُّرْيَانِيِّينَ لِشُهُورِهَا: تِشْرِينُ الْأَوَّلُ، تِشْرِينُ الثَّانِي، كَانُونُ الْأَوَّلُ، كَانُونُ الثَّانِي، أَشْبَاطُ، آذَارُ، نِيسَانُ، أَيَارُ، حَزِيرَانُ، تَمُّوزُ، آبٌ، أَيْلُولُ، وَكُلُّهَا أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ إِلَّا تِشْرِينَ الثَّانِيَ وَنِيسَانَ وَحَزِيرَانَ وَأَيْلُولَ، فَهِيَ ثَلَاثُونَ، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم.
وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنْ تَنْظُرَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي مَنْزِلٍ أَهَلَّ الْهِلَالُ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَانَ الْفَجْرُ بِمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ قَبْلِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ بِالثُّرَيَّا فِي خمسة وعشرين وما مِنْ نِيسَانَ، كَانَ الْفَجْرُ بِالشَّرَطَيْنِ، وَأَهَلَّ الْهِلَالُ بِالدَّبَرَانِ، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةٌ حَتَّى يَقْطَعَ فِي ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ مَنْزِلَةً. وَقَدْ قَطَعَتِ الشَّمْسُ مَنْزِلَتَيْنِ فَيَقْطَعُهُمَا، ثُمَّ يَطْلُعُ فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَعْدَ مَنْزِلَةِ الشَّمْسِ فَ "ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ". الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْقَدِيمِ﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْقَدِيمُ الْمُحْوِلُ وَإِذَا قَدُمَ دَقَّ وَانْحَنَى وَاصْفَرَّ فَشُبِّهَ الْقَمَرُ بِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. وَقِيلَ: أَقَلُّ عدة الموصوف بالقد يم لحول، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٍ فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ كَتَبَ ذَلِكَ فِي وَصِيَّتِهِ عَتَقَ مَنْ مَضَى لَهُ حَوْلٌ أَوْ أَكْثَرُ. قُلْتُ: قَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٤١ وما بعدها طبعه ثانية.]] مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَهِلَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ رُفِعَتِ الشَّمْسُ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ "لَا" فِي مَعْرِفَةٍ. وَقَدْ تكلم العلماءء فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا أَنَّ الشَّمْسَ لَا تُدْرِكُ الْقَمَرَ فَتُبْطِلُ مَعْنَاهُ أَيْ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُلْطَانٌ عَلَى حِيَالِهِ، فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيُذْهِبُ سُلْطَانَهُ، إِلَى أَنْ يُبْطِلَ اللَّهُ مَا دَبَّرَ مِنْ ذَلِكَ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا عَلَى مَا تقدم في آخر سو ره "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ١٤٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وَإِذَا طَلَعَ الْقَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لَا يُشْبِهُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لِكُلٍّ حد وعلم لا يعدوه وَلَا يَقْصُرُ دُونَهُ إِذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا ذَهَبَ سُلْطَانُ هَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ الْهِلَالِ خَاصَّةً أَيْ لَا تَبْقَى الشَّمْسُ حَتَّى يَطْلُعَ الْقَمَرُ، وَلَكِنْ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ طَلَعَ الْقَمَرُ. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: لَا تُدْرِكُ الشَّمْسُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ يُبَادِرُ بِالْمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِذَا اجْتَمَعَا فِي السَّمَاءِ كَانَ أَحَدُهُمَا بَيْنَ يَدَيِ الْآخَرِ فِي مَنَازِلَ لَا يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالشَّمْسُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَهِيَ لَا تُدْرِكُهُ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَالْمَهْدَوِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهَا وَأَبْيَنُهُ مِمَّا لَا يُدْفَعُ أَنَّ سَيْرَ الْقَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ وَالشَّمْسُ لَا تُدْرِكُهُ فِي السَّيْرِ ذَكَرَهُ المهدوي أيضا. فأما قول سبحانه: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ١٤٦ طبعه أو ثانية.]] وَيَأْتِي فِي سُورَةِ "الْقِيَامَةِ" أَيْضًا. وَجَمْعُهُمَا عَلَامَةٌ لِانْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ السَّاعَةِ. "وَكُلٌّ" يَعْنِي مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ "فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" أَيْ يَجْرُونَ. وَقِيلَ: يَدُورُونَ. وَلَمْ يَقُلْ تَسْبَحُ، لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَيْرُ مُلْصَقَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مُلْصَقَةً مَا جَرَتْ، ذَكَرَهُ الثعلبي والماوردي. واستدل بعضهم بقول تَعَالَى: "وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ" عَلَى أَنَّ النَّهَارَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَأَنَّ اللَّيْلَ لَمْ يسبقه بخلق. وقيل: كل واحد منهما يجئ وَقْتُهُ وَلَا يَسْبِقُ صَاحِبَهُ إِلَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: "وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" وَإِنَّمَا هَذَا التَّعَاقُبُ الْآنَ لِتَتِمَّ مَصَالِحُ الْعِبَادِ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس: ٥] وَيَكُونَ اللَّيْلُ لِلْإِجْمَامِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالنَّهَارُ لِلتَّصَرُّفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] وَقَالَ: "وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً" أَيْ رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ. فَقَوْلُهُ: "وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ" أَيْ غَالِبُ النَّهَارِ، يُقَالُ: سَبَقَ فُلَانٌ فُلَانًا أَيْ غَلَبَهُ. وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ يَقْرَأُ: "وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ" فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَرَدْتُ سَابِقٌ النَّهَارَ فَحَذَفْتُ التَّنْوِينَ، لِأَنَّهُ أَخَفُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "النَّهَارُ" مَنْصُوبًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَيَكُونُ التَّنْوِينُ حذف لالتقاء الساكنين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا عِبْرَةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ اعْتِبَارًا. الثَّانِي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إِنْعَامًا. الثَّالِثُ إِنْذَارٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إنذارا." أنا حملنا ذرياتهم [[. "ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.]] فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَةِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْمُولُونَ. فَقِيلَ الْمَعْنَى وَآيَةٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّةَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ" فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "فَالضَّمِيرَانِ مُخْتَلِفَانِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سمعه يقوله. وَقِيلَ: الضَّمِيرَانِ جَمِيعًا لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّاتُهُمْ أَوْلَادَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ، فَالْفُلْكُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ سَفِينَةُ نُوحٍ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، خَبَّرَ جَلَّ وَعَزَّ بِلُطْفِهِ وَامْتِنَانِهِ أَنَّهُ خلق السفن يحمل فيها من يُحْمَلُ فِيهَا مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ من الذمة وَالضُّعَفَاءِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرَانِ عَلَى هَذَا مُتَّفِقَيْنِ. وَقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ وَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ، بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ. وَسُمِّيَ الْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، لِأَنَّ مِنْهُمْ ذَرْأَ الْأَبْنَاءِ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بُطُونِ النِّسَاءِ تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٠٧ وما بعدها طبعه ثانية.]] اشْتِقَاقُ الذُّرِّيَّةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَ "الْمَشْحُونِ" الْمَمْلُوءُ الْمُوَقَّرُ وَ "الْفُلْكِ" يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٢٤ طبعه أو ثانية.]] الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وَالْأَصْلُ يَرْكَبُونَهُ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِطُولِ الِاسْمِ [[كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن المنحاس:]] وَأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَذْهَبُ مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى "مِنْ مِثْلِهِ" لِلْإِبِلِ، خَلَقَهَا لَهُمْ لِلرُّكُوبِ فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ الْمَرْكُوبَةِ فِي الْبَحْرِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ الْإِبِلَ بِالسُّفُنِ. قَالَ طَرَفَةُ:
كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكِيَّةِ غدوة ... وخلايا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ [[الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والتواصف جمع نا صفة وهى الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع.]]
جَمْعُ خَلِيَّةٍ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لِلْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ مَا يُرْكَبُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلسُّفُنِ، النَّحَّاسُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا لِأَنَّهُ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" قَالَ: خَلَقَ لَهُمْ سُفُنًا أَمْثَالَهَا يَرْكَبُونَ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: إِنَّهَا السُّفُنُ الصِّغَارُ خَلَقَهَا مِثْلَ السُّفُنِ الْكِبَارِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: هِيَ السُّفُنُ الْمُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَجِيءُ عَلَى مُقْتَضَى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ هِيَ النُّطَفُ فِي بُطُونِ النِّسَاءِ قَوْلٌ خَامِسٌ فِي قَوْلِهِ: "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ النِّسَاءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الْأَزْوَاجِ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَحْكِيًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أَيْ فِي الْبَحْرِ فَتَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إِلَى أَصْحَابِ الذُّرِّيَّةِ، أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا يدل على صحت قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ "مِنْ مِثْلِهِ" السُّفُنُ لَا الْإِبِلُ. "فَلا صَرِيخَ لَهُمْ" أَيْ لَا مُغِيثَ لَهُمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَى شَيْبَانُ عَنْهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ. وَ "صَرِيخَ" بِمَعْنَى مُصْرِخٍ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَجُوزُ "فَلَا صَرِيخٌ لَهُمْ"، لِأَنَّ بَعْدَهُ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ "وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ" وَالنَّحْوِيُّونَ يَخْتَارُونَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا زيد. وَمَعْنَى: "يُنْقَذُونَ" يُخَلَّصُونَ مِنَ الْغَرَقِ. وَقِيلَ: مِنَ العذاب. "إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا" قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجَلِهِ، أَيْ لِلرَّحْمَةِ "وَمَتاعاً" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. "إِلى حِينٍ" إِلَى الْمَوْتِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: إِلَى الْقِيَامَةِ أَيْ إِلَّا أَنْ نَرْحَمَهُمْ وَنُمَتِّعَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَجَّلَ عَذَابَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَخَّرَ عَذَابَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وان كذبوه إلى الموت والقيامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا عِبْرَةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ اعْتِبَارًا. الثَّانِي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إِنْعَامًا. الثَّالِثُ إِنْذَارٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إنذارا." أنا حملنا ذرياتهم [[. "ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.]] فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَةِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْمُولُونَ. فَقِيلَ الْمَعْنَى وَآيَةٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّةَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ" فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "فَالضَّمِيرَانِ مُخْتَلِفَانِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سمعه يقوله. وَقِيلَ: الضَّمِيرَانِ جَمِيعًا لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّاتُهُمْ أَوْلَادَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ، فَالْفُلْكُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ سَفِينَةُ نُوحٍ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، خَبَّرَ جَلَّ وَعَزَّ بِلُطْفِهِ وَامْتِنَانِهِ أَنَّهُ خلق السفن يحمل فيها من يُحْمَلُ فِيهَا مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ من الذمة وَالضُّعَفَاءِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرَانِ عَلَى هَذَا مُتَّفِقَيْنِ. وَقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ وَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ، بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ. وَسُمِّيَ الْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، لِأَنَّ مِنْهُمْ ذَرْأَ الْأَبْنَاءِ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بُطُونِ النِّسَاءِ تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٠٧ وما بعدها طبعه ثانية.]] اشْتِقَاقُ الذُّرِّيَّةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَ "الْمَشْحُونِ" الْمَمْلُوءُ الْمُوَقَّرُ وَ "الْفُلْكِ" يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٢٤ طبعه أو ثانية.]] الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وَالْأَصْلُ يَرْكَبُونَهُ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِطُولِ الِاسْمِ [[كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن المنحاس:]] وَأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَذْهَبُ مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى "مِنْ مِثْلِهِ" لِلْإِبِلِ، خَلَقَهَا لَهُمْ لِلرُّكُوبِ فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ الْمَرْكُوبَةِ فِي الْبَحْرِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ الْإِبِلَ بِالسُّفُنِ. قَالَ طَرَفَةُ:
كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكِيَّةِ غدوة ... وخلايا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ [[الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والتواصف جمع نا صفة وهى الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع.]]
جَمْعُ خَلِيَّةٍ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لِلْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ مَا يُرْكَبُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلسُّفُنِ، النَّحَّاسُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا لِأَنَّهُ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" قَالَ: خَلَقَ لَهُمْ سُفُنًا أَمْثَالَهَا يَرْكَبُونَ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: إِنَّهَا السُّفُنُ الصِّغَارُ خَلَقَهَا مِثْلَ السُّفُنِ الْكِبَارِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: هِيَ السُّفُنُ الْمُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَجِيءُ عَلَى مُقْتَضَى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ هِيَ النُّطَفُ فِي بُطُونِ النِّسَاءِ قَوْلٌ خَامِسٌ فِي قَوْلِهِ: "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ النِّسَاءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الْأَزْوَاجِ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَحْكِيًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أَيْ فِي الْبَحْرِ فَتَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إِلَى أَصْحَابِ الذُّرِّيَّةِ، أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا يدل على صحت قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ "مِنْ مِثْلِهِ" السُّفُنُ لَا الْإِبِلُ. "فَلا صَرِيخَ لَهُمْ" أَيْ لَا مُغِيثَ لَهُمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَى شَيْبَانُ عَنْهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ. وَ "صَرِيخَ" بِمَعْنَى مُصْرِخٍ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَجُوزُ "فَلَا صَرِيخٌ لَهُمْ"، لِأَنَّ بَعْدَهُ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ "وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ" وَالنَّحْوِيُّونَ يَخْتَارُونَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا زيد. وَمَعْنَى: "يُنْقَذُونَ" يُخَلَّصُونَ مِنَ الْغَرَقِ. وَقِيلَ: مِنَ العذاب. "إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا" قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجَلِهِ، أَيْ لِلرَّحْمَةِ "وَمَتاعاً" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. "إِلى حِينٍ" إِلَى الْمَوْتِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: إِلَى الْقِيَامَةِ أَيْ إِلَّا أَنْ نَرْحَمَهُمْ وَنُمَتِّعَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَجَّلَ عَذَابَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَخَّرَ عَذَابَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وان كذبوه إلى الموت والقيامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا عِبْرَةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ اعْتِبَارًا. الثَّانِي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إِنْعَامًا. الثَّالِثُ إِنْذَارٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إنذارا." أنا حملنا ذرياتهم [[. "ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.]] فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَةِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْمُولُونَ. فَقِيلَ الْمَعْنَى وَآيَةٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّةَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ" فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "فَالضَّمِيرَانِ مُخْتَلِفَانِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سمعه يقوله. وَقِيلَ: الضَّمِيرَانِ جَمِيعًا لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّاتُهُمْ أَوْلَادَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ، فَالْفُلْكُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ سَفِينَةُ نُوحٍ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، خَبَّرَ جَلَّ وَعَزَّ بِلُطْفِهِ وَامْتِنَانِهِ أَنَّهُ خلق السفن يحمل فيها من يُحْمَلُ فِيهَا مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ من الذمة وَالضُّعَفَاءِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرَانِ عَلَى هَذَا مُتَّفِقَيْنِ. وَقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ وَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ، بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ. وَسُمِّيَ الْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، لِأَنَّ مِنْهُمْ ذَرْأَ الْأَبْنَاءِ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بُطُونِ النِّسَاءِ تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٠٧ وما بعدها طبعه ثانية.]] اشْتِقَاقُ الذُّرِّيَّةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَ "الْمَشْحُونِ" الْمَمْلُوءُ الْمُوَقَّرُ وَ "الْفُلْكِ" يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٢٤ طبعه أو ثانية.]] الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وَالْأَصْلُ يَرْكَبُونَهُ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِطُولِ الِاسْمِ [[كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن المنحاس:]] وَأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَذْهَبُ مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى "مِنْ مِثْلِهِ" لِلْإِبِلِ، خَلَقَهَا لَهُمْ لِلرُّكُوبِ فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ الْمَرْكُوبَةِ فِي الْبَحْرِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ الْإِبِلَ بِالسُّفُنِ. قَالَ طَرَفَةُ:
كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكِيَّةِ غدوة ... وخلايا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ [[الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والتواصف جمع نا صفة وهى الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع.]]
جَمْعُ خَلِيَّةٍ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لِلْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ مَا يُرْكَبُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلسُّفُنِ، النَّحَّاسُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا لِأَنَّهُ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" قَالَ: خَلَقَ لَهُمْ سُفُنًا أَمْثَالَهَا يَرْكَبُونَ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: إِنَّهَا السُّفُنُ الصِّغَارُ خَلَقَهَا مِثْلَ السُّفُنِ الْكِبَارِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: هِيَ السُّفُنُ الْمُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَجِيءُ عَلَى مُقْتَضَى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ هِيَ النُّطَفُ فِي بُطُونِ النِّسَاءِ قَوْلٌ خَامِسٌ فِي قَوْلِهِ: "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ النِّسَاءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الْأَزْوَاجِ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَحْكِيًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أَيْ فِي الْبَحْرِ فَتَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إِلَى أَصْحَابِ الذُّرِّيَّةِ، أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا يدل على صحت قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ "مِنْ مِثْلِهِ" السُّفُنُ لَا الْإِبِلُ. "فَلا صَرِيخَ لَهُمْ" أَيْ لَا مُغِيثَ لَهُمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَى شَيْبَانُ عَنْهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ. وَ "صَرِيخَ" بِمَعْنَى مُصْرِخٍ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَجُوزُ "فَلَا صَرِيخٌ لَهُمْ"، لِأَنَّ بَعْدَهُ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ "وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ" وَالنَّحْوِيُّونَ يَخْتَارُونَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا زيد. وَمَعْنَى: "يُنْقَذُونَ" يُخَلَّصُونَ مِنَ الْغَرَقِ. وَقِيلَ: مِنَ العذاب. "إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا" قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجَلِهِ، أَيْ لِلرَّحْمَةِ "وَمَتاعاً" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. "إِلى حِينٍ" إِلَى الْمَوْتِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: إِلَى الْقِيَامَةِ أَيْ إِلَّا أَنْ نَرْحَمَهُمْ وَنُمَتِّعَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَجَّلَ عَذَابَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَخَّرَ عَذَابَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وان كذبوه إلى الموت والقيامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا عِبْرَةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ اعْتِبَارًا. الثَّانِي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إِنْعَامًا. الثَّالِثُ إِنْذَارٌ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْآيَاتِ إنذارا." أنا حملنا ذرياتهم [[. "ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.]] فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَةِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْمُولُونَ. فَقِيلَ الْمَعْنَى وَآيَةٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّةَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ" فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ "فَالضَّمِيرَانِ مُخْتَلِفَانِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سمعه يقوله. وَقِيلَ: الضَّمِيرَانِ جَمِيعًا لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّاتُهُمْ أَوْلَادَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ، فَالْفُلْكُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ سَفِينَةُ نُوحٍ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، خَبَّرَ جَلَّ وَعَزَّ بِلُطْفِهِ وَامْتِنَانِهِ أَنَّهُ خلق السفن يحمل فيها من يُحْمَلُ فِيهَا مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ من الذمة وَالضُّعَفَاءِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرَانِ عَلَى هَذَا مُتَّفِقَيْنِ. وَقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ وَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ، بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ. وَسُمِّيَ الْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، لِأَنَّ مِنْهُمْ ذَرْأَ الْأَبْنَاءِ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بُطُونِ النِّسَاءِ تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٠٧ وما بعدها طبعه ثانية.]] اشْتِقَاقُ الذُّرِّيَّةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. وَ "الْمَشْحُونِ" الْمَمْلُوءُ الْمُوَقَّرُ وَ "الْفُلْكِ" يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٢٤ طبعه أو ثانية.]] الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وَالْأَصْلُ يَرْكَبُونَهُ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِطُولِ الِاسْمِ [[كذا في كل نسخ الأصل وفى إعراب القرآن المنحاس:]] وَأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَذْهَبُ مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى "مِنْ مِثْلِهِ" لِلْإِبِلِ، خَلَقَهَا لَهُمْ لِلرُّكُوبِ فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ الْمَرْكُوبَةِ فِي الْبَحْرِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ الْإِبِلَ بِالسُّفُنِ. قَالَ طَرَفَةُ:
كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكِيَّةِ غدوة ... وخلايا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ [[الحدوج حدج وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة. والتواصف جمع نا صفة وهى الرحبة الواسعة تكون في الوادي. ودد موضع.]]
جَمْعُ خَلِيَّةٍ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لِلْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ مَا يُرْكَبُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلسُّفُنِ، النَّحَّاسُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا لِأَنَّهُ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" قَالَ: خَلَقَ لَهُمْ سُفُنًا أَمْثَالَهَا يَرْكَبُونَ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: إِنَّهَا السُّفُنُ الصِّغَارُ خَلَقَهَا مِثْلَ السُّفُنِ الْكِبَارِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: هِيَ السُّفُنُ الْمُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَجِيءُ عَلَى مُقْتَضَى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ هِيَ النُّطَفُ فِي بُطُونِ النِّسَاءِ قَوْلٌ خَامِسٌ فِي قَوْلِهِ: "وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ النِّسَاءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الْأَزْوَاجِ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَحْكِيًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أَيْ فِي الْبَحْرِ فَتَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إِلَى أَصْحَابِ الذُّرِّيَّةِ، أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا يدل على صحت قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ "مِنْ مِثْلِهِ" السُّفُنُ لَا الْإِبِلُ. "فَلا صَرِيخَ لَهُمْ" أَيْ لَا مُغِيثَ لَهُمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَى شَيْبَانُ عَنْهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ. وَ "صَرِيخَ" بِمَعْنَى مُصْرِخٍ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَجُوزُ "فَلَا صَرِيخٌ لَهُمْ"، لِأَنَّ بَعْدَهُ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ "وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ" وَالنَّحْوِيُّونَ يَخْتَارُونَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا زيد. وَمَعْنَى: "يُنْقَذُونَ" يُخَلَّصُونَ مِنَ الْغَرَقِ. وَقِيلَ: مِنَ العذاب. "إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا" قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجَلِهِ، أَيْ لِلرَّحْمَةِ "وَمَتاعاً" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. "إِلى حِينٍ" إِلَى الْمَوْتِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: إِلَى الْقِيَامَةِ أَيْ إِلَّا أَنْ نَرْحَمَهُمْ وَنُمَتِّعَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَجَّلَ عَذَابَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَخَّرَ عَذَابَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وان كذبوه إلى الموت والقيامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" أَيْ مِنَ الْوَقَائِعِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ "وَما خَلْفَكُمْ" مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ. الْحَسَنُ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا بَقِيَ مِنْهُ. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قال سُفْيَانُ. وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا عَمِلُوا لَهَا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" مَا ظَهَرَ لَكُمْ "وَما خَلْفَكُمْ" مَا خَفِيَ عَنْكُمْ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، دَلِيلُهُ قول بَعْدُ: "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَهُمْ فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً"
[الأنعام: ١٣٦] فَحَرَمُوهُمْ وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَكُمْ- اسْتِهْزَاءً- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا "أَنُطْعِمُ" أَيْ أَنَرْزُقُ "مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" كَانَ بَلَغَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ. فَقَالُوا هُزْءًا أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَغْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعَزَّ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ كَذَا. فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: قَالُوا هَذَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ: "أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ" أَيْ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَزَقَنَا فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَكُمْ فَلِمَ تَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ مِنَّا؟. وَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا مَلَّكَ عَبْدًا مَالًا ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَدْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَطْعَمَهُمْ وَلَكِنْ كَذَبُوا فِي الِاحْتِجَاجِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. "إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي سُؤَالِ الْمَالِ وَفِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا. قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ. وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِينَ رَدُّوا بهذا الجو أب. وَقِيلَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؟ قَالَ: ابْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِالصَّبْرِ، وا مر الْأَغْنِيَاءَ بِالْإِعْطَاءِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمُهُمْ ثُمَّ تُطْعِمُهُمْ أَنْتَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ﴾ [الليل: ٦ - ٥] الْآيَاتِ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَامٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ" لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ" قَالُوا: "مَتى هذَا الْوَعْدُ" وَكَانَ هَذَا اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيقَ لِهَذَا الْوَعِيدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" وَهِيَ نَفْخَةُ إِسْرَافِيلَ "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَهَذِهِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَفِي "يَخِصِّمُونَ" خَمْسُ قِرَاءَاتٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كثير "وهم يختصمون" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ. وَكَذَا رَوَى وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقِرَاءَاتِ وَأَصْحَابُ نافع سوى ورش فرو وا عنه "يختصمون" بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ساكنين. وقرا عاصم والكسائي "وهم يختصمون" بإسكان الخاء
وتخفيف الصَّادِ مِنْ خَصَمَهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ "وَهُمْ يختصمون" بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ كَسْرَ الْيَاءِ وَالْخَاءِ والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أَبْيَنُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ- وَفِي حَرْفِ بى "وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ"- وَإِسْكَانُ الْخَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ جمع بين ساكنين وليس أحد هما حَرْفَ مَدٍّ وَلِينٍ. وَقِيلَ: أَسْكَنُوا الْخَاءَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا "يَخِصِّمُونَ" فَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ، فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاءِ حَرَكَةِ التَّاءِ عَلَى الْخَاءِ وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَةً أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَدُ وَأَكْثَرُ. وَكَيْفَ يَكُونُ أَكْثَرَ وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَةُ الْخَلْقِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ كَسْرِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ فَلِلْإِتْبَاعِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[انظر ج ١ ص ٢٩١ طبعه ثانية أو ثالثة.]] فِي "يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ" وفى "يونس" [[راجع ج ٨ ص ٣٤١ طبعه أولى أو ثانيه.]] في "يَهْدِي". وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ "إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" قَالَ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَمِنْ حَالِبٍ لِقْحَةً، وَمِنْ ذَارِعٍ ثَوْبًا، وَمِنْ مَارٍّ فِي حَاجَةٍ. وَرَوَى نُعَيْمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَلِيطُ [[يليط حوضه وفى رواية بلوط حوضه أي يطينه.]] حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أكلته إلى فيه فما يتبلعها حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ- قَالَ- فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ" الْحَدِيثَ. "فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً" أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهُمْ أن يوصى تعضا لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ بَلْ يَمُوتُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ. "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" إِذَا مَاتُوا. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: "وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" أَيْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هَذِهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ لِلنَّشْأَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ طبعه أولى أو ثانيه.]] أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاثٌ. وَهَذِهِ الآية دالء على ذلك. وروى المبارك بن فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً الْأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّهُ بِهَا كُلَّ مَيِّتٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ، أَيْ نُفِخَ فِي الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قَالَ الْعَجَّاجُ:
وَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سِرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". النَّحَّاسُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ "الصُّورَ" بِإِسْكَانِ الْوَاوِ. الْقَرْنُ، جَاءَ بِذَلِكَ التَّوْقِيفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ:
نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْغُورَيْنِ ... بِالضَّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النَّقْعَيْنِ
نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى. "فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ" أَيِ القبور. وقرى بِالْفَاءِ "مِنَ الْأَجْدَافِ" ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. يُقَالُ جَدَثٌ وَجَدَفٌ. وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْجَدَثُ بِالثَّاءِ وَالْجَمْعُ أَجْدُثٌ وَأَجْدَاثٌ، قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلَامَاتٍ كَتَحْبِيرِ النِّمَاطِ
وَاجْتَدَثَ أَيِ اتَّخَذَ جَدَثًا. "إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ" أَيْ يَخْرُجُونَ، قَالَهُ ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى الْقَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِي
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَسْلٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَقِيلَ: يُسْرِعُونَ. وَالنَّسَلَانُ وَالْعَسَلَانُ الْإِسْرَاعُ فِي السَّيْرِ، وَمِنْهُ مِشْيَةُ الذِّئْبِ، قَالَ [[البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي.]]:
عَسَلَانَ الذِّئْبِ أمسى قاربا ... وبرد اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
يُقَالُ: عَسَلَ الذِّئْبُ وَنَسَلَ، يَعْسِلُ وَيَنْسِلُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَيُقَالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وفي "سائل سائل": [المعارج: ١] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] أَيْ يُسْرِعُونَ. وَفِي الْخَبَرِ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الضَّعْفَ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلِ" أَيْ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ فَإِنَّهُ يُنَشِّطُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا وَيْلَنا﴾ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "يَا وَيْلَنا" وَقْفٌ حَسَنٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ "مَنْ بَعَثَنا" وروي عن بعض القراء "يَا وَيْلنَا مِنْ بَعْثِنَا" بِكَسْرِ مِنْ وَالثَّاءِ مِنَ الْبَعْثِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "يَا وَيْلَنا" حَتَّى يَقُولَ: "مِنْ مَرْقَدِنا". وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مَنْ هَبَّنَا" بِالْوَصْلِ "مِنْ مَرْقَدِنا" فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: قَرَأَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "قَالُوا يَا وَيْلَتَنَا" بِزِيَادَةِ تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "يَا وَيْلَتَا مِنْ بَعْثِنَا" فَ "مِنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَيْلِ أَوْ حال من "وَيْلَتى " فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا كَائِنًا مِنْ بَعْثِنَا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ. و "الرَّحْمنِ" مِنْ قَوْلِهِ: "مِنْ مَرْقَدِنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْبَعْثِ. ثُمَّ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا هَذَا وَهُمْ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: يَنَامُونَ نَوْمَةً. وَفِي رِوَايَةٍ فَيَقُولُونَ: يا ويلنا مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ "أهبنا" من لفظ القرآن كما قال مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ تَفْسِيرُ "بَعَثَنا" أَوْ مُعَبِّرٌ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَا حَفِظْتُهُ "مَنْ هَبَّنَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَهَبَّنَا مَعَ تَسْكِينِ نُونِ مَنْ. وَالصَّوَابُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ اللُّغَةِ "مَنَ اهَبَّنَا" بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّ فَتْحَةَ هَمْزَةِ أَهَبَّ أُلْقِيَتْ عَلَى نُونِ "مَنْ" وَأُسْقِطَتِ الْهَمْزَةُ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: مَنَ اخْبَرَكَ مَنَ اعْلَمَكَ؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ مَنْ أَخْبَرَكَ. وَيُقَالُ: أَهَبَبْتُ النَّائِمَ فَهَبَّ النَّائِمُ. أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ:
وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَلَمْ يَعْتَمِرْنِي قَبْلَ ذَاكَ عَذُولُ
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِذَا نُفِخَ النَّفْخَةُ الْأُولَى رُفِعَ الْعَذَابُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ وَهَجَعُوا هَجْعَةً إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَذَلِكَ قولهم: "من بعثنا من مرقدنا" وقال ابن عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ صَارَ مَا عُذِّبُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَذَابِهَا كَالنَّوْمِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ لَهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ: "هَذَا ما وعد الرحمن". وقال الفراء: فقال لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةٌ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِمَّنْ هَدَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وَكَذَا الْحَدِيثُ: (الْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ). وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُمْ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" صَدَّقُوا الرُّسُلَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" فَكَذَّبْنَا بِهِ، أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَكَانَ حَفْصٌ يَقِفُ عَلَى "مِنْ مَرْقَدِنا" ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: "هَذَا". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ" وَيَجُوزُ أَنْ تَقِفَ عَلَى مَرْقَدِنَا هَذَا "فَتَخْفِضَ هَذَا عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْمَرْقَدِ، وَتَبْتَدِئَ:" مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ "عَلَى مَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، أَيْ بَعَثَكُمْ وَعْدُ الرَّحْمَنِ. النَّحَّاسُ: التَّمَامُ عَلَى" مِنْ مَرْقَدِنا "وَ" هَذَا "فِي مَوْضِعٍ رَفَعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِ "مَرْقَدِنا" فَيَكُونُ التَّمَامُ "مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا". "مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ. ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ: يَكُونُ بِإِضْمَارِ هَذَا. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَقٌّ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ بَعْثَكُمْ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ أن يكون بمعنى مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ. "إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" يَعْنِي إِنَّ بَعْثَهُمْ وَإِحْيَاءَهُمْ كَانَ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُ إِسْرَافِيلَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، والأوصال المقتطعة وَالشُّعُورُ الْمُتَمَزِّقَةُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لفصل القضاء. وهذا معنى قول الْحَقِّ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.﴾ [ق: ٤٢]. وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] عَلَى مَا يَأْتِي. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ "إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً" وَالزَّقْيَةُ
الصَّيْحَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. "فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" فَإِذَا هُمْ "مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ" جَمِيعٌ "نَكِرَةٌ، وَ" مُحْضَرُونَ "مِنْ صِفَتِهِ. وَمَعْنَى" مُحْضَرُونَ "مَجْمُوعُونَ أُحْضِرُوا مَوْقِفَ الْحِسَابِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:﴿ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أَيْ لَا تُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلٍ. "وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" "مِمَّا" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالثَّانِي بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تعملون، أي تعملونه فحذف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هَذِهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ لِلنَّشْأَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ طبعه أولى أو ثانيه.]] أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاثٌ. وَهَذِهِ الآية دالء على ذلك. وروى المبارك بن فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً الْأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّهُ بِهَا كُلَّ مَيِّتٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ، أَيْ نُفِخَ فِي الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قَالَ الْعَجَّاجُ:
وَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سِرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". النَّحَّاسُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ "الصُّورَ" بِإِسْكَانِ الْوَاوِ. الْقَرْنُ، جَاءَ بِذَلِكَ التَّوْقِيفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ:
نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْغُورَيْنِ ... بِالضَّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النَّقْعَيْنِ
نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى. "فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ" أَيِ القبور. وقرى بِالْفَاءِ "مِنَ الْأَجْدَافِ" ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. يُقَالُ جَدَثٌ وَجَدَفٌ. وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْجَدَثُ بِالثَّاءِ وَالْجَمْعُ أَجْدُثٌ وَأَجْدَاثٌ، قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلَامَاتٍ كَتَحْبِيرِ النِّمَاطِ
وَاجْتَدَثَ أَيِ اتَّخَذَ جَدَثًا. "إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ" أَيْ يَخْرُجُونَ، قَالَهُ ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى الْقَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِي
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَسْلٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَقِيلَ: يُسْرِعُونَ. وَالنَّسَلَانُ وَالْعَسَلَانُ الْإِسْرَاعُ فِي السَّيْرِ، وَمِنْهُ مِشْيَةُ الذِّئْبِ، قَالَ [[البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي.]]:
عَسَلَانَ الذِّئْبِ أمسى قاربا ... وبرد اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
يُقَالُ: عَسَلَ الذِّئْبُ وَنَسَلَ، يَعْسِلُ وَيَنْسِلُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَيُقَالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وفي "سائل سائل": [المعارج: ١] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] أَيْ يُسْرِعُونَ. وَفِي الْخَبَرِ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الضَّعْفَ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلِ" أَيْ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ فَإِنَّهُ يُنَشِّطُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا وَيْلَنا﴾ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "يَا وَيْلَنا" وَقْفٌ حَسَنٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ "مَنْ بَعَثَنا" وروي عن بعض القراء "يَا وَيْلنَا مِنْ بَعْثِنَا" بِكَسْرِ مِنْ وَالثَّاءِ مِنَ الْبَعْثِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "يَا وَيْلَنا" حَتَّى يَقُولَ: "مِنْ مَرْقَدِنا". وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مَنْ هَبَّنَا" بِالْوَصْلِ "مِنْ مَرْقَدِنا" فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: قَرَأَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "قَالُوا يَا وَيْلَتَنَا" بِزِيَادَةِ تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "يَا وَيْلَتَا مِنْ بَعْثِنَا" فَ "مِنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَيْلِ أَوْ حال من "وَيْلَتى " فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا كَائِنًا مِنْ بَعْثِنَا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ. و "الرَّحْمنِ" مِنْ قَوْلِهِ: "مِنْ مَرْقَدِنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْبَعْثِ. ثُمَّ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا هَذَا وَهُمْ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: يَنَامُونَ نَوْمَةً. وَفِي رِوَايَةٍ فَيَقُولُونَ: يا ويلنا مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ "أهبنا" من لفظ القرآن كما قال مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ تَفْسِيرُ "بَعَثَنا" أَوْ مُعَبِّرٌ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَا حَفِظْتُهُ "مَنْ هَبَّنَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَهَبَّنَا مَعَ تَسْكِينِ نُونِ مَنْ. وَالصَّوَابُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ اللُّغَةِ "مَنَ اهَبَّنَا" بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّ فَتْحَةَ هَمْزَةِ أَهَبَّ أُلْقِيَتْ عَلَى نُونِ "مَنْ" وَأُسْقِطَتِ الْهَمْزَةُ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: مَنَ اخْبَرَكَ مَنَ اعْلَمَكَ؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ مَنْ أَخْبَرَكَ. وَيُقَالُ: أَهَبَبْتُ النَّائِمَ فَهَبَّ النَّائِمُ. أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ:
وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَلَمْ يَعْتَمِرْنِي قَبْلَ ذَاكَ عَذُولُ
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِذَا نُفِخَ النَّفْخَةُ الْأُولَى رُفِعَ الْعَذَابُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ وَهَجَعُوا هَجْعَةً إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَذَلِكَ قولهم: "من بعثنا من مرقدنا" وقال ابن عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ صَارَ مَا عُذِّبُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَذَابِهَا كَالنَّوْمِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ لَهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ: "هَذَا ما وعد الرحمن". وقال الفراء: فقال لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةٌ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِمَّنْ هَدَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وَكَذَا الْحَدِيثُ: (الْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ). وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُمْ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" صَدَّقُوا الرُّسُلَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" فَكَذَّبْنَا بِهِ، أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَكَانَ حَفْصٌ يَقِفُ عَلَى "مِنْ مَرْقَدِنا" ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: "هَذَا". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ" وَيَجُوزُ أَنْ تَقِفَ عَلَى مَرْقَدِنَا هَذَا "فَتَخْفِضَ هَذَا عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْمَرْقَدِ، وَتَبْتَدِئَ:" مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ "عَلَى مَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، أَيْ بَعَثَكُمْ وَعْدُ الرَّحْمَنِ. النَّحَّاسُ: التَّمَامُ عَلَى" مِنْ مَرْقَدِنا "وَ" هَذَا "فِي مَوْضِعٍ رَفَعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِ "مَرْقَدِنا" فَيَكُونُ التَّمَامُ "مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا". "مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ. ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ: يَكُونُ بِإِضْمَارِ هَذَا. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَقٌّ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ بَعْثَكُمْ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ أن يكون بمعنى مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ. "إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" يَعْنِي إِنَّ بَعْثَهُمْ وَإِحْيَاءَهُمْ كَانَ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُ إِسْرَافِيلَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، والأوصال المقتطعة وَالشُّعُورُ الْمُتَمَزِّقَةُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لفصل القضاء. وهذا معنى قول الْحَقِّ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.﴾ [ق: ٤٢]. وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] عَلَى مَا يَأْتِي. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ "إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً" وَالزَّقْيَةُ
الصَّيْحَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. "فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" فَإِذَا هُمْ "مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ" جَمِيعٌ "نَكِرَةٌ، وَ" مُحْضَرُونَ "مِنْ صِفَتِهِ. وَمَعْنَى" مُحْضَرُونَ "مَجْمُوعُونَ أُحْضِرُوا مَوْقِفَ الْحِسَابِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:﴿ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أَيْ لَا تُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلٍ. "وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" "مِمَّا" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالثَّانِي بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تعملون، أي تعملونه فحذف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هَذِهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ لِلنَّشْأَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ طبعه أولى أو ثانيه.]] أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاثٌ. وَهَذِهِ الآية دالء على ذلك. وروى المبارك بن فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً الْأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّهُ بِهَا كُلَّ مَيِّتٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ، أَيْ نُفِخَ فِي الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قَالَ الْعَجَّاجُ:
وَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سِرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". النَّحَّاسُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ "الصُّورَ" بِإِسْكَانِ الْوَاوِ. الْقَرْنُ، جَاءَ بِذَلِكَ التَّوْقِيفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ:
نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْغُورَيْنِ ... بِالضَّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النَّقْعَيْنِ
نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى. "فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ" أَيِ القبور. وقرى بِالْفَاءِ "مِنَ الْأَجْدَافِ" ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. يُقَالُ جَدَثٌ وَجَدَفٌ. وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْجَدَثُ بِالثَّاءِ وَالْجَمْعُ أَجْدُثٌ وَأَجْدَاثٌ، قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلَامَاتٍ كَتَحْبِيرِ النِّمَاطِ
وَاجْتَدَثَ أَيِ اتَّخَذَ جَدَثًا. "إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ" أَيْ يَخْرُجُونَ، قَالَهُ ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى الْقَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِي
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَسْلٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَقِيلَ: يُسْرِعُونَ. وَالنَّسَلَانُ وَالْعَسَلَانُ الْإِسْرَاعُ فِي السَّيْرِ، وَمِنْهُ مِشْيَةُ الذِّئْبِ، قَالَ [[البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي.]]:
عَسَلَانَ الذِّئْبِ أمسى قاربا ... وبرد اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
يُقَالُ: عَسَلَ الذِّئْبُ وَنَسَلَ، يَعْسِلُ وَيَنْسِلُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَيُقَالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وفي "سائل سائل": [المعارج: ١] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] أَيْ يُسْرِعُونَ. وَفِي الْخَبَرِ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الضَّعْفَ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلِ" أَيْ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ فَإِنَّهُ يُنَشِّطُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا وَيْلَنا﴾ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "يَا وَيْلَنا" وَقْفٌ حَسَنٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ "مَنْ بَعَثَنا" وروي عن بعض القراء "يَا وَيْلنَا مِنْ بَعْثِنَا" بِكَسْرِ مِنْ وَالثَّاءِ مِنَ الْبَعْثِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "يَا وَيْلَنا" حَتَّى يَقُولَ: "مِنْ مَرْقَدِنا". وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مَنْ هَبَّنَا" بِالْوَصْلِ "مِنْ مَرْقَدِنا" فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: قَرَأَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "قَالُوا يَا وَيْلَتَنَا" بِزِيَادَةِ تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "يَا وَيْلَتَا مِنْ بَعْثِنَا" فَ "مِنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَيْلِ أَوْ حال من "وَيْلَتى " فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا كَائِنًا مِنْ بَعْثِنَا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ. و "الرَّحْمنِ" مِنْ قَوْلِهِ: "مِنْ مَرْقَدِنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْبَعْثِ. ثُمَّ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا هَذَا وَهُمْ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: يَنَامُونَ نَوْمَةً. وَفِي رِوَايَةٍ فَيَقُولُونَ: يا ويلنا مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ "أهبنا" من لفظ القرآن كما قال مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ تَفْسِيرُ "بَعَثَنا" أَوْ مُعَبِّرٌ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَا حَفِظْتُهُ "مَنْ هَبَّنَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَهَبَّنَا مَعَ تَسْكِينِ نُونِ مَنْ. وَالصَّوَابُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ اللُّغَةِ "مَنَ اهَبَّنَا" بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّ فَتْحَةَ هَمْزَةِ أَهَبَّ أُلْقِيَتْ عَلَى نُونِ "مَنْ" وَأُسْقِطَتِ الْهَمْزَةُ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: مَنَ اخْبَرَكَ مَنَ اعْلَمَكَ؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ مَنْ أَخْبَرَكَ. وَيُقَالُ: أَهَبَبْتُ النَّائِمَ فَهَبَّ النَّائِمُ. أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ:
وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَلَمْ يَعْتَمِرْنِي قَبْلَ ذَاكَ عَذُولُ
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِذَا نُفِخَ النَّفْخَةُ الْأُولَى رُفِعَ الْعَذَابُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ وَهَجَعُوا هَجْعَةً إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَذَلِكَ قولهم: "من بعثنا من مرقدنا" وقال ابن عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ صَارَ مَا عُذِّبُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَذَابِهَا كَالنَّوْمِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ لَهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ: "هَذَا ما وعد الرحمن". وقال الفراء: فقال لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةٌ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِمَّنْ هَدَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وَكَذَا الْحَدِيثُ: (الْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ). وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُمْ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" صَدَّقُوا الرُّسُلَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" فَكَذَّبْنَا بِهِ، أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَكَانَ حَفْصٌ يَقِفُ عَلَى "مِنْ مَرْقَدِنا" ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: "هَذَا". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ" وَيَجُوزُ أَنْ تَقِفَ عَلَى مَرْقَدِنَا هَذَا "فَتَخْفِضَ هَذَا عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْمَرْقَدِ، وَتَبْتَدِئَ:" مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ "عَلَى مَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، أَيْ بَعَثَكُمْ وَعْدُ الرَّحْمَنِ. النَّحَّاسُ: التَّمَامُ عَلَى" مِنْ مَرْقَدِنا "وَ" هَذَا "فِي مَوْضِعٍ رَفَعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِ "مَرْقَدِنا" فَيَكُونُ التَّمَامُ "مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا". "مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ. ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ: يَكُونُ بِإِضْمَارِ هَذَا. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَقٌّ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ بَعْثَكُمْ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ أن يكون بمعنى مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ. "إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" يَعْنِي إِنَّ بَعْثَهُمْ وَإِحْيَاءَهُمْ كَانَ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُ إِسْرَافِيلَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، والأوصال المقتطعة وَالشُّعُورُ الْمُتَمَزِّقَةُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لفصل القضاء. وهذا معنى قول الْحَقِّ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.﴾ [ق: ٤٢]. وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] عَلَى مَا يَأْتِي. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ "إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً" وَالزَّقْيَةُ
الصَّيْحَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. "فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" فَإِذَا هُمْ "مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ" جَمِيعٌ "نَكِرَةٌ، وَ" مُحْضَرُونَ "مِنْ صِفَتِهِ. وَمَعْنَى" مُحْضَرُونَ "مَجْمُوعُونَ أُحْضِرُوا مَوْقِفَ الْحِسَابِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:﴿ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أَيْ لَا تُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلٍ. "وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" "مِمَّا" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالثَّانِي بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تعملون، أي تعملونه فحذف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هَذِهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ لِلنَّشْأَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ طبعه أولى أو ثانيه.]] أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاثٌ. وَهَذِهِ الآية دالء على ذلك. وروى المبارك بن فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً الْأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّهُ بِهَا كُلَّ مَيِّتٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ، أَيْ نُفِخَ فِي الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قَالَ الْعَجَّاجُ:
وَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سِرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". النَّحَّاسُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ "الصُّورَ" بِإِسْكَانِ الْوَاوِ. الْقَرْنُ، جَاءَ بِذَلِكَ التَّوْقِيفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ:
نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْغُورَيْنِ ... بِالضَّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النَّقْعَيْنِ
نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى. "فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ" أَيِ القبور. وقرى بِالْفَاءِ "مِنَ الْأَجْدَافِ" ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. يُقَالُ جَدَثٌ وَجَدَفٌ. وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْجَدَثُ بِالثَّاءِ وَالْجَمْعُ أَجْدُثٌ وَأَجْدَاثٌ، قَالَ الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلَامَاتٍ كَتَحْبِيرِ النِّمَاطِ
وَاجْتَدَثَ أَيِ اتَّخَذَ جَدَثًا. "إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ" أَيْ يَخْرُجُونَ، قَالَهُ ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى الْقَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِي
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَسْلٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَقِيلَ: يُسْرِعُونَ. وَالنَّسَلَانُ وَالْعَسَلَانُ الْإِسْرَاعُ فِي السَّيْرِ، وَمِنْهُ مِشْيَةُ الذِّئْبِ، قَالَ [[البيت للبيد، وقيل هو للنابغة الجعدي.]]:
عَسَلَانَ الذِّئْبِ أمسى قاربا ... وبرد اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
يُقَالُ: عَسَلَ الذِّئْبُ وَنَسَلَ، يَعْسِلُ وَيَنْسِلُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَيُقَالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وفي "سائل سائل": [المعارج: ١] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] أَيْ يُسْرِعُونَ. وَفِي الْخَبَرِ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الضَّعْفَ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلِ" أَيْ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ فَإِنَّهُ يُنَشِّطُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا وَيْلَنا﴾ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "يَا وَيْلَنا" وَقْفٌ حَسَنٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ "مَنْ بَعَثَنا" وروي عن بعض القراء "يَا وَيْلنَا مِنْ بَعْثِنَا" بِكَسْرِ مِنْ وَالثَّاءِ مِنَ الْبَعْثِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "يَا وَيْلَنا" حَتَّى يَقُولَ: "مِنْ مَرْقَدِنا". وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مَنْ هَبَّنَا" بِالْوَصْلِ "مِنْ مَرْقَدِنا" فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: قَرَأَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "قَالُوا يَا وَيْلَتَنَا" بِزِيَادَةِ تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "يَا وَيْلَتَا مِنْ بَعْثِنَا" فَ "مِنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَيْلِ أَوْ حال من "وَيْلَتى " فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا كَائِنًا مِنْ بَعْثِنَا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ. و "الرَّحْمنِ" مِنْ قَوْلِهِ: "مِنْ مَرْقَدِنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْبَعْثِ. ثُمَّ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا هَذَا وَهُمْ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: يَنَامُونَ نَوْمَةً. وَفِي رِوَايَةٍ فَيَقُولُونَ: يا ويلنا مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ "أهبنا" من لفظ القرآن كما قال مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ تَفْسِيرُ "بَعَثَنا" أَوْ مُعَبِّرٌ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَا حَفِظْتُهُ "مَنْ هَبَّنَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَهَبَّنَا مَعَ تَسْكِينِ نُونِ مَنْ. وَالصَّوَابُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ اللُّغَةِ "مَنَ اهَبَّنَا" بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّ فَتْحَةَ هَمْزَةِ أَهَبَّ أُلْقِيَتْ عَلَى نُونِ "مَنْ" وَأُسْقِطَتِ الْهَمْزَةُ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: مَنَ اخْبَرَكَ مَنَ اعْلَمَكَ؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ مَنْ أَخْبَرَكَ. وَيُقَالُ: أَهَبَبْتُ النَّائِمَ فَهَبَّ النَّائِمُ. أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ:
وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَلَمْ يَعْتَمِرْنِي قَبْلَ ذَاكَ عَذُولُ
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِذَا نُفِخَ النَّفْخَةُ الْأُولَى رُفِعَ الْعَذَابُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ وَهَجَعُوا هَجْعَةً إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَذَلِكَ قولهم: "من بعثنا من مرقدنا" وقال ابن عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ صَارَ مَا عُذِّبُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَذَابِهَا كَالنَّوْمِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ لَهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ: "هَذَا ما وعد الرحمن". وقال الفراء: فقال لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ". النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةٌ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِمَّنْ هَدَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وَكَذَا الْحَدِيثُ: (الْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ). وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُمْ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" صَدَّقُوا الرُّسُلَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" فَكَذَّبْنَا بِهِ، أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَكَانَ حَفْصٌ يَقِفُ عَلَى "مِنْ مَرْقَدِنا" ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: "هَذَا". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ" وَيَجُوزُ أَنْ تَقِفَ عَلَى مَرْقَدِنَا هَذَا "فَتَخْفِضَ هَذَا عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْمَرْقَدِ، وَتَبْتَدِئَ:" مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ "عَلَى مَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، أَيْ بَعَثَكُمْ وَعْدُ الرَّحْمَنِ. النَّحَّاسُ: التَّمَامُ عَلَى" مِنْ مَرْقَدِنا "وَ" هَذَا "فِي مَوْضِعٍ رَفَعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِ "مَرْقَدِنا" فَيَكُونُ التَّمَامُ "مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا". "مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ. ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ: يَكُونُ بِإِضْمَارِ هَذَا. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَقٌّ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ بَعْثَكُمْ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ أن يكون بمعنى مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ. "إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً" يَعْنِي إِنَّ بَعْثَهُمْ وَإِحْيَاءَهُمْ كَانَ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُ إِسْرَافِيلَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، والأوصال المقتطعة وَالشُّعُورُ الْمُتَمَزِّقَةُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لفصل القضاء. وهذا معنى قول الْحَقِّ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.﴾ [ق: ٤٢]. وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] عَلَى مَا يَأْتِي. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ "إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً" وَالزَّقْيَةُ
الصَّيْحَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. "فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" فَإِذَا هُمْ "مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ" جَمِيعٌ "نَكِرَةٌ، وَ" مُحْضَرُونَ "مِنْ صِفَتِهِ. وَمَعْنَى" مُحْضَرُونَ "مَجْمُوعُونَ أُحْضِرُوا مَوْقِفَ الْحِسَابِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:﴿ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أَيْ لَا تُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلٍ. "وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" "مِمَّا" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالثَّانِي بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تعملون، أي تعملونه فحذف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ. وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "فِي شُغُلٍ" أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". وَ "شُغُلٍ" وَ "شُغْلٌ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَالسُّحُتِ وَالسُّحْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ." [[راجع ج ٦ ص ١٨٤ طبعه أو ثانية.]] فاكِهُونَ "قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ. مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ. السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ، وَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَاكِهُ ذُو الْفَاكِهَةِ، مِثْلُ شَاحِمٍ وَلَاحِمٍ وَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، وَالْفَكِهُ الْمُتَفَكِّهُ وَالْمُتَنَعِّمُ. وَ "فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ مُعْجَبُونَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاكِهِينَ" نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ. "هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هُمْ" تَوْكِيدًا "وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و "مُتَّكِؤُنَ" نَعْتٌ لِقَوْلِهِ "فاكِهُونَ". وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "فِي ظِلالٍ" بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْأَلِفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، فَالظِّلَالُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ." عَلَى الْأَرائِكِ" يَعْنِي السُّرُرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدُهَا أَرِيكَةٌ، مِثْلَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ احْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ ... بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِ
خُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنَ الْحَيَا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا." وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعَانِقُ الْحَوْرَاءَ سَبْعِينَ سَنَةً، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ، فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنِيٌّ، يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَنِيٍّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا. "لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" الدَّالُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَمَعْنَى "يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: "يَدَّعُونَ" يَشْتَهُونَ. ابْنُ عَبَّاسٍ. يَسْأَلُونَ. وَالْمَعْنَى متقارب. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "سَلامٌ" عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَامٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ السَّلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "مَا يَدَّعُونَ". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "سَلامٌ" مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "مَا" أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهم نور فرفعوا رؤوسهم فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شي مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي" يُونُسَ" [[راجع ج ص ٢٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَكِرَةً، وَ "سَلَامٌ" نَعْتًا لَهَا، أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "سَلامٌ" خَبَرٌ عَنْهَا. وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يُوقَفُ عَلَى "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ". وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "سَلَامًا" يَكُونُ مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْتَ في موضع الحال، أي ولهم مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَامٍ أَوْ سَلَامَةٍ أَوْ مسلما، فعي هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ" وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ "سِلْمٌ" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ سِلْمٌ لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَيَكُونُ "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" تَامًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ"، وَخَبَرُ "مَا يَدَّعُونَ" "لَهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" خَبَرًا آخَرَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَهُمْ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فِيهِ. "قَوْلًا" مَصْدَرٌ عَلَى مَعْنَى قَالَ الله ذلك قولا. أو يقوله قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَفْظُ مَصْدَرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا، أَيْ عِدَةً مِنَ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ". وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "سَلامٌ" تَامٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" وَيُقَالُ تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى، وَمِزْتُهُ فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْوُقُوفِ لِلسُّؤَالِ حِينَ يُؤْمَرُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمْتَازُ الْمُجْرِمُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَيَمْتَازُ الْيَهُودُ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى فِرْقَةً، وَالْمَجُوسُ فِرْقَةً، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فِرْقَةً. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَةٍ فِي النَّارِ بَيْتًا تَدْخُلُ فِيهِ وَيُرَدُّ بَابُهُ، فتكون فيه أبدالا تُرَى وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْجَرَّاحِ: فَيَمْتَازُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَيَكُونُونَ مَعَ المجرمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ. وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "فِي شُغُلٍ" أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". وَ "شُغُلٍ" وَ "شُغْلٌ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَالسُّحُتِ وَالسُّحْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ." [[راجع ج ٦ ص ١٨٤ طبعه أو ثانية.]] فاكِهُونَ "قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ. مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ. السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ، وَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَاكِهُ ذُو الْفَاكِهَةِ، مِثْلُ شَاحِمٍ وَلَاحِمٍ وَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، وَالْفَكِهُ الْمُتَفَكِّهُ وَالْمُتَنَعِّمُ. وَ "فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ مُعْجَبُونَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاكِهِينَ" نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ. "هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هُمْ" تَوْكِيدًا "وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و "مُتَّكِؤُنَ" نَعْتٌ لِقَوْلِهِ "فاكِهُونَ". وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "فِي ظِلالٍ" بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْأَلِفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، فَالظِّلَالُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ." عَلَى الْأَرائِكِ" يَعْنِي السُّرُرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدُهَا أَرِيكَةٌ، مِثْلَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ احْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ ... بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِ
خُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنَ الْحَيَا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا." وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعَانِقُ الْحَوْرَاءَ سَبْعِينَ سَنَةً، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ، فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنِيٌّ، يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَنِيٍّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا. "لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" الدَّالُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَمَعْنَى "يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: "يَدَّعُونَ" يَشْتَهُونَ. ابْنُ عَبَّاسٍ. يَسْأَلُونَ. وَالْمَعْنَى متقارب. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "سَلامٌ" عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَامٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ السَّلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "مَا يَدَّعُونَ". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "سَلامٌ" مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "مَا" أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهم نور فرفعوا رؤوسهم فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شي مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي" يُونُسَ" [[راجع ج ص ٢٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَكِرَةً، وَ "سَلَامٌ" نَعْتًا لَهَا، أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "سَلامٌ" خَبَرٌ عَنْهَا. وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يُوقَفُ عَلَى "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ". وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "سَلَامًا" يَكُونُ مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْتَ في موضع الحال، أي ولهم مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَامٍ أَوْ سَلَامَةٍ أَوْ مسلما، فعي هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ" وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ "سِلْمٌ" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ سِلْمٌ لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَيَكُونُ "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" تَامًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ"، وَخَبَرُ "مَا يَدَّعُونَ" "لَهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" خَبَرًا آخَرَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَهُمْ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فِيهِ. "قَوْلًا" مَصْدَرٌ عَلَى مَعْنَى قَالَ الله ذلك قولا. أو يقوله قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَفْظُ مَصْدَرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا، أَيْ عِدَةً مِنَ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ". وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "سَلامٌ" تَامٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" وَيُقَالُ تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى، وَمِزْتُهُ فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْوُقُوفِ لِلسُّؤَالِ حِينَ يُؤْمَرُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمْتَازُ الْمُجْرِمُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَيَمْتَازُ الْيَهُودُ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى فِرْقَةً، وَالْمَجُوسُ فِرْقَةً، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فِرْقَةً. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَةٍ فِي النَّارِ بَيْتًا تَدْخُلُ فِيهِ وَيُرَدُّ بَابُهُ، فتكون فيه أبدالا تُرَى وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْجَرَّاحِ: فَيَمْتَازُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَيَكُونُونَ مَعَ المجرمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ. وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "فِي شُغُلٍ" أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". وَ "شُغُلٍ" وَ "شُغْلٌ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَالسُّحُتِ وَالسُّحْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ." [[راجع ج ٦ ص ١٨٤ طبعه أو ثانية.]] فاكِهُونَ "قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ. مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ. السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ، وَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَاكِهُ ذُو الْفَاكِهَةِ، مِثْلُ شَاحِمٍ وَلَاحِمٍ وَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، وَالْفَكِهُ الْمُتَفَكِّهُ وَالْمُتَنَعِّمُ. وَ "فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ مُعْجَبُونَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاكِهِينَ" نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ. "هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هُمْ" تَوْكِيدًا "وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و "مُتَّكِؤُنَ" نَعْتٌ لِقَوْلِهِ "فاكِهُونَ". وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "فِي ظِلالٍ" بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْأَلِفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، فَالظِّلَالُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ." عَلَى الْأَرائِكِ" يَعْنِي السُّرُرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدُهَا أَرِيكَةٌ، مِثْلَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ احْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ ... بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِ
خُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنَ الْحَيَا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا." وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعَانِقُ الْحَوْرَاءَ سَبْعِينَ سَنَةً، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ، فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنِيٌّ، يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَنِيٍّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا. "لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" الدَّالُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَمَعْنَى "يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: "يَدَّعُونَ" يَشْتَهُونَ. ابْنُ عَبَّاسٍ. يَسْأَلُونَ. وَالْمَعْنَى متقارب. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "سَلامٌ" عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَامٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ السَّلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "مَا يَدَّعُونَ". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "سَلامٌ" مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "مَا" أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهم نور فرفعوا رؤوسهم فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شي مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي" يُونُسَ" [[راجع ج ص ٢٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَكِرَةً، وَ "سَلَامٌ" نَعْتًا لَهَا، أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "سَلامٌ" خَبَرٌ عَنْهَا. وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يُوقَفُ عَلَى "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ". وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "سَلَامًا" يَكُونُ مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْتَ في موضع الحال، أي ولهم مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَامٍ أَوْ سَلَامَةٍ أَوْ مسلما، فعي هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ" وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ "سِلْمٌ" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ سِلْمٌ لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَيَكُونُ "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" تَامًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ"، وَخَبَرُ "مَا يَدَّعُونَ" "لَهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" خَبَرًا آخَرَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَهُمْ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فِيهِ. "قَوْلًا" مَصْدَرٌ عَلَى مَعْنَى قَالَ الله ذلك قولا. أو يقوله قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَفْظُ مَصْدَرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا، أَيْ عِدَةً مِنَ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ". وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "سَلامٌ" تَامٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" وَيُقَالُ تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى، وَمِزْتُهُ فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْوُقُوفِ لِلسُّؤَالِ حِينَ يُؤْمَرُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمْتَازُ الْمُجْرِمُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَيَمْتَازُ الْيَهُودُ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى فِرْقَةً، وَالْمَجُوسُ فِرْقَةً، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فِرْقَةً. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَةٍ فِي النَّارِ بَيْتًا تَدْخُلُ فِيهِ وَيُرَدُّ بَابُهُ، فتكون فيه أبدالا تُرَى وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْجَرَّاحِ: فَيَمْتَازُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَيَكُونُونَ مَعَ المجرمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ. وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "فِي شُغُلٍ" أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". وَ "شُغُلٍ" وَ "شُغْلٌ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَالسُّحُتِ وَالسُّحْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ." [[راجع ج ٦ ص ١٨٤ طبعه أو ثانية.]] فاكِهُونَ "قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ. مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ. السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ، وَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَاكِهُ ذُو الْفَاكِهَةِ، مِثْلُ شَاحِمٍ وَلَاحِمٍ وَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، وَالْفَكِهُ الْمُتَفَكِّهُ وَالْمُتَنَعِّمُ. وَ "فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ مُعْجَبُونَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاكِهِينَ" نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ. "هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هُمْ" تَوْكِيدًا "وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و "مُتَّكِؤُنَ" نَعْتٌ لِقَوْلِهِ "فاكِهُونَ". وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "فِي ظِلالٍ" بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْأَلِفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، فَالظِّلَالُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ." عَلَى الْأَرائِكِ" يَعْنِي السُّرُرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدُهَا أَرِيكَةٌ، مِثْلَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ احْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ ... بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِ
خُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنَ الْحَيَا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا." وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعَانِقُ الْحَوْرَاءَ سَبْعِينَ سَنَةً، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ، فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنِيٌّ، يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَنِيٍّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا. "لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" الدَّالُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَمَعْنَى "يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: "يَدَّعُونَ" يَشْتَهُونَ. ابْنُ عَبَّاسٍ. يَسْأَلُونَ. وَالْمَعْنَى متقارب. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "سَلامٌ" عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَامٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ السَّلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "مَا يَدَّعُونَ". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "سَلامٌ" مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "مَا" أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهم نور فرفعوا رؤوسهم فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شي مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي" يُونُسَ" [[راجع ج ص ٢٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَكِرَةً، وَ "سَلَامٌ" نَعْتًا لَهَا، أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "سَلامٌ" خَبَرٌ عَنْهَا. وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يُوقَفُ عَلَى "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ". وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "سَلَامًا" يَكُونُ مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْتَ في موضع الحال، أي ولهم مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَامٍ أَوْ سَلَامَةٍ أَوْ مسلما، فعي هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ" وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ "سِلْمٌ" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ سِلْمٌ لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَيَكُونُ "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" تَامًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ"، وَخَبَرُ "مَا يَدَّعُونَ" "لَهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" خَبَرًا آخَرَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَهُمْ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فِيهِ. "قَوْلًا" مَصْدَرٌ عَلَى مَعْنَى قَالَ الله ذلك قولا. أو يقوله قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَفْظُ مَصْدَرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا، أَيْ عِدَةً مِنَ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ". وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "سَلامٌ" تَامٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" وَيُقَالُ تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى، وَمِزْتُهُ فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْوُقُوفِ لِلسُّؤَالِ حِينَ يُؤْمَرُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمْتَازُ الْمُجْرِمُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَيَمْتَازُ الْيَهُودُ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى فِرْقَةً، وَالْمَجُوسُ فِرْقَةً، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فِرْقَةً. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَةٍ فِي النَّارِ بَيْتًا تَدْخُلُ فِيهِ وَيُرَدُّ بَابُهُ، فتكون فيه أبدالا تُرَى وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْجَرَّاحِ: فَيَمْتَازُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَيَكُونُونَ مَعَ المجرمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٍ: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ" قَالَ: شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَيْنَمَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَهْلِهِ إِذْ قِيلَ لَهُ تَحَوَّلْ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقُولُ أَنَا مَعَ أَهْلِي مَشْغُولٌ، فَيُقَالُ تَحَوَّلْ أَيْضًا إِلَى أَهْلِكَ. وَقِيلَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالنَّعِيمِ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم، قال سعيد بن المسيب وغير هـ. وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "فِي شُغُلٍ" أَيْ فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ؟ فَيَقُومُونَ كَأَنَّمَا وُجُوهُهُمُ البدر والكو كب الدُّرِّيُّ، رُكْبَانًا عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ، تَطِيرُ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِيَ الَّذِينَ أَطَاعُونِي وَحَفِظُوا عَهْدِي بِالْغَيْبِ، أَنَا اصْطَفَيْتُكُمْ وَأَنَا أَجْتَبَيْتُكُمْ وَأَنَا اخْتَرْتُكُمْ، اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] (فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَتُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ فِي الْمَحْشَرِ مَوْقُوفُونَ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَذَلِكَ حِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُنَادِي مُنَادٍ "إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ". وَ "شُغُلٍ" وَ "شُغْلٌ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا، مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَالسُّحُتِ وَالسُّحْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ." [[راجع ج ٦ ص ١٨٤ طبعه أو ثانية.]] فاكِهُونَ "قَالَ الْحَسَنُ: مَسْرُورُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِحُونَ. مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ. السُّدِّيُّ: نَاعِمُونَ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَالْفُكَاهَةُ الْمِزَاحُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ: فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ، وَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَاكِهُ ذُو الْفَاكِهَةِ، مِثْلُ شَاحِمٍ وَلَاحِمٍ وَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، وَالْفَكِهُ الْمُتَفَكِّهُ وَالْمُتَنَعِّمُ. وَ "فَكِهُونَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ مُعْجَبُونَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاكِهِينَ" نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ. "هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ" مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هُمْ" تَوْكِيدًا "وَأَزْواجُهُمْ" عطف على المضمر، و "مُتَّكِؤُنَ" نَعْتٌ لِقَوْلِهِ "فاكِهُونَ". وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "فِي ظِلالٍ" بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْأَلِفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، فَالظِّلَالُ جَمْعُ ظِلٍّ، وَظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ." عَلَى الْأَرائِكِ" يَعْنِي السُّرُرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدُهَا أَرِيكَةٌ، مِثْلَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ احْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ ... بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِ
خُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنَ الْحَيَا ... تهادين بالريحان فوق الأرائك
وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا." وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعَانِقُ الْحَوْرَاءَ سَبْعِينَ سَنَةً، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ، فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنِيٌّ، يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَنِيٍّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا. "لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" الدَّالُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَمَعْنَى "يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: "يَدَّعُونَ" يَشْتَهُونَ. ابْنُ عَبَّاسٍ. يَسْأَلُونَ. وَالْمَعْنَى متقارب. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" وَقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "سَلامٌ" عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَامٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ السَّلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "مَا يَدَّعُونَ". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "سَلامٌ" مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "مَا" أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهم نور فرفعوا رؤوسهم فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ". فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شي مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي" يُونُسَ" [[راجع ج ص ٢٣٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" نَكِرَةً، وَ "سَلَامٌ" نَعْتًا لَهَا، أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "سَلامٌ" خَبَرٌ عَنْهَا. وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يُوقَفُ عَلَى "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ". وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "سَلَامًا" يَكُونُ مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْتَ في موضع الحال، أي ولهم مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَامٍ أَوْ سَلَامَةٍ أَوْ مسلما، فعي هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ" وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ "سِلْمٌ" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ سِلْمٌ لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ. وَيَكُونُ "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ" تَامًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ"، وَخَبَرُ "مَا يَدَّعُونَ" "لَهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "سَلامٌ" خَبَرًا آخَرَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَهُمْ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ فِيهِ. "قَوْلًا" مَصْدَرٌ عَلَى مَعْنَى قَالَ الله ذلك قولا. أو يقوله قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَفْظُ مَصْدَرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا، أَيْ عِدَةً مِنَ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى "يَدَّعُونَ". وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "سَلامٌ" تَامٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" وَيُقَالُ تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى، وَمِزْتُهُ فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا عِنْدَ الْوُقُوفِ لِلسُّؤَالِ حِينَ يُؤْمَرُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمْتَازُ الْمُجْرِمُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَيَمْتَازُ الْيَهُودُ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى فِرْقَةً، وَالْمَجُوسُ فِرْقَةً، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فِرْقَةً. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَةٍ فِي النَّارِ بَيْتًا تَدْخُلُ فِيهِ وَيُرَدُّ بَابُهُ، فتكون فيه أبدالا تُرَى وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْجَرَّاحِ: فَيَمْتَازُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَيَكُونُونَ مَعَ المجرمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ الْعَهْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ، أَيْ أَلَمْ أُوصِكُمْ وَأُبَلِّغْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ. "أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ" أَيْ لَا تُطِيعُوهُ فِي مَعْصِيَتِي. قال الكسائي: لا للنهي. "وَأَنِ اعْبُدُونِي" وَأَنِ اعْبُدُونِي "بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ ضَمَّ كَرِهَ كَسْرَةً بَعْدَهَا ضَمَّةٌ." هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ" أَيْ عِبَادَتِي دِينٌ قَوِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ أَيْ أَغْوَى "جِبِلًّا كَثِيراً" أَيْ خَلْقًا كَثِيرًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. قَتَادَةُ: جُمُوعًا كَثِيرَةً. الْكَلْبِيُّ: أُمَمًا كَثِيرَةً، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ "جِبِلًّا" بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْبَاءِ. وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ "جُبْلًا" بِضَمِّ الْجِيمِ وإسكان الباء. الباقون "جبلا" ضم الْجِيمِ وَالْبَاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَشَدَّدَهَا الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ وَالنَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ. وَقَرَأَ أَبُو يَحْيَى وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "جِبْلًا" بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ. فَهَذِهِ خَمْسُ قِرَاءَاتٍ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ: وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنَى الْخَلْقِ. النَّحَّاسُ: أَبْيَنُهَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ قَرَءُوا ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] فَيَكُونُ "جِبِلًّا" جَمْعَ جِبِلَّةٍ وَالِاشْتِقَاقُ فِيهِ كُلُّهُ وَاحِدٌ. وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جَبَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ أَيْ خَلَقَهُمْ. وَقَدْ ذُكِرَتْ قِرَاءَةٌ سَادِسَةٌ وَهِيَ: "وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِيلًا كَثِيرًا" بِالْيَاءِ. وَحُكِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْجِيلَ الْوَاحِدَ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَالْكَثِيرَ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. "أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" عَدَاوَتَهُ وَتَعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ طَاعَةُ اللَّهِ. "هَذِهِ جَهَنَّمُ" أَيْ تَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي وُعِدْتُمْ فَكَذَّبْتُمْ بِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَشْرَفَ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ عَلَى الْخَلَائِقِ فَأَحَاطَ بِهِمْ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ "هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" فَحِينَئِذٍ تَجْثُو الْأُمَمُ على ركبها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ".