John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah An-Nisaa

Tafseer Al Qurtubi · The Women · 176 ayat · ayat 151–176 · Quran text →

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ لَمَّا ذَكَرَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ذَكَرَ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، إِذْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكُفْرَ بِهِ كُفْرٌ بِالْكُلِّ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَ قومه بالايمان بحمد ﷺ وَبِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمَعْنَى (يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) أَيْ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَنَصَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ كُفْرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرًا لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْبُدُوهُ بِمَا شَرَعَ لَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَإِذَا جَحَدُوا الرُّسُلَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ شَرَائِعَهُمْ وَلَمْ يَقْبَلُوهَا مِنْهُمْ، فَكَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنَ الْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي أُمِرُوا بِالْتِزَامِهَا، فَكَانَ كَجَحْدِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ، وَجَحْدُ الصَّانِعِ كُفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْتِزَامِ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ. وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ رُسُلِهِ فِي الْإِيمَانِ بهم كفر، وهي: المسألة الثانية- لقوله تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) وَهُمُ الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٩٢.]]. وَيَقُولُونَ لِعَوَامِّهِمْ: لَمْ نَجِدْ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِنَا.

(وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أَيْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْجَحْدِ طَرِيقًا، أَيْ دِينًا مُبْتَدَعًا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِيَّةِ. وَقَالَ: "ذلِكَ" وَلَمْ يَقُلْ ذَيْنَكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَ [[في ك: ولو قال. أي في غير القرآن.]] ذَيْنُكَ لَجَازَ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ تَأْكِيدٌ يُزِيلُ التَّوَهُّمَ فِي إِيمَانِهِمْ حِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ إِذَا كَفَرُوا بِرَسُولِهِ، وإذا كَفَرُوا بِرَسُولِهِ فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَفَرُوا بِكُلِّ رَسُولٍ مُبَشِّرٍ بِذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلِذَلِكَ صاروا الكافرين حقا. و (لِلْكافِرِينَ) يقوم مقام المفعول الثاني لاعتدنا، أَيْ أَعْتَدْنَا لِجَمِيعِ أَصْنَافِهِمْ (عَذاباً مُهِيناً) أَيْ مذلا.

يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وأمته.

سَأَلَتِ الْيَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُمْ يَرَوْنَهُ فَيُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مَكْتُوبًا فِيمَا يَدَّعِيهِ عَلَى صِدْقِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ، تَعَنُّتًا لَهُ ﷺ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ آبَاءَهُمْ قَدْ عَنَّتُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَكْبَرَ مِنْ هَذَا "فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً" أَيْ عِيَانًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ في "البقرة" [[راجع ج ١ ص ٤٠٣.]]. و "جهرة" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ رُؤْيَةً جَهْرَةً، فَعُوقِبُوا بِالصَّاعِقَةِ لِعِظَمِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ السُّؤَالِ وَالظُّلْمِ] مِنْ [[[من ز.]] بَعْدِ مَا رَأَوْا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَحْيَيْنَاهُمْ فَلَمْ يَبْرَحُوا فَاتَّخَذُوا الْعِجْلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٦٩٣]] وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي "طه" [[راجع ج ١١ ص ٢٣.]]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ [[[من ز.]].

(مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أَيِ الْبَرَاهِينُ وَالدَّلَالَاتُ وَالْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَاتُ من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها بِأَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

(فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ) أَيْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ التَّعَنُّتِ.

(وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً) أَيْ حُجَّةً بَيِّنَةً وَهِيَ الْآيَاتُ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَسُمِّيَتْ سُلْطَانًا لِأَنَّ مَنْ جَاءَ بِهَا قَاهِرٌ بِالْحُجَّةِ، وَهِيَ قَاهِرَةٌ لِلْقُلُوبِ، بِأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَى الْبَشَرِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أَيْ بِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رَفْعُ الْجَبَلِ وَدُخُولُهُمُ الباب في "البقرة" [[راجع ج ١ ص ٤١٠، ص ٤٣٦.]]. و "سُجَّداً" نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. وَقَرَأَ وَرْشٌ وَحْدَهُ "وَقُلْنا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَدَا يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا وَعُدُوًّا وَعَدَاءً، أَيْ بِاقْتِنَاصِ الْحِيتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٤٣٩.]]. والأصل فيه [[أي فيما قرأ به ورش.]] وتعتدوا أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا يَجُوزُ إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَلَا يُوصَلُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ فِي هَذَا، وَالَّذِي يَقْرَأُ بِهِ إِنَّمَا يَرُومُ [[في ز: يدفعه.]] الْخَطَأَ.

(وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) يَعْنِي الْعَهْدَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: عَهْدٌ مُؤَكَّدٌ بِالْيَمِينِ فَسُمِّيَ غَلِيظًا لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "فَبِما نَقْضِهِمْ" خفض بالباء و "فَبِما" زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٤ ص ٢٤٨]]، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ، عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ. وَحُذِفَ هَذَا لِعِلْمِ السَّامِعِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إِلَى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ" قَالَ: فَفَسَّرَ ظُلْمَهُمُ الَّذِي أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَسَائِرِ مَا بَيَّنَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ظَلَمُوا فِيهَا أَنْفُسَهُمْ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى، وَالَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَرَمَوْا مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ كَانُوا بَعْدَ مُوسَى بِزَمَانٍ، فَلَمْ تَأْخُذِ الصَّاعِقَةُ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ بِرَمْيِهِمْ مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُمْ وَالْمُرَادُ آبَاؤُهُمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٤٦.]].] قَالَ [[[من ك.]] الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُمْتَدَّةٌ إِلَى قَوْلِهِ: "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا"] النساء: ١٦٠]. وَنَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَفِعْلِهِمْ كَذَا وَفِعْلِهِمْ كَذَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ لا يؤمنون إلا قليلا، والفاء مقحمة. و "كُفْرِهِمْ" عطف، وكذا و "قَتْلِهِمُ". والمراد "بِآياتِ اللَّهِ" كتبهم التي حرفوها. و "غُلْفٌ" جَمْعُ غِلَافٍ، أَيْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى عِلْمٍ سِوَى مَا عِنْدَنَا. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ أَغْلَفَ وَهُوَ الْمُغَطَّى بِالْغِلَافِ، أَيْ قُلُوبُنَا فِي أَغْطِيَةٍ فَلَا نَفْقَهُ مَا تقول، وهو كقوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] [[راجع ح ١٥ ص ٣٣٩.]] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ح ٢ ص ٢٥.]] وَغَرَضُهُمْ بِهَذَا دَرْءُ [[في ج: ر د.]] حُجَّةِ الرُّسُلِ. وَالطَّبْعُ الْخَتْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٨٥.]]. "بِكُفْرِهِمْ" أَيْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] [[راجع ج ٥ ص ٢٤٣ وص ٣٨١.]] أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا أَيْ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُمْ. ثُمَّ كَرَّرَ "وَبِكُفْرِهِمْ" لِيُخْبِرَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا كُفْرًا بَعْدَ كُفْرٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى "وَبِكُفْرِهِمْ" بِالْمَسِيحِ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ فِي "بِكُفْرِهِمْ" هُوَ الْعَامِلُ فِي "نَقْضِهِمْ" لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ "طَبَعَ". وَالْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ رَمْيُهَا بِيُوسُفَ النَّجَّارِ وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ. وَالْبُهْتَانُ الْكَذِبُ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٥ ص ٢٤٣ وص ٣٨١.]]. [وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم] [[من ز.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "فَبِما نَقْضِهِمْ" خفض بالباء و "فَبِما" زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٤ ص ٢٤٨]]، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ، عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ. وَحُذِفَ هَذَا لِعِلْمِ السَّامِعِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إِلَى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ" قَالَ: فَفَسَّرَ ظُلْمَهُمُ الَّذِي أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَسَائِرِ مَا بَيَّنَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ظَلَمُوا فِيهَا أَنْفُسَهُمْ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى، وَالَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَرَمَوْا مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ كَانُوا بَعْدَ مُوسَى بِزَمَانٍ، فَلَمْ تَأْخُذِ الصَّاعِقَةُ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ بِرَمْيِهِمْ مَرْيَمَ بِالْبُهْتَانِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُمْ وَالْمُرَادُ آبَاؤُهُمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٤٦.]].] قَالَ [[[من ك.]] الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُمْتَدَّةٌ إِلَى قَوْلِهِ: "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا"] النساء: ١٦٠]. وَنَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَفِعْلِهِمْ كَذَا وَفِعْلِهِمْ كَذَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ لا يؤمنون إلا قليلا، والفاء مقحمة. و "كُفْرِهِمْ" عطف، وكذا و "قَتْلِهِمُ". والمراد "بِآياتِ اللَّهِ" كتبهم التي حرفوها. و "غُلْفٌ" جَمْعُ غِلَافٍ، أَيْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى عِلْمٍ سِوَى مَا عِنْدَنَا. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ أَغْلَفَ وَهُوَ الْمُغَطَّى بِالْغِلَافِ، أَيْ قُلُوبُنَا فِي أَغْطِيَةٍ فَلَا نَفْقَهُ مَا تقول، وهو كقوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] [[راجع ح ١٥ ص ٣٣٩.]] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ح ٢ ص ٢٥.]] وَغَرَضُهُمْ بِهَذَا دَرْءُ [[في ج: ر د.]] حُجَّةِ الرُّسُلِ. وَالطَّبْعُ الْخَتْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٨٥.]]. "بِكُفْرِهِمْ" أَيْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] [[راجع ج ٥ ص ٢٤٣ وص ٣٨١.]] أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا أَيْ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُمْ. ثُمَّ كَرَّرَ "وَبِكُفْرِهِمْ" لِيُخْبِرَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا كُفْرًا بَعْدَ كُفْرٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى "وَبِكُفْرِهِمْ" بِالْمَسِيحِ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ فِي "بِكُفْرِهِمْ" هُوَ الْعَامِلُ فِي "نَقْضِهِمْ" لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ "طَبَعَ". وَالْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ رَمْيُهَا بِيُوسُفَ النَّجَّارِ وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ. وَالْبُهْتَانُ الْكَذِبُ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٥ ص ٢٤٣ وص ٣٨١.]]. [وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم] [[من ز.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ كُسِرَتْ "إِنَّ" لِأَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ بَعْدَ الْقَوْلِ وَفَتْحُهَا لُغَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٨٨.]] اشْتِقَاقُ لَفْظِ الْمَسِيحِ.

(رَسُولَ اللَّهِ) بَدَلٌ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى مَعْنَى أَعْنِي.

(وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ) رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ.

(وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أَيْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٠٠]]. وَقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ شَخْصَهُ وَقَتَلُوا الَّذِي قَتَلُوهُ وَهُمْ شَاكُّونَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ). وَالْإِخْبَارُ قِيلَ: إِنَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ إِلَّا عَوَامُّهُمْ، وَمَعْنَى اخْتِلَافِهِمْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ إِلَهٌ، وَبَعْضُهُمْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ. قَالَهُ الْحَسَنُ: وَقِيلَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ عَوَامَّهُمْ قَالُوا قَتَلْنَا عِيسَى. وَقَالَ مَنْ عَايَنَ رَفْعَهُ إِلَى السَّمَاءِ: مَا قَتَلْنَاهُ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ مِنَ النَّصَارَى قَالُوا: صُلِبَ عِيسَى مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ. وَقَالَتِ الْمَلْكَانِيَّةُ: وَقَعَ الصَّلْبُ وَالْقَتْلُ عَلَى الْمَسِيحِ بِكَمَالِهِ نَاسُوتِهِ وَلَاهُوتِهِ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟! وَإِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟! وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، لِأَنَّ يَهُوذَا رَأْسَ الْيَهُودِ هُوَ الَّذِي سَعَى فِي قَتْلِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى: بَلْ قَتَلْنَاهُ نَحْنُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ.

(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) مِنْ زائدة، وتم الكلام. ثم قال عز وجل: (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) استثناء ليس من الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِ، أَيْ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ [[اليعافير: أولاد الظباء واحدها يعفور. والعيس بقر الوحش لبياضها والعيسي البياض وأصله في الإبل استعاره للبقر.]] وَإِلَّا الْعِيسُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: الْمَعْنَى مَا قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا، كَقَوْلِكَ: قَتَلْتُهُ عِلْمًا إِذَا عَلِمْتَهُ عِلْمًا تَامًّا، فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الظَّنِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا لَقَالَ: وَمَا قَتَلُوهُ فَقَطْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، فَالْوَقْفُ عَلَى هَذَا عَلَى "يَقِيناً". وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى، وَالْوَقْفُ على "وَما قَتَلُوهُ" و "يَقِيناً" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِيهِ تَقْدِيرَانِ: أَحَدُهُمَا- أَيْ قَالُوا هَذَا قَوْلًا يَقِينًا، أَوْ قَالَ اللَّهُ هَذَا قَوْلًا يَقِينًا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَمَا عَلِمُوهُ عِلْمًا يَقِينًا. النَّحَّاسُ: إِنْ قَدَّرْتَ الْمَعْنَى بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا فَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَ "بَلْ" فِيمَا قَبْلَهَا لِضَعْفِهَا. وَأَجَازَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْوَقْفَ عَلَى "وَما قَتَلُوهُ" عَلَى أَنْ يُنْصَبَ "يَقِيناً" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَقَدْ صَدَّقْتُمْ يَقِينًا أَيْ صِدْقًا يَقِينًا.

(بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَيْ إِلَى السَّمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنِ الْمَكَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ رَفْعِهِ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٩٩ وما بعدها]].

(وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً) أَيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنْ الْيَهُودِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ [[في ج، ز، ك: نطوس بن أستينانوس.]] بْنَ أَسْتِيسَانُوسَ الرُّومِيَّ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.

(حَكِيماً) حَكَمَ عَلَيْهِمْ باللعنة والغضب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ كُسِرَتْ "إِنَّ" لِأَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ بَعْدَ الْقَوْلِ وَفَتْحُهَا لُغَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٨٨.]] اشْتِقَاقُ لَفْظِ الْمَسِيحِ.

(رَسُولَ اللَّهِ) بَدَلٌ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى مَعْنَى أَعْنِي.

(وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ) رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ.

(وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أَيْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٠٠]]. وَقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ شَخْصَهُ وَقَتَلُوا الَّذِي قَتَلُوهُ وَهُمْ شَاكُّونَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ). وَالْإِخْبَارُ قِيلَ: إِنَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ إِلَّا عَوَامُّهُمْ، وَمَعْنَى اخْتِلَافِهِمْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ إِلَهٌ، وَبَعْضُهُمْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ. قَالَهُ الْحَسَنُ: وَقِيلَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ عَوَامَّهُمْ قَالُوا قَتَلْنَا عِيسَى. وَقَالَ مَنْ عَايَنَ رَفْعَهُ إِلَى السَّمَاءِ: مَا قَتَلْنَاهُ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ مِنَ النَّصَارَى قَالُوا: صُلِبَ عِيسَى مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ. وَقَالَتِ الْمَلْكَانِيَّةُ: وَقَعَ الصَّلْبُ وَالْقَتْلُ عَلَى الْمَسِيحِ بِكَمَالِهِ نَاسُوتِهِ وَلَاهُوتِهِ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟! وَإِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟! وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، لِأَنَّ يَهُوذَا رَأْسَ الْيَهُودِ هُوَ الَّذِي سَعَى فِي قَتْلِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى: بَلْ قَتَلْنَاهُ نَحْنُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ.

(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) مِنْ زائدة، وتم الكلام. ثم قال عز وجل: (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) استثناء ليس من الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِ، أَيْ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ [[اليعافير: أولاد الظباء واحدها يعفور. والعيس بقر الوحش لبياضها والعيسي البياض وأصله في الإبل استعاره للبقر.]] وَإِلَّا الْعِيسُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: الْمَعْنَى مَا قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا، كَقَوْلِكَ: قَتَلْتُهُ عِلْمًا إِذَا عَلِمْتَهُ عِلْمًا تَامًّا، فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الظَّنِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا لَقَالَ: وَمَا قَتَلُوهُ فَقَطْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، فَالْوَقْفُ عَلَى هَذَا عَلَى "يَقِيناً". وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى، وَالْوَقْفُ على "وَما قَتَلُوهُ" و "يَقِيناً" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِيهِ تَقْدِيرَانِ: أَحَدُهُمَا- أَيْ قَالُوا هَذَا قَوْلًا يَقِينًا، أَوْ قَالَ اللَّهُ هَذَا قَوْلًا يَقِينًا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَمَا عَلِمُوهُ عِلْمًا يَقِينًا. النَّحَّاسُ: إِنْ قَدَّرْتَ الْمَعْنَى بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا فَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَ "بَلْ" فِيمَا قَبْلَهَا لِضَعْفِهَا. وَأَجَازَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْوَقْفَ عَلَى "وَما قَتَلُوهُ" عَلَى أَنْ يُنْصَبَ "يَقِيناً" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَقَدْ صَدَّقْتُمْ يَقِينًا أَيْ صِدْقًا يَقِينًا.

(بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَيْ إِلَى السَّمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنِ الْمَكَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ رَفْعِهِ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٩٩ وما بعدها]].

(وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً) أَيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنْ الْيَهُودِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ [[في ج، ز، ك: نطوس بن أستينانوس.]] بْنَ أَسْتِيسَانُوسَ الرُّومِيَّ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.

(حَكِيماً) حَكَمَ عَلَيْهِمْ باللعنة والغضب.

قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمَعْنَى لَيُؤْمِنَنَّ بِالْمَسِيحِ "قَبْلَ مَوْتِهِ" أَيِ الْكِتَابِيِّ، فَالْهَاءُ الْأُولَى عَائِدَةٌ عَلَى عِيسَى، وَالثَّانِيةُ عَلَى الْكِتَابِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ أحد من أهل الكتاب الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَّا وَيُؤْمِنُ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا عَايَنَ الْمَلَكَ، وَلَكِنَّهُ إِيمَانٌ لَا يَنْفَعُ، لِأَنَّهُ إِيمَانٌ عِنْدَ الْيَأْسِ وَحِينَ التَّلَبُّسِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، فَالْيَهُودِيُّ يُقِرُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالنَّصْرَانِيُّ يُقِرُّ بِأَنَّهُ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ. وَرُوِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ سَأَلَ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: إِنِّي لَأُوتَى بِالْأَسِيرِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَآمُرُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وَأَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا أَرَى مِنْهُ الْإِيمَانَ، فَقَالَ لَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: إِنَّهُ حِينَ عَايَنَ أَمْرَ الْآخِرَةِ يُقِرُّ بِأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُؤْمِنُ بِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذَا؟ قَالَ: أَخَذْتُهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَخَذْتَ مِنْ عَيْنٍ صَافِيَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ غَرِقَ أَوِ احْتَرَقَ أَوْ أَكَلَهُ السَّبُعُ يُؤْمِنُ بِعِيسَى؟ فَقَالَ: نَعَمْ! وَقِيلَ: إِنَّ الْهَاءَيْنِ جَمِيعًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْمَعْنَى لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ مَنْ كَانَ حَيًّا حين نزوله يوم [[أي قرب قيام الساعة.]] القيامة، قاله قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَحَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ الْآنَ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ، وَنَحْوَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: "لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ" أَيْ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقَاصِيصَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالْمَقْصُودُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَالْإِيمَانُ بِعِيسَى يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْضًا، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: "لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ" أَيْ بِاللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَنْفَعُهُ الْإِيمَانُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ. وَالتَّأْوِيلَانِ الْأَوَّلَانِ أَظْهَرُ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَقْتُلَنَّ الدَّجَّالَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ وَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، يُعِيدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ. وَتَقْدِيرُ الْكُوفِيِّينَ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، وَفِيهِ قُبْحٌ، لِأَنَّ فِيهِ حَذْفَ الْمَوْصُولِ، وَالصِّلَةُ بَعْضُ الموصول فكأنه حذف بعض الاسم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أَيْ بِتَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ وَتَصْدِيقِ مَنْ صَدَّقَهُ.

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا بَدَلٌ مِنْ "فَبِما نَقْضِهِمْ". وَالطَّيِّبَاتُ مَا نَصَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الانعام: ١٤٦] [[راجع ج ٧ ص ١٢٤.]]. وَقَدَّمَ الظُّلْمَ عَلَى التَّحْرِيمِ إِذْ هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي قَصَدَ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحْرِيمِ.

(وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ وَبِصَدِّهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لِلظُّلْمِ الَّذِي تَعَاطَوْهُ، وَكَذَلِكَ مَا قَبْلَهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٣٤ وما بعدها.]] أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي سَبَبِ التَّحْرِيمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا. الثَّانِيةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا عَنِ الرِّبَا وَأَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْخِطَابِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا مُعَامَلَتُهُمْ وَالْقَوْمُ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَمْ لَا؟ فَظَنَّتْ طَائِفَةٌ أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ لَا تَجُوزُ، وَذَلِكَ لِمَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ رِبَاهُمْ وَاقْتِحَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا وَسُنَّةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [[راجع ص ٧٥ من هذا الجزء.]] وَهَذَا نَصٌّ، وَقَدْ عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودَ وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِعِيَالِهِ [[يلاحظ هذا على شهرته، مع ما صح أنه ﷺ أمر بتفريق سبعة دنانير كانت له عند عائشة رضى الله عنها وهو في حال الاحتضار. راجع نهاية الارب ج ١٨ ص ٣٨٠.]]. وَالْحَاسِمُ لِدَاءِ الشَّكِّ وَالْخِلَافِ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ تَاجِرًا، وَذَلِكَ مِنْ سَفَرِهِ أَمْرٌ قَاطِعٌ عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ إِلَيْهِمْ وَالتِّجَارَةِ مَعَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّسْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِحَرَامٍ- ثَبَتَ ذَلِكَ تَوَاتُرًا- وَلَا اعْتَذَرَ عَنْهُ إِذْ بُعِثَ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ إِذْ نُبِّئَ، وَلَا قَطَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَقَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي فَكِّ الْأَسْرَى وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِي الصُّلْحِ كَمَا أَرْسَلَ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَكُونُ نَدْبًا، فَأَمَّا السَّفَرُ إِلَيْهِمْ لمجرد التجارة فمباح.

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا بَدَلٌ مِنْ "فَبِما نَقْضِهِمْ". وَالطَّيِّبَاتُ مَا نَصَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الانعام: ١٤٦] [[راجع ج ٧ ص ١٢٤.]]. وَقَدَّمَ الظُّلْمَ عَلَى التَّحْرِيمِ إِذْ هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي قَصَدَ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحْرِيمِ.

(وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ وَبِصَدِّهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لِلظُّلْمِ الَّذِي تَعَاطَوْهُ، وَكَذَلِكَ مَا قَبْلَهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٣٤ وما بعدها.]] أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي سَبَبِ التَّحْرِيمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا. الثَّانِيةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا عَنِ الرِّبَا وَأَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْخِطَابِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا مُعَامَلَتُهُمْ وَالْقَوْمُ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَمْ لَا؟ فَظَنَّتْ طَائِفَةٌ أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ لَا تَجُوزُ، وَذَلِكَ لِمَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ رِبَاهُمْ وَاقْتِحَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا وَسُنَّةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [[راجع ص ٧٥ من هذا الجزء.]] وَهَذَا نَصٌّ، وَقَدْ عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودَ وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِعِيَالِهِ [[يلاحظ هذا على شهرته، مع ما صح أنه ﷺ أمر بتفريق سبعة دنانير كانت له عند عائشة رضى الله عنها وهو في حال الاحتضار. راجع نهاية الارب ج ١٨ ص ٣٨٠.]]. وَالْحَاسِمُ لِدَاءِ الشَّكِّ وَالْخِلَافِ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ تَاجِرًا، وَذَلِكَ مِنْ سَفَرِهِ أَمْرٌ قَاطِعٌ عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ إِلَيْهِمْ وَالتِّجَارَةِ مَعَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّسْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِحَرَامٍ- ثَبَتَ ذَلِكَ تَوَاتُرًا- وَلَا اعْتَذَرَ عَنْهُ إِذْ بُعِثَ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ إِذْ نُبِّئَ، وَلَا قَطَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَقَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي فَكِّ الْأَسْرَى وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِي الصُّلْحِ كَمَا أَرْسَلَ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَكُونُ نَدْبًا، فَأَمَّا السَّفَرُ إِلَيْهِمْ لمجرد التجارة فمباح.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ اسْتَثْنَى مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ أَنْكَرُوا وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ حَرَامًا فِي الْأَصْلِ وَأَنْتَ تُحِلُّهَا وَلَمْ تَكُنْ حُرِّمَتْ بِظُلْمِنَا، فَنَزَلَ "لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" وَالرَّاسِخُ هُوَ الْمَبَالِغُ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ الثَّابِتِ فِيهِ، وَالرُّسُوخُ الثُّبُوتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٦ وما بعدها.]] وَالْمُرَادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَنُظَرَاؤُهُمَا. "وَالْمُؤْمِنُونَ" أَيْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ" وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وَجَمَاعَةٌ: "وَالْمُقِيمُونَ" عَلَى الْعَطْفِ، وَكَذَا هُوَ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا حَرْفُ أُبَيٍّ فَهُوَ فِيهِ "وَالْمُقِيمِينَ" كَمَا فِي الْمَصَاحِفِ. وَاخْتُلِفَ فِي نَصْبِهِ عَلَى أَقْوَالٍ سِتَّةٍ، أَصَحُّهَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ بِأَنَّهُ نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ، أَيْ وَأَعْنِي الْمُقِيمِينَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: هَذَا بَابُ مَا يَنْتَصِبُ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَمِنْ ذَلِكَ "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ" وَأَنْشَدَ: وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ سَيِّدِهِمْ ... إِلَّا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا

وَيُرْوَى (أَمْرَ مُرْشِدِهِمْ).

الظَّاعِنِينَ [[قوله: (الظاعنين ولما يظعنوا أحدا) أي يخافون من عدوهم لقلتهم وذلهم فيظعنون، ولا يخاف منهم عدوهم فيظعن عن دارهم خوفا منهم. وقوله: (لمن دار نخليها) أي إذا ظعنوا عن دار لم يعرفوا من يحلها بعدهم لخوفهم من جميع القبائل. والبيتان لابن خياط.]] وَلَمَّا يُظْعِنُوا أَحَدًا ... وَالْقَائِلُونَ لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا

وَأَنْشَدَ [[البيتان لخرنق بنت عفان من بني قيس، وصفت قومها بالظهور على العدو، ونحر الجزر للأضياف والملازمة للحرب: والعفة عن الفواحش.]]:

لَا يَبْعَدْنَ قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ

النَّازِلِينَ بِكُلِ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ

قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي "الْمُقِيمِينَ". وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: "وَالْمُقِيمِينَ" مَعْطُوفٌ على "بِما". قَالَ النَّحَّاسُ قَالَ الْأَخْفَشُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ وَيُؤْمِنُونَ بِالْمُقِيمِينَ. وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ [[في الأصول: محمد بن يزيد.]] أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْمُقِيمِينَ هَاهُنَا الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لِدَوَامِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، وَحَكَى أَنَّ النَّصْبَ عَلَى الْمَدْحِ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَدْحَ إِنَّمَا يَأْتِي بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ، وَخَبَرُ الرَّاسِخِينَ فِي "أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً" فَلَا يَنْتَصِبُ "الْمُقِيمِينَ" عَلَى الْمَدْحِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ: "وَالْمُؤْتُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيْ هُمُ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ. وَقِيلَ: "وَالْمُقِيمِينَ" عَطْفٌ عَلَى الْكَافِ الَّتِي فِي "قَبْلِكَ" أَيْ مِنْ قَبْلِكَ وَمِنْ قَبْلِ الْمُقِيمِينَ. وَقِيلَ: "الْمُقِيمِينَ" عَطْفٌ عَلَى الْكَافِ الَّتِي فِي "إِلَيْكَ". وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ، أَيْ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُقِيمِينَ، وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ الثَّلَاثَةُ لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهَا عَطْفَ مُظْهَرٍ عَلَى مُضْمَرٍ مَخْفُوضٍ. وَالْجَوَابُ السَّادِسُ- مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سُئِلَتْ عَنْ هَذِهِ الآية وعن قوله:" إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠: ٦٣]" [طه: ٦٣] [[راجع ج ١١ ص ٢١٥.]] وَقَوْلِهِ: "وَالصَّابِئُونَ" [[راجع ج ٢٤٦ من هذا الجزء.]] فِي] الْمَائِدَةِ: ٦٩]، فَقَالَتْ لِلسَّائِلِ: يَا ابن أخي [[في الطبري (بابن أختي).]] الكتاب أخطئوا. وقال أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: كَانَ الْكَاتِبُ يُمْلَى عَلَيْهِ فَيَكْتُبُ فَكَتَبَ "لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ" ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا أَكْتُبُ؟ فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ" فَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ هَذَا. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا الْمَسْلَكُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الْكِتَابَ كَانُوا قُدْوَةً فِي اللُّغَةِ، فَلَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يُدْرِجُونَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَمْ يُنْزَلْ. وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ، وَقَوْلُ الْكِسَائِيِّ هُوَ اختيار القفال والطبري، [والله أعلم] [[من ك.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ﴾ هَذَا متصل بقوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، فَأَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأَمْرِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ- مِنْهُمْ سُكَيْنٌ وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ- قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَعْدِ مُوسَى فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ. وَالْوَحْيُ إِعْلَامٌ فِي خَفَاءٍ، يُقَالُ: وَحَى إِلَيْهِ بِالْكَلَامِ يَحِي وَحْيًا، وَأَوْحَى يُوحِي إِيحَاءً. "إِلى نُوحٍ" قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ شُرِعَتْ عَلَى لِسَانِهِ الشَّرَائِعُ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ] تَبَارَكَ [[في ج وز.]] وَتَعَالَى [فِي الْأَرْضِ إِدْرِيسُ وَاسْمُهُ أَخْنُوخُ [[أخنوخ: (بفتح الهمزة) وحكى صاحب تاج العروس عن شيخه (بالضم).]]، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الرُّسُلُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نُوحَ بْنَ لَمَكِ [[لمك: بفتحتين. وقيل: (بفتح فسكون).

(روح المعاني). أين هذا مع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ. وما روى أن شيث بن آدم أنزل عليه خمسون صحيفة. مصححه.]] بْنِ مَتُّوشَلَخَ [[متوشلخ (بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة وقيل: بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو ولام مفتوحة وخاء معجمة (روح المعاني).]] بْنِ أَخْنُوخَ، وَقَدْ كَانَ سَامُ بْنُ نُوحٍ نَبِيًّا، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الرُّسُلُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيًّا وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَخَ وَاسْمُ تَارَخَ آزَرُ، ثُمَّ بُعِثَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَمَاتَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إسحاق بن إبراهيم فَمَاتَ بِالشَّامِ، ثُمَّ لُوطٌ وَإِبْرَاهِيمُ عَمُّهُ، ثُمَّ يَعْقُوبُ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ بْنُ إِسْحَاقُ ثُمَّ يُوسُفُ ابن يَعْقُوبَ ثُمَّ شُعَيْبُ بْنُ يَوْبَبَ [[يوبب: (بمثناة تحتية وواو موحدتين) بوزن جعفر.

(روح المعاني).]]، ثُمَّ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ صَالِحُ بْنُ أَسِفَ، ثُمَّ مُوسَى وَهَارُونُ ابْنَا عِمْرَانَ، ثُمَّ أَيُّوبُ ثُمَّ الْخَضِرُ وَهُوَ [[في ز: ثم خضرون.]] خَضِرُونُ، ثُمَّ دَاوُدُ بْنُ إيشا، ثم سليمان ابن دَاوُدَ، ثُمَّ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، ثُمَّ إِلْيَاسُ [[في ز: ثم إلياس ثم بشير إلخ. ولا يعرف في الأنبياء بشير.]]، ثُمَّ ذَا الْكِفْلِ وَاسْمُهُ عُوَيْدِنَا مِنْ سِبْطِ يهوذا ابن يَعْقُوبَ، قَالَ: وَبَيْنَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ أُمِّ عِيسَى أَلْفُ سَنَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَلَيْسَا مِنْ سِبْطٍ [[ذكروا من أنبياء العرب حنظلة ابن صفوان رسول إلى أصحاب الرس. وخالد بن سنان العبسي.]]، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ الزُّبَيْرُ: كُلُّ نَبِيٍّ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ وَلُوطٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ. وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَرَبِ أَنْبِيَاءٌ إِلَّا خَمْسَةٌ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَإِسْمَاعِيلُ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ [[ذكروا من أنبياء العرب حنظلة ابن صفوان رسول إلى أصحاب الرس. وخالد بن سنان العبسي.]]، وَإِنَّمَا سُمُّوا عَرَبًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْعَرَبِيَّةِ غَيْرُهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ" فَخَصَّ أَقْوَامًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ" [[راجع ج ٢ ص ٦٣.]] ثُمَّ قَالَ: (وَعِيسى وَأَيُّوبَ) قَدَّمَ عِيسَى عَلَى قَوْمٍ كَانُوا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَأَيْضًا فِيهِ تَخْصِيصُ عِيسَى رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَدْرِ نَبِيِّنَا ﷺ وَشَرَفِهِ، حَيْثُ قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [[راجع ج ١٤ ص ١٢٦.]]] الأحزاب: ٧] الْآيَةَ، وَنُوحٌ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُوعَبًا فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٦٢.]] وَانْصَرَفَ وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ، لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَخَفَّ، فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ [وَإِسْحَاقُ] [[الزيادة عن (إعراب القرآن) للنحاس.]] فَأَعْجَمِيَّةٌ وَهِيَ مُعَرَّفَةٌ وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْصَرِفْ، وَكَذَا يَعْقُوبُ وَعِيسَى وَمُوسَى إِلَّا أَنَّ عِيسَى وَمُوسَى يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ فِيهِمَا لِلتَّأْنِيثِ فَلَا يَنْصَرِفَانِ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ، فَأَمَّا يُونُسُ وَيُوسُفُ فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ "وَيُونِسَ" بِكَسْرِ النُّونِ وَكَذَا "يُوسِفَ" يَجْعَلُهُمَا مِنْ آنَسَ وَآسَفَ، وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُصْرَفَا وَيُهْمَزَا وَيَكُونُ جَمْعُهُمَا يَآنِسُ ويآسف. ومن لم يهمز قال: يوانس وَيَوَاسِفُ. وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: يُونَسَ وَيُوسَفَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالسِّينِ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَكَأَنَّ "يُونِسَ" فِي الْأَصْلِ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَ "يُونَسَ" فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَسُمِّيَ بِهِمَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ الزَّبُورُ كِتَابُ دَاوُدَ وَكَانَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سُورَةً لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ وَلَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَإِنَّمَا هِيَ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ. وَالزُّبُرُ الْكِتَابَةُ، وَالزَّبُورُ بِمَعْنَى الْمَزْبُورِ أَيِ الْمَكْتُوبِ، كَالرَّسُولِ وَالرَّكُوبِ وَالْحَلُوبِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ "زُبُورًا" بِضَمِّ الزَّايِ جَمْعُ زَبْرٍ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ، وَزَبْرٌ بِمَعْنَى الْمَزْبُورِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلِمَةِ التَّوْثِيقُ، يُقَالُ: بِئْرٌ مَزْبُورَةٌ أَيْ مَطْوِيَّةٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْكِتَابُ يُسَمَّى زَبُورًا لِقُوَّةِ الْوَثِيقَةِ بِهِ. وَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَإِذَا أَخَذَ فِي قِرَاءَةِ الزَّبُورِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ لِحُسْنِ صَوْتِهِ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْ كَانَ دَاوُدُ ﷺ لَيَخْطُبُ النَّاسَ وَفِي يَدِهِ الْقُفَّةُ مِنَ الْخُوصِ، فَإِذَا فَرَغَ نَاوَلَهَا بَعْضَ مَنْ إِلَى جَنْبِهِ يَبِيعُهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، وَسَيَأْتِي [[راجع ج ١١ ص ٣٣٠.]]. وَفِي الْحَدِيثِ: (الزُّرْقَةُ فِي الْعَيْنِ يُمْنٌ) وَكَانَ داود أزرق.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي بِمَكَّةَ. "وَرُسُلًا" مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أي وأرسلنا رسلا، لان معنى "أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ" وَأَرْسَلْنَا نُوحًا. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ "قَصَصْناهُمْ" أَيْ وَقَصَصْنَا رُسُلًا، وَمِثْلُهُ مَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ [[البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، وهو أحد المعمرين، وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته.]]:

أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا ... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا

وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرياح والمطرا

أَيْ وَأَخْشَى الذِّئْبَ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "وَرُسُلٌ" بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ وَمِنْهُمْ رُسُلٌ. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ فِي كِتَابِهِ بَعْضَ أَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَسْمَاءَ بَعْضٍ، وَلِمَنْ ذَكَرَ فَضْلٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ. قَالَتِ الْيَهُودُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْأَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُوسَى، فَنَزَلَتْ "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً" "تَكْلِيماً" مَصْدَرٌ مَعْنَاهُ التَّأْكِيدُ، يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَنْ يَقُولُ: خَلَقَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا فِي شَجَرَةٍ فَسَمِعَهُ مُوسَى، بَلْ هُوَ الْكَلَامُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ مُتَكَلِّمًا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَأَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَكَّدْتَ الْفِعْلَ بِالْمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي

أَنْ يَقُولَ: قَالَ قَوْلًا، فَكَذَا لَمَّا قَالَ: "تَكْلِيماً" وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُعْقَلُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "يَا رَبِّ بِمَ اتَّخَذْتَنِي كَلِيمًا"؟ طَلَبَ الْعَمَلَ الَّذِي أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِهِ لِيُكْثِرَ مِنْهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: أَتَذْكُرُ إِذْ نَدَّ مِنْ غَنَمِكَ جَدْيٌ فَاتَّبَعْتَهُ أَكْثَرَ النَّهَارِ وَأَتْعَبَكَ، ثُمَّ أَخَذْتَهُ وَقَبَّلْتَهُ وَضَمَمْتَهُ إِلَى صَدْرِكَ وَقُلْتَ لَهُ: أَتْعَبْتَنِي وَأَتْعَبْتَ نَفْسَكَ، وَلَمْ تَغْضَبْ عَلَيْهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذْتُكَ كليما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ" وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، أَيْ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا.

(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فَيَقُولُوا مَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَمَا أَنْزَلْتَ عَلَيْنَا كِتَابًا، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٣٠.]] [الاسراء: ١٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ [[راجع ج ١١ ص ٢٦٤.]] آياتِكَ [٢٠: ١٣٤]" [طه: ١٣٤] وفي هذا كله دليل واضح على أنه لا يجب شي مِنْ نَاحِيَةِ الْعَقْلِ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ [[في ك: مائة.]] ألف. وقال مقاتل: [[هذه الرواية نسبها (البحر) و (روح المعاني) إلى كعب الأحبار.]] كان الأنبياء أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا. وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (بُعِثْتُ عَلَى أَثَرِ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي التَّفْسِيرِ لَهُ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَكَمْ كَانَ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: (كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ). قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، خَرَّجَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ البستي في المسند الصحيح له.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَإِنْ شِئْتَ شَدَّدْتَ النُّونَ وَنَصَبْتَ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، كَأَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا: مَا نَشْهَدُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَا تَقُولُ فَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَنَزَلَ "لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ". وَمَعْنَى (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أَيْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكَ أَهْلٌ لِإِنْزَالِهِ عَلَيْكَ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلْمٍ.

(وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) ذَكَرَ شَهَادَةَ الْمَلَائِكَةِ لِيُقَابِلَ بِهَا نَفْيَ شَهَادَتِهِمْ.

(وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) أي كفى الله شاهدا، والباء زائدة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ] أَيْ ظَلَمُوا [[[من ك.]].

(وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ عَنِ اتِّبَاعِ] الرَّسُولِ [[[من ز.]] مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: مَا نَجِدُ صِفَتَهُ [[في ك: صفاته.]] فِي كِتَابِنَا، وَإِنَّمَا النُّبُوَّةُ فِي وَلَدِ هَارُونَ وَدَاوُدَ، وَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ شَرْعَ مُوسَى لَا يُنْسَخُ.

(قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً) لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعُوا النَّاسَ من الإسلام.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ، أَيْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، وَأَنْفُسَهُمْ إِذْ كَفَرُوا، وَالنَّاسَ إِذْ كَتَمُوهُمْ.

(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) هَذَا فِيمَنْ يموت على كفره ولم يتب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ، أَيْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، وَأَنْفُسَهُمْ إِذْ كَفَرُوا، وَالنَّاسَ إِذْ كَتَمُوهُمْ.

(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) هَذَا فِيمَنْ يموت على كفره ولم يتب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هَذَا خِطَابٌ لِلْكُلِّ.

(قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ) ١٧٠ يُرِيدُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

(بِالْحَقِّ) بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: بِالدِّينِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ جَاءَكُمْ وَمَعَهُ الْحَقُّ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ ١٧٠ فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَأْتُوا خَيْرًا لَكُمْ، هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إِيمَانًا خَيْرًا لَكُمْ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عبيدة يكن خيرا لكم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنِ الْغُلُوِّ. وَالْغُلُوُّ التَّجَاوُزُ فِي الْحَدِّ، وَمِنْهُ غَلَا السِّعْرُ يَغْلُو غَلَاءً، وَغَلَا الرَّجُلُ فِي الْأَمْرِ غُلُوًّا، وَغَلَا بِالْجَارِيَةِ لَحْمُهَا وَعَظْمُهَا إِذَا أَسْرَعَتِ الشَّبَابَ فَجَاوَزَتْ لِدَاتِهَا [[اللدات (جمع لدة كعدة): الترب، وهو الذي ولد معك وتربى.]]، وَيَعْنِي بِذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ غُلُوَّ الْيَهُودِ فِي عِيسَى حَتَّى قَذَفُوا مَرْيَمَ، وَغُلُوَّ النَّصَارَى فِيهِ حَتَّى جَعَلُوهُ رَبًّا، فَالْإِفْرَاطُ وَالتَّقْصِيرُ كُلُّهُ سَيِّئَةٌ وَكُفْرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَأَوْفِ ولا تسوف حَقَّكَ كُلَّهُ ... وَصَافِحْ فَلَمْ يَسْتَوْفِ قَطُّ كَرِيمُ

وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ

وَقَالَ آخَرُ:

عَلَيْكَ بِأَوْسَاطِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ... نَجَاةٌ وَلَا تَرْكَبْ ذَلُولًا وَلَا صَعْبَا

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا تُطْرُونِي [[الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.]] كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أَيْ لا تقولوا إن له شريكا أو أبناء ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصِفَتَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ" وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأَوْلَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ الْمَسِيحُ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "عِيسَى" بَدَلٌ مِنْهُ وَكَذَا "ابْنُ مَرْيَمَ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: "عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ" عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْسُوبًا بِوَالِدَتِهِ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا، وَحَقُّ الْإِلَهِ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لَا مُحْدَثًا. وَيَكُونُ "رَسُولُ اللَّهِ" خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. الثَّانِيةُ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ امْرَأَةً وَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا فِي كِتَابِهِ إِلَّا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ اسْمَهَا فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا لِحِكْمَةٍ ذَكَرَهَا بعض الأشياخ، فإن الملوك والاشراف لَا يَذْكُرُونَ حَرَائِرَهُمْ فِي الْمَلَإِ، وَلَا يَبْتَذِلُونَ أَسْمَاءَهُنَّ، بَلْ يُكَنُّونَ عَنِ الزَّوْجَةِ بِالْعِرْسِ وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ ذَكَرُوا الْإِمَاءَ لَمْ يُكَنُّوا عَنْهُنَّ وَلَمْ يَصُونُوا أَسْمَاءَهُنَّ عَنِ الذِّكْرِ وَالتَّصْرِيحِ بِهَا، فَلَمَّا قَالَتِ النَّصَارَى فِي مَرْيَمَ مَا قَالَتْ، وَفِي ابْنِهَا صَرَّحَ اللَّهُ بِاسْمِهَا، وَلَمْ يُكَنِّ عَنْهَا بِالْأُمُوَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لَهَا، وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذِكْرِ إِمَائِهَا. الثَّالِثَةُ- اعْتِقَادُ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا أَبَ لَهُ وَاجِبٌ، فَإِذَا تَكَرَّرَ اسْمُهُ [[في ج: ذكره.]] مَنْسُوبًا لِلْأُمِّ اسْتَشْعَرَتِ الْقُلُوبُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا اعْتِقَادُهُ مِنْ نَفْيِ الْأَبِ عَنْهُ، وَتَنْزِيهِ الْأُمِّ الطَّاهِرَةِ عَنْ مَقَالَةِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ أَيْ هُوَ مُكَوَّنٌ بِكَلِمَةِ "كُنْ" فَكَانَ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ صَادِرًا عَنْهُ. وَقِيلَ: "كَلِمَتُهُ" بِشَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَرِسَالَتُهُ إِلَيْهَا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ] عَلَيْهِ السَّلَامُ [[[من ك.]]، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ" [[راجع ج ٤ ص ٨٨.]]] آل عمران: ٤٥]. وَقِيلَ: "الْكَلِمَةُ" هَاهُنَا بِمَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: "وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها" [[راجع ج ١٨ ص ٢٣.]]] التحريم: ١٢] و "ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ" [[راجع ج ١٤ ص ٧٦.]]] لقمان: ٢٧]. وَكَانَ لِعِيسَى أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ، الْمَسِيحُ وَعِيسَى وَكَلِمَةٌ وَرُوحٌ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ. وَمَعْنَى "أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ" أَمَرَ بِهَا مَرْيَمَ [[في البحر: ألقاها إلى مريم أوجد هذا الحادث في مريم وحصله فيها.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. هَذَا الَّذِي أَوْقَعَ النَّصَارَى فِي الْإِضْلَالِ، فَقَالُوا: عِيسَى جُزْءٌ مِنْهُ فَجَهِلُوا وَضَلُّوا، وَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ- قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: خَلَقَ اللَّهُ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى صُلْبِ آدَمَ وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ رُوحَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَرَادَ خَلْقَهُ أَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ، فَكَانَ مِنْهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِهَذَا قَالَ: "وَرُوحٌ مِنْهُ". وَقِيلَ: هَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّفْضِيلِ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: "وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ" [[راجع ج ٢ ص ١١٠]]] الحج: ٢٦]، وَقِيلَ: قَدْ يُسَمَّى مَنْ تَظْهَرُ مِنْهُ الْأَشْيَاءُ الْعَجِيبَةُ رُوحًا، وَتُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيُقَالُ: هَذَا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ أَيْ مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا يُقَالُ فِي النِّعْمَةِ إِنَّهَا مِنَ اللَّهِ. وَكَانَ عِيسَى يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى فاستحق هذا الاسم. وقيل: يُسَمَّى رُوحًا بِسَبَبِ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُسَمَّى النَّفْخُ رُوحًا، لِأَنَّهُ رِيحٌ يَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ. قَالَ الشَّاعِرُ- هُوَ ذُو الرُّمَّةِ-:

فَقُلْتُ له أرفعها إليك وأحبها ... بِرُوحِكَ [[بروحك: بنفخك.

(واقتته لها قيتة): يأمره بالرفق والنفخ القليل في النار. وأن يطعمها حطبا قليلا قليلا.]] وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ فِي دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ "وَرُوحٌ مِنْهُ" مَعْطُوفًا عَلَى الْمُضْمَرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ اللَّهِ فِي "أَلْقاها" التَّقْدِيرُ: أَلْقَى اللَّهُ وَجِبْرِيلُ الْكَلِمَةَ إِلَى مَرْيَمَ. وَقِيلَ:" رُوحٌ مِنْهُ [[راجع ج ١٦ ص ١٦٠.]] "أَيْ مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ:" وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ"] الجاثية: ١٣] أَيْ مِنْ خَلْقِهِ. وَقِيلَ: "رُوحٌ مِنْهُ" أَيْ رَحْمَةٌ مِنْهُ، فَكَانَ عِيسَى رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [[راجع ج ١٧ ص ٣٠٨، ص ٢٣٢.]]] المجادلة: ٢٢] أي برحمة، وقرى: "فَرُوحٌ وَرَيْحَانٌ" [[راجع ج ١٧ ص ٣٠٨، ص ٢٣٢.]]. وَقِيلَ: "وَرُوحٌ مِنْهُ" وَبُرْهَانٌ مِنْهُ، وَكَانَ عِيسَى بُرْهَانًا وَحُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ ﷺ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ آمِنُوا بِأَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَالِقُ الْمَسِيحِ وَمُرْسِلُهُ، وَآمِنُوا بِرُسُلِهِ وَمِنْهُمْ عِيسَى فَلَا تَجْعَلُوهُ إِلَهًا.

(وَلا تَقُولُوا) آلِهَتُنَا "ثَلاثَةٌ" عَنِ الزَّجَّاجِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ بِالتَّثْلِيثِ اللَّهَ تَعَالَى وَصَاحِبَتَهُ وَابْنَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ لَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٢٢.]] [الكهف: ٢٢].] قَالَ [[[من ك.]] أَبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ وَلَا تَقُولُوا هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ وَالْمُضَافُ. وَالنَّصَارَى مَعَ فِرَقِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلَى التَّثْلِيثِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، فَيَجْعَلُونَ كُلَّ أُقْنُومٍ إِلَهًا وَيَعْنُونَ بِالْأَقَانِيمِ الْوُجُودَ وَالْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ، وَرُبَّمَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الْأَقَانِيمِ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالْأَبِ الْوُجُودَ، وَبِالرُّوحِ الْحَيَاةَ، وَبِالِابْنِ الْمَسِيحَ، فِي كَلَامٍ لَهُمْ فِيهِ تَخَبُّطٌ بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ. وَمَحْصُولُ كَلَامِهِمْ يَئُولُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِأَنَّ عِيسَى إِلَهٌ بِمَا كَانَ يُجْرِيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى حَسَبِ دَوَاعِيهِ وَإِرَادَتِهِ، وَقَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا خُرُوجَ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا مَوْصُوفًا بِالْإِلَهِيَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَقْدُورَاتِهِ وكان مستقلا به كَانَ تَخْلِيصُ نَفْسِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ عَنْهُ مِنْ مَقْدُورَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ قَوْلُهُمْ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا مُسْتَقِلًّا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ مُعَارَضُونَ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، مِثْلَ قَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا، وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا جَرَى عَلَى يَدِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَنُنْكِرُ مَا يَدَّعُونَهُ هُمْ أَيْضًا مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى يَدِ عِيسَى عليه السلام، فلا يمكنهم إثبات شي مِنْ ذَلِكَ لِعِيسَى، فَإِنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِهِ عِنْدَنَا نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْقُرْآنَ، وَيُكَذِّبُونَ مَنْ أَتَى بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتُ ذَلِكَ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ النَّصَارَى كَانُوا عَلَى دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعد ما رُفِعَ عِيسَى، يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، حَتَّى وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ حَرْبٌ، وَكَانَ فِي الْيَهُودِ رَجُلٌ شُجَاعٌ يُقَالُ لَهُ بُولِسُ، قَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَ عِيسَى فَقَدْ كَفَرْنَا وَجَحَدْنَا وَإِلَى النَّارِ مَصِيرُنَا، وَنَحْنُ مَغْبُونُونَ [[في ج وز مفتونون.]] إِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَدَخَلْنَا النَّارَ، وَإِنِّي أَحْتَالُ فِيهِمْ فَأَضِلُّهُمْ فَيَدْخُلُونَ النَّارَ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهَا الْعُقَابُ، فَأَظْهَرَ النَّدَامَةَ وَوَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَقَالَ لِلنَّصَارَى: أَنَا بُولِسُ عَدُوُّكُمْ قَدْ نُودِيتُ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ إِلَّا أَنْ تَتَنَصَّرَ، فَأَدْخَلُوهُ فِي الْكَنِيسَةِ بَيْتًا فَأَقَامَ فِيهِ سَنَةً لَا يَخْرُجُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا حَتَّى تَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَ، فَخَرَجَ وَقَالَ: نُودِيتُ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ تَوْبَتَكَ فَصَدَّقُوهُ وَأَحَبُّوهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ نُسْطُورَا وَأَعْلَمَهُ أَنَّ عِيسَى بن مريم إله، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عِيسَى بِإِنْسٍ فَتَأَنَّسَ وَلَا بِجِسْمٍ فَتَجَسَّمَ وَلَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وَعَلَّمَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْمَلِكُ [[كذا في الأصول: والذي في كتاب (الملل والنحل) الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها. في (صبح الأعشى) الملكانية هم اتباع ملكان الذي ظهر ببلاد الروم، فهو ملكا أو ملكان. وسيأتي ذكر الملكانية ص ١١٨]] فَقَالَ لَهُ، إِنَّ الْإِلَهَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ عِيسَى، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ دَعَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ خَالِصَتِي وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَسِيحَ فِي النَّوْمِ وَرَضِيَ عَنِّي، وَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنِّي غَدًا أَذْبَحُ نَفْسِي وَأَتَقَرَّبُ بِهَا، فَادْعُ النَّاسَ إِلَى نِحْلَتِكَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَذْبَحَ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ثَالِثِهِ دَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ النَّاسَ إِلَى نِحْلَتِهِ، فَتَبِعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً، فَاقْتَتَلُوا وَاخْتَلَفُوا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَجَمِيعُ النَّصَارَى مِنَ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ، فَهَذَا كَانَ سَبَبَ شِرْكِهِمْ فِيمَا يُقَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَيْتُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] [[راجع ص ١١٦ من هذا الجزء.]] وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ "خَيْراً" مَنْصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: ائْتُوا خَيْرًا لَكُمْ، لِأَنَّهُ إِذَا نَهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِإِتْيَانِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِمَّا يَنْتَصِبُ عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إِظْهَارُهُ "انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ" لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: ائْتِهِ فَأَنْتَ تُخْرِجُهُ مِنْ أَمْرٍ وَتُدْخِلُهُ فِي آخَرَ، وَأَنْشَدَ:

فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ [[البيت لعمر بن أبي ربيعة، و (سرحتا مالك): موضع بعينه: والسرحتان شجرتان شهر الموضع بهما، والزبا: جمع ربوة وهي المشرف من الأرض.]] مَالِكٍ ... أَوِ الرُّبَا بَيْنَهُمَا أَسْهَلَا

وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ: انْتَهُوا يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ يُضْمِرُ الشَّرْطَ وَجَوَابَهُ [[في السمين: لان تقدير إن تؤمنوا يكن الايمان خيرا لكم.]]، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمَذْهَبُ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ: هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى: انْتَهُوا الِانْتِهَاءَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ هذا ابتداء وخبر، و "واحِدٌ" نَعْتٌ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "إِلهٌ" بَدَلًا من اسم الله عز وجل و "واحِدٌ" خَبَرُهُ، التَّقْدِيرُ إِنَّمَا الْمَعْبُودُ وَاحِدٌ.

(سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) أَيْ تَنْزِيهًا [[في ك تنزيه.]] عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، فَلَمَّا سَقَطَ "عَنْ" كَانَ "أَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ وَوَلَدُ الرَّجُلِ مُشْبِهٌ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

(لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَعِيسَى] وَمَرْيَمُ [[[من ز.]] مِنْ جُمْلَةِ مَا في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا فِيهِمَا مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِيسَى إِلَهًا وَهُوَ مَخْلُوقٌ! وَإِنْ جَازَ وَلَدٌ فَلْيَجُزْ أَوْلَادٌ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مُعْجِزَةٌ وَلَدًا لَهُ.

(وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي لأوليائه، وقد تقدم.

قوله تعالى: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ) أَيْ لَنْ يَأْنَفَ وَلَنْ يَحْتَشِمَ. َنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (إِنْ يَكُونُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا نَفْيُ هُوَ [[من ز.]] بِمَعْنَى (مَا) وَالْمَعْنَى مَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرواة [[في مختصر الشواذ لابن خالويه: إن يكون بكسر الهمزة ورفع يكون. الحسن وقتادة وأبو وافد يجعل إن بمعنى ما.]].َ- لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) أَيْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ، فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكَذَا (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [[راجع ج ٩ ص ٢٧.]]) وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هذا المعنى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٢٨٩.]].َ- مَنْ يَسْتَنْكِفْ)

أي يأنفَ نْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ)

فلا يفعلها. َسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ)

أي إلى المحشر. َمِيعاً)

فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَ هَذَا (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)

إِلَى قوله: (نَصِيراً). واصل"سْتَنْكِفَ

"نَكِفَ، فَالْيَاءُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَوَائِدُ، يُقَالُ: نَكِفْتُ مِنَ الشَّيْءِ وَاسْتَنْكَفْتُ مِنْهُ وَأَنْكَفْتُهُ أَيْ نَزَّهْتُهُ عَمَّا يُسْتَنْكَفُ مِنْهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ سُئِلَ عَنْ" سُبْحَانَ اللَّهُ" فَقَالَ: (إِنْكَافُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ) يَعْنِي تَنْزِيهَهُ وَتَقْدِيسَهُ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْلَادِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: اسْتَنْكَفَ أَيْ أَنِفَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَكَفْتَ الدَّمْعَ إِذَا نَحَّيْتَهُ بِإِصْبَعِكَ عَنْ خَدِّكَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (مَا يُنْكَفُ الْعَرَقُ عَنْ جَبِينِهِ) أَيْ مَا يَنْقَطِعُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (جَاءَ بِجَيْشٍ لَا يُنْكَفُ آخِرُهُ) أَيْ لَا يَنْقَطِعُ آخِرُهُ. وقيل: هو من النكف وهو العيب، يُقَالُ: مَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ [[في ج: من نكف.]] نَكَفٌ وَلَا وَكَفٌ أَيْ عَيْبٌ: أَيْ لَنْ يَمْتَنِعَ الْمَسِيحُ وَلَنْ يَتَنَزَّهَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَلَنْ يَنْقَطِعَ عنها ولن يعيبها.

قوله تعالى: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ) أَيْ لَنْ يَأْنَفَ وَلَنْ يَحْتَشِمَ. َنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (إِنْ يَكُونُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا نَفْيُ هُوَ [[من ز.]] بِمَعْنَى (مَا) وَالْمَعْنَى مَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرواة [[في مختصر الشواذ لابن خالويه: إن يكون بكسر الهمزة ورفع يكون. الحسن وقتادة وأبو وافد يجعل إن بمعنى ما.]].َ- لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) أَيْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ، فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكَذَا (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [[راجع ج ٩ ص ٢٧.]]) وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هذا المعنى في (البقرة) [[راجع ج ١ ص ٢٨٩.]].َ- مَنْ يَسْتَنْكِفْ)

أي يأنفَ نْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ)

فلا يفعلها. َسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ)

أي إلى المحشر. َمِيعاً)

فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَ هَذَا (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)

إِلَى قوله: (نَصِيراً). واصل"سْتَنْكِفَ

"نَكِفَ، فَالْيَاءُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَوَائِدُ، يُقَالُ: نَكِفْتُ مِنَ الشَّيْءِ وَاسْتَنْكَفْتُ مِنْهُ وَأَنْكَفْتُهُ أَيْ نَزَّهْتُهُ عَمَّا يُسْتَنْكَفُ مِنْهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ سُئِلَ عَنْ" سُبْحَانَ اللَّهُ" فَقَالَ: (إِنْكَافُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ) يَعْنِي تَنْزِيهَهُ وَتَقْدِيسَهُ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْلَادِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: اسْتَنْكَفَ أَيْ أَنِفَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَكَفْتَ الدَّمْعَ إِذَا نَحَّيْتَهُ بِإِصْبَعِكَ عَنْ خَدِّكَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (مَا يُنْكَفُ الْعَرَقُ عَنْ جَبِينِهِ) أَيْ مَا يَنْقَطِعُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (جَاءَ بِجَيْشٍ لَا يُنْكَفُ آخِرُهُ) أَيْ لَا يَنْقَطِعُ آخِرُهُ. وقيل: هو من النكف وهو العيب، يُقَالُ: مَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ [[في ج: من نكف.]] نَكَفٌ وَلَا وَكَفٌ أَيْ عَيْبٌ: أَيْ لَنْ يَمْتَنِعَ الْمَسِيحُ وَلَنْ يَتَنَزَّهَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَلَنْ يَنْقَطِعَ عنها ولن يعيبها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَسَمَّاهُ بُرْهَانًا لِأَنَّ مَعَهُ الْبُرْهَانَ وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْبُرْهَانُ هَاهُنَا الْحُجَّةُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، فَإِنَّ الْمُعْجِزَاتِ حُجَّتُهُ ﷺ. وَالنُّورُ الْمُنَزَّلُ هُوَ الْقُرْآنُ، عَنِ الْحَسَنِ، وَسَمَّاهُ نُورًا لِأَنَّ بِهِ تُتَبَيَّنُ الْأَحْكَامُ وَيُهْتَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، فَهُوَ نُورٌ مُبِينٌ، أي واضح بين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَإِذَا اعْتَصَمُوا بِكِتَابِهِ] فَقَدِ [[[في ج وز.]] اعْتَصَمُوا بِهِ وَبِنَبِيِّهِ. وَقِيلَ: "اعْتَصَمُوا بِهِ" أَيْ بِاللَّهِ. وَالْعِصْمَةُ الِامْتِنَاعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٤ ص ١٥٦]] (وَيَهْدِيهِمْ) أَيْ وَهُوَ يَهْدِيهِمْ، فَأَضْمَرَ هُوَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَقْطُوعٌ مِمَّا قَبْلَهُ.

(إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى ثَوَابِهِ. وَقِيلَ: إِلَى الْحَقِّ لِيَعْرِفُوهُ.

(صِراطاً مُسْتَقِيماً) أَيْ دِينًا مُسْتَقِيمًا. وَ "صِراطاً" مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ "وَيَهْدِيهِمْ" التَّقْدِيرُ، وَيُعَرِّفُهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى تَقْدِيرِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى ثَوَابِهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ. وَالْهَاءُ فِي "إِلَيْهِ" قِيلَ: هِيَ لِلْقُرْآنِ، وَقِيلَ: لِلْفَضْلِ، وَقِيلَ: لِلْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الثَّوَابِ. وَقِيلَ: هِيَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى وَيَهْدِيهِمْ إِلَى ثَوَابِهِ. أَبُو عَلِيٍّ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَعْنَى وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطِهِ، فَإِذَا جَعَلْنَا "صِراطاً مُسْتَقِيماً" نَصْبًا عَلَى الحال كانت الحال من هَذَا الْمَحْذُوفِ. وَفِي قَوْلِهِ: (وَفَضْلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِثَوَابِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لَمَا كَانَ فضلا. والله أعلم.

فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، كَذَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَجَهِّزٌ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَنَزَلَتْ بِسَبَبِ جابر، قال جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ] رَسُولُ [[من ك.]] اللَّهِ ﷺ [ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِيَ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] [[راجع ج ٣ ص ٣٧٥.]] وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَمَضَى فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الْكَلَامُ فِي "الْكَلالَةِ" مُسْتَوْفًى، [[راجع ج ٥ ص ٧٦ وما بعدها.]] وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِخْوَةِ هُنَا الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ] أَوْ لِلْأَبِ [[[من ج وز وك.]] وَكَانَ لِجَابِرٍ تسع أخوات. الثانية- قوله تَعَالَى: "إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ" أَيْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَفْظُ الْوَلَدِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَالِدِ وَالْمَوْلُودِ، فَالْوَالِدُ يُسَمَّى، وَالِدًا لِأَنَّهُ وَلَدَ، وَالْمَوْلُودُ يُسَمَّى وَلَدًا لِأَنَّهُ وُلِدَ، كَالذُّرِّيَّةِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَرَا ثُمَّ تُطْلَقُ عَلَى الْمَوْلُودِ وَعَلَى الْوَالِدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ" [[راجع ج ١٥ ص ٣٤]]] يس: ٤١].

الثَّالِثَةُ- وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَجْعَلُونَ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةَ الْبَنَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ أَخٌ، غَيْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةَ الْبَنَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ وَطَائِفَةٌ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ" وَلَمْ يُوَرِّثِ الْأُخْتَ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَةَ مِنَ الْوَلَدِ، فَوَجَبَ أَلَّا تَرِثَ الْأُخْتُ مَعَ وُجُودِهَا. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى أَخْبَرَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ مُعَاذًا قَضَى فِي بِنْتٍ وَأُخْتٍ فَجَعَلَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. الرَّابِعَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تُسَمَّى بِآيَةِ الصَّيْفِ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، قَالَ عُمَرُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَّعِ شَيْئًا أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِ الْكَلَالَةِ، وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [عَنْهَا] [[من ك.]] فَمَا أغلظ لي في شي مَا أَغْلَظَ لِي فِيهَا، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي جَنْبِي أَوْ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: (يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ). وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ثَلَاثٌ لَأَنْ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلَالَةُ وَالرِّبَا وَالْخِلَافَةُ، خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. الْخَامِسَةُ- طَعَنَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ بِقَوْلِ عُمَرَ: (وَاللَّهِ لَا أَدَّعِ) الْحَدِيثَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ لِئَلَّا تَضِلُّوا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَحَدَّثْتُ الْكِسَائِيَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يُوَافِقَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةً) فَاسْتَحْسَنَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْنَى عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ لِئَلَّا يُوَافِقَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةً، وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ خَطَأٌ [صُرَاحٌ] [[من ك.]]، [لِأَنَّهُمْ] [[الزيادة عن (إعراب القرآن) للنحاس.]] لَا يُجِيزُونَ إِضْمَارَ لَا، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، ثُمَّ حذف، كما قال: "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" [[راجع ج ٩ ص ٢٤٥.]]] يوسف: ٨٢] وَكَذَا مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، أَيْ كَرَاهِيَةً أَنْ يُوَافِقَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةً.

(وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَمَّتْ سُورَةُ "النِّسَاءِ" والحمد لله الذي وفق.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com