John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Ghafir

Tafseer Al Qurtubi · The Forgiver · 85 ayat · ayat 61–85 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَحِّدُونِي وَاعْبُدُونِي أَتَقَبَّلْ عِبَادَتَكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ. قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ" وَيُقَالُ الدُّعَاءُ: هُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ: مَا جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَكَانَ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ يَقُولُ: عَجِيبٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قِيلَ لَهَا:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فَهَا هُنَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] فها هنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ. وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٩ طبعه ثانيه.]] بَيَانُهُ أَيْ "أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَيَّاشٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "سَيُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. الْبَاقُونَ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَمَعْنَى "داخِرِينَ" صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ١١١ وج ١٣ ص ٢٤٢ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ "جَعَلَ" هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا" وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أَيْ مُضِيئًا لِتُبْصِرُوا فِيهِ حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" فَضْلَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ. بَيَّنَ الدَّلَالَةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أَيْ كَيْفَ تَنْقَلِبُونَ وَتَنْصَرِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ دَلَائِلَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا صُرِفْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَ "كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يُصْرَفُ عَنِ الْحَقِّ "الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ زَادَ فِي تَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. "وَالسَّماءَ بِناءً" تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعه ثانيه أو ثالثه.]]. "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "صِوَرَكُمْ" بِكَسْرِ الصَّادِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالصِّوَرُ بِكَسْرِ الصَّادِ لُغَةٌ فِي الصُّوَرِ جَمْعُ صُورَةٍ وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا

وَالصِّيرَانُ جَمْعُ صِوَارٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنَ الْبَقَرِ وَالصِّوَارِ أَيْضًا وِعَاءُ الْمِسْكِ [[الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.]] وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

إِذَا لَاحَ الصِّوَارُ ذَكَرْتُ لَيْلَى ... - وَأَذْكُرُهَا إذا نفخ الصِّوَارُ

وَالصِّيَارُ لُغَةٌ فِيهِ. "وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٣ طبعه أولى أو ثانيه. وج ١ ص ١٣٦ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] "هُوَ الْحَيُّ" أَيِ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أَيِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَمْرٍ أَيِ ادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَقَدْ مَضَى هدا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج ١ ص ١٣٦ فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.]] وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فليقل "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَحِّدُونِي وَاعْبُدُونِي أَتَقَبَّلْ عِبَادَتَكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ. قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ" وَيُقَالُ الدُّعَاءُ: هُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ: مَا جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَكَانَ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ يَقُولُ: عَجِيبٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قِيلَ لَهَا:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فَهَا هُنَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] فها هنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ. وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٩ طبعه ثانيه.]] بَيَانُهُ أَيْ "أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَيَّاشٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "سَيُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. الْبَاقُونَ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَمَعْنَى "داخِرِينَ" صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ١١١ وج ١٣ ص ٢٤٢ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ "جَعَلَ" هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا" وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أَيْ مُضِيئًا لِتُبْصِرُوا فِيهِ حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" فَضْلَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ. بَيَّنَ الدَّلَالَةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أَيْ كَيْفَ تَنْقَلِبُونَ وَتَنْصَرِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ دَلَائِلَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا صُرِفْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَ "كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يُصْرَفُ عَنِ الْحَقِّ "الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ زَادَ فِي تَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. "وَالسَّماءَ بِناءً" تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعه ثانيه أو ثالثه.]]. "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "صِوَرَكُمْ" بِكَسْرِ الصَّادِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالصِّوَرُ بِكَسْرِ الصَّادِ لُغَةٌ فِي الصُّوَرِ جَمْعُ صُورَةٍ وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا

وَالصِّيرَانُ جَمْعُ صِوَارٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنَ الْبَقَرِ وَالصِّوَارِ أَيْضًا وِعَاءُ الْمِسْكِ [[الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.]] وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

إِذَا لَاحَ الصِّوَارُ ذَكَرْتُ لَيْلَى ... - وَأَذْكُرُهَا إذا نفخ الصِّوَارُ

وَالصِّيَارُ لُغَةٌ فِيهِ. "وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٣ طبعه أولى أو ثانيه. وج ١ ص ١٣٦ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] "هُوَ الْحَيُّ" أَيِ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أَيِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَمْرٍ أَيِ ادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَقَدْ مَضَى هدا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج ١ ص ١٣٦ فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.]] وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فليقل "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَحِّدُونِي وَاعْبُدُونِي أَتَقَبَّلْ عِبَادَتَكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ. قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ" وَيُقَالُ الدُّعَاءُ: هُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ: مَا جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَكَانَ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ يَقُولُ: عَجِيبٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قِيلَ لَهَا:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فَهَا هُنَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] فها هنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ. وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٩ طبعه ثانيه.]] بَيَانُهُ أَيْ "أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَيَّاشٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "سَيُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. الْبَاقُونَ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَمَعْنَى "داخِرِينَ" صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ١١١ وج ١٣ ص ٢٤٢ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ "جَعَلَ" هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا" وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أَيْ مُضِيئًا لِتُبْصِرُوا فِيهِ حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" فَضْلَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ. بَيَّنَ الدَّلَالَةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أَيْ كَيْفَ تَنْقَلِبُونَ وَتَنْصَرِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ دَلَائِلَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا صُرِفْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَ "كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يُصْرَفُ عَنِ الْحَقِّ "الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ زَادَ فِي تَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. "وَالسَّماءَ بِناءً" تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعه ثانيه أو ثالثه.]]. "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "صِوَرَكُمْ" بِكَسْرِ الصَّادِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالصِّوَرُ بِكَسْرِ الصَّادِ لُغَةٌ فِي الصُّوَرِ جَمْعُ صُورَةٍ وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا

وَالصِّيرَانُ جَمْعُ صِوَارٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنَ الْبَقَرِ وَالصِّوَارِ أَيْضًا وِعَاءُ الْمِسْكِ [[الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.]] وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

إِذَا لَاحَ الصِّوَارُ ذَكَرْتُ لَيْلَى ... - وَأَذْكُرُهَا إذا نفخ الصِّوَارُ

وَالصِّيَارُ لُغَةٌ فِيهِ. "وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٣ طبعه أولى أو ثانيه. وج ١ ص ١٣٦ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] "هُوَ الْحَيُّ" أَيِ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أَيِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَمْرٍ أَيِ ادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَقَدْ مَضَى هدا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج ١ ص ١٣٦ فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.]] وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فليقل "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَحِّدُونِي وَاعْبُدُونِي أَتَقَبَّلْ عِبَادَتَكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ. قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ" وَيُقَالُ الدُّعَاءُ: هُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ: مَا جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَكَانَ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ يَقُولُ: عَجِيبٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قِيلَ لَهَا:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فَهَا هُنَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] فها هنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ. وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٩ طبعه ثانيه.]] بَيَانُهُ أَيْ "أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَيَّاشٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "سَيُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. الْبَاقُونَ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَمَعْنَى "داخِرِينَ" صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ١١١ وج ١٣ ص ٢٤٢ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ "جَعَلَ" هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا" وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أَيْ مُضِيئًا لِتُبْصِرُوا فِيهِ حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" فَضْلَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ. بَيَّنَ الدَّلَالَةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أَيْ كَيْفَ تَنْقَلِبُونَ وَتَنْصَرِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ دَلَائِلَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا صُرِفْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَ "كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يُصْرَفُ عَنِ الْحَقِّ "الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ زَادَ فِي تَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. "وَالسَّماءَ بِناءً" تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعه ثانيه أو ثالثه.]]. "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "صِوَرَكُمْ" بِكَسْرِ الصَّادِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالصِّوَرُ بِكَسْرِ الصَّادِ لُغَةٌ فِي الصُّوَرِ جَمْعُ صُورَةٍ وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا

وَالصِّيرَانُ جَمْعُ صِوَارٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنَ الْبَقَرِ وَالصِّوَارِ أَيْضًا وِعَاءُ الْمِسْكِ [[الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.]] وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

إِذَا لَاحَ الصِّوَارُ ذَكَرْتُ لَيْلَى ... - وَأَذْكُرُهَا إذا نفخ الصِّوَارُ

وَالصِّيَارُ لُغَةٌ فِيهِ. "وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٣ طبعه أولى أو ثانيه. وج ١ ص ١٣٦ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] "هُوَ الْحَيُّ" أَيِ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أَيِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَمْرٍ أَيِ ادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَقَدْ مَضَى هدا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج ١ ص ١٣٦ فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.]] وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فليقل "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَحِّدُونِي وَاعْبُدُونِي أَتَقَبَّلْ عِبَادَتَكُمْ وَأَغْفِرْ لَكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ. قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ" وَيُقَالُ الدُّعَاءُ: هُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قَالَ: مَا جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ:﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكَانَ اللَّهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَكَانَ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ يَقُولُ: عَجِيبٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قِيلَ لَهَا:" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: مِثْلُ مَاذَا؟ قَالَ: مِثْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فَهَا هُنَا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْعَمَلِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] فها هنا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ. وَكَانَتِ الْأُمَّةُ تَفْزَعُ إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجِهَا حَتَّى تَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٩ طبعه ثانيه.]] بَيَانُهُ أَيْ "أَسْتَجِبْ لَكُمْ" إِنْ شِئْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ فِي غَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى مَا تقدم فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَيَّاشٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "سَيُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. الْبَاقُونَ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَمَعْنَى "داخِرِينَ" صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٠ ص ١١١ وج ١٣ ص ٢٤٢ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ "جَعَلَ" هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَعَلَ إِذَا كَانَتْ بمعنى خلق وبين جعل إذ لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ فَلَا تُعَدِّيهَا إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى خَلَقَ عَدَّتْهَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا" وقد مضى هذا المعنى في مَوْضِعٍ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَالنَّهارَ مُبْصِراً" أَيْ مُضِيئًا لِتُبْصِرُوا فِيهِ حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" فَضْلَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ. بَيَّنَ الدَّلَالَةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أَيْ كَيْفَ تَنْقَلِبُونَ وَتَنْصَرِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ دَلَائِلَهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا صُرِفْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَ "كَذلِكَ يُؤْفَكُ" يُصْرَفُ عَنِ الْحَقِّ "الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ زَادَ فِي تَأْكِيدِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. "وَالسَّماءَ بِناءً" تَقَدَّمَ [[راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعه ثانيه أو ثالثه.]]. "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ وَالْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ "صِوَرَكُمْ" بِكَسْرِ الصَّادِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالصِّوَرُ بِكَسْرِ الصَّادِ لُغَةٌ فِي الصُّوَرِ جَمْعُ صُورَةٍ وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بقر الخلصاء أعينها ... هن أحسن من صيرانها صورا

وَالصِّيرَانُ جَمْعُ صِوَارٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنَ الْبَقَرِ وَالصِّوَارِ أَيْضًا وِعَاءُ الْمِسْكِ [[الزيادة من الصحاح الجوهري لا يتم الكلام الا بها.]] وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

إِذَا لَاحَ الصِّوَارُ ذَكَرْتُ لَيْلَى ... - وَأَذْكُرُهَا إذا نفخ الصِّوَارُ

وَالصِّيَارُ لُغَةٌ فِيهِ. "وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ" تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٢٢٣ طبعه أولى أو ثانيه. وج ١ ص ١٣٦ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] "هُوَ الْحَيُّ" أَيِ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ "لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أَيِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ خَبَرٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَمْرٍ أَيِ ادْعُوهُ وَاحْمَدُوهُ. وَقَدْ مَضَى هدا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[مضى هذا الكلام للمصنف في تفسير الفاتحة ج ١ ص ١٣٦ فليراجع هناك لا في البقرة ولعل ما في الأصل تحريف.]] وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فليقل "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: نَهَانِي اللَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ "أَنْ أَعْبُدَ" غَيْرَهُ. "لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي" أَيْ دَلَائِلُ تَوْحِيدِهِ "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ" أَذِلَّ وَأَخْضَعَ "لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" وَكَانُوا دَعَوْهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فَأُمِرَ أَنْ يقول هذا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أَيْ أَطْفَالًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا [[راجع ج ١٢ ص ١١ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. "ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ الْقُوَّةِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ. وَقَدْ مَضَى فِي [الْأَنْعَامِ»

] بَيَانُهُ. "ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" بِضَمِّ الشِّينِ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عَمْرٍو عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ جَمْعُ فَعْلٍ، نَحْوَ: قَلْبٌ وَقُلُوبٌ وَرَأْسٌ وَرُءُوسٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ لِمُرَاعَاةِ الْيَاءِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَفِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ أَشْيَاخٌ وَالْأَصْلُ أَشْيُخٌ، مِثْلَ فَلْسٍ وَأَفْلُسَ إِلَّا أَنَّ الْحَرَكَةَ فِي الْيَاءِ ثَقِيلَةٌ. وقرى "شَيْخًا" عَلَى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: "طِفْلًا" وَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْجِنْسِ. وَفِي الصِّحَاحِ: جَمْعُ الشَّيْخِ شُيُوخٌ وَأَشْيَاخٌ وَشَيْخَةٌ وَشِيخَانٌ وَمَشْيَخَةٌ وَمَشَايِخُ وَمَشْيُوخَاءُ، وَالْمَرْأَةُ شيخة. قال عبيد [[هو عبيد بن الأبرص.]]:

كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ [[الرقوب: التي ترقب ولدها خوف أن يموت. البيت في وصف فرسه، وتمامه:

باتت على أرم عذوبا]]

وَقَدْ شَاخَ الرَّجُلُ يَشِيخُ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ عَلَى أَصْلِهِ وَشَيْخُوخَةً، وَأَصْلُ الْيَاءِ مُتَحَرِّكَةٌ فَسُكِّنَتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعَلُولٌ. وَشَيَّخَ تَشْيِيخًا أَيْ شَاخَ. وَشَيَّخْتُهُ [[الزيادة من كتب اللغة.]] دَعَوْتُهُ شَيْخًا لِلتَّبْجِيلِ. وَتَصْغِيرُ الشَّيْخِ شُيَيْخٌ وَشِيَيْخٌ أَيْضًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَلَا تَقُلْ شُوَيْخٌ النَّحَّاسُ: وَإِنِ اضْطُرَّ شَاعِرٌ جَازَ أَنْ يَقُولَ أَشْيُخٌ مِثْلَ عَيْنٍ وَأَعْيُنٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَنٌ فِي عَيْنٍ، لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ. وَالشَّيْخُ مَنْ جَاوَزَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. "وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ" قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا، أَوْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ إِذَا خَرَجَ سِقْطًا. "وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى" قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَوْتُ لِلْكُلِّ. وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ. "وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ذَلِكَ فَتَعْلَمُوا أَنْ لا إله غيره.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ زَادَ فِي التَّنْبِيهِ أَيْ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. "فَإِذا قَضى أَمْراً" أَيْ أَرَادَ فِعْلَهُ قالَ "لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". وَنَصَبَ "فَيَكُونُ" ابْنُ عَامِرٍ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَقَدْ مَضَى في [البقرة [[راجع ج ٢ ص ٨٧ ثانية.]]] القول فيه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: نَهَانِي اللَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ "أَنْ أَعْبُدَ" غَيْرَهُ. "لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي" أَيْ دَلَائِلُ تَوْحِيدِهِ "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ" أَذِلَّ وَأَخْضَعَ "لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" وَكَانُوا دَعَوْهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فَأُمِرَ أَنْ يقول هذا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أَيْ أَطْفَالًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا [[راجع ج ١٢ ص ١١ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. "ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ الْقُوَّةِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ. وَقَدْ مَضَى فِي [الْأَنْعَامِ»

] بَيَانُهُ. "ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" بِضَمِّ الشِّينِ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عَمْرٍو عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ جَمْعُ فَعْلٍ، نَحْوَ: قَلْبٌ وَقُلُوبٌ وَرَأْسٌ وَرُءُوسٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ لِمُرَاعَاةِ الْيَاءِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَفِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ أَشْيَاخٌ وَالْأَصْلُ أَشْيُخٌ، مِثْلَ فَلْسٍ وَأَفْلُسَ إِلَّا أَنَّ الْحَرَكَةَ فِي الْيَاءِ ثَقِيلَةٌ. وقرى "شَيْخًا" عَلَى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: "طِفْلًا" وَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْجِنْسِ. وَفِي الصِّحَاحِ: جَمْعُ الشَّيْخِ شُيُوخٌ وَأَشْيَاخٌ وَشَيْخَةٌ وَشِيخَانٌ وَمَشْيَخَةٌ وَمَشَايِخُ وَمَشْيُوخَاءُ، وَالْمَرْأَةُ شيخة. قال عبيد [[هو عبيد بن الأبرص.]]:

كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ [[الرقوب: التي ترقب ولدها خوف أن يموت. البيت في وصف فرسه، وتمامه:

باتت على أرم عذوبا]]

وَقَدْ شَاخَ الرَّجُلُ يَشِيخُ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ عَلَى أَصْلِهِ وَشَيْخُوخَةً، وَأَصْلُ الْيَاءِ مُتَحَرِّكَةٌ فَسُكِّنَتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعَلُولٌ. وَشَيَّخَ تَشْيِيخًا أَيْ شَاخَ. وَشَيَّخْتُهُ [[الزيادة من كتب اللغة.]] دَعَوْتُهُ شَيْخًا لِلتَّبْجِيلِ. وَتَصْغِيرُ الشَّيْخِ شُيَيْخٌ وَشِيَيْخٌ أَيْضًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَلَا تَقُلْ شُوَيْخٌ النَّحَّاسُ: وَإِنِ اضْطُرَّ شَاعِرٌ جَازَ أَنْ يَقُولَ أَشْيُخٌ مِثْلَ عَيْنٍ وَأَعْيُنٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَنٌ فِي عَيْنٍ، لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ. وَالشَّيْخُ مَنْ جَاوَزَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. "وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ" قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا، أَوْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ إِذَا خَرَجَ سِقْطًا. "وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى" قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَوْتُ لِلْكُلِّ. وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ. "وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ذَلِكَ فَتَعْلَمُوا أَنْ لا إله غيره.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ زَادَ فِي التَّنْبِيهِ أَيْ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. "فَإِذا قَضى أَمْراً" أَيْ أَرَادَ فِعْلَهُ قالَ "لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". وَنَصَبَ "فَيَكُونُ" ابْنُ عَامِرٍ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَقَدْ مَضَى في [البقرة [[راجع ج ٢ ص ٨٧ ثانية.]]] القول فيه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: نَهَانِي اللَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ "أَنْ أَعْبُدَ" غَيْرَهُ. "لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي" أَيْ دَلَائِلُ تَوْحِيدِهِ "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ" أَذِلَّ وَأَخْضَعَ "لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" وَكَانُوا دَعَوْهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فَأُمِرَ أَنْ يقول هذا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أَيْ أَطْفَالًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا [[راجع ج ١٢ ص ١١ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]. "ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ الْقُوَّةِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ. وَقَدْ مَضَى فِي [الْأَنْعَامِ»

] بَيَانُهُ. "ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" بِضَمِّ الشِّينِ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عَمْرٍو عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ جَمْعُ فَعْلٍ، نَحْوَ: قَلْبٌ وَقُلُوبٌ وَرَأْسٌ وَرُءُوسٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ لِمُرَاعَاةِ الْيَاءِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَفِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ أَشْيَاخٌ وَالْأَصْلُ أَشْيُخٌ، مِثْلَ فَلْسٍ وَأَفْلُسَ إِلَّا أَنَّ الْحَرَكَةَ فِي الْيَاءِ ثَقِيلَةٌ. وقرى "شَيْخًا" عَلَى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: "طِفْلًا" وَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْجِنْسِ. وَفِي الصِّحَاحِ: جَمْعُ الشَّيْخِ شُيُوخٌ وَأَشْيَاخٌ وَشَيْخَةٌ وَشِيخَانٌ وَمَشْيَخَةٌ وَمَشَايِخُ وَمَشْيُوخَاءُ، وَالْمَرْأَةُ شيخة. قال عبيد [[هو عبيد بن الأبرص.]]:

كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ [[الرقوب: التي ترقب ولدها خوف أن يموت. البيت في وصف فرسه، وتمامه:

باتت على أرم عذوبا]]

وَقَدْ شَاخَ الرَّجُلُ يَشِيخُ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ عَلَى أَصْلِهِ وَشَيْخُوخَةً، وَأَصْلُ الْيَاءِ مُتَحَرِّكَةٌ فَسُكِّنَتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعَلُولٌ. وَشَيَّخَ تَشْيِيخًا أَيْ شَاخَ. وَشَيَّخْتُهُ [[الزيادة من كتب اللغة.]] دَعَوْتُهُ شَيْخًا لِلتَّبْجِيلِ. وَتَصْغِيرُ الشَّيْخِ شُيَيْخٌ وَشِيَيْخٌ أَيْضًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَلَا تَقُلْ شُوَيْخٌ النَّحَّاسُ: وَإِنِ اضْطُرَّ شَاعِرٌ جَازَ أَنْ يَقُولَ أَشْيُخٌ مِثْلَ عَيْنٍ وَأَعْيُنٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَنٌ فِي عَيْنٍ، لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ. وَالشَّيْخُ مَنْ جَاوَزَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. "وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ" قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا، أَوْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ إِذَا خَرَجَ سِقْطًا. "وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى" قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَوْتُ لِلْكُلِّ. وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ. "وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ذَلِكَ فَتَعْلَمُوا أَنْ لا إله غيره.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ زَادَ فِي التَّنْبِيهِ أَيْ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. "فَإِذا قَضى أَمْراً" أَيْ أَرَادَ فِعْلَهُ قالَ "لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". وَنَصَبَ "فَيَكُونُ" ابْنُ عَامِرٍ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَقَدْ مَضَى في [البقرة [[راجع ج ٢ ص ٨٧ ثانية.]]] القول فيه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا". وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نزلت في القدرية فَلَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسِبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَدَرِيَّةِ" ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا هُمْ فِيهِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَوَهَصَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ الْأَسْوَدَ. "وَالسَّلَاسِلُ" بِالرَّفْعِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "يُسْحَبُونَ" مُسْتَأْنَفٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: "إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ" مَسْحُوبِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "وَالسَّلاسِلُ" بِالنَّصْبِ "يُسْحَبُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَيَسْحَبُونَ السَّلَاسِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ "وَالسَّلَاسِلِ" بِالْجَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، قال الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَنْ قَرَأَ "وَالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ" بِالْخَفْضِ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ وَفِي "السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ "فِي" فَتَقُولَ زَيْدٌ الدَّارِ، وَلَكِنَّ الْخَفْضَ جَائِزٌ. عَلَى مَعْنَى إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَتَخْفِضُ السَّلَاسِلَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَغْلَالِ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ فِي تَأْوِيلِ الْخَفْضِ، كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ فَتَنْصِبُ الْعَاقِلَيْنِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَ صَاحِبَهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ، أنشد الفراء:

قد سالم الحيات منه القدماء ... الأفعون وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا [[الشجعم: الضخم من الحيات.]]

فَنَصَبَ الْأُفْعُوَانَ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِلْحَيَّاتِ إِذَا سَالَمَتِ الْقَدَمَ فَقَدْ سَالَمَتْهَا الْقَدَمُ. فَمَنْ نَصَبَ السَّلَاسِلَ أَوْ خَفَضَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا. "الْحَمِيمِ" لا لمتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. "ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ" أَيْ يُطْرَحُونَ فِيهَا فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ. يُقَالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أَيْ أَوْقَدْتُهُ، وَسَجَرْتُهُ مَلَأْتُهُ، وَمِنْهُ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أَيِ الْمَمْلُوءُ. فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا تُمْلَأُ بِهِمُ النَّارُ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ وَعْلًا:

إِذَا شَاءَ طالع مسجورة ... وترى حَوْلَهَا النَّبْعَ وَالسِّمْسِمَا

أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً. "ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَهَذَا تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ. "قالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أَيْ هَلَكُوا وَذَهَبُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا فِي الْعَذَابِ، مِنْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ خَفِيَ. وَقِيلَ: أَيْ صَارُوا بِحَيْثُ لَا نَجِدُهُمْ. "بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً" أَيْ شَيْئًا لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَلَيْسَ هَذَا إِنْكَارًا لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ كَانَتْ بَاطِلَةً، قَالَ اللَّهُ تعلى: "كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ" أَيْ كَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِضْلَالِ يَفْعَلُ بِكُلِّ كَافِرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكُمْ﴾ أَيْ ذَلِكُمُ الْعَذَابُ "بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ" بِالْمَعَاصِي يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِنَّمَا نَالَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعْصِيَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُمْ بِهَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلرُّسُلِ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا لَا نُبْعَثُ وَلَا نُعَذَّبُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. "وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ" قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: أَيْ تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ. وَقَدْ مَضَى فِي "سُبْحَانَ" [[راجع ج ١٠ ص ٢٦٠ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ السُّرُورُ، وَالْمَرَحُ الْعُدْوَانُ. وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتٍ لَحِمِينَ وَيُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ" [[الحديث في النهاية "إن الله ليبغض أهل البيت اللحمين".]] فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَحِمِينَ: فَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ. وَأَمَّا الْحَبْرُ السَّمِينُ: فَالْمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِعِلْمِهِ النَّاسَ، يَعْنِي الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِينَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً [[الضراوة في قول عمر العادة في النفس الطلابة لأكل اللحم، وهى حال ناشئة عن الاعتياد.]] كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. "ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ" أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذَا تَسْلِيَةٌ للنبي عليه السلام، أي إنا لينتقم لَكَ مِنْهُمْ إِمَّا فِي حَيَاتِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ. "فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وَكَذَا النُّونُ وَزَالَ الْجَزْمُ وَبُنِيَ الْفِعْلُ عَلَى الْفَتْحِ. "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ "فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ" الْجَوَابُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ عَزَّاهُ أَيْضًا بِمَا لَقِيَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ. "مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ" أَيْ أَنْبَأْنَاكَ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا لَقُوا مِنْ قَوْمِهِمْ. "وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ" لا يأتي بها من قبل نفسه وإنما هي من عند اللَّهِ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ "إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ" أَيْ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُسَمَّى لِعَذَابِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ لِإِسْلَامِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ وَلِمَنْ فِي أَصْلَابِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقَتْلِ بِبَدْرٍ. "قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" أَيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْبَاطِلَ والشرك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ﴾ قَالَ أبو إسحاق الزجاج: الأنعام ها هنا الْإِبِلُ. "لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ" فَاحْتَجَّ مَنْ منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي الْأَنْعَامِ: "وَمِنْها تَأْكُلُونَ" وَقَالَ فِي الْخَيْلِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] وَلَمْ يَذْكُرْ إِبَاحَةَ أَكْلِهَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٩٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فِي الْوَبَرِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. "وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ" أَيْ تَحْمِلُ الْأَثْقَالَ وَالْأَسْفَارَ. وَقَدْ مَضَى فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: "وَعَلَيْها" يَعْنِي الْأَنْعَامِ فِي الْبَرِّ "وَعَلَى الْفُلْكِ" فِي الْبَحْرِ "تُحْمَلُونَ.- يُرِيكُمْ آياتِهِ"

أَيْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَقُدْرَتِهِ فيما ذكر."أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ

"نصب" أيا "بِ" تُنْكِرُونَ"، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْفِعْلِ هَاءً لَكَانَ الِاخْتِيَارُ فِي "أَيَّ" الرَّفْعَ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ بِأَلِفٍ أَوْ هَلْ وَكَانَ بَعْدَهُمَا اسْمٌ بَعْدَهُ فِعْلٌ مَعَهُ هَاءٌ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ النَّصْبَ، أَيْ إِذَا كُنْتُمْ لَا تُنْكِرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ اللَّهِ فَلِمَ تنكرون قدرته على البعث والنشر

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ﴾ قَالَ أبو إسحاق الزجاج: الأنعام ها هنا الْإِبِلُ. "لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ" فَاحْتَجَّ مَنْ منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي الْأَنْعَامِ: "وَمِنْها تَأْكُلُونَ" وَقَالَ فِي الْخَيْلِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] وَلَمْ يَذْكُرْ إِبَاحَةَ أَكْلِهَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٩٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فِي الْوَبَرِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. "وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ" أَيْ تَحْمِلُ الْأَثْقَالَ وَالْأَسْفَارَ. وَقَدْ مَضَى فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: "وَعَلَيْها" يَعْنِي الْأَنْعَامِ فِي الْبَرِّ "وَعَلَى الْفُلْكِ" فِي الْبَحْرِ "تُحْمَلُونَ.- يُرِيكُمْ آياتِهِ"

أَيْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَقُدْرَتِهِ فيما ذكر."أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ

"نصب" أيا "بِ" تُنْكِرُونَ"، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْفِعْلِ هَاءً لَكَانَ الِاخْتِيَارُ فِي "أَيَّ" الرَّفْعَ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ بِأَلِفٍ أَوْ هَلْ وَكَانَ بَعْدَهُمَا اسْمٌ بَعْدَهُ فِعْلٌ مَعَهُ هَاءٌ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ النَّصْبَ، أَيْ إِذَا كُنْتُمْ لَا تُنْكِرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ اللَّهِ فَلِمَ تنكرون قدرته على البعث والنشر

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ﴾ قَالَ أبو إسحاق الزجاج: الأنعام ها هنا الْإِبِلُ. "لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ" فَاحْتَجَّ مَنْ منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي الْأَنْعَامِ: "وَمِنْها تَأْكُلُونَ" وَقَالَ فِي الْخَيْلِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] وَلَمْ يَذْكُرْ إِبَاحَةَ أَكْلِهَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٩٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فِي الْوَبَرِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. "وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ" أَيْ تَحْمِلُ الْأَثْقَالَ وَالْأَسْفَارَ. وَقَدْ مَضَى فِي "النَّحْلِ" [[راجع ج ١٠ ص ٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: "وَعَلَيْها" يَعْنِي الْأَنْعَامِ فِي الْبَرِّ "وَعَلَى الْفُلْكِ" فِي الْبَحْرِ "تُحْمَلُونَ.- يُرِيكُمْ آياتِهِ"

أَيْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَقُدْرَتِهِ فيما ذكر."أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ

"نصب" أيا "بِ" تُنْكِرُونَ"، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْفِعْلِ هَاءً لَكَانَ الِاخْتِيَارُ فِي "أَيَّ" الرَّفْعَ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ بِأَلِفٍ أَوْ هَلْ وَكَانَ بَعْدَهُمَا اسْمٌ بَعْدَهُ فِعْلٌ مَعَهُ هَاءٌ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ النَّصْبَ، أَيْ إِذَا كُنْتُمْ لَا تُنْكِرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ اللَّهِ فَلِمَ تنكرون قدرته على البعث والنشر

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى يُشَاهِدُوا آثَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ" عَدَدًا "وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" مِنَ الأبنية والأموال وما أدلوا بِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَتْبَاعِ، يُقَالُ: دَلَوْتُ بِفُلَانٍ إليك أي استشفعت بِهِ إِلَيْكَ. وَعَلَى هَذَا "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقِيلَ: "مَا" للاستفهام أي أي شي أَغْنَى عَنْهُمْ كَسْبُهُمْ حِينَ هَلَكُوا وَلَمْ يَنْصَرِفْ" وَزْنِ أَفْعَلَ. وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَّا أَفْعَلَ مِنْ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ بِوَجْهٍ فِي شِعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا كَانَتْ مَعَهُ مِنْ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَانِعَةَ مِنْ صَرْفِهِ لَوَجَبَ أَلَّا يُقَالَ: مَرَرْتُ بِخَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ [[الزيادة من اعراب القرآن للنحاس.]] وَمِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ. "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُعَذَّبَ وَلَنْ نُبْعَثَ. وَقِيلَ: فَرِحَ الْكُفَّارُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا نَحْوَ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧]. وَقِيلَ: الَّذِينَ فَرِحُوا الرُّسُلُ لَمَّا كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُهْلِكُ الْكَافِرِينَ وَمُنْجِيهِمْ وَالْمُؤْمِنِينَ فَ "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" بِنَجَاةِ الْمُؤْمِنِينَ "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ بِالْكُفَّارِ "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" أَيْ عِقَابُ اسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أَيْ عَايَنُوا الْعَذَابَ. "قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ" أَيْ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي أَشْرَكْنَاهُمْ فِي الْعِبَادَةِ "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ" بِاللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ وَحِينَ رأوا البأس. "سُنَّتَ اللَّهِ" مَصْدَرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: سَنَّ يَسُنُّ سَنًّا وَسُنَّةً، أَيْ سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٩٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] وَ "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٨٤ طبعه أولى أو ثانيه.]] وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ وَحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. وَقِيلَ: أَيِ احْذَرُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ في إهلاك الكفرة ف "سُنَّتَ اللَّهِ" مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ. "وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَدْ كَانُوا خَاسِرِينَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَنَا الْخُسْرَانَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أي "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" كَسُنَّتِنَا فِي جَمِيعِ الْكَافِرِينَ فَ "سُنَّةَ" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَسُنَّةِ الله في الأمم كلها. والله أعلم. ثم تفسير سورة "غافر" والحمد لله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى يُشَاهِدُوا آثَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ" عَدَدًا "وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" مِنَ الأبنية والأموال وما أدلوا بِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَتْبَاعِ، يُقَالُ: دَلَوْتُ بِفُلَانٍ إليك أي استشفعت بِهِ إِلَيْكَ. وَعَلَى هَذَا "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقِيلَ: "مَا" للاستفهام أي أي شي أَغْنَى عَنْهُمْ كَسْبُهُمْ حِينَ هَلَكُوا وَلَمْ يَنْصَرِفْ" وَزْنِ أَفْعَلَ. وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَّا أَفْعَلَ مِنْ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ بِوَجْهٍ فِي شِعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا كَانَتْ مَعَهُ مِنْ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَانِعَةَ مِنْ صَرْفِهِ لَوَجَبَ أَلَّا يُقَالَ: مَرَرْتُ بِخَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ [[الزيادة من اعراب القرآن للنحاس.]] وَمِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ. "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُعَذَّبَ وَلَنْ نُبْعَثَ. وَقِيلَ: فَرِحَ الْكُفَّارُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا نَحْوَ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧]. وَقِيلَ: الَّذِينَ فَرِحُوا الرُّسُلُ لَمَّا كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُهْلِكُ الْكَافِرِينَ وَمُنْجِيهِمْ وَالْمُؤْمِنِينَ فَ "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" بِنَجَاةِ الْمُؤْمِنِينَ "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ بِالْكُفَّارِ "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" أَيْ عِقَابُ اسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أَيْ عَايَنُوا الْعَذَابَ. "قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ" أَيْ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي أَشْرَكْنَاهُمْ فِي الْعِبَادَةِ "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ" بِاللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ وَحِينَ رأوا البأس. "سُنَّتَ اللَّهِ" مَصْدَرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: سَنَّ يَسُنُّ سَنًّا وَسُنَّةً، أَيْ سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٩٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] وَ "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٨٤ طبعه أولى أو ثانيه.]] وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ وَحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. وَقِيلَ: أَيِ احْذَرُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ في إهلاك الكفرة ف "سُنَّتَ اللَّهِ" مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ. "وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَدْ كَانُوا خَاسِرِينَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَنَا الْخُسْرَانَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أي "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" كَسُنَّتِنَا فِي جَمِيعِ الْكَافِرِينَ فَ "سُنَّةَ" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَسُنَّةِ الله في الأمم كلها. والله أعلم. ثم تفسير سورة "غافر" والحمد لله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى يُشَاهِدُوا آثَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ" عَدَدًا "وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" مِنَ الأبنية والأموال وما أدلوا بِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَتْبَاعِ، يُقَالُ: دَلَوْتُ بِفُلَانٍ إليك أي استشفعت بِهِ إِلَيْكَ. وَعَلَى هَذَا "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقِيلَ: "مَا" للاستفهام أي أي شي أَغْنَى عَنْهُمْ كَسْبُهُمْ حِينَ هَلَكُوا وَلَمْ يَنْصَرِفْ" وَزْنِ أَفْعَلَ. وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَّا أَفْعَلَ مِنْ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ بِوَجْهٍ فِي شِعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا كَانَتْ مَعَهُ مِنْ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَانِعَةَ مِنْ صَرْفِهِ لَوَجَبَ أَلَّا يُقَالَ: مَرَرْتُ بِخَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ [[الزيادة من اعراب القرآن للنحاس.]] وَمِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ. "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُعَذَّبَ وَلَنْ نُبْعَثَ. وَقِيلَ: فَرِحَ الْكُفَّارُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا نَحْوَ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧]. وَقِيلَ: الَّذِينَ فَرِحُوا الرُّسُلُ لَمَّا كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُهْلِكُ الْكَافِرِينَ وَمُنْجِيهِمْ وَالْمُؤْمِنِينَ فَ "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" بِنَجَاةِ الْمُؤْمِنِينَ "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ بِالْكُفَّارِ "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" أَيْ عِقَابُ اسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أَيْ عَايَنُوا الْعَذَابَ. "قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ" أَيْ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي أَشْرَكْنَاهُمْ فِي الْعِبَادَةِ "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ" بِاللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ وَحِينَ رأوا البأس. "سُنَّتَ اللَّهِ" مَصْدَرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: سَنَّ يَسُنُّ سَنًّا وَسُنَّةً، أَيْ سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٩٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] وَ "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٨٤ طبعه أولى أو ثانيه.]] وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ وَحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. وَقِيلَ: أَيِ احْذَرُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ في إهلاك الكفرة ف "سُنَّتَ اللَّهِ" مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ. "وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَدْ كَانُوا خَاسِرِينَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَنَا الْخُسْرَانَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أي "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" كَسُنَّتِنَا فِي جَمِيعِ الْكَافِرِينَ فَ "سُنَّةَ" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَسُنَّةِ الله في الأمم كلها. والله أعلم. ثم تفسير سورة "غافر" والحمد لله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى يُشَاهِدُوا آثَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ" عَدَدًا "وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" مِنَ الأبنية والأموال وما أدلوا بِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَتْبَاعِ، يُقَالُ: دَلَوْتُ بِفُلَانٍ إليك أي استشفعت بِهِ إِلَيْكَ. وَعَلَى هَذَا "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقِيلَ: "مَا" للاستفهام أي أي شي أَغْنَى عَنْهُمْ كَسْبُهُمْ حِينَ هَلَكُوا وَلَمْ يَنْصَرِفْ" وَزْنِ أَفْعَلَ. وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَّا أَفْعَلَ مِنْ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ بِوَجْهٍ فِي شِعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا كَانَتْ مَعَهُ مِنْ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَانِعَةَ مِنْ صَرْفِهِ لَوَجَبَ أَلَّا يُقَالَ: مَرَرْتُ بِخَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ [[الزيادة من اعراب القرآن للنحاس.]] وَمِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ. "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُعَذَّبَ وَلَنْ نُبْعَثَ. وَقِيلَ: فَرِحَ الْكُفَّارُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا نَحْوَ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧]. وَقِيلَ: الَّذِينَ فَرِحُوا الرُّسُلُ لَمَّا كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُهْلِكُ الْكَافِرِينَ وَمُنْجِيهِمْ وَالْمُؤْمِنِينَ فَ "فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" بِنَجَاةِ الْمُؤْمِنِينَ "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ بِالْكُفَّارِ "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ" أَيْ عِقَابُ اسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أَيْ عَايَنُوا الْعَذَابَ. "قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ" أَيْ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي أَشْرَكْنَاهُمْ فِي الْعِبَادَةِ "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ" بِاللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ وَحِينَ رأوا البأس. "سُنَّتَ اللَّهِ" مَصْدَرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: سَنَّ يَسُنُّ سَنًّا وَسُنَّةً، أَيْ سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ إِذَا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٩٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] وَ "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٨٤ طبعه أولى أو ثانيه.]] وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ وَحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. وَقِيلَ: أَيِ احْذَرُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ في إهلاك الكفرة ف "سُنَّتَ اللَّهِ" مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ. "وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَدْ كَانُوا خَاسِرِينَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَنَا الْخُسْرَانَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أي "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" كَسُنَّتِنَا فِي جَمِيعِ الْكَافِرِينَ فَ "سُنَّةَ" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَسُنَّةِ الله في الأمم كلها. والله أعلم. ثم تفسير سورة "غافر" والحمد لله.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com