John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Muhammad

Tafseer Al Qurtubi · Muhammad · 38 ayat · ayat 31–38 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أَيْ نَتَعَبَّدَكُمْ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ عَلِمْنَا عَوَاقِبَ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: لَنُعَامِلَنَّكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبَرِينَ. "حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ" عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "حَتَّى نَعْلَمَ" حَتَّى نُمَيِّزَ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "حَتَّى نَعْلَمَ" حتى نرى. وقد مضى في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٥٦ طبعه ثانية.]]. وقراءة العامة بالنون في "لَنَبْلُوَنَّكُمْ" و "نَعْلَمَ" "ونبلوا". وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ فِيهِنَّ. وَرَوَى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ إِسْكَانَ الْوَاوِ مِنْ "نَبْلُو" عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا قَبْلُ. وَنَصَبَ الْبَاقُونَ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: "حَتَّى نَعْلَمَ". وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْجَزَاءُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِمْ. فَتَأْوِيلُهُ: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ عِلْمَ شَهَادَةٍ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِالْعَمَلِ يَشْهَدُ مِنْهُمْ مَا عَمِلُوا، فَالْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَقَعُ عَلَى عِلْمِ الشَّهَادَةِ. "وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ" نَخْتَبِرُهَا وَنُظْهِرُهَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.

يَرْجِعُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَوْ إِلَى الْيَهُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. نَظِيرُهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] الْآيَةَ [[آية ٣٦ سورة الأنفال.]]. "وَشَاقُّوا الرَّسُولَ" أَيْ عَادَوْهُ وَخَالَفُوهُ. "مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى " أَيْ عَلِمُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ بِالْحُجَجِ وَالْآيَاتِ. "لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً" بِكُفْرِهِمْ. "وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ" أَيْ ثَوَابَ مَا عملوه.

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْكُفَّارِ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ فِي أَوَامِرِهِ وَالرَّسُولِ فِي سُنَنِهِ. "وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ" أَيْ حَسَنَاتِكُمْ بِالْمَعَاصِي، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: بِالْكَبَائِرِ. ابْنُ جريج: بالرياء والسمعة.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالثُّمَالِيُّ: بِالْمَنِّ، وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ يَمُنُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْلَامِهِ. وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ يَجْمَعُهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُحْبِطُ الطَّاعَاتِ، وَالْمَعَاصِي تُخْرِجُ عَنِ الْإِيمَانِ. الثَّانِيَةُ- احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ التَّطَوُّعِ- صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا- بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الْعَمَلِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ- وَهُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ-: الْمُرَادُ بِذَلِكَ إِبْطَالُ ثَوَابِ الْعَمَلِ الْمَفْرُوضِ، فَنَهَى الرَّجُلَ عَنْ إِحْبَاطِ ثَوَابِهِ. فَأَمَّا مَا كَانَ نَفْلًا فَلَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ. فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَالْعَامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ. وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ أَنَّ النَّفْلَ تَطَوُّعٌ، وَالتَّطَوُّعُ يَقْتَضِي تَخْيِيرًا. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ ذَنْبٌ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَافُوا الْكَبَائِرَ أَنْ تُحْبِطَ الْأَعْمَالَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا عَصَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدْ أبطلتم أعمالكم.

بَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ يُوجِبُ الْخُلُودُ فِي النَّارِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْكَلَامُ [[راجع ج ٣ ص (٤٨)]] فِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ أصحاب القليب [[المراد به قليب بدر.]]. وحكمها عام.

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ تَضْعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ. وَالْوَهَنُ: الضَّعْفُ وَقَدْ وَهَنَ الْإِنْسَانُ وَوَهَنَهُ غَيْرُهُ، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. قَالَ:

إنني لست بموهون فقر [[هذا عجز بيت لطرفة، وصدره:

وإذا تلسنني ألسنها]] ووهن أيضا (بالكسر) وهنا أي ضعف، وقرى "فَما وَهَنُوا" بِضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي (آلِ عِمْرَانَ) [[راجع ج ٤ ص (٢٣٠)]]. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أَيِ الصُّلْحَ. "وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ" أَيْ وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فِي الْحُجَّةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَأَنْتُمُ الْغَالِبُونَ لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي الظَّاهِرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا تَكُونُوا أَوَّلَ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إِلَى صَاحِبَتِهَا. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾[[آية ٦١ سورة الأنفال]] [الأنفال: ٦١]، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الصُّلْحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى الصُّلْحِ. وَقِيلَ: مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها". وَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ. وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحَالِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها" مَخْصُوصٌ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأُخْرَى عَامَّةٌ. فَلَا يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ إِذَا عَجَزْنَا عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٨ ص ٦٩]]. "وَاللَّهُ مَعَكُمْ" أَيْ بِالنَّصْرِ والمعونة، مثل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[[٣٩ سورة العنكبوت.]] [العنكبوت: ٦٩] "وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ" أَيْ لَنْ يُنْقِصَكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُ الْمَوْتُورُ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ، تَقُولُ مِنْهُ: وَتَرَهُ يَتِرُهُ وَتْرًا وَتِرَةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:] مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ [أَيْ ذَهَبَ بِهِمَا. وَكَذَلِكَ وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أَيْ لَنْ يَنْتَقِصَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ، كَمَا تَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَيْتَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ فِي الْبَيْتِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. الْفَرَّاءُ: "وَلَنْ يَتِرَكُمْ" هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَتْرِ وَهُوَ الْفَرْدُ، فَكَانَ الْمَعْنَى وَلَنْ يفردكم بغير ثواب.

قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ" تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٦ ص (٤١٤)]]. "وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ" شرط وجوابه. "وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" أَيْ لَا يَأْمُرُكُمْ بِإِخْرَاجِ جَمِيعِهَا فِي الزَّكَاةِ، بَلْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ، قَالَهُ ابْنُ عيينة وغيره. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ لِيَرْجِعَ ثَوَابُهُ إِلَيْكُمْ. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" إِنَّمَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَهُ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهَا وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِإِعْطَائِهَا. وَقِيلَ: وَلَا يَسْأَلْكُمْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَكُمْ أَجْرًا عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. نَظِيرُهُ ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[[آية ٥٧ سورة الفرقان.]] [الفرقان: ٥٧] الآية. "إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ" يُلِحُّ عَلَيْكُمْ، يُقَالُ: أَحْفَى بِالْمَسْأَلَةِ وَأَلْحَفَ وَأَلَحَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالْحَفِيُّ الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَالِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْفَاءُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَازَعَةُ. وَمِنْهُ أَحْفَى شَارِبَهُ أَيِ اسْتَقْصَى فِي أَخْذِهِ. "تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ" أَيْ يُخْرِجُ الْبُخْلُ أَضْغَانَكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي سُؤَالِ الْمَالِ خُرُوجَ الْأَضْغَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "وَتَخْرُجُ" بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ. "أَضْغانَكُمْ" بِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِ الْفَاعِلَ. وَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ "وَنُخْرِجُ" بِالنُّونِ. وَأَبُو مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو "وَيُخْرِجُ" بِالرَّفْعِ فِي الْجِيمِ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ "وَيُخْرِجُ" كَسَائِرِ الْقُرَّاءِ، عَطْفٌ عَلَى مَا تقدم.

قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ" تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٦ ص (٤١٤)]]. "وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ" شرط وجوابه. "وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" أَيْ لَا يَأْمُرُكُمْ بِإِخْرَاجِ جَمِيعِهَا فِي الزَّكَاةِ، بَلْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ، قَالَهُ ابْنُ عيينة وغيره. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ لِيَرْجِعَ ثَوَابُهُ إِلَيْكُمْ. وقيل: "لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ" إِنَّمَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَهُ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهَا وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِإِعْطَائِهَا. وَقِيلَ: وَلَا يَسْأَلْكُمْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَكُمْ أَجْرًا عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. نَظِيرُهُ ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[[آية ٥٧ سورة الفرقان.]] [الفرقان: ٥٧] الآية. "إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ" يُلِحُّ عَلَيْكُمْ، يُقَالُ: أَحْفَى بِالْمَسْأَلَةِ وَأَلْحَفَ وَأَلَحَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالْحَفِيُّ الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَالِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْفَاءُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَازَعَةُ. وَمِنْهُ أَحْفَى شَارِبَهُ أَيِ اسْتَقْصَى فِي أَخْذِهِ. "تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ" أَيْ يُخْرِجُ الْبُخْلُ أَضْغَانَكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي سُؤَالِ الْمَالِ خُرُوجَ الْأَضْغَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "وَتَخْرُجُ" بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ. "أَضْغانَكُمْ" بِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِ الْفَاعِلَ. وَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ "وَنُخْرِجُ" بِالنُّونِ. وَأَبُو مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو "وَيُخْرِجُ" بِالرَّفْعِ فِي الْجِيمِ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ "وَيُخْرِجُ" كَسَائِرِ الْقُرَّاءِ، عَطْفٌ عَلَى مَا تقدم.

قوله تعالى: "ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ" أي هأنتم هؤلاء أيها المؤمنون تُدْعَوْنَ "لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجِهَادِ وَطَرِيقِ الْخَيْرِ. "فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ" أَيْ عَلَى نَفْسِهِ، أَيْ يَمْنَعُهَا الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ. "وَاللَّهُ الْغَنِيُّ" أَيْ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَمْوَالِكُمْ. "وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ" إِلَيْهَا [[لفظة: إليها ساقطة من ل.

.]]. "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ" أَيْ أَطْوَعَ لِلَّهِ مِنْكُمْ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةُ "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ" قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ:] هَذَا وَقَوْمُهُ. هَذَا وَقَوْمُهُ [قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هريرة قال: قال أناس مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخِذَ سَلْمَانَ، قَالَ:] هَذَا وَأَصْحَابُهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ [. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْعَجَمُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ. قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: فَلَا أحد بعد العرب مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْأَعَاجِمِ أَحْسَنُ دِينًا، وَلَا كَانَتِ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ إِلَّا الْفُرْسُ. وَقِيلَ: إِنَّهُمُ الْيَمَنُ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ، قَالَهُ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْأَنْصَارُ. وَعَنْهُ أَنَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ. وَعَنْهُ هُمُ التَّابِعُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُمْ مَنْ شَاءَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. "ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ" قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ فِي الْبُخْلِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَرِحَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ:] هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا [. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com