Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi
Surah Al-Baqara
Tafseer Al-Baghawi · The Cow · 286 ayat · ayat 181–210 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ أَيْ غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ فِي الْأَوْصِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الشُّهُودِ ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي بعد ما سَمِعَ قَوْلَ الْمُوصِي، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْكِنَايَةَ مَعَ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ مُؤَنَّثَةً، وَقِيلَ الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِيصَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢٧٥-الْبَقَرَةِ) رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْوَعْظِ ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ وَالْمَيِّتُ بَرِيءٌ مِنْهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي ﴿عَلِيمٌ﴾ بِتَبْدِيلِ الْمُبَدِّلِ، أَوْ سَمِيعٌ لِوَصِيَّتِهِ عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أَيْ عَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢٢٩-الْبَقَرَةِ) أَيْ عَلِمْتُمْ ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (١٣-الشُّورَى) ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (٨-الْعَنْكَبُوتِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١١-النِّسَاءِ) ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١٢-النِّسَاءِ) ﴿جَنَفًا﴾ أَيْ جَوْرًا وَعُدُولًا عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَنَفُ: الْمَيْلُ ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أَيْ ظُلْمًا، قَالَ السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: الْجَنَفُ الْخَطَأُ وَالْإِثْمُ الْعَمْدُ ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي فَرَآهُ يَمِيلُ إِمَّا بِتَقْصِيرٍ أَوْ إِسْرَافٍ، أَوْ وَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْجَنَفِ فَيَنْظُرُ لِلْمُوصَى وَلِلْوَرَثَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ الْمَيِّتُ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ وَالِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصْلِحَ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَيَرُدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَيْ: فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال طاووس: جَنَفَةٌ تَوْلِيجَةٌ، وَهُوَ أَنْ يُوصِيَ لِبَنِي بَنِيهِ يُرِيدُ ابْنَهُ وَلِوَلَدِ ابْنَتِهِ وَلِزَوْجِ ابْنَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ ابْنَتَهُ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ يُمْضُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فمن بدله بعد ما سَمِعَهُ﴾ الْآيَةَ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ الْمَالَ كُلَّهُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُصْلِحَ فَانْتَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَفَرَضَ الْفَرَائِضَ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ" ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [[أخرجه أبو داود في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: ٢ / ٩٠٢. والترمذي: في الوصايا - باب ما جاء في الوصية بالثلث: ٦ / ٣٠٤ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. والمصنف في شرح السنة: ٥ / ٢٨٦. وأخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: ٢ / ٩٠٢. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ١٤ / ١٦٣ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح، ورواية ابن ماجه كرواية المسند.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أَيْ فُرِضَ وَأُوجِبَ، وَالصَّوْمُ وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ كَبِدَ السَّمَاءِ وَقَفَتْ وَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ سُوَيْعَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢٦-مَرْيَمَ) أَيْ صَمْتًا لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ الصَّوْمُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ [[انظر: تفسير الطبري: ٣ / ٤١٠ وما بعدها.]] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ صَوْمُ مَنْ قَبَلْنَا مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا فَصَارَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمُ اشْتَكَى فَمَهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ وَجَعِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ. أُسْبُوعًا فَبَرِئَ فَزَادَ فِيهِ أُسْبُوعًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: أَتِمُّوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَابَهُمْ مَوْتَانِ، فَقَالُوا زِيدُوا فِي صِيَامِكُمْ فَزَادُوا عَشْرًا قَبْلُ وَعَشْرًا بَعْدُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَيُقَالُ مِنْ شَعْبَانَ وَيُقَالُ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْقَرْنُ الْآخَرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي بِالصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: لَعَلَّكُمْ تَحْذَرُونَ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أَيْ عَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢٢٩-الْبَقَرَةِ) أَيْ عَلِمْتُمْ ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (١٣-الشُّورَى) ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (٨-الْعَنْكَبُوتِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١١-النِّسَاءِ) ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١٢-النِّسَاءِ) ﴿جَنَفًا﴾ أَيْ جَوْرًا وَعُدُولًا عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَنَفُ: الْمَيْلُ ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أَيْ ظُلْمًا، قَالَ السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: الْجَنَفُ الْخَطَأُ وَالْإِثْمُ الْعَمْدُ ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي فَرَآهُ يَمِيلُ إِمَّا بِتَقْصِيرٍ أَوْ إِسْرَافٍ، أَوْ وَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْجَنَفِ فَيَنْظُرُ لِلْمُوصَى وَلِلْوَرَثَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ الْمَيِّتُ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ وَالِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصْلِحَ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَيَرُدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَيْ: فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال طاووس: جَنَفَةٌ تَوْلِيجَةٌ، وَهُوَ أَنْ يُوصِيَ لِبَنِي بَنِيهِ يُرِيدُ ابْنَهُ وَلِوَلَدِ ابْنَتِهِ وَلِزَوْجِ ابْنَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ ابْنَتَهُ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ يُمْضُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فمن بدله بعد ما سَمِعَهُ﴾ الْآيَةَ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ الْمَالَ كُلَّهُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُصْلِحَ فَانْتَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَفَرَضَ الْفَرَائِضَ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ" ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [[أخرجه أبو داود في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: ٢ / ٩٠٢. والترمذي: في الوصايا - باب ما جاء في الوصية بالثلث: ٦ / ٣٠٤ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. والمصنف في شرح السنة: ٥ / ٢٨٦. وأخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: ٢ / ٩٠٢. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ١٤ / ١٦٣ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح، ورواية ابن ماجه كرواية المسند.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أَيْ فُرِضَ وَأُوجِبَ، وَالصَّوْمُ وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ كَبِدَ السَّمَاءِ وَقَفَتْ وَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ سُوَيْعَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢٦-مَرْيَمَ) أَيْ صَمْتًا لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ الصَّوْمُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ [[انظر: تفسير الطبري: ٣ / ٤١٠ وما بعدها.]] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ صَوْمُ مَنْ قَبَلْنَا مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا فَصَارَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمُ اشْتَكَى فَمَهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ وَجَعِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ. أُسْبُوعًا فَبَرِئَ فَزَادَ فِيهِ أُسْبُوعًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: أَتِمُّوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَابَهُمْ مَوْتَانِ، فَقَالُوا زِيدُوا فِي صِيَامِكُمْ فَزَادُوا عَشْرًا قَبْلُ وَعَشْرًا بَعْدُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَيُقَالُ مِنْ شَعْبَانَ وَيُقَالُ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْقَرْنُ الْآخَرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي بِالصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: لَعَلَّكُمْ تَحْذَرُونَ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ قِيلَ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَاجِبًا، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَصَامُوا كَذَلِكَ مِنَ الرَّبِيعِ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَالصَّوْمِ، وَيُقَالُ: نَزَلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَأَيَّامٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الجمعة لسبع عشر لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَازِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ" [[أخرجه البخاري في الصيام - باب: صوم يوم عاشوراء ٤ / ١٠٢. وفي الحج. وفي فضائل الصحابة، وفي التفسير. ومسلم: في الصيام - باب صوم يوم عاشوراء برقم (١١٢٥) ٢ / ٧٩٢. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢١٢.]] .
وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَنَصَبَ أَيَّامًا عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَقِيلَ: عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى هُوَ خَبَرُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَالْعَدَدُ وَالْعِدَّةُ وَاحِدٌ ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَيْ غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ، وَأُخَرُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ فَلِذَلِكَ نُصِبَتْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَحُكْمِهَا فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَصُومُوا وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرُوا وَيَفْدُوا، خَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ، ثُمَّ نَسَخَ التَّخْيِيرَ وَنَزَلَتِ الْعَزِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي حق الشيخ ٢٥/ب الْكَبِيرِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ رُخِّصَ لَهُ فِي أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ ثُمَّ نُسِخَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلصَّوْمِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
وَثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ لِلَّذِينِ لَا يُطِيقُونَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ فِي حَالِ الشَّبَابِ فَعَجَزُوا عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ فَعَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ بَدَلَ الصَّوْمِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ فَهُمْ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ وَلَا يُطِيقُونَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَيُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَعَلَ الْآيَةَ مُحْكَمَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مُضَافًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَائِدَةِ: "كَفَّارَةٌ طَعَامُ" أَضَافَ الْفِدْيَةَ إِلَى الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٩-ق) وَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: فِدْيَةٌ وَكَفَّارَةٌ مُنَوَّنَةً، طَعَامُ رُفِعَ وَقَرَأَ مَسَاكِينَ بِالْجَمْعِ هُنَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ جَمَعَ نَصَبَ النُّونَ وَمَنْ وَحَّدَ خَفَضَ النُّونَ وَنَوَّنَهَا، وَالْفِدْيَةُ: الْجَزَاءُ، وَيَجِبُ أَنْ يُطْعِمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الْقَمْحِ أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يَوْمَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ عَشَاءَهُ وَسَحُورَهُ.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أَيْ زَادَ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَأَطْعَمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَهُ مجاهد وعطاء وطاووس، وَقِيلَ: مَنْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَأَعْطَى صَاعًا وَعَلَيْهِ مُدٌّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ قَالَ مَعْنَاهُ الصَّوْمُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْفِدْيَةِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِمُؤْمِنٍ مُكَلَّفٍ فِي إِفْطَارِ رَمَضَانَ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: أَحَدُهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالثَّانِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّالِثُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ [[استعمل الكفارة هنا بمعنى الفدية كما جاء في السياق، وإلا فإن الكفارة تجب على من أفسد صومه في رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم.]] أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ وَعَلَيْهِمَا مَعَ الْقَضَاءِ الْفِدْيَةُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ.
وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ فَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ [[انظر: تفسير القرطبي: ٢ / ٢٨٨-٢٨٩، أحكام القرآن للجصاص: ١ / ٢١٨-٢٢٨.]]
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَيَّامَ الصِّيَامِ فَقَالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ رَفْعُهُ عَلَى مَعْنَى هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ، وَأَمَّا رَمَضَانُ فَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا يُقَالُ شَهْرُ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ سُمِّيَ بِهِ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ وَهُمْ كَانُوا يَصُومُونَهُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ فَكَانَتْ تُرَمَّضُ فِيهِ الْحِجَارَةُ فِي الْحَرَارَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ سُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ وَالْآيَ وَالْحُرُوفَ وَجُمِعَ فِيهِ الْقَصَصُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ.
وَأَصْلُ الْقَرْءِ الْجَمْعُ وَقَدْ يُحْذَفُ الْهَمْزُ مِنْهُ فَيُقَالُ، قَرَيْتَ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: الْقُرَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الشَّافِعِيُّ وَيَقُولُ لَيْسَ هُوَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَرُوِيَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١-الْقَدْرِ) ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣-الدُّخَانِ) وَقَدْ نَزَلَ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ (١٠٦-الْإِسْرَاءِ) فَقَالَ أُنْزِلُ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥-الْوَاقِعَةِ) قَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أَمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ جَبْرَائِيلُ كَانَ يُعَارِضُ مُحَمَّدًا ﷺ فِي رَمَضَانَ مَا نَزَلَ إِلَيْهِ فَيُحْكِمُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، وَيُنْسِيهِ مَا يَشَاءُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴾أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَيُرْوَى فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ زَبُورُ دَاوُدَ فِي ثَمَانِ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ بَعْدَهَا [[رواه أحمد ٤ / ١٠٧ عن واثلة بن الأسقع. انظر مسند الشاميين من مسند الإمام أحمد تحقيق على محمد جماز ١ / ٢٠١ وفيه عمران بن داور - بفتح الواو وبعدها راء - أبو العوام، القطان البصري صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج من السابعة (التقريب) . رواه الطبراني والبيهقي في الشعب (انظر فيض القدير: ٣ / ٥٧) ، وذكره ابن حجر في المطالب العالية: ٣ / ٢٨٦ من رواية أبي يعلى عن جابر، وقال: هذا مقلوب، وإنما هو عن واثلة، فيحرر.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَهُدًى فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْرِفَةٌ وَهُدًى نَكِرَةٌ ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أَيْ دَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ أَيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أَيْ فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحَضَرِ فَأَدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ، رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِهِ قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أَيِ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْهُ أَيِ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْ مَا شَهِدَ مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا يأخذون بالأحدث فلأحدث مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[رواه البخاري: في الصوم - باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر ٤ / ١٨٠ وفي الجهاد والمغازي. ومسلم في الصيام - باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (١١١٣) ٢ / ٧٨٤. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣١٠.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَبَاحَ الْفِطْرَ لِعُذْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَأَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِي النَّاسِخِ ثُبُوتَهُ فِي الْمَنْسُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ طَرِيفُ بْنُ تَمَّامٍ الْعُطَارِدِيُّ دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ: إِنَّهُ وُجِعَتْ أُصْبُعِي هَذِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصلاة قاعدأ ٢٦/أوَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ يُخَافُ مَعَهُ مِنَ الصَّوْمِ زِيَادَةُ عِلَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ إِذَا أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَفْطَرَ وَإِنْ لَمْ يُجْهِدْهُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ. وَأَمَّا السَّفَرُ، فَالْفِطْرُ فِيهِ مُبَاحٌ وَالصَّوْمُ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَمَنْ صَامَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" [[سيأتي ص ١٨٩.]] وَذَلِكَ عِنْدَ الْآخَرِينَ فِي حَقِّ مَنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالُوا هَذَا صَائِمٌ، فَقَالَ "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر ٤ / ١٨٣. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر برقم (١١١٥) ٢ / ٧٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٠٨.]] .
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ مَا حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُمَيَّةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضا ٤ / ١٨٦. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (١١١٦، ١١١٨) ٢ / ٧٨٦-٧٨٧. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٠٦-٣٠٧.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَنَسٍ وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرُهُمَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَنْ أَصْبَحَ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، أَمَّا الْمُسَافِرُ إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِالِاتِّفَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" [[رواه مسلم: في الصيام - باب جواز الصيام والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (١١١٤) ٢ / ٧٨٥. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣١١، والشافعي في المسند: ١ / ٢٦٨-٢٦٩.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْعُسْرَ وَالْيُسْرَ وَنَحْوَهُمَا بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالسُّكُونِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا خُيِّرَ رَجُلٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣-الْمَائِدَةِ) وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَاوُ النَّسَقِ، وَاللَّامُ لَامُ كَيْ، تَقْدِيرُهُ: وَيُرِيدُ لِكَيْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَيْ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ أَيَّامِ الشَّهْرِ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرْتُمْ فِي مَرَضِكُمْ وَسَفَرِكُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أَيْ عَدَدَ أَيَّامِ الشَّهْرِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي ﷺ إذا رأيتم الهلال فصوموا ... ٤ / ١١٩. وفي الطلاق. ومسلم: في الصيام - باب جوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم (١٠٨٠) ٢ / ٧٥٩. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢٢٨، والشافعي في المسند: ١ / ٢٧٢.]] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ ابن أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا" [[المصنف في شرح السنة: ٦ / ٢٣٧ وهو ملفق من حديثين عند البخاري ومسلم (انظر: البخاري في الصوم) ٤ / ١١٩، ١٢٧، ١٢٨ ومسلم: في الصيام: برقم (١٠٨٢، ١١٨٨) ٢ / ٧٦٢، ٧٦٥.]] .
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أَرْشَدَكُمْ إِلَى مَا رَضِيَ بِهِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَصَّكُمْ بِهِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ تَكْبِيرَاتُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، وَشَبَّهَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ حَاجًّا فَذِكْرُهُ التَّلْبِيَةُ.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَثَوَابِ الصَّائِمِينَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِيِّ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سَهْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الصوم: باب هل يقال رمضان ... ٤ / ١١٢ وفي بدء الخلق. ومسلم: في الصيام: باب فضل شهر رمضان برقم (١٠٧٩) ٢ / ٧٥٨. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢١٥.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" [[رواه الترمذي: في الصوم - باب ما جاء في فضل شهر رمضان ٣ / ٣٥٩-٣٦٠. وابن ماجه: في الصيام - باب ما جاء في فضل شهر رمضان برقم (١٦٤٢) ١ / ٥٢٦. والحاكم: ١ / ٤٢١ ورجاله ثقات إلا أن أبا بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه وله شاهد بتقوى به من حديث عطاء بن السائب عن عرفجه. وأحمد: ٤ / ٣١١-٣١٢ و٥ / ٤١١ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. والنسائي: ٤ / ١٣٠ وابن خزيمة: ٣ / ١٨٨. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢١٥.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَوْفَانِيُّ الْهَرَوِيُّ بِهَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ التُّجِيبِيُّ الْمِصْرِيُّ بِهَا الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّحَّاسِ [[يوجد بعض الأخطاء في السند تم تصحيحها من شرح السنة.]] قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكُمْ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ؟ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[رواه البخاري: في التراويح - باب: من صام رمضان إيمانا واحتسابا ٤ / ١١٥ وفي التعبير. مسلم: في صلاة المسافرين - باب: الترغيب في قيام رمضان برقم (٧٦٠) ١ / ٥٢٤. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢١٧.]] .
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نِزَارٍ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسَدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْعَنَزِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسٍ السَّعْدِيُّ أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب ٢٦/ب عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ -وَفِي رِوَايَةٍ قَدْ أَطَلَّكُمْ بِالطَّاءِ -أَطَلَّ: أَشْرَفَ، شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهَرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، شَهْرٌ جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ -أَيِ الْمُسَاهَمَةِ -وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ الرِّزْقُ وَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا، أَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ" [[أخرجه ابن خزيمة: ٣ / ١٩١-١٩٢ في الصوم - باب فضل شهر رمضان وقال فيه: إن صح الخبر، وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف (التقريب - ميزان الاعتدال) وذكره والمنذري في الترغيب: ٢ / ٩٤-٩٥ وقال: رواه ابن خزيمة في صحيحه.. ورواه من طريقه البيهقي، ورواه أبو الشيخ وابن حبان في الثواب باختصار عنهما.]] .
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ الصَّائِمُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيْهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب: فضل الصوم: ٤ / ١٠٣ وفي اللباس وفي التوحيد. ومسلم: في الصيام - باب: فضل الصوم برقم (١١٥١) ٢ / ٨٠٦. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢٢١.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب: الريان للصائمين ٤ / ١١١. ومسلم: في الصيام - باب فضل الصوم برقم (١١٥٢) ٢ / ٨٠٨. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢١٩-٢٢٠.]] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ فَيُشَفَّعَانِ" [[أخرجه الحاكم في المستدرك: ١ / ٥٥٤. قال المنذري رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٨٤.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ يَهُودُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنَا دُعَاءَنَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَإِنَّ غِلَظَ كُلِّ سَمَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَأَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بِعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [[لم نقف على الراوية الأولى ولكن في سندها الكلبي وهو كذاب (التقريب) . وأما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال: جاء رجل ... فأنزل الله (وإذا سألك عبادي عني) الدر المنثور: ١ / ٤٦٩.]] وَفِيهِ إِضْمَارٌ كَأَنَّهُ قَالَ: فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ كَمَا قَالَ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦-ق) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ" [[رواه البخاري، في التوحيد - باب: وكان الله سميعا بصيرا ١٣ / ٣٧٢. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب استحباب خفض الصوت بالذكر برقم (٤٧٠٤) ٤ / ٢٠٧٦.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غَيْرُ قَالُونَ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهِمَا فِي الْوَصْلِ، وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي إِثْبَاتِ الْيَاءَاتِ الْمَحْذُوفَةِ مِنَ الْخَطِّ وَحَذْفِهَا فِي التِّلَاوَةِ، وَيُثْبِتُ يَعْقُوبُ جَمِيعَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي الْخَطِّ وَصْلًا وَوَقْفًا ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ قِيلَ: الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ، أَيْ: فَلْيُجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ، وَالْإِجَابَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ وَإِعْطَاءُ مَا سُئِلَ فَالْإِجَابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْعَطَاءُ، وَمِنَ الْعَبْدِ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أَيْ لِيَسْتَدْعُوا مِنِّي الْإِجَابَةَ، وَحَقِيقَتُهُ فَلْيُطِيعُونِي ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لِكَيْ يَهْتَدُوا، فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَقَدْ يُدْعَى كَثِيرًا فَلَا يُجِيبُ؟ قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَتَيْنِ قِيلَ معنى الدعاء ههنا الطَّاعَةُ، وَمَعْنَى الْإِجَابَةِ الثَّوَابُ، وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ خَاصٌّ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُمَا عَامًّا، تَقْدِيرُهُمَا: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إِنْ شِئْتُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٤١-الْأَنْعَامِ) أَوْ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِنْ وَافَقَ الْقَضَاءَ أَوْ: أُجِيبُهُ إِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ خَيْرًا لَهُ أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ لَمْ يَسْأَلْ مُحَالًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلْ" قَالُوا وَمَا الِاسْتِعْجَالُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ، قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ، فَلَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدَعُ الدُّعَاءَ" [[رواه البخاري مختصرا في الدعوات - باب: يستجاب للعبد ما لم يستعجل: ١١ / ١٤٠. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل برقم (٢٧٣٥) ٤ / ٢٠٩٥ واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: ٥ / ١٩٠.]] .
وَقِيلَ هُوَ عَامٌّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿أُجِيبُ﴾ أَيْ أَسْمَعُ، وَيُقَالُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، فَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمُنْيَةِ فَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِيهَا، وَقَدْ يُجِيبُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ، وَالْوَالِدُ وَلَدَهُ ثُمَّ لَا يُعْطِيهِ سُؤْلَهُ فَالْإِجَابَةُ كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ حُصُولِ الدَّعْوَةِ، وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُخَيِّبُ دُعَاءَهُ، فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ مَا سَأَلَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ لَهُ ادَّخَرَ لَهُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ كَفَّ عَنْهُ بِهِ سُوءًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ، اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" [[رواه الترمذي: في الدعوات - باب: في انتظار الفرج عن جابر: ١٠ / ٢٤ وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. والحاكم: ١ / ٤٩٣ وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: ٣ / ١٨ عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: ٥ / ١٨٦.]] وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ فِي الوقت ويؤخر ٢٧/أإِعْطَاءَ مُرَادِهِ لِيَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ صَوْتَهُ وَيُعَجِّلُ إِعْطَاءَ مَنْ لَا يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ يَبْغَضُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا وَشَرَائِطَ وَهِيَ أَسْبَابُ الْإِجَابَةِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِجَابَةِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْإِجَابَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ إِذَا أَفْطَرَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَوْ يَرْقُدَ قَبْلَهَا، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْ رَقَدَ قَبْلَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاقَعَ أَهْلَهُ بَعْدَمَا صَلَّى الْعِشَاءَ فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ يَبْكِي وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَاطِئَةِ، إِنِّي رَجَعْتُ إلى أهلي بعد ما صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ فَوَجَدْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَجَامَعْتُ أَهْلِي فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا كُنْتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ يَا عُمَرُ" فَقَامَ رِجَالٌ وَاعْتَرَفُوا بِمِثْلِهِ فَنَزَلَ فِي عُمْرَ وَأَصْحَابِهِ: [[أخرجه ابن جرير في التفسير: ٣ / ٤٩٨، وقال الشيخ شاكر: هذا الحديث بالإسناد مسلسل بالضعفاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن جرير وابن أبي حاتم: ١ / ٤٧٦.]] .
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ أَيْ أُبِيحُ لَكُمْ ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أَيْ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ أَيْ سَكَنٌ لَكُمْ ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أَيْ سَكَنٌ لَهُنَّ دَلِيلُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (١٨٩-الْأَعْرَافِ) وَقِيلَ لَا يَسْكُنُ شَيْءٌ كَسُكُونِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسًا لِتَجَرُّدِهِمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُنَّ فِرَاشٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِحَافٌ لَهُنَّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ هِيَ لِبَاسُكَ وَفِرَاشُكَ وَإِزَارُكَ وَقِيلَ: اللِّبَاسُ اسْمٌ لِمَا يُوَارِي الشَّيْءَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتْرًا لِصَاحِبِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ" [[ورد بلفظ (من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي) . رواه ابن الجوزي في العلل عن أنس رفعه وقال: لا يصح عن رسول الله ﷺ، وفيه آفات منها يزيد الرقاشي قال أحمد: لا يكتب عنه شيء كان منكر الحديث. وقال النسائي: منكر الحديث وفيه هياج، قال أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى ليس بشيء وفيه مالك بن سليمان وقد قدحوا فيه. العلل المتناهية ٢ / ١٢٢. انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس ٢ / ٣١٣. ورواه الحاكم بلفظ (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني. قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ٢ / ١٦١.]] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ تَخُونُونَهَا وَتَظْلِمُونَهَا بِالْمُجَامَعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، قَالَ الْبَرَاءُ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تَجَاوَزَ عَنْكُمْ ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ مَحَا ذُنُوبَكُمْ ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ جَامِعُوهُنَّ حَلَالًا سُمِّيَتِ الْمُجَامَعَةُ مُبَاشَرَةً لِتَلَاصُقِ بَشْرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيْ فَاطْلُبُوا مَا قَضَى اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَعْنِي الْوَلَدَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتَغُوا الْوَلَدَ إِنْ لَمْ تَلِدْ هَذِهِ فَهَذِهِ وَقَالَ قَتَادَةُ: وَابْتَغُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ أَبُو صِرْمَةَ بْنُ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أَنَسِ بْنِ أَبِي صِرْمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَلَّ نَهَارَهُ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا أَمْسَى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِتَمْرٍ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ قَدِّمِي الطَّعَامَ فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُطْعِمَهُ شَيْئًا سَخِينًا فَأَخَذَتْ تَعْمَلُ لَهُ سَخِينَةً، وَكَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ طَعَامِهِ إِذْ هِيَ بِهِ قَدْ نَامَ وَكَانَ قَدْ أَعْيَا وَكَلَّ فَأَيْقَظَتْهُ فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا مَجْهُودًا، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا أبا قيس مالك أَمْسَيْتَ طَلِيحًا [[الطليح: الساقط من الإعياء والجهد والهزال.]] فذكر له ماله فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [[رواه البخاري: في الصوم باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم) ٤ / ١٢٩.]] يَعْنِي فِي لَيَالِي الصَّوْمِ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ يَعْنِي بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ، سُمِّيَا خَيْطَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْدُو فِي الِابْتِدَاءِ مُمْتَدًّا كَالْخَيْطِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا إِنَّمَا يَعْنِي بِهِمَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلَتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَإِلَى اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ "إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ" [[رواه البخاري: في الصوم - باب: قول الله تعالى: وكلوا واشربوا حتى ... ٤ / ١٣٢.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" قَالَ "كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ" [[رواه البخاري: في الأذان - باب: أذان الأعمى إذا كان له من يخيره ٢ / ٩٩. ومسلم: في الصيام - باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (١٠٩٢) ٢ / ٧٦٨ والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٢٩٨.]] وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَجْرَ فَجْرَانِ كَاذِبٌ وَصَادِقٌ، فَالْكَاذِبُ يَطْلُعُ أَوَّلًا مُسْتَطِيلًا كَذَنَبِ السِّرْحَانِ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فَبِطُلُوعِهِ لَا يَخْرُجُ اللَّيْلُ وَلَا يَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، ثُمَّ يَغِيبُ فَيَطْلُعُ بَعْدَهُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ مُسْتَطِيرًا يَنْتَشِرُ سَرِيعًا فِي الْأُفُقِ، فَبِطُلُوعِهِ يَدْخُلُ النَّهَارُ وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَا أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ" [[رواه مسلم: في الصيام - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (١٠٩٤) ٢ / ٧٧٠. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٠٠.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَالصَّائِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَرَبَتْ حَصَلَ الْفِطْرُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" [[رواه البخاري: في الصوم عن عبد الله بن أبي أوفى - باب: الصوم في السفر والإفطار ٤ / ١٧٩. رواه مسلم: في الصيام عن عبد الله بن أبي أوفى - باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار برقم (١١٠١) ٢ / ٧٧٢. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٢٥٩.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [وَقَدْ نَوَيْتُمْ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ] [[ساقط من (ب) ومن المطبوع.]] وَالْعُكُوفُ هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله النعيمي ٢٧/ب أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ" [[رواه البخاري: في الاعتكاف - باب الاعتكاف في العشر الأواخر ٤ / ٢٧١. ورواه مسلم: في الاعتكاف - باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان برقم (١١٧٢) ٢ / ٨٣١. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٩١.]] وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَعْتَكِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا عَرَضَتْ لِلرَّجُلِ مِنْهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى أَهْلِهِ خَرَجَ إِلَيْهَا فَجَامَعَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَفْرَغُوا مِنَ اعْتِكَافِهِمْ، فَالْجِمَاعُ حَرَامٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ وَيَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، أَمَّا مَا دُونَ الْجِمَاعِ مِنَ الْمُبَاشَرَاتِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ، فَمَكْرُوهٌ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحَجُّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَبْطُلُ بِهَا اعْتِكَافُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ إِنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا كَالصَّوْمِ، وَأَمَّا اللَّمْسُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّلَذُّذُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ" [[رواه البخاري: في الاعتكاف - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل ٤ / ٢٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٤٠٠.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ، حُدُودُ أَيْ: مَا مَنَعَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ السُّدِّيُّ: شُرُوطُ اللَّهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: فَرَائِضُ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْبَوَّابِ حَدَّادٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَحُدُودُ اللَّهِ مَا مَنَعَ النَّاسَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فَلَا تَأْتُوهَا ﴿كَذَلِكَ﴾ هَكَذَا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوهَا فَيَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي امْرِئِ الْقَيْسِ بن عايش لكندي ادَّعَى عَلَيْهِ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ الْحَضْرَمِيُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْضًا أَنَّهُ غَلَبَنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ (أَلَكَ بَيِّنَةٌ) ؟ قَالَ لَا قَالَ: (فَلَكَ يَمِينُهُ) فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا إِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ) [[رواه مسلم: في الإيمان - باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (١٣٩) ١ / ١٢٣.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أَيْ لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ، وَأَصْلُ الْبَاطِلِ الشَّيْءُ الذَّاهِبُ، وَالْأَكْلُ بِالْبَاطِلِ أَنْوَاعٌ، قَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالنَّهْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللَّهْوِ كَالْقِمَارِ وَأُجْرَةِ الْمُغَنِّي وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أَيْ تُلْقُوا أُمُورَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَأَصْلُ الْإِدْلَاءِ: إِرْسَالُ الدَّلْوِ وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْبِئْرِ يُقَالُ: أَدْلَى دَلْوَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ، وَدَلَاهُ يَدْلُوهُ إِذَا أَخْرَجَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَجْحَدُ الْمَالَ وَيُخَاصِمُ فِيهِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ أَثِمَ بِمَنْعِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنْ يُقِيمَ شَهَادَةَ الزُّورِ وَقَوْلُهُ ﴿وَتُدْلُوا﴾ فِي مَحَلِّ الْجَزْمِ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ، مَعْنَاهُ وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَا تَأْكُلُوا بِالْبَاطِلِ وَتَنْسِبُونَهُ إِلَى الْحُكَّامِ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: إِنِّي لَأَقْضِي لَكَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ ظَالِمًا وَلَكِنْ لَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَقْضِيَ بِمَا يَحْضُرُنِي مِنَ الْبَيِّنَةِ وَإِنَّ قَضَائِي لَا يُحِلُّ لَكَ حَرَامًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الأحكام - باب: موعظة الإمام للخصوم ١٣ / ١٥٧ وفي الشهادات. ورواه مسلم: في الأقضية - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة برقم (١٧١٣) ٣ / ١٣٣٧. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ١١٠.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ طَائِفَةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ بِالظُّلْمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ يَقْطَعُ بِهَا مَالَ أَخِيهِ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ قَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَمْتَلِئَ نُورًا ثُمَّ يَعُودُ دَقِيقًا كَمَا بَدَأَ وَلَا يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ [[أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي ١ / ٤٩٠.]] ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ وَهِيَ جَمْعُ هِلَالٍ مِثْلُ رِدَاءٍ وَأَرْدِيَةٍ سُمِّيَ هِلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَرَخَ حِينَ يُولَدُ وَأَهَلَّ الْقَوْمُ بِالْحَجِّ إِذَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ جَمْعُ مِيقَاتٍ أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَوْقَاتَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَآجَالَ الدُّيُونِ وَعَدَدَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا، فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ لِيَدْخُلَ مِنْهُ وَيَخْرُجَ أَوْ يَتَّخِذَ سُلَّمًا فَيَصْعَدَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُمْسِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ [وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَخَثْعَمٌ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو مُضَرَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سُمُّوا حُمْسًا لِتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ وَالصَّلَابَةُ] [[ساقط من نسخة (ب) .]] فَدَخْلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخْلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِمَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنِّي أَحْمَسُ" فَقَالَ الرَّجُلُ إِنْ كُنْتَ أَحْمَسِيًّا فَإِنِّي أَحْمَسِيٌّ رَضِيتُ بِهَدْيِكَ وَسَمْتِكَ وَدِينِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي انظر الدر المنثور للسيوطي ١ / ٤٩٢. وانظر تفسير الطبري ٣ / ٥٥٦.]] وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ نَاسٌ مَنَ الْأَنْصَارِ إِذَا أَهَّلُوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيَرْجِعُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ فَيَفْتَحُ الْجِدَارَ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَةً فَدَخْلَ رَجُلٌ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِأَنِّي رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنِّي أَحْمَسُ" فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَنَا أَحْمَسُ يَقُولُ وَأَنَا عَلَى دِينِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [[أخرجه ابن جرير عن الزهري انظر تفسير الطبري ٣ / ٥٥٨.]] .
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وابن عامر ٢٨/أوَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ: والغيوب وَالْجُيُوبَ وَالْعُيُونَ وَشُيُوخًا بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ لِمَكَانِ الْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "جِيُوبِهِنَّ" بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ "الْغِيُوبَ" بِكَسْرِ الْعَيْنِ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أَيِ: الْبِرُّ: بِرُّ مَنِ اتَّقَى.
﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى رسوله الله ﷺ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِهَا، وَقِيلَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ آيَةً وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تبدؤهم بِالْقِتَالِ وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِ الْمُقَاتِلِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أَيْ لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالرُّهْبَانَ وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي تُرَابٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرَسُوسِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغْلُوا وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا" [[رواه مسلم: في الجهاد - باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ... برقم (١٧٣١) ٣ / ١٣٥٧. والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١١.]] وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ لِلْعُمْرَةِ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْحُدَيْبِيَةَ فَصَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ عَامَ قَابِلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَخَافُوا أَنْ لَا تَفِيَ قُرَيْشٌ بِمَا قَالُوا وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَكَرِهَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتَالَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْحَرَمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مُحْرِمِينَ ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ فَتَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ مُحْرِمِينَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قِيلَ نُسِخَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثَّقَافَةِ الْحِذْقُ وَالْبَصَرُ بِالْأُمُورِ، وَمَعْنَاهُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ بَصُرْتُمْ مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يَعْنِي شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِنَّ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ مِنَ الْقِتَالِ وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ قَوْلُهُ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، صَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةٌ فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ غَفُورٌ لِمَا سَلَفَ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ
﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ شِرْكٌ يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ أي الطاعة والعبادة ﴿لله﴾ وحده فلا يعبد شيء دونه.
قَالَ نَافِعٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٩-الْحُجُرَاتِ) قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لَأَنْ أُعَيَّرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٩٣-النِّسَاءِ) قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فَلَا سَبِيلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٢٨-الْقَصَصِ) وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، أَيْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) وَسُمِّيَ الْكَافِرُ ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قِيلَ نُسِخَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثَّقَافَةِ الْحِذْقُ وَالْبَصَرُ بِالْأُمُورِ، وَمَعْنَاهُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ بَصُرْتُمْ مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يَعْنِي شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِنَّ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ مِنَ الْقِتَالِ وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ قَوْلُهُ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، صَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةٌ فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ غَفُورٌ لِمَا سَلَفَ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ
﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ شِرْكٌ يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ أي الطاعة والعبادة ﴿لله﴾ وحده فلا يعبد شيء دونه.
قَالَ نَافِعٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٩-الْحُجُرَاتِ) قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لَأَنْ أُعَيَّرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٩٣-النِّسَاءِ) قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فَلَا سَبِيلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٢٨-الْقَصَصِ) وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، أَيْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) وَسُمِّيَ الْكَافِرُ ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قِيلَ نُسِخَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثَّقَافَةِ الْحِذْقُ وَالْبَصَرُ بِالْأُمُورِ، وَمَعْنَاهُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ بَصُرْتُمْ مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يَعْنِي شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِنَّ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ مِنَ الْقِتَالِ وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ قَوْلُهُ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، صَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةٌ فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ غَفُورٌ لِمَا سَلَفَ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ
﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ شِرْكٌ يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ أي الطاعة والعبادة ﴿لله﴾ وحده فلا يعبد شيء دونه.
قَالَ نَافِعٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٩-الْحُجُرَاتِ) قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لَأَنْ أُعَيَّرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٩٣-النِّسَاءِ) قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فَلَا سَبِيلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٢٨-الْقَصَصِ) وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، أَيْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) وَسُمِّيَ الْكَافِرُ ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَصَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ الْقَابِلَ فَيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَهُ ذَلِكَ وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ مَكَّةَ وَقَضَيْتُمْ فِيهِ عُمْرَتَكُمْ سَنَةَ سَبْعٍ ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ هَذَا فِي أَمْرِ الْقِتَالِ مَعْنَاهُ: إِنْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَقَاتِلُوهُمْ ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتُدِيَ عَلَيْكُمْ﴾ سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢٨/ب
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ زَائِدَةٌ، يُرِيدُ: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ أَنْفُسَكُمْ ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالْأَيْدِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣٠-الشُّورَى) أَيْ بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشِّرْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ وَتَرَكِ الْإِنْفَاقِ. يَقُولُ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَصٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وَقَالَ: السُّدِّيُّ بِهَا: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ عِقَالًا ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَلَا تَقُلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيهَا: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُضَيْفٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سبيل الله فسبعمائة، وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" [[رواه الترمذي: في فضائل الجهاد - باب: ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ٥ / ٢٥٤ وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن ربيع. في الترمذي والنسائي عن خريم بن فاتك بدون زيادة (ومن أنفق نفقة على أهله..) . أخرجه النسائي: في الجهاد - باب: فضل النفقة في سبيل الله: ٦ / ٤٩. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٥٩ عن خريم وإسناده صحيح.]]
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أَوْ بِالْمَشْيِ، وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ الْآيَةُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعَزَّ دِينَهُ وَنَصَرَ رَسُولَهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فَالتَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُورِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" [[رواه مسلم: في الإمارة - باب: ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (١٩١٠) ٣ / ١٥١٧. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٧٥.]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨٧-يُوسُفَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [أَيْ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ وَأَخْلَاقَكُمْ وَتَفَضَّلُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [[ساقط من (ب) .]] ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَصَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ الْقَابِلَ فَيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَهُ ذَلِكَ وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ مَكَّةَ وَقَضَيْتُمْ فِيهِ عُمْرَتَكُمْ سَنَةَ سَبْعٍ ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ هَذَا فِي أَمْرِ الْقِتَالِ مَعْنَاهُ: إِنْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وَقَاتِلُوهُمْ ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتُدِيَ عَلَيْكُمْ﴾ سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤٠-الشُّورَى) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢٨/ب
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ زَائِدَةٌ، يُرِيدُ: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ أَنْفُسَكُمْ ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالْأَيْدِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣٠-الشُّورَى) أَيْ بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشِّرْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ وَتَرَكِ الْإِنْفَاقِ. يَقُولُ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَصٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وَقَالَ: السُّدِّيُّ بِهَا: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ عِقَالًا ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَلَا تَقُلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيهَا: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُضَيْفٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سبيل الله فسبعمائة، وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" [[رواه الترمذي: في فضائل الجهاد - باب: ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ٥ / ٢٥٤ وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن ربيع. في الترمذي والنسائي عن خريم بن فاتك بدون زيادة (ومن أنفق نفقة على أهله..) . أخرجه النسائي: في الجهاد - باب: فضل النفقة في سبيل الله: ٦ / ٤٩. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٥٩ عن خريم وإسناده صحيح.]]
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أَوْ بِالْمَشْيِ، وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ الْآيَةُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعَزَّ دِينَهُ وَنَصَرَ رَسُولَهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فَالتَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُورِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" [[رواه مسلم: في الإمارة - باب: ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (١٩١٠) ٣ / ١٥١٧. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٧٥.]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨٧-يُوسُفَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [أَيْ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ وَأَخْلَاقَكُمْ وَتَفَضَّلُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [[ساقط من (ب) .]] ]
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قَرَأَ عَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﴿وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي إِتْمَامِهِمَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُتِمَّهُمَا بِمَنَاسِكِهِمَا وَحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وأَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ.. الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ أَوِ التَّقْصِيرُ. وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، وَأَسْبَابُ التَّحَلُّلِ ثَلَاثَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالْحَلْقُ، فَإِذَا وُجِدَ شَيْئَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَبِالثَّلَاثِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَبَعْدَ التحلل الأول تستبيح جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إِلَّا النِّسَاءَ، وَبَعْدَ الثَّانِي يَسْتَبِيحُ الْكُلَّ، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحَلْقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير وطاووس: تَمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مُفْرَدَيْنِ مُسْتَأْنَفَيْنِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قَالَ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُعْمَلَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، [فَإِنْ كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] [[ساقط من "أ".]] ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ فَهِيَ مُتْعَةٌ، وَعَلَيْهِ فِيهَا الْهَدْيُ إِنْ وَجَدَهُ، أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَتَمَامُ الْحَجِّ أَنْ يُؤْتَى بِمَنَاسِكِهِ كُلِّهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَ عَامِلَهُ دَمٌ بِسَبَبِ قِرَانٍ وَلَا مُتْعَةٍ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِتْمَامُهَا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِتْمَامُهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ لَهُمَا، وَلَا تَخْرُجَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْوَفْدُ كَثِيرٌ وَالْحَاجُّ قَلِيلٌ، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَبِهِ قال عطاء وطاووس وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَبِهِ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) [[في ب: الشعبي.]] وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ عَلَى مَعْنَى أَتِمُّوهُمَا إِذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا، أَمَّا ابْتِدَاءُ الشُّرُوعِ فِيهَا فَتَطَوُّعٌ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: ﴿لَا وَأَنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [[رواه الترمذي: في الحج - باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ ٣ / ٦٧٩ وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي تصحيحه له نظر: فإن في سنده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ولعل تصحيح الترمذي هذه الرواية لمجيئها من طرق أخرى. رواه أحمد: ٣ / ٣١٦ عن جابر بن عبد الله. ورواه البيهقي: في السنن وقال: المحفوظ عن جابر موقوف كذا رواه ابن جريج وروي عن جابر بخلاف ذلك مرفوعا من حديث ابن لهيعة وكلاهما ضعيف (انظر التلخيص الحبير: ٢ / ٢٢٦) .]] وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ابتدءوهما، فَإِذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا فَأَتِمُّوهُمَا فَهُوَ أَمْرٌ بِالِابْتِدَاءِ وَالْإِتْمَامِ أَيْ أَقِيمُوهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١٨٧-البقرة) أي ابتدءوه وَأَتِمُّوهُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ" [[رواه الترمذي في الحج - باب: ما جاء في ثواب الحج العمرة ٣ / ٥٣٨-٥٣٩ وقال: حسن صحيح غريب. ورواه النسائي: في الحج - باب: فضل المتابعة بين الحج والعمرة: ٥ / ١١٥-١١٦. ورواه ابن ماجه: في المناسك - باب: فضل الحج والعمرة: ٢ / ٩٦٤ برقم (٢٨٨٧) . ورواه ابن خزيمة: في المناسك - باب: الأمر بالمتابعة بين الحج والعمرة ٤ / ١٣٠. وأخرجه أحمد: ١ / ٣٨٧، ٣ / ٤٤٦-٤٤٧ عن عبد الله بن مسعود، وعن عامر بن ربيعة. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٧ عن عبد الله بن مسعود. وهو صحيح بشواهده.]] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ تطوع، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَصُورَةُ الْإِفْرَادِ أَنْ يُفْرِدَ الْحَجَّ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ منه يعتمر ٢٩/أوَصُورَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَيَحُجُّ فِي هَذَا الْعَامِ، وَصُورَةُ الْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ فَيَصِيرُ قَارِنًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعَ ثُمَّ الْقِرَانَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. [[رواه البخاري: في الحج - ياب التمتع والقران والإفراد بالحج ٣ / ٤٢١ واللفظ له. ورواه مسلم: في الحج - باب: بيان وجوه الإحرام برقم (١٢١١) ٢ / ٨٧٠. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٦٣.]]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، وَلَا نَعْرِفُ غَيْرَهُ وَلَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ [[جزء من حديث حجة النبي صلى الله عليه رواه مسلم في الحج - باب: حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨) ٢ / ٨٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٦٥.]] ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ [[رواه الترمذي: في الحج باب ما جاء في إفراد الحج ٢ / ٥٥٢ - ٥٥٣. والدارقطن ٢ / ٢٣٩، وفي سنده عبد الله بن نافع الصائغ ضعيف جدا، انظر سنن الدارقطني مع التعليق ٢ / ٣٨. وأخرج مسلم في صححه في الحج باب في الإفراد في الحج عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالجمع مفردا، وفي رواية ابن عون أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردا ٢ / ٩٠٥.]] وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُلَاسٍ النُّمَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ" [[رواه مسلم: في الحج - باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة برقم (١٢٣٢) ٢ / ٩٠٥.]] .
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلِيَتَحَلَّلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حُرِمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.
وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[جزء من حديث رواه البخاري في الحج - باب: من ساق البدن معه ٣ / ٥٣٩. ومسلم: في الحج - باب: وجوب الدم على المتمتع برقم (١٢٢٧) ٢ / ٩٠١. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٦٦-٦٨.]] .
قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قد اختلف الرِّوَايَةُ فِي إِحْرَامِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ كَلَامًا مُوجَزًا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَكُلٌّ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ، فَأُضِيفَ الْكُلُّ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى أنه أمر به وَأَذِنَ فِيهَا وَيَجُوزُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ (الشَّيْءِ) [[وفي "ب" الفعل.]] إِلَى الْآمِرِ بِهِ، كَمَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ لَهُ كَمَا يُقَالُ بَنَى فُلَانٌ دَارًا، وَأُرِيدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَائِهَا، وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادَ لِرِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لِتَقَدُّمِ صُحْبَةِ جَابِرٍ النَّبِيَّ ﷺ وَحَسَّنَ سِيَاقَهُ لِابْتِدَاءِ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَآخِرِهَا، وَلِفَضْلِ حِفْظِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقُرْبِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَمَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ" إِلَى التَّمَتُّعِ، وَقَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ ثُمَّ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَإِفْرَادَ الْحَجِّ وَالْقِرَانَ، وَاسِعٌ كُلُّهُ وَقَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مُقِيمًا عَلَى الْحَجِّ إِلَّا وَقَدِ ابْتَدَأَ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ [[انظر: اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم: ٧ / ٤٠٤-٤٠٩.]] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مُتَعَارِضَةٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي [حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [[جزء من حديث ابن عمر السابق عند الشيخين.]] وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ] [[ساقط من "أ".]] فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا".
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمُتْعَةِ: صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ -لَا يُنَافِي التَّمَتُّعَ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ لِقَصْدِ الْحَجِّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَهُ مُتْعَةً قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الإحْصَارِ الَّذِي يُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْمَعْنَى فِي إِحْرَامِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ ضَلَالِ رَاحِلَةٍ، يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: لِأَنَّ الْإِحْصَارَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ حَبْسُ الْعِلَّةِ أَوِ الْمَرَضِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ يُقَالُ: مِنْهُ أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسِ عَدُوٍّ أَوْ سَجْنٍ يُقَالُ: مِنْهُ حَصَرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَاهُنَا حَبْسَ الْعَدُوِّ إِحْصَارًا قِيَاسًا عَلَى الْمَرَضِ إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ ابن عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" [[رواه أبو داود: في المناسك باب الإحصار ٢ / ٣٦٨ ونقل المنذري تحسينه عن الترمذي وأقره وعزاه للنسائي. والترمذي: في الحج - باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج ٤ / ٨ وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في المناسك - باب المحصر برقم (٣٠٧٧) ٢ / ١٠٢٨ وأحمد: ٣ / ٤٥٠ عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، وعزاه ابن حجر في الفتح ٤ / ٧ لابن السكن في كتاب الصحابة وقال: ليس بعيدا من الصحة. والدارمي: في المناسك - باب: في المحصر بعدو ٢ / ٦١. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٨٨.]] .
قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا صِدْقٌ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ إِلَّا بِحَبْسِ الْعَدُوِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وروي معناه ٢٩/ب عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا الْحَصْرُ وَالْإِحْصَارُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ حَصَرْتُ الرَّجُلَ عَنْ حَاجَتِهِ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ إِذَا مَنَعَهُ عَنِ السَّيْرِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ ذَلِكَ حَبْسًا مِنْ جِهَةِ الْعَدُوِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْآيَةِ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وَالْأَمْنُ يَكُونُ مِنَ الْخَوْفِ، وَضَعَّفُوا حَدِيثَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلُّ بِالْكَسْرِ وَالْعَرَجِ إِذَا كَانَ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْإِحْرَامِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ كَانَتْ وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" [[رواه مسلم: في الحج - باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه برقم (١٢٠٨) ٢ / ٨٦٩.]] .
ثُمَّ الْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَالْهَدْيُ شَاةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾
وَمَحِلُّ ذَبْحِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ الْهَدْيَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُوَاعِدُ مَنْ يَذْبَحُهُ هُنَاكَ ثُمَّ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَفِي قَوْلٍ لَا بَدَلَ لَهُ [[في "ب" لا بدل له.]] فَيَتَحَلَّلُ وَالْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ بَدَلٌ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ، فَفِي قَوْلٍ عَلَيْهِ صَوْمُ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ تُقَوَّمُ الشَّاةُ بِدَرَاهِمَ وَيَجْعَلُ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ، بِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِطْعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا كَمَا فِي فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى سَتْرِ رَأْسِهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إِلَى لُبْسِ قَمِيصٍ، أَوْ مَرَضٍ فَاحْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاتِهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ فَعَلَ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَفِدْيَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُقَوِّمُ الشَّاةَ بِدَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمُ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. ثُمَّ الْمُحْصَرُ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِغَرَضٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ الْغَرَضُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فَهَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [أَيْ فَعَلَيْهِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ] [[ساقط من "أ".]] وَمَحَلُّهُ رَفْعٌ وَقِيلَ: مَا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ أَيْ فَاهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ وَالْهَدْيُ جَمْعُ هَدِيَّةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْيُسْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَعْلَاهُ بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يحل المحصر يبلغ هَدْيِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ذَبْحُهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَمَعْنَى مَحِلِّهِ: حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ وَأَكْلُهُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ" "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ فَاخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ حَتَّى تَنْحَرَ بَدَنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بَدَنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا" [[رواه البخاري: في الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب ٥ / ٣٢٩ -٣٣٣.]] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ الْحَرَمُ، فَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَمَحِلُّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَمَحِلُّهُ يَوْمَ يَبْلُغُ هَدْيُهُ الْحَرَمَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ مَعْنَاهُ لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا إِلَى حَلْقِهِ لِمَرَضٍ أَوْ لِأَذًى فِي الرَّأْسِ مِنْ هَوَامٍّ أَوْ صُدَاعٍ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحَيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَلَفٍ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يُحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزِلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوَيُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [[رواه البخاري في المحصر باب قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا) ٤ / ١٢. ومسلم في الحج باب جواز حلق الرأس للمحرم برقم (١٢٠١) ٢ / ٨٦٠.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ أَيْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ أَيْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ وَاحِدَتُهَا نَسِيكَةٌ أَيْ ذَبِيحَةٌ، أَعْلَاهَا بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهَا بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهَا شَاةٌ، أَيَّتَهَا شَاءَ ذَبْحَ، فَهَذِهِ الْفِدْيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ طَعَامٍ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ يَكُونُ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِلَّا هَدْيًا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أَيْ من خوفكم وبرأتم مِنْ مَرَضِكُمْ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنْ أُحْصِرَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ فَقَدِمَ مَكَّةَ يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَاسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ ذَلِكَ بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ إِلَى السَّنَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ ثُمَّ حَجَّ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِذَلِكَ الْإِحْلَالِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وَقَدْ حَلَلْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ بَعْدَ الْإِحْصَارِ وَلَمْ تَقْضُوا عُمْرَةً، وَأَخَّرْتُمُ الْعُمْرَةَ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، فَاعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَلْتُمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِإِحْلَالِكُمْ إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمْتُمْ بِالْحَجِّ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مُعْتَمِرًا مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ مِنْهَا الْحَجَّ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَمَعْنَى التَّمَتُّعِ هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْعُمْرَةِ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ.
وَلِوُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ أربع شرائط: أحدهما أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي مَكَّةَ وَلَا يَعُودُ إِلَى الْمِيقَاتِ لِإِحْرَامِهِ، الرَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَتَى وُجِدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ دَمُ شَاةٍ يَذْبَحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَوْ ذبحها قبله بعد ما أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَدِمَاءِ الْجِنَايَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يوم النحر ٣٠/أكَدَمِ الْأُضْحِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أَيْ صُومُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ صَوْمِ الثَّلَاثِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أَيْ صُومُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ وَبَلَدِكُمْ، فَلَوْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا كَانُوا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحِسَابِ فَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى فَضْلِ شَرْحٍ وَزِيَادَةِ بَيَانٍ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ يَعْنِي فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ فَهِيَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّوْمِ بَدَلَ الْهَدْيِ وَقِيلَ: كَامِلَةٌ بِشُرُوطِهَا وَحُدُودِهَا، وَقِيلَ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ أَيْ فَأَكْمِلُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا ﴿ذَلِكَ﴾ أَيْ هَذَا الْحُكْمُ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وبه قال طاووس مِنَ التَّابِعِينَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَهْلُ عَرَفَةَ وَالرَّجِيعِ وَضَجْنَانَ وَنَخْلَتَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ مَنْ كَانَ وَطَنُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ هُمْ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَمَا دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَدَمُ الْقِرَانِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْمَكِّيُّ إِذَا قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ". فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [[رواه البخاري: في الحج باب قوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) ٣ / ٤٣٣.]] .
وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَفَوَاتُهُ يَكُونُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابَلٍ وَالْفِدْيَةُ وَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ كَفِدْيَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَنَّادَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعَدَدَ، كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمْرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ بِالْبَيْتِ وَاسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا ثُمَّ ارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَاهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [[انظر: الموطأ: ١ / ٣٨٣ ووصله البيهقي: ٥ / ١٧٥ وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٩٢.]] .
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِي أَدَاءِ الْأَوَامِرِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، فَمَنْ قَالَ عَشْرٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اللَّيَالِي وَمَنْ قَالَ تِسْعٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّ آخِرَ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ وَإِنَّمَا قَالَ أَشْهُرٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهِيَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لِأَنَّهَا وَقْتٌ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَقْتَ تَامًّا بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَتَقُولُ الْعَرَبُ أَتَيْتُكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ، وَيَقُولُ زُرْتُكَ الْعَامَ، وَإِنَّمَا زَارَهُ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ جَمَاعَةً جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ جَمَاعَةً وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَقَالَ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤-التَّحْرِيمِ) أَيْ قَلَبَاكُمَا، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ كُمَّلًا لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَيْ فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وطاووس وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ بِغَرَضِ الْحَجِّ فِيهَا فَلَوِ انْعَقَدَ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصَّلَوَاتِ بِالْمَوَاقِيتِ ثُمَّ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا حُمِّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ﴿فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ﴾ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّفَثِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْجِمَاعُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ، وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَنَبِ بَعِيرِهِ فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَهُوَ يَحْدُو وَيَقُولُ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فَقُلْتُ لَهُ أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ، قَالَ طاووس: [[رواه ابن جرير بسند صحيح: ٤ / ١٢٧.]] الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الْفُسُوقُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا وَهُوَ قَوْلُ طاووس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَأَخْذِ الْأَشْعَارِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ؛ هُوَ السِّبَابُ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" [[رواه البخاري في الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ١ / ١١٠. ومسلم في الإيمان باب قول النبي ﷺ: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" برقم (١١٦) ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٦.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (١١-الْحُجُرَاتِ) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ أبو الحكم ٣٠/ب قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" [[رواه البخاري في الحج باب فضل الحج المبرور ٣ / ٣٨٢. ومسلم: في الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (١٣٥٠) ٢ / ٩٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٤.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ أَنْ يُمَارِيَ صَاحِبَهُ وَيُخَاصِمَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ الْيَوْمَ وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ غَدًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ: "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ" [[سبق تخريجه انظر فيما سبق ص (٢٢٥) .]] قَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهُ عُمْرَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَهَذَا جِدَالُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ يَتَجَادَلُونَ فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكُلٌّ يَقُولُ مَا فَعَلْتُهُ فَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أَيِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْحَجِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" [[قطعة من حديث رواه البخاري في الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر ١٠ / ٧. ومسلم: في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال برقم (١٦٧٩) ٣ / ١٣٠٥. والمصنف في شرح السنة ٧ / ٢١٦.]] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأُبْطِلُ النَّسِيءُ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ظَاهِرُ الْآيَةِ نَفْيٌ، وَمَعْنَاهَا نَهْيٌ، أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَلَا تُجَادِلُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ لَا تَرْتَابُوا "وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يُطْعِمُنَا؟ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، وَرُبَّمَا يُفْضِي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَصْبِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أَيْ مَا تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وَتَكْفُونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْكَعْكُ وَالزَّبِيبُ وَالسَّوِيقُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهَا ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يَا ذَوِي الْعُقُولِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا [[أخرجه البخاري في البيوع: ٤ / ٣٢١ وفي الحج ٣ / ٣٩٥ والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٣.]] ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا قَوْمٌ نَكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ، يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ، فَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا حَجَّ لَنَا، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: أَنْتَ حَاجٌّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أَيْ حَرَجٌ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ أَيْ رِزْقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي بِالتِّجَارَةِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دَفَعْتُمْ، وَالْإِفَاضَةُ: دَفْعٌ بِكَثْرَةٍ وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفَاضَ الرَّجُلُ مَاءً أَيْ صَبَّهُ ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ هِيَ جَمْعُ عَرَفَةَ، جَمْعٌ بِمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِمْ ثَوْبُ أَخْلَاقٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَأَجْلِهِ سُمِّيَ الْمَوْقِفُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَنَاسِكَ وَيَقُولُ عَرَفْتَ؟ فَيَقُولُ عَرَفْتُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَعَ بِالْهِنْدِ وَحَوَّاءُ بِجَدَّةَ فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ فَاجْتَمَعَا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَتَعَارَفَا فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَنَعَتَهَا لَهُ فَخَرَجَ فَلَّمَا بَلَغَ الْجَمْرَةَ [[في المخطوطتين الشجرة والصحيح الجمرة كما جاء في أكثر التفاسير كابن كثير.]] عِنْدَ الْعَقَبَةِ اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ لِيَرُدَّهُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ ذَهَبَ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَازِ، فَلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْرِفْهُ فَجَازَ فَسُمِّيَ ذَا الْمَجَازِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَعَرَفَهَا بِالنَّعْتِ فَسُمِّيَ الْوَقْتُ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفَ إِلَى جَمْعٍ، أَيْ قَرُبَ إِلَى جَمْعٍ، فَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى يَوْمَهُ أَجْمَعَ أَيْ فَكَّرَ، أَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الرُّؤْيَا أَمْ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ ثَانِيًا فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَرِفُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْعَرْفِ وَهُوَ الطِّيبُ، وَسُمِّيَ مِنًى لِأَنَّهُ يُمَنَّى فِيهِ الدَّمُ أَيْ يُصَبُّ فَيَكُونُ فِيهِ الْفُرُوثُ وَالدِّمَاءُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا وَعَرَفَاتٌ طَاهِرَةٌ عَنْهَا فَتَكُونُ طَيِّبَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِلَى الْمَحْسَرِ، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ وَلَا الْمَحْسَرُ مِنَ الْمَشْعَرِ، وَسُمِّيَ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعَارِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ مِنْ مَعَالِمَ الْحَجِّ، وَأَصْلُ الْحَرَامِ: مِنَ الْمَنْعِ فَهُوَ، مَمْنُوعٌ أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا: لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَالَ طاووس كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ [[جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الداخل منها إلى مكة.]] كَيْمَا نُغِيرُ فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ وَقَدَّمَ هَذِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" [[رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع ٣ / ٥١٩ ومسلم في الحج - باب الإفاضة في عرفات إلى مزدلفة برقم (١٢٨٠) ٢ / ٩٣٤.]] .
وَقَالَ جَابِرٌ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنِ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" [[رواه مسلم في الحج باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨) ٢ / ٨٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٦٥.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا زهير ٣١/أبْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" [[رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع ٣ / ٥١٩. ومسلم في الحج باب استحباب إذا دفع الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨١) ٢ / ٣٩١ واللفظ له. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٨٥.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ أَيْ وَاذْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهِدَايَةِ فَهَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ، وَقِيلَ: وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١٨٦-الشُّعَرَاءِ) أَيْ: وَمَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "مِنْ قَبْلِهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى الْهُدَى، وَقِيلَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، فَمَنْ قَالَ عَشْرٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اللَّيَالِي وَمَنْ قَالَ تِسْعٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّ آخِرَ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ وَإِنَّمَا قَالَ أَشْهُرٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهِيَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لِأَنَّهَا وَقْتٌ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَقْتَ تَامًّا بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَتَقُولُ الْعَرَبُ أَتَيْتُكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ، وَيَقُولُ زُرْتُكَ الْعَامَ، وَإِنَّمَا زَارَهُ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ جَمَاعَةً جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ جَمَاعَةً وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَقَالَ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤-التَّحْرِيمِ) أَيْ قَلَبَاكُمَا، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ كُمَّلًا لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَيْ فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وطاووس وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ بِغَرَضِ الْحَجِّ فِيهَا فَلَوِ انْعَقَدَ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصَّلَوَاتِ بِالْمَوَاقِيتِ ثُمَّ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا حُمِّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ﴿فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ﴾ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّفَثِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْجِمَاعُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ، وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَنَبِ بَعِيرِهِ فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَهُوَ يَحْدُو وَيَقُولُ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فَقُلْتُ لَهُ أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ، قَالَ طاووس: [[رواه ابن جرير بسند صحيح: ٤ / ١٢٧.]] الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الْفُسُوقُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا وَهُوَ قَوْلُ طاووس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَأَخْذِ الْأَشْعَارِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ؛ هُوَ السِّبَابُ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" [[رواه البخاري في الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ١ / ١١٠. ومسلم في الإيمان باب قول النبي ﷺ: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" برقم (١١٦) ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٦.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (١١-الْحُجُرَاتِ) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ أبو الحكم ٣٠/ب قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" [[رواه البخاري في الحج باب فضل الحج المبرور ٣ / ٣٨٢. ومسلم: في الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (١٣٥٠) ٢ / ٩٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٤.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ أَنْ يُمَارِيَ صَاحِبَهُ وَيُخَاصِمَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ الْيَوْمَ وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ غَدًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ: "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ" [[سبق تخريجه انظر فيما سبق ص (٢٢٥) .]] قَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهُ عُمْرَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَهَذَا جِدَالُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ يَتَجَادَلُونَ فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكُلٌّ يَقُولُ مَا فَعَلْتُهُ فَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أَيِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْحَجِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" [[قطعة من حديث رواه البخاري في الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر ١٠ / ٧. ومسلم: في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال برقم (١٦٧٩) ٣ / ١٣٠٥. والمصنف في شرح السنة ٧ / ٢١٦.]] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأُبْطِلُ النَّسِيءُ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ظَاهِرُ الْآيَةِ نَفْيٌ، وَمَعْنَاهَا نَهْيٌ، أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَلَا تُجَادِلُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ لَا تَرْتَابُوا "وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يُطْعِمُنَا؟ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، وَرُبَّمَا يُفْضِي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَصْبِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أَيْ مَا تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وَتَكْفُونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْكَعْكُ وَالزَّبِيبُ وَالسَّوِيقُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهَا ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يَا ذَوِي الْعُقُولِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا [[أخرجه البخاري في البيوع: ٤ / ٣٢١ وفي الحج ٣ / ٣٩٥ والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٣.]] ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا قَوْمٌ نَكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ، يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ، فَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا حَجَّ لَنَا، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: أَنْتَ حَاجٌّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أَيْ حَرَجٌ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ أَيْ رِزْقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي بِالتِّجَارَةِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دَفَعْتُمْ، وَالْإِفَاضَةُ: دَفْعٌ بِكَثْرَةٍ وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفَاضَ الرَّجُلُ مَاءً أَيْ صَبَّهُ ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ هِيَ جَمْعُ عَرَفَةَ، جَمْعٌ بِمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِمْ ثَوْبُ أَخْلَاقٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَأَجْلِهِ سُمِّيَ الْمَوْقِفُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَنَاسِكَ وَيَقُولُ عَرَفْتَ؟ فَيَقُولُ عَرَفْتُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَعَ بِالْهِنْدِ وَحَوَّاءُ بِجَدَّةَ فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ فَاجْتَمَعَا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَتَعَارَفَا فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَنَعَتَهَا لَهُ فَخَرَجَ فَلَّمَا بَلَغَ الْجَمْرَةَ [[في المخطوطتين الشجرة والصحيح الجمرة كما جاء في أكثر التفاسير كابن كثير.]] عِنْدَ الْعَقَبَةِ اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ لِيَرُدَّهُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ ذَهَبَ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَازِ، فَلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْرِفْهُ فَجَازَ فَسُمِّيَ ذَا الْمَجَازِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَعَرَفَهَا بِالنَّعْتِ فَسُمِّيَ الْوَقْتُ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفَ إِلَى جَمْعٍ، أَيْ قَرُبَ إِلَى جَمْعٍ، فَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى يَوْمَهُ أَجْمَعَ أَيْ فَكَّرَ، أَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الرُّؤْيَا أَمْ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ ثَانِيًا فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَرِفُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْعَرْفِ وَهُوَ الطِّيبُ، وَسُمِّيَ مِنًى لِأَنَّهُ يُمَنَّى فِيهِ الدَّمُ أَيْ يُصَبُّ فَيَكُونُ فِيهِ الْفُرُوثُ وَالدِّمَاءُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا وَعَرَفَاتٌ طَاهِرَةٌ عَنْهَا فَتَكُونُ طَيِّبَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِلَى الْمَحْسَرِ، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ وَلَا الْمَحْسَرُ مِنَ الْمَشْعَرِ، وَسُمِّيَ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعَارِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ مِنْ مَعَالِمَ الْحَجِّ، وَأَصْلُ الْحَرَامِ: مِنَ الْمَنْعِ فَهُوَ، مَمْنُوعٌ أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا: لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَالَ طاووس كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ [[جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الداخل منها إلى مكة.]] كَيْمَا نُغِيرُ فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ وَقَدَّمَ هَذِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" [[رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع ٣ / ٥١٩ ومسلم في الحج - باب الإفاضة في عرفات إلى مزدلفة برقم (١٢٨٠) ٢ / ٩٣٤.]] .
وَقَالَ جَابِرٌ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنِ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" [[رواه مسلم في الحج باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨) ٢ / ٨٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٦٥.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا زهير ٣١/أبْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" [[رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع ٣ / ٥١٩. ومسلم في الحج باب استحباب إذا دفع الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨١) ٢ / ٣٩١ واللفظ له. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٨٥.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ أَيْ وَاذْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهِدَايَةِ فَهَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ، وَقِيلَ: وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١٨٦-الشُّعَرَاءِ) أَيْ: وَمَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "مِنْ قَبْلِهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى الْهُدَى، وَقِيلَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا، وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ، وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِنْ جَمْعٍ أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَأَفِيضُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١٧-الْبَلَدِ) وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٥٤-النِّسَاءِ) وَأَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَحْدَهُ وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ لِسَانَ قَوْمِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي بِالْيَاءِ وَيُقَالُ: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ [[رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة ٣ / ١١٨.]] ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ [[السير السريع فبين ﷺ في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به.]] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " [[رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة ٣ / ٥٢٣. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨٢) ٢ / ٩٣٢.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَقَالَ: فَاذْكُرُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ [[في: أ: يُلْهَمُ.]] بِذِكْرِ أَبِيهِ لَا بِذِكْرِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ أَوْ أَشَدَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ فَقِيلَ قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: وَأَشَدَّ ذِكْرًا، وَبَلْ أَشَدَّ، أَيْ وَأَكْثَرَ ذِكْرًا ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ يَارَبِّ: إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، قَالَ قَتَادَةُ هَذَا عَبْدٌ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ حَظٍّ وَنَصِيبٍ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الْجَنَّةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" [[رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (١٤٦٧) ٢ / ١٠٩٠. والمصنف في شرح السنة ٩ / ١١.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، الْجَنَّةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ [["خفيف الحاذ" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: ١٤ / ٢٤٦.]] ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ، رَبِّهِ فَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ (نَفَضَ بِيَدِهِ) [[وفي (ب) نقد بيده.]] فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ" [[رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه ٧ / ١٢ وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له ٢ / ١٣٧٩ وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: ٥ / ٢٥٢-٢٥٥ عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة ١٤ / ٢٤٦. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً. وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدنيا فقال: ٣١/ب سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَنْ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ فَهَلَّا قُلْتَ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (٢٦٨٨) ٤ / ٢٠٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا] [[ساقط من "أ".]] أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَجَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرحمن الدعولي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي ﷺ (ربنا آتنا..) ١١ / ١٩١. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة..) برقم (٢٦٩٠) ٤ / ٢٠٧٠.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف ٢ / ٣٨١. وأحمد: ٣ / ٤١١ عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (١٠٠١) في الحج، والحاكم: ١ / ٤٥٥ ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٢٨.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْخَيْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ وَلَا إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧-الشُّورَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا، وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ، وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِنْ جَمْعٍ أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَأَفِيضُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١٧-الْبَلَدِ) وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٥٤-النِّسَاءِ) وَأَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَحْدَهُ وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ لِسَانَ قَوْمِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي بِالْيَاءِ وَيُقَالُ: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ [[رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة ٣ / ١١٨.]] ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ [[السير السريع فبين ﷺ في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به.]] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " [[رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة ٣ / ٥٢٣. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨٢) ٢ / ٩٣٢.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَقَالَ: فَاذْكُرُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ [[في: أ: يُلْهَمُ.]] بِذِكْرِ أَبِيهِ لَا بِذِكْرِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ أَوْ أَشَدَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ فَقِيلَ قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: وَأَشَدَّ ذِكْرًا، وَبَلْ أَشَدَّ، أَيْ وَأَكْثَرَ ذِكْرًا ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ يَارَبِّ: إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، قَالَ قَتَادَةُ هَذَا عَبْدٌ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ حَظٍّ وَنَصِيبٍ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الْجَنَّةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" [[رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (١٤٦٧) ٢ / ١٠٩٠. والمصنف في شرح السنة ٩ / ١١.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، الْجَنَّةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ [["خفيف الحاذ" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: ١٤ / ٢٤٦.]] ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ، رَبِّهِ فَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ (نَفَضَ بِيَدِهِ) [[وفي (ب) نقد بيده.]] فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ" [[رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه ٧ / ١٢ وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له ٢ / ١٣٧٩ وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: ٥ / ٢٥٢-٢٥٥ عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة ١٤ / ٢٤٦. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً. وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدنيا فقال: ٣١/ب سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَنْ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ فَهَلَّا قُلْتَ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (٢٦٨٨) ٤ / ٢٠٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا] [[ساقط من "أ".]] أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَجَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرحمن الدعولي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي ﷺ (ربنا آتنا..) ١١ / ١٩١. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة..) برقم (٢٦٩٠) ٤ / ٢٠٧٠.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف ٢ / ٣٨١. وأحمد: ٣ / ٤١١ عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (١٠٠١) في الحج، والحاكم: ١ / ٤٥٥ ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٢٨.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْخَيْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ وَلَا إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧-الشُّورَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا، وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ، وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِنْ جَمْعٍ أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَأَفِيضُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١٧-الْبَلَدِ) وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٥٤-النِّسَاءِ) وَأَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَحْدَهُ وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ لِسَانَ قَوْمِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي بِالْيَاءِ وَيُقَالُ: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ [[رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة ٣ / ١١٨.]] ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ [[السير السريع فبين ﷺ في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به.]] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " [[رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة ٣ / ٥٢٣. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨٢) ٢ / ٩٣٢.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَقَالَ: فَاذْكُرُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ [[في: أ: يُلْهَمُ.]] بِذِكْرِ أَبِيهِ لَا بِذِكْرِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ أَوْ أَشَدَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ فَقِيلَ قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: وَأَشَدَّ ذِكْرًا، وَبَلْ أَشَدَّ، أَيْ وَأَكْثَرَ ذِكْرًا ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ يَارَبِّ: إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، قَالَ قَتَادَةُ هَذَا عَبْدٌ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ حَظٍّ وَنَصِيبٍ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الْجَنَّةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" [[رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (١٤٦٧) ٢ / ١٠٩٠. والمصنف في شرح السنة ٩ / ١١.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، الْجَنَّةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ [["خفيف الحاذ" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: ١٤ / ٢٤٦.]] ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ، رَبِّهِ فَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ (نَفَضَ بِيَدِهِ) [[وفي (ب) نقد بيده.]] فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ" [[رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه ٧ / ١٢ وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له ٢ / ١٣٧٩ وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: ٥ / ٢٥٢-٢٥٥ عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة ١٤ / ٢٤٦. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً. وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدنيا فقال: ٣١/ب سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَنْ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ فَهَلَّا قُلْتَ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (٢٦٨٨) ٤ / ٢٠٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا] [[ساقط من "أ".]] أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَجَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرحمن الدعولي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي ﷺ (ربنا آتنا..) ١١ / ١٩١. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة..) برقم (٢٦٩٠) ٤ / ٢٠٧٠.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف ٢ / ٣٨١. وأحمد: ٣ / ٤١١ عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (١٠٠١) في الحج، والحاكم: ١ / ٤٥٥ ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٢٨.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْخَيْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ وَلَا إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧-الشُّورَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا، وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ، وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِنْ جَمْعٍ أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَأَفِيضُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١٧-الْبَلَدِ) وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٥٤-النِّسَاءِ) وَأَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَحْدَهُ وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ لِسَانَ قَوْمِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي بِالْيَاءِ وَيُقَالُ: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ [[رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة ٣ / ١١٨.]] ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ [[السير السريع فبين ﷺ في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به.]] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " [[رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة ٣ / ٥٢٣. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (١٢٨٢) ٢ / ٩٣٢.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَقَالَ: فَاذْكُرُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ [[في: أ: يُلْهَمُ.]] بِذِكْرِ أَبِيهِ لَا بِذِكْرِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ أَوْ أَشَدَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ فَقِيلَ قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: وَأَشَدَّ ذِكْرًا، وَبَلْ أَشَدَّ، أَيْ وَأَكْثَرَ ذِكْرًا ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ يَارَبِّ: إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، قَالَ قَتَادَةُ هَذَا عَبْدٌ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ حَظٍّ وَنَصِيبٍ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الْجَنَّةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" [[رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (١٤٦٧) ٢ / ١٠٩٠. والمصنف في شرح السنة ٩ / ١١.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، الْجَنَّةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ [["خفيف الحاذ" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: ١٤ / ٢٤٦.]] ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ، رَبِّهِ فَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ (نَفَضَ بِيَدِهِ) [[وفي (ب) نقد بيده.]] فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ" [[رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه ٧ / ١٢ وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له ٢ / ١٣٧٩ وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: ٥ / ٢٥٢-٢٥٥ عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة ١٤ / ٢٤٦. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً. وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدنيا فقال: ٣١/ب سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَنْ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ فَهَلَّا قُلْتَ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (٢٦٨٨) ٤ / ٢٠٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا] [[ساقط من "أ".]] أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَجَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرحمن الدعولي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي ﷺ (ربنا آتنا..) ١١ / ١٩١. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة..) برقم (٢٦٩٠) ٤ / ٢٠٧٠.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [[رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف ٢ / ٣٨١. وأحمد: ٣ / ٤١١ عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (١٠٠١) في الحج، والحاكم: ١ / ٤٥٥ ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة ٧ / ١٢٨.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْخَيْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ وَلَا إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧-الشُّورَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي التَّكْبِيرَاتِ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ يُكَبَّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ لِقِلَّتِهِنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٢٠-يُوسُفَ) وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهُنَّ يَوْمُ النَّحْرِ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ" [[رواه مسلم: في الصيام باب تحريم صوم أيام التشريق برقم (١١٤١) ٢ / ٨٠٠. والمصنف في شرح السنة ٦ / ٣٥١.]] .
وَمِنَ الذِّكْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: التَّكْبِيرُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَرُوِيَ عَنْ عُمْرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يُكَبِّرَانِ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ خَلْفَ الصَّلَاةِ وَفِي الْمَجْلِسِ وَعَلَى الْفِرَاشِ وَالْفُسْطَاطِ وَفِي الطَّرِيقِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَيَتَأَوَّلَانِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَالتَّكْبِيرُ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَغَيْرِ الْحَاجِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُبْتَدَأُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُبْتَدَأُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ يُبْتَدَأُ عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ وَذِكْرُ الْحَاجِّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ التَّلْبِيَةُ وَيَأْخُذُونَ فِي التَّكْبِيرِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ يَقُولَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا نَسَقًا -وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: وَمَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُكَبِّرُ اثْنَتَيْنِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أَرَادَ أَنَّ مَنْ نَفَرَ مِنَ الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى اللَّيْلَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَرُخِّصَ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ [[عن ابن عباس قال: استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (متفق عليه) . وعن عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ (رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ومالك والشافعي وابن حبان والحاكم وانظر: نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ١٨٧ و١٩٠.]] ثُمَّ كُلُّ مَنْ رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ فَيَدَعَ الْبَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ وَرَمَى يَوْمَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَمَنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ حَتَّى يَرْمِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ ثُمَّ يَنْفِرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
يَعْنِي لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي تَعْجِيلِهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فِي تَأَخُّرِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ فَقَدْ تَرَخَّصَ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِالتَّرَخُّصِ ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِتَرْكِ التَّرَخُّصِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ رَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ، لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ تَعَجَّلَ أَوْ تَأَخَّرَ، كَمَا رَوَيْنَا مَنْ "حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" [[سبق تخريجه - انظر: ص٢٢٧.]] وَهَذَا قَوْلُ عَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أَيْ لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُصِيبَ فِي حَجِّهِ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ" قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا جُعِلَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى فِي حَجِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الصَّيْدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ صَيْدًا حَتَّى تَخْلُوَ [[يعني: تنقضي.]] أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ذَهَبَ إئمه إِنِ اتَّقَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ [ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُجْمَعُونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ] [[ساقط من: ب.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ، حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُجَالِسُهُ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي مَجْلِسَهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [[انظر: الطبري: ٤ / ٢٢٩، أسباب النزول للواحدي ص (٩٦) .]] أَيْ تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ عَجِبْتُ مِنْ كَذَا ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أَيْ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ لَدَدْتَ يَا هَذَا وَأَنْتَ تَلِدُّ لَدًّا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧-مَرْيَمَ) . قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لَدِيدَيِ الْعُنُقِ وَهُمَا صَفْحَتَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، وَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ جَمْعُ خَصْمٍ يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ" [[رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم ١٣ / ١٨٠. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (٢٦٦٨) ٤ / ٢٠٥٤. والمصنف في شرح السنة ١٠ / ٩٧.]]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ [[الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف.]] كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ [[انظر: تفسير الواحدي: ١ / ٣٠٢، أسباب النزول له أيضا ص (٥٨) .]]
قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ إِذَا وَلِيَ فَعَمِلَ بالعدوان والظلم فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يَرْضَى بِالْفَسَادِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَطْعُ الدِّرْهَمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أَيْ خِفِ اللَّهَ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أَيْ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالْعِزَّةُ: التَّكَبُّرُ وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ.
قَوْلُهُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ كَافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أَيِ الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: لِلْعَبْدِ اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ أَيْ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمْ تَمْرُ عَجْوَةٍ فَأَكَلُوا فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَكَرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجأوا إِلَى فَدْفَدٍ [[الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر.]] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بْنَ طَارِقٍ، وَنَثَرَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ [[الكثير من الدّبْر.]] -وَهِيَ الزَّنَابِيرُ -فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا دَعُوهُ حَتَّى تسمي فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي [[العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة.]] فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غَدِيرًا فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا بِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ يَقُولُ: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا [[كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.]] الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ اللَّهُمَّ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحرث فَقَتَلَهُ.
وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ، أَبُو مَيْسَرَةَ، مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عُتُوًّا فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ يَعْنِي سَلَامَانَ. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ النِّسْطَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ (يُنْزِلُ) [[في أغزل.]] خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ حَتَّى أَتَيَا التنعيم ليلأ ٣١/ب وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَائِمُونَ نَشَاوَى فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَانِ يُدَافِعَانِ عَنْ شِبْلَيْهِمَا فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُبَاهِي بِهَذَيْنِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ حِينَ شَرَيَا أَنْفُسَهُمَا لِإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عَنْ خَشَبَتِهِ [[انظر فتح الباري: ٧ / ٣٧٨ -٣٧٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢ / ٥٦-٦٦.]] .
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَذَّبُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَبِحَ بَيْعُكَ يَا أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا تَتَحَسَّرْ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ مَا كَانَ فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي قَالُوا: نَعَمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: تفسير الواحدي ١ / ٣٠٤، ابن كثير: ١ / ٤٣٧، أسباب النزول للواحدي ص (٥٨) طبقات ابن سعد: ٣ / ٢٢٧-٢٢٨.]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقِيلَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي لِلَّهِ فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ عُمْرُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [[رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري ٦ / ١٩١. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ٦ / ٣٩٥ عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة) . والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر ٧ / ١٦١. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢ / ١٣٢٩. وأحمد: ٣ / ١٩ جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - ٤ / ٣٢٤ عن طارق بن شهاب ٥ / ٢٥١-٢٥٦ عن أبي أمامة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ، حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُجَالِسُهُ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي مَجْلِسَهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [[انظر: الطبري: ٤ / ٢٢٩، أسباب النزول للواحدي ص (٩٦) .]] أَيْ تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ عَجِبْتُ مِنْ كَذَا ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أَيْ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ لَدَدْتَ يَا هَذَا وَأَنْتَ تَلِدُّ لَدًّا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧-مَرْيَمَ) . قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لَدِيدَيِ الْعُنُقِ وَهُمَا صَفْحَتَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، وَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ جَمْعُ خَصْمٍ يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ" [[رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم ١٣ / ١٨٠. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (٢٦٦٨) ٤ / ٢٠٥٤. والمصنف في شرح السنة ١٠ / ٩٧.]]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ [[الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف.]] كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ [[انظر: تفسير الواحدي: ١ / ٣٠٢، أسباب النزول له أيضا ص (٥٨) .]]
قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ إِذَا وَلِيَ فَعَمِلَ بالعدوان والظلم فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يَرْضَى بِالْفَسَادِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَطْعُ الدِّرْهَمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أَيْ خِفِ اللَّهَ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أَيْ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالْعِزَّةُ: التَّكَبُّرُ وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ.
قَوْلُهُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ كَافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أَيِ الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: لِلْعَبْدِ اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ أَيْ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمْ تَمْرُ عَجْوَةٍ فَأَكَلُوا فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَكَرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجأوا إِلَى فَدْفَدٍ [[الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر.]] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بْنَ طَارِقٍ، وَنَثَرَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ [[الكثير من الدّبْر.]] -وَهِيَ الزَّنَابِيرُ -فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا دَعُوهُ حَتَّى تسمي فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي [[العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة.]] فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غَدِيرًا فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا بِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ يَقُولُ: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا [[كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.]] الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ اللَّهُمَّ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحرث فَقَتَلَهُ.
وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ، أَبُو مَيْسَرَةَ، مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عُتُوًّا فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ يَعْنِي سَلَامَانَ. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ النِّسْطَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ (يُنْزِلُ) [[في أغزل.]] خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ حَتَّى أَتَيَا التنعيم ليلأ ٣١/ب وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَائِمُونَ نَشَاوَى فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَانِ يُدَافِعَانِ عَنْ شِبْلَيْهِمَا فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُبَاهِي بِهَذَيْنِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ حِينَ شَرَيَا أَنْفُسَهُمَا لِإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عَنْ خَشَبَتِهِ [[انظر فتح الباري: ٧ / ٣٧٨ -٣٧٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢ / ٥٦-٦٦.]] .
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَذَّبُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَبِحَ بَيْعُكَ يَا أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا تَتَحَسَّرْ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ مَا كَانَ فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي قَالُوا: نَعَمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: تفسير الواحدي ١ / ٣٠٤، ابن كثير: ١ / ٤٣٧، أسباب النزول للواحدي ص (٥٨) طبقات ابن سعد: ٣ / ٢٢٧-٢٢٨.]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقِيلَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي لِلَّهِ فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ عُمْرُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [[رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري ٦ / ١٩١. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ٦ / ٣٩٥ عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة) . والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر ٧ / ١٦١. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢ / ١٣٢٩. وأحمد: ٣ / ١٩ جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - ٤ / ٣٢٤ عن طارق بن شهاب ٥ / ٢٥١-٢٥٦ عن أبي أمامة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ، حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُجَالِسُهُ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي مَجْلِسَهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [[انظر: الطبري: ٤ / ٢٢٩، أسباب النزول للواحدي ص (٩٦) .]] أَيْ تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ عَجِبْتُ مِنْ كَذَا ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أَيْ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ لَدَدْتَ يَا هَذَا وَأَنْتَ تَلِدُّ لَدًّا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧-مَرْيَمَ) . قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لَدِيدَيِ الْعُنُقِ وَهُمَا صَفْحَتَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، وَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ جَمْعُ خَصْمٍ يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ" [[رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم ١٣ / ١٨٠. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (٢٦٦٨) ٤ / ٢٠٥٤. والمصنف في شرح السنة ١٠ / ٩٧.]]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ [[الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف.]] كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ [[انظر: تفسير الواحدي: ١ / ٣٠٢، أسباب النزول له أيضا ص (٥٨) .]]
قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ إِذَا وَلِيَ فَعَمِلَ بالعدوان والظلم فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يَرْضَى بِالْفَسَادِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَطْعُ الدِّرْهَمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أَيْ خِفِ اللَّهَ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أَيْ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالْعِزَّةُ: التَّكَبُّرُ وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ.
قَوْلُهُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ كَافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أَيِ الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: لِلْعَبْدِ اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ أَيْ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمْ تَمْرُ عَجْوَةٍ فَأَكَلُوا فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَكَرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجأوا إِلَى فَدْفَدٍ [[الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر.]] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بْنَ طَارِقٍ، وَنَثَرَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ [[الكثير من الدّبْر.]] -وَهِيَ الزَّنَابِيرُ -فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا دَعُوهُ حَتَّى تسمي فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي [[العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة.]] فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غَدِيرًا فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا بِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ يَقُولُ: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا [[كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.]] الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ اللَّهُمَّ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحرث فَقَتَلَهُ.
وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ، أَبُو مَيْسَرَةَ، مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عُتُوًّا فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ يَعْنِي سَلَامَانَ. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ النِّسْطَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ (يُنْزِلُ) [[في أغزل.]] خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ حَتَّى أَتَيَا التنعيم ليلأ ٣١/ب وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَائِمُونَ نَشَاوَى فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَانِ يُدَافِعَانِ عَنْ شِبْلَيْهِمَا فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُبَاهِي بِهَذَيْنِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ حِينَ شَرَيَا أَنْفُسَهُمَا لِإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عَنْ خَشَبَتِهِ [[انظر فتح الباري: ٧ / ٣٧٨ -٣٧٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢ / ٥٦-٦٦.]] .
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَذَّبُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَبِحَ بَيْعُكَ يَا أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا تَتَحَسَّرْ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ مَا كَانَ فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي قَالُوا: نَعَمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: تفسير الواحدي ١ / ٣٠٤، ابن كثير: ١ / ٤٣٧، أسباب النزول للواحدي ص (٥٨) طبقات ابن سعد: ٣ / ٢٢٧-٢٢٨.]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقِيلَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي لِلَّهِ فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ عُمْرُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [[رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري ٦ / ١٩١. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ٦ / ٣٩٥ عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة) . والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر ٧ / ١٦١. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢ / ١٣٢٩. وأحمد: ٣ / ١٩ جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - ٤ / ٣٢٤ عن طارق بن شهاب ٥ / ٢٥١-٢٥٦ عن أبي أمامة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ، حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُجَالِسُهُ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي مَجْلِسَهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [[انظر: الطبري: ٤ / ٢٢٩، أسباب النزول للواحدي ص (٩٦) .]] أَيْ تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ عَجِبْتُ مِنْ كَذَا ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أَيْ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ لَدَدْتَ يَا هَذَا وَأَنْتَ تَلِدُّ لَدًّا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧-مَرْيَمَ) . قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لَدِيدَيِ الْعُنُقِ وَهُمَا صَفْحَتَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، وَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ جَمْعُ خَصْمٍ يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ" [[رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم ١٣ / ١٨٠. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (٢٦٦٨) ٤ / ٢٠٥٤. والمصنف في شرح السنة ١٠ / ٩٧.]]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ [[الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف.]] كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ [[انظر: تفسير الواحدي: ١ / ٣٠٢، أسباب النزول له أيضا ص (٥٨) .]]
قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أَيْ مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ إِذَا وَلِيَ فَعَمِلَ بالعدوان والظلم فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يَرْضَى بِالْفَسَادِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَطْعُ الدِّرْهَمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أَيْ خِفِ اللَّهَ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أَيْ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالْعِزَّةُ: التَّكَبُّرُ وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ.
قَوْلُهُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ كَافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أَيِ الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: لِلْعَبْدِ اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ أَيْ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمْ تَمْرُ عَجْوَةٍ فَأَكَلُوا فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَكَرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجأوا إِلَى فَدْفَدٍ [[الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر.]] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بْنَ طَارِقٍ، وَنَثَرَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ [[الكثير من الدّبْر.]] -وَهِيَ الزَّنَابِيرُ -فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا دَعُوهُ حَتَّى تسمي فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي [[العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة.]] فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غَدِيرًا فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا بِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ يَقُولُ: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا [[كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.]] الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ اللَّهُمَّ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحرث فَقَتَلَهُ.
وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ، أَبُو مَيْسَرَةَ، مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عُتُوًّا فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ يَعْنِي سَلَامَانَ. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ النِّسْطَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ (يُنْزِلُ) [[في أغزل.]] خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ حَتَّى أَتَيَا التنعيم ليلأ ٣١/ب وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَائِمُونَ نَشَاوَى فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَانِ يُدَافِعَانِ عَنْ شِبْلَيْهِمَا فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُبَاهِي بِهَذَيْنِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ حِينَ شَرَيَا أَنْفُسَهُمَا لِإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عَنْ خَشَبَتِهِ [[انظر فتح الباري: ٧ / ٣٧٨ -٣٧٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢ / ٥٦-٦٦.]] .
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَذَّبُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَبِحَ بَيْعُكَ يَا أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا تَتَحَسَّرْ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ مَا كَانَ فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي قَالُوا: نَعَمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: تفسير الواحدي ١ / ٣٠٤، ابن كثير: ١ / ٤٣٧، أسباب النزول للواحدي ص (٥٨) طبقات ابن سعد: ٣ / ٢٢٧-٢٢٨.]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقِيلَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي لِلَّهِ فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ عُمْرُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [[رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري ٦ / ١٩١. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ٦ / ٣٩٥ عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة) . والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر ٧ / ١٦١. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢ / ١٣٢٩. وأحمد: ٣ / ١٩ جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - ٤ / ٣٢٤ عن طارق بن شهاب ٥ / ٢٥١-٢٥٦ عن أبي أمامة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمَ هَاهُنَا بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ" بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْكَسْرِ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ.
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ وَيَكْرَهُونَ لُحْمَانَ الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٩٧) .]] أَيْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ ﴿كَافَّةً﴾ أَيْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَصْلُ السِّلْمِ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ سِلْمٌ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ فَعَدَّ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمْرُ فَقَالَ إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ فَتُعْجِبُنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ [[التهوك كالتهور، وهو الوقوع بالأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير.]] أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" [[رواه أحمد ٣ / ٣٨٧ - عن جابر. وابن أبي عاصم في السنة ١٠ / ٢٧، والدارمي ١ / ١١٥، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٣٩ وله شواهد عند أبي يعلى بنحوه ٢ / ٤٢٦-٤٢٧. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: ٣ / ٢٨-٢٩. قال الهيثمي في المجمع ١ / ١٧٤ وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. والمصنف في شرح السنة ١ / ٢٧٠. وحسنه الألباني فذكر له شواهد كثيرة. انظر إرواء الغليل ٦ / ٣٤-٣٨ ظلال الجنة ١ / ٢٧.]] .
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أَيْ ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلْتُمْ، يُقَالُ زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وَزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيِ الدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ فِي نِقْمَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ وَالْحَكِيمُ: ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ هَلْ يَنْظُرُ التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمِّيَ غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ: قَالَ مُقَاتِلٌ: كَهَيْئَةِ الضَّبَابِ أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ مِنَ الْغَمَامِ فَلَا يَنْظُرُ [إِلَيْهِ] [[في ب: إليهم.]] أَهْلُ الْأَرْضِ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ: مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ مَعَ الْعَسْكَرِ، وقرأ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقُولُونَ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يفسره إلأ ٣٣/أاللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أَيْ وَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ ﴿اللَّهِ﴾ [[زيادة من (ب) .]] الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمَ هَاهُنَا بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ" بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْكَسْرِ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ.
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ وَيَكْرَهُونَ لُحْمَانَ الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٩٧) .]] أَيْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ ﴿كَافَّةً﴾ أَيْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَصْلُ السِّلْمِ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ سِلْمٌ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ فَعَدَّ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمْرُ فَقَالَ إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ فَتُعْجِبُنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ [[التهوك كالتهور، وهو الوقوع بالأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير.]] أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" [[رواه أحمد ٣ / ٣٨٧ - عن جابر. وابن أبي عاصم في السنة ١٠ / ٢٧، والدارمي ١ / ١١٥، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٣٩ وله شواهد عند أبي يعلى بنحوه ٢ / ٤٢٦-٤٢٧. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: ٣ / ٢٨-٢٩. قال الهيثمي في المجمع ١ / ١٧٤ وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. والمصنف في شرح السنة ١ / ٢٧٠. وحسنه الألباني فذكر له شواهد كثيرة. انظر إرواء الغليل ٦ / ٣٤-٣٨ ظلال الجنة ١ / ٢٧.]] .
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أَيْ ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلْتُمْ، يُقَالُ زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وَزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيِ الدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ فِي نِقْمَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ وَالْحَكِيمُ: ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ هَلْ يَنْظُرُ التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمِّيَ غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ: قَالَ مُقَاتِلٌ: كَهَيْئَةِ الضَّبَابِ أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ مِنَ الْغَمَامِ فَلَا يَنْظُرُ [إِلَيْهِ] [[في ب: إليهم.]] أَهْلُ الْأَرْضِ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ: مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ مَعَ الْعَسْكَرِ، وقرأ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقُولُونَ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يفسره إلأ ٣٣/أاللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أَيْ وَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ ﴿اللَّهِ﴾ [[زيادة من (ب) .]] الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمَ هَاهُنَا بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ" بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْكَسْرِ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ.
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ وَيَكْرَهُونَ لُحْمَانَ الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٩٧) .]] أَيْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ ﴿كَافَّةً﴾ أَيْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَصْلُ السِّلْمِ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ سِلْمٌ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ فَعَدَّ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمْرُ فَقَالَ إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ فَتُعْجِبُنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ [[التهوك كالتهور، وهو الوقوع بالأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير.]] أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" [[رواه أحمد ٣ / ٣٨٧ - عن جابر. وابن أبي عاصم في السنة ١٠ / ٢٧، والدارمي ١ / ١١٥، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٣٩ وله شواهد عند أبي يعلى بنحوه ٢ / ٤٢٦-٤٢٧. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: ٣ / ٢٨-٢٩. قال الهيثمي في المجمع ١ / ١٧٤ وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. والمصنف في شرح السنة ١ / ٢٧٠. وحسنه الألباني فذكر له شواهد كثيرة. انظر إرواء الغليل ٦ / ٣٤-٣٨ ظلال الجنة ١ / ٢٧.]] .
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أَيْ ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلْتُمْ، يُقَالُ زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وَزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيِ الدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ فِي نِقْمَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ وَالْحَكِيمُ: ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ هَلْ يَنْظُرُ التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمِّيَ غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ: قَالَ مُقَاتِلٌ: كَهَيْئَةِ الضَّبَابِ أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ مِنَ الْغَمَامِ فَلَا يَنْظُرُ [إِلَيْهِ] [[في ب: إليهم.]] أَهْلُ الْأَرْضِ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ: مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ مَعَ الْعَسْكَرِ، وقرأ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقُولُونَ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يفسره إلأ ٣٣/أاللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أَيْ وَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ ﴿اللَّهِ﴾ [[زيادة من (ب) .]] الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ.