John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah An-Nisaa

Tafseer Al-Baghawi · The Women · 176 ayat · ayat 61–90 · Quran text →

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا.

﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هَذَا وَعِيدٌ، أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي: عُقُوبَةَ صُدُودِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا سَبَقَ، يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ فقال: ﴿ثُمَّ جَاؤُوكَ﴾ يَعْنِي: يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ [يُحْيُونَكَ وَيَحْلِفُونَ] [[في (أ) جاءت العبارة هكذا: (يجيئونك ويخافونك) .]] .

وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُصِيبَةِ قَتْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المنافق، ثم جاؤوا يَطْلُبُونَ دِيَتَهُ، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ مَا أَرَدْنَا بِالْعُدُولِ عَنْهُ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بِالتَّرَافُعِ إِلَى عُمَرَ، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا إِحْسَانًا فِي الْقَوْلِ، وَتَوْفِيقًا: صَوَابًا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حَقًّا وَعَدْلًا نَظِيرُهُ: "لِيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى"، وَقِيلَ: هُوَ إِحْسَانُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْرِيبُ الْأَمْرِ مِنَ الْحَقِّ، لَا الْقَضَاءُ عَلَى أَمْرِ الْحَكَمِ، وَالتَّوْفِيقُ: هُوَ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: هُوَ التَّأْلِيفُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا.

﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هَذَا وَعِيدٌ، أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي: عُقُوبَةَ صُدُودِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا سَبَقَ، يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ فقال: ﴿ثُمَّ جَاؤُوكَ﴾ يَعْنِي: يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ [يُحْيُونَكَ وَيَحْلِفُونَ] [[في (أ) جاءت العبارة هكذا: (يجيئونك ويخافونك) .]] .

وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُصِيبَةِ قَتْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المنافق، ثم جاؤوا يَطْلُبُونَ دِيَتَهُ، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ مَا أَرَدْنَا بِالْعُدُولِ عَنْهُ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بِالتَّرَافُعِ إِلَى عُمَرَ، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا إِحْسَانًا فِي الْقَوْلِ، وَتَوْفِيقًا: صَوَابًا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حَقًّا وَعَدْلًا نَظِيرُهُ: "لِيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى"، وَقِيلَ: هُوَ إِحْسَانُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْرِيبُ الْأَمْرِ مِنَ الْحَقِّ، لَا الْقَضَاءُ عَلَى أَمْرِ الْحَكَمِ، وَالتَّوْفِيقُ: هُوَ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: هُوَ التَّأْلِيفُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: عَنْ عُقُوبَتِهِمْ وَقِيلَ: فَأُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ وَعِظْهُمْ بِاللِّسَانِ، وَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: أَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ فِي الْمَلَإِ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فِي السِّرِّ وَالْخَلَاءِ، وَقَالَ: قِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بآية القتال.

وله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الْآيَةَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ [[الشراج: مجاري الماء من الحرار إلى السهل واحدها شرج، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وفي المدينة عدد منها.]] مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ. كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجِدْرَ، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذلك أشار ٩٠/أعَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ بِهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ.

قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [[أخرجه البخاري في المساقاة، باب سكر الأنهار: ٥ / ٣٤، وفي الصلح: ٥ / ٣٠٩ - ٣١٠، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، برقم (٢٣٥٧) : ٤ / ١٨٢٩، ١٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٢٨٣ - ٢٨٤. وانظر: فتح الباري: ٥ / ٣٤.]] الْآيَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ اسْمُهُ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمَّا خَرَجَا مَرَّ عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ: لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: قَضَى لِابْنِ عَمَّتِهِ وَلَوَى شِدْقَهُ فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبْنَا ذَنْبًا مَرَّةً فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا مُوسَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلْنَا فَبَلَغَ قَتْلَانَا سَبْعِينَ أَلْفًا فِي طَاعَةِ رَبِّنَا حَتَّى رَضِيَ عَنَّا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ وَلَوْ أَمَرَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [[حكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ومستندهم ما أخرجه ابن أبي حاتم مرسلا بسند قوي وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا - فقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من الأنصار شهد بدرا - لكنه من المهاجرين. وأما بقية القصة ومرورهم على اليهودي فقد ذكرها الثعلبي بغير إسناد، انظر: فتح الباري: ٥ / ٣٥ - ٣٦.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[ذكر الحافظ ابن كثير أثرا في قصة المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى النبي ﷺ ثم إلى عمر وقتل عمر للمنافق - وقال: غريب جدا أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﴿لَا﴾ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا﴾ صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ: أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضِيقًا، ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: إِثْمًا، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أَيْ: وَيَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ انْقِيَادًا.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: عَنْ عُقُوبَتِهِمْ وَقِيلَ: فَأُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ وَعِظْهُمْ بِاللِّسَانِ، وَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: أَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ فِي الْمَلَإِ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فِي السِّرِّ وَالْخَلَاءِ، وَقَالَ: قِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بآية القتال.

وله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الْآيَةَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ [[الشراج: مجاري الماء من الحرار إلى السهل واحدها شرج، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وفي المدينة عدد منها.]] مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ. كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجِدْرَ، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذلك أشار ٩٠/أعَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ بِهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ.

قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [[أخرجه البخاري في المساقاة، باب سكر الأنهار: ٥ / ٣٤، وفي الصلح: ٥ / ٣٠٩ - ٣١٠، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، برقم (٢٣٥٧) : ٤ / ١٨٢٩، ١٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٢٨٣ - ٢٨٤. وانظر: فتح الباري: ٥ / ٣٤.]] الْآيَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ اسْمُهُ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمَّا خَرَجَا مَرَّ عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ: لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: قَضَى لِابْنِ عَمَّتِهِ وَلَوَى شِدْقَهُ فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبْنَا ذَنْبًا مَرَّةً فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا مُوسَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلْنَا فَبَلَغَ قَتْلَانَا سَبْعِينَ أَلْفًا فِي طَاعَةِ رَبِّنَا حَتَّى رَضِيَ عَنَّا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ وَلَوْ أَمَرَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [[حكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ومستندهم ما أخرجه ابن أبي حاتم مرسلا بسند قوي وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا - فقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من الأنصار شهد بدرا - لكنه من المهاجرين. وأما بقية القصة ومرورهم على اليهودي فقد ذكرها الثعلبي بغير إسناد، انظر: فتح الباري: ٥ / ٣٥ - ٣٦.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[ذكر الحافظ ابن كثير أثرا في قصة المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى النبي ﷺ ثم إلى عمر وقتل عمر للمنافق - وقال: غريب جدا أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﴿لَا﴾ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا﴾ صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ: أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضِيقًا، ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: إِثْمًا، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أَيْ: وَيَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ انْقِيَادًا.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: عَنْ عُقُوبَتِهِمْ وَقِيلَ: فَأُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ وَعِظْهُمْ بِاللِّسَانِ، وَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: أَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ فِي الْمَلَإِ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فِي السِّرِّ وَالْخَلَاءِ، وَقَالَ: قِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بآية القتال.

وله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الْآيَةَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ [[الشراج: مجاري الماء من الحرار إلى السهل واحدها شرج، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وفي المدينة عدد منها.]] مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ. كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجِدْرَ، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذلك أشار ٩٠/أعَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ بِهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ.

قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [[أخرجه البخاري في المساقاة، باب سكر الأنهار: ٥ / ٣٤، وفي الصلح: ٥ / ٣٠٩ - ٣١٠، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، برقم (٢٣٥٧) : ٤ / ١٨٢٩، ١٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٨ / ٢٨٣ - ٢٨٤. وانظر: فتح الباري: ٥ / ٣٤.]] الْآيَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ اسْمُهُ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمَّا خَرَجَا مَرَّ عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ: لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: قَضَى لِابْنِ عَمَّتِهِ وَلَوَى شِدْقَهُ فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبْنَا ذَنْبًا مَرَّةً فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا مُوسَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلْنَا فَبَلَغَ قَتْلَانَا سَبْعِينَ أَلْفًا فِي طَاعَةِ رَبِّنَا حَتَّى رَضِيَ عَنَّا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ وَلَوْ أَمَرَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [[حكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ومستندهم ما أخرجه ابن أبي حاتم مرسلا بسند قوي وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا - فقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من الأنصار شهد بدرا - لكنه من المهاجرين. وأما بقية القصة ومرورهم على اليهودي فقد ذكرها الثعلبي بغير إسناد، انظر: فتح الباري: ٥ / ٣٥ - ٣٦.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[ذكر الحافظ ابن كثير أثرا في قصة المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى النبي ﷺ ثم إلى عمر وقتل عمر للمنافق - وقال: غريب جدا أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﴿لَا﴾ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا﴾ صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ: أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضِيقًا، ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: إِثْمًا، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أَيْ: وَيَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ انْقِيَادًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّا مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" [[ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص ٤٦، تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٣.]] .

قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَعَلُوهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تَحْقِيقًا وَتَصْدِيقًا لِإِيمَانِهِمْ.

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوَابًا وَافِرًا.

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[أسباب النزول للواحدي ص (١٥٨) وانظر: الكافي الشاف ص (٤٦) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[الطبري: ٨ / ٥٣٤، الدر المنثور: ٢ / ٥٨٩، أسباب النزول للواحدي ص (١٥٩) .]] .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ فِي السُّنَنِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لَا أَنَّهُمْ [[في (ب) (لأنهم) .]] يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ وَالصِّدِّيقُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] أَيْ: أَطْفَالًا ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ: الْأَدْبَارَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" [[البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٤٠) : ٤ / ٢٠٣٤. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" [[أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٣٩) : ٤ / ٢٠٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّا مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" [[ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص ٤٦، تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٣.]] .

قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَعَلُوهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تَحْقِيقًا وَتَصْدِيقًا لِإِيمَانِهِمْ.

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوَابًا وَافِرًا.

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[أسباب النزول للواحدي ص (١٥٨) وانظر: الكافي الشاف ص (٤٦) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[الطبري: ٨ / ٥٣٤، الدر المنثور: ٢ / ٥٨٩، أسباب النزول للواحدي ص (١٥٩) .]] .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ فِي السُّنَنِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لَا أَنَّهُمْ [[في (ب) (لأنهم) .]] يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ وَالصِّدِّيقُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] أَيْ: أَطْفَالًا ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ: الْأَدْبَارَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" [[البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٤٠) : ٤ / ٢٠٣٤. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" [[أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٣٩) : ٤ / ٢٠٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّا مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" [[ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص ٤٦، تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٣.]] .

قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَعَلُوهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تَحْقِيقًا وَتَصْدِيقًا لِإِيمَانِهِمْ.

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوَابًا وَافِرًا.

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[أسباب النزول للواحدي ص (١٥٨) وانظر: الكافي الشاف ص (٤٦) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[الطبري: ٨ / ٥٣٤، الدر المنثور: ٢ / ٥٨٩، أسباب النزول للواحدي ص (١٥٩) .]] .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ فِي السُّنَنِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لَا أَنَّهُمْ [[في (ب) (لأنهم) .]] يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ وَالصِّدِّيقُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] أَيْ: أَطْفَالًا ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ: الْأَدْبَارَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" [[البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٤٠) : ٤ / ٢٠٣٤. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" [[أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٣٩) : ٤ / ٢٠٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّا مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" [[ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص ٤٦، تفسير ابن كثير: ١ / ٥٢٣.]] .

قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَعَلُوهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تَحْقِيقًا وَتَصْدِيقًا لِإِيمَانِهِمْ.

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوَابًا وَافِرًا.

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[أسباب النزول للواحدي ص (١٥٨) وانظر: الكافي الشاف ص (٤٦) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[الطبري: ٨ / ٥٣٤، الدر المنثور: ٢ / ٥٨٩، أسباب النزول للواحدي ص (١٥٩) .]] .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ فِي السُّنَنِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لَا أَنَّهُمْ [[في (ب) (لأنهم) .]] يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ وَالصِّدِّيقُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] أَيْ: أَطْفَالًا ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ: الْأَدْبَارَ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" [[البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٤٠) : ٤ / ٢٠٣٤. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" [[أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: ١٠ / ٥٥٧ وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (٢٦٣٩) : ٤ / ٢٠٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦١.]] .

﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أَيْ: بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْ [[في ب: (لمن) .]] أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: ١ / ٩٣ وفي مواضع أخرى، ومسلم في المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم (١٨١٦) : ٤ / ٢١٧٠، وفي البر والصلة، والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٣٩٠.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِنْ عَدُوِّكُمْ، أَيْ: عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحِذْرُ وَالْحَذَرُ وَاحِدٌ، كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ، ﴿فَانْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا ﴿ثُبَاتٍ﴾ أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ نَزَلَتْ في المنافقين [[قال مجاهد. انظر: ابن كثير: ١ / ٥٢٥.]] ٩٠/ب

وَإِنَّمَا قَالَ ﴿مِنْكُمْ﴾ لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: مَا أَخَّرَكَ عَنَّا؟ وَيُقَالُ: أَبْطَأَ إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً.

﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالْقُعُودِ، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ.

﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أَيْ: بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْ [[في ب: (لمن) .]] أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: ١ / ٩٣ وفي مواضع أخرى، ومسلم في المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم (١٨١٦) : ٤ / ٢١٧٠، وفي البر والصلة، والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٣٩٠.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِنْ عَدُوِّكُمْ، أَيْ: عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحِذْرُ وَالْحَذَرُ وَاحِدٌ، كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ، ﴿فَانْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا ﴿ثُبَاتٍ﴾ أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ نَزَلَتْ في المنافقين [[قال مجاهد. انظر: ابن كثير: ١ / ٥٢٥.]] ٩٠/ب

وَإِنَّمَا قَالَ ﴿مِنْكُمْ﴾ لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: مَا أَخَّرَكَ عَنَّا؟ وَيُقَالُ: أَبْطَأَ إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً.

﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالْقُعُودِ، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ.

﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أَيْ: بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْ [[في ب: (لمن) .]] أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: ١ / ٩٣ وفي مواضع أخرى، ومسلم في المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم (١٨١٦) : ٤ / ٢١٧٠، وفي البر والصلة، والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٣٩٠.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِنْ عَدُوِّكُمْ، أَيْ: عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحِذْرُ وَالْحَذَرُ وَاحِدٌ، كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ، ﴿فَانْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا ﴿ثُبَاتٍ﴾ أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ نَزَلَتْ في المنافقين [[قال مجاهد. انظر: ابن كثير: ١ / ٥٢٥.]] ٩٠/ب

وَإِنَّمَا قَالَ ﴿مِنْكُمْ﴾ لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: مَا أَخَّرَكَ عَنَّا؟ وَيُقَالُ: أَبْطَأَ إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً.

﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالْقُعُودِ، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ.

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَتْحٌ وَغَنِيمَةٌ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هَذَا الْمُنَافِقُ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَوْلُهُ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أَيْ: مَعْرِفَةٌ.

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ ﴿تَكُنْ﴾ بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَيْ: آخُذَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَأَفُوزَ﴾ نُصِبَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ، كَمَا تَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَقُومَ فَيَتْبَعُنِي النَّاسُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْنَى يَشْرُونَ أَيْ: يَشْتَرُونَ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعْنَاهُ: آمَنُوا ثُمَّ قَاتَلُوا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، مَعْنَاهُ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَيْ: يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَيَخْتَارُونَ الْآخِرَةَ ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي يُسْتَشْهَدُ، ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يَظْفَرْ، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَيُدْغِمُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْبَاءَ فِي الْفَاءِ حَيْثُ كَانَ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ "أحلت لي الغنائم": ٦ / ٢٢٠، وفي التوحيد، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْقَانِتِ الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ بِمَا يُرْجِعُهُ مِنْ غَنِيمَةٍ وَأَجْرٍ، أَوْ يَتَوَفَّاهُ فَيَدْخُلُهُ الْجَنَّةَ" [[أخرجه البخاري في الجهاد - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: ٦ / ٦، ومسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم (١٨٧٨) : ١٤٩٨، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٤٨ - ٣٤٩.]] .

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فَتْحٌ وَغَنِيمَةٌ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هَذَا الْمُنَافِقُ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَوْلُهُ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أَيْ: مَعْرِفَةٌ.

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ ﴿تَكُنْ﴾ بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَيْ: آخُذَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَأَفُوزَ﴾ نُصِبَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ، كَمَا تَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَقُومَ فَيَتْبَعُنِي النَّاسُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْنَى يَشْرُونَ أَيْ: يَشْتَرُونَ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعْنَاهُ: آمَنُوا ثُمَّ قَاتَلُوا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، مَعْنَاهُ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَيْ: يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَيَخْتَارُونَ الْآخِرَةَ ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي يُسْتَشْهَدُ، ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يَظْفَرْ، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَيُدْغِمُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْبَاءَ فِي الْفَاءِ حَيْثُ كَانَ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ "أحلت لي الغنائم": ٦ / ٢٢٠، وفي التوحيد، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْقَانِتِ الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ بِمَا يُرْجِعُهُ مِنْ غَنِيمَةٍ وَأَجْرٍ، أَوْ يَتَوَفَّاهُ فَيَدْخُلُهُ الْجَنَّةَ" [[أخرجه البخاري في الجهاد - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: ٦ / ٦، ومسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم (١٨٧٨) : ١٤٩٨، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٤٨ - ٣٤٩.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ لَا تُجَاهِدُونَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يُعَاتِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا، ﴿الَّذِينَ﴾ يَدْعُونَ وَ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا خَفَضَ [[في أ: (خص) .]] ﴿الظَّالِمَ﴾ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَهْلِ، فَلِمَا عَادَ الْأَهْلُ إِلَى الْقَرْيَةِ صَارَ كَأَنَّ الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أَيْ: مَنْ يَلِي أَمْرَنَا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نَصِيرًا يُنْصِفُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ: حِزْبَهُ وَجُنُودَهُ وَهُمُ الْكُفَّارُ، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مَكْرَهُ، ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأُسُودِ الْكِنْدِيِّ، وَقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَجَمَاعَةٍ كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" [[الواحدي في أسباب النزول ص ١٥٩ - ١٦٠، وأخرجه النسائي عن ابن عباس في السنن: ٦ / ٣، والحاكم: ٢ / ٦٦، ٣٠٧.]] .

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ فُرِضَ، ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يَعْنِي: يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أَكْثَرَ، ﴿خَشْيَةً﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الْجِهَادَ ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ .

وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، قِيلَ: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا، ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ.

وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ، ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ﴿قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ﴾ أَيْ: وَثَوَابُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ تُظْلَمُونَ بِالتَّاءِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ" [[أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (٢٨٥٨) : ٤ / ٢١٩٣.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ لَا تُجَاهِدُونَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يُعَاتِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا، ﴿الَّذِينَ﴾ يَدْعُونَ وَ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا خَفَضَ [[في أ: (خص) .]] ﴿الظَّالِمَ﴾ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَهْلِ، فَلِمَا عَادَ الْأَهْلُ إِلَى الْقَرْيَةِ صَارَ كَأَنَّ الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أَيْ: مَنْ يَلِي أَمْرَنَا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نَصِيرًا يُنْصِفُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ: حِزْبَهُ وَجُنُودَهُ وَهُمُ الْكُفَّارُ، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مَكْرَهُ، ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأُسُودِ الْكِنْدِيِّ، وَقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَجَمَاعَةٍ كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" [[الواحدي في أسباب النزول ص ١٥٩ - ١٦٠، وأخرجه النسائي عن ابن عباس في السنن: ٦ / ٣، والحاكم: ٢ / ٦٦، ٣٠٧.]] .

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ فُرِضَ، ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يَعْنِي: يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أَكْثَرَ، ﴿خَشْيَةً﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الْجِهَادَ ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ .

وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، قِيلَ: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا، ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ.

وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ، ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ﴿قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ﴾ أَيْ: وَثَوَابُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ تُظْلَمُونَ بِالتَّاءِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ" [[أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (٢٨٥٨) : ٤ / ٢١٩٣.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ لَا تُجَاهِدُونَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يُعَاتِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا، ﴿الَّذِينَ﴾ يَدْعُونَ وَ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا خَفَضَ [[في أ: (خص) .]] ﴿الظَّالِمَ﴾ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَهْلِ، فَلِمَا عَادَ الْأَهْلُ إِلَى الْقَرْيَةِ صَارَ كَأَنَّ الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أَيْ: مَنْ يَلِي أَمْرَنَا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نَصِيرًا يُنْصِفُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أَيْ: حِزْبَهُ وَجُنُودَهُ وَهُمُ الْكُفَّارُ، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مَكْرَهُ، ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأُسُودِ الْكِنْدِيِّ، وَقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَجَمَاعَةٍ كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" [[الواحدي في أسباب النزول ص ١٥٩ - ١٦٠، وأخرجه النسائي عن ابن عباس في السنن: ٦ / ٣، والحاكم: ٢ / ٦٦، ٣٠٧.]] .

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ فُرِضَ، ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يَعْنِي: يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أَكْثَرَ، ﴿خَشْيَةً﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الْجِهَادَ ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ .

وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، قِيلَ: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا، ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ.

وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ، ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ﴿قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ﴾ أَيْ: وَثَوَابُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ تُظْلَمُونَ بِالتَّاءِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ" [[أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (٢٨٥٨) : ٤ / ٢١٩٣.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أَيْ: يَنْزِلُ بِكُمُ الْمَوْتُ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا، فردَّ ٩١/أاللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [[الطبري: ٩ / ٨، الواحدي في أسباب النزول ص (١٦٠) ، والدر المنثور: ٢ / ٥٩٥ - ٥٩٦.]] ، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وَالْبُرُوجُ: الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَالْمُشَيَّدَةُ: الْمَرْفُوعَةُ الْمُطَوَّلَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ فِي قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُجَصَّصَةٍ، وَالشَّيْدُ: الْجِصُّ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ: مَا زِلْنَا نَعْرِفُ النَّقْصَ فِي ثِمَارِنَا وَمَزَارِعِنَا مُنْذُ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أَيْ خِصْبٌ وَرُخْصٌ فِي السِّعْرِ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَنَا، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يَعْنِي: الْجَدْبَ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: أَنْتَ الَّذِي حَمَلَتْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ عَيَّرَهُمْ بِالْجَهْلِ فَقَالَ: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ، ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ قَوْلًا وَقِيلَ: الْحَدِيثُ هَاهُنَا هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّامَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا وَأَنَّهُمَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَفَصَلُوا اللَّامَ مِمَّا بَعْدَهَا فِي بَعْضِهِ، وَوَصَلُوهَا فِي بَعْضِهِ، وَالِاتِّصَالُ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى اللَّامِ لِأَنَّهَا لَامٌ خَافِضَةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بَلِيٍّةٍ أَوْ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذُنُوبِكَ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَيَتَعَلَّقُ [[في ب: (وتعلق) .]] أَهْلُ الْقَدَرِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالُوا: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَسَبَهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَلَا سَيِّآتِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمِحَنِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَنْسِبْهَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ وَلَا يُقَالُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ أَصَابَنِي، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصَبْتُهَا، وَيُقَالُ فِي النِّعَمِ: أَصَابَنِي، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ، وَلَمَّا ذَكَرَ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَسَيِّئَاتِهِ نَسَبَهَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَقَالَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مَثَلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] .

وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: بِذَنْبِ نَفْسِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيِ: الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلَى إِرْسَالِكَ وَصِدْقِكَ، وَقِيلَ: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أَيْ: يَنْزِلُ بِكُمُ الْمَوْتُ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا، فردَّ ٩١/أاللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [[الطبري: ٩ / ٨، الواحدي في أسباب النزول ص (١٦٠) ، والدر المنثور: ٢ / ٥٩٥ - ٥٩٦.]] ، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وَالْبُرُوجُ: الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَالْمُشَيَّدَةُ: الْمَرْفُوعَةُ الْمُطَوَّلَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ فِي قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُجَصَّصَةٍ، وَالشَّيْدُ: الْجِصُّ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ: مَا زِلْنَا نَعْرِفُ النَّقْصَ فِي ثِمَارِنَا وَمَزَارِعِنَا مُنْذُ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أَيْ خِصْبٌ وَرُخْصٌ فِي السِّعْرِ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَنَا، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يَعْنِي: الْجَدْبَ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: أَنْتَ الَّذِي حَمَلَتْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ عَيَّرَهُمْ بِالْجَهْلِ فَقَالَ: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ، ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ قَوْلًا وَقِيلَ: الْحَدِيثُ هَاهُنَا هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّامَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا وَأَنَّهُمَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَفَصَلُوا اللَّامَ مِمَّا بَعْدَهَا فِي بَعْضِهِ، وَوَصَلُوهَا فِي بَعْضِهِ، وَالِاتِّصَالُ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى اللَّامِ لِأَنَّهَا لَامٌ خَافِضَةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بَلِيٍّةٍ أَوْ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذُنُوبِكَ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَيَتَعَلَّقُ [[في ب: (وتعلق) .]] أَهْلُ الْقَدَرِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالُوا: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَسَبَهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَلَا سَيِّآتِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمِحَنِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَنْسِبْهَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ وَلَا يُقَالُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ أَصَابَنِي، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصَبْتُهَا، وَيُقَالُ فِي النِّعَمِ: أَصَابَنِي، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ، وَلَمَّا ذَكَرَ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَسَيِّئَاتِهِ نَسَبَهَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَقَالَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مَثَلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] .

وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: بِذَنْبِ نَفْسِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيِ: الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلَى إِرْسَالِكَ وَصِدْقِكَ، وَقِيلَ: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ" فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رِبًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [[قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (٤٦) : لم أجده.]] أَيْ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ عَنْ طَاعَتِهِ، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أَيْ: حَافِظًا وَرَقِيبًا، بَلْ كُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: نَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ ﷺ: إِنَّا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أَنْ نُطِيعَكَ، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خَرَجُوا، ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بَيَّتَ أَيْ: غَيَّرَ وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا، وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فَهُوَ تَبْيِيتٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ، قدبُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ أَيْ: يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنِعَ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أَيْ: اتَّخِذْهُ وَكَيْلًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكَيْلًا وَنَاصِرًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يَعْنِي: أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا -بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يُخْبِرُ -أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَيُفْشُونَ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رسول الله ﷺ ٩١/ب فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ [[الطبري: ٨ / ٥٧٠، وقارن بالدر المنثور: ٢ / ٦٠١ - ٦٠٢.]] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ أَيْ: لَوْ لَمْ يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أبي بكر وعمرو وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا هُوَ.

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كُلُّكُمْ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا لَمْ يُفْشِهِ، عَنِيَ بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كَلَامٌ تَامٌّ.

وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ وَرَحِمْتُهُ: الْقُرْآنُ، يَقُولُ لولا ذلك لابتعتم الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَهُمْ قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا.

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النُّصُوصِ.

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ ﷺ: إِنَّا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أَنْ نُطِيعَكَ، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خَرَجُوا، ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بَيَّتَ أَيْ: غَيَّرَ وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا، وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فَهُوَ تَبْيِيتٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ، قدبُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ أَيْ: يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنِعَ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أَيْ: اتَّخِذْهُ وَكَيْلًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكَيْلًا وَنَاصِرًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يَعْنِي: أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا -بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يُخْبِرُ -أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَيُفْشُونَ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رسول الله ﷺ ٩١/ب فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ [[الطبري: ٨ / ٥٧٠، وقارن بالدر المنثور: ٢ / ٦٠١ - ٦٠٢.]] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ أَيْ: لَوْ لَمْ يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أبي بكر وعمرو وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا هُوَ.

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كُلُّكُمْ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا لَمْ يُفْشِهِ، عَنِيَ بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كَلَامٌ تَامٌّ.

وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ وَرَحِمْتُهُ: الْقُرْآنُ، يَقُولُ لولا ذلك لابتعتم الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَهُمْ قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا.

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النُّصُوصِ.

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ ﷺ: إِنَّا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أَنْ نُطِيعَكَ، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خَرَجُوا، ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بَيَّتَ أَيْ: غَيَّرَ وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا، وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فَهُوَ تَبْيِيتٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ، قدبُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ أَيْ: يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنِعَ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أَيْ: اتَّخِذْهُ وَكَيْلًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكَيْلًا وَنَاصِرًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يَعْنِي: أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا -بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يُخْبِرُ -أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَيُفْشُونَ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رسول الله ﷺ ٩١/ب فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ [[الطبري: ٨ / ٥٧٠، وقارن بالدر المنثور: ٢ / ٦٠١ - ٦٠٢.]] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ أَيْ: لَوْ لَمْ يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أبي بكر وعمرو وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا هُوَ.

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كُلُّكُمْ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا لَمْ يُفْشِهِ، عَنِيَ بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ كَلَامٌ تَامٌّ.

وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ وَرَحِمْتُهُ: الْقُرْآنُ، يَقُولُ لولا ذلك لابتعتم الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَهُمْ قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا.

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النُّصُوصِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاعَدَ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمِيعَادُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [[انظر البداية والنهاية لابن كثير: ٤ / ٧٨٠، وانظر فيما سبق: ص (١٣٧ - ١٣٩) .]] أَيْ: لَا تَدَعْ جِهَادَ الْعَدُوِّ وَالِانْتِصَارِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ وَحْدَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكَ النُّصْرَةَ وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ﴾ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فَقَاتِلْ، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلَى الْقِتَالِ أَيْ حُضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَرَغِّبْهُمْ فِي الثَّوَابِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَكَفَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ، ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: قِتَالَ الَّذِينَ كَفَّرُوا الْمُشْرِكِينَ و"عَسَى" مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ أَيْ: أَشَدُّ صَوْلَةً وَأَعْظَمُ سُلْطَانًا، ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أَيْ: نَصِيبٌ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ هِيَ الْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ حُسْنُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الثَّوَابَ وَالْخَيْرَ، وَالسَّيِّئَةُ هِيَ: الْغَيْبَةُ وَإِسَاءَةُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الشَّرَّ.

وَقَوْلُهُ ﴿كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أَيْ: مِنْ وِزْرِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ شَفَاعَةُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَيُؤْجَرُ الشَّفِيعُ عَلَى شَفَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَفَّعْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "اشْفَعُوا لتُؤْجَرُوا لِيَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا: ١٠ / ٤٥٠، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب الشفاعة برقم (٢٦٢٧) : ٤ / ٢٠٢٦ واللام في قوله: "فليقض" ليست للأمر ولا للتعليل، ويحتمل أن تكون للدعاء بمعنى: اللهم اقض. انظر: فتح الباري: ١٠ / ٤٥١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُقْتَدِرًا مُجَازِيًا، قَالَ الشاعر: وذي ظعنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ ... عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتًا

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَاهِدًا: وَقَالَ قَتَادَةُ: حَافِظًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُقِيتًا [[في أ: (مقيت) .]] أَيْ: يُوصِلُ الْقُوتَ إِلَيْهِ.

وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ويُقِيتُ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في صلة الرحم: ٢ / ٢٦١ عن عبد الله بن عمرو، وأخرج مسلم في الزكاة، باب فصل النفقة على المملوك برقم (٩٩٦) : ٢ / ٦٩٢ عن عبد الله بن عمرو " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته" والإمام أحمد في المسند: ٢ / ١٦٠، ١٩٣، ١٩٥. وعزاه المنذري للنسائي، والمصنف في شرح السنة: ٩ / ٣٤٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ التَّحِيَّةُ: هِيَ دُعَاءُ الْحَيَاةِ، والمراد بالتحية ها هنا، السَّلَامُ، يَقُولُ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمٌ فَأَجِيبُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا كَمَا سَلَّمَ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرُدَّ مِثْلَهُ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلَامَ يَنْتَهِي إِلَى الْبَرَكَةِ [[أخرجه مالك في الموطأ، كتاب السلام، باب العمل في السلام: ٢ / ٥٥٩. وعن الزيادة في السلام قال ابن حجر في الفتح: ١١ / ٦: "وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على: وبركاته".]] .

وُرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَشْرٌ" ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَّدَ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: "عِشْرُونَ" ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "ثَلَاثُونَ" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب كيف السلام: ٨ / ٦٨ - ٦٩، والترمذي في الاستئذان، باب ما ذكر في فضل السلام: ٧ / ٤٦٢، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. من حديث عمران بن حصين. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف، وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب: ٣ / ٤٢٩ للنسائي والبيهقي بإسناد حسن، وانظر تحفة الأحوذي: ٧ / ٣٦٢ - ٤٦٣، وابن كثير: ١ / ٥٣٣.]] .

وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ سَنَّةٌ وَرَدَّ السَّلَامِ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ سَنَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ كَانَ كَافِيًا فِي السُّنَةِ، وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ عَلَى جَمَاعَةٍ وَرَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِهِمْ.

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ، أَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤَمِّنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [[أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (٥٤) : ١ / ٧٤، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٥٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا قُتَيْبَةُ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام: ١ / ٥٥ وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام. .برقم (٦٣) : ١ / ٦٥. والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٦٠.]] . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ، يُرِيدُ أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ.

وَقِيلَ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ مَعْنَاهُ أَيْ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مُسْلِمًا، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ بِمِثْلِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الله ٩٢/أبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ: فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُّ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ عَلَيْكَ" [[أخرجه البخاري في الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام: ١١ / ٤٢، وفي مواضع أخرى، ومسلم في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم برقم (٢١٦٤) : ٤ / ١٧٠٦ والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٧٠.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أَيْ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، حَسِيبًا أَيْ: مُحَاسِبًا مُجَازِيًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفِيظًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَافِيًا، يُقَالُ: حَسْبِي هَذَا أَيْ كَفَانِي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِيَجْمَعُنَّكُمْ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْقُبُورِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ قِيَامَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣] وَقِيلَ: لِقِيَامِهِمْ إِلَى الْحِسَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [المطففين: ٦] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أَيْ: قَوْلًا وَوَعْدًا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ﴿أَصْدَقُ﴾ صَادٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا دَالٌ بِإِشْمَامِ الزَّايِ.

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اقْتُلْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْفُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: لِمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةٌ تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وَقَالَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" [[أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب "فما لكم في المنافقين فئتين. . " ٨ / ٢٥٦، ومسلم في أول كتاب صفات المنافقين برقم (٢٧٧٦) : ٤ / ٢١٤٢.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعٍ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا فَخَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ [[انظر: الطبري: ٩ / ٩ - ١٠، أسباب النزول للواحدي ص (١٦١) .]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا كَهَيْئَةِ الْمُتَنَزِّهِينَ حَتَّى بَاعَدُوا [[في ب: (بعدوا) .]] مِنَ الْمَدِينَةِ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا عَلَى الَّذِي فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّا اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ وَاشْتَقْنَا إِلَى أَرْضِنَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا فِي تِجَارَةٍ لَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ قَوْمًا عَلَى دِينِكُمْ إِنْ لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهُمْ، وَكَانَ هَذَا بِعَيْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: الطبري: ٩ / ١٢ - ١٣، أسباب النزول ص (١٦١) .]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمْ يُهَاجِرُوا وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ [[انظر: الطبري: ٩ / ١٠ - ١١.]] ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أَيْ: صِرْتُمْ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ، أَيْ: فِرْقَتَيْنِ، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أَيْ: نَكَّسَهُمُ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرِ الزَّاكِيَةِ ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ أَيْ: أَنْ تُرْشِدُوا ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَتَقُولُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ وَقَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أَيْ: مَنْ يُضْلِلْهُ اللَّهُ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِيَجْمَعُنَّكُمْ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْقُبُورِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ قِيَامَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣] وَقِيلَ: لِقِيَامِهِمْ إِلَى الْحِسَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [المطففين: ٦] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أَيْ: قَوْلًا وَوَعْدًا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ﴿أَصْدَقُ﴾ صَادٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا دَالٌ بِإِشْمَامِ الزَّايِ.

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اقْتُلْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْفُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: لِمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةٌ تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وَقَالَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" [[أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب "فما لكم في المنافقين فئتين. . " ٨ / ٢٥٦، ومسلم في أول كتاب صفات المنافقين برقم (٢٧٧٦) : ٤ / ٢١٤٢.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعٍ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا فَخَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ [[انظر: الطبري: ٩ / ٩ - ١٠، أسباب النزول للواحدي ص (١٦١) .]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا كَهَيْئَةِ الْمُتَنَزِّهِينَ حَتَّى بَاعَدُوا [[في ب: (بعدوا) .]] مِنَ الْمَدِينَةِ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا عَلَى الَّذِي فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّا اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ وَاشْتَقْنَا إِلَى أَرْضِنَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا فِي تِجَارَةٍ لَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ قَوْمًا عَلَى دِينِكُمْ إِنْ لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهُمْ، وَكَانَ هَذَا بِعَيْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: الطبري: ٩ / ١٢ - ١٣، أسباب النزول ص (١٦١) .]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمْ يُهَاجِرُوا وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ [[انظر: الطبري: ٩ / ١٠ - ١١.]] ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أَيْ: صِرْتُمْ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ، أَيْ: فِرْقَتَيْنِ، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أَيْ: نَكَّسَهُمُ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرِ الزَّاكِيَةِ ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ أَيْ: أَنْ تُرْشِدُوا ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَتَقُولُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ وَقَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أَيْ: مَنْ يُضْلِلْهُ اللَّهُ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا﴾ تَمَنَّوْا، يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ الدِّينِ تَمَنَّوْا ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ فِي الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَتَكُونُونَ﴾ لَمْ يُرَدْ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لِأَنَّ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ مَنْصُوبٌ، إِنَّمَا أَرَادَ النَّسَقَ، أَيْ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وَوَدُّوا لَوْ تَكُونُونَ سَوَاءً، مِثْلَ قَوْلِهِ "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" [القلم: ٩] أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ وَوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَعَكُمْ.

قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ هِجْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهِجْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: هِجْرَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ [الحشر: ٨] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِجْرَةُ الْمُنَافِقِينَ: وَهِيَ الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَابِرًا مُحْتَسِبًا [كما حكى ها هنا] [[ساقط من (ب) .]] مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِجْرَةُ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،: ١ / ٥٧ وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٢٧.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْهِجْرَةِ، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أَيْ: خُذُوهُمْ أُسَارَى، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْأَسِيرِ أَخِيذٌ، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَالَ:

﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْقَتْلِ لَا إِلَى الْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَعْنَى ﴿يَصِلُونَ﴾ أَيْ: يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ وَيَتَّصِلُونَ بِهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِيهِمْ بالحِلْفِ وَالْجِوَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: يريدون ويلجأون إِلَى قَوْمٍ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أَيْ: عَهْدٌ، وَهُمُ الْأَسْلَمِيُّونَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هِلَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَلَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ مِثْلَ مَا لِهِلَالٍ،.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ بَنِي بَكْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ كَانُوا فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ خُزَاعَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ أَيْ: يَتَّصِلُونَ بِقَوْمٍ جَاءُوكُمْ، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أَيْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ "حَصِرَةً ") مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً أَيْ: ضَيِّقَةً صُدُورُهُمْ، [يَعْنِي الْقَوْمَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ وَهُمْ بَنُو مُدْلَجٍ، كَانُوا عَاهَدُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ وَعَاهَدُوا قُرَيْشًا أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُمْ، حَصِرَتْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ] [[ساقط من: (أ) .]] ، ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ أَيْ: عَنْ قِتَالِكُمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ، ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَعْنِي: مَنْ أَمِنَ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي قُرَيْشًا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، أَيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَالْقِتَالِ مَعَكُمْ، وَهُمْ قَوْمُ هِلَالٍ الأَسْلَمِيُّونَ وَبَنُو بَكْرٍ، نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قِتَالٍ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا اتَّصَلُوا بِأَهْلِ عَهْدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنِ انْضَمَّ إِلَى قَوْمٍ ذَوِي عَهْدٍ فَلَهُ حُكْمُهُمْ فِي حَقْنِ الدَّمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يَذْكُرُ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الْمُعَاهِدِينَ، يَقُولُ: إِنَّ ضَيِّقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِكُمْ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَكَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أَيْ: اعْتَزَلُوا قِتَالَكُمْ، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِمْ، وَيُقَالُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يُقَاتِلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أَيْ: الصُّلْحَ فَانْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا بِالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا﴾ تَمَنَّوْا، يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ الدِّينِ تَمَنَّوْا ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ فِي الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَتَكُونُونَ﴾ لَمْ يُرَدْ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لِأَنَّ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ مَنْصُوبٌ، إِنَّمَا أَرَادَ النَّسَقَ، أَيْ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وَوَدُّوا لَوْ تَكُونُونَ سَوَاءً، مِثْلَ قَوْلِهِ "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" [القلم: ٩] أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ وَوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَعَكُمْ.

قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ هِجْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهِجْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: هِجْرَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ [الحشر: ٨] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِجْرَةُ الْمُنَافِقِينَ: وَهِيَ الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَابِرًا مُحْتَسِبًا [كما حكى ها هنا] [[ساقط من (ب) .]] مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِجْرَةُ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،: ١ / ٥٧ وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٢٧.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْهِجْرَةِ، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أَيْ: خُذُوهُمْ أُسَارَى، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْأَسِيرِ أَخِيذٌ، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَالَ:

﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْقَتْلِ لَا إِلَى الْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَعْنَى ﴿يَصِلُونَ﴾ أَيْ: يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ وَيَتَّصِلُونَ بِهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِيهِمْ بالحِلْفِ وَالْجِوَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: يريدون ويلجأون إِلَى قَوْمٍ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أَيْ: عَهْدٌ، وَهُمُ الْأَسْلَمِيُّونَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هِلَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَلَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ مِثْلَ مَا لِهِلَالٍ،.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ بَنِي بَكْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ كَانُوا فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ خُزَاعَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ أَيْ: يَتَّصِلُونَ بِقَوْمٍ جَاءُوكُمْ، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أَيْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ "حَصِرَةً ") مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً أَيْ: ضَيِّقَةً صُدُورُهُمْ، [يَعْنِي الْقَوْمَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ وَهُمْ بَنُو مُدْلَجٍ، كَانُوا عَاهَدُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ وَعَاهَدُوا قُرَيْشًا أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُمْ، حَصِرَتْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ] [[ساقط من: (أ) .]] ، ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ أَيْ: عَنْ قِتَالِكُمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ، ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَعْنِي: مَنْ أَمِنَ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي قُرَيْشًا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، أَيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَالْقِتَالِ مَعَكُمْ، وَهُمْ قَوْمُ هِلَالٍ الأَسْلَمِيُّونَ وَبَنُو بَكْرٍ، نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قِتَالٍ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا اتَّصَلُوا بِأَهْلِ عَهْدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنِ انْضَمَّ إِلَى قَوْمٍ ذَوِي عَهْدٍ فَلَهُ حُكْمُهُمْ فِي حَقْنِ الدَّمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يَذْكُرُ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الْمُعَاهِدِينَ، يَقُولُ: إِنَّ ضَيِّقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِكُمْ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَكَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أَيْ: اعْتَزَلُوا قِتَالَكُمْ، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِمْ، وَيُقَالُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يُقَاتِلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أَيْ: الصُّلْحَ فَانْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا بِالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ.

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com