John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Yusuf

Tafsir al-Tabari · Joseph · 111 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن =

* *

وكان مكرهنَّ ما: -

١٩١٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ ، يقول: بقولهن.

١٩١٦٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما أظهر النساء ذلك، من قولهن": تراود عبدها! " مكرًا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن بحُسنه وجماله ؛ (فلما سمعت بمكرهن [[انظر تفسير" المكر" فيما سلف ١٥: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ) .

١٩١٦٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ :، أي بحديثهن، ﴿= أرسلت إليهن﴾ ، يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف.

* *

﴿وأعتدت﴾ ،"أفعلت" من العتاد، وهو العدَّة، [[انظر تفسير" أعتد" فيما سلف ٨: ١٠٣، ٣٥٥ / ٩: ٣٥٣، ٣٩٢.]] ومعناه: أعدّت لهن ="متكأ"، يعني: مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوَسائد:

* *

= وهو"مفتعل" من قول القائل:"اتَّكأت"، يقال:"ألق له مُتَّكأ"، يعني: ما يتكئ عليه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩١٦٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ قال: طعامًا وشرابًا ومتكأ.

١٩١٦٨ -.... قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: يتكئن عليه.

١٩١٦٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: مجلسًا.

١٩١٧٠ -.... قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي الأشهب، عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿مُتَّكَآءً﴾ ، ويقول: هو المجلس والطعام. [[قراءة الحسن بالمد، آخره همز، ذكر هذه القراءة ابن خالويه في شواذ القراءات ص: ٦٣ عن الحسن، وذكرها أبو حيان في تفسيره ٥: ٣٠٢، ونسبها إلى الحسن وابن هرمز، وقال:" بالمد والهمز. وهي مفتعل، من الاتكاء، إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف كما قالوا": وَأَنْتَ مِنَ الغَوَائِل حَيْثُ تُرْمَى ... ومِنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزَاحِ

أي: بمنتزح، فأشبع.]]

١٩١٧١ -.... قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ:"مُتْكَأً"، خفيفة، يعني طعامًا. ومن قرأ ﴿مُتَّكَأً﴾ ، يعني المتكأ.

* *

فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه تأويل هذه الكلمة، هو معنى الكلمة، وتأويل"المتكأ"، وأنها أعدّت للنسوة مجلسًا فيه متكأ وطعام وشراب وأترج. ثم فسر بعضهم"المتكأ" بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعدّ من أجله المتكأ = وبعضهم عن الخبر عن الأترج. إذ كان في الكلام: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به = وبعضهم على البزماورد.

١٩١٧٢ - حدثني هارون بن حاتم المقرئ، قال: حدثنا هشيم بن الزبرقان، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: البزماورد.

* *

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى:"المتكأ": هو النُّمْرُق يتكأ عليه. وقال: زعم قوم أنه الأترج. قال: وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع"المتكأ" أترج يأكلونه. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٩.]]

* *

وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإنّ الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله.

* *

قال أبو جعفر: والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يُبْعد من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال: مِن أن مَن قال للمتكأ: هو الأترج، إنما بيَّن المعدَّ في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين، لأن السكاكين معلومٌ أنها لا تعدُّ للمتكأ إلا لتخريقه! [[يقول: إلا إذا أعطين السكاكين لكي يمزقن النمارق والوسائد، وهي المتكأ.]] ولم يعطين السكاكين لذلك.

* *

ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، من أن"المتكأ" هو المجلس.

ثم رُوي عن مجاهد عنه، ما: -

١٩١٧٣ - حدثني به سليمان بن عبد الجبار، قال، حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، قال: أعطتهن أترجًّا، وأعطت كل واحدة منهن سكّينًا.

* *

فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه، ما أعطت النسوة، وأعرض عن ذكر بيان معنى"المتكأ"، إذ كان معلومًا معناه.

* *

ذكر من قال في تأويل"المتكأ" ما ذكرنا:

١٩١٧٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: التُّرُنْج.

١٩١٧٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم، عن عوف، قال: حدثت عن ابن عباس أنه كان يقرؤها:"مُتْكًا" مخففة، ويقول: هو الأترُجّ.

١٩١٧٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية:"وأعتدت لهن متكأ"، قال الطعام.

١٩١٧٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد، قالا حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: طعامًا.

١٩١٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.

١٩١٧٩ - حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وأعتدت لهن مُتَّكأ﴾ ، قال: طعامًا.

١٩١٨٠ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، نحوه.

١٩١٨١ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأ ﴿مُتَّكَأ﴾ فهو الطعام، ومن قرأها"مُتْكًأ" فخففها، فهو الأترجّ.

١٩١٨٢- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿متكأ﴾ ، قال: طعامًا

١٩١٨٣- حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩١٨٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٩١٨٥ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩١٨٦ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أبو خالد القرشي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأ:"مُتْكًا"، خفيفة، فهو الأترجّ.

١٩١٨٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه.

١٩١٨٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن ليث، قال سمعت بعضهم يقول: الأترج.

١٩١٨٩ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ :، أي طعامًا.

١٩١٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

١٩١٩١ -.... قال: حدثنا يزيد، عن أبي رجاء، عن عكرمة، في قوله: ﴿متكأ﴾ ، قال: طعامًا.

١٩١٩٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتْكًا﴾ ، يعني الأترج.

١٩١٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، والمتكأ، الطعام.

١٩١٩٤ -.... قال: حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: الطعام.

١٩١٩٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: طعامًا.

١٩١٩٦ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مُتَّكَأً﴾ ، فهو كل شيء يجزّ بالسكين.

* *

قال أبو جعفر: قال الله تعالى ذكره، مخبرًا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدَّثن بشأنها في المدينة: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها، سكينًا لتقطع به من الطعام ما تقطع به. وذلك ما ذكرت أنَّها آتتهن إما من الأترج، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مما يقطع بالسكين، كما:-

١٩١٩٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، وأترجًّا يأكلنه.

١٩١٩٨ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، قال: أعطتهن أترجًّا، وأعطت كل واحدة منهن سكينًا.

١٩١٩٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، ليحتززن به من طعامهنّ.

١٩٢٠٠ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ ، وأعطتهن تُرنجًا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين، ويأكلن بالعسل.

* *

قال أبو جعفر: وفي هذه الكلمة بيانُ صحة ما قلنا واخترنا في قوله [[في المطبوعة:" وأخبرنا في قوله"، لم يحسن قراءة المخطوطة.]] ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوةَ السكاكينَ، وترك ما لَهُ آتتهن السكاكين، إذ كان معلومًا أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها. فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين، عن ذكر ما له آتتهن ذلك. فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ، عن ذكر ما يعتدُّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء ؛ لفهم السامعين بالمراد من ذلك، ودلالة قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، عليه. فأما نفس"المتكأ" فهو ما وصفنا خاصةً دون غيره.

* *

وقوله: ﴿وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج عليهن يوسف = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللْنه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٠١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال، حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أكبرنه﴾ ، أعظمنه.

١٩٢٠٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٩٢٠٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح. قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٢٠٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ :، أي: أعظمنه.

١٩٢٠٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقالت اخرج عليهن﴾ ، ليوسف = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ :، عظَّمنه.

١٩٢٠٦ - حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي، قال: حدثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي يقول في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، قال: أعظمنه. [[الأثر: ١٩٢٠٦ -" إسماعيل بن سيف العجلي"، شيخ برقم الطبري مضى: ٣٨٤٣، وذكر أخي هناك أنه لم يجد له ترجمة، وظنه" إسماعيل بن سيف، أبو إسحاق"، بل قطع بذلك. والله أعلم.

و" علي بن عابس الأسدي"، ضعيف، مضى برقم: ١١٢٣٣.]]

١٩٢٠٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن.

١٩٢٠٨ - حدثنا إسماعيل بن سيف. قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي، عن أبيه، عن جده، في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، قال: حِضْن. [[الأثر: ١٩٢٠٨ -" إسماعيل بن سيف العجلي"، انظر رقم: ١٩٢٠٦

و" عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي"، كان أميرًا بمكة، وذكره العقيلي في الضعفاء. مترجم في ميزان الاعتدال ٢: ١٣٢، ولسان الميزان ٤: ٢١.]]

١٩٢٠٩ - حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول: أعظمنه.

١٩٢١٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول = أعني القول الذي روي عن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، في معنى ﴿أكبرنه﴾ ، أنه حِضْن = إن لم يكن عَنَى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال، ولما يجد من مثل ذلك النساءُ عند معاينتهن إياه = فقولٌ لا معنى له. لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه، فالهاء التي في"أكبرنه"، من ذكر يوسف، ولا شك أن من المحال أن يحضنَ يوسف. ولكن الخبر، إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما روي، فخليقٌ أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لِمَا أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.

* *

وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في"أكبرن" بمعنى حضن، بيتًا لا أحسب أنَّ له أصلا لأنه ليس بالمعروف عند الرواة، وذلك:

نَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا ... نَأْتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارَا [[لسان العرب (كبر) .]]

وزعم أن معناه: إذا حضن [[ذكر أبو منصور الأزهري، عن أبي الهيثم أنه قال:" سألت رجلا من طيئ فقلت: يا أخا طيئ، ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قلت: ما سنها؟ قال: قد أكبرت = أو: كبرت = قلت: ما أكبرت؟ قال: حاضت". قال: الأزهري:" وإن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن. وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت، أي: حاضت فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.]] .

* *

وقوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أنهن حَززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢١١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، حزًّا حزًّا بالسكين.

١٩٢١٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.

١٩٢١٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٩٢١٤ -.... قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: حزًّا حزًّا بالسكين.

١٩٢١٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقطعن أيديهن﴾ قال: جعل النسوة يحززن أيديهن، يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

١٩٢١٦ - حدثنا إسماعيل بن سيف، قال: حدثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي يقول: كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج، فقطعن أيديهنّ، وسالت الدماء، فقلن: نحن نلومك على حبّ هذا الرجل، ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء!

١٩٢١٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهن مما رأين!

١٩٢١٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، وحززن أيديهن.

١٩٢١٩ - حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

١٩٢٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: جعلن يحززن أيديهن، ولا يشعرن بذلك.

١٩٢٢١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج عليهن = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، وغلبت عقولهن عجبًا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، ما يعقلن شيئًا مما يصنعن = ﴿وقلن حاش لله ما هذا بشرًا﴾ .

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنَّها، وهن لا يشعرن.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينَها.

١٩٢٢٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعًا بإبانة = وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش = ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل.

* *

١٩٢٢٤ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. [[الآثار ١٩٢٢٤ - ١٩٢٢٧ - حديث موقوف صحيح الإسناد، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ١٧ من طرق وبألفاظ مختلفة، وخرجه الهيثمي بهذا اللفظ، في مجمع الزوائد ٨: ٢٠٣. وبغير هذا اللفظ مطولا. وقال:" رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح" ثم ذكر هذا المختصر، فقال: رواه الطبراني، والظاهر أنه وهم". وذلك أن نص الأول المطول:" أعطى يوسف وأمه ثلثي حسن الناس".]]

١٩٢٢٥ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.

١٩٢٢٦ -.... وبه عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن.

١٩٢٢٧ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق.

١٩٢٢٨ - حدثني أحمد بن ثابت، وعبد الله بن محمد الرازيّان، قالا حدثنا عفان، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: أعطي يوسف وأمه شَطْرَ الحسن [[الأثر: ١٩٢٢٨ -" أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي"،" فرخويه"، شيخ الطبري كذاب، مضى برقم: ٢٠٥٥.

و" عبد الله بن محمد الرازي"، شيخ الطبري، لم أعرفه، وفي التاريخ:" حدثني عبد الله بن محمد، وأحمد بن ثابت الشيان.."، ولا أدري ما هذا؟

و" عفان"، هو" عفان بن مسلم الصفار"، ثقة من شيوخ أحمد والبخاري، مضى برقم: ٥٣٩٢، أخرج له الجماعة.

و" حماد بن سلمة"، ثقة، مضى مرارًا.

و" ثابت" هو" ثابت بن أسلم الناني" تابعي ثقة، مضى مرارًا.

وهذا خبر صحيح الإسناد، ولا يضره كذب" أحمد بن ثابت"، فالثقات قد رووه، رواه أحمد في مسنده ٣: ٢٨٦، عن عفان نفسه، بهذا اللفظ.

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٧٠، من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، ومحمد بن غالب بن حرب، وإسحاق بن الحسن بن ميمون، جميعًا عن عفان بن مسلم. بمثله، وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

ورواه الطبري في تاريخه من هذا الطريق نفسه ١: ١٧٣.]] .

١٩٢٢٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، أن النبي ﷺ قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حُسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين = أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين، وأعطي الناس الثلث.

١٩٢٣٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق.

١٩٢٣١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف، والنصف لسائر الناس.

١٩٢٣٢ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارَة النصف، وجعل لسائر الخلق نصف. [[الآثار: ١٩٢٣٠ - ١٩٢٣٢ -" ربيعة الجرشي"، مختلف في اسم أبيه، وفي صحبته. فقيل في اسم أبيه" ربيعة بن عمرو"، و" ربيعة بن الغاز"، انظر ترجمته في الإصابة، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ٢٥٦، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٧٢، وابن سعد في الطبقات ٧ / ٢ / ١٥٠، وقال:" وفي بعض الحديث أنه صحب النبي ﷺ، وروى عنه، قال: وكان ثقة، وقتل يوم مرج راهط في ذي الحجة سنة ٦٤".]]

١٩٢٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا، وأعطي الناس الثلثين.

* *

وقوله: ﴿وقلن حاش لله﴾ ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفيين: ﴿حَاشَ لِلّهِ﴾ بفتح الشين وحذف الياء.

* *

وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء"حَاشَى لله".

* *

وفيه لغات لم يقرأ بها:"حَاشَى اللهِ"، كما قال الشاعر: [[هو الجميح، منقد بن الطماح الأسدي، ونسب لسبرة بن عمرو الأسدي.]]

حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ [[المفضليات ٧١٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٠، والخزانة ٢: ١٥٠، والعيني (بهامش الخزانة) ٤: ١٢٩، واللسان (حشى) في موضعين، بروايتين، وهو من شعر له هجا فيه بني رواحه بن قطيعة بن عبس، ويستثنى منهم عمرو بن عبد الله أبا ثوبان، يقول: وَبَنُو رَوَاحَةَ يَنْظُرُونَ إذَا ... نَظَرَ النَّدِيُّ بِآنُفٍ خُثْمِ

حَاشَا أبِي ثَوْبَانَ إنّ أبَا ... ثَوْبَان لَيْسَ بِبُكْمَةٍ فَدْمِ

عَمْرُو بنَ عَبْدِ اللهِ إنَّ بِهِ ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ والشَّتْمِ

وخلط في الشعر أبو عبيدة وغيره، وفي المخطوطة" أبي ثروان"، وفي اللسان في أحد الموضعين" أبي مروان"، كأنه نقل محرف عن رواية" ثروان"، إن صحت، رواه المفضل" حاشى أبا ثوبان" بالنصب.

و" الندى" المجلس، واراد أهله. و" الآنف" جمع" أنف"،" الخثم" جمع" أخثم"، وهو الأنف العظيم الكثير اللحم، ليس برقيق ولا أشم، وهو ذم.

و" البكمة"، الأبكم، و" الفدم" العيي الثقيل الفهم. و" الملحاة" مصدر ميمي من" لحوت الرجل ولحيته"، إذا ألححت عليه باللائمة، وكأنه يعني المشاغبة.]]

* *

وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة:"حَشَى اللهَ"، و"حاشْ اللهَ"، [[في المطبوعة، أسقط" حشى الله"، وأثبتها منها.]] بتسكين الشين والألف، يجمع بين الساكنين.

* *

وأما القراءة فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين، فمن قرأ: ﴿حَاشَ لله﴾ بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال:"حاشى لله"، بإثبات الياء، ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب، كما حذفت العرب الألف من قولهم:"لا أب لغيرك"، و"لا أب لشانيك"، وهم يعنون:"لا أبا لغيرك". و"لا أبا لشانيك".

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم:"حاشى لله"، موضعين في الكلام:

أحدهما: التنزيه.

والآخر: الاستثناء. وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنزيه لله، كأنه قيل: معاذ الله.

* *

قال أبو جعفر: وأما القول في قراءة ذلك. فإنه يقال: للقارئ الخيار في قراءته بأي القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين، وهو: ﴿حَاشَ لله﴾ و"حَاشَى لله"، لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها، لأنا لا نعلم قارئًا قرأ بها.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٣٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقلن حاش لله﴾ ، قال: معاذ الله.

١٩٢٣٥ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿حاش لله﴾ ، معاذ الله.

١٩٢٣٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقلن حاش لله﴾ : معاذ الله.

١٩٢٣٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حاش لله﴾ : معاذ الله.

١٩٢٣٨ -.... قال: حدثنا عبد الوهاب، عن عمرو، عن الحسن: ﴿حاش لله﴾ : معاذ الله.

١٩٢٣٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* *

وقوله: ﴿ما هذا بشرًا﴾ ، يقول: قلن ما هذا بشرًا، لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدًا، فقلن: لو كان من البشر، لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الملائكة لا من البشر، كما:-

١٩٢٤٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وقلن حاش لله ما هذا بشرا﴾ : ما هكذا تكون البشر!

* *

وبهذه القراءة قرأ عامة قرأة الأمصار. وقد: -

١٩٢٤١ - حدثت عن يحيى بن زياد الفراء، قال: حدثني دعامة بن رجاء التيمي = وكان غَزَّاءً [[كان في المطبوعة:" غرا"، والصواب ما أثبت، وهو كذلك في معاني القرآن.]] = عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ:"ما هذا بِشِرًى"، أي ما هذا بمشتري. [[الأثر: ١٩٢٤١ - هو في معاني القرآن للفراء في تفسير الآية.]]

* *

= يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثلُه مستعبدًا يشترى ويُبَاع.

* *

قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع قرأة الأمصار على خلافها. وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافُها فيه.

* *

وأما"نصب" البشر، فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا"الباء" من الخبر نصبوه، فقالوا:"ما عمرو قائمًا". وأما أهل نجد، فإن من لغتهم رفعه، يقولون:"ما عمرو قائم" ؛ ومنه قول بعضهم حيث يقول: [[لم أعرف قائله.]]

لَشَتَّانَ مَا أَنْوِي وَيَنْوِي بَنُو أَبِي ... جَمِيعًا، فَمَا هَذَانِ مُسْتَوِيَانِ ... تَمَنَّوْا لِيَ المَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى ... وَكُلُّ فَتًى وَالمَوْتُ يَلْتَقِيَانِ [[رواهما الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية.]]

وأما القرآن، فجاء بالنصب في كل ذلك، لأنه نزل بلغة أهل الحجاز.

* *

وقوله: ﴿إن هذا إلا مَلَك كريمٌ﴾ ، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: -

١٩٢٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ ، قال: قلن: ملك من الملائكة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، [[في المطبوعة:" وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن.."، وأثبت الصواب من المخطوطة. و" عزوب الفهم"، ذهابه. يقال:" عزب عنه حلمه يعزب عزوبًا"، ذهب. وقوله:" ألهتن" من" أله يأله ألهًا"، إذا تحير، وأصله" وله، يوله، ولهًا"، بمعنى واحد، وإنما قلبت الواو همزة.]] هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين! ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فقالت: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ ، مما راودته عليه من ذلك [[انظر تفسير" العصمة" فيما سلف ١٥: ٣٣١، تعليق ٢:، ولمراجع هناك.]] كما: -

١٩٢٤٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قالت: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ :، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى، لا أدري ما بَدَا له.

١٩٢٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فاستعصم﴾ ، أي: فاستعصى.

١٩٢٤٥ - حدثني علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿فاستعصم﴾ ، يقول: فامتنع.

* *

وقوله: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين﴾ ، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه = ﴿ليسجنن﴾ ، تقول: ليحبسن [[انظر تفسير" السجن" فما سلف ص: ٥٢."]] = وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه [[انظر تفسير" الصغار" فيما سلف ١٤: ٢٠٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

والوقف على قوله:"ليسجنن"، بالنون، لأنها مشددة، كما قيل: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ، [سورة النساء: ٧٢]

* *

وأما قوله: ﴿وليكونًا﴾ فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة، وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل:"رأيت رجلا عندك"، فإذا وقف على"الرجل" قيل:"رأيتُ رجلا"، فصارت النون ألفًا. فكذلك ذلك في:"وليكونًا"، ومثله قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ﴾ ، [سورة العلق: ١٥، ١٦] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ؛ ومنه قول الأعشي:

وَصَلِّ عَلَى حَينِ العَشَيَّاتِ والضُّحَى ... وَلا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا [[ديوانه: ١٠٣، وغيره كثير، قاله عند إقباله على الإسلام، ثم مات ميتة جاهلية والخبر مشهور، ورواية ديوانه: وَذَا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ... وَلا تَعْبُدِ الأَوْثَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا

وَصَلِّ عَلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى ... وَلا تَحْمَدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فاحْمَدا

وهي أجود الروايتين.]]

وإنما هو:"فاعبدن"، ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله يدلُّ على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه، وتوعَّدته بالسّجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه، فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك ؛ لأنها لو لم تكن عاودته وتوعَّدته بذلك، كان محالا أن يقول: ﴿ربّ السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه﴾ ، وهو لا يدعَى إلى شيء، ولا يخوَّف بحبس.

* *

و"السجن" هو الحبس نفسه، وهو بيت الحَبْس.

* *

وبكسر السين قرأه قرأة الأمصار كلها. والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال [[" الأفعال" يعني" المصادر"، وانظر ما سلف من فهارس المصطلحات.]] . فتقول:"طلعت الشمس مطلعًا، وغربت مغربًا"، فيجعلونها، وهي أسماء، خلفًا من المصادر، فكذلك"السجن"، فإذا فتحت السين من"السَّجن" كان مصدرًا صحيحًا.

* *

وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرأه:"السَّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ"، بفتح السين. ولا أستجيز القراءة بذلك، لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.

* *

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قال يوسف: يا رب، الحبس في السجن أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه من معصيتك، ويراودنني عليه من الفاحشة، كما: -

١٩٢٤٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ : من الزنا.

١٩٢٤٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نزل به [[في المخطوطة:" وأحاف إلى ربه واستغاثه"، والصواب في الأولى ما في المطبوعة، وفي المطبوعة" استعانه"، فأثبت ما في المخطوطة." أضاف إلى ربه"، خاف وأشفق، فلجأ إليه مستجيرًا به.]] ﴿رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ ، أي: السجن أحبّ إليّ من أن آتي ما تكره.

* *

وقوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ ، يقول: وإن لم تدفع عني، يا رب، فعلهن الذي يفعلن بي، في مراودتهن إياي على أنفسهن [[انظر تفسير" الصرف" فيما سلف ص: ٤٩، تعليق ١:، والمراجع هناك.

= وتفسير" الكيد" فيما سلف ص: ٦٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="أصب إليهن"، يقول: أمِلْ إليهن، وأتابعهن على ما يُرِدن مني ويهوَيْن.

* *

= من قول القائل:"صَبا فلان إلى كذا"، ومنه قول الشاعر: [[هو يزيد بن ضبة الثقفي".]]

إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي [[الأغاني ٧: ١٠٢ (دار الكتب) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١١، من أبيات له هو مطلعها، وبعده: وهِنْدٌ غَادَةٌ غَيْدَا ... ءُ مِنْ جُرْثُومَةٍ غُلْبِ

وَمَا إنْ وَجَدَ النَّاسُ ... مِنَ الأدْوَاءِ كالحُبِّ.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٤٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أصب إليهن﴾ ، يقول: أتابعهن.

١٩٢٤٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن﴾ ، أي: ما أتخوَّف منهن = ﴿أصب إليهن﴾ .

١٩٢٥٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ ، قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن منّي ولا عندي.

* *

وقوله: ﴿وأكن من الجاهلين﴾ ، يقول: وأكن بصبوتي إليهن، من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك، [[انظر تفسير" الجهل" فيما سلف ١٣: ٣٣٢، تعليق: ١، ٢، والمراجع هناك.]] كما: -

١٩٢٥١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وأكن من الجاهلين﴾ ، أي: جاهلا إذا ركبت معصيتك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما وجه قوله: ﴿فاستجاب له ربه﴾ ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟

قيل: إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ، وفي قوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ، ولذلك قال الله تعالى ذكره: ﴿فاستجاب له ربه﴾ ، وذلك كقول القائل لآخر:"إن لا تزرني أهنك"، فيجيبه الآخر:"إذن أزورَك"، لأن في قوله:"إن لا تزرني أهنك"، معنى الأمر بالزيارة.

* *

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، كما: -

١٩٢٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ ، أي: نجاه من أن يركب المعصية فيهن، وقد نزل به بعض ما حَذر منهنَّ.

* *

وقوله: ﴿إنه هو السميع﴾ ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاءَ كل داع من خلقه = ﴿العليم﴾ ، بمطلبه وحاجته، وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم. [[انظر تفسير" السميع" و" العليم" فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بدا للعزيز، زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه.

* *

وقيل:"بدا لهم"،، وهو واحد، لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه، وذلك نظير قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٣] ، وقيل: إن قائل ذلك كان واحدًا.

* *

وقيل: معنى قوله: ﴿ثم بدا لهم﴾ في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقًا، ورأوا أن يسجنوه ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز.

* *

وتلك"الآيات"، كانت قدَّ القميص من دُبُر، وخمشًا في الوجه، وقَطْعَ أيديهن، كما:-

١٩٢٥٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن نصر بن عوف، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: كان من الآيات: قدٌّ في القميص، وخمشٌ في الوجه. [[الأثر: ١٩٢٥٣ -" نصر بن عوف"، لم أجد في الرواة من يسمى بذلك، والذي عندي أنه" نضر بن عربي الباهلي"، فهو الذي يروي عن عكرمة، ويروي عنه وكيع، وقد سلف مرارًا وانظر رقم: ١٣٠٧، ٥٨٦٤، وسلف التحريف في اسمه كثيرًا.]]

١٩٢٥٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي وابن نمير، عن [نصر] ، عن عكرمة، مثله. [[الأثر: ١٩٢٥٤ -" نصر بن عوف"، انظر التعليق السالف، هو" نضر بن عربي".]]

١٩٢٥٥ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: قدُّ القميص من دبر.

١٩٢٥٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: قدُّ القميص من دبر.

١٩٢٥٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٩٢٥٨ -.... قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٢٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال:"الآيات": حزُّهن أيديهن، وقدُّ القميص.

١٩٢٦٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قدُّ القميص من دبر.

١٩٢٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه﴾ ، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دُبر = ﴿ليسجننه حتى حين﴾ .

١٩٢٦٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، القميصُ، وقطع الأيدي.

* *

وقوله: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، يقول: ليسجننه إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم. [[انظر تفسير" الحين" فيما سلف ١: ٥٤٠ / ١٢: ٣٥٩.]]

* *

وجعل الله ذلك الحبس ليوسف، فيما ذكر، عقوبةً له من همِّه بالمرأة، وكفارة لخطيئته.

١٩٢٦٣ - حدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، عثر يوسف عليه السلام ثلاثَ عثرات: حين همَّ بها فسجن. وحين قال: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه. وقال لهم: ﴿إنكم لسارقون﴾ ، فقالوا: ﴿إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل﴾ .

* *

وذكر أن سبب حبسه في السجن، كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها أمرَه وأمرَها، كما: -

١٩٢٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ ، قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستَني. فذلك قول الله تعالى: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ .

* *

وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول هذه"اللام" في: ﴿ليسجننه﴾ .

فقال بعض البصريين: دخلت ههنا، لأنه موضع يقع فيه"أيّ"، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه دخلته النون، لأن النون تكون في الاستفهام، تقول:"بدا لهم أيّهم يأخذنّ"، أي: استبان لهم.

* *

وأنكر ذلك بعض أهل العربية فقال: هذا يمين، وليس قوله:"هل تقومن" بيمين، و"لتقومن"، لا يكون إلا يمينًا.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة:"بدا لهم"، بمعنى": القول"، و"القول" يأتي بكل الكلام، بالقسم وبالاستفهام، فلذلك جاز:"بدا لهم قام زيد"، و"بدا لهم ليقومن".

* *

وقيل: إن"الحين" في هذا الموضع معنِيٌّ به سبع سنين.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٦٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، قال: سبع سنين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان = فدل بذلك على متروكٍ قد ترك من الكلام، وهو: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ ، فسجنوه وأدخلوه السجن = ودخل معه فتيان، فاستغنَى بدليل قوله: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، على إدخالهم يوسف السجن، من ذكره.

* *

وكان الفتيان، فيما ذكر، [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ٨: ١٨٨ / ١٦: ٦٢.]] غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحبُ شرابه، والآخر صاحبُ طعامه، كما: -

١٩٢٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فطرح في السجن = يعني يوسف = ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، غلامان كانا للملك الأكبر الرّيان بن الوليد، كان أحدهما على شرابه، والآخر على بعض أمره، في سَخْطَةٍ سخطها عليهما، اسم أحدهما"مجلث" والآخر"نبو"، و"نبو" الذي كان على الشراب.

١٩٢٦٧ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، قال: كان أحدهما خبازًا للملك على طعامه، وكان الآخر ساقيه على شرابِه.

* *

وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر، ما: -

١٩٢٦٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: إن الملك غضب على خبَّازه، بلغه أنه يريد أن يسمّه، فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظنَّ أنه مالأه على ذلك. فحبسهما جميعًا ؛ فذلك قول الله: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ .

* *

وقوله: ﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، ذكر أن يوسف صلوات الله عليه لما أدخل السجن، قال لمن فيه من المحبَّسين، وسألوه عن عمله: إني أعبُرُ الرؤيا: فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه، كما: -

١٩٢٦٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبُرُ الأحلام. فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ نجرّب هذا العبد العبرانيّ فتراءَيَا له! فسألاه، [[في المطبوعة:" نتراءى له"، والصواب من المخطوطة، والتاريخ.]] من غير أن يكونا رأيا شيئًا. فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرًا؟ [[الأثر: ١٩٢٦٩ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٦.]]

١٩٢٧٠ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، وإنما كانا تحالما ليجرِّبا علمه.

* *

وقال قوم: إنما سأله الفَتَيان عن رؤيا كانا رأياها على صحةٍ وحقيقةٍ، وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٧١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما رأى الفتيان يوسف، قالا والله، يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك.

١٩٢٧٢ -.... قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحدٌ قط إلا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما! قال: فأبيا إلا حبه وإلفه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا، فرأى"مجلث" أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ورأى"نبو" أنه يعصر خمرًا، فاستفتياه فيها، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، إن فعلت.

* *

وعني بقوله: ﴿أعصر خمرًا﴾ ، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبًا. وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه.

١٩٢٧٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن أبي سلمة الصائغ، عن إبراهيم بن بشير الأنصاري، عن محمد بن الحنفية قال في قراءة ابن مسعود:"إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا. [[الأثر: ١٩٢٧٣ -" أبو سلمة الصائغ" هو" راشد، أبو سلمة الصائغ الفزاري"، روى عن الشعبي، وزيد الأحمسي، وغيرهما. مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٢٧٢، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٨٥، ولم يذكرا فيه جرحًا.

و" إبراهيم بن بشير الأنصاري"، روى عن ابن الحنفية، مترجم في الكبير ١ / ١ / ٢٧٤ زابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨٩.

وهذا الخبر، ذكره البخاري في ترجمة" إبراهيم بن بشير".]]

* *

وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان، وأنهم يسمون العنب خمرًا.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٧٤ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: حدثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، يقول: أعصر عنبًا، وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرًا.

١٩٢٧٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، قال: عنبًا، أرضُ كذا وكذا يدعُون العنب"خمرًا".

١٩٢٧٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، قال: عنبًا.

١٩٢٧٧ - حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي حمزة، عن عكرمة، قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حَبَلة من عنب، [[" الحبلة" (بفتح الحاء والباء) ، القضيب من شجر الأعناب، يغرس فينبت.]] فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ، ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرًا.

* *

وقوله: (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله) ، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفَتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزًا ؛ يقول: أحمل على رأسي = فوضعت"فوق" مكان"على" [[انظر تفسير" فوق" فيما سلف ١٣: ٤٣٠.]] = ﴿تأكل الطير منه﴾ ، يعني: من الخبز.

* *

وقوله: ﴿نبئنا بتأويله﴾ ، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنَّا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه، [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .

= وتفسير" التأويل" فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما: -

١٩٢٧٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا يزيد، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿نبئنا بتأويله﴾ ، قال: به = قال الحارث، قال أبو عبيد: يعني مجاهد أن"تأويل الشيء"، هو الشيء. قال: ومنه:"تأويل الرؤيا"، إنما هو الشيء الذي تؤول إليه.

* *

وقوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ اختلف أهل التأويل في معنى"الإحسان" الذي وصف به الفتيان يوسف. [[انظر تفسير" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) .]]

فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٧٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كنت جالسًا معه ببلخ، فسئل عن قوله: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: قيل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق أوْسَع له.

١٩٢٨٠ - حدثنا إسحاق، عن أبي إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قامَ عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان وسَّع له.

١٩٢٨١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن قتادة، قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزِّي حزينهم، ويجتهد لربه. وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، فطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجَروا، إن لهذا أجرًا، إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، لقد بورك لنا في جوارك، ما نحبُّ أنَّا كنا في غير هذا منذ حبسنا، لما تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطَّهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانت عليه محبَّة. وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخلَّيت سبيلك، ولكن سأحسن جِوارك، وأحسن إسارك، فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.

١٩٢٨٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن خلف الأشجعي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك في: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى.

* *

وقال آخرون: معناه: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتياه في رؤياهما، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، إن فعلت.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

* *

فإن قال قائل: وما وجهُ الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبَر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه، ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال للرجل:"نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم"، وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم، لا بغيره؟

قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿قال﴾ يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا: ﴿لا يأتيكما﴾ ، أيها الفتيان في منامكما = ﴿طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله﴾ ، في يقظتكما = ﴿قبل أن يأتيكما﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: قال يوسف لهما: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، في النوم = ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ ، في اليقظة.

١٩٢٨٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف لهما: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، يقول: في نومكما = ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ .

* *

ويعنى بقوله ﴿بتأويله﴾ : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه.

* *

وقوله: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ ، يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربى فعلمته = ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ = وجاء الخبر مبتدأ، أي: تركت ملة قوم، والمعنى: ما ملت، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه.

* *

وقوله: ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ ، يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله، ويقرّ بوحدانيته [[انظر تفسير" الملة" فيما سلف ١٢: ٥٦١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ ، يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله، لا يقرّون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.

* *

= وكُررت"هم" مرتين، فقيل: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ ، لما دخل بينهما قوله: ﴿بالآخرة﴾ ، فصارت"هم" الأولى كالملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قيل: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [سورة النمل: ٢/ سورة لقمان: ٤] ، وكما قيل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٣٥]

* *

فإن قال قائل: ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف؟ وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما، من هذا الكلام؟

قيل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم من مكروه ذلك على أحدهما، فأعرض عن ذكره، وأخذ في غيره، ليعرضا عن مسألته الجوابَ عما سألاه من ذلك.

* *

وبنحو ذلك قال أهل العلم.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ﴿إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله﴾ .، قال: فكره العبارة لهما، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علمًا. وكان الملك إذا أراد قتل إنسان، صنع له طعامًا معلومًا، فأرسل به إليه، فقال يوسف: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، إلى قوله: ﴿تشكرون﴾ .، فلم يدَعَاه، فعدل بهما، وكره العبارة لهما. فلم يدعاه حتى يعبر لهما، فعدل بهما وقال: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، إلى قوله: ﴿يعلمون﴾ ، فلم يدعاه حتى عبر لهما، فقال: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ . قالا ما رأينا شيئًا، إنما كنا نلعب! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج، فقوله: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، في اليقظة لا في النوم،. وإنما أعلمهما على هذا القول أنَّ عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره، لأنه قد علم النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقتل من أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ ، واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك= ﴿ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾ ، يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته، بل الذي علينا إفراده بالألُوهة والعبادة= ﴿ذلك من فضل الله علينا﴾ ، يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام، وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، من فضل الله الذي تفضّلَ به علينا، فأنعم إذ أكرمنا به = ﴿وعلى الناس﴾ ، يقول: وذلك أيضًا من فضل الله على الناس، إذ أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته= ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ ، يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضِّل به.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٧ - حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك من فضل الله علينا﴾ ، أن جعلنا أنبياء= ﴿وعلى الناس﴾ ، يقول: أن بعثنا إليهم رسلا.

١٩٢٨٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ ، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةِ غيرِ منعم عليه لا يدري، وربّ حامل فقه غيرِ فقيه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركًا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان، فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما"صاحبيه" لكونهما فيه، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وكذلك قال لأهل النار، وسماهم"أصحابها" لكونهم فيها. [[انظر تفسير" الصاحب"، فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]

* *

وقوله: ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شي فذلله وسخره، فأطاعه طوعًا وكرهًا. [[انظر تفسير" القهار" فيما سلف ١٣: ٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون﴾ إلى قوله: ﴿لا يعلمون﴾ ، لما عرف نبيُّ الله يوسف أن أحدهما مقتولٌ، دعاهما إلى حظّهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما.

١٩٢٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا صاحبي السجن﴾ يوسفُ يقوله.

١٩٢٩١- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٢٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ﴿ما تعبدون من دونه﴾ ، ما تعبدون من دون الله.

وقال: ﴿ما تعبدون﴾ وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ لأنه قصد المخاطب به، ومن هو على الشرك بالله مقيمٌ من أهل مصر، فقال للمخاطَب بذلك: ما تعبد أنتَ ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبادة الأوثان= ﴿إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابًا، شركًا منهم، وتشبيهًا لها في أسمائها التي سمَّوها بها بالله، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه= ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ ، يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها، دلالةً ولا حجةً، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء. [[انظر تفسير" السلطان" فيما سلف ١٥: ٤٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وقوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ ، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء، كما:-

١٩٢٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا أياه﴾ ، قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له.

* *

وقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ ، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحقُّ الذي لا شك فيه [[انظر تفسير" القيم" فيما سلف ١٤: ٢٣٧.]] ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا﴾ ، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، فيسقي ربَّه= يعني سيده، وهو ملكهم [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ٣٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="خمرا"، يقول: يكون صاحب شرابه.

* *

١٩٢٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فيسقي ربه خمرًا﴾ ، قال: سيده.

* *

=وأما الآخر، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه "فيصلب فتأكل الطير من رأسه"، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما، قالا له: ما رأينا شيئًا! فقال لهما: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما، [[انظر تفسير" قضى" فيما سلف ١٥: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به. [[انظر تفسير" الاستفتاء" فيما سلف ٩: ٢٥٣، ٤٣٠.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .

١٩٢٩٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما، فقالا ما رأينا شيئا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .

١٩٢٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .

١٩٢٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا! وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ! قال: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ . فلما عبَّر، قالا ما رأينا شيئًا! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، على ما عبَّر يوسف.

١٩٢٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك، فيرضى عنك صاحبك، ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ = أو كما قال.

١٩٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال،قال ابن جريج........... فيه تستفتيان. [[هذا خبر سقط منه شيء كثير، فوضعت النقط مكان السقط.]]

١٩٣٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب! قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.

١٩٣٠٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿الذي فيه تستفتيان﴾ ، فذكر مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: [[انظر تفسير" الظن" فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن) .]] ﴿اذكرني عند ربك﴾ يقول: اذكرني عند سيدك، [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ١٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم، كما:-

١٩٣٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،قال= يعني لنبو= ﴿اذكرني عند ربك﴾ : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي وحبسي في غير شيء، قال: أفعل.

١٩٣٠٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ قال للذي نجا من صاحبي السجن، يوسف يقول: اذكرني عند الملك.

١٩٣٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

١٩٣٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أسباط: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، قال: عند ملك الأرض.

١٩٣٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، يعني بذلك الملك.

١٩٣٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، الذي نجا من صاحبي السجن، يقول يوسف: اذكرني للملك.

١٩٣٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: أنه لما انتهى به إلى باب السجن، قال له صاحبٌ له: حاجتَك أوصني بحاجتك! قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك= سوى الربِّ، قال يوسف. [[في المطبوعة:" أن تذكرني عند ربك، ينوي الرب الذي ملك يوسف"، غير ما في المخطوطة، وأثبت ما فيها، إلا أنه كان هنا" أن تذكرني عند رب" بغير كاف، والصواب ما أثبت.]]

* *

وكان قتادة يوجِّه معنى"الظن" في هذا الموضع، إلى"الظنِّ"، الذي هو خلاف اليقين.

١٩٣١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، وإنما عبارة الرؤيا بالظن، فيحقُّ الله ما يشاءُ ويُبْطِل ما يشاء.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء. فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها. وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه. فإذا كان ذلك كذلك، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق. فمعلومٌ، إذ كان الأمر على ما وصفت، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ ، ثم يؤكد ذلك بقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، عند قولهما: ﴿لم تر شيئا﴾ ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه. وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: ﴿اذكرني عند ربك﴾ . فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما﴾ .

* *

وقوله: ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه، وأوجع لها عقوبته، كما:-

١٩٣١١ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار قال: لما قال يوسف للساقي: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك! فبكى يوسف وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي.

١٩٣١٢ - حدثنا الحسن قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أنه= يعني يوسف = قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث.

١٩٣١٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: قال نبيُّ الله ﷺ:"رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طولَ ما لبث= يعني قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نزل بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس.

١٩٣١٤- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: لولا كلمة يوسُف، ما لبث في السجن طولَ ما لبث.

١٩٣١٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: لو لم يقل يوسف= يعني الكلمة التي قال = ما لبث في السجن طول ما لبث= يعني حيث يبتغي الفرج من عند غير الله. [[الأثر: ١٩٣١٥ -" إبراهيم بن يزيد الخوزي القرشي"، متروك منكر الحديث، ليس بثقة، كان يتهم بالكذب. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٣١٣.

فهذا خبر ضعيف الإسناد جدًا، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٩، مطولا، قال:" رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي، وهو متروك". ورواه الطبري في تاريخه ١: ١٧٧.

أما سائر الأخبار قبله وبعده، فهي مرسلة لا حجة في شيء منها.]]

١٩٣١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: لو لم يستعن يوسف على ربّه، ما لبث في السجن طول ما لبث. .

١٩٣١٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: لولا أنّ يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث، ولكن إنما عوقب باستشفاعه على ربّه.

١٩٣١٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال له: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكرَ ربه، وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين) بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ .

١٩٣١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه = غير أنه قال: فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ .

١٩٣٢٠- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو، سواء.

١٩٣٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث المثنى، عن أبي حذيفة.

* *

وكان محمد بن إسحاق يقول: إنما أنسى الشيطانُ الساقي ذكر أمر يوسف لملكهم.

١٩٣٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما خرج = يعني الذي ظنّ أنه ناج منهما= رُدّ على ما كان عليه، ورضي عنه صاحبه، فأنساه الشيطان ذكر ذلك للملك الذي أمره يوسف أن يذكره، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين. يقول جل ثناؤه: فلبث يوسف في السجن، لقيله للناجي من صاحبي السجن من القيل:"اذكرني عند سيدك"، بضع سنين، عقوبةً له من الله بذلك.

* *

واختلف أهل التأويل في قدر"البضع" الذي لبث يوسف في السجن.

فقال بعضهم: هو سبع سنين.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٢٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد أبو عثمة قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لبث يوسف في السجن سبعَ سنين. [[الأثر: ١٩٣٢٣ -" محمد، أبو عثمة"، هو:" محمد بن خالد بن عثمة"، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٠١٤٢، وانظر رقم: ٥٣١٤، ٥٤٨٣، ورواية محمد بن بشار عنه، وروايته هو عن" سعيد بن بشير"، عن قتادة.]]

١٩٣٢٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ ، قال: سبع سنين.

١٩٣٢٥ - حدثنا الحسن قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال: سمعت وهبًا يقول: أصاب أيُّوب البلاء سبع سنين، وترك في السجن يوسف سبع سنين، وعذب بختنصر، فحُوِّل في السباع سبع سنين. [[الأثر: ١٩٣٢٥ -" عمران أبو الهذيل الصنعاني"، هو:" عمران بن عبد الرحمن بن مرثد"،" أبو الهذيل" ثقة سمع وهب بن منبه، وزياد بن فيروز، والقاسم بن تنخسره. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٠١.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٧، وكان في المطبوعة والمخطوطة:" يجول في السباع" والمخطوطة غير منقوطة. والصواب من التاريخ، وعنى بقوله" حول في السباع". أي: مسخ سبعًا من السباع.]]

١٩٣٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: زعموا أنها= يعني"البضع"= سبع سنين، كما لبث يوسف.

* *

وقال آخرون:"البضع"، ما بين الثلاث إلى التسع.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٢٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال: سمعت قتادة يقول:"البضع"، ما بين الثلاث إلى التسع.

١٩٣٢٨ - حدثنا وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد: ﴿بضع سنين﴾ ، قال: ما بين الثلاث إلى التسع.

* *

وقال آخرون: بل هو ما دون العشر.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال،قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿بضع سنين﴾ ، دون العشرة.

* *

وزعم الفراء أن"البضع" لا يذكر إلا مع"عشر"، ومع"العشرين" إلى التسعين، وهو"نَيِّفٌ" ما بين الثلاثة إلى التسعة. [[الأثر: ١٩٣٢٧ -:" ابن بشار"، هو" محمد بن بشار" مضى مرارًا. و" سلمان" هو" وسليمان بن داود بن الجارود"، أبو داود الطيالسي الإمام المشهور، مضى مرارًا.

و" أبو هلال" هو" محمد بن سليم الراسبي"، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٥٣٥١.

وكان في المطبوعة والمخطوطة" سمعت أبا قتادة"، وهو خطأ، فإن أبا هلال الراسبي، يروي عن" قتادة".]] وقال: كذلك رأيت العرب تفعل. ولا يقولون:"بضع ومئة" [[هذه عبارة غير واضحة. وقد نقل صاحب اللسان عن ابن بري قال:" وحكى عن الفراء في قوله:" بضع سنين"، أن" البضع" لا يذكر إلا مع العشر والعشرين إلى التسعين. ولا يقال فيما بعد ذلك = يعني أنه يقال: مئة ونيف". اللسان (بضع) .]] ولا"بضع وألف"، وإذا كانت للذكران قيل:"بضع".

* *

قال أبو جعفر:-

والصواب في"البضع" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المئة، وما زاد على المئة فلا يكون فيه"بضع".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: وقال ملك مصر: إني أرى في المنام سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبعٌ من البقر عجاف. [[لم يفسر" العجاف" في هذه الآية، وسيفسرها فيما بعد في الآيات التالية.]] وقال:"إني أرى"، ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره، لتعارف العرب بينها في كلامها إذا قال القائل منهم:"أرى أني أفعل كذا وكذا"، أنه خبر عن رؤيته ذلك في منامه، وإن لم يذكر النوم. وأخرج الخبر جلّ ثناؤه على ما قد جرى به استعمال العرب ذلك بينهم.

* *

= ﴿وسبع سنبلات خضر﴾ ، يقول: وأرى سبع سُنْبلات خضر في منامي = ﴿وأخر﴾ يقول: وسبعًا أخر من السنبل= ﴿يابسات يا أيها الملأ﴾ ، [[انظر تفسير" السنبلة" فيما سلف ٥: ٥١٢ - ٥١٥.]] يقول: يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي [[انظر تفسير" الملأ" فيما سلف ١٥: ٤٦٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أفتوني في رؤياي﴾ ، فاعبروها، ﴿إن كنتم للرؤيا﴾ عَبَرَةً. [[" عبرة" جمع" عابر"، وهو الذي يعبر الرؤيا، ويفسرها.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي قال،إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة والقافة، [[" الحزأة" جمع" حاز"، وهو المتكهن، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه، ويقال للذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب:" الحزاء". وجاء في تاريخ الطبري" الحازة والقافة"، كأنه جمع آخرها على غير القياس. وفي جمعه أيضًا" الحوازي".

و" القافة" جمع" قائف"، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.]] فقصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ . [[الأثر: ١٩٣٣٠ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٧، مطولا.]]

١٩٣٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ إلى قوله: ﴿بعالمين﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه"أضغاث أحلام"، يعنون أنها أخلاطٌ، رؤيا كاذبةٌ لا حقيقة لها.

* *

= وهي جمع"ضغث"، و"الضغث" أصله الحزمة من الحشيش، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها = و"الأحلام"، جمع حلم، وهو ما لم يصدق من الرؤيا، ومن"الأضْغَاث" قول ابن مقبل:

خَوْدٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ ... أضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالٍ [[لم أجده في غير هذا المكان. و" الخود"، الفتاة الناعمة الشابة. و" الشمال" هي الريح المعروفة، وهي الباردة. وما أطيب ما وصف ابن مقبل وما أبصره!]]

ومنه قول الآخر: [[لم أعرف قائله.]]

يَحْمِي ذِمَارَ جَنِينٍ قَلَّ مَانِعُهُ ... طَاوٍ كَضِغْثِ الخَلا فِي البَطْنِ مُكْتَمِن [[هذا بيت لم أجده، ولا أحسن تفسيره مفردًا.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٣٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ يقول: مشتبهة.

١٩٣٣٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، كاذبة.

١٩٣٣٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال،لما قصّ الملك رؤياه التي رأى على أصحابه، قالوا: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، أي فعل الأحلام.

١٩٣٣٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، قال: أخلاط أحلام= ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ .

١٩٣٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك قال،"أضغاث أحلام"، كاذبة.

١٩٣٣٧ - ... قال، حدثني المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:"قالوا أضغاث" قال: كذب.

١٩٣٣٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، هي الأحلام الكاذبة.

* *

وقوله: ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ ، يقول: وما نحن بما تئول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين. [[انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

والباء الأولى التي في"التأويل" من صلة"العالمين"، والتي في"العالمين""الباء" التي تدخل في الخبر مع"ما" التي بمعنى الجحد= ورفع"أضغاث أحلام"، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء، إنما هي أضغاث أحلام.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا= ﴿وادّكر﴾ ، يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذِكْرَ حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ = ﴿بعد أمة﴾ ، يعني بعد حين، كالذي:-

١٩٣٣٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين [[انظر تفسير" الأمة" فيما سلف....، تعليق:.....، والمراجع هناك.]] .

١٩٣٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.

١٩٣٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.

١٩٣٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.

١٩٣٤٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد قال،أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.

١٩٣٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله.

١٩٣٤٥-....قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، يقول: بعد حين.

١٩٣٤٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: ذكر بعد حين.

١٩٣٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿وادكر بعد أمة﴾ بعد حين.

١٩٣٤٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، مثله.

١٩٣٤٩- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، مثله.

١٩٣٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.

١٩٣٥١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن كثير: ﴿بعد أمة﴾ : بعد حين= قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ﴿بعد أمة﴾ ، بعد سنين.

١٩٣٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.

١٩٣٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي: بعد حقبة من الدهر.

* *

قال أبو جعفر: وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضم الألف وتشديد الميم، وهي قراءة القرأة في أمصار الإسلام.

* *

وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك:" بَعْدَ أَمَةٍ" بفتح الألف، وتخفيف الميم وفتحها بمعنى: بعد نسيان.

* *

وذكر بعضهم أن العرب تقول من ذلك:"أمِهَ الرجل يأمَهُ أمَهًا"، إذا نسي.

* *

وكذلك تأوّله من قرأ ذلك كذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٥٤ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ:"بَعْدَ أمَهٍ" ويفسّرها، بعد نسيان.

١٩٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا بهز بن أسد، عن همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.

١٩٣٥٦ - حدثني أبو غسان مالك بن الخليل اليحمدي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ"، و"الأمه": النسيان. [[الأثر: ١٩٣٥٦ -" مالك بن الخليل اليحمدي الأزدي"،" أبو غسان"، شيخ الطبري، روى عنه النسائي وغيره، مترجم في التهذيب.]]

١٩٣٥٧- حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن علية، قال، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن عكرمة، مثله.

١٩٣٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب قال، قال هارون، وحدثني أبو هارون الغنوي، عن عكرمة:"بَعْدَ أَمَهٍ"، بعد نسيان.

١٩٣٥٩- ... قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أًمًهٍ": بعد نسيان.

١٩٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: أي بعد نسيان.

١٩٣٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" قال: من بعد نسيانه.

١٩٣٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد الكريم أبي أمية المعلم، عن مجاهد: أنه قرأ:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ".

١٩٣٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ﴾ قال: بعد نسيان.

١٩٣٦٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.

* *

وقد ذكر فيها قراءة ثالثة، وهي ما:-

١٩٣٦٥- حدثني به المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن حميد قال،قرأ مجاهد:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمْهٍ"، مجزومة الميم مخففة.

* *

وكأنّ قارئ ذلك كذلك أراد به المصدرَ من قولهم:"أمه يأمَهُ أمْهًا"، وتأويل هذه القراءة، نظير تأويل من فتح الألف والميم.

* *

وقوله: ﴿أنا أنبئكم بتأويله﴾ يقول: أنا أخبركم بتأويله [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة

= وتفسيره" التأويل" فيما سلف ص: ١١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فأرسلون﴾ ، يقول: فأطلقوني، أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به.

* *

وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وذلك:"فأرسلوه، فأتى يوسف، فقال له": يا يوسف، يا أيها الصديق، [[انظر تفسير" الصديق" فيما سلف ٨: ٥٣٠ - ٥٣٢ / ١٠: ٤٨٥.]] كما:-

١٩٣٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الملك للملأ حوله: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ ، الآية، وقالوا له ما قال، وسمع نبو من ذلك ما سمع ومسألته عن تأويلها، [[في المطبوعة والمخطوطة:" سمع" بغير" واو"، والصواب إثباتها.]] ذكر يوسف وما كان عبَرَ له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، يقول الله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي حقبة من الدهر، فأتاه فقال: يا يوسف، إن الملك قد رأى كذا وكذا، فقصّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسف ما ذكر الله لنا في الكتاب، فجاءهم مثلَ فلق الصبح تأويلُها، فخرج نبوا من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، وأخبره بما قال.

* *

وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال:"أرسلوني"، لأن السجن لم يكن في المدينة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ الآيات.

* *

قوله: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، فإن معناه: أفتنا في سبع بقرات سمان رُئين في المنام، يأكلهن سبعٌ منها عجاف= وفي سبع سنبلات خضر رئين أيضًا، وسبع أخر منهن يابسات. فأما"السمان من البقر"، فإنها السنون المخصبة، كما:-

١٩٣٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ ، قال: أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا.

١٩٣٦٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ ، فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف: هي السنون المحُول الجُدُوب.

* *

قوله: ﴿وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، أما ﴿الخضر﴾ فهن السنون المخاصيب وأما ﴿اليابسات﴾ فهن الجدوب المحول.

و"العِجاف" جمع"عَجِف" وهي المهازيل.

* *

وقوله: ﴿لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ ، يقول: كي أرجع إلى الناس فأخبرهم = ﴿لعلهم يعلمون﴾ يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا= ﴿وادّكر﴾ ، يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذِكْرَ حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ = ﴿بعد أمة﴾ ، يعني بعد حين، كالذي:-

١٩٣٣٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين [[انظر تفسير" الأمة" فيما سلف....، تعليق:.....، والمراجع هناك.]] .

١٩٣٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.

١٩٣٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.

١٩٣٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.

١٩٣٤٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد قال،أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.

١٩٣٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله.

١٩٣٤٥-....قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، يقول: بعد حين.

١٩٣٤٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: ذكر بعد حين.

١٩٣٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿وادكر بعد أمة﴾ بعد حين.

١٩٣٤٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، مثله.

١٩٣٤٩- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، مثله.

١٩٣٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.

١٩٣٥١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن كثير: ﴿بعد أمة﴾ : بعد حين= قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ﴿بعد أمة﴾ ، بعد سنين.

١٩٣٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.

١٩٣٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي: بعد حقبة من الدهر.

* *

قال أبو جعفر: وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضم الألف وتشديد الميم، وهي قراءة القرأة في أمصار الإسلام.

* *

وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك:" بَعْدَ أَمَةٍ" بفتح الألف، وتخفيف الميم وفتحها بمعنى: بعد نسيان.

* *

وذكر بعضهم أن العرب تقول من ذلك:"أمِهَ الرجل يأمَهُ أمَهًا"، إذا نسي.

* *

وكذلك تأوّله من قرأ ذلك كذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٥٤ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ:"بَعْدَ أمَهٍ" ويفسّرها، بعد نسيان.

١٩٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا بهز بن أسد، عن همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.

١٩٣٥٦ - حدثني أبو غسان مالك بن الخليل اليحمدي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ"، و"الأمه": النسيان. [[الأثر: ١٩٣٥٦ -" مالك بن الخليل اليحمدي الأزدي"،" أبو غسان"، شيخ الطبري، روى عنه النسائي وغيره، مترجم في التهذيب.]]

١٩٣٥٧- حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن علية، قال، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن عكرمة، مثله.

١٩٣٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب قال، قال هارون، وحدثني أبو هارون الغنوي، عن عكرمة:"بَعْدَ أَمَهٍ"، بعد نسيان.

١٩٣٥٩- ... قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أًمًهٍ": بعد نسيان.

١٩٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: أي بعد نسيان.

١٩٣٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" قال: من بعد نسيانه.

١٩٣٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد الكريم أبي أمية المعلم، عن مجاهد: أنه قرأ:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ".

١٩٣٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ﴾ قال: بعد نسيان.

١٩٣٦٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.

* *

وقد ذكر فيها قراءة ثالثة، وهي ما:-

١٩٣٦٥- حدثني به المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن حميد قال،قرأ مجاهد:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمْهٍ"، مجزومة الميم مخففة.

* *

وكأنّ قارئ ذلك كذلك أراد به المصدرَ من قولهم:"أمه يأمَهُ أمْهًا"، وتأويل هذه القراءة، نظير تأويل من فتح الألف والميم.

* *

وقوله: ﴿أنا أنبئكم بتأويله﴾ يقول: أنا أخبركم بتأويله [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة

= وتفسيره" التأويل" فيما سلف ص: ١١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فأرسلون﴾ ، يقول: فأطلقوني، أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به.

* *

وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وذلك:"فأرسلوه، فأتى يوسف، فقال له": يا يوسف، يا أيها الصديق، [[انظر تفسير" الصديق" فيما سلف ٨: ٥٣٠ - ٥٣٢ / ١٠: ٤٨٥.]] كما:-

١٩٣٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الملك للملأ حوله: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ ، الآية، وقالوا له ما قال، وسمع نبو من ذلك ما سمع ومسألته عن تأويلها، [[في المطبوعة والمخطوطة:" سمع" بغير" واو"، والصواب إثباتها.]] ذكر يوسف وما كان عبَرَ له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، يقول الله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي حقبة من الدهر، فأتاه فقال: يا يوسف، إن الملك قد رأى كذا وكذا، فقصّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسف ما ذكر الله لنا في الكتاب، فجاءهم مثلَ فلق الصبح تأويلُها، فخرج نبوا من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، وأخبره بما قال.

* *

وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال:"أرسلوني"، لأن السجن لم يكن في المدينة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ الآيات.

* *

قوله: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، فإن معناه: أفتنا في سبع بقرات سمان رُئين في المنام، يأكلهن سبعٌ منها عجاف= وفي سبع سنبلات خضر رئين أيضًا، وسبع أخر منهن يابسات. فأما"السمان من البقر"، فإنها السنون المخصبة، كما:-

١٩٣٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ ، قال: أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا.

١٩٣٦٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ ، فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف: هي السنون المحُول الجُدُوب.

* *

قوله: ﴿وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، أما ﴿الخضر﴾ فهن السنون المخاصيب وأما ﴿اليابسات﴾ فهن الجدوب المحول.

و"العِجاف" جمع"عَجِف" وهي المهازيل.

* *

وقوله: ﴿لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ ، يقول: كي أرجع إلى الناس فأخبرهم = ﴿لعلهم يعلمون﴾ يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لسائله عن رؤيا الملك: ﴿تزرعون سبع سنين دأبًا﴾ يقول: تزرعون هذه السبع السنين، كما كنتم تزرعون سائر السنين قبلها على عادتكم فيما مضى.

* *

و"الدأب"، العادة، [[انظر تفسير" الدأب" فيما سلف ٦: ٢٢٤، ٢٢٥ / ١٤: ١٩.]] ومن ذلك قول امرئ القيس:

كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ... وَجَارَتِها أُمِّ الرَّبَابِ بِمأْسَلِ [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ٦: ٢٢٥.]]

يعني كعادتك منها.

* *

وقوله: ﴿فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون﴾ ، وهذا مشورة أشار بها نبي الله ﷺ على القوم، ورأيٌ رآه لهم صلاحًا، يأمرهم باستبقاء طعامهم، كما:-

١٩٣٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قال لهم نبيّ الله يوسف: ﴿تزرعون سبع سنين دأبًا﴾ الآية، فإنما أراد نبيُّ الله ﷺ البقاء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: ثم يجيء من بعد السنين السبع التي تزرعون فيها دأبًا، سنون سبع شداد، يقول: جدوب قحطة= ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ ، يقول: يؤكل فيهنّ ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهن في السنين السبعة الخصبة من الطعام والأقوات.

* *

وقال جل ثناؤه: ﴿يأكلن﴾ ، فوصف السنين بأنهن ﴿يأكلهن﴾ ، وإنما المعنى: أن أهل تلك الناحية يأكلون فيهن، كما قيل: [[هو عبد الله بن عبد الأعلى بن أبي عمرة.]]

نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ [[الأخبار الطوال: ٣٣٣، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي: ٢٢٥، تاريخ ابن كثير ٩: ٢٠٦، وغيرها، يقول: أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ حَالِمُ ... وكيف يطيق النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ

فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الغَدَاةَ لَحَرَّقَتْ ... مَحَاجِرَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ

بَلَ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ ... إلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائمُ

نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... ولَيْلُكَ نَوْمٌ، وَالرَّدَى لك لاَزِمُ

تُسَرُّ بِمَا يَبْلَى، وَتُشْغَلُ بِالمُنَى ... كَمَا سُرَّ بِالأَحْلامِ فِي النَّوْم نَائِمُ

وَسَعْيُكَ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ

فَلا أَنْتَ فِي النُّوَّامِ يَوْمًا بِسَالِمٍ ... وَلا أَنْتَ فِي الأيْقَاظِ يَقْظَانُ حَازِمُ

.]] فوصف النهار بالسهو والغفلة، والليل بالنوم، وإنما يسهى في هذا ويغفل فيه، وينام في هذا، لمعرفة المخاطبين بمعناه والمراد منه.

* *

= ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، يقول: إلا يسيرًا مما تحرزونه.

* *

والإحصان: التصيير في الحصن، وإنما المراد منه الإحراز.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٧١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ ، يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت = ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ .

١٩٣٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ ، وهنّ الجدوب المحُول = ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ .

١٩٣٧٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ ، وهن الجدوب، ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، مما تدَّخرون.

١٩٣٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، يقول: تخزنون.

١٩٣٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿تحصنون﴾ ، تحرزون.

١٩٣٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، قال: مما تَرْفَعون.

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال في قوله: ﴿تحصنون﴾ ، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه، فإن معانيها متقاربة، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيَّنت.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةً على نبوته وحجة على صدقة، كما:-

١٩٣٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: ثم زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ .

* *

ويعني بقوله: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر والغيث.

* *

وبنحو ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس﴾ ، قال: فيه يغاثون بالمطر.

١٩٣٧٩ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، قال: بالمطر.

١٩٣٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام﴾ ، قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه، وكان الله قد علمه إياه، ﴿عام فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر.

١٩٣٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر.

* *

وأما قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: وفيه يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: الأعناب والدُّهْن.

١٩٣٨٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا.

١٩٣٨٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ ، يقول: يصيبهم غيث، فيعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات.

١٩٣٨٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: يعصرون أعنابهم.

١٩٣٨٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: العنب.

١٩٣٨٧ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: الزيت.

١٩٣٨٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة: "وفيه يعصرون" قال: كانوا يعصرون الأعناب والثمرات.

١٩٣٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: يعصرون الأعناب والزيتون والثمار من الخصب. هذا علم آتاه الله يوسف لم يُسْأل عنه.

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، وفيه يَحْلِبون.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني فضالة، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: فيه يحلبون.

١٩٣٩١ - حدثني المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثنا الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة قال: كان ابن عباس يقرأ:"وَفِيهِ تَعْصرُونَ" بالتاء، يعني: تحتلبون.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض قرأة أهل المدينة والبصرة والكوفة: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ، بالياء، بمعنى ما وصفت، من قول من قال: عصر الأعناب والأدهان.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين:"وَفِيهِ تَعْصِرُونَ"، بالتاء.

وقرأ بعضهم:"وَفِيهِ يُعْصَرُونَ"، بمعنى: يمطرون.

وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها ما عليه قرأة الأمصار.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك أن لقارئه الخيارَ في قراءته بأي القراءتين الأخريين شاء، إن شاء بالياء، ردًّا على الخبر به عن"الناس"، على معنى: فيه يُغاث الناس وفيه يَعْصرون أعنابهم وأدهانهم= وإن شاء بالتاء، ردًّا على قوله: ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، وخطابًا به لمن خاطبه بقوله: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ =لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار باتفاق المعنى، وإن اختلفت الألفاظ بهما. وذلك أن المخاطبين بذلك كان لا شك أنهم إذا أغيثوا وعَصَروا، أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا. وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا، أغيث المخاطبون وعَصَروا، فهما متفقتا المعنى، وإن اختلفت الألفاظ بقراءة ذلك.

* *

وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مَذهب كلام العرب، [[يعني أبا عبيدة معمر بن المثنى، فهو قائل ذلك في كتابه مجاز القرآن ١: ٣١٣، ٣١٤.]] يوجه معنى قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من"العَصَر" و"العُصْرَة" التي بمعنى المنجاة، [[في المطبوعة والمخطوطة (من العصر والعصر) التي بمعنى المناجاة، والصواب من مجاز القرآن لأبي عبيدة.]] من قول أبي زبيد الطائي:

صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ [[أمالي اليزيدي: ٨، وجمهرة أشعار العرب: ١٣٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٣ واللسان (نجد) و (عصر) ، وغيرها، من قصيدة رثى بها أخاه اللجلاج، وكان مات عطشًا في طريق مكة. يقول قبله، وهو من جيد الشعر: كُلَّ مَيْتٍ قَدِ اغْتَفَرَتُ فَلاَ أَجْـ ... ـزَعُ مِنْ وَالِدٍ وَلاَ مَوْلُودِ

غَيْرَ أَنَّ اللّجْلاجَ هَدَّ جَنَاحِي ... يَوْمَ فَارَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعِيدِ

فِي ضَرِيحٍ عَلَيْهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌ ... مِنْ تُرَابٍ وَجَنْدَلٍ مَنْضودِ

عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ صَدٍ حَرَّ ... انَ يَدْعُو باللَّيْلِ غَيْرَ مَعُودِ

و" المنجود" المكروب، والمقهور، والهالك، كله جيد.]] أي المقهور. ومن قول لبيد:

فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ... وَمَا كَانَ وقافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ [[ديوانه، القصيدة ١٤، بيت رقم: ١٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٥، ٣١٤، واللسان (عصر) ، وغيرها، من قصيدة ذكر فيها من هلك من قومه، وهذا البيت من ذكر قيس بن جزء ابن خالد بن جعفر، وكان خرج غازيًا فظفر، فلما رجع مات فجأه على ظهر فرسه، بات على فرسه ربيئة لأصحابه، وعليه الدرع، فهرأه البرد فقتله. ففي ذلك يقول لبيد: وقيسُ بن جَزْءٍ يَوْمَ نَادَى صِحَابَهُ ... فَعَاجُوا عَلَيْهِ مِنْ سَوَاهِمَ ضمَّرِ

طَوَتْهُ المَنَايَا فَوْقَ جَرْدَاءَ شَطْبَةٍ ... تَدِفُّ دَفِيفَ الطَّائحِ المُتَمَطِّرِ

فَبَات........................ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يقول: نادى صحابه، فعطفوا عليه خيلا قد لوحها السفر وهزلها، وقد أخذته يد الموت وهو على ظهر فرسه الجرداء الطويلة،" تدف"، أي تطير طيرانًا كما يفعل الطائر وهو قريب من وجه الأرض، و" الرائح المتمطر"، وهو الطائر الذي يؤوب إلى فراخه، طائرًا في المطر، هاربًا منه، فذلك أسرع له.

يقول: فبات عليها هلكًا، وسار أصحابه، ولم يتأخر عنهم إلا لأمر أصابه. ورواية الديوان:" بدار معصر"، وذكر الرواية الأخرى.]]

وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين.

* *

وأما القول الذي رَوَى الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة، [[انظر رقم: ١٩٣٩١.]] فقولٌ لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رجع الرسول الذي أرسلوه إلى يوسف، الذي قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فارسلون﴾ فأخبرهم بتأويل رؤيا الملك عن يوسف = علم الملك حقيقة ما أفتاه به من تأويل رؤياه وصحة ذلك، وقال الملك: ائتوني بالذي عبَر رؤياي هذه. كالذي:-

١٩٣٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فخرج نبو من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك حتى أتى الملك، فأخبره بما قال، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار، [[في المطبوعة:" بمثل النهار"، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة، والصواب ما أثبت.]] وعرف أن الذي قال كائن كما قال، قال:"ائتوني به".

١٩٣٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما أتى الملك رسوله قال:"ائتوني به".

* *

وقوله: ﴿فلما جاءه الرسول﴾ ، يقول: فلما جاءه رسول الملك يدعوه إلى الملك = ﴿قال ارجع إلى ربك﴾ ، يقول: قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ١٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ؟ وأبى أن يخرج مع الرسول وإجابةَ الملك، حتى يعرف صحّة أمره عندهم مما كانوا قرفوه به من شأن النساء، [[في المطبوعة:" قذفوه"، وأثبت الصواب من المخطوطة." قرفه بالشيء"، اتهمه به.]] فقال للرسول: سل الملك ما شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن، والمرأة التي سجنت بسببها؟ كما:-

١٩٣٩٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، والمرأة التي سجنت بسبب أمرها، عما كان من ذلك.

١٩٣٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ﴿ائتوني به﴾ ، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك، أبى يوسف الخروجَ معه = ﴿وقال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ الآية. قال السدي، قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ! يقول: هذا الذي راود امرأته.

١٩٣٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة! لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إليَّ لخرجت سريعًا، إن كان لحليمًا ذا أناة! [[الأثر: ١٩٣٩٦ - هذا حديث ضعيف الإسناد، لإبهام الرجل الذي حدث عن أبي الزناد.]]

١٩٣٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته، إذ جاءه الرسول فقال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ الآية. [[الأثر: ١٩٣٩٧ - حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ورقم: ١٩٤٠١، ١٩٤٠٢.

و" محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٢٨٢٢، وغيرها قبله وبعده.

ومن طريق محمد بن عمرو، ورواه أحمد في مسند أبي هريرة، ونقله بإسناده ولفظه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٤٨، قال:" حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة". ولم أوفق لاستخراجه من المسند، لطول مسند أبي هريرة.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٤٠، وقال:" قلت: له حديث في الصحيح غير هذا - رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث".]]

١٩٣٩٨- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال،أخبرني سليمان بن بلال، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله. [[الأثر: ١٩٣٩٨ - مكرر الذي قبله.

" سليمان بن بلال التيمي"، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٥٠٣.]]

١٩٣٩٩- حدثنا زكريا بن أبان المصريّ قال، حدثنا سعيد بن تليد قال، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال، حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي. [[الأثر: ١٩٣٩٩ -: زكريا بن أبان المصري"، هو" زكريا بن يحيى بن أبان المصري"، شيخ الطبري، وسلف برقم: ٥٩٧٣، ١٢٨٠٣، وانظر ما كتبته عن الشك في أمره هناك. وكان في المطبوعة:" المقرئ"، فكان" المصري"، لم يحسن قراءة المخطوطة.

وهذا الخبر صحيح الإسناد، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٧٧) ، عن سعيد بن تليد، بمثله مطولا، وانظر التعليق التالي.]]

١٩٤٠٠- حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله [[الأثر: ١٩٤٠٠ - هذه طريق أخرى للأثر السالف.

ومن هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه مطولا (الفتح ٦: ٢٩٣ - ٢٩٥) ، واستقصى الحافظ شرحه وتخريجه هناك.

ورواه مسلم في صحيحه مطولا ٢: ١٨٣ / ١٥: ١٢٢، ١٢٣.]] .

١٩٤٠١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان بن مسلم قال، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، وقرأ هذه الآية: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ ، قال النبي ﷺ: لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العُذر. [[الأثر: ١٩٤٠١ - من هذه الطريق رواه أحمد في مسنده، وانظر التعليق على رقم: ١٩٣٩٧.]]

١٩٤٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن النبي ﷺ = ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: أنه قرأ: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، الآية، فقال النبي ﷺ: لو بعث إليَّ لأسرعت في الإجابة، وما ابتغيت العذر. [[الأثر: ١٩٠٤٢ - هو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كما بينته في رقم: ١٩٣٩٧.]]

١٩٤٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم بشيء حتى أشترط أن يخرجُوني.

ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم البابَ، ولكنه أراد أن يكون له العذر. [[الأثر: ١٩٤٠٣ - هذا حديث مرسل.]]

١٩٤٠٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة﴾ ، أراد نبيُّ الله عليه السلام أن لا يخرج حتى يكون له العذر.

١٩٤٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، قال: أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن.

* *

وقوله: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾ ، يقول: إن الله تعالى ذكره ذو علم بصنيعهن وأفعالهن التي فعلن، بي ويفعلن بغيري من الناس، لا يخفى عليه ذلك كله، وهو من ورَاء جزائهن على ذلك. [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير" عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]]

* *

وقيل: إن معنى ذلك: إن سيدي إطفير العزيز، زوج المرأة التي راودتني عن نفسي، ذو علم ببراءتي مما قرفتني به من السوء. [[في المطبوعة:" قذفتني به"، والصواب من المخطوطة: أي: اتهمتني به.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ﴾

قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو:"فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز" فقال لهن: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ ، كالذي:-

١٩٤٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: فلما جاء الرسول الملك من عند يوسف بما أرسله إليه، جمع النسوة وقال: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ ؟

* *

ويعني بقوله: ﴿ما خطبكن﴾ ، ما كان أمركن، وما كان شأنكن= ﴿إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = فأجبنه فقلن: ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق﴾ ، [[انظر تفسير" حاش الله" فيما سلف ص: ٨١ - ٨٤.]] تقول: الآن تبين الحق وانكشف فظهر، ﴿أنا راودته عن نفسه﴾ = وإن يوسف لمن الصادقين في قوله: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ .

* *

وبمثل ما قلنا في معنى: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال: تبيّن.

١٩٤٠٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، تبيّن.

١٩٤٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٤١٠- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٤١١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٤١٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، الآن تبين الحق.

١٩٤١٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٩٤١٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال: تبيّن.

١٩٤١٥- حدثنا الحسن بن محمد قال،حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿الآن حصحص الحق﴾ قال: تبين.

١٩٤١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، مثله.

١٩٤١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال،أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

١٩٤١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، أي: الآن برز الحق وتبيَّن = ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، فيما كان قال يوسف مما ادّعَت عليه.

١٩٤١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: قال الملك: ائتوني بهن! فقال: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ ، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت وحلّ سراويله، ثم شدَّه بعد ذلك،، فلا تدري ما بدا له.

فقالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ .

١٩٤٢٠ - حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد، في قوله: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، تبين.

* *

وأصل حَصحص:"حصَّ"، ولكن قيل:"حصحص"، كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ ، [سورة الشعراء: ٩٤] ، في"كبوا"، وقيل:"كفكف" في"كف"، و"ذرذر" في"ذرّ". [[في المخطوطة:" وردرد"، في: رد، وكأن الصواب ما في المطبوعة. و" الذرذرة"، تفريقك الشيء وتبديدك إياه. و" ذر الشيء"، بدده.]] وأصل"الحص": استئصال الشيء، يقال منه:"حَصَّ شعره"، إذا استأصله جزًّا. وإنما أريد في هذا الموضع بقوله: ﴿حصحص الحق﴾ ، [[في المطبوعة: أسقط قوله:" بقوله".]] ذهب الباطل والكذب فانقطع، وتبين الحق فظهر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه، وتركي إجابته والخروج إليه، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته="بالغيب"، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني. [[انظر تفسير" الغيب" فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) .]] وإذا لم يركب ذلك بمغيبه، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيدًا من ركوبه، كما:-

١٩٤٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،يقول يوسف: ﴿ذلك ليعلم﴾ ، إطفير سيده = ﴿أني لم أخنه بالغيب﴾ ، أني لم أكن لأخالفه إلى أهله من حيث لا يعلمه.

١٩٤٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، يوسف يقوله.

١٩٤٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ يوسف يقوله: لم أخن سيِّدي.

١٩٤٢٤-....قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال يوسف يقوله.

١٩٤٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: هذا قول يوسف.

١٩٤٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال هو يوسف، لم يخن العزيز في امرأته.

١٩٤٢٧- حدِثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، هو يوسف يقول: لم أخن الملك بالغيب.

* *

وقوله: ﴿وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب = ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: وأن الله لا يسدّد صنيع من خان الأمانات، ولا يرشد فعالهم في خيانتهموها. [[انظر تفسير" الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .

= وتفسير" الكيد" فيما سلف ص: ١٣٧، تعليق ١، والمراجع هناك.]]

* *

واتصل قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، لمعرفة السامعين لمعناه، كاتصال قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ، بقول المرأة: ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ ، [سورة النمل: ٣٤] وذلك أن قوله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ ، خبر مبتدأ، وكذلك قول فرعون لأصحابه في"سورة الأعراف"، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ، وهو متصل بقول الملأ ﴿يُريدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١١٠] . [[انظر ما سلف ١٣: ٢٠.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول يوسف صلوات الله عليه: وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها= ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، يقول: إن النفوسَ نفوسَ العباد، تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله= ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يقول: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواها وطاعتها فيما تأمرُه به من السوء = ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ .

* *

و"ما"في قوله: ﴿إلا ما رحم ربي﴾ ، في موضع نصب، وذلك أنه استثناء منقطع عما قبله، كقوله: ﴿ولا هُمْ يُنْقَذُونَ إلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [سورة يس: ٤٣، ٤٤] بمعنى: إلا أن يرحموا. و"أن"، إذا كانت في معنى المصدر، تضارع"ما".

* *

ويعني بقوله: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ ، أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها ="رحيم"، به بعد توبته، أن يعذبه عليها.

* *

وذُكر أن يوسف قال هذا القول، من أجل أن يوسف لما قال: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال ملك من الملائكة: ولا يومَ هممت بها! فقال يوسفُ حينئذ: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

* *

وقد قيل: إن القائل ليوسف:"ولا يومَ هممت بها، فحللت سراويلك"! هو امرأة العزيز، فأجابها يوسف بهذا الجواب.

* *

وقيل: إن يوسف قال ذلك ابتداءً من قبل نفسه.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٢٨ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن حَاشَ لله، ما علمنا عليه من سوء! قالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ الآية. قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال فقال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت! فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة، قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ = ثم ذكر سائر الحديث، مثل حديث أبي كريب، عن وكيع.

١٩٤٣٠- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع فرعون النسوة، [[في المطبوعة:" لما جمع الملك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] قال: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ ثم ذكر نحوه= غير أنه قال: فغمزه جبريل، فقال: ولا حين هممت بها! فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال: لما قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ . قال جبريل، أو مَلَك: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣٢- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه= إلا أنه قال: قال له المَلَك: ولا حين هممت بها؟ ولم يقل:"أو جبريل"، ثم ذكر سائر الحديث مثله.

١٩٤٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، وأحمد بن بشير، عن مسعر، عن أبى حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال فقال له الملك= أو: جبريل=: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، بمثله.

١٩٤٣٦- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثل حديث ابن وكيع، عن محمد بن بشر وأحمد بن بشير سواءً.

١٩٤٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، وزيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال له جبريل: اذكر همَّك! فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣٨ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن الحسن: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ قال جبريل: يا يوسف اذكر همك! قال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٣٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: هذا قول يوسف قال: فقال له جبريل: ولا حين حللت سراويلك؟ قال فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، الآية.

١٩٤٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال،أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، بنحوه.

١٩٤٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ذُكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف، قال له: اذكر ما هممت به. قال نبي الله: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

١٩٤٤٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن الملك قال له حين قال ما قال: أتذكر همك؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ .

١٩٤٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال الملك، وطَعَن في جنبه: يا يوسف، ولا حين هممت؟ قال: فقال: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ .

* *

ذكر من قال: قائل ذلك له المرأة.

١٩٤٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: قاله يوسف حين جيء به، ليعلم العزيز أنه لم يخنه بالغيب في أهله، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا يوم حللت سراويلك؟ فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .

* *

ذكر من قال: قائل ذلك يوسف لنفسه، من غير تذكير مذكّر ذكره ولكنه تذكّر ما كان سلف منه في ذلك.

١٩٤٤٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، هو قول يوسف لمليكه، حين أراه الله عذره، فذكر أنه قد همَّ بها وهمت به، فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"وقال الملك"، يعني ملك مصر الأكبر، وهو فيما ذكر ابن إسحاق: الوليد بن الرّيان.

١٩٤٤٦ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عنه.

* *

= حين تبين عذر يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ ، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري.

* *

وقوله: ﴿فلما كلمه﴾ ، يقول: فلما كلم الملك يوسفَ، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك يا يوسف،"لدينا مكين أمين"، أي: متمكن مما أردت، وعرض لك من حاجة قبلنا، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا = أمين على ما أؤتمنت عليه من شيء.

١٩٤٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما وجد الملك له عذرًا قال: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ .

١٩٤٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أستخلصه لنفسي﴾ ، يقول: أتخذه لنفسي.

١٩٤٤٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل قال الملك: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ قال: قال له الملك: إني أريد أن أخلصك لنفسي، غير أني آنَفُ أن تأكُل معي.

فقال يوسف: أنا أحق أن آنفَ، أنا ابن إسحاق= أو: أنا ابن إسماعيل= أبو جعفر شكَّ، وفي كتابي: ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.

١٩٤٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل بنحوه= غير أنه قال: أنا ابن إبراهيم خليل الله، ابن إسماعيل ذبيح الله.

١٩٤٥١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: قال العزيز ليوسف: ما من شيء إلا وأنا أحبُّ أن تشركني فيه، إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي، وأن لا يأكل معي عَبْدي! قال: أتأنف أن آكل معك؟ فأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم خليل الله، وابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.

١٩٤٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سفيان بن عقبة، عن حمزة الزيات، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة قال: لما رأى العزيز لَبَقَ يوسف وكيسه وظَرْفه، دعاه فكان يتغدى ويتعشى معه دون غلمانه. فلما كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له: تُدْنِي هذا! مُرْهُ فليتغدَّ مع الغلمان. قال له: اذهب فتغدَّ مع الغلمان. فقال له يوسف في وجهه: ترغب أن تأكل معي = أو تَنْكَف [[يقال:" نكف من الشيء" و" استنكف منه" بمعنى واحد.]] = أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك.

* *

وهي جمع"خِزَانة".

* *

و"الألف واللام" دخلتا في"الأرض" خلفًا من الإضافة، كما قال الشاعر: [[هو النابغة الذبياني.]]

والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ٥: ١٦٠ /١٣: ١٠٦، وهو: لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا الدَّهُرْ غَيْرَهُم ... مِنَ النَّاسِ، والأَحْلامُ غيْرُ عَوَازِبِ]]

* *

وهذا من يوسف صلوات الله عليه، مسألة منه للملك أن يولّيه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به، فيما بلغني، كما:-

١٩٤٥٣ - حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد في قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه، وجعل القضاء إليه، أمرُه وقضاؤه نافذٌ.

١٩٤٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي، في قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، قال: على حفظ الطعام [[الأثر: ١٩٤٥٤ -" إبراهيم بن المختار التميمي"، ممن يتقى حديثه، وبخاصة من رواية محمد بن حميد عنه، مضى برقم: ٤٠٣٨، ١٤٣٦٥، ١٧٦٣١.

و"شيبة الضبي"، هو" شيبة بن نعامة الضبي"،" أبو نعامة"، ضعيف الحديث لا يحتج به، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ١٤٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٣٥، وميزان الاعتدال ١: ٤٥٢، ولسان الميزان ٣: ١٥٩.

وانظر الإسناد الآتي رقم: ١٩٤٥٧.]] .

* *

وقوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٥٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، إني حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني. قال: قد فعلت.

١٩٤٥٦ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، يقول: حفيظ لما وليت، عليم بأمره.

١٩٤٥٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي في قوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة. [[الأثر: ١٩٤٥٧ - انظر بيانه في التعليق على رقم: ١٩٤٥٤.]]

* *

وقال آخرون: إني حافظ للحساب، عليم بالألسن.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن الأشجعي: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، حافظ للحساب، عليم بالألسن.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين عندنا بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك:" إني حافظ لما استودعتني، عالم بما أوليتني"، لأن ذلك عقيب قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرةً في ذلك وكفايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الحساب، ومعرفته بالألسن. [[انظر تفسير" حفيظ" فيما سلف ١٥: ٤٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك

= وتفسير" عليم" في فهارس اللغة (علم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهكذا وطَّأنا ليوسف في الأرض [[انظر تفسير" التمكين" فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = يعني أرض مصر = ﴿يتبوأ منها حيث يشاء﴾ ، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء، بعد الحبس والضيق [[انظر تفسير" تبوأ" فيما سلف ١٥: ١٩٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ ، من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار، وبعد الإلقاء في الجبّ = ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ ، يقول: ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله. [[انظر تفسير" الأجر" و" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) ، (حسن)]]

* *

وكان تمكين الله ليوسف في الأرض كما:-

١٩٤٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما قال يوسف للملك: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ قال الملك: قد فعلت! فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه، يقول الله: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ ، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم أن إطفير هَلَك في تلك الليالي، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيُّها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا ناعمةً في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدَها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف.

١٩٤٦٠ - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله، فذلك قوله: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ .

١٩٤٦١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد في قوله: ﴿يتبوأ منها حيث يشاء﴾ قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إليه. قال: ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه، ويجعله فوقه لفعل.

١٩٤٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولثواب الله في الآخرة= ﴿خير للذين آمنوا﴾ يقول: للذين صدقوا الله ورسوله، مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر = ﴿وكانوا يتقون﴾ ، يقول: وكانوا يتقون الله، فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه، فيطيعونه في أمره ونهيه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ ، يوسف، ﴿وهم﴾ ليوسف ﴿منكرون﴾ لا يعرفونه.

* *

وكان سبب مجيئهم يوسفَ، فيما ذكر لي، كما:-

١٩٤٦٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما اطمأن يوسف في ملكه، وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهد الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، [[في المطبوعة:" أسا بينهم"، والصواب من المخطوطة. و" آسى بين القوم"، سوى بينهم، وجعل كل واحد أسوة لصاحبه، أي مثله.]] وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين، تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، [[" التقسيط" التفريق، أعطى لكل امرئ قسطًا، وهو من العدل بينهم.]] فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس، يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد. [[في المطبوعة:" ما أراد"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]

١٩٤٦٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: أصاب الناس الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين ؛ فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون ؛ فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثنى عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبروني أن أباكم صدِّيق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير؟ ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾ ، قال: فضعُوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا. فوضعوا شمعون.

١٩٤٦٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وهم له منكرون﴾ قال: لا يعرفونه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٥٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: ولما حمَّل يوسف لإخوته أبا عرهم من الطعام، فأوقر لكل رجل منهم بعيرَه، قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ كيما أحمل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر، ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، [[انظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف ١٥: ٤٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

= وتفسير" الكيل" فيما سلف ١٥: ٤٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فلا أبخسه أحدًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، وأنا خير من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم. كما:

١٩٤٦٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، يوسف يقوله: [[في المطبوعة:" يوسف يقول"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] أنا خيرُ من يُضيف بمصر.

١٩٤٦٧- حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما جهز يوسف فيمن جهَّز من الناس، حَمَل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال= ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، أي: لا أبخس الناس شيئًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ :، أي خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدّتكم، فإني لا أعطي كلّ رجل منكم إلا بعيرًا ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون﴾ ، لا تقربوا بلدي.

١٩٤٦٨- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل يوسف لإخوته: ﴿فإن لم تأتوني به﴾ ، بأخيكم من أبيكم= ﴿فلا كيل لكم عندي﴾ ، يقول: فليس لكم عندي طعام أكيله لكم= ﴿ولا تقربون﴾ ، يقول: ولا تقربوا بلادي.

وقوله: ﴿ولا تقربون﴾ ، في موضع جزم بالنهي، و"النون" في موضع نصب، وكسرت لما حذفت ياؤها، والكلام: ولا تقربُوني.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com