Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Ibrahim
Tafsir al-Tabari · Abraham · 52 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله جل ذكره ﴿الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) ﴾
قال أبو جعفر الطَبَريّ: قد تقدم منا البيان عن معنى قوله: " الر "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٢٠٥ - ٢٢٤.]]
* *
وأما قوله: ﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ فإن معناه: هذا كتاب أنزلناه إليك، يا محمد، يعني القرآن= ﴿لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفرِ، إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبصِّر به أهلَ الجهل والعمَى سُبُل الرَّشاد والهُدَى. [[انظر مراجع ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]
وقوله: ﴿بإذن ربهم﴾ يعني: بتوفيق ربهم لهم بذلك ولطفه بهم [[انظر تفسير " الإذن " فيما سلف قريبًا: ٤٧٦، تعليق: ٣ والمراجع هناك.]] = ﴿إلى صراط العزيز الحميد﴾ يعني: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه، وشَرَعُه لخلقه. [[انظر تفسير " الصراط " فيما سلف ١٢: ٥٥٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وقد أغفل تفسير " العزيز "، فانظر ما سلف ١٥: ٣٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك]]
* *
و ﴿الحميد﴾ ، "فعيل"، صُرِف من "مفعول" إلى " فَعيل"، ومعناه: المحمود بآلائه. [[انظر تفسير " الحميد " فيما سلف ٥: ٥٧٠/ ٩: ٢٩٦/ ١٥: ٤٠٠.]]
* *
وأضاف تعالى ذكره إخراجَ الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم لهم بذلك، إلى نبيه ﷺ، وهو الهادي خَلْقَه، والموفقُ من أحبَّ منهم للإيمان، إذ كان منه دعاؤهم إليه، وتعريفهُم ما لهم فيه وعليهم. فبيّنٌ بذلك صِحة قولِ أهل الإثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كَسبًا، وإلى الله جل ثناؤه إنشاءً وتدبيرًا، وفسادُ قول أهل القَدر الذين أنكرُوا أن يكون لله في ذلك صُنْعٌ. [[" أهل الإثبات "، هم أهل السنة مثبتو الصفات. و " أهل القدر " هم المعتزلة، ومن أنكر القدر.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٥٥٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ ، أي من الضلالة إلى الهدى.
القول في تأويل قوله عز ذكره ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قَرأة المدينة والشأم: " اللهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السماوات" برفع اسم "الله" على الابتداء، وتصيير قوله: ﴿الذي له ما في السماوات﴾ ،خبرَه.
* *
وقرأته عامة قرأة أهل العراق والكوفة والبصرة: ﴿اللهِ الَّذِي﴾ بخفض اسم الله على إتباع ذلك ﴿العزيزِ الحميدِ﴾ ، وهما خفضٌ.
* *
وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذ قرئ كذلك.
فذكر عن أبي عمرو بن العَلاء أنه كان يقرؤه بالخفض. ويقول: معناه: بإذن ربهم إلى صرَاط [الله] العزيز الحميدِ الذي له ما في السماوات. [[زدت ما بين القوسين لأنه حق الكلام، وإلا لم يكن المعنى على " المؤخر الذي معناه التقديم " كما سيأتي، بل كان يكون على التطويل والزيادة، وهو باطل. وهو إغفال من عجلة الناسخ وسبق قلمه.]] ويقول: هو من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ويمثله بقول القائل: " مررتُ بالظَّريف عبد الله"، والكلام الذي يوضع مكانَ الاسم النَّعْتُ، ثم يُجْعَلُ الاسمُ مكان النعت، فيتبع إعرابُه إعرابَ النعت الذي وُضع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء:
لَوْ كُنْتُ ذَا نَبْلٍ وَذَا شَزِيبِ ... مَا خِفْتُ شَدَّاتِ الخَبِيثِ الذِّيبِ [[غاب عني مكان الرجز. و " الشزيب " و " الشزبة "، (بفتح فسكون) ، من أسماء القوس، وهي التي ليست بجديد ولا خلق، كأنها شزب قضيبها، أي ذبل. و " الشدة "، (بفتح الشين) الحملة، يقال: " شد على العدو "، أي حمل.]]
* *
وأما الكسائي فإنه كان يقول فيما ذكر عنه: مَنْ خفضَ أراد أن يجعلَه كلامًا واحدًا، وأتبع الخفضَ الخفضَ، وبالخفض كان يَقْرأ.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القُرّاء، معناهما واحدٌ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بالرفع أراد مَعْنَى مَنْ خفضَ في إتباع الكلام بعضِه بعضًا، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى آخر الآية ثم قال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [سورة التوبة: ١١١، ١١٢] . [[انظر ما قاله أبو جعفر في الآية، فيما سلف ١٤: ٥٠٠، التعليق رقم: ٢.]]
* *
ومعنى قوله: ﴿اللهِ الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ اللهِ الذي يملك جميع ما في السماوات ومَا في الأرض.
يقول لنييه محمد ﷺ: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعُوَ عِبادي إلى عِبَادة مَنْ هذه صفته، وَيَدعُوا عبادَةَ من لا يملك لهم ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا من الآلهة والأوثان. ثم توعّد جل ثناؤه من كفر به، ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له فقال: ﴿وويْلٌ للكافرين من عذاب شديد﴾ يقول: الوادِي الذي يسيلُ من صديد أهل جهنم، لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيره، مِن عَذَاب الله الشَّدِيد. [[انظر تفسير " الويل " فيما سلف ٢: ٢٦٧ - ٢٦٩، ٢٣٧.]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾ ، الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها ومعاصي الله فيها، على طاعة الله وما يقرِّبهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة [[انظر تفسير " الاستحباب " فيما سلف ١٤: ١٧٥.]] = ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، يقول: ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتّباعَ رسوله على ما جاء به من عند الله، من الإيمان به واتباعه [[انظر تفسير " الصد " فيما سلف: ٤٦٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة.]] = ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يقول: ويلتمسون سَبِيل الله = وهي دينه الذي ابتعث به رسوله = ﴿عوجًا﴾ : تحريفًا وتبديلا بالكذب والزّور. [[انظر تفسير " الابتغاء " فيما سلف ١٥: ٢٨٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " العوج " فيما سلف ١٥: ٢٨٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
"والعِوَج" بكسر العين وفتح الواو، في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائمًا، فأما في كلِّ ما كان قائمًا، كالحائط والرمح والسنّ، فإنه يقال بفتح العين والواو جميعًا "عَوَج". [[انظر بيانًا آخر عن " العوج " فيما سلف ١٢: ٤٤٨، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٥، وفيه خطأ بين هناك.]]
* *
يقول الله عز ذكره: ﴿أولئك في ضلال بعيد﴾ يعني هؤلاء الكافرين الذين يستحبُّون الحياة الدنيا على الآخرة. يقول: هم في ذهابٍ عن الحق بعيد، وأخذ على غير هُدًى، وجَوْر عن قَصْد السبيل. [[انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة.]]
* *
وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول "على" في قوله: ﴿على الآخرة﴾ ، فكان بعض نحويى البَصْرة يقول: أوصل الفعل بـ"على" كما قيل: " ضربوه في السيف"، يريد بالسيف، [[انظر ما سيأتي: ٥٣٤، تعليق: ١.]] وذلك أن هذه الحروف يُوصل بها كلها وتحذَف، نحو قول العرب: "نزلتُ زيدًا"، و"مررت زيدًا"، يريدون: مررت به، ونزلت عليه.
* *
وقال بعضهم: إنما أدخل ذلك، لأن الفعل يؤدِّي عن معناه من الأفعال، [[قوله: " يؤدي عن معناه من الأفعال "، أي يتضمن معنى فعل غيره.]] ففي قوله: ﴿يستحبون الحياة الدنيا﴾ معناه يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ولذلك أدخلت "على".
وقد بيَّنت هذا ونظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن الإعادة. [[انظر " مباحث النحو والعربية وغيرها "، فيما سلف من أجزاء هذا الكتاب.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم، يا محمد، من قبلك ومن قبلِ قومك، رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم = ﴿ليبين لهم﴾ يقول: ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونَهيه، ليُثْبت حجة الله عليهم، ثم التوفيقُ والخذلانُ بيد الله، فيخذُل عن قبول ما أتاه به رسُوله من عنده من شاء منهم، ويوفّق لقبوله من شاء = ولذلك رفع "فيُضلُّ"، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله، كما قيل: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [سورة الحج: ٥] = ﴿وهو العزيز﴾ [[انظر تفسير " العزيز "، فيما سلف قريبًا: ٥١١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أرادَ ذلك به = ﴿الحكيم﴾ ، في توفيقه للإيمان من وفَّقه له، وهدايته له من هداه إليه، وفي إضلاله من أضلّ عنه، وفي غير ذلك من تدبيره. [[انظر تفسير " الحكيم " فيما سلف من فهارس اللغة.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٥٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ ، أي بلغة قومه ما كانت. قال الله عز وجلّ: ﴿ليبين لهم﴾ الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلك الحجة. قال الله عز وجلّ: ﴿فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾ .
القول في تأويل قوله عز ذكره ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحُجَجنا من قبلك،،، يا محمد،، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحجج، [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] كما:
٢٠٥٦١- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح =ح [[هذه أول مرة يستعمل رمز (ح) في هذه المخطوطة. وهو اصطلاح للمحدثين وغيرهم، يراد به: تحويل الإسناد، أي رواية الأثر بإسناد آخر قبل تمام الكلام.]] وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن الأشيب، قال، حدثنا ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد =ح [[هذه أول مرة يستعمل رمز (ح) في هذه المخطوطة. وهو اصطلاح للمحدثين وغيرهم، يراد به: تحويل الإسناد، أي رواية الأثر بإسناد آخر قبل تمام الكلام.]] وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجَاهد، في قول الله: ﴿ولقد أرسلنا موسى بأياتنا﴾ قال: بالبينات.
٢٠٥٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولقد أرسلنا موسى بأياتنا﴾ قال: التسعُ الآيات، الطُّوفانُ وما معه.
٢٠٥٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿أرسلنا موسى بأياتنا﴾ قال: التسعُ البَيِّناتُ.
٢٠٥٦٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
وقوله: ﴿أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور﴾ ،كما أنزلنا إليك، يا محمد، هذا الكتاب لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. ويعني بقوله: (٠٠٠٠ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور) ، أن ادعهم، [[في المطبوعة: " أي ادعهم "، أساء التصرف، وأراد: أن ادعهم، ليخرجوا من الضلالة إلى الهدى، فحذف واختصر.]] من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، كما:-
٢٠٥٦٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ولقد أرسلنا موسى بأياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور﴾ يقول: من الضلالة إلى الهدى.
٢٠٥٦٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، مثله.
* *
وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ يقول عز وجلّ: وعِظْهُم بما سلف من نُعْمَى عليهم في الأيام التي خلت= فاجتُزِئ بذكر "الأيام" من ذكر النعم التي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً، أنقذهم فيها من آل فرعون بعدَ ما كانوا فيما كانوا [فيه] من العذاب المُهِين، وغرَّق عدوَّهم فرعونَ وقومَه، وأوْرَثهم أرضهم وديارَهم وأموالَهم.
* *
وكان بعض أهل العربية يقول: معناه: خوَّفهم بما نزل بعادٍ وثمودَ وأشباههم من العذاب، وبالعفو عن الآخرين: قال: وهو في المعنى كقولك: "خُذْهم بالشدة واللين".
* *
وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النّعم بالأيام شاهدًا في كلامهم. ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم:
وَأَيَّامِ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا [[من قصيدته البارعة المشهورة، انظر شرح القصائد السبع لابن الأنباري: ٣٨٨.]]
وقال: فقد يكون إنما جَعَلها غُرًّا طِوالا لإنعامهم على الناس فيها. وقال: فهذا شاهدٌ لمن قال: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ بنعم الله. ثم قال: وقد يكون تَسْميتُها غُرًّا، لعلوّهم على المَلِكِ وامتناعهم منه، فأيامهم غرّ لهم، وطِوالٌ على أعدائهم. [[هذا قول أبي عبيدة بلا شك عندي، نقله عنه بنصه ابن الأنباري في شرح السبع الطوال: ٣٨٩، من أول الصفحة، إلى السطر السابع، مع اختلاف في ترتيب الأقوال. وهو بلا شك أيضًا من كتابه " مجاز القرآن "، بيد أني لم أجده في المطبوعة ١: ٣٣٥، في تفسير هذه السورة، ولا في مكان غير هذا المكان. وأكاد أقطع أن نسخة مجاز القرآن، قد سقط منها شيء في أول تفسير " سورة إبراهيم " كما تدل عليه تعليقات ناشره الأخ الفاضل الأستاذ محمد فؤاد سزكين. فالذي نقله الطبري غير منسوب، والذي نقله ابن الأنباري منسوبًا إلى أبي عبيدة، ينبغي تنزيله في هذا الموضع من الكتاب. والحمد لله رب العالمين. وانظر ما سيأتي: ٥٣٥، تعليق: ٤.]]
* *
قال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القول، من أنّ في هذا البيت دليلا على أن "الأيام" معناها النعم، وجهٌ. لأنَّ عمرو بن كلثوم إنما وصفَ ما وصف من الأيام بأنها "غُرّ"، لعزّ عشيرته فيها، وامتناعهم على المَلِك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول الناس:" ما كان لفلان قطُّ يومٌ أبيض"، يعنون بذلك: أنه لم يكن له يومٌ مذكورٌ بخير. وأمّا وصفه إياها بالطولِ، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدَّة، كما قال النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيء الكَوَاكِبِ [[ديوانه: ٤٢، مطلع قصيدته النابغة، في تمجيد عمرو بن الحارث الأعرج، حين هرب إلى الشأم من النعمان بن المنذر، وسيأتي البيت في التفسير بعد ١٤: ١٥ / ٢٣: ١٠٦ (بولاق) .]]
فإنما وصفها عَمْرٌو بالطول، لشدة مكروهها على أعداء قومه. ولا وجه لذلك غيرُ ما قلت.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٥٦٧- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ قال، حدثنا فُضَيْل بن عِيَاض، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ ، قال: بأنْعُم الله.
٢٠٥٦٨- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عُبَيْدٍ المُكْتِب، عن مجاهد: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ ، قال: بنعم الله. [[الأثر: ٢٠٥٦٨ - " إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد "، شيخ الطبري، سلفت ترجمته رقم: ٢٤١٨، مثل هذا الإسناد. وانظر رقم: ١٩٦٢، ١٣٨٩٩.
و" عبيد المكتب "، هو " عبيد بن مهران الكوفي "، ثقة، أخرج له مسلم، سلف برقم: ٢٤١٧، وفيه ضبط " المكتب ".]]
٢٠٥٦٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عبيدٍ المُكْتِب، عن مجاهد، مثله.
٢٠٥٧٠- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر، عن حصين، عن مجاهد، مثله. [[الأثر: ٢٠٥٧٠ - " عبثر "، هو " عبثر بن القاسم الزبيدي "، " أبو زبيد الكوفي "، روى له الجماعة، سلفت ترجمته برقم: ١٢٣٣٦، ١٣٢٥٥، وانظر: ١٢٤٠٢، ١٧١٠٦، ١٩٩٩٥.]]
٢٠٥٧١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء= جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بأيام الله﴾ قال: بنعم الله.
٢٠٥٧٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٥٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
٢٠٥٧٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال: بالنعم التي أنعم بها عليهم، أنجاهم من آل فرعون، وفَلَق لهم البحر، وظلَّل عليهم الغمَام، وأنزل عليهم المنَّ والسَّلوَى.
٢٠٥٧٥-حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حبيب بن حسان، عن سعيد بن جبير: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال: بنعم الله. [[الأثر: ٢٠٥٧٥ - " حبيب بن حسان "، هو و " حبيب بن أبي الأشرس ". و " حبيب بن أبي هلال "، منكر الحديث، متروك، سلف برقم: ١٦٥٢٨.]]
٢٠٥٧٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ يقول: ذكرهم بنعم الله عليهم.
٢٠٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال: بنعم الله.
٢٠٥٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال: أيامُه التي انتقم فيها من أهل مَعاصيه من الأمم خَوَّفهم بها، وحذَّرهم إياها، وذكَّرهم أن يصيبهم ما أصابَ الذين من قبلهم.
٢٠٥٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحِمَّاني قال، حدثنا محمد بن أبان، عن أبي إسحاق، عن سعد بن جبير، عن ابن عباس. عن أبيّ، عن النبي ﷺ: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ ، قال: نعم الله. [[الأثر: ٢٠٥٧٩ - " الحماني " (بكسر الحاء وتشديد الميم) ، هو " يحيي بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني "، متكلم فيه، ووثقه يحيي بن معين. وانظر ما قاله أخي السيد أحمد رحمه الله في توثيقه فيما سلف رقم: ٦٨٩٢.
و" محمد بن أبان بن صالح بن عمير الجعفي "، متكلم في حفظه، سلف برقم: ٢٧٢٠، ١١٥١٥، ١١٥١٦.
و" أبو إسحق "، هو السبيعي، مضى مرارًا.
هذا إسناد أبي جعفر. وقد رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على مسند أبيه (المسند ٥: ١٢٢) ، وإسناده:
" حدثنا عبد الله، حدثني أَبي، حدثنا يحيى بن عبد الله، مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفيّ، عن أَبي إِسحق، عن سعيد بن جبير ... "
= و " يحيى بن عبد الله، مولى بني هاشم "، هو " يحيى بن عبدويه، مولى عبيد الله ابن المهدي "، متكلم فيه، سئل عنه يحيى بن معين فقال: هو في الحياة؟ فقالوا: نعم. فقال: كذاب، رجل سوء. وروى الخطيب في تاريخ بغداد أن أحمد بن حنبل حث ولده عبد الله على السماع من يحيى بن عبدويه، وأثنى عليه. مترجم في ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٧٣، وتاريخ بغداد ١٤: ١٦٥، وتعجيل المنفعة: ٤٤٣، وميزان الاعتدال ٣: ٢٩٦.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره: ٥: ٥٤٥، عن المسند، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٠، وزاد نسبته إلى النسائي، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.
وقد روى عبد الله بن أحمد في المسند ٥: ١٢٢ قال: "حدثنا أبو عبد الله العنبري، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا محمد بن أبان، عن أبي إسحق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن أبي، نحوه ولم يرفعه ".
قال ابن كثير، وأشار على هذا الخبر: " ورواه عبد الله بن أحمد أيضًا موقوفًا، وهو أشبه ".
قلت: ومدار هذه الأسانيد على " محمد بن أبان الجعفي "، وقد قيل في سوء حفظه وضعفه ما قيل.]]
٢٠٥٨٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبيد الله أو غيره، عن مجاهد: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال: بنعم الله.
* *
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ، يقول: إن في الأيام التي سلفت بنِعَمِي عليهم = يعني على قوم موسى= ﴿لآيات﴾ ، يعني: لعِبرًا ومواعظ [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿لكل صبار شكور﴾ ،: يقول: لكل ذي صبر على طاعة الله، وشكرٍ له على ما أنعم عليه من نِعَمه. [[انظر تفسير " الصبر " فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير " الشكر " فيما سلف ٣: ٢١٢، ٢١٣.]]
٢٠٥٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قول الله عز وجلّ: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ قال: نعمَ العبدُ عَبْدٌ إذا ابتلى صَبَر، وإذا أعْطِي شَكَر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: واذكر، يا محمد، إذ قال موسى بن عمْران لقومه من بني إسرائيل: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾ ، التي أنعم بها عليكم = ﴿إذ أنجاكم من آل فرعون﴾ ، يقول: حين أنجاكم من أهل دين فرعون وطاعته [[انظر تفسير " الإنجاء " فيما سلف ١٥: ٥٣، ١٩٤، ١٩٥.]] = ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ ، أي يذيقونكم شديدَ العذاب [[انظر تفسير " السوم " فيما سلف ٢: ٤٠ / ١٣، ٨٥، ثم مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٥.
= وتفسير " سوء العذاب " فيما سلف ٢: ٤٠ / ١٣: ٨٥.]] ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ ، مع إذاقتهم إياكم شديد العذاب [يذبحون] أبناءكم. [[من أول قوله: " مع إذاقتهم ... " ساقط من المطبوعة. و " يذبحون " التي بين القوسين. ساقطة من المطبوعة.]]
* *
وأدْخلت الواو في هذا الموضع، لأنه أريد بقوله: ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ ، الخبرُ عن أن آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح. وأما في موضعٍ آخر من القرآن، فإنه جاء بغير الواو: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٤٩] ، في موضع، وفي موضع ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٤١] ، ولم تدخل الواو في المواضع التي لم تدخل فيها لأنه أريد بقوله: ﴿يذبحون﴾ ، وبقوله: ﴿يقتلون﴾ ، تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم. وكذلك العملُ في كل جملة أريد تفصيلُها،فبغير الواو تفصيلها، وإذا أريد العطف عليها بغيرها وغير تفصيلها فبالواو. [[في المطبوعة: " فالواو "، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]
* *
٢٠٥٨٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، في قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم﴾ ، أيادي الله عندكم وأيامه. [[الأثر: ٢٠٥٨٢ - " عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي "، سلف برقم: ٩٩١٤، ١١٦٢٢، وقد أطلت الكلام في نسبه، في جمهرة أنساب قريش للزبير بن بكار ١: ٤٤٩، تعليق: ١، ويزاد عليه: الانتقاء لابن عبد البر: ١٠٤، وأول مسند الحميدي، الذي طبع في الهند حديثًا.]]
* *
وقوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، يقول: ويُبقون نساءكم فيتركون قتلهن، وذلك استحياؤهم كَان إياهُنَّ = وقد بينا ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع [[انظر تفسير " الاستحياء " فيما سلف ٢: ٤١ - ٤٨ / ١٣: ٤١، ٨٥.]] = ومعناه: يتركونهم والحياة، [[في المطبوعة: " يتركونهم " والحياة هي الترك "، زاد " هي الترك " بسوء ظنه.]] ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
"اقْتُلُوا شُيوخَ المشركين وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ"، [[هذا الخبر رواه أحمد في مسنده في موضعين ٥: ١٢، ٢٠ في مسند سمرة بن جندب، من طريق أبي معاوية، عن الحجاج، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة = ثم طريق هشيم، عن حجاج ابن أرطأة، عن قتادة، ومن هذه الثانية قال: " واستبقوا شرخهم ".
ورواه أبو داود في سننه ٣: ٧٣، من طريق سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حجاج.
ورواه الترمذي في أبواب السير، " باب ما جاء في النزول على الحكم "، من طريق أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة. وقال: " هذا حديث حسن غريب، ورواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة نحوه ". وفيه: " واستحيوا ". ثم قال: " والشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا ".
وقال عبد الله بن أحمد (المسند ٥: ١٢) : " سألت أبي عن تفسير هذا الحديث: اقتلوا شيوخ المشركين؟ قال: يقول: الشيخ لا يكاد أن يسلم، والشاب، أي يسلم، كأنه أقرب إلى الإسلام من الشيخ. قال: الشرخ، الشباب ".]] بمعنى: استبقُوهم فلا تقتلوهم.
* *
= ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ ، يقول تعالى: وفيما يصنعُ بكم آلُ فرعون من أنواع العذاب، بلاءٌ لكم من ربكم عظيمٌ، أي ابتلاء واختبارٌ لكم، من ربكم عظيم. [[انظر تفسير " البلاء " فيما سلف ١٥، ٢٥٠، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] وقد يكون "البلاء"، في هذا الموضع نَعْماء، ويكون: من البلاء الذي يصيب النَّاس من الشدائد. [[في المطبوعة: " وقد يكون معناه من البلاء الذي قد يصيب الناس في الشدائد وغيرها "، زاد في الجملة ما شاء له هواه وغير، فأساء غفر الله له.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: واذكروا أيضًا حين آذنكم رَبُّكم.
* *
= و"تأذن"، "تفعَّل" من "آذن". والعرب ربما وضعت "تفعَّل" موضع "أفعل"، كما قالوا: " أوعدتُه " "وتَوعَّدته"، بمعنى واحد. و"آذن"، أعلم، [[انظر تفسير " أذن " فيما سلف ١٣: ٢٠٤، ثم تفسير " الإذن " فيما سلف من فهارس اللغة. ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٤٥.]] كما قال الحارث بن حِلِّزة:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ [[مطلع طويلته المشهورة، انظر شرح القصائد السبع لابن الأنباري: ٤٣٣.]]
يعني بقوله: "آذنتنا"، أعلمتنا.
* *
وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ: ﴿وإذ تأذن ربكم﴾ : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ ":-
٢٠٥٨٣- حدثني بذلك الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش عنه. [[الأثر: ٢٠٥٨٣ - " الحارث "، هو " الحارث بن أبي أسامة " منسوبًا إلى جده، وهو " الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي "، شيخ الطبري، ثقة، سلف مرارًا آخرها رقم: ١٤٣٣٣.
و" عبد العزيز "، هو " عبد العزيز بن أبان الأموي "، كذاب خبيث يضع الأحاديث، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم ١٤٣٣٣.]]
٢٠٥٨٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وإذ تأذن ربكم﴾ ، وإذ قال ربكم، ذلك "التأذن".
* *
وقوله: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ ، يقول: لئن شكرتم ربَّكم، بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، لأزيدنكم في أياديه عندكم ونعمهِ عليكم، على ما قد أعطاكم من النجاة من آل فرعون والخلاص مِنْ عذابهم.
* *
وقيل في ذلك قولٌ غيره، وهو ما:-
٢٠٥٨٥- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا الحسين بن الحسن قال، أخبرنا ابن المبارك قال، سمعت علي بن صالح، يقول في قول الله عز وجل: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ ، قال: أي من طاعتي.
٢٠٥٨٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت علي بن صالح، فذكر نحوه.
٢٠٥٨٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ ، قال: من طاعتي.
٢٠٥٨٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مالك بن مغول، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، في قوله: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ ، قال: من طاعتي.
* *
قال أبو جعفر: ولا وجهَ لهذا القول يُفْهَم، لأنه لم يجرِ للطاعة في هذا الموضع ذكرٌ فيقال: إن شكرتموني عليها زدتكم منها، وإنما جَرَى ذكر الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم. فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام: زادهم من نعمه، لا مما لم يجرِ له ذكر من "الطاعة"، إلا أن يكون أريد به: لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر، لأزيدنكم من أسباب الشكر ما يعينكم عليه، فيكون ذلك وجهًا.
* *
وقوله: ﴿ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ ، يقول: ولئن كفرتم، أيها القوم، نعمةَ الله، فجحدتموها بتركِ شكره عليها وخلافِه في أمره ونهيه، وركوبكم معاصيه = ﴿إن عَذَابي لشديد﴾ ، أعذبكم كما أعذب من كفر بي من خلقي.
* *
وكان بعض البصريين يقول في معنى قوله: ﴿وإذ تأذن ربكم﴾ ، وتأذّن ربكم: ويقول: "إذ" من حروف الزوائد، [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٤٥.]] وقد دللنا على فساد ذلك فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ١: ٤٣٩ - ٤٤٤ ويزاد في المراجع ص: ٤٣٩، تعليق: ١ أن قول أبي عبيدة هذا في مجاز القرآن ١: ٣٦، ٣٧.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال موسى لقومه: إن تكفروا، أيها القوم، فتجحدوا نعمةَ الله التي أنعمها عليكم، أنتم = ويفعل في ذلك مثل فعلكم مَنْ في الأرض جميعًا = ﴿فإن الله لغني﴾ عنكم وعنهم من جميع خلقه، لا حاجة به إلى شكركم إياه على نعمه عند جميعكم [[انظر تفسير " الغني " فيما سلف ١٥: ١٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ﴿حميد﴾ ، ذُو حمد إلى خلقه بما أنعم به عليهم، [[انظر تفسير " الحميد "، فيما سلف قريبًا: ٥١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما: -
٢٠٥٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي: ﴿فإن الله لغني﴾ ، قال: غني عن خلقه = ﴿حميد﴾ ، قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم. [[في أساس البلاغة: " استحمد الله إلى خلقه، بإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم "، وقد سلف " استحمد " في خبر آخر رقم: ٨٣٤٩ في الجزء ٧: ٤٧٠، وهو مما ينبغي أن يقيد على كتب اللغة الكبرى، كاللسان والتاج وأشباههما.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل موسى لقومه: يا قوم ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم﴾ ، يقول: خبر الذين من قبلكم من الأمم التي مضت قبلكم [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ١٥: ١٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿قومِ نوح وعاد وثمودَ﴾ ، وقوم نوح مُبيَّنٌ بهم عن "الذين"، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وقوم عاد فبين بهم عن الذين "، وهذا كلام لا معنى له، وإنما سها الناسخ، ومراده أن " قوم نوح "، بدل من " الذين "، و " التبيين "، هو البدل، ذكر ذلك الأخفش (همع الهوامع ٢: ١٢٥) . ويقال له أيضًا " التفسير "، كما أسلفت في الجزء ١٢: ٧، تعليق: ١، ويقال له أيضًا: " التكرير "، (همع الهوامع ٢: ١٢٥) .]] و"عاد" معطوف بها على "قوم نوح"،= ﴿والذين من بعدهم﴾ ، يعني من بعد قوم نوح وعاد وثمود = ﴿لا يعلمهم إلا الله﴾ ، يقول: لا يحصي عَدَدهم ولا يعلَمُ مبلغهم إلا الله، كما: -
٢٠٥٩٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ ، قال: كذَب النسَّابون. [[الآثار: ٢٠٥٩٠ - ٢٠٥٩٣ - خرجها السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧١، وزاد نسبته إلى عبيد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وإسناد هذا الخبر صحيح.]]
٢٠٥٩١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، بمثل ذلك.
٢٠٥٩٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال، حدثنا ابن مسعود، أنه كان يقرؤها: "وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللهُ"، ثم يقول: كذب النسابون.
٢٠٥٩٣- حدثني ابن المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عيسى بن جعفر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٥٩٣ - " ابن المثنى "، هو " محمد بن المثنى العنزي "، الحافظ، المعروف بالزمن، شيخ الطبري، روي عنه ما لا يحصى كثرة، مضى مرارًا، انظر: ٢٧٣٤، ٢٧٤٠، ٥٤٤٠، ١٠٣١٤.
و" عيسى بن جعفر "، هذا خطأ لا شك فيه، وإنما الصواب " محمد بن جعفر الهذلي "، وهو " غندر "، روي عند " ابن المثنى " في مواضع من التفسير لا تعد كثرة، انظر ما سلف من الأسانيد مثلا: ٣٥، ١٠١، ١٩٤، ٢٠٨، ٤١٩، في الجزء الأول من التفسير، وفي الجزء الثامن: ٨٧٦١، ٨٨١٠، ٨٨٦٣، ٨٩٧٣، وفيه " المثنى "، وصوابه " ابن المثنى ". وغير هذه كثير.]]
* *
وقوله: ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ ، يقول: جاءت هؤلاء الأمم رسلُهم الذين أرسلهم الله إليهم بدعائهم إلى إخلاص العبادة له = "بالبينات"، يعني بحججٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه من مُعْجِزاتٍ. [[انظر تفسير " البينات " فيما سلف ١٣: ١٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= هذا، وكان في المطبوعة: " يعني بالحجج الواضحات، والدلالات البينات الظاهرات على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات "، زاد في الكلام غثاء كثيرًا، كأنه غمض عليه نص أبي جعفر، فأراد أن يوضحه بما ساء وناء.]]
* *
وقوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضُّوا على أصابعهم، تغيُّظًا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دَعَوهم إليه.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٥٩٤- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا عليها تغيُّظًا.
٢٠٥٩٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: غيظًا، هكذا، وعضَّ يده.
٢٠٥٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضُّوها. [[الآثار: ٢٠٥٩٤ - ٢٠٥٩٦ - خبر " سفيان الثوري، عن أبي إسحق "، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥١، من طريق عبد الرزاق، وهو هنا رقم: ٢٠٥٩٥، ولفظه في المستدرك:
" قال عبد الله كذا، وردَّ يده في فيه، وعضَّ يده، وقال: عضُّوا على أصابعهم غيظًا ".
قال الحاكم: " هذا حديث صحيح بالزيادة على شرطهما "، ووافقه الذهبي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٢، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، والفريابي، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٤٣، وقال: رواه الطبراني عن شيخه، عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف ". ولم يذكر هو ولا السيوطي الحديث بزيادة الحاكم.
وسيأتي الخبر عن " سفيان الثوري " و " إسرائيل " برقم: ٢٠٦٠٣.]]
٢٠٥٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصريّ قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قول الله عز وجل: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا على أصابعهم. [[الأثر: ٢٠٥٩٧ - " إسرائيل "، هو " إسرائيل بن يونس بن أبي إسحق السبيعي "، روى عن جده، ومضى مرارًا كثيرة لا تعد.
و" عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني البصري "، ثقة، كان حسن الحديث عن " إسرائيل " سلفت ترجمته برقم: ٢٨١٤، ٢٩٣٩، ١٦٩٧٣.
وهذا الخبر، رواه الحاكم في المستدرك، من طريق: " عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل "،
وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي، وسيأتي من طريق أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، وسفيان جميعًا برقم: ٢٠٦٠٣. وانظر تخريج الآثار السالفة.]]
٢٠٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضوا على أطراف أصابعهم. [[الأثر: ٢٠٥٩٨ - هذه طريق ثالثة لخبر أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: " شريك، عن أبي إسحق: عن أبي الأحوص، عن عبد الله "،. وانظر الآثار السالفة.]]
٢٠٥٩٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: أن يجعل إصْبعه في فيه.
٢٠٦٠٠- حدثنا الحسن بن محمد، قالا حدثنا أبو قطن قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله في قول الله عز وجلّ: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، ووضع شُعبة أطرافَ أنامله اليُسرى على فيه.
٢٠٦٠١- حدثنا الحسن قال، حدثنا يحيى بن عباد قال، حدثنا شعبة قال، أخبرنا أبو إسحاق، عن هبيرة قال، قال عبد الله ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: هكذا، [[" قال هكذا "، أي أشار. وقد سلف مرارًا تفسير " قال " بهذا المعنى.]] وأدخل أصابعه في فيه.
٢٠٦٠٢- حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال أبو علي: وأرَانا عفان، وأدخل أطراف أصابع كفّه مبسوطةً في فيه، وذكر أن شعبة أراه كذلك. [[الآثار: ٢٠٥٩٩ - ٢٠٦٠٢ - هذه الثلاثة، طريق أخرى لخبر عبد الله بن مسعود، من حديث هبيرة عنه.
و" أبو قطن "، هو " عمرو بن الهثيم بن قطن الزبيري "، " أبو قطن البصري "، ثقة، في الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة. مضى برقم: ١٨٦٧٤، ٢٠٠٩١، ٢٠٤٢٠.
و" يحيى بن عباد الضبعي "، " أبو عباد "، من شيوخ أحمد، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ثقة، ولكنه ضعيف. مضى برقم: ٢٠٠١٠، ٢٠٠٩١
و" هبيرة بن مريم الشبامي "، تابعي ثقة، لم يرو عنه غير أبي إسحق السبيعي، مضى برقم: ٣٠٠١، ٥٤٦٨.]]
٢٠٦٠٣- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: عضُّوا على أناملهم. وقال سفيان: عضُّوا غيظًا. [[الأثر: ٢٠٦٠٣ - انظر التعليق على الآثار السالفة.]]
٢٠٦٠٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، فقرأ: " عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغيْظِ " [سورة آل عمران: ١١٩] ، قال: هذا، ﴿ردُّوا أيديهم في أفواههم﴾ . [[في المطبوعة: " وقال: معنى: ردوا أيديهم في أفواههم "، عبث باللفظ وأساء غاية الإساءة.]] قال: أدخلوا أصابعهم في أفواههم. وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتابَ الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٠٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: لما سمعوا كتابَ الله عجِبُوا ورَجَعوا بأيديهم إلى أفواههم.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٠٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: ردوا عليهم قولهم وكذَّبوهم.
٢٠٦٠٧- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٠٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٠٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، يقول: قومُهم كذّبوا رسلهم وردُّوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردُّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: إنا لفي شك مما تَدعوننا إليه مُرِيب.
٢٠٦١٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ ، قال: ردوا على الرسل ما جاءت به.
* *
قال أبو جعفر: وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ﴿فردُّوا أيديهم في أفواههم﴾ ، إلى معنى: ردُّوا أيادى الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا عندهم، فلم يقبلوها= ووجَّه قوله: ﴿في أفواههم﴾ ، إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم [[انظر ما سلف: ٥١٥، تعليق: ٦.]] .
* *
وقد ذكر عن بعض العرب سَماعًا:" أدخلك الله بالجنَّة"، يعنون: في الجنة، وينشد هذا البيت [[لم أعرف قائله. ومنشده هو الفراء، كما في اللسان (فيا) .]]
وَأَرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ [[اللسان (فيا) ، وسيأتي في التفسير ١٧: ١٠٥ (بولاق) وأنشده في اللسان عن الفراء: وأَرغبُ فيها عن عُبَيْدٍ ورَهْطِهِ ... ولكنْ بِهَا عن سِنْبسٍ لستُ أَرغَبُ]]
يريد: وأرغب بها، يعنى بابنة له، [[كان في المطبوعة: " يريد: وأرغب فيها، يعني أرغب بها عن لقيط "، لم يحسن قراءة المخطوطة لأن فيها " وأرغب فيها " مكان " وأرغب بها "، ولأنه كتبت " بابنت " بتاء مفتوحة، وغير منقوطة فضل، فتصرف، فأضل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.]] عن لقيط، ولا أرغبُ بها عن قبيلتي.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضَعُون أيديهم على أفواه الرّسل ردًّا عليهم قولَهم، وتكذيبًا لهم.
* *
وقال آخرون: هذا مَثَلٌ، وإنما أُرِيد أنهم كفُّوا عَمَّا أُمروا بقَوْله من الحق، [[في مجاز القرآن لأبي عبيدة " بقوله "، مكان " بقبوله " فأثبته، ولم أثبت ما في المخطوطة والمطبوعة، وما وافقهما في فتح الباري (٨: ٢٨٥) ، لأن قول أبي جعفر بعد: " لأن الله عز وجل قد أخبر عنهم أنهم قالوا ... "، دليل على صوابه.]] ولم يؤمنوا به ولم يسلموا. وقال: يقال لِلرَّجل إذا أمسَك عن الجواب فلم يجبْ: " ردّ يده في فمه ". وذكر بعضهم أن العرب تقول: " كلمت فلانًا في حاجة فرَدّ يدَه في فيه"، إذا سكت عنه فلم يجب. [[هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٣٦، ولكنه في المطبوع من مجاز القرآن مختصر جدًا، وكأن هذا الموضع من " مجاز القرآن " مضطرب وفيه خروم، كما أسلفت بيان ذلك في ص: ٥١٩ تعليق رقم: ٢.]]
* *
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا قول لا وَجْه له، لأن الله عزَّ ذكره، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: " إنا كفرنا بما أرسلتم به"، فقد أجابوا بالتكذيب.
* *
قال أبو جعفر:-
وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القولُ الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضُّوا عليها، غيظاً على الرسل، كما وصف الله جل وعز به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٩] . فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من "ردِّ اليدِ إلى الفم".
* *
وقوله: ﴿وقالوا إنّا كفرنا بمَا أرسلتم به﴾ ، يقول عز وجل: وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلكم به مَنْ أرسلكم، من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام = ﴿وإنا لفي شك﴾ من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله = ﴿مُريب﴾ ، يقول: يريبنا ذلك الشك، أي يوجب لنا الريبَة والتُّهمَةَ فيه.
* *
= يقال منه:" أرابَ الرجل"، إذا أتى بريبة، "يُريبُ إرابةً". [[انظر تفسير " الريب " فيما سلف من فهارس اللغة (ريب) ، وتفسير " الإرابة فيما سلف ١٥: ٣٧٠، ٤٩٣.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت رُسل الأمم التي أتتها رسُلها: ﴿أفي الله﴾ ، [[في المخطوطة: " أفي الناس "، وهو سهو منه.]] أنه المستحق عليكم، أيها الناس، الألوهة والعبادةَ دون جميع خلقه = ﴿شك﴾ = وقوله: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ ، يقول: خالق السماوات والأرض [[انظر تفسير " فطر " فيما سلف: ٢٨٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ ، يقول: يدعوكم إلى توحيده وطاعته = ﴿ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ ، يقول: فيستر عليكم بعضَ ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يعاقبكم عليها، [[انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٦، في بيان زيادة " من " في الآية.]] ﴿ويؤخركم﴾ ، يقول: وينسئ في آجالكم، [[انظر تفسير " التأخير " فيما سلف من فهارس اللغة (أخر) .]] فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتبَ في أمّ الكتاب أنه يقبضكم فيهِ، وهو الأجل الذي سمَّى لكم. [[انظر تفسير " الأجل " فيما سلف: ٤٧٦، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير " مسمى " فيما سلف: ٣٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فقالت الأمم لهم: ﴿إن أنتم﴾ ، أيها القوم ﴿إلا بشرٌ مثلنا﴾ ، في الصورة والهيئة، ولستم ملائكة، [[انظر تفسير " بشر " فيما سلف ١٥: ٢٩٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وإنما تريدون بقولكم هذا الذي تقولون لنا = ﴿أن تصدُّونا عما كان يعبدُ آباؤنا﴾ ، يقول: إنما تريدون أن تصرِفونا بقولكم عن عبادة ما كان يعبدُه من الأوثان آباؤنا [[انظر تفسير " الصد " فيما سلف: ٥١٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿فأتونا بسلطان مبين﴾ ، يقول: فأتونا بحجة على ما تقولون تُبين لنا حقيقتَه وصحتَه، فنعلم أنكم فيما تقولون محقُّون. [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف: ١٠٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت الأمم التي أتتهم الرّسلُ رُسُلهم: [[في المطبوعة: " قال الأمم التي أتتهم الرسل لرسلهم "، وهو لا يفهم، وفي المخطوطة: " قالت الأمم التي أتتهم الرسل رسلهم "، وصوابها " للأمم "، و " رسلهم " فاعل " قالت ".]] ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم﴾ ، صدقتم في قولكم، إن أنتم إلا بشر مثلنا، فما نحنُ إلا بَشَر من بني آدم، إنسٌ مثلكم [[انظر تفسير " البشر " فيما سلف قريبًا: ٥٣٧، تعليق: ٥]] = ﴿ولكنّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده﴾ ، يقُول: ولكن الله يتفضل على من يشاء من خلقه، [[انظر تفسير " المن " فيما سلف ٧: ٣٦٩/٩: ٧١/١١: ٣٨٩.]] فيهديه ويوفقه للحقّ، ويفضّله على كثير من خلقه = ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان﴾ ، يقول: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف قريبًا.]] = ﴿إلا بإذن الله﴾ ، يقول: إلا بأمر الله لنا بذلك [[انظر تفسير " الإذن " فيما سلف: ٥٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ ، يقول: وبالله فليثق به من آمن به وأطاعه، فإنا به نثق، وعليه نتوكل. [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ١٦٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
٢٠٦١٠م - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ﴿فأتونا بسلطان مبين﴾ ، قال: "السلطان المبين"، البرهان والبينة. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [سورة آل عمران: ١٥١ / سورة الأعراف: ٧ / سورة الحج: ٧١] ، قال: بينَةً وبرهانًا.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبًرا عن قِيل الرسل لأممها: ﴿وما لنا أن لا نتوكل على الله﴾ ، فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنَّا = ﴿وقد هدانا سُبُلنا﴾ ، يقول: وقد بَصَّرنا طريقَ النجاة من عذابه، فبين لنا [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا﴾ ، في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دُعائنا لكم إلى ما ندعوكم إليه، [[انظر تفسير " الأذى " فيما سلف ١٤: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له = ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ ، يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا فإنّ وليَّه الشيطان.
* *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان= ﴿لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها = ﴿أو لتعودن في مِلّتنا﴾ ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. [[انظر تفسير " الملة " فيما سلف: ١٠١، تعليق: ١، والمراجع هناك، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٦.]]
* *
وأدخلت في قوله: ﴿لتعودُنَّ﴾ "لام"، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جواب لليَمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. [[في المطبوعة: " أو تعودن "، والصواب من المخطوطة.]]
* *
ومعنى "أو" ههنا معنى "إلا" أو معنى "حتى" كما يقال في الكلام:" لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي"، فمن العرب من يجعل ما بعد "أو" في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله، إن كان ما قبله جزمًا جزموه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه "لام" جعلوا فيه "لاما"، [[في المطبوعة: " إن كان فيه لامًا "،، خطأ، صوابه في المخطوطة.]] إذ كانت "أو" حرف نَسق. ومنهم من ينصب "ما" بعد "أو"بكل حالٍ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس:
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بِقَيْصَرَا ... فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[ديوانه: ٦٥ من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه. وصاحبه الذي ذكره، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر، و " الدرب ". ما بين طرسوس وبلاد الروم.]]
فنصب "نموت فنعذرا" وقد رفع "نحاول"، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ،أو حتى نموتَ، ومنه قول الآخر: [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، وينسب أحيانًا للمجنون.]]
لا أَسْتَطِيعُ نزوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعَ الْحُبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا [[الأغاني ٤: ٢٩٩، وديوان المجنون: ٢٠٠، وخرج أبيات الأحوص، ولدنا الأستاذ عادل سليمان، فيما جمعه من شعر لأحوص، ولم يطبع بعد.]]
وقوله: ﴿فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين﴾ ، الذين ظلموا أنفسهم، [[انظر تفسير: " أوحى " فيما سلف ٦: ٤٠٥/٩: ٣٩٩ / ١١: ٢١٧، ٢٩٠، ٣٧١، ٥٣٣.]] فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: "الظالمون" لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤ / ٢: ٣٦٩، ٥١٩ / ٤: ٥٨٤ / ٥: ٣٨٤، وغيرها في فهارس اللغة.]] فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك. [[في المطبوعة كتب: " سموا بذلك ظالمين "، زاد ما لا محصل له، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر، فأظلمت عليه.]]
* *
وقوله: ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ ، هذا وعدٌ من الله مَنْ وَعد من أنبيائه النصرَ على الكَفَرة به من قومه. يقول: لما تمادتْ أمم الرسل في الكفر، وتوعَّدوا رسُلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كَفَر بهم من أممهم ووعدهم النصر. وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهدُّدا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ على كفرهم به، [[في المطبوعة: " وعيدًا وتهديدًا "، أساء إذ غير لفظ أبي جعفر.]] وجُرْأتهم على نبيه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ، وأمرًا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله = ومُعرِّفَة أن عاقبة أمرِ من كفر به الهلاكُ، وعاقبتَه النصرُ عليهم، سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل.
* *
٢٠٦١١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولنسكننكم الأرضَ من بعدهم﴾ ، قال: وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنَّةَ في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف وَعِيدِ﴾ ، يقول جل ثناؤه: هكذا فِعْلي لمن خاف مَقامَه بين يديّ، وخاف وعيدي فاتَّقاني بطاعته، وتجنَّب سُخطي، أنصُرْه على ما أراد به سُوءًا وبَغَاه مكروهًا من أعدائي، أهلك عدوّه وأخْزيه، وأورثه أرضَه وديارَه.
* *
وقال: ﴿لمن خاف مَقَامي﴾ ، ومعناه ما قلت من أنه لمن خاف مَقَامه بين يديَّ بحيث أقيمه هُنالك للحساب، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]] كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢] ، معناه: وتجعلون رِزقي إياكم أنّكُم تكذبون. وذلك أن العرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: "قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إياك"، فكذلك ذلك.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبًرا عن قِيل الرسل لأممها: ﴿وما لنا أن لا نتوكل على الله﴾ ، فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنَّا = ﴿وقد هدانا سُبُلنا﴾ ، يقول: وقد بَصَّرنا طريقَ النجاة من عذابه، فبين لنا [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا﴾ ، في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دُعائنا لكم إلى ما ندعوكم إليه، [[انظر تفسير " الأذى " فيما سلف ١٤: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له = ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ ، يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا فإنّ وليَّه الشيطان.
* *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان= ﴿لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها = ﴿أو لتعودن في مِلّتنا﴾ ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. [[انظر تفسير " الملة " فيما سلف: ١٠١، تعليق: ١، والمراجع هناك، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٦.]]
* *
وأدخلت في قوله: ﴿لتعودُنَّ﴾ "لام"، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جواب لليَمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. [[في المطبوعة: " أو تعودن "، والصواب من المخطوطة.]]
* *
ومعنى "أو" ههنا معنى "إلا" أو معنى "حتى" كما يقال في الكلام:" لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي"، فمن العرب من يجعل ما بعد "أو" في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله، إن كان ما قبله جزمًا جزموه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه "لام" جعلوا فيه "لاما"، [[في المطبوعة: " إن كان فيه لامًا "،، خطأ، صوابه في المخطوطة.]] إذ كانت "أو" حرف نَسق. ومنهم من ينصب "ما" بعد "أو"بكل حالٍ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس:
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بِقَيْصَرَا ... فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[ديوانه: ٦٥ من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه. وصاحبه الذي ذكره، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر، و " الدرب ". ما بين طرسوس وبلاد الروم.]]
فنصب "نموت فنعذرا" وقد رفع "نحاول"، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ،أو حتى نموتَ، ومنه قول الآخر: [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، وينسب أحيانًا للمجنون.]]
لا أَسْتَطِيعُ نزوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعَ الْحُبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا [[الأغاني ٤: ٢٩٩، وديوان المجنون: ٢٠٠، وخرج أبيات الأحوص، ولدنا الأستاذ عادل سليمان، فيما جمعه من شعر لأحوص، ولم يطبع بعد.]]
وقوله: ﴿فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين﴾ ، الذين ظلموا أنفسهم، [[انظر تفسير: " أوحى " فيما سلف ٦: ٤٠٥/٩: ٣٩٩ / ١١: ٢١٧، ٢٩٠، ٣٧١، ٥٣٣.]] فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: "الظالمون" لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤ / ٢: ٣٦٩، ٥١٩ / ٤: ٥٨٤ / ٥: ٣٨٤، وغيرها في فهارس اللغة.]] فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك. [[في المطبوعة كتب: " سموا بذلك ظالمين "، زاد ما لا محصل له، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر، فأظلمت عليه.]]
* *
وقوله: ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ ، هذا وعدٌ من الله مَنْ وَعد من أنبيائه النصرَ على الكَفَرة به من قومه. يقول: لما تمادتْ أمم الرسل في الكفر، وتوعَّدوا رسُلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كَفَر بهم من أممهم ووعدهم النصر. وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهدُّدا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ على كفرهم به، [[في المطبوعة: " وعيدًا وتهديدًا "، أساء إذ غير لفظ أبي جعفر.]] وجُرْأتهم على نبيه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ، وأمرًا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله = ومُعرِّفَة أن عاقبة أمرِ من كفر به الهلاكُ، وعاقبتَه النصرُ عليهم، سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل.
* *
٢٠٦١١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولنسكننكم الأرضَ من بعدهم﴾ ، قال: وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنَّةَ في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف وَعِيدِ﴾ ، يقول جل ثناؤه: هكذا فِعْلي لمن خاف مَقامَه بين يديّ، وخاف وعيدي فاتَّقاني بطاعته، وتجنَّب سُخطي، أنصُرْه على ما أراد به سُوءًا وبَغَاه مكروهًا من أعدائي، أهلك عدوّه وأخْزيه، وأورثه أرضَه وديارَه.
* *
وقال: ﴿لمن خاف مَقَامي﴾ ، ومعناه ما قلت من أنه لمن خاف مَقَامه بين يديَّ بحيث أقيمه هُنالك للحساب، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]] كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢] ، معناه: وتجعلون رِزقي إياكم أنّكُم تكذبون. وذلك أن العرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: "قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إياك"، فكذلك ذلك.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبًرا عن قِيل الرسل لأممها: ﴿وما لنا أن لا نتوكل على الله﴾ ، فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنَّا = ﴿وقد هدانا سُبُلنا﴾ ، يقول: وقد بَصَّرنا طريقَ النجاة من عذابه، فبين لنا [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا﴾ ، في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دُعائنا لكم إلى ما ندعوكم إليه، [[انظر تفسير " الأذى " فيما سلف ١٤: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له = ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ ، يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا فإنّ وليَّه الشيطان.
* *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان= ﴿لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها = ﴿أو لتعودن في مِلّتنا﴾ ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. [[انظر تفسير " الملة " فيما سلف: ١٠١، تعليق: ١، والمراجع هناك، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٦.]]
* *
وأدخلت في قوله: ﴿لتعودُنَّ﴾ "لام"، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جواب لليَمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. [[في المطبوعة: " أو تعودن "، والصواب من المخطوطة.]]
* *
ومعنى "أو" ههنا معنى "إلا" أو معنى "حتى" كما يقال في الكلام:" لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي"، فمن العرب من يجعل ما بعد "أو" في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله، إن كان ما قبله جزمًا جزموه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه "لام" جعلوا فيه "لاما"، [[في المطبوعة: " إن كان فيه لامًا "،، خطأ، صوابه في المخطوطة.]] إذ كانت "أو" حرف نَسق. ومنهم من ينصب "ما" بعد "أو"بكل حالٍ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس:
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بِقَيْصَرَا ... فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[ديوانه: ٦٥ من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه. وصاحبه الذي ذكره، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر، و " الدرب ". ما بين طرسوس وبلاد الروم.]]
فنصب "نموت فنعذرا" وقد رفع "نحاول"، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ،أو حتى نموتَ، ومنه قول الآخر: [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، وينسب أحيانًا للمجنون.]]
لا أَسْتَطِيعُ نزوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعَ الْحُبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا [[الأغاني ٤: ٢٩٩، وديوان المجنون: ٢٠٠، وخرج أبيات الأحوص، ولدنا الأستاذ عادل سليمان، فيما جمعه من شعر لأحوص، ولم يطبع بعد.]]
وقوله: ﴿فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين﴾ ، الذين ظلموا أنفسهم، [[انظر تفسير: " أوحى " فيما سلف ٦: ٤٠٥/٩: ٣٩٩ / ١١: ٢١٧، ٢٩٠، ٣٧١، ٥٣٣.]] فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: "الظالمون" لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤ / ٢: ٣٦٩، ٥١٩ / ٤: ٥٨٤ / ٥: ٣٨٤، وغيرها في فهارس اللغة.]] فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك. [[في المطبوعة كتب: " سموا بذلك ظالمين "، زاد ما لا محصل له، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر، فأظلمت عليه.]]
* *
وقوله: ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ ، هذا وعدٌ من الله مَنْ وَعد من أنبيائه النصرَ على الكَفَرة به من قومه. يقول: لما تمادتْ أمم الرسل في الكفر، وتوعَّدوا رسُلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كَفَر بهم من أممهم ووعدهم النصر. وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهدُّدا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ على كفرهم به، [[في المطبوعة: " وعيدًا وتهديدًا "، أساء إذ غير لفظ أبي جعفر.]] وجُرْأتهم على نبيه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ، وأمرًا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله = ومُعرِّفَة أن عاقبة أمرِ من كفر به الهلاكُ، وعاقبتَه النصرُ عليهم، سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل.
* *
٢٠٦١١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولنسكننكم الأرضَ من بعدهم﴾ ، قال: وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنَّةَ في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف وَعِيدِ﴾ ، يقول جل ثناؤه: هكذا فِعْلي لمن خاف مَقامَه بين يديّ، وخاف وعيدي فاتَّقاني بطاعته، وتجنَّب سُخطي، أنصُرْه على ما أراد به سُوءًا وبَغَاه مكروهًا من أعدائي، أهلك عدوّه وأخْزيه، وأورثه أرضَه وديارَه.
* *
وقال: ﴿لمن خاف مَقَامي﴾ ، ومعناه ما قلت من أنه لمن خاف مَقَامه بين يديَّ بحيث أقيمه هُنالك للحساب، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]] كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢] ، معناه: وتجعلون رِزقي إياكم أنّكُم تكذبون. وذلك أن العرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: "قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إياك"، فكذلك ذلك.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واستفتحت الرُّسل على قومها: أي استنصرت الله عليها [[انظر تفسير " الاستفتاح " فيما سلف ٢: ٢٥٤ / ١٠: ٤٠٥، ٤٠٦، ومجاز القرآن ١: ٣٣٧.]] = ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، يقول: هلك كل متكبر جائر حائدٍ عن الإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له.
* *
و"العنيد" و"العاند" و"العَنُود"، بمعنى واحد. [[انظر تفسير " عنيد " فيما سلف ١٥: ٣٦٦، ٣٦٧، ومجاز القرآن ١: ٣٣٧.]]
* *
ومن "الجبار"، تقول: هو جَبَّار بَيِّنُ الجَبَريَّة، والجَبْرِيَّة، والجَبْرُوَّة، والجَبَرُوت. [[انظر تفسير " جبار " فيما سلف ١٠، ١٧٢/١١: ٤٧٠ / ١٥: ٣٦٦.
هذا، وفي المطبوعة: " هو جبار بين الجبرية، والجبروتية، والجبروة، والجبروت " زاد في اللغة ما لا نص عليه، وهو " الجبروتية "، ونقص واحدة من الخمس " الجبروة ". وكان في المخطوطة مكان " الجبرية " الثانية: " الجبر ننبه "، غير منقوطة، وأساء كتابتها.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦١٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال: حدثنا ورقاء = جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واستفتحوا﴾ ، قال: الرسل كلها. يقول: استنصروا = ﴿عنيد﴾ ، قال معاند للحق مجانبه. [[الأثر: ٢٠٦١٢ - هذا الذي أثبته هو الذي جاء في المخطوطة، وطابق ما خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٣، عن مجاهد، ونسبه لابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وكان في المطبوعة هنا.
" يقول: استنصروا على أَعدائهم ومعانديهم، أَي على من عاند عن اتباع الحق وتجنَّبه ".]]
٢٠٦١٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿واستفتحوا﴾ ، قال: الرسل كُلها استنصروا = ﴿وخاب كل جبَّار عَنيد﴾ ، قال: معاند للحق مجانبه.
٢٠٦١٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله = وقال ابن جريج: استفتحوا على قومهم.
٢٠٦١٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ... [[الأثر: ٢٠٦١٦ - هذا إسناد مقحم فيما أرجح، وإنما هو صدر الإسناد رقم: ٢٠٦١٢ اجتلبته يد الناسخ سهوًا إلى هذا المكان. والله أعلم.]]
٢٠٦١٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾ ، قال: كانت الرسلُ والمؤمنون يستضعفهم قومُهم، ويقهَرُونهم ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في مِلّتهم، فأبَى الله عز وجل لرسله وللمؤمنين أن يعودُوا في مِلّة الكفر، وأمرَهُم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يُسْكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم ما وعدهم، واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا، ﴿وخابَ كل جبار عنيد﴾ .
٢٠٦١٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، قال: هو النَّاكب عن الحق. [[الأثر: ٢٠٦١٨ - في هذا الخبر أيضًا زيادة لا أدري كيف جاءت، فاقتصرت على ما في المخطوطة، وهو مطابق لما خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٣، عن إبراهيم النخعي، ونسبه لابن جرير وحده، والزيادة التي كانت المطبوعة هي:
" أي الحائد عن اتباع طريق الحق"
وانظر الخبر التالي، بلا زيادة أيضًا.]]
٢٠٦١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا مطرف، عن بشر، عن هشيم، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم: ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، قال: الناكب عن الحق. [[الأثر: ٢٠٦١٩ - " مطرف بن بشر "، لا أدري ما هو، ولم أجد له ذكرًا في شيء مما بين يدي. وجاء ناشر المطبوعة فجعله " مطرف، عن بشر " بلا دليل.]]
٢٠٦٢٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واستفتحوا﴾ ، يقول: استنصرت الرسل على قومها = قوله: ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، و"الجبار العنيد": الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
٢٠٦٢١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿واستفتحوا﴾ ، قال: استنصرت الرسل على قومها = ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، يقول: عَنِيد عن الحق، مُعْرِض عنه. [[في المطبوعة، والدر المنثور ٤: ٧٣: " بعيد عن الحق "، وأرى الصواب ما في المخطوطة، انظر ما سلف في تفسير " عنيد " ص:.. ٥٤٢، ٥٤٣]]
٢٠٦٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله - وزاد فيه: مُعْرِض، [[في المطبوعة: " معرض عنه "، كأنه زادها من عنده.]] أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
٢٠٦٢٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ ، قال: "العنيد عن الحق"، الذي يعنِدُ عن الطريق، قال: والعرب تقول:" شرُّ الأهْل العَنِيد" [[في المطبوعة: " شر الإبل "، ولا أدري أهو صواب، أم غيرها الناشر، ولكني أثبت ما في المخطوطة، فهو عندي أوثق.]] الذي يخرج عن الطريق.
٢٠٦٢٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾ ، قال: "الجبّار": المتجبّر. [[في المطبوعة: " هو المتجبر "، زاد في الكلام.]]
* *
وكان ابن زيد يقول في معنى قوله: ﴿واستفتحوا﴾ ، خلاف قول هؤلاء، ويقول: إنما استفتحت الأمم، فأجيبت.
٢٠٦٢٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿واستفتحوا﴾ ، قال: استفتاحهم بالبلاء، قالوا: اللهم إن كان هذا الذي أتى به محمد هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء، كما أمطرتها على قوم لوط، أو ائتنا بعذاب أليم. [[هذا من تأويل آية سورة الأنفال: ٣٢.]] قال: كان استفتاحهم بالبلاء كما استفتح قوم هود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٧٠] قال: فالاستفتاح العذاب، قال: قيل لهم: إنّ لهذا أجلا! حين سألوا الله أن ينزل عليهم، فقال:" بلْ نُؤخِّرُهُمْ ليَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَار". [[هو انتزاع من آية سورة إبراهيم: ٤٢.]] فقالوا: لا نريد أن نؤخر إلى يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص: ١٦] . وقرأ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ حتى بلغ: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٥٣ - ٥٥] .
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: ﴿من ورائه﴾ ، من أمام كل جَبار ﴿جهنم﴾ ، يَرِدُونها.
* *
و"وراء" في هذا الموضع، يعني أمام، كما يقال: "إن الموت مِنْ ورائك"، أي قُدّامك، وكما قال الشاعر: [[هو جرير.]]
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي ... [[البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف: ٣٩٩، تعليق: ٣، ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]]
يعني: "وراء بني رياح"، قدَّام بني رياح وأمَامهم.
* *
وكان بعض نحويِّي أهل البَصرة يقول: إنما يعني بقوله: ﴿من ورائه﴾ ، أي من أمامه، لأنه وراءَ ما هو فيه، كما يقول لك: "وكلّ هذا من ورائك": أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه، لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سورة الكهف: ٧٩] ، من هذا المعنى، أي كان وراء ما هم فيه أمامهم.
* *
وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوزُ هذا في الأوقات، لأن الوقت يمرُّ عليك، فيصير خلفك إذا جزته، وكذلك ﴿كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم.
* *
وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد، يعني وراء يكون قُدَّامًا وخلفًا.
* *
وقوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ، يقول: ويسقى من ماءٍ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو، فقال: هو "صديد"، ولذلك رد "الصَّديد" في إعرابه على "الماء"، لأنه بيَانٌ عنه. [[" البيان "، هو " عطف البيان "، ويسميه الكوفيون " الترجمة " كما سلف، انظر فهارس المصطلحات.]]
* *
و "الصديد"، هو القَيْحُ والدم.
* *
وكذلك تأوَّله أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء = ح وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء = عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿من ماء صديد﴾ ، قال قيحٌ ودم.
٢٠٦٢٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٢٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، و"الصديد"، ما يسيل من لحمه وجلدِه. [[الأثر: ٢٠٦٢٨ - في المطبوعة: " من دمه ولحمه وجلده "، بزيادة، وأثبت ما في المخطوطة موافقًا لما في الدر المنثور ٤: ٧٤.]]
٢٠٦٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده.
٢٠٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، قال: يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القَيْح والدم.
* *
وقوله: ﴿يتجرَّعه﴾ ، يتحسَّاه = ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ، يقول: ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته، وهو مُسيغه من شدّة العطش.
* *
والعرب تجعل "لا يكاد" فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل، فمنه هذا، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم ذلك شرابًا. وأمَّا ما لم يفعل وقد دخلت فيه "كاد" فقوله: حتى ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [سورة النور: ٤٠] ، فهو لا يراها. [[انظر تفسير " كاد " فيما سلف ٢: ٢١٨، ٢١٩ / ١٣: ١٣١.]]
* *
وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله: ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ، وهو يُسيغه، جاء الخبرُ عن رسول الله ﷺ. *
ذكر الرواية بذلك:
٢٠٦٣١ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطَّالقَاني قال، حدثنا ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويُسقى من ماء صديد يتجرّعه﴾ ، "فإذا شَربه قَطَّع أمعاءَه حتى يخرج من دُبُره"، يقول الله عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [سورة محمد: ١٥] ، ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [سورة الكهف: ٢٩] . [[الأثران: ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢ - " إبراهيم، أبو إسحق الطالقاني "، هو " إبراهيم بن إسحق بن عيسى الطالقاني البناني "، وربما قيل: " إبراهيم بن عيسى "، منسوبًا إلى جده، وهو مولى " بنانة "، ثقة، من شيوخ أحمد، سمع ابن المبارك، وبقية. و " الطالقان "، بسكون اللام، ويقال بفتحها، بلدة بخراسان. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٧٣، وابن أبي حاتم في موضعين ١/١/٨٦، ١١٩، وتاريخ بغداد ٦: ٢٤.
و" عبد الله بن المبارك "، أحد الأئمة الكبار، مضى مرارًا كثيرة.
و" صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة ثبت مأمون، مضى مرارًا منها: ٧٠٠٩، ١٢١٩٤، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.
و" عبيد الله بن بسر "، مصغرًا هكذا هو هنا، وفي رواية أحمد في مسنده، وفي سنن الترمذي. و " عبد الله بن بسر " في المستدرك للحاكم، وحلية الأولياء لأبي نعيم. وفي ابن كثير نقلا عن المسند " عبيد الله بن بشر "، وهو تصحيف.
وهذا الخبر من طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، رواه أحمد في مسنده عن علي بن إسحق، عن عبد الله بن المبارك (المسند ٥: ٢٦٥) .
ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك (في باب ما جاء في صفة شراب أهل النار)
ورواه أبو نعيم في الحلية ٨: ١٨٢ من طرق: نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، ومعاذ بن أسد، عن ابن المبارك، ويحيي الحماني عنه، ومحمد بن مقاتل عنه، أربع طرق.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١ من طريق عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن ابن المبارك، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وفي " عبيد الله بن بسر " مقال. قال الترمذي، وساق الخبر: " هذا حديث غريب، هكذا قال محمد بن إسماعيل: " عن عبيد الله بن بسر "، ولا يعرف " عبيد الله بن بسر " إلا في هذا الحديث. وقد روى صفوان بن عمرو عن " عبد الله بن بسر " صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث، وعبد الله بن بسر له أخ قد سمع من النبي ﷺ، وأخته قد سمعت من النبي ﷺ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة، أخو عبد الله بن بسر"
قلت: لم أجد ما قاله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير.
وأما أبو نعيم في الحلية فقال: " تفرد به صفوان، عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبد الله بن بشر، وهو اليحصبي الحمصي، يكنى أبا سعيد، ورواه بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. روى صفوان، عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبد الله بن بشر، ولذلك اشتبه على بعض الناس، وهذا هو: عبد الله بن بسر ".
وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب، وساق ما قاله الترمذي: " وقال ابن أبي حاتم: عبيد الله بن بسر، ويقال: عبد الله، روى عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو. وقال الطبراني عبد الله بن بسر اليحصبي، عن أبي أمامة، وروى له هذا الحديث، وحديثًا آخر من رواية بقية، عن صفوان، والله أعلم. وذكر أبو موسى المديني في ذيل الصحابة: عبيد الله بن بسر، أخو عبد الله بسر، قاله السلماني ". والذي نقله الحافظ عن ابن أبي حاتم موجود في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨.
ولكن العجب أن الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، لم يترجم لعبيد الله بن بسر في تاريخه الكبير ولا الصغير، مع ما نقله عنه الترمذي مما يوهم أنه في أحدهما. وإنما الذي فيه: " عبد الله بن بسر السلمي، ثم المازني، من أصحاب رسول الله ﷺ (الكبير ٣/١/١٤) ثم ذكر " عبد الله بن بسر " وليس المازني، الجبراني "، وهذا يروي عن عبد الله بن بسر المازني، الصحابي، وعن أبي أمامة الباهلي. (مترجم في التهذيب أيضًا) .
ولكن الإشارة التي تكاد تكون صريحة إلى هذا الخبر في كتاب البخاري، فهي في ترجمة " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي " قال: " عن أبي أمامة رضي الله عنه عن ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، الشامي "، ولا أدري كيف هذا، لأن ابن أبي حاتم ترجم في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨ " عبيد الله بن بسر " رقم: ١٤٦٧، ثم يليه رقم: ١٤٦٨ فقال: " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي (روى عن ... ) ، روى عنه يونس بن أبي إسحق، سمعت أبي يقول ذلك ويقول: هو مجهول ".
وكذلك فعل الذهبي في ميزان الاعتدال ٢: ١٦٤، وقال: " عبيد الله بن بسر. حمصي، عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو وحده، لا يعرف "، فيقال هو " عبد الله الصحابي، ويقال هو: " عبيد الله بن بسر الحبراني التابع، وهو أظهر "، ثم ذكر بعد " عبيد الله بن بشير البجلي "، وقال: " فيه جهالة، حدث عنه يونس بن أبي إسحق ليس إلا ".
فيكاد يكون واضحًا، أن الذي وقع في التاريخ الكبير (٣ / ١ / ٣٧٤، ٣٧٥) ، إنما هو خلط بين ترجمتين مختلفتين، وأن ترجمة " عبيد الله بن بسر " قد سقط صدر منها من النسخة المطبوعة من التاريخ الكبير، وتداخل بعضها في ترجمة أخرى، ويرجح ذلك أن ابن أبي حاتم، الذي ذكر الترجمتين جميعًا، لم يتعرض لهذا في كتابه: " بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه "، ولو كان في أصل تاريخ البخاري مثل هذا، لما فات ابن أبي حاتم، فيكون ما نقله الترمذي عن البخاري من التاريخ الكبير، وسقط من المطبوع.]]
٢٠٦٣٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا معمر، عن ابن المبارك قال، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويسقى من ماءٍ صديد﴾ ، فذكر مثله، إلا أنه قال: ﴿سُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ . [[الأثران: ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢ - " إبراهيم، أبو إسحق الطالقاني "، هو " إبراهيم بن إسحق بن عيسى الطالقاني البناني "، وربما قيل: " إبراهيم بن عيسى "، منسوبًا إلى جده، وهو مولى " بنانة "، ثقة، من شيوخ أحمد، سمع ابن المبارك، وبقية. و " الطالقان "، بسكون اللام، ويقال بفتحها، بلدة بخراسان. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٧٣، وابن أبي حاتم في موضعين ١/١/٨٦، ١١٩، وتاريخ بغداد ٦: ٢٤.
و" عبد الله بن المبارك "، أحد الأئمة الكبار، مضى مرارًا كثيرة.
و" صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة ثبت مأمون، مضى مرارًا منها: ٧٠٠٩، ١٢١٩٤، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.
و" عبيد الله بن بسر "، مصغرًا هكذا هو هنا، وفي رواية أحمد في مسنده، وفي سنن الترمذي. و " عبد الله بن بسر " في المستدرك للحاكم، وحلية الأولياء لأبي نعيم. وفي ابن كثير نقلا عن المسند " عبيد الله بن بشر "، وهو تصحيف.
وهذا الخبر من طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، رواه أحمد في مسنده عن علي بن إسحق، عن عبد الله بن المبارك (المسند ٥: ٢٦٥) .
ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك (في باب ما جاء في صفة شراب أهل النار)
ورواه أبو نعيم في الحلية ٨: ١٨٢ من طرق: نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، ومعاذ بن أسد، عن ابن المبارك، ويحيي الحماني عنه، ومحمد بن مقاتل عنه، أربع طرق.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١ من طريق عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن ابن المبارك، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وفي " عبيد الله بن بسر " مقال. قال الترمذي، وساق الخبر: " هذا حديث غريب، هكذا قال محمد بن إسماعيل: " عن عبيد الله بن بسر "، ولا يعرف " عبيد الله بن بسر " إلا في هذا الحديث. وقد روى صفوان بن عمرو عن " عبد الله بن بسر " صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث، وعبد الله بن بسر له أخ قد سمع من النبي ﷺ، وأخته قد سمعت من النبي ﷺ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة، أخو عبد الله بن بسر"
قلت: لم أجد ما قاله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير.
وأما أبو نعيم في الحلية فقال: " تفرد به صفوان، عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبد الله بن بشر، وهو اليحصبي الحمصي، يكنى أبا سعيد، ورواه بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. روى صفوان، عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبد الله بن بشر، ولذلك اشتبه على بعض الناس، وهذا هو: عبد الله بن بسر ".
وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب، وساق ما قاله الترمذي: " وقال ابن أبي حاتم: عبيد الله بن بسر، ويقال: عبد الله، روى عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو. وقال الطبراني عبد الله بن بسر اليحصبي، عن أبي أمامة، وروى له هذا الحديث، وحديثًا آخر من رواية بقية، عن صفوان، والله أعلم. وذكر أبو موسى المديني في ذيل الصحابة: عبيد الله بن بسر، أخو عبد الله بسر، قاله السلماني ". والذي نقله الحافظ عن ابن أبي حاتم موجود في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨.
ولكن العجب أن الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، لم يترجم لعبيد الله بن بسر في تاريخه الكبير ولا الصغير، مع ما نقله عنه الترمذي مما يوهم أنه في أحدهما. وإنما الذي فيه: " عبد الله بن بسر السلمي، ثم المازني، من أصحاب رسول الله ﷺ (الكبير ٣/١/١٤) ثم ذكر " عبد الله بن بسر " وليس المازني، الجبراني "، وهذا يروي عن عبد الله بن بسر المازني، الصحابي، وعن أبي أمامة الباهلي. (مترجم في التهذيب أيضًا) .
ولكن الإشارة التي تكاد تكون صريحة إلى هذا الخبر في كتاب البخاري، فهي في ترجمة " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي " قال: " عن أبي أمامة رضي الله عنه عن ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، الشامي "، ولا أدري كيف هذا، لأن ابن أبي حاتم ترجم في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨ " عبيد الله بن بسر " رقم: ١٤٦٧، ثم يليه رقم: ١٤٦٨ فقال: " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي (روى عن ... ) ، روى عنه يونس بن أبي إسحق، سمعت أبي يقول ذلك ويقول: هو مجهول ".
وكذلك فعل الذهبي في ميزان الاعتدال ٢: ١٦٤، وقال: " عبيد الله بن بسر. حمصي، عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو وحده، لا يعرف "، فيقال هو " عبد الله الصحابي، ويقال هو: " عبيد الله بن بسر الحبراني التابع، وهو أظهر "، ثم ذكر بعد " عبيد الله بن بشير البجلي "، وقال: " فيه جهالة، حدث عنه يونس بن أبي إسحق ليس إلا ".
فيكاد يكون واضحًا، أن الذي وقع في التاريخ الكبير (٣ / ١ / ٣٧٤، ٣٧٥) ، إنما هو خلط بين ترجمتين مختلفتين، وأن ترجمة " عبيد الله بن بسر " قد سقط صدر منها من النسخة المطبوعة من التاريخ الكبير، وتداخل بعضها في ترجمة أخرى، ويرجح ذلك أن ابن أبي حاتم، الذي ذكر الترجمتين جميعًا، لم يتعرض لهذا في كتابه: " بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه "، ولو كان في أصل تاريخ البخاري مثل هذا، لما فات ابن أبي حاتم، فيكون ما نقله الترمذي عن البخاري من التاريخ الكبير، وسقط من المطبوع.]]
٢٠٦٣٣ - حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا حيوة بن شريح الحمصيّ قال، حدثنا بقية، عن صفوان بن عمرو قال، حدثني عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامه، عن النبي ﷺ، مثله سواءً. [[الأثر: ٢٠٦٣٣ - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني "، شيخ الطبري، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم: ١٢٥٢٣.
و" حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي " ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٥٣٧٨.
وهذا الخبر قد مرت الإشارة إليه في التعليق السالف، من طريق بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو.]]
* *
وقوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ ، فإنه يقول: ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده = ﴿وما هو بميت﴾ ، لأنه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا لتعلُّق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها، كما: -
٢٠٦٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسبغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ ، قال: تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة، فتنفعه الحياة.
٢٠٦٣٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ ، قال: من تحت كل شَعَرة في جسده.
* *
وقوله: ﴿ومن وَرائه عَذَابٌ غليظ﴾ ، يقول: ومن وراء ما هو فيه من العذاب = يعني أمامه وقدامه [[انظر تفسير " وراء " فيما سلف: ٥٤٦، ٤٧٥، تعليق: ١.]] = ﴿عذاب غليظ﴾ . [[انظر تفسير " الغليظ " فيما سلف ٧: ٣٤١ / ١٤: ٣٦٠، ٥٧٦ / ١٥: ٣٦٦.]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: ﴿من ورائه﴾ ، من أمام كل جَبار ﴿جهنم﴾ ، يَرِدُونها.
* *
و"وراء" في هذا الموضع، يعني أمام، كما يقال: "إن الموت مِنْ ورائك"، أي قُدّامك، وكما قال الشاعر: [[هو جرير.]]
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي ... [[البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف: ٣٩٩، تعليق: ٣، ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]]
يعني: "وراء بني رياح"، قدَّام بني رياح وأمَامهم.
* *
وكان بعض نحويِّي أهل البَصرة يقول: إنما يعني بقوله: ﴿من ورائه﴾ ، أي من أمامه، لأنه وراءَ ما هو فيه، كما يقول لك: "وكلّ هذا من ورائك": أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه، لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سورة الكهف: ٧٩] ، من هذا المعنى، أي كان وراء ما هم فيه أمامهم.
* *
وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوزُ هذا في الأوقات، لأن الوقت يمرُّ عليك، فيصير خلفك إذا جزته، وكذلك ﴿كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم.
* *
وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد، يعني وراء يكون قُدَّامًا وخلفًا.
* *
وقوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ، يقول: ويسقى من ماءٍ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو، فقال: هو "صديد"، ولذلك رد "الصَّديد" في إعرابه على "الماء"، لأنه بيَانٌ عنه. [[" البيان "، هو " عطف البيان "، ويسميه الكوفيون " الترجمة " كما سلف، انظر فهارس المصطلحات.]]
* *
و "الصديد"، هو القَيْحُ والدم.
* *
وكذلك تأوَّله أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء = ح وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء = عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿من ماء صديد﴾ ، قال قيحٌ ودم.
٢٠٦٢٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٢٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، و"الصديد"، ما يسيل من لحمه وجلدِه. [[الأثر: ٢٠٦٢٨ - في المطبوعة: " من دمه ولحمه وجلده "، بزيادة، وأثبت ما في المخطوطة موافقًا لما في الدر المنثور ٤: ٧٤.]]
٢٠٦٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده.
٢٠٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ ، قال: يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القَيْح والدم.
* *
وقوله: ﴿يتجرَّعه﴾ ، يتحسَّاه = ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ، يقول: ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته، وهو مُسيغه من شدّة العطش.
* *
والعرب تجعل "لا يكاد" فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل، فمنه هذا، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم ذلك شرابًا. وأمَّا ما لم يفعل وقد دخلت فيه "كاد" فقوله: حتى ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [سورة النور: ٤٠] ، فهو لا يراها. [[انظر تفسير " كاد " فيما سلف ٢: ٢١٨، ٢١٩ / ١٣: ١٣١.]]
* *
وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله: ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ، وهو يُسيغه، جاء الخبرُ عن رسول الله ﷺ. *
ذكر الرواية بذلك:
٢٠٦٣١ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطَّالقَاني قال، حدثنا ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويُسقى من ماء صديد يتجرّعه﴾ ، "فإذا شَربه قَطَّع أمعاءَه حتى يخرج من دُبُره"، يقول الله عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [سورة محمد: ١٥] ، ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [سورة الكهف: ٢٩] . [[الأثران: ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢ - " إبراهيم، أبو إسحق الطالقاني "، هو " إبراهيم بن إسحق بن عيسى الطالقاني البناني "، وربما قيل: " إبراهيم بن عيسى "، منسوبًا إلى جده، وهو مولى " بنانة "، ثقة، من شيوخ أحمد، سمع ابن المبارك، وبقية. و " الطالقان "، بسكون اللام، ويقال بفتحها، بلدة بخراسان. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٧٣، وابن أبي حاتم في موضعين ١/١/٨٦، ١١٩، وتاريخ بغداد ٦: ٢٤.
و" عبد الله بن المبارك "، أحد الأئمة الكبار، مضى مرارًا كثيرة.
و" صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة ثبت مأمون، مضى مرارًا منها: ٧٠٠٩، ١٢١٩٤، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.
و" عبيد الله بن بسر "، مصغرًا هكذا هو هنا، وفي رواية أحمد في مسنده، وفي سنن الترمذي. و " عبد الله بن بسر " في المستدرك للحاكم، وحلية الأولياء لأبي نعيم. وفي ابن كثير نقلا عن المسند " عبيد الله بن بشر "، وهو تصحيف.
وهذا الخبر من طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، رواه أحمد في مسنده عن علي بن إسحق، عن عبد الله بن المبارك (المسند ٥: ٢٦٥) .
ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك (في باب ما جاء في صفة شراب أهل النار)
ورواه أبو نعيم في الحلية ٨: ١٨٢ من طرق: نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، ومعاذ بن أسد، عن ابن المبارك، ويحيي الحماني عنه، ومحمد بن مقاتل عنه، أربع طرق.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١ من طريق عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن ابن المبارك، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وفي " عبيد الله بن بسر " مقال. قال الترمذي، وساق الخبر: " هذا حديث غريب، هكذا قال محمد بن إسماعيل: " عن عبيد الله بن بسر "، ولا يعرف " عبيد الله بن بسر " إلا في هذا الحديث. وقد روى صفوان بن عمرو عن " عبد الله بن بسر " صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث، وعبد الله بن بسر له أخ قد سمع من النبي ﷺ، وأخته قد سمعت من النبي ﷺ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة، أخو عبد الله بن بسر"
قلت: لم أجد ما قاله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير.
وأما أبو نعيم في الحلية فقال: " تفرد به صفوان، عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبد الله بن بشر، وهو اليحصبي الحمصي، يكنى أبا سعيد، ورواه بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. روى صفوان، عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبد الله بن بشر، ولذلك اشتبه على بعض الناس، وهذا هو: عبد الله بن بسر ".
وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب، وساق ما قاله الترمذي: " وقال ابن أبي حاتم: عبيد الله بن بسر، ويقال: عبد الله، روى عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو. وقال الطبراني عبد الله بن بسر اليحصبي، عن أبي أمامة، وروى له هذا الحديث، وحديثًا آخر من رواية بقية، عن صفوان، والله أعلم. وذكر أبو موسى المديني في ذيل الصحابة: عبيد الله بن بسر، أخو عبد الله بسر، قاله السلماني ". والذي نقله الحافظ عن ابن أبي حاتم موجود في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨.
ولكن العجب أن الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، لم يترجم لعبيد الله بن بسر في تاريخه الكبير ولا الصغير، مع ما نقله عنه الترمذي مما يوهم أنه في أحدهما. وإنما الذي فيه: " عبد الله بن بسر السلمي، ثم المازني، من أصحاب رسول الله ﷺ (الكبير ٣/١/١٤) ثم ذكر " عبد الله بن بسر " وليس المازني، الجبراني "، وهذا يروي عن عبد الله بن بسر المازني، الصحابي، وعن أبي أمامة الباهلي. (مترجم في التهذيب أيضًا) .
ولكن الإشارة التي تكاد تكون صريحة إلى هذا الخبر في كتاب البخاري، فهي في ترجمة " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي " قال: " عن أبي أمامة رضي الله عنه عن ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، الشامي "، ولا أدري كيف هذا، لأن ابن أبي حاتم ترجم في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨ " عبيد الله بن بسر " رقم: ١٤٦٧، ثم يليه رقم: ١٤٦٨ فقال: " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي (روى عن ... ) ، روى عنه يونس بن أبي إسحق، سمعت أبي يقول ذلك ويقول: هو مجهول ".
وكذلك فعل الذهبي في ميزان الاعتدال ٢: ١٦٤، وقال: " عبيد الله بن بسر. حمصي، عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو وحده، لا يعرف "، فيقال هو " عبد الله الصحابي، ويقال هو: " عبيد الله بن بسر الحبراني التابع، وهو أظهر "، ثم ذكر بعد " عبيد الله بن بشير البجلي "، وقال: " فيه جهالة، حدث عنه يونس بن أبي إسحق ليس إلا ".
فيكاد يكون واضحًا، أن الذي وقع في التاريخ الكبير (٣ / ١ / ٣٧٤، ٣٧٥) ، إنما هو خلط بين ترجمتين مختلفتين، وأن ترجمة " عبيد الله بن بسر " قد سقط صدر منها من النسخة المطبوعة من التاريخ الكبير، وتداخل بعضها في ترجمة أخرى، ويرجح ذلك أن ابن أبي حاتم، الذي ذكر الترجمتين جميعًا، لم يتعرض لهذا في كتابه: " بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه "، ولو كان في أصل تاريخ البخاري مثل هذا، لما فات ابن أبي حاتم، فيكون ما نقله الترمذي عن البخاري من التاريخ الكبير، وسقط من المطبوع.]]
٢٠٦٣٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا معمر، عن ابن المبارك قال، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويسقى من ماءٍ صديد﴾ ، فذكر مثله، إلا أنه قال: ﴿سُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ . [[الأثران: ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢ - " إبراهيم، أبو إسحق الطالقاني "، هو " إبراهيم بن إسحق بن عيسى الطالقاني البناني "، وربما قيل: " إبراهيم بن عيسى "، منسوبًا إلى جده، وهو مولى " بنانة "، ثقة، من شيوخ أحمد، سمع ابن المبارك، وبقية. و " الطالقان "، بسكون اللام، ويقال بفتحها، بلدة بخراسان. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٧٣، وابن أبي حاتم في موضعين ١/١/٨٦، ١١٩، وتاريخ بغداد ٦: ٢٤.
و" عبد الله بن المبارك "، أحد الأئمة الكبار، مضى مرارًا كثيرة.
و" صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة ثبت مأمون، مضى مرارًا منها: ٧٠٠٩، ١٢١٩٤، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨.
و" عبيد الله بن بسر "، مصغرًا هكذا هو هنا، وفي رواية أحمد في مسنده، وفي سنن الترمذي. و " عبد الله بن بسر " في المستدرك للحاكم، وحلية الأولياء لأبي نعيم. وفي ابن كثير نقلا عن المسند " عبيد الله بن بشر "، وهو تصحيف.
وهذا الخبر من طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، رواه أحمد في مسنده عن علي بن إسحق، عن عبد الله بن المبارك (المسند ٥: ٢٦٥) .
ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك (في باب ما جاء في صفة شراب أهل النار)
ورواه أبو نعيم في الحلية ٨: ١٨٢ من طرق: نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، ومعاذ بن أسد، عن ابن المبارك، ويحيي الحماني عنه، ومحمد بن مقاتل عنه، أربع طرق.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١ من طريق عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن ابن المبارك، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وفي " عبيد الله بن بسر " مقال. قال الترمذي، وساق الخبر: " هذا حديث غريب، هكذا قال محمد بن إسماعيل: " عن عبيد الله بن بسر "، ولا يعرف " عبيد الله بن بسر " إلا في هذا الحديث. وقد روى صفوان بن عمرو عن " عبد الله بن بسر " صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث، وعبد الله بن بسر له أخ قد سمع من النبي ﷺ، وأخته قد سمعت من النبي ﷺ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة، أخو عبد الله بن بسر"
قلت: لم أجد ما قاله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير.
وأما أبو نعيم في الحلية فقال: " تفرد به صفوان، عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبد الله بن بشر، وهو اليحصبي الحمصي، يكنى أبا سعيد، ورواه بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. روى صفوان، عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبد الله بن بشر، ولذلك اشتبه على بعض الناس، وهذا هو: عبد الله بن بسر ".
وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب، وساق ما قاله الترمذي: " وقال ابن أبي حاتم: عبيد الله بن بسر، ويقال: عبد الله، روى عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو. وقال الطبراني عبد الله بن بسر اليحصبي، عن أبي أمامة، وروى له هذا الحديث، وحديثًا آخر من رواية بقية، عن صفوان، والله أعلم. وذكر أبو موسى المديني في ذيل الصحابة: عبيد الله بن بسر، أخو عبد الله بسر، قاله السلماني ". والذي نقله الحافظ عن ابن أبي حاتم موجود في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨.
ولكن العجب أن الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، لم يترجم لعبيد الله بن بسر في تاريخه الكبير ولا الصغير، مع ما نقله عنه الترمذي مما يوهم أنه في أحدهما. وإنما الذي فيه: " عبد الله بن بسر السلمي، ثم المازني، من أصحاب رسول الله ﷺ (الكبير ٣/١/١٤) ثم ذكر " عبد الله بن بسر " وليس المازني، الجبراني "، وهذا يروي عن عبد الله بن بسر المازني، الصحابي، وعن أبي أمامة الباهلي. (مترجم في التهذيب أيضًا) .
ولكن الإشارة التي تكاد تكون صريحة إلى هذا الخبر في كتاب البخاري، فهي في ترجمة " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي " قال: " عن أبي أمامة رضي الله عنه عن ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، الشامي "، ولا أدري كيف هذا، لأن ابن أبي حاتم ترجم في الجرح والتعديل ٢/٢/٣٠٨ " عبيد الله بن بسر " رقم: ١٤٦٧، ثم يليه رقم: ١٤٦٨ فقال: " عبيد الله بن بشير بن جرير البجلي (روى عن ... ) ، روى عنه يونس بن أبي إسحق، سمعت أبي يقول ذلك ويقول: هو مجهول ".
وكذلك فعل الذهبي في ميزان الاعتدال ٢: ١٦٤، وقال: " عبيد الله بن بسر. حمصي، عن أبي أمامة، وعنه صفوان بن عمرو وحده، لا يعرف "، فيقال هو " عبد الله الصحابي، ويقال هو: " عبيد الله بن بسر الحبراني التابع، وهو أظهر "، ثم ذكر بعد " عبيد الله بن بشير البجلي "، وقال: " فيه جهالة، حدث عنه يونس بن أبي إسحق ليس إلا ".
فيكاد يكون واضحًا، أن الذي وقع في التاريخ الكبير (٣ / ١ / ٣٧٤، ٣٧٥) ، إنما هو خلط بين ترجمتين مختلفتين، وأن ترجمة " عبيد الله بن بسر " قد سقط صدر منها من النسخة المطبوعة من التاريخ الكبير، وتداخل بعضها في ترجمة أخرى، ويرجح ذلك أن ابن أبي حاتم، الذي ذكر الترجمتين جميعًا، لم يتعرض لهذا في كتابه: " بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه "، ولو كان في أصل تاريخ البخاري مثل هذا، لما فات ابن أبي حاتم، فيكون ما نقله الترمذي عن البخاري من التاريخ الكبير، وسقط من المطبوع.]]
٢٠٦٣٣ - حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا حيوة بن شريح الحمصيّ قال، حدثنا بقية، عن صفوان بن عمرو قال، حدثني عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامه، عن النبي ﷺ، مثله سواءً. [[الأثر: ٢٠٦٣٣ - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني "، شيخ الطبري، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم: ١٢٥٢٣.
و" حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي " ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٥٣٧٨.
وهذا الخبر قد مرت الإشارة إليه في التعليق السالف، من طريق بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو.]]
* *
وقوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ ، فإنه يقول: ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده = ﴿وما هو بميت﴾ ، لأنه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا لتعلُّق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها، كما: -
٢٠٦٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسبغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ ، قال: تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة، فتنفعه الحياة.
٢٠٦٣٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ ، قال: من تحت كل شَعَرة في جسده.
* *
وقوله: ﴿ومن وَرائه عَذَابٌ غليظ﴾ ، يقول: ومن وراء ما هو فيه من العذاب = يعني أمامه وقدامه [[انظر تفسير " وراء " فيما سلف: ٥٤٦، ٤٧٥، تعليق: ١.]] = ﴿عذاب غليظ﴾ . [[انظر تفسير " الغليظ " فيما سلف ٧: ٣٤١ / ١٤: ٣٦٠، ٥٧٦ / ١٥: ٣٦٦.]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العربية في رافعِ "مَثَلُ".
فقال بعض نحويي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقصّ عليكم مَثَلُ الذين كفروا، ثم أقبل يفسّر، كما قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الرعد: ٣٥] ، وهذا كثير. [[انظر ما سلف قريبًا: ٤٦٩ - ٤٧٢]]
* *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدّم الأسماء، لأنها أعرفُ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه. ومعنى الكلام: مَثَلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، كما قيل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [سورة الزمر: ٦٠] ، ومعنى الكلام: [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٨، وسيبويه ١: ٧٧.]] ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. قال: ولو خفض "الأعمال" جاز، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [سورة البقرة: ٢١٧] ،. وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [سورة الرعد: ٣٥] . قال: فـ"تجري"، هو في موضع الخبر، كأنه قال: أن تجري، وأن يكون كذا وكذا، فلو أدخل "أن" جاز. قال: ومنه قول الشاعر: [[هو عدي بن زيد بن العبادي، ونسبه سيبويه لرجل من بجيله أو خثعم.]]
ذَرِينِي إِنَّ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعَا ... وَمَا أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعَا ... [[سيبويه ١: ٧٧، ٧٨ / والخزانة ٢: ٣٦٨، ٣٦٩ / والعيني بهامش الخزانة ٤: ١٩٢ / وسيأتي في التفسير ٢٤: ١٥ (بولاق) ، من أبيات عزيزة هذا أولها، يقول بعده: ألاَ تِلْكَ الثَّعَالِبُ قَدْ تَعَاوَتْ ... عَلَيَّ وَحَالَفَتْ عُرْجًا ضِبَاعَا
لِتَاكُلَنِي، فَمَرَّ لَهُنَّ لَحْمِي ... وأَذْرَقَ مِنْ حِذَارِي أَوْ أَتَاعَا
فَإِنْ لَمْ تَنْدَمُوا فَثَكِلْتُ عَمْرًا ... وَهَاجَرْتُ المُرَوَّقَ والسَّماعَا
وَلاَ وَضَعَتْ إِلَيَّ عَلَى فِرَاشٍ ... حَصَانٌ يَوْمَ خَلْوَتِهَا قِنَاعَا
وَلاَ مَلَكَتْ يَدَايَ عِنَانَ طِرْفٍ ... ولا أَبْصَرْتُ من شَمْسٍ شُعَاعَا
وخُطَّةِ مَاجِدٍ كَلَّفْتُ نَفْسِي ... إِذَا ضَاقُوا رَحُبْتُ بِهَا ذِرَاعَا
والبيتان الأول والثاني من هذه الأبيات، في المعاني الكبير ٨٦٧، واللسان (مرد) (ذرق) (فرق) . ولم أجد لهذه الأبيات خبرًا بعد، وأتوهمها في أقوام تحالفوا على أذاه، جعل بعضهم ثعالب لمكرها وخداعها، وبعضها ضباعًا، لدناءتها وموقها، والضباع موصوفة بالحمق (الحيوان ٧: ٣٨) وقول صاحب الخزانة: " أراد بالثعالب، الذين لاموه على جوده حسدًا ولؤمًا " قول مرغوب عنه. و " الضباع " عرج، فيها خمع. و " تعاوت " تجمعت، كما تتعاوى الذئاب فتجتمع. " ومر اللحم "، و " أمر، كان مرًا لا يستساغ. و " أذرق، أي جعلها تذرق، يقال: " ذرق الطائر، إذا خذق بسلحه، أي قذف، وهو هنا مستعار. إشارة إلى أن ذا بطونهم قد أساله الخوف حتى صار كسلح الطير مائعًا. و " أتاع " حملهم على القيء يعني من الخوف أيضًا " تاع القيء يتيع " خرج. ويرى " فأفرق " وهو مثل " أذرق " في المعنى هنا. و " عمرو " المذكور في شعر عدي، لا أكاد أشك أنه أخوه " عمرو بن زيد "، (الأغاني ٢: ١٠٥) قال: " كان لعدَي بن زيد أخوان، أحدهما اسمه عمار، ولقبه أبي، والآخر اسمه عمرو، ولقبه سمي ". و " المروق "، الخمر، لأنها تصفى بالراووق. و " السماع "، الغناء، يدعو على نفسه أن ينخلع من لذات الدنيا إذا لم يندموا على مغبة كيدهم له.]]
قال: فالحلمُ منصوبٌ ب "ألفيتُ" على التكرير، [[" التكرير "، هو البدل عند البصريين، ويسميه الكوفيون أيضًا " التبيين "، انظر ما سلف ٥٢٩ تعليق: ٢.]] قال: ولو رفعه كان صوابًا. قال: وهذا مثلٌ ضربه الله لأعمال الكفّار فقال: مَثَلُ أعمال الذين كفروا يوم القيامة، التي كانوا يعملونها في الدنيا يزعمُون أنهم يريدون الله بها، مَثَلُ رمادٍ عصفت الريح عليه في يومِ ريح عاصفٍ، فنسفته وذهبت به، فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القيامة، لا يجدون منها شيئًا ينفعهم عند الله فينجيهم من عذابه، لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصًا، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنام.
يقول الله عز وجل: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ ، يعني أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، التي يشركون فيها مع الله شركاء، هي أعمالٌ عُملت على غير هُدًى واستقامة، بل على جَوْر عن الهُدَى بعيد، وأخذٍ على غير استقامة شديد.
* *
وقيل: ﴿في يوم عاصف﴾ ، فوصف بالعُصوف اليومَ، [[في المطبوعة حذف " اليوم "، اجتراء وتحكمًا.]] وهو من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه، كما يقال: "يوم بارد، ويوم حارّ"، لأن البردَ والحرارة يكونان فيه، [[انظر تفسير " عاصف " فيما سلف ١٥: ٥١.]] وكما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا * [[سيأتي في التفسير ٢٤: ٦٧ (بولاق) ، وبعده هناك: * نَجْمَيْنِ بِالسَّعْدِ ونَجْمًا نَحْسَا *]]
فوصف اليومين بالغيمين، وإنما يكون الغيم فيهما. وقد يجوز أن يكون أريد به: في يوم عاصف الريح، فحذفت "الريح"، لأنها قد ذكرت قبل ذلك، فيكون ذلك نظير قول الشاعر: [[هو مسكين الدارمي.]]
إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ * [[من أبيات خرجتها فيما سلف ٧: ٥٢٠، تعليق: ٣. وانظر الخزانة ٢: ٣٢٣ وصدر البيت: * وتَضْحَكُ عِرْفَانَ الدُّرُوعِ جُلُودُنَا *]]
يريد: كاسفُ الشمس. وقيل: هو من نعت "الريح" خاصة، غير أنه لما جاء بعد "اليوم" أُتبع إعرابَهُ، وذلك أن العرب تتبع الخفضَ الخفضَ في النعوت، كما قال الشاعر: [[هو ذو الرمة.]]
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلا نَدَبُ [[ديوانه: ٤، من عقيلته المحجبة بالحسن. وهذا البيت من أبيات في صفة صاحبته مي.
= و " السنة "، ما أقبل عليك من الوجه وصفحة الحد مصقولا يلوح. و " غير مقرنة "، لا يشوب معارفها ولا لونها شيء يهجنها، وذلك من عتقها. و " الندب "، أثر الجرح إذا لم يرتفع.]]
فخفض "غير" إتباعًا لإعراب "الوجه"، وإنما هي من نعت "السنَّة"، والمعنى: سُنَّةَ وَجْه غَيْرَ مُقْرفة، وكما قالوا: "هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ﴿كرماد اشتدت به الريح﴾ ، قال: حملته الريح في يوم عاصف.
٢٠٦٣٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾ ، يقول: الذين كفروا بربهم وعبدوا غيرَه، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِل في يوم عاصف. [[في المطبوعة: " إذا أرسل عليه الريح في يوم عاصف "، زاد ما لا معنى له.]]
* *
وقوله: ﴿ذلك هو الضَّلال البعيد﴾ ، أي الخطأ البينُ، البعيدُ عن طريق الحق. [[من أول: " وقوله: ذلك هو ... "، ليس في المخطوطة، ولست أدري من أين جاء به ناشر المطبوعة، فتركته على حالة، حتى أقطع بأنه ليس من كلام أبي جعفر.
= وانظر تفسير " الضلال "، و " البعيد "، فيما سلف من فهارس اللغة.]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لنبيّه محمد ﷺ: ألم تر، يا محمد، بعين قلبك، [[انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف ٥: ٤٨٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق منفردًا بإنشائها بغير ظهير ولا مُعين = ﴿إن يشأ يذهبكم ويَأت بخلق جديد﴾ ، يقول: إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك، إن هو شاء أن يُذْهبكم فيفنيكم، أذهبكم وأفناكم، [[انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف ١٤: ١٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويأتِ بخلق آخر سواكم مكانكم، فيجدِّد خلقهم = ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ ، يقول: وما إذهابكم وإفناؤكم وإنشاء خلقٍ آخر سواكم مكانَكُم، على الله بممتنع ولا متعذّر، لأنه القادر على ما يشاء. [[انظر تفسير " عزيز " فيما سلف: ٥١١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]]
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ألم تر أن الله خلق﴾ .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿خَلَقَ﴾ على "فعَل".
* *
وقرأته عامة قرأة أهل الكوفة: "خَالِقُ"، على "فاعل".
* *
وهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لنبيّه محمد ﷺ: ألم تر، يا محمد، بعين قلبك، [[انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف ٥: ٤٨٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق منفردًا بإنشائها بغير ظهير ولا مُعين = ﴿إن يشأ يذهبكم ويَأت بخلق جديد﴾ ، يقول: إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك، إن هو شاء أن يُذْهبكم فيفنيكم، أذهبكم وأفناكم، [[انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف ١٤: ١٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويأتِ بخلق آخر سواكم مكانكم، فيجدِّد خلقهم = ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ ، يقول: وما إذهابكم وإفناؤكم وإنشاء خلقٍ آخر سواكم مكانَكُم، على الله بممتنع ولا متعذّر، لأنه القادر على ما يشاء. [[انظر تفسير " عزيز " فيما سلف: ٥١١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]]
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ألم تر أن الله خلق﴾ .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿خَلَقَ﴾ على "فعَل".
* *
وقرأته عامة قرأة أهل الكوفة: "خَالِقُ"، على "فاعل".
* *
وهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وبرزوا لله جميعًا﴾ ، وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامة من قبورهم، فصاروا بالبَراز من الأرض [[انظر تفسير " برز " فيما سلف ٥: ٣٥٤ / ٧: ٣٢٤ / ٨: ٥٦٢.]] = ﴿جميعًا﴾ ، يعني كلهم [[انظر تفسير " الجميع " فيما سلف ١٥: ٢١٢.]] = ﴿فقال الضعفاء للذين استكبروا﴾ ، يقول: فقال التُّبَّاع منهم للمتبوعين، وهم الذين كانوا يستكبرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم [[انظر تفسير " الضعفاء " فيما سلف ١٤: ٤١٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " الاستكبار " فيما سلف ١٥: ١٥٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿إنَّا كنا لكم تَبَعًا﴾ ، في الدنيا.
* *
و"التبع" جمع "تابع"، كما الغَيَب جمع "غائب".
* *
وإنما عنوا بقولهم: ﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾ ، أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان والكفر بالله، وينتهون عما نهوهم عنه من اتّباع رسل الله = ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ ، يعنون: فهل أنتم دافعون عنَّا اليوم من عذاب الله من شيء. [[انظر تفسير " الإغناء " فيما سلف ١٦٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وكان ابن جريج يقول نحو ذلك:
٢٠٦٣٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿وقال الضعفاء﴾ ، قال: الأتباع = ﴿للذين استكبروا﴾ ، قال: للقادة.
* *
قوله: ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ ، يقول عز ذكره: قالت القادةُ على الكفر بالله لتُبَّاعها: ﴿لو هدانا الله﴾ ، يعنون: لو بَيَّن الله لنا شيئًا ندفع به عَذَابَه عنا اليوم = ﴿لهديناكم﴾ ، لبيَّنا ذلك لكم حتى تدفعوا العذابَ عن أنفسكم، ولكنا قد جزعنا مِن العذاب، فلم ينفعنا جزعُنا منه وصَبْرُنا عليه [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدي) .]] = ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ ، يعنون: ما لهم من مَراغٍ يرُوغون عنه. [[في المطبوعة: " مزاغ "، و " يزوغون "، و " زاغ "، كل ذلك بالزاي، والذي في المخطوطة صواب محض.]]
* *
يقال منه: "حاص عن كذا"، إذا راغ عنه، "يَحِيصُ حَيْصًا، وحُيُوصًا وحَيَصَانًا. [[انظر تفسير " الحيص " فيما سلف ٩: ٢٢٦.]]
* *
٢٠٦٣٩ - وحدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الحكم، عن عُمَر بن أبي ليلى، أحد بني عامر، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني، أو ذُكِر لي أن أهل النار قال بعضهم لبعضٍ: يا هؤلاء، إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلمَّ فلنصبر، فلعل الصَّبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا. قال: فيُجْمعون رأيهم على الصَّبر. قال، فصبروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا: ﴿سواءٌ علينا أجزِعْنَا أم صبرنَا ما لنا من محيص﴾ ، أي من منجًي. [[الأثر: ٢٠٦٣٩ - " الحكم "، هو " الحكم المكي "، شيخ لعبد الله بن المبارك توقف الإمام البخاري في أمره. وقال ابن أبي حاتم: هو مجهول. قال البخاري: " الحكم المكي، عن عمر بن أبي ليلى، سمع منه ابن المبارك ومحمد بن مقاتل. وروى مروان، يعني ابن معاوية، عن الحكم بن أبي خالد، مولى بني فزارة، عن عمر بن أبي ليلى. قال الحسن بن علي، وعن الحكم بن أبي خالد، عن الحسن، عن جابر، في الجنة، فلا أدري هذا من ذاك ". وكأن هذا إشارة إلى هذا الخبر نفسه.
وذكر في ترجمة " الحكم بن ظهير الفزاري ": " حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال حدثنا مروان، عن الحكم بن أبي خالد، مولى بني فزارة، عن عمر بن أبي ليلى النميري ... "، وقال مثل ما قال في ترجمة " الحكم المكي ". ثم ترجم " الحكم بن أبي خالد "، ولم يذكر فيه شيئًا من هذا.
وأما ابن أبي حاتم فاقتصر على ترجمة " الحكم المكي "، ولم يذكر فيه " الحكم بن أبي خالد ".
وقال ابن حجر في التهذيب: " قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كان مروان بن معاوية يغير الأسماء، يعمي على الناس، يقول: حدثنا الحكم بن أبي خالد، وإنما هو الحكم بن ظهير ".
وانظر هذا الذي ذكرت في الكبير للبخاري ١/٢/٣٣٦، ٣٣٩، ٣٤٢، وابن أبي حاتم ١/٢/١٣١، وميزان الاعتدال ١: ٢٧٣، ولسان الميزان ٢: ٣٤١، وتهذيب التهذيب.
و" عمر بن أبي ليلي "، قال البخاري في الكبير ٣/٢/١٩٠: " روى عنه الحكم المكي، وقال بعضهم: " عمر بن أبي ليلى، أخو بني عامر، سمع محمد بن كعب، قوله ". وزاد البخارى في ترجمة " الحكم بن ظهير " في نسبته " النميري "، كما سلف قريبًا. وقال مثل ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/١/١٣١، وزاد عن أبيه فقال: " سمعته يقول: هو مجهول "، وفي ميزان الاعتدال ٢: ٢٦٨ قال: " قلت حدث عنه ابن أبي فديك والواقدي "، وزاد ابن حجر في لسان الميزان ٤: ٢٢٤ قال: " وذكره ابن حبان في الثقات ".
وكان في المطبوعة: " عمرو بن أبي ليلى "، غير ما هو ثابت في المخطوطة على الصواب.
و" محمد بن كعب القرظي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة لا تعد.
وهذا الخبر تالف، لما علمت من أمر " الحكم المكي " وجهالته، فإن كان هو " الحكم بن ظهير الفزاري "، فهو متروك كما سلف مرارًا كثيرة.]]
٢٠٦٤٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ ، قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدركَ أهل الجنة الجنَّةَ ببكائهم وتضرُّعهم إلى الله، فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله! قال: فبكوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنَّما أدرك أهل الجنة الجنّةَ بالصبر، [[تلعب الناشر بالكلام فجعله: " فما أدرك أهل الجنة الجنة إلا بالصبر "، فجعل " فإنما " " فما " ثم زاد " إلا "! فاعجب لما فعل.]] تعالوا نصبر! فصبروا صبرًا لم يُرَ مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ .
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال إبليس، [[انظر تفسير " الشيطان " فيما سلف ١: ١١١، ١١٢، ٢٩٦/ ١٢: ٥١.]] ﴿لما قُضِي الأمر﴾ ، يعني لما أدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهل النار النارَ، واستقرّ بكل فريق منهم قرارهم، [[انظر تفسير " القضا " فيما سلف: ١٠٧،، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] أن الله وعدكم، أيها الأتباعُ، النارَ، ووعدتكم النُّصْرة، فأخلفتكم وعدي، ووفى الله لكم بوعده = ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ ، يقول: وما كان لي عليكم، فيما وعدتكم من النصرة، من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف: ٥٣٧، تعليق: ٧، والمراجع هناك.]] = ﴿إلا أنْ دعوتكم﴾ . وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، كما تقول: "ما ضربْتُه إلا أنه أحمق"، ومعناه: ولكن ﴿دعوتكم فاستجبتم لي﴾ . يقول: إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله، فاستجبتم لدعائي [[انظر تفسير الاستجابة " فيما سلف: ٤١٦. تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فلا تلوموني﴾ ، على إجابتكم إياي ﴿ولوموا أنفسكم﴾ ، عليها = ﴿ما أنا بمُصْرِخِكم﴾ ، يقول: ما أنا بمُغِيثكم = ﴿وما أنتم بمصرخِيَّ﴾ ، ولا أنتم بمُغيثيَّ من عذاب الله فمُنْجِيَّ منه = ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، يقول: إني جَحدْت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم = ﴿من قبل﴾ في الدنيا = ﴿إن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ ، يقول: إن الكافرين بالله لهم عذاب = "أليم"، من الله موجِع. [[انظر تفسير " الإشراك " و " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (شرك) (ألم) .]]
* *
يقال: " أصْرَختُ الرجلَ"، إذا أغثته "إصراخًا"، و "قد صَرَخ الصَّارخ، يصرُخ، ويَصْرَخ، قليلة، وهو الصَّرِيخ والصُّراخ". [[" يَصْرَخُ " بفتح الراء، وكذلك هي مضبوطة في المخطوطة، ومضارع " صرخ " بفتح الراء لم أجد من نص عليه في المعاجم، فهذا موضع زيادة.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٤١ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿ما أنا بمُصْرخكم وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، قال: خطيبان يقومان يومَ القيامة، إبليسُ وعيسى ابن مريم. فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول هذا القول. وأما عيسى عليه السلام فيقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ، [سورة المائدة: ١١٧] .
٢٠٦٤٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: يقوم خطيبان يوم القيامة، أحدهما عيسى، والآخر إبليس. فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ ، فتلا داود حتى بلغ: ﴿بما أشركتمون من قبل﴾ ، فلا أدري أتمَّ الآية أم لا؟ وأما عيسى عليه السلام فيقال له: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، فتلا حتى بلغ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٦ - ١١٨] .
٢٠٦٤٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر قال، يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس، يقول الله عز وجل: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، [سورة المائدة: ١١٦ - ١١٩] . قال: ويقوم إبليس فيقول: ﴿وما كان لِيَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ﴾ ، ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمُغيثيَّ.
٢٠٦٤٤ - حدثنا الحسين قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثني خالد، عن داود، عن الشعبي، في قوله: ﴿ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ ، قال: خطيبان يقومان يوم القيامة، فأما إبليس فيقول هذا، وأما عيسى فيقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ .
٢٠٦٤٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن رشدين بن سعد قال، أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ، ذكر الحديث، قال: يقول عيسى: ذلكم النبيُّ الأميّ. فيأتونني، فيأذن الله لي أن أقوم، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شَمَّها أحدٌ، حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نُورًا إلى نور، من شَعَر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنكَ أنت أضللتنا. فيقوم، فيثورُ من مجلسه أنتنُ ريح شَمَّها أحدٌ، ثم يعظم لجهنّم، [[في المطبوعة " يعظم نحيبهم "، غير ما اتفقت عليه المخطوطة، والدر المنثور، وابن كثير. وهو ما أثبت، وأنا في شك من الكلمة، وظني أنها " يُقَطِّمُ لجهنَّم "، من قولهم " قَطَّم الشارب " إذا ذاق الشراب فكرهه، وزوى وجهه، وقطب.]] ويقول عند ذلك: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدكم فأخلفتكم﴾ ، الآية. [[الأثر: ٢٠٦٤٥ - " رشدين بن سعد المصري "، رجل صالح، أدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث، فليس يبالي عمن روى، وهو ضعيف متروك، عنده معاضيل ومناكير، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٧٧٢٩.
و" عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي "، رجل صالح، ولكنه منكر الحديث، وإن وثقه بعضهم، قال أبو الحسن بن القطان. كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه، ويربأ به عن حضيض رد الرواية، والحق فيه أنه ضعيف، لكثرة روايته المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين "، مضى أيضًا مرارًا آخرها رقم: ١٤٣٣٧.
و" دخين الحجري "، هو " دخين بن عامر الحجري "، " أبو ليلي المصري "، روى عن عقبة بن عامر، وعنه عبد الرحمن بن زياد، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٢٣٤، وابن أبي حاتم ١/٢/٤٤٢.
وهذا خبر ضعيف الإسناد، لا يقوم. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٤، وزاد نسبته إلى ابن المبارك في الزهد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر وقال: أخرجوه بسند ضعيف، ونقله عن ابن أبي حاتم، ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٥٧.]]
٢٠٦٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، في قوله: ﴿وما كان لي عليكم من سلطانٍ﴾ ، قال: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبًا على منبر من نار، فقال: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ، إلى قوله: ﴿وما أنتم بمصرخيّ﴾ ، قال: بناصريَّ = ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، قال: بطاعتكم إياي في الدنيا.
٢٠٦٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك عمن ذكره قال، سمعت محمد بن كعب القرظي، قال في قوله: ﴿وقال الشيطان لما قُضِى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق﴾ ، قال: قام إبليس يخطبهُم فقال: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ ، إلى قوله: ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ ، يقول: بمغنٍ عنكم شيئًا = ﴿وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، قال: فلما سمعوا مقالته مَقَتُوا أنفسهم، قالا فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، الآية [سورة غافر: ١٠] .
٢٠٦٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سَعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ ، ما أنا بمغيثكم، وما أنتم بمغيثي= قوله: ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، يقول: عصيت الله قبلكم.
٢٠٦٤٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ ، قال: هذا قولُ إبليس يوم القيامة، يقول: ما أنتم بنافعيّ وما أنا بنافعكم = ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ قال: شركته، عبادته.
٢٠٦٥٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى =وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال: حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿بمصرخيّ﴾ ، قال: بمغيثيّ.
٢٠٦٥١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجيَّ.
٢٠٦٥٥ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال: خطيبُ السَّوْء الصادق إبليس، [[في المطبوعة: " إبليس الصادق "، أخر وقدم بلا داع مفهوم.]] أفرأيتم صادقًا لم ينفعه صِدقهُ: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان﴾ ، أقهركم به = ﴿إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ ، قال: أطعتموني = ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ ، حين أطعتموني = ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ ، ما أنا بناصركم ولا مغيثكم = ﴿وما أنتم بمصرخيّ﴾ ، وما أنتم بناصريّ ولا مغيثيّ لما بي = ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم﴾ .
٢٠٦٥٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن الحكم، عن عُمَر بن أبي ليلى أحدِ بني عامر قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر﴾ ، قال: قام أبليس عند ذلك، يعني حين قال أهل جهنم: ﴿سواءٌ علينا أجزِعنا أم صبرنا مالنا من مَحِيص﴾ ، فخطبهم، فقال: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ،إلى قوله: ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ ، يقول: بمُغْنٍ عنكم شيئًا = ﴿وما أنتم بمصرخيَّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ . قال: فلما سمعوا مقالته مَقَتُوا أنفسهم، قال: فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ ،الآية [سورة غافر: ١٠] . [[الأثر: ٢٠٦٥٦ - " الحكم المكي "، و " عمر بن أبي ليلى "، انظر ما سلف تعليقًا على الرقم: ٢٠٦٣٩، وهو تتمة ذاك الخبر. وكان في المطبوعة هنا أيضًا " عمرو بن أبي ليلي ".]]
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله، فأقرُّوا بوحدانية الله وبرسالة رُسله. وأنّ ما جاءت به من عند الله حق = ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، يقول: وعملوا بطاعة الله. فانتهوا إلى أمر الله ونهيه = ﴿جنَّات تجري من تحتها الأنهار﴾ ، بساتين تجري من تحتها الأنهار = ﴿خالدين فيها﴾ ، يقول ماكثين فيها أبدًا [[قوله: " يقول: ماكثين فيها أبدًا "، ساقط من المطبوعة.]] = ﴿بإذن ربهم﴾ ، يقول: أُدخلوها بأمر الله لهم بالدخول= ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، [[انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة (أمن) ، (صلح) ، (جنن) ، (نهر) ، (خلد) ، (أذن) .
= وانظر تفسير " التحية " فيما سلف ٨: ٥٨٦.]] وذلك إن شاء الله كما:-
٢٠٦٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، قوله: ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، قال: الملائكة يسلِّمون عليهم في الجنة.
* *
وقوله: ﴿ألم تر كيف ضربَ الله مَثلا كلمة طيبه كشجرة طيبة﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ: ألم تر، يا محمد، بعين قلبك، [[انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف: ٥٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فتعلم كيف مثَّل الله مثَلا وشبَّه شبَهًا [[انظر تفسير " ضرب مثلا " فيما سلف ١: ٤٠٣.]] = ﴿كلمة طيبة﴾ ، ويعني بالطيبة: الإيمانَ به جل ثناؤه، [[انظر تفسير " الطيب " فيما سلف ١٣: ١٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] كشجرة طَيّبة الثمرة، وترك ذكر "الثمرة" استغناء بمعرفة السَّامعين عن ذكرها بذكر "الشَّجرة". وقوله: ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ ، يقول عز ذكره: أصلُ هذه الشجرة ثابتٌ في الأرض = "وفرعها"، وهو أعلاها في "السماء"، يقول: مرتفع علُوًّا نحوَ السماء. وقوله: ﴿تؤتي أكُلَهَا كل حين بإذن ربّها﴾ ، يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها كلّ حين بأمرِ ربها [[انظر تفسير " الأكل " فيما سلف: ٤٧٢، تعليق ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير " الإذن " فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]] = ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ ، يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس، ويشبّه لهم الأشباهَ [[انظر تفسير "ضرب مثلا" فيما سلف ١:٤٠٣.]] = ﴿لعلهم يتذكرون﴾ ، يقول: ليتذكروا حُجَّة الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان. [[انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر) .
= وانظر القول في " لعل " في مباحث العربية.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالكلمة الطيبة.
فقال بعضهم: عُني بها إيمانُ المؤمن.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿كلمة طيبة﴾ ، شهادةُ أن لا إله إلا الله = ﴿كشجرة طيبة﴾ ، وهو المؤمن = ﴿أصلها ثابتٌ﴾ ، يقول: لا إله إلا الله، ثابتٌ في قلب المؤمن = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، يقول: يُرْفَع بها عملُ المؤمن إلى السماء.
٢٠٦٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿كلمة طيبة﴾ ، قال: هذا مَثَلُ الإيمان، فالإيمان الشَّجرة الطيبة، وأصله الثابت الذي لا يزول الإخلاصُ لله، وفرعُه في السماء، فَرْعُه خشْية الله.
٢٠٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةً طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة = قال ابن جريج، وقال آخرون: "الكلمة الطيبة"، أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب [[في المطبوعة: " في ذات أصل "، وهو خطأ بلا ريب.]] = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، تَعْرُجُ فلا تُحْجَب حتى تنتهي إلى الله.
* *
وقال آخرون: بل عُنِي بها المؤمن نفسُه.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧١ - حدثني محمد بن سعد قال، ثني أبي قال، ثني عمي قال، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ،، يعني بالشجرة الطيبة المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض، وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمَلُ في الأرض، ويتكلَّم، فيبلغ عمله وقولُه السَّماءَ وهو في الأرض.
٢٠٦٧٢ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرُج منه كلام طيبٌ وعمل صالح يَصْعَد إليه.
٢٠٦٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس قال: "أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الأرْضِ"، وكذلك كان يقرؤها. قال: ذلك المؤمنُ ضُرِبَ مثله. قال: الإخلاصُ لله وحده وعبادته لا شريك له، قال: ﴿أصلها ثابت﴾ ، قال: أصل عمله ثابتٌ في الأرض = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: ذكرُه في السماء.
* *
واختلفوا في هذه "الشجرة" التي جعلت للكلمة الطيبة مثلا.
فقال بعضهم: هي النخلة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك في هذا الحرف: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو قطن قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، مثله.
٢٠٦٧٦ - حدثنا الحسن قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال، سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخل. [[الآثار: ٢٠٦٧٤ - ٢٠٦٧٦ - هذا خبر صحيح الإسناد، من طرقه الثلاث، موقوفًا على أنس. وانظر التعليق على الآثار التالية.]]
٢٠٦٧٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعيب قال، قال خرجت مع أبي العاليةِ نريد أنس بن مالك، قال: فأتيناه، فدعا لنا بقِنْوٍ عليه رُطَبٌ، [[" القنو "، بكسر فسكون، وجمعه " أقناء " و " قنوان " بكسر فسكون، وهو العذق عذق النخلة، بما فيه من الرطب، وهو " الكباسة "، بكسر الكاف.]] فقال: كلوا من هذه الشجرةِ التي قال الله عز وجل: (ضربَ الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابث وفرعها في السماء) ، وقال الحسن في حديثه: " بقِنَاع". [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]]
٢٠٦٧٨ - حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أُتِي بقِناع بُسْر، [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]] فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٩ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ أتِى بقِناع فيه بُسْر، فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: "هي النخلة. قال شعيب، فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كانُوا يقولون.
٢٠٦٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شُعيب بن الحَبْحاب قال: كنا عند أنس، فأُتينا بطَبَق، أو قِنْع، عليه رُطب، فقال: كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشَّجرة التي ذكر الله جلّ وعزّ في كتابه: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلُها ثابت﴾ .
٢٠٦٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن شعيب بن الحبحاب قال، كان أبو العالية يأتيني، فأتاني يومًا في منزلي بعد ما صلَّيت الفجر، فانطلقتُ معه إلى أنس بن مالك، فدخلنا معه إلى أنس بن مالك، فجيءَ بطبق عليه رُطَب فقال أنس لأبي العالية: كل، يا أبا العالية، فإن هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثَابِتٍ أَصْلُهَا﴾ ، قال: هكذا قرأها يومئذ أنس. [[الآثار: ٢٠٦٧٧ - ٢٠٦٨١ - حديث شعيب بن الحبحاب، عن أنس، مروي هنا من خمس طرق: من طريقين مرفوعًا، من رواية حماد بن سلمة، عن شعيب، (٢٠٦٧٨، ٢٠٦٧٩) ، ثم من رواية حماد عن شعيب أيضًا موقوفًا، (٢٠٦٨٠) ، ثم من طريقين موقوفًا، من رواية ابن علية، عن شعيب، ومهدي بن ميمون عن شعيب. (٢٠٦٧٧، ٢٠٦٨١) .
فالمرفوع، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥٢، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، وأخرجه الترمذي في تفسير هذه السورة. مطولا، عن طريق أبي الوليد، عن حماد بن سلمة، عن شعيب، ثم قال: " حدثنا قتيبة، حدثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك نحوه بمعناه، ولم يرفعه، ولم يذكر قول أبي العالية (٢٠٦٧٩) . وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة.. وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة. ورواه معمر، وحماد بن زيد، وغير واحد، ولم يرفعوه. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي. حدثنا حماد بن زيد، وعن شعيب بن الحبحاب. عن أنس بن مالك. نحو حديث عبد الله بن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، ولم يرفعه ".
وخرج المرفوع السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦،، وزاد نسبته إلى النسائي، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وذكره. ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٦١.]]
٢٠٦٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٦٨٢ - " طلق "، هو " طلق بن غنام بن طلق النخعي "، سلف برقم: ٢٠٠٠٠، روى عنه أبو كريب.
و" شريك "، هو " شريك بن عبد الله النخعي " القاضي، روى عنه طلق، مضى مرارًا كثيرة.
وأمام هذا الخبر علامة في المخطوطة هكذا ".. " للدلالة على الشك، وصدق فإنه لم يمض ذكر خبر عبد الله بن مسعود قبل ذلك، فيقول: " مثله.. وقد نقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٥٩، فقال: هكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: " هي النخلة "، وكذلك السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦، فأخشى أن يكون سقط قبل هذا الخبر خبر فيه نص كلام ابن مسعود]]
٢٠٦٨٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن جامع بن أبي راشد، عن مُرَّة بن شراحيل الهمداني، عن مسروق: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخلة.
٢٠٦٨٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن [قال، حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة.
٢٠٦٨٥ - حدثنا الحسن] [[ما بين القوسين، من منتصف الخبر السالف، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوعة.]] قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٨٦ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله.
٢٠٦٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا مُعَلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، لا تزالُ فيها منفعةٌ.
٢٠٦٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: ضرب الله مثل المؤمن كمثل النخلة = ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ .
٢٠٦٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، كنا نُحَدَّث أنها النخلة.
٢٠٦٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: يزعمون أنها النخلة.
٢٠٦٩١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتى أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: النخل. [[في المطبوعة: " النخلة ".]]
٢٠٦٩٣ - حدثنا الحسن [[في المطبوعة: " قال حدثنا الحسن "، زاد ما لا مكان له.]] قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: "الشجرة الطيبة"، النخلة.
وقال آخرون: بل هي شجرة في الجنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٩٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله جلّ وعَزّ: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي شجرة في الجنة. [[الأثر: ٢٠٦٩٥ - " أبو كدينة "، " يحيى بن المهلب البجلي "، ثقة، ربما أخطأ، يعتبر به، سلفت ترجمته: ٤١٩٣، ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" قابوس بن أبي ظبيان الجنبي "، ضعيف، كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل، وأسند الموقوف، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٢، ١٦٦٧٩.
وأبوه " أبو ظبيان "، اسمه " حصين بن جندب الجنبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣، ١٦٦٧٩.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك قولُ من قال: هي "النخلة"، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بما:-
٢٠٦٩٦ - حدثنا به الحسن بن محمد قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يُحدِّث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا قال، كنّا عند النبي ﷺ، فأتي بجُمَّار فقال: من الشَّجر شجرةٌ مَثَلُها مثلُ الرَّجُل المسلم. فأردت أن أقول " هي النخلة"، فإذا أنا أصغرُ القوم، فسكتُّ، [فقال رسول الله ﷺ: هي النخلة] . [[الأثر: ٢٠٦٩٦ - إسناده صحيح، رواه من هذه الطريق أحمد في مسنده رقم: ٤٥٩٩، ورواه أحمد أيضًا من طريق شريك، عن سلمة بن كهيل. عن مجاهد، مطولا ومختصرًا (٥٦٤٧، ٥٩٥٥) ورواه البخاري في صحيحة (الفتح ١: ١٥١) ، ومسلم في صحيحة (١٧: ١٥٢) من ثلاث طر ق: من طريق أيوب، عن أبي الخليل الضبعي، عن مجاهد، ومن طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن نمير، عن أبيه، عن سيف، عن مجاهد.
وكان أمام الخبر في المخطوطة حرف (ط) ، إشارة إلى ما فيه من النقص الذي أثبته عن مسند أحمد، ووضعته بين قوسين.]]
٢٠٦٩٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا سليمان، عن يوسف بن سَرْج، عن رجل، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: هل تدرُون ما الشجرة الطيبة؟ قال ابن عمر: فأردت أنْ أقول "هي النخلة"، فمنعني مكان عُمَر، فقالُوا: الله ورسوله أعلم! فقال رسول الله ﷺ: هي النَّخْلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٧ - " سليمان "، هو " سليمان بن طرخان التيمي "، مضى مرارًا كثيرة. و " يوسف بن سرج "، بالجيم، نص على ذلك عبد الغني، في المؤتلف والمختلف: ٦٩، والذهبي في المشتبه: ٣٥٦، روى حديثًا مرسلا، روى عنه سليمان التيمي، مترجم في الكبير للبخاري ٤/٢/٣٧٣ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٣: وكأنهما أشارا إلى هذا الخبر.
وكان في المطبوعة هنا: " سرح " بالحاء، وكذلك في المخطوطة، وإن كانت تغفل أحيانًا بعض النقط.]]
٢٠٦٩٨ - حدثنا الحسن، فال: حدثنا يحيى بن حماد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: إن شجرةً من الشجر لا تَطرحُ ورقَها مثل المؤمن؟ قال: فوقع الناس في شجر البَدْو، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت، حتى قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٨ - " عبد العزيز "، هو " عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون "، أحد الأعلام، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/١٢، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨٦.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده: ٦٠٥٢، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الله ابن دينار، مطولا، ورواه من طريق مالك " عن عبد الله بن دينار، مطولا: ٥٢٧٤. ورواه البخاري في صحيحة من هذه الطريق (الفتح ١: ٢٠٣) ، ورواه من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار (الفتح ١: ١٣٣، ١٣٤) ، ومن طريق سليمان بن بلال عن عبد الله (الفتح ١: ١٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (١٧: ١٥٣) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله.
وانظر التعليق على الخبر التالي.]]
٢٠٦٩٩ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقها، وهي مثل المؤمن؛ فتحدثوني ما هي؟ فذكر نحوه. [[الأثر: ٢٠٦٩٩ - " عبد العزيز بن مسلم القسملي "، صالح الحديث ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/٢٨، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٩٤، وهذه طريق أخرى للخبر السالف.]]
٢٠٧٠٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي قال، حدثنا يحيى بن سعد قال، حدثنا عبيد الله قال، حدثني نافع، عن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ: أخبروني بشجرة كمثل الرجل المسلم، تُؤتي أكلها كل حين، لا يتحاتُّ ورقها؟ قال: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، فكرهت أن أتكلم وثّمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلموا، قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٧٠٠ - " يحيى بن سعيد بن فروخ "، القطان، الحافظ، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
و" عبيد الله "، هو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب "، مضى مرارًا. وهذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه (الفتح ١: ٢٨٦) مطولا، من طريق عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، ورواه مسلم في صحيحة (١٧: ١٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة.
وسيأتي من طريق أخرى.]]
٢٠٧٠١ - حدثنا الحسن قال، حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ٢٠٧٠١ - " محمد بن الصباح الدولابي "، البزاز، روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٠٥١٤.
و" إسماعيل "، هو " إسماعيل بن زكريا الخلقاني الأسدي "، لقبه " شقوصا "، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٥٥، وابن أبي حاتم ١/١/١٧٠.]]
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "الحين" الذي ذكر الله عز وجل في هذا الموضع فقال: ﴿تؤتي أكلَها كلَّ حِين بإذن ربِّها﴾ .
فقال بعضهم: معناه: تؤتي أكلَها كلّ غَداةٍ وعَشِيَّة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٠٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: "الحين" قد يكون غُدْوَة وَعشيّة.
٢٠٧٠٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: غُدْوةً وعشيّةً.
٢٠٧٠٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، بمثله.
٢٠٧٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق، عن زائدة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي بن الجعد قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بُكْرَة وعشيًا.
٢٠٧٠٨ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بكرة وعشية.
٢٠٧٠٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يذكر الله كلّ ساعة من الليل والنهار.
٢٠٧١٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكها كل حين بإذن رَبها﴾ ، قال: غدوة وعشية.
٢٠٧١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: المؤمن يطيع الله بالليل والنهار وفي كل حينٍ.
٢٠٧١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعَدُ عمله أولَ النهار وآخره.
٢٠٧١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يصعد عمله غُدوة وعشيَّة.
٢٠٧١٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: تخرج ثمرتها كُلَّ حين. وهذا مثلُ المؤمن يعمل كل حين، كل ساعة مِن النهار، وكل ساعة من الليل، وبالشتاء والصيف، بطاعة الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: تؤتي أكلها كل ستة أشهر، من بين صِرَامها إلى حَمْلها. [[" صرام النخل "، بكسر الصاد، هو قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة.]]
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧١٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٦ - حدثني يعقوب، قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب قال، قال عكرمة: سُئلت عن رجل حَلَف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين؟ فقلت: إن من الحين حينًا يُدْرَك، ومن الحين حينًا لا يُدْرَك، فالحين الذي لا يدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، والحين الذي يدرك، ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: وذلك من حين تُصْرَم النخلة إلى حين تُطْلِعُ، [[" أطلع النخل يطلع إطلاعًا "، أخرج طلعه.]] وذلك ستَّة أشهر.
٢٠٧١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحين: ستة أشهر. [[الأثر: ٢٠٧١٧ - " سفيان "، هو " الثوري مضى مرارًا.
و" ابن الأصبهاني "، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني "، روى له الجماعة. روى عن أنس وأبي حازم وعكرمة وغيرهم. مترجم في التهذيب، وانظر رقم ٢٠٧٢٥.]]
٢٠٧١٨ - حدثنا الحسن قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي النخلة، و "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر قال، حدثنا عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هو ما بين حَمْل النخلة إلى أن تُجِدَّ. [[الأثر: ٢٠٧١٩ - " كثير بن هشام الكلابي "، ثقة صدوق، مضى برقم: ١٢٦٤٨. و " جعفر "، هو " جعفر بن برقان الكلابي "، ثقة، مضى برقم: ٤٥٧٧.
وكان في المطبوعة: " إلى أن تحرز "، وفي المخطوطة مثلها غير منقوط، ورجحت أن الصواب " تجد "، من " جد النخل يجده جدًا، وجدادًا "، صرمه. و " أجد النخل "، حان له أن يجد.]]
٢٠٧٢٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان قال، قال عكرمة: الحين ستة أشهر.
٢٠٧٢١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل حَلَف أن لا يكلم أخاه حينًا؟ قال: الحينُ ستة أشهر.ثم ذكر النخلة، ما بينَ حملها إلى صِرَامها سِتَّة أشهر.
٢٠٧٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن طارق، عن سعيد بن جبير: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: ستة أشهر.
٢٠٧٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، والحين: ما بين السبعة والستة، وهي تُؤْكِلُ شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٢٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال الحسن: ما بين الستة الأشهر والسبعة، يعني الحين.
٢٠٧٢٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحينُ ستة أشهر.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" ههنا سنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٢٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي مكين، عن عكرمة: أنه نذر أن يقطعَ يَدَ غُلامه أو يحبسه حينًا. [[في المطبوعة: " إن نذر " خطأ.]] قال: فسألني عمر بن عبد العزيز، قال فقلت: لا تُقْطع يدُه، ويحبسه سنة، والحين سَنَة. ثم قرأ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ، [سورة يوسف: ٣٥] ، وقرأ: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ = حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، وزاد أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: " الحين"، حينان، حين يعرف وحين لا يعرف، فأما الحين الذي لا يُعرف: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، وأما الحين الذي يعرف فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ .
٢٠٧٢٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال: سألت حمادًا والحكم عن رجل حلف ألا يكلم رجلا إلى حين؟ قالا الحينُ: سنة.
٢٠٧٢٨ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثني ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل =، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كل حين﴾ ، قال: كل سنة. [[في المخطوطة هنا ختام، كأنه كان آخر تجزئة سابقة نقلت عنها مخطوطتنا، وهذا نص ما فيها:
" يتلوهُ إن شاءَ الله تعالى حدثني يونس قال،
أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:
(تؤْتي أُكُلها كُلَّ حِين) قال: كُلَّ سنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ".
وبعده في أول الجزء:
" بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسِّر
قال أَبو جعفر، حدثني يونس ... "]]
٢٠٧٢٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: كل سنة.
٢٠٧٣٠ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سلام، عن عطاء بن السائب، عن رجل منهم [[في المطبوعة: " عن رجل مبهم "، لم يعرف معنى المخطوطة، وقوله: " رجل منهم "، أي من ثقيف، رهط عطاء بن السائب.]] أنه سأل ابن عباس، فقال: حلفت ألا أكلم رجلا حِينًا؟ فقرأ ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سنة.
٢٠٧٣١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن غَسِيل، عن عكرمة قال، أرسل إلىّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا، حينًا، فما الحين الذي تعرف به؟ قلت: إنّ من الحين حينًا لا يدرك، ومن الحين حينٌ يُدرك، فأما الحين الذي لا يُدرك فقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١] ، والله ما يدري كم أتَى له إلى أن خُلِق، وأما الذي يُدرك فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، فهو ما بين العام إلى العام المُقْبِل. فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت. [[الأثر: ٢٠٧٣١ - " ابن غسيل "، والأجود أن يقال " ابن الغسيل "، وهو " عبد الرحمن ابن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري "، يعرف بابن الغسيل، وهو جده حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة. مضى برقم: ٥١٢٣، ٧٧٧٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " ابن عسيل "، بالعين المهملة.]]
٢٠٧٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطَاء قال: أتى رجل ابن عباس فقال: إني نذرت أن لا أكلم رجلا حينًا؟ فقال ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سَنَة.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" في هذا الموضع: شهرَان.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٣٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني حلفت أن لا أكلم فلانًا حينًا؟ [فقال: قال الله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها﴾ ] . [[ما بين القوسين في المطبوعة، وساقط من المخطوطة، فلم أحذفها لحسن موقعها.]] قال: هي النخلة، لا يكون منها أُكُلُها إلا شَهْرين، فالحين شهران.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: عنى بالحين، في هذا الموضع، غدوةً وعشيةً، وكلَّ ساعة، [[انظر تفسير " الحين " فيما سلف ١: ٥٤٠/١٢: ٣٥٩/١٦: ٩٢: ٩٤.]] لأن الله تعالى ذكره ضَرَب ما تؤتي هذه الشجرة كلَّ حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامِه مثلا ولا شك أن المؤمن يُرفع لهُ إلى الله في كلّ يوم صالحٌ من العمل والقول، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهر، أو في كل شهرين. فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن المَثَل لا يكون خِلافًا للمُمَثَّل به في المعنى. وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيّنًا صحةُ ما قلنا.
فإن قال قائل: فأيُّ نخلة تؤتي في كل وقت أكلا صيفًا وشتاء؟ قيل: أما في الشتاء، فإن الطَّلْع من أكُلها، وأما في الصيف فالبَلَح والبُسْرُ والرُّطَب والتَّمرُ، وذلك كله من أكلها.
* *
وقوله: ﴿تؤتي أكلها﴾ ، فإنّه كما:-
٢٠٧٣٤ - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يؤكل ثمرها في الشتاء والصيف.
٢٠٧٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي تؤكل شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعد عملُه، يعني عَمل المؤمن مِن أوّل النهار وآخره.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله، فأقرُّوا بوحدانية الله وبرسالة رُسله. وأنّ ما جاءت به من عند الله حق = ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، يقول: وعملوا بطاعة الله. فانتهوا إلى أمر الله ونهيه = ﴿جنَّات تجري من تحتها الأنهار﴾ ، بساتين تجري من تحتها الأنهار = ﴿خالدين فيها﴾ ، يقول ماكثين فيها أبدًا [[قوله: " يقول: ماكثين فيها أبدًا "، ساقط من المطبوعة.]] = ﴿بإذن ربهم﴾ ، يقول: أُدخلوها بأمر الله لهم بالدخول= ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، [[انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة (أمن) ، (صلح) ، (جنن) ، (نهر) ، (خلد) ، (أذن) .
= وانظر تفسير " التحية " فيما سلف ٨: ٥٨٦.]] وذلك إن شاء الله كما:-
٢٠٦٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، قوله: ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، قال: الملائكة يسلِّمون عليهم في الجنة.
* *
وقوله: ﴿ألم تر كيف ضربَ الله مَثلا كلمة طيبه كشجرة طيبة﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ: ألم تر، يا محمد، بعين قلبك، [[انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف: ٥٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فتعلم كيف مثَّل الله مثَلا وشبَّه شبَهًا [[انظر تفسير " ضرب مثلا " فيما سلف ١: ٤٠٣.]] = ﴿كلمة طيبة﴾ ، ويعني بالطيبة: الإيمانَ به جل ثناؤه، [[انظر تفسير " الطيب " فيما سلف ١٣: ١٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] كشجرة طَيّبة الثمرة، وترك ذكر "الثمرة" استغناء بمعرفة السَّامعين عن ذكرها بذكر "الشَّجرة". وقوله: ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ ، يقول عز ذكره: أصلُ هذه الشجرة ثابتٌ في الأرض = "وفرعها"، وهو أعلاها في "السماء"، يقول: مرتفع علُوًّا نحوَ السماء. وقوله: ﴿تؤتي أكُلَهَا كل حين بإذن ربّها﴾ ، يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها كلّ حين بأمرِ ربها [[انظر تفسير " الأكل " فيما سلف: ٤٧٢، تعليق ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير " الإذن " فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]] = ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ ، يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس، ويشبّه لهم الأشباهَ [[انظر تفسير "ضرب مثلا" فيما سلف ١:٤٠٣.]] = ﴿لعلهم يتذكرون﴾ ، يقول: ليتذكروا حُجَّة الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان. [[انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر) .
= وانظر القول في " لعل " في مباحث العربية.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالكلمة الطيبة.
فقال بعضهم: عُني بها إيمانُ المؤمن.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿كلمة طيبة﴾ ، شهادةُ أن لا إله إلا الله = ﴿كشجرة طيبة﴾ ، وهو المؤمن = ﴿أصلها ثابتٌ﴾ ، يقول: لا إله إلا الله، ثابتٌ في قلب المؤمن = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، يقول: يُرْفَع بها عملُ المؤمن إلى السماء.
٢٠٦٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿كلمة طيبة﴾ ، قال: هذا مَثَلُ الإيمان، فالإيمان الشَّجرة الطيبة، وأصله الثابت الذي لا يزول الإخلاصُ لله، وفرعُه في السماء، فَرْعُه خشْية الله.
٢٠٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةً طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة = قال ابن جريج، وقال آخرون: "الكلمة الطيبة"، أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب [[في المطبوعة: " في ذات أصل "، وهو خطأ بلا ريب.]] = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، تَعْرُجُ فلا تُحْجَب حتى تنتهي إلى الله.
* *
وقال آخرون: بل عُنِي بها المؤمن نفسُه.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧١ - حدثني محمد بن سعد قال، ثني أبي قال، ثني عمي قال، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ،، يعني بالشجرة الطيبة المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض، وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمَلُ في الأرض، ويتكلَّم، فيبلغ عمله وقولُه السَّماءَ وهو في الأرض.
٢٠٦٧٢ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرُج منه كلام طيبٌ وعمل صالح يَصْعَد إليه.
٢٠٦٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس قال: "أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الأرْضِ"، وكذلك كان يقرؤها. قال: ذلك المؤمنُ ضُرِبَ مثله. قال: الإخلاصُ لله وحده وعبادته لا شريك له، قال: ﴿أصلها ثابت﴾ ، قال: أصل عمله ثابتٌ في الأرض = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: ذكرُه في السماء.
* *
واختلفوا في هذه "الشجرة" التي جعلت للكلمة الطيبة مثلا.
فقال بعضهم: هي النخلة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك في هذا الحرف: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو قطن قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، مثله.
٢٠٦٧٦ - حدثنا الحسن قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال، سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخل. [[الآثار: ٢٠٦٧٤ - ٢٠٦٧٦ - هذا خبر صحيح الإسناد، من طرقه الثلاث، موقوفًا على أنس. وانظر التعليق على الآثار التالية.]]
٢٠٦٧٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعيب قال، قال خرجت مع أبي العاليةِ نريد أنس بن مالك، قال: فأتيناه، فدعا لنا بقِنْوٍ عليه رُطَبٌ، [[" القنو "، بكسر فسكون، وجمعه " أقناء " و " قنوان " بكسر فسكون، وهو العذق عذق النخلة، بما فيه من الرطب، وهو " الكباسة "، بكسر الكاف.]] فقال: كلوا من هذه الشجرةِ التي قال الله عز وجل: (ضربَ الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابث وفرعها في السماء) ، وقال الحسن في حديثه: " بقِنَاع". [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]]
٢٠٦٧٨ - حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أُتِي بقِناع بُسْر، [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]] فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٩ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ أتِى بقِناع فيه بُسْر، فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: "هي النخلة. قال شعيب، فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كانُوا يقولون.
٢٠٦٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شُعيب بن الحَبْحاب قال: كنا عند أنس، فأُتينا بطَبَق، أو قِنْع، عليه رُطب، فقال: كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشَّجرة التي ذكر الله جلّ وعزّ في كتابه: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلُها ثابت﴾ .
٢٠٦٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن شعيب بن الحبحاب قال، كان أبو العالية يأتيني، فأتاني يومًا في منزلي بعد ما صلَّيت الفجر، فانطلقتُ معه إلى أنس بن مالك، فدخلنا معه إلى أنس بن مالك، فجيءَ بطبق عليه رُطَب فقال أنس لأبي العالية: كل، يا أبا العالية، فإن هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثَابِتٍ أَصْلُهَا﴾ ، قال: هكذا قرأها يومئذ أنس. [[الآثار: ٢٠٦٧٧ - ٢٠٦٨١ - حديث شعيب بن الحبحاب، عن أنس، مروي هنا من خمس طرق: من طريقين مرفوعًا، من رواية حماد بن سلمة، عن شعيب، (٢٠٦٧٨، ٢٠٦٧٩) ، ثم من رواية حماد عن شعيب أيضًا موقوفًا، (٢٠٦٨٠) ، ثم من طريقين موقوفًا، من رواية ابن علية، عن شعيب، ومهدي بن ميمون عن شعيب. (٢٠٦٧٧، ٢٠٦٨١) .
فالمرفوع، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥٢، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، وأخرجه الترمذي في تفسير هذه السورة. مطولا، عن طريق أبي الوليد، عن حماد بن سلمة، عن شعيب، ثم قال: " حدثنا قتيبة، حدثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك نحوه بمعناه، ولم يرفعه، ولم يذكر قول أبي العالية (٢٠٦٧٩) . وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة.. وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة. ورواه معمر، وحماد بن زيد، وغير واحد، ولم يرفعوه. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي. حدثنا حماد بن زيد، وعن شعيب بن الحبحاب. عن أنس بن مالك. نحو حديث عبد الله بن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، ولم يرفعه ".
وخرج المرفوع السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦،، وزاد نسبته إلى النسائي، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وذكره. ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٦١.]]
٢٠٦٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٦٨٢ - " طلق "، هو " طلق بن غنام بن طلق النخعي "، سلف برقم: ٢٠٠٠٠، روى عنه أبو كريب.
و" شريك "، هو " شريك بن عبد الله النخعي " القاضي، روى عنه طلق، مضى مرارًا كثيرة.
وأمام هذا الخبر علامة في المخطوطة هكذا ".. " للدلالة على الشك، وصدق فإنه لم يمض ذكر خبر عبد الله بن مسعود قبل ذلك، فيقول: " مثله.. وقد نقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٥٩، فقال: هكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: " هي النخلة "، وكذلك السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦، فأخشى أن يكون سقط قبل هذا الخبر خبر فيه نص كلام ابن مسعود]]
٢٠٦٨٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن جامع بن أبي راشد، عن مُرَّة بن شراحيل الهمداني، عن مسروق: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخلة.
٢٠٦٨٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن [قال، حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة.
٢٠٦٨٥ - حدثنا الحسن] [[ما بين القوسين، من منتصف الخبر السالف، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوعة.]] قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٨٦ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله.
٢٠٦٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا مُعَلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، لا تزالُ فيها منفعةٌ.
٢٠٦٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: ضرب الله مثل المؤمن كمثل النخلة = ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ .
٢٠٦٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، كنا نُحَدَّث أنها النخلة.
٢٠٦٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: يزعمون أنها النخلة.
٢٠٦٩١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتى أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: النخل. [[في المطبوعة: " النخلة ".]]
٢٠٦٩٣ - حدثنا الحسن [[في المطبوعة: " قال حدثنا الحسن "، زاد ما لا مكان له.]] قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: "الشجرة الطيبة"، النخلة.
وقال آخرون: بل هي شجرة في الجنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٩٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله جلّ وعَزّ: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي شجرة في الجنة. [[الأثر: ٢٠٦٩٥ - " أبو كدينة "، " يحيى بن المهلب البجلي "، ثقة، ربما أخطأ، يعتبر به، سلفت ترجمته: ٤١٩٣، ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" قابوس بن أبي ظبيان الجنبي "، ضعيف، كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل، وأسند الموقوف، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٢، ١٦٦٧٩.
وأبوه " أبو ظبيان "، اسمه " حصين بن جندب الجنبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣، ١٦٦٧٩.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك قولُ من قال: هي "النخلة"، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بما:-
٢٠٦٩٦ - حدثنا به الحسن بن محمد قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يُحدِّث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا قال، كنّا عند النبي ﷺ، فأتي بجُمَّار فقال: من الشَّجر شجرةٌ مَثَلُها مثلُ الرَّجُل المسلم. فأردت أن أقول " هي النخلة"، فإذا أنا أصغرُ القوم، فسكتُّ، [فقال رسول الله ﷺ: هي النخلة] . [[الأثر: ٢٠٦٩٦ - إسناده صحيح، رواه من هذه الطريق أحمد في مسنده رقم: ٤٥٩٩، ورواه أحمد أيضًا من طريق شريك، عن سلمة بن كهيل. عن مجاهد، مطولا ومختصرًا (٥٦٤٧، ٥٩٥٥) ورواه البخاري في صحيحة (الفتح ١: ١٥١) ، ومسلم في صحيحة (١٧: ١٥٢) من ثلاث طر ق: من طريق أيوب، عن أبي الخليل الضبعي، عن مجاهد، ومن طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن نمير، عن أبيه، عن سيف، عن مجاهد.
وكان أمام الخبر في المخطوطة حرف (ط) ، إشارة إلى ما فيه من النقص الذي أثبته عن مسند أحمد، ووضعته بين قوسين.]]
٢٠٦٩٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا سليمان، عن يوسف بن سَرْج، عن رجل، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: هل تدرُون ما الشجرة الطيبة؟ قال ابن عمر: فأردت أنْ أقول "هي النخلة"، فمنعني مكان عُمَر، فقالُوا: الله ورسوله أعلم! فقال رسول الله ﷺ: هي النَّخْلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٧ - " سليمان "، هو " سليمان بن طرخان التيمي "، مضى مرارًا كثيرة. و " يوسف بن سرج "، بالجيم، نص على ذلك عبد الغني، في المؤتلف والمختلف: ٦٩، والذهبي في المشتبه: ٣٥٦، روى حديثًا مرسلا، روى عنه سليمان التيمي، مترجم في الكبير للبخاري ٤/٢/٣٧٣ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٣: وكأنهما أشارا إلى هذا الخبر.
وكان في المطبوعة هنا: " سرح " بالحاء، وكذلك في المخطوطة، وإن كانت تغفل أحيانًا بعض النقط.]]
٢٠٦٩٨ - حدثنا الحسن، فال: حدثنا يحيى بن حماد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: إن شجرةً من الشجر لا تَطرحُ ورقَها مثل المؤمن؟ قال: فوقع الناس في شجر البَدْو، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت، حتى قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٨ - " عبد العزيز "، هو " عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون "، أحد الأعلام، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/١٢، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨٦.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده: ٦٠٥٢، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الله ابن دينار، مطولا، ورواه من طريق مالك " عن عبد الله بن دينار، مطولا: ٥٢٧٤. ورواه البخاري في صحيحة من هذه الطريق (الفتح ١: ٢٠٣) ، ورواه من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار (الفتح ١: ١٣٣، ١٣٤) ، ومن طريق سليمان بن بلال عن عبد الله (الفتح ١: ١٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (١٧: ١٥٣) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله.
وانظر التعليق على الخبر التالي.]]
٢٠٦٩٩ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقها، وهي مثل المؤمن؛ فتحدثوني ما هي؟ فذكر نحوه. [[الأثر: ٢٠٦٩٩ - " عبد العزيز بن مسلم القسملي "، صالح الحديث ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/٢٨، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٩٤، وهذه طريق أخرى للخبر السالف.]]
٢٠٧٠٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي قال، حدثنا يحيى بن سعد قال، حدثنا عبيد الله قال، حدثني نافع، عن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ: أخبروني بشجرة كمثل الرجل المسلم، تُؤتي أكلها كل حين، لا يتحاتُّ ورقها؟ قال: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، فكرهت أن أتكلم وثّمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلموا، قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٧٠٠ - " يحيى بن سعيد بن فروخ "، القطان، الحافظ، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
و" عبيد الله "، هو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب "، مضى مرارًا. وهذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه (الفتح ١: ٢٨٦) مطولا، من طريق عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، ورواه مسلم في صحيحة (١٧: ١٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة.
وسيأتي من طريق أخرى.]]
٢٠٧٠١ - حدثنا الحسن قال، حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ٢٠٧٠١ - " محمد بن الصباح الدولابي "، البزاز، روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٠٥١٤.
و" إسماعيل "، هو " إسماعيل بن زكريا الخلقاني الأسدي "، لقبه " شقوصا "، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٥٥، وابن أبي حاتم ١/١/١٧٠.]]
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "الحين" الذي ذكر الله عز وجل في هذا الموضع فقال: ﴿تؤتي أكلَها كلَّ حِين بإذن ربِّها﴾ .
فقال بعضهم: معناه: تؤتي أكلَها كلّ غَداةٍ وعَشِيَّة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٠٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: "الحين" قد يكون غُدْوَة وَعشيّة.
٢٠٧٠٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: غُدْوةً وعشيّةً.
٢٠٧٠٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، بمثله.
٢٠٧٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق، عن زائدة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي بن الجعد قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بُكْرَة وعشيًا.
٢٠٧٠٨ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بكرة وعشية.
٢٠٧٠٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يذكر الله كلّ ساعة من الليل والنهار.
٢٠٧١٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكها كل حين بإذن رَبها﴾ ، قال: غدوة وعشية.
٢٠٧١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: المؤمن يطيع الله بالليل والنهار وفي كل حينٍ.
٢٠٧١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعَدُ عمله أولَ النهار وآخره.
٢٠٧١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يصعد عمله غُدوة وعشيَّة.
٢٠٧١٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: تخرج ثمرتها كُلَّ حين. وهذا مثلُ المؤمن يعمل كل حين، كل ساعة مِن النهار، وكل ساعة من الليل، وبالشتاء والصيف، بطاعة الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: تؤتي أكلها كل ستة أشهر، من بين صِرَامها إلى حَمْلها. [[" صرام النخل "، بكسر الصاد، هو قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة.]]
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧١٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٦ - حدثني يعقوب، قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب قال، قال عكرمة: سُئلت عن رجل حَلَف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين؟ فقلت: إن من الحين حينًا يُدْرَك، ومن الحين حينًا لا يُدْرَك، فالحين الذي لا يدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، والحين الذي يدرك، ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: وذلك من حين تُصْرَم النخلة إلى حين تُطْلِعُ، [[" أطلع النخل يطلع إطلاعًا "، أخرج طلعه.]] وذلك ستَّة أشهر.
٢٠٧١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحين: ستة أشهر. [[الأثر: ٢٠٧١٧ - " سفيان "، هو " الثوري مضى مرارًا.
و" ابن الأصبهاني "، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني "، روى له الجماعة. روى عن أنس وأبي حازم وعكرمة وغيرهم. مترجم في التهذيب، وانظر رقم ٢٠٧٢٥.]]
٢٠٧١٨ - حدثنا الحسن قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي النخلة، و "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر قال، حدثنا عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هو ما بين حَمْل النخلة إلى أن تُجِدَّ. [[الأثر: ٢٠٧١٩ - " كثير بن هشام الكلابي "، ثقة صدوق، مضى برقم: ١٢٦٤٨. و " جعفر "، هو " جعفر بن برقان الكلابي "، ثقة، مضى برقم: ٤٥٧٧.
وكان في المطبوعة: " إلى أن تحرز "، وفي المخطوطة مثلها غير منقوط، ورجحت أن الصواب " تجد "، من " جد النخل يجده جدًا، وجدادًا "، صرمه. و " أجد النخل "، حان له أن يجد.]]
٢٠٧٢٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان قال، قال عكرمة: الحين ستة أشهر.
٢٠٧٢١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل حَلَف أن لا يكلم أخاه حينًا؟ قال: الحينُ ستة أشهر.ثم ذكر النخلة، ما بينَ حملها إلى صِرَامها سِتَّة أشهر.
٢٠٧٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن طارق، عن سعيد بن جبير: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: ستة أشهر.
٢٠٧٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، والحين: ما بين السبعة والستة، وهي تُؤْكِلُ شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٢٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال الحسن: ما بين الستة الأشهر والسبعة، يعني الحين.
٢٠٧٢٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحينُ ستة أشهر.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" ههنا سنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٢٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي مكين، عن عكرمة: أنه نذر أن يقطعَ يَدَ غُلامه أو يحبسه حينًا. [[في المطبوعة: " إن نذر " خطأ.]] قال: فسألني عمر بن عبد العزيز، قال فقلت: لا تُقْطع يدُه، ويحبسه سنة، والحين سَنَة. ثم قرأ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ، [سورة يوسف: ٣٥] ، وقرأ: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ = حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، وزاد أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: " الحين"، حينان، حين يعرف وحين لا يعرف، فأما الحين الذي لا يُعرف: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، وأما الحين الذي يعرف فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ .
٢٠٧٢٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال: سألت حمادًا والحكم عن رجل حلف ألا يكلم رجلا إلى حين؟ قالا الحينُ: سنة.
٢٠٧٢٨ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثني ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل =، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كل حين﴾ ، قال: كل سنة. [[في المخطوطة هنا ختام، كأنه كان آخر تجزئة سابقة نقلت عنها مخطوطتنا، وهذا نص ما فيها:
" يتلوهُ إن شاءَ الله تعالى حدثني يونس قال،
أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:
(تؤْتي أُكُلها كُلَّ حِين) قال: كُلَّ سنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ".
وبعده في أول الجزء:
" بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسِّر
قال أَبو جعفر، حدثني يونس ... "]]
٢٠٧٢٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: كل سنة.
٢٠٧٣٠ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سلام، عن عطاء بن السائب، عن رجل منهم [[في المطبوعة: " عن رجل مبهم "، لم يعرف معنى المخطوطة، وقوله: " رجل منهم "، أي من ثقيف، رهط عطاء بن السائب.]] أنه سأل ابن عباس، فقال: حلفت ألا أكلم رجلا حِينًا؟ فقرأ ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سنة.
٢٠٧٣١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن غَسِيل، عن عكرمة قال، أرسل إلىّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا، حينًا، فما الحين الذي تعرف به؟ قلت: إنّ من الحين حينًا لا يدرك، ومن الحين حينٌ يُدرك، فأما الحين الذي لا يُدرك فقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١] ، والله ما يدري كم أتَى له إلى أن خُلِق، وأما الذي يُدرك فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، فهو ما بين العام إلى العام المُقْبِل. فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت. [[الأثر: ٢٠٧٣١ - " ابن غسيل "، والأجود أن يقال " ابن الغسيل "، وهو " عبد الرحمن ابن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري "، يعرف بابن الغسيل، وهو جده حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة. مضى برقم: ٥١٢٣، ٧٧٧٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " ابن عسيل "، بالعين المهملة.]]
٢٠٧٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطَاء قال: أتى رجل ابن عباس فقال: إني نذرت أن لا أكلم رجلا حينًا؟ فقال ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سَنَة.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" في هذا الموضع: شهرَان.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٣٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني حلفت أن لا أكلم فلانًا حينًا؟ [فقال: قال الله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها﴾ ] . [[ما بين القوسين في المطبوعة، وساقط من المخطوطة، فلم أحذفها لحسن موقعها.]] قال: هي النخلة، لا يكون منها أُكُلُها إلا شَهْرين، فالحين شهران.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: عنى بالحين، في هذا الموضع، غدوةً وعشيةً، وكلَّ ساعة، [[انظر تفسير " الحين " فيما سلف ١: ٥٤٠/١٢: ٣٥٩/١٦: ٩٢: ٩٤.]] لأن الله تعالى ذكره ضَرَب ما تؤتي هذه الشجرة كلَّ حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامِه مثلا ولا شك أن المؤمن يُرفع لهُ إلى الله في كلّ يوم صالحٌ من العمل والقول، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهر، أو في كل شهرين. فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن المَثَل لا يكون خِلافًا للمُمَثَّل به في المعنى. وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيّنًا صحةُ ما قلنا.
فإن قال قائل: فأيُّ نخلة تؤتي في كل وقت أكلا صيفًا وشتاء؟ قيل: أما في الشتاء، فإن الطَّلْع من أكُلها، وأما في الصيف فالبَلَح والبُسْرُ والرُّطَب والتَّمرُ، وذلك كله من أكلها.
* *
وقوله: ﴿تؤتي أكلها﴾ ، فإنّه كما:-
٢٠٧٣٤ - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يؤكل ثمرها في الشتاء والصيف.
٢٠٧٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي تؤكل شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعد عملُه، يعني عَمل المؤمن مِن أوّل النهار وآخره.
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله، فأقرُّوا بوحدانية الله وبرسالة رُسله. وأنّ ما جاءت به من عند الله حق = ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، يقول: وعملوا بطاعة الله. فانتهوا إلى أمر الله ونهيه = ﴿جنَّات تجري من تحتها الأنهار﴾ ، بساتين تجري من تحتها الأنهار = ﴿خالدين فيها﴾ ، يقول ماكثين فيها أبدًا [[قوله: " يقول: ماكثين فيها أبدًا "، ساقط من المطبوعة.]] = ﴿بإذن ربهم﴾ ، يقول: أُدخلوها بأمر الله لهم بالدخول= ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، [[انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة (أمن) ، (صلح) ، (جنن) ، (نهر) ، (خلد) ، (أذن) .
= وانظر تفسير " التحية " فيما سلف ٨: ٥٨٦.]] وذلك إن شاء الله كما:-
٢٠٦٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، قوله: ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾ ، قال: الملائكة يسلِّمون عليهم في الجنة.
* *
وقوله: ﴿ألم تر كيف ضربَ الله مَثلا كلمة طيبه كشجرة طيبة﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ: ألم تر، يا محمد، بعين قلبك، [[انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف: ٥٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فتعلم كيف مثَّل الله مثَلا وشبَّه شبَهًا [[انظر تفسير " ضرب مثلا " فيما سلف ١: ٤٠٣.]] = ﴿كلمة طيبة﴾ ، ويعني بالطيبة: الإيمانَ به جل ثناؤه، [[انظر تفسير " الطيب " فيما سلف ١٣: ١٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] كشجرة طَيّبة الثمرة، وترك ذكر "الثمرة" استغناء بمعرفة السَّامعين عن ذكرها بذكر "الشَّجرة". وقوله: ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ ، يقول عز ذكره: أصلُ هذه الشجرة ثابتٌ في الأرض = "وفرعها"، وهو أعلاها في "السماء"، يقول: مرتفع علُوًّا نحوَ السماء. وقوله: ﴿تؤتي أكُلَهَا كل حين بإذن ربّها﴾ ، يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها كلّ حين بأمرِ ربها [[انظر تفسير " الأكل " فيما سلف: ٤٧٢، تعليق ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير " الإذن " فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]] = ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ ، يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس، ويشبّه لهم الأشباهَ [[انظر تفسير "ضرب مثلا" فيما سلف ١:٤٠٣.]] = ﴿لعلهم يتذكرون﴾ ، يقول: ليتذكروا حُجَّة الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان. [[انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر) .
= وانظر القول في " لعل " في مباحث العربية.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالكلمة الطيبة.
فقال بعضهم: عُني بها إيمانُ المؤمن.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿كلمة طيبة﴾ ، شهادةُ أن لا إله إلا الله = ﴿كشجرة طيبة﴾ ، وهو المؤمن = ﴿أصلها ثابتٌ﴾ ، يقول: لا إله إلا الله، ثابتٌ في قلب المؤمن = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، يقول: يُرْفَع بها عملُ المؤمن إلى السماء.
٢٠٦٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿كلمة طيبة﴾ ، قال: هذا مَثَلُ الإيمان، فالإيمان الشَّجرة الطيبة، وأصله الثابت الذي لا يزول الإخلاصُ لله، وفرعُه في السماء، فَرْعُه خشْية الله.
٢٠٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةً طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة = قال ابن جريج، وقال آخرون: "الكلمة الطيبة"، أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب [[في المطبوعة: " في ذات أصل "، وهو خطأ بلا ريب.]] = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، تَعْرُجُ فلا تُحْجَب حتى تنتهي إلى الله.
* *
وقال آخرون: بل عُنِي بها المؤمن نفسُه.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧١ - حدثني محمد بن سعد قال، ثني أبي قال، ثني عمي قال، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ،، يعني بالشجرة الطيبة المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض، وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمَلُ في الأرض، ويتكلَّم، فيبلغ عمله وقولُه السَّماءَ وهو في الأرض.
٢٠٦٧٢ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرُج منه كلام طيبٌ وعمل صالح يَصْعَد إليه.
٢٠٦٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس قال: "أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الأرْضِ"، وكذلك كان يقرؤها. قال: ذلك المؤمنُ ضُرِبَ مثله. قال: الإخلاصُ لله وحده وعبادته لا شريك له، قال: ﴿أصلها ثابت﴾ ، قال: أصل عمله ثابتٌ في الأرض = ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: ذكرُه في السماء.
* *
واختلفوا في هذه "الشجرة" التي جعلت للكلمة الطيبة مثلا.
فقال بعضهم: هي النخلة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٧٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك في هذا الحرف: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو قطن قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، مثله.
٢٠٦٧٦ - حدثنا الحسن قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال، سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخل. [[الآثار: ٢٠٦٧٤ - ٢٠٦٧٦ - هذا خبر صحيح الإسناد، من طرقه الثلاث، موقوفًا على أنس. وانظر التعليق على الآثار التالية.]]
٢٠٦٧٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعيب قال، قال خرجت مع أبي العاليةِ نريد أنس بن مالك، قال: فأتيناه، فدعا لنا بقِنْوٍ عليه رُطَبٌ، [[" القنو "، بكسر فسكون، وجمعه " أقناء " و " قنوان " بكسر فسكون، وهو العذق عذق النخلة، بما فيه من الرطب، وهو " الكباسة "، بكسر الكاف.]] فقال: كلوا من هذه الشجرةِ التي قال الله عز وجل: (ضربَ الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابث وفرعها في السماء) ، وقال الحسن في حديثه: " بقِنَاع". [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]]
٢٠٦٧٨ - حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أُتِي بقِناع بُسْر، [[" القناع "، بكسر القاف، و " القنع "، بكسر فسكون، هو الطبق الذي يؤكل عليه الطعام، أو الذي تؤكل فيه الفاكهة، ويقال هو للرطب خاصة. و " البسر ". بضم فسكون، التمر قبل أن يرطب، وهو ما لم يلون ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب، فهو رطب.]] فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة.
٢٠٦٧٩ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ أتِى بقِناع فيه بُسْر، فقال: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: "هي النخلة. قال شعيب، فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كانُوا يقولون.
٢٠٦٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شُعيب بن الحَبْحاب قال: كنا عند أنس، فأُتينا بطَبَق، أو قِنْع، عليه رُطب، فقال: كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشَّجرة التي ذكر الله جلّ وعزّ في كتابه: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلُها ثابت﴾ .
٢٠٦٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن شعيب بن الحبحاب قال، كان أبو العالية يأتيني، فأتاني يومًا في منزلي بعد ما صلَّيت الفجر، فانطلقتُ معه إلى أنس بن مالك، فدخلنا معه إلى أنس بن مالك، فجيءَ بطبق عليه رُطَب فقال أنس لأبي العالية: كل، يا أبا العالية، فإن هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثَابِتٍ أَصْلُهَا﴾ ، قال: هكذا قرأها يومئذ أنس. [[الآثار: ٢٠٦٧٧ - ٢٠٦٨١ - حديث شعيب بن الحبحاب، عن أنس، مروي هنا من خمس طرق: من طريقين مرفوعًا، من رواية حماد بن سلمة، عن شعيب، (٢٠٦٧٨، ٢٠٦٧٩) ، ثم من رواية حماد عن شعيب أيضًا موقوفًا، (٢٠٦٨٠) ، ثم من طريقين موقوفًا، من رواية ابن علية، عن شعيب، ومهدي بن ميمون عن شعيب. (٢٠٦٧٧، ٢٠٦٨١) .
فالمرفوع، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥٢، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، وأخرجه الترمذي في تفسير هذه السورة. مطولا، عن طريق أبي الوليد، عن حماد بن سلمة، عن شعيب، ثم قال: " حدثنا قتيبة، حدثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك نحوه بمعناه، ولم يرفعه، ولم يذكر قول أبي العالية (٢٠٦٧٩) . وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة.. وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة. ورواه معمر، وحماد بن زيد، وغير واحد، ولم يرفعوه. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي. حدثنا حماد بن زيد، وعن شعيب بن الحبحاب. عن أنس بن مالك. نحو حديث عبد الله بن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، ولم يرفعه ".
وخرج المرفوع السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦،، وزاد نسبته إلى النسائي، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وذكره. ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٦١.]]
٢٠٦٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٦٨٢ - " طلق "، هو " طلق بن غنام بن طلق النخعي "، سلف برقم: ٢٠٠٠٠، روى عنه أبو كريب.
و" شريك "، هو " شريك بن عبد الله النخعي " القاضي، روى عنه طلق، مضى مرارًا كثيرة.
وأمام هذا الخبر علامة في المخطوطة هكذا ".. " للدلالة على الشك، وصدق فإنه لم يمض ذكر خبر عبد الله بن مسعود قبل ذلك، فيقول: " مثله.. وقد نقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٥٩، فقال: هكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: " هي النخلة "، وكذلك السيوطي في الدر المنثور ٤: ٧٦، فأخشى أن يكون سقط قبل هذا الخبر خبر فيه نص كلام ابن مسعود]]
٢٠٦٨٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن جامع بن أبي راشد، عن مُرَّة بن شراحيل الهمداني، عن مسروق: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: النخلة.
٢٠٦٨٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن [قال، حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: كنخلة.
٢٠٦٨٥ - حدثنا الحسن] [[ما بين القوسين، من منتصف الخبر السالف، إلى هذا الموضع، ساقط من المطبوعة.]] قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٨٦ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، مثله.
٢٠٦٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا مُعَلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، لا تزالُ فيها منفعةٌ.
٢٠٦٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: ضرب الله مثل المؤمن كمثل النخلة = ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ .
٢٠٦٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ ، كنا نُحَدَّث أنها النخلة.
٢٠٦٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كشجرة طيبة﴾ ، قال: يزعمون أنها النخلة.
٢٠٦٩١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتى أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وفرعها في السماء﴾ ، قال: النخل. [[في المطبوعة: " النخلة ".]]
٢٠٦٩٣ - حدثنا الحسن [[في المطبوعة: " قال حدثنا الحسن "، زاد ما لا مكان له.]] قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي النخلة.
٢٠٦٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: "الشجرة الطيبة"، النخلة.
وقال آخرون: بل هي شجرة في الجنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٩٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله جلّ وعَزّ: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي شجرة في الجنة. [[الأثر: ٢٠٦٩٥ - " أبو كدينة "، " يحيى بن المهلب البجلي "، ثقة، ربما أخطأ، يعتبر به، سلفت ترجمته: ٤١٩٣، ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" قابوس بن أبي ظبيان الجنبي "، ضعيف، كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل، وأسند الموقوف، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٢، ١٦٦٧٩.
وأبوه " أبو ظبيان "، اسمه " حصين بن جندب الجنبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣، ١٦٦٧٩.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك قولُ من قال: هي "النخلة"، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بما:-
٢٠٦٩٦ - حدثنا به الحسن بن محمد قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، صحبتُ ابنَ عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يُحدِّث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا قال، كنّا عند النبي ﷺ، فأتي بجُمَّار فقال: من الشَّجر شجرةٌ مَثَلُها مثلُ الرَّجُل المسلم. فأردت أن أقول " هي النخلة"، فإذا أنا أصغرُ القوم، فسكتُّ، [فقال رسول الله ﷺ: هي النخلة] . [[الأثر: ٢٠٦٩٦ - إسناده صحيح، رواه من هذه الطريق أحمد في مسنده رقم: ٤٥٩٩، ورواه أحمد أيضًا من طريق شريك، عن سلمة بن كهيل. عن مجاهد، مطولا ومختصرًا (٥٦٤٧، ٥٩٥٥) ورواه البخاري في صحيحة (الفتح ١: ١٥١) ، ومسلم في صحيحة (١٧: ١٥٢) من ثلاث طر ق: من طريق أيوب، عن أبي الخليل الضبعي، عن مجاهد، ومن طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن نمير، عن أبيه، عن سيف، عن مجاهد.
وكان أمام الخبر في المخطوطة حرف (ط) ، إشارة إلى ما فيه من النقص الذي أثبته عن مسند أحمد، ووضعته بين قوسين.]]
٢٠٦٩٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا سليمان، عن يوسف بن سَرْج، عن رجل، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: هل تدرُون ما الشجرة الطيبة؟ قال ابن عمر: فأردت أنْ أقول "هي النخلة"، فمنعني مكان عُمَر، فقالُوا: الله ورسوله أعلم! فقال رسول الله ﷺ: هي النَّخْلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٧ - " سليمان "، هو " سليمان بن طرخان التيمي "، مضى مرارًا كثيرة. و " يوسف بن سرج "، بالجيم، نص على ذلك عبد الغني، في المؤتلف والمختلف: ٦٩، والذهبي في المشتبه: ٣٥٦، روى حديثًا مرسلا، روى عنه سليمان التيمي، مترجم في الكبير للبخاري ٤/٢/٣٧٣ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٣: وكأنهما أشارا إلى هذا الخبر.
وكان في المطبوعة هنا: " سرح " بالحاء، وكذلك في المخطوطة، وإن كانت تغفل أحيانًا بعض النقط.]]
٢٠٦٩٨ - حدثنا الحسن، فال: حدثنا يحيى بن حماد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: إن شجرةً من الشجر لا تَطرحُ ورقَها مثل المؤمن؟ قال: فوقع الناس في شجر البَدْو، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت، حتى قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٦٩٨ - " عبد العزيز "، هو " عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون "، أحد الأعلام، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/١٢، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨٦.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده: ٦٠٥٢، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الله ابن دينار، مطولا، ورواه من طريق مالك " عن عبد الله بن دينار، مطولا: ٥٢٧٤. ورواه البخاري في صحيحة من هذه الطريق (الفتح ١: ٢٠٣) ، ورواه من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار (الفتح ١: ١٣٣، ١٣٤) ، ومن طريق سليمان بن بلال عن عبد الله (الفتح ١: ١٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (١٧: ١٥٣) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله.
وانظر التعليق على الخبر التالي.]]
٢٠٦٩٩ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقها، وهي مثل المؤمن؛ فتحدثوني ما هي؟ فذكر نحوه. [[الأثر: ٢٠٦٩٩ - " عبد العزيز بن مسلم القسملي "، صالح الحديث ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/٢٨، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٩٤، وهذه طريق أخرى للخبر السالف.]]
٢٠٧٠٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي قال، حدثنا يحيى بن سعد قال، حدثنا عبيد الله قال، حدثني نافع، عن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ: أخبروني بشجرة كمثل الرجل المسلم، تُؤتي أكلها كل حين، لا يتحاتُّ ورقها؟ قال: فوقع في نفسي أنها النَّخلة، فكرهت أن أتكلم وثّمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلموا، قال رسول الله ﷺ: هي النخلة. [[الأثر: ٢٠٧٠٠ - " يحيى بن سعيد بن فروخ "، القطان، الحافظ، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
و" عبيد الله "، هو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب "، مضى مرارًا. وهذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه (الفتح ١: ٢٨٦) مطولا، من طريق عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، ورواه مسلم في صحيحة (١٧: ١٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة.
وسيأتي من طريق أخرى.]]
٢٠٧٠١ - حدثنا الحسن قال، حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا إسماعيل، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ٢٠٧٠١ - " محمد بن الصباح الدولابي "، البزاز، روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٠٥١٤.
و" إسماعيل "، هو " إسماعيل بن زكريا الخلقاني الأسدي "، لقبه " شقوصا "، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٥٥، وابن أبي حاتم ١/١/١٧٠.]]
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "الحين" الذي ذكر الله عز وجل في هذا الموضع فقال: ﴿تؤتي أكلَها كلَّ حِين بإذن ربِّها﴾ .
فقال بعضهم: معناه: تؤتي أكلَها كلّ غَداةٍ وعَشِيَّة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٠٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: "الحين" قد يكون غُدْوَة وَعشيّة.
٢٠٧٠٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: غُدْوةً وعشيّةً.
٢٠٧٠٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، بمثله.
٢٠٧٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق، عن زائدة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، مثله.
٢٠٧٠٧ - حدثنا الحسن قال، حدثنا علي بن الجعد قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بُكْرَة وعشيًا.
٢٠٧٠٨ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: بكرة وعشية.
٢٠٧٠٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يذكر الله كلّ ساعة من الليل والنهار.
٢٠٧١٠ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تؤتي أكها كل حين بإذن رَبها﴾ ، قال: غدوة وعشية.
٢٠٧١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: المؤمن يطيع الله بالليل والنهار وفي كل حينٍ.
٢٠٧١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعَدُ عمله أولَ النهار وآخره.
٢٠٧١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يصعد عمله غُدوة وعشيَّة.
٢٠٧١٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: تخرج ثمرتها كُلَّ حين. وهذا مثلُ المؤمن يعمل كل حين، كل ساعة مِن النهار، وكل ساعة من الليل، وبالشتاء والصيف، بطاعة الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: تؤتي أكلها كل ستة أشهر، من بين صِرَامها إلى حَمْلها. [[" صرام النخل "، بكسر الصاد، هو قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة.]]
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧١٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٦ - حدثني يعقوب، قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب قال، قال عكرمة: سُئلت عن رجل حَلَف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين؟ فقلت: إن من الحين حينًا يُدْرَك، ومن الحين حينًا لا يُدْرَك، فالحين الذي لا يدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، والحين الذي يدرك، ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: وذلك من حين تُصْرَم النخلة إلى حين تُطْلِعُ، [[" أطلع النخل يطلع إطلاعًا "، أخرج طلعه.]] وذلك ستَّة أشهر.
٢٠٧١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحين: ستة أشهر. [[الأثر: ٢٠٧١٧ - " سفيان "، هو " الثوري مضى مرارًا.
و" ابن الأصبهاني "، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني "، روى له الجماعة. روى عن أنس وأبي حازم وعكرمة وغيرهم. مترجم في التهذيب، وانظر رقم ٢٠٧٢٥.]]
٢٠٧١٨ - حدثنا الحسن قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن عكرمة، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هي النخلة، و "الحين"، ستة أشهر.
٢٠٧١٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر قال، حدثنا عكرمة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: هو ما بين حَمْل النخلة إلى أن تُجِدَّ. [[الأثر: ٢٠٧١٩ - " كثير بن هشام الكلابي "، ثقة صدوق، مضى برقم: ١٢٦٤٨. و " جعفر "، هو " جعفر بن برقان الكلابي "، ثقة، مضى برقم: ٤٥٧٧.
وكان في المطبوعة: " إلى أن تحرز "، وفي المخطوطة مثلها غير منقوط، ورجحت أن الصواب " تجد "، من " جد النخل يجده جدًا، وجدادًا "، صرمه. و " أجد النخل "، حان له أن يجد.]]
٢٠٧٢٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان قال، قال عكرمة: الحين ستة أشهر.
٢٠٧٢١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل حَلَف أن لا يكلم أخاه حينًا؟ قال: الحينُ ستة أشهر.ثم ذكر النخلة، ما بينَ حملها إلى صِرَامها سِتَّة أشهر.
٢٠٧٢٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن طارق، عن سعيد بن جبير: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: ستة أشهر.
٢٠٧٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، والحين: ما بين السبعة والستة، وهي تُؤْكِلُ شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٢٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال الحسن: ما بين الستة الأشهر والسبعة، يعني الحين.
٢٠٧٢٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة قال: الحينُ ستة أشهر.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" ههنا سنة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٢٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي مكين، عن عكرمة: أنه نذر أن يقطعَ يَدَ غُلامه أو يحبسه حينًا. [[في المطبوعة: " إن نذر " خطأ.]] قال: فسألني عمر بن عبد العزيز، قال فقلت: لا تُقْطع يدُه، ويحبسه سنة، والحين سَنَة. ثم قرأ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ، [سورة يوسف: ٣٥] ، وقرأ: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ = حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، وزاد أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: " الحين"، حينان، حين يعرف وحين لا يعرف، فأما الحين الذي لا يُعرف: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص: ٨٨] ، وأما الحين الذي يعرف فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ .
٢٠٧٢٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال: سألت حمادًا والحكم عن رجل حلف ألا يكلم رجلا إلى حين؟ قالا الحينُ: سنة.
٢٠٧٢٨ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = ح وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا ورقاء = ح وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثني ورقاء = ح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل =، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كل حين﴾ ، قال: كل سنة. [[في المخطوطة هنا ختام، كأنه كان آخر تجزئة سابقة نقلت عنها مخطوطتنا، وهذا نص ما فيها:
" يتلوهُ إن شاءَ الله تعالى حدثني يونس قال،
أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:
(تؤْتي أُكُلها كُلَّ حِين) قال: كُلَّ سنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ".
وبعده في أول الجزء:
" بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسِّر
قال أَبو جعفر، حدثني يونس ... "]]
٢٠٧٢٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: كل سنة.
٢٠٧٣٠ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سلام، عن عطاء بن السائب، عن رجل منهم [[في المطبوعة: " عن رجل مبهم "، لم يعرف معنى المخطوطة، وقوله: " رجل منهم "، أي من ثقيف، رهط عطاء بن السائب.]] أنه سأل ابن عباس، فقال: حلفت ألا أكلم رجلا حِينًا؟ فقرأ ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سنة.
٢٠٧٣١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن غَسِيل، عن عكرمة قال، أرسل إلىّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا، حينًا، فما الحين الذي تعرف به؟ قلت: إنّ من الحين حينًا لا يدرك، ومن الحين حينٌ يُدرك، فأما الحين الذي لا يُدرك فقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١] ، والله ما يدري كم أتَى له إلى أن خُلِق، وأما الذي يُدرك فقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، فهو ما بين العام إلى العام المُقْبِل. فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت. [[الأثر: ٢٠٧٣١ - " ابن غسيل "، والأجود أن يقال " ابن الغسيل "، وهو " عبد الرحمن ابن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري "، يعرف بابن الغسيل، وهو جده حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة. مضى برقم: ٥١٢٣، ٧٧٧٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " ابن عسيل "، بالعين المهملة.]]
٢٠٧٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطَاء قال: أتى رجل ابن عباس فقال: إني نذرت أن لا أكلم رجلا حينًا؟ فقال ابن عباس: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، فالحين سَنَة.
* *
وقال آخرون: بل "الحين" في هذا الموضع: شهرَان.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٣٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني حلفت أن لا أكلم فلانًا حينًا؟ [فقال: قال الله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها﴾ ] . [[ما بين القوسين في المطبوعة، وساقط من المخطوطة، فلم أحذفها لحسن موقعها.]] قال: هي النخلة، لا يكون منها أُكُلُها إلا شَهْرين، فالحين شهران.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: عنى بالحين، في هذا الموضع، غدوةً وعشيةً، وكلَّ ساعة، [[انظر تفسير " الحين " فيما سلف ١: ٥٤٠/١٢: ٣٥٩/١٦: ٩٢: ٩٤.]] لأن الله تعالى ذكره ضَرَب ما تؤتي هذه الشجرة كلَّ حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامِه مثلا ولا شك أن المؤمن يُرفع لهُ إلى الله في كلّ يوم صالحٌ من العمل والقول، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهر، أو في كل شهرين. فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن المَثَل لا يكون خِلافًا للمُمَثَّل به في المعنى. وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيّنًا صحةُ ما قلنا.
فإن قال قائل: فأيُّ نخلة تؤتي في كل وقت أكلا صيفًا وشتاء؟ قيل: أما في الشتاء، فإن الطَّلْع من أكُلها، وأما في الصيف فالبَلَح والبُسْرُ والرُّطَب والتَّمرُ، وذلك كله من أكلها.
* *
وقوله: ﴿تؤتي أكلها﴾ ، فإنّه كما:-
٢٠٧٣٤ - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، قال: يؤكل ثمرها في الشتاء والصيف.
٢٠٧٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ ، قال: هي تؤكل شتاءً وصيفًا.
٢٠٧٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ ، يصعد عملُه، يعني عَمل المؤمن مِن أوّل النهار وآخره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومثل الشِّركَ بالله، وهي "الكلمة الخبيثة"، [[انظر تفسير " الخبيث " فيما سلف ١٣: ١٦٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = كشجرة خبيثة.
* *
اختلف أهل التأويل فيها أيّ شجرة هي؟
فقال أكثرهم: هي الحنظل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٣٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك، قال في هذا الحرف: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، قال: الشَّرْيان؟ فقلت: ما الشَّرْيان؟ قال رجل عنده: الحنظلُ، فأقرَّ به معاوية. [[الأثر: ٢٠٧٣٧ - انظر الأثر السالف: ٢٠٦٧٤، فهو من تمامه.]]
٢٠٧٣٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، أخبرنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، قال: الحنظل. [[الأثر: ٢٠٧٣٨ - انظر الأثر السالف: ٢٠٦٧٦ فهو من تمامه.]]
٢٠٧٣٩ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عمرو بن الهيثم قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك قال: الشَّرْيَان، يعني الحنظل.
٢٠٧٤٠ - حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا نعيم بن حماد قال، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن الأعمش، عن حبان بن شعبة، عن أنس بن مالك في قوله: ﴿كشجرة خبيثة﴾ ، قال: الشَّرْيان. قلت لأنس: ما الشَّريان؟ قال: الحنظل. [[الأثر: ٢٠٧٤٠ - " حبان بن شعبة " بالباء الموحدة، هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة، وهي غير منقوطة. وفي الدر المنثور ٤: ٧٧ " حيان " بالياء المثناة، ولم أجد هذا الاسم في مكان، بعد طول البحث، وأقرب ما وجدت أن يكون هو " حيان، أبو سعيد التيمي "، روى عنه الأعمش. ولكني لم أجده ذكر أنه روى عن أنس بن مالك. مترجم في الكبير ٢/١/٥٥، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٤٧. وأزيد أني في شك من رواية " ابن جريج "، عن " الأعمش ".]]
٢٠٧٤١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعيب قال: خرجت مع أبي العالية نريد أنس بن مالك، فأتيناه، فقال: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، تلكم الحنظل. [[الأثر: ٢٠٧٤١ - هو من تتمة الأثر السالف: ٢٠٦٧٧.]]
٢٠٧٤٢ - حدثنا الحسن قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس، مثله.
٢٠٧٤٣ - حدثنا المثنى قال: حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس، عن أنس بن مالك قال: "الشجرة الخبيثة"، الشَّرْيَان. فقلت: ومَا الشَّرْيَان؟ قال: الحنظل.
٢٠٧٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن شعيب، عن أنس قال، تلكم الحنظل. [[الأثر: ٢٠٧٤٤ - هو من تتمة الأثر السالف: ٢٠٦٨٠.]]
٢٠٧٤٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن شعيب قال، قال أنس: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، الآية قال، تلكم الحنظل، ألم تِرْوا إلى الرّياح كيف تُصَفّقُها يمينًا وشمالا؟ [[الأثر: ٢٠٧٤٥ - هو من تتمة الأثر السالف: ٢٠٦٨١.
ويقال: " صفقت الريح الشيء "، إذا قلبته يمينًا وشمالا، فاضطرب وتردد.]]
٢٠٧٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كشجرة خبيثة﴾ ، الحنظلة.
* *
وقال آخرون: هذه الشجرة لم تُخْلَق على الأرض.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٤٧ - حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال، حدثنا عفان قال، حدثنا أبو كدينة قال، حدثنا قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، قال: هذا مثل ضربه الله، ولم تخلق هذه الشجرةُ على وجه الأرض. [[الأثر: ٢٠٧٤٧ - هو من تمام الأثر السالف: ٢٠٦٩٥.]]
* *
وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح قول من قال: هي الحنظلة، خبَرٌ. فإن صحَّ، فلا قولَ يجوز أن يقال غيرُه، وإلا فإنها شجرة بالصِّفة التي وصفها الله بها.
* *
ذكر الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ:
٢٠٧٤٨ - حدثنا سَوَّار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ومثل كَلِمة خبيثةٍ كشجرة خبيثة اجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قَرار﴾ ، قال: هي الحنظلة = قال شعيب: وأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كانوا يقولون. [[الأثر: ٢٠٧٤٨ - سلف قول الترمذي أن هذا الخبر لم يرفعه غير حماد بن سلمة، وأن الموقوف أصح. انظر ما سلف في التعليق على الآثار: ٢٠٦٧٧ - ٢٠٦٨١. وهذا الأثر من تمام الأثر السالف: ٢٠٦٧٩.]]
* *
وقوله: ﴿اجْتُثَّت من فوق الأرض﴾ ، يقول: استُؤْصِلت. يقال منه: اجتثَثْتُ الشيء، أجْتَثُّه اجتثاثًا: إذا استأصلتَه.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٤٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿اجتثت من فوق الأرض﴾ ، قال: استؤصلت من فوق الأرض.
* *
= ﴿ما لها من قرار﴾ ، يقول: ما لهذه الشجرة من قَرار ولا أصل في الأرض تثْبُت عليه وتقوم. وإنما ضُرِبت هذه الشجرة التي وصَفها الله بهذه الصفة لكُفر الكافر وشركِه به مثلا. يقول: ليس لكُفر الكافر وعَمَله الذي هو معصيةُ الله في الأرض ثباتٌ، ولا له في السماء مَصْعَد، لأنه لا يَصْعَد إلى الله منه شيء.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٥٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر. يقول: إن الشجرة الخبيثة اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرَار. يقول: الكافر لا يُقْبَل عمله ولا يصعَدُ إلى الله، فليس له أصل ثابتٌ في الأرض، ولا فرعٌ في السماء. يقول: ليس له عمل صَالحٌ في الدنيا ولا في الآخرة.
٢٠٧٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، قال قتادة: إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم فقال: ما تقول في" الكلمة الخبيثة"، فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرًّا، ولا في السماء مَصْعَدًا، إلا أن تَلْزَم عُنُقَ صاحبها، حتى يوافي بها القِيامة. [[في المطبوعة، زاد فقال: " يوم القيامة ".]]
٢٠٧٥٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية: أن رجلا خالجت الريحُ رداءَه فلعنها، فقال رسول الله ﷺ: لا تَلْعنها، فإنها مأمورة، وإنه من لَعن شيئًا ليس له بأهلٍ رَجعت اللَّعنةُ على صاحبها. [[الأثر: ٢٠٧٥٢ - أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة: رواه عن زيد بن أخزم الطائي البصري، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا أبان بن يزيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رجلا لعن الريح عند النبي ﷺ ". وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير بشر بن عمر ".
و" بشر بن عمر بن الحكم الزهراني "، ثقة، روى له الجماعة، سلف برقم: ٣٣٧٥، ١٥٠٥٤، ورواه أبو داود في سننه ٤: ٣٨٢، من طريقين: من طريق مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، ومن طريق: زيد بن أخزم الطائي، عن بشر بن عمر، عن أبان بن يزيد عن قتادة، وهذا هو طريق الترمذي. ويتبين من الطريق الأولى أن الذي أسنده هو " أبان بن يزيد العطار "، وهو ثقة، وقال الحافظ ابن حجر: " لم يذكره أحد ممن صنف في رجال البخاري من القدماء، ولم أر له عنده إلا أحاديث معلقة في الصحيح "، فمن قبل أبان جاءت غرابته.
وقوله: " خالجت الريح رداءه " بمعنى نازعته رداءه. و " مأمورة "، أي مسخرة بأمر الله غير مريدة لما تفعل. وقوله: " ليس له بأهل "، أي ليس للعن بمستحق، يقال: " هو أهل ذاك، وأهل لذاك ".]]
٢٠٧٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، قال: هذا الكافر ليس له عمل في الأرض، ولا ذكرٌ في السماء= ﴿اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، قال: لا يصعد عمله إلى السماء، ولا يقوم على الأرض. فقيل: فأين تكون أعمالهم؟ قال: يَحْمِلون أوزارهم على ظُهورهم.
٢٠٧٥٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض﴾ ، قال: مثل الكافر، لا يصعَد له قولٌ طيب ولا عملٌ صالح.
٢٠٧٥٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ ، وهي الشرك = ﴿كشجرة خبيثة﴾ ، يعني الكافر. قال: ﴿اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، يقول: الشرك ليس له أصلٌ، يأخذ به الكافرُ ولا برهانٌ، ولا يقبل اللهُ مع الشرك عملا.
٢٠٧٥٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ ، قال: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصلٌ ولا فرع، ولا قوله ولا عمله يستقرُّ على الأرض ولا يصعد إلى السماء.
٢٠٧٥٧ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: ضربَ الله مثلَ الكافر: ﴿كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾ ، يقول: ليس لها أصلٌ ولا فرع، وليست لها ثمرة، وليس فيها منفعة، كذلك الكافر ليس يعمل خيرًا ولا يقوله، ولم يجعل الله فيه بركةً ولا منفعة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ ، يحقق الله أعمالَهم وإيمانهم [[انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف ١٥: ٥٣٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿بالقول الثابت﴾ ، يقول: بالقول الحق، وهو فيما قيل: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله.
* *
وأما قوله: ﴿في الحياة الدنيا﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفُوا فيه، فقال بعضهم: عنى بذلك أن اللهَ يثَبتهم في قبورهم قبلَ قيام الساعة.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٥٨ - حدثني أبو السائب سَلْم بنُ جُنَادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سَعْد بن عُبَيْدَة، عن البَراء بن عازب، في قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ ، قال: التثبيت في الحياة الدنيا إذا أتاه المَلكان في القبر فقالا له: مَن ربك؟ فقال: ربّي الله. فقالا له: ما دينك؟ قال: دينيَ الإسلام. فقالا له: مَن نبيك؟ قال: نبيِّي محمدٌ ﷺ. فذلك التثبيت في الحياة الدنيا. [[الأثر: ٢٠٧٥٨- حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، رواه أبو جعفر بأربعة عشر إسنادًا في هذا الموضع، فأحببت أن أجمعها، وأفصلها، لتسهل مراجعتها، ولا يتبعثر القول فيها، ويسهل تخريجها ويستبين. فالحديث عن البراء مروي من ثلاث طرق:
١ - طريق سعد بن عبيدة، عن البراء.
٢ - طريق زاذان، عن البراء.
٣ - طريق خيثمة، عن البراء.
فعند بدء كل طريق، أذكر طرق إسناده مفصلة إن شاء الله، وهذه أوان بيان الطريق الأولى: (١)
طريق سعد بن عبيدة عن البراء.
رواه أبو جعفر من طريقين:
١ - من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة.
٢ - من طريق علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة. (١) طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة.
١ - من طريق أبي معاوية، عن الأعمش برقم: ٢٠٧٥٨.
٢ - من طريق جابر نوح، عن الأعمش برقم: ٢٠٧٥٩.]]
٢٠٧٥٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن سعد بن عُبَيْدة، عن البراء بن عازب، بنحو منه في المعنى. [[الأثر: ٢٠٧٥٩ - الإسناد التالي انظر التعليق السالف.]]
٢٠٧٦٠ - حدثني عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطي قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء قال، ذكر النبيّ ﷺ المؤمنَ والكافرَ، فقال: إن المؤمن إذا سئل في قبره قال: رَبّي الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . [[طريق جابر بن نوح، عن الأعمش
و" جابر بن نوح الحماني "، ضعيف الحديث، قال ابن معين ليس حديثه بشيء.
فالخبر من هذه الطريق ضعيف الإسناد، ولم أجده عند غير أبي جعفر، والصحيح هو الإسناد السالف.]]
٢٠٧٦١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: إن المسلم إذا سئل في القبر فيشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. قال: فذلك قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة". [[الأثر: ٢٠٧٦١ - هو مكرر الأثر السالف.
" هشام بن عبد الملك الباهلي "، " أبو الوليد الطيالسي "، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
ومن طريق أبو الوليد، عن شعبة رواه البخاري، وأبو داود، كما سلف في تخريج الذي قبله.
وكان في المطبوعة: " إذا سئل في القبر يشهد "، كما في رواية البخاري، ورواية أبي داود: " فشهد "، وأثبت ما في المخطوطة، وكل صواب.
وكان في المخطوطة هنا " سعيد "، مكان " شعبة "، وهو تصحيف فاحش.]]
٢٠٧٦٢ - حدثني الحسين بن سَلَمة بن أبي كَبْشة، ومحمد بن معمر البَحْراني = واللفظ لحديث ابن أبي كبشة = قالا حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال، حدثنا عبَّاد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فقال: يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قُبورها، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه، جاءه ملك بيده مِطْراقٌ فأقعده فقال: ما تقولُ في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله. فيقول له: صدقْتَ. فيفتح له بابٌ إلى النار فيقال: هذا منزلك لو كفرتَ بربّك، فأما إذْ آمنت به، فإن الله أبدَلك به هذا. ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة، فيريد أن ينْهَضَ له، فيقال له: اسكُنْ. ثم يُفْسَح له في قبره. وأما الكافِر أو المنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما أدري! فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَدَرّيتَ ولا اهتديتَ! ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة فيقال له: هذا كان منزلك لو آمنت بربك، فأما إذْ كفرت، فإن الله أبدَلك هذا. ثم يفتح له بابٌ إلى النار، ثم يَقْمَعُه المَلَكُ بالمطراق قَمْعَةً يسمعه خَلْقُ الله كُلهم إلا الثقلين. قال، بعضُ أصحابه، يا رسولَ الله، ما مِنَّا أحدٌ يقوم على رأسه مَلَكٌ بيده مِطْراق إلا هِيلَ عند ذلك! فقال رسول الله ﷺ: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضِلُّ الله الظالمين ويفعلُ الله ما يشاء﴾ . [[الأثر: ٢٠٧٦٢ - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي، الطحان " شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١٧٦٠٨. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " الحسن بن سلمة "، وهو خطأ.
و" محمد بن معمر البحراني "، شيخ الطبري، ثقة، روى له الجماعة. مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم: ١٦٨٨٥.
و" عبد الملك بن عمرو القيسي "، و " أبو عامر العقدي "، ثقة من شيوخ أحمد، مضى مرارًا، آخرها: ١٧٦٠٨.
و" عباد بن راشد التميمي "، ثقة، وليس بالقوي، روى له البخاري مقرونًا بغيره، مضى مرارًا، آخرها: ١٧٦٠٨
و" داود بن أبي هند "، ثقة، مضى مرارًا كثيرة.
و" أبو نضرة "، " المنذر بن مالك بن قطعة العبدي "، تابعي، ثقة، كثير الحديث، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٥٧٩٧ - ١٥٨٠١.
فهذا حديث صحيح الإسناد، رواه أحمد في مسنده ٣: ٣، عن أبي عامر العقدي، بإسناده. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٤٧، وقال: " رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح "، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٨٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن أبي عاصم في السنة، وابن مردويه، والبيهقي في عذاب القبر، وقال: " بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ". وفي لفظ الخبر بعض الخلاف.
" المطراق "، مما لم تذكره كتب اللغة، وهو ثابت، في جميع روايات الخبر، في المواضع التي ذكرتها، وهو صحيح في العربية، ومثله " المطرق " بكسر فسكون، ومضى في الخبر رقم: ٢٣٨٩، و " المطرقة "،، وهي مضربة الحداد التي يطرق بها الحديد.
وقوله: " لا دريت، ولا تدريت "، هكذا هو في المخطوطة، فأثبته على ذلك، وكان في المطبوعة: " لا دريت ولا تليت "، كما جاء في جميع المراجع الآنفة. والذي في المخطوطة مكتوب بوضوح، لا أجده سائغا أن يكون الناسخ صحف " تليت " إلى " تدريت ". مع شهرة الخبر. فإن صحت هذه رواية في الخبر رواها أبو جعفر، فإنه تكون " تَفَعَّلَ " من " دَرَى " أي طلبت الدراية، كما تقول " علم "، وهما سواء في المعنى. وهي جيدة المعنى جدًا.
وأما " لا دريت ولا تليت "، فقد اختلف في معناها. قالوا: هي من " تلوت " أي لا قرأت ولا درست من " تلا يتلو " فقالها بالياء ليعاقب بها " الياء " في " دريت ". وكان يونس يقول: " إنما هو: " ولا أَتليت " في كلام العرب، معناه: أن لا تتلى إبله، أي لا يكون لها أولاد " تتلوها ". وقال غيره: " إنما هو: لا دريت ولا اتَّليت، على افتعلت، من " ألوت " أي أطقت واستطعت، فكأنه قال: لا دريت ولا استطعت ". وقال ابن الأثير: " المحدثون يرون هذا الحديث: ولا تليت، وصوابه: " ولا ائتَليْت ".
وقال الزمخشري في الفائق (تلا) ، وذكر الخبر: " أي، ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه. ويجوز أن يكون من قولهم: " تلا فلان تِلْوَ غير عاقِل "، إذا عمل عمل الجهال، أي لا علمت ولا جهلت يعني: هلكت فخرجت من القبيلتين.
وأحسب أن الذي في التفسير، إن صحت روايته، أبين دلالة على المعنى مما ذهبوا إليه. هذا، وفي رواية الخبر عند جمعهم زيادة في هذا الموضع: " فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا ". وهذه رواية أحمد.]]
٢٠٧٦٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء: أنّ رسول الله ﷺ قال: وذكر قَبْضَ روح المؤمن: فتُعاد روحُه في جسده، ويأتيه مَلَكان فيجلسانه، يعني في قبره، فيقولان: مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربيَ الله. فيقولان: ما دينُك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله. فيقولان: ما يدرِيك؟ فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنت به وصدَّقْتُ. فينادِي مُنادٍ من السماء أنْ صَدَق عبدي.
قال: فذلك قول الله عز وجل ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . [[الأثر: ٢٠٧٦٣ - هذه هي الطريق الثانية، كما ذكرت في التعليق على رقم: ٢٠٧٥٨.]]
٢٠٧٦٤ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، عن النبيّ ﷺ، بنحوه. [[طريق زاذان، عن البراء.
رواه أبو جعفر من طريقين مختصرًا.
١ - طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان.
٢ - طريق يونس بن خباب، عن المنهال، عن زاذان.
ثم رواه عن الأعمش من خمس طرق: عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش: ٢٠٧٦٣، وعن أبي معاوية، عن الأعمش: ٢٠٧٦٤، وعن جرير، عن الأعمش: ٢٠٧٦٥، وعن ابن نمير، عن الأعمش: ٢٠٧٦٦، وعن أبي عوانة، عن الأعمش: ٢٠٧٨٠، ٢٠٧٨٧.
و" المنهال بن عمرو الأسدي ". تكلموا فيه، ووثقه جماعة، ورجح أخي السيد أحمد رحمه الله توثيقه في المسند ٧١٤، وفي الطبري: ٣٣٧. وقال أبو الحسن بن القطان: " كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال، ورد من روايته حديث البراء "، يعني هذا الحديث، ولم يخرج له البخاري ولا مسلم في الصحيح شيئًا. وروى ابن أبي خيثمة: أن المغيرة، صاحب إبراهيم، (وهو المغيرة بن مقسم الضبي) ، وقف على يزيد بن أبي زياد فقال: ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق، إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو، وعن عباية، ففارقني على أن لا يفعل، ثم هو يروي عنهما، نشدتك بالله تعالى، هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟ قال: اللهم لا "، فهذا من أشد ما يقال فيه، ولكنه محمول إن شاء الله على مقالة المتعاصرين، يقول بعضهم في بعض.
و" زاذان "، " أبو عبد الله أو أبو عمر الكندي " الضرير البزار، تابعي ثقة، مضى مرارًا.
وقد أفاض أبو عبد الله الحاكم في المستدرك ١: ٣٧ - ٤٠ في جمع طرق هذا الحديث، وجاء بالشواهد من الأخبار على شرط الشيخين، يستدل بها على صحة خبر المنهال، عن زاذان.
وزاد الحاكم رواية سفيان، عن الأعمش ١: ٣٨، وهي في المسند ٤: ٢٩٧،، ورواية شعبة، عن الأعمش ١: ٣٨، وفي مسند أحمد رواية زائدة عن الأعمش ٤: ٢٨٨.
وزاد أبو جعفر الطبري رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش في هذا الإسناد، وفيما سلف مختصرًا رقم: ١٤٦١٤. وانظر الكلام على الآثار التالية من هذه الطريق، وما سلف في التعليق على رقم: ١٤٦١٤. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٤٩ - ٥١، وقال: " هو في الصحيح وغيره، باختصار، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح "]]
٢٠٧٦٥ - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، عن النبيّ ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ٢٠٧٦٤ - من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، رواه أحمد في المسند ٤: ٢٨٧، والحاكم في المستدرك ١: ٣٧، وأبو داود في سننه ٤: ٣٣٠.]]
٢٠٧٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير قال، حدثنا الأعمش قال، حدثنا المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء، عن النبيّ ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ٢٠٧٦٦ - من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش، رواه أحمد في المسند ٤: ٢٨٨، وأبو داود في سننه ٤: ٣٣١، والحاكم في المستدرك ١: ٣٧.]]
٢٠٧٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمرو بن قيس، عن يونس بن خبّاب، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ٢٠٧٦٨ - هذه طريق يونس بن خباب، عن المنهال، كما ذكرت في التعليق على رقم: ٢٠٧٦٣، رواها أبو جعفر من طريق عمرو بن قيس، عن يونس: ٢٠٧٦٨. ومن طريق معمر، عن يونس: ٢٠٧٦٩، ومهدي بن ميمون، عن يونس: ٢٠٧٦٩ أيضًا.
و" يونس بن خباب الأسيدي "، ضعيف جدًا، قال يحيى القطان: " ما تعجبنا الرواية عنه "، وقال ابن معين: " رجل سوء، وكان يشتم عثمان ". وقال البخاري: " منكر الحديث "، وقال: ابن حبان: " لا تحل الرواية عنه ". وقال أبو حاتم: " مضطرب الحديث، ليس بالقوي "، مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٤٠٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٣٨، وميزان الاعتدال ٣: ٣٣٧.
وهذا حسبك في ضعفه من هذه الطريق. وقد زاد أحمد في مسنده ٤: ٢٩٦، روايته من طريق حماد بن زيد، عن يونس. وزاد الحاكم في المستدرك روايته من طريق شعيب بن صفوان عن يونس. وعباد بن عباد، عن يونس ١: ٣٩.]]
٢٠٧٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا مهدي بن ميمون = جميعًا، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال، قال رسول الله ﷺ، وذكر قبضَ رُوح المؤمن! قال: فيأتيه آتٍ في قبره فيقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربيَ الله، وديني الإسلام، ونبيّي محمد ﷺ. فينتهره فيقول: مَنْ ربُّك؟ وما دينك؟ فهي آخر فتنة تُعْرَض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ،، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ. فيقال له: صدقت- واللفظ لحديث ابن عبد الأعلى. [[الأثر: ٢٠٧٦٨ - مكرر الأثر السالف.
وحديث معمر، عن يونس بن خباب، رواه أحمد في المسند ٤: ٢٩٥، والحاكم في المستدرك ١: ٣٩.
وحديث مهدي بن ميمون، عن يونس، رواه الحاكم في المستدرك ١: ٣٩.]]
٢٠٧٦٩ - حدثنا محمد بن خَلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال، تلا رسُول الله ﷺ: ﴿يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: ذاك إذا قيل في القبر: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيّي محمدٌ ﷺ، جاء بالبينات من عِنْد الله فآمنتُ به وصدَّقت. فيقال له: صَدَقْتَ، على هذا عشت، وعليه مِتَّ، وعليه تُبْعَث. [[الأثر: ٢٠٧٦٩ - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني "، شيخ الطبري، ثقة مضى مرارًا. آخرها رقم: ٢٠٦٣٣.
و" آدم "، هو " آدم بن أبي إياس العسقلاني "، ثقة، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٦٩٤٤.
و" حماد بن سلمة "، ثقة، مضى مرارًا كثيرة.
و" محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
و" أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري "، تابعي ثقة، كثير الحديث، مضى مرارًا.
فهذا خبر صحيح الإسناد، ولم أجده عند غير أبي جعفر، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٨١، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وكأنه مختصر الخبر التالي.]]
٢٠٧٧٠ - حدثنا مجاهد بن موسى، والحسن بن محمد قالا حدثنا يزيد قال، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال، إن الميت ليسمعَ خَفْقَ نِعالهم حين يُوَلُّون عنه مدبرين. فإذا كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاةُ عن يمينه، وكان الصيام عن يساره، وكان فِعْلُ الخيرات من الصّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتَى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلي مَدخلٌ. فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قِبَلي مَدخلٌ. فيؤتي عن يساره فيقول الصيام: ما قِبَلي مَدخلٌ. فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخلٌ. فيقال له: اجلسْ. فيجلسُ، قد تمثّلتْ له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنَا عمَّا نسألك. فيقول: دعُوني حتى أصلِّي. فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك عنه! فيقول: وعمَّ تسألون؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فِيكم، ماذا تقول فيه، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم. فيقول أشهد أنَّه رسول الله، وأنه جَاء بالبينات من عند الله، فصدّقناه. فيقال له: على ذلك حَييتَ، وعلى ذلك، مِتَّ، وعلى ذلك تُبْعث إن شاء الله. ثم يُفْسح له في قبره سبعون ذراعًا ويُنوَّر له فيه، ثم يُفْتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى ما أعدّ الله لك فيها، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر ما صَرَف الله عنك لو عصيتَه! فيزداد غبْطةً وسرورًا. ثمّ يجعل نَسَمُه في النَّسَم الطَّيب، وهي طيْرٌ خُضْرٌ تُعَلَّق بشجر الجنة، ويعاد جسده إلى ما بُدئ منه من التراب، وذلك قول الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . [[الأثر: ٢٠٧٧٠ - لعله مطول الخبر السالف.
" مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ٥١٠، ٣٣٩٦.
و" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني "، شيخ الطبري، ثقة، مضى مرارًا آخرها: ٢٠٤١١.
و" يزيد " هو " يزيد بن هارون السلمي الواسطي "، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، مضى مرارًا كثيرة آخرها: ١٥٣٤٨.
فهذا خبر صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك ١: ٣٧٩ من طريق سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، ثم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو ١: ٣٨٠، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، وتابعه الذهبي.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٥١، ٥٢، مطولا وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن "، ثم قال: " روى البزار طرفًا منه "، ثم انظر حديثًا آخر عنده عن أبي هريرة ٣: ٥٣، ٥٤.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٨٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبه، وهناد بن السري في الزهد، وابن المنذر، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي.
وكان في المطبوعة: " فيجلس قد مثلت له الشمس "، كما في مجمع الزوائد، والدر المنثور. وفي المستدرك: " فيقعد، وتمثل له الشمس "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
٢٠٧٧١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا أبو قطن قال، حدثنا المسعودي، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال، إنّ المؤمن إذا مات أُجْلِس في قبره، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبّته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيّي محمد. قال: فقرأ عبد الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة﴾ . [[الأثر: ٢٠٧٧١ - " أبو قطن " " عمرو بن الهيثم الزبيدي القطعي "، ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ٢٠٥٩٩.
و" المسعودي "، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي "، كان ثقة، واختلط بأخرة، رواية المتقدمين عنه صحيحة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٩٨٢.
و" عبد الله بن مخارق "، مشكل أمره جدًا. فقد ترجم له البخاري في الكبير ٣/١/٢٠٨، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/٢/١٧٩، وقالا جميعًا واللفظ هنا لابن أبي حاتم: " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي كوفي، روى عن أبيه مخارق، روى عنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وأبو العميس عتبة بن عبد الله، وعبد الملك بن أبي غنية "، ثم ذكر ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه سئل عن " عبد الله بن مخارق بن سليم فقال: مشهور ".
وقال البخاري في ترجمته: " روى سماك، عن قابوس بن مخارق الشيباني، وروى أيضًا سليمان الشيباني، عن مخارق بن سليم الشيباني، فلا أدري ما بينهما ". فشك البخاري في نسبة أبيه أهو " سلمي " أو " شيباني "، كما ترى.
فلما ترجم في فصل " مخارق "، الكبير ٤/١/٤٣٠ ترجم " مخارق " أبو قابوس، عن علي، روى عنه ابنه قابوس، وهو ابن سليم، قاله ابن طهمان ". ثم ترجم بعده " مخارق بن سليم الشيباني " وقال: " يعد في الكوفيين "، وأغفل " مخارق بن سليم السلمي "، الذي ذكر في ترجمة ابنه " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي "، أنه روى عن أبيه، وهو صحابي، كما هو ظاهر. وكذلك فعل ابن أبي حاتم ٤/١/٣٥٢، اقتصر أيضًا على " مخارق بن سليم الشيباني "، وأغفل " السلمي " الذي ذكره في باب " عبد الله ".
وأما الحافظ ابن حجر في التهذيب، وفي الإصابة، فإنه قال: " مخارق بن سليم الشيباني "، أبو قابوس، روى عن النبي ﷺ، وعن ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعلي بن أبي طالب. روى عنه ابناه قابوس، وعبد الله. ذكره ابن حبان في الثقات ".
فهذا لفظ جامع، يدل على أن " عبد الله بن مخارق " هذا إنما هو " الشيباني "، وأن " السلمي "، نسبة لا يكاد يعرف صاحبها، وتزيد أباه في الصحابة جهالة، وهذا مستبعد.
و" عبد الله بن مخارق بن سليم الشيباني "، هو نابغة بني شيبان، الشاعر المشهور، وهو أخو " قابوس بن مخارق بن سليم الشيباني "، المترجم في التهذيب، وفي الكبير ٤/١/١٩٣، غير منسوب إلى " شيبان " أو " سليم " وفي ابن أبي حاتم ٣/٢/١٤٥، فيما أرجح. وقد كنت قرأت قديمًا في كتاب غاب عني مكانه اليوم: أن قابوسًا كان شاعرًا، وأن أخاه عبد الله، نابغة بني شيبان، كان محدثًا، ثم رأى أحدهما رؤيا، أو كلاهما، فترك " قابوس " الشعر وطلب الحديث، وترك " عبد الله " الحديث وأخذ في الشعر، فصار نابغة بني شيبان. وقد كان عبد الله بن مخارق نابغة بني شيبان، ينشد الشعر فيكثر، حتى إذا فرغ قبض على لسانه فقال: والله لأسلطن عليك ما يسوءك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " (جاء هذا في كتاب المنتقى من أخبار الأصمعي: ٦) ، فهذا كأنه مؤيد للرواية التي غاب عني مكانها، وأسأل من وجدها أن يدلني على مكانها.
فهذا الخبر مضطرب جدًا، ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٥٤ وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن "، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن جرير، والطبراني، والبيهقي في عذاب القبر.]]
٢٠٧٧٢ - حدثنا الحسن قال، حدثنا أبو خالد القرشي، عن سفيان، عن أبيه = وحدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء، في قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ ، قال: عذاب القبر. [[الأثر: ٢٠٧٧٢ - هذه هي الطريق الثالثة، لحديث البراء مختصرًا.]]
٢٠٧٧٣ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء، عن النبيّ ﷺ، في قول الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال شعبةُ شيئًا لم أحفظه، قال: في القبر. [[طريق خيثمة، عن البراء.
من طريق واحدة، بإسنادين.
١ - سفيان، عن أبيه، عن خيثمة.
أما الأول، فعن " أبي خالد القرشي "، وهو " عمرو بن خالد القرشي "، وهو منكر الحديث. كذاب، غير ثقة ولا مأمون، مترجم في التهذيب، والكبير ٣/٢/٣٢٨، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٣٠ وميزان الاعتدال ٢: ٢٨٦، فهو بإسناد أبي خالد متروك لا يشتغل به.
وأما " أبو أحمد "، فهو الزبيري " محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي "، ثقة روى له الجماعة مضى مرارًا، آخرها: ٢٠٤٧٠.
و" سفيان " هو الثوري الإمام.
وأبوه " سعيد بن مسروق الثوري "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٣٧٦٦.
و" خيثمة "، هو " خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة مضى مرارًا آخرها: ١١١٤٥.
ومن طريق سفيان عن أبيه، رواه مسلم في صحيحه (١٧: ٢٠٤) ، والنسائي في سننه ٤: ١٠١، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان.]]
٢٠٧٧٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ ، إلى قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ ، قال: إن المؤمن إذا حضَره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا ماتَ مشَوْا في جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربّيَ الله. ويقال له: منْ رسولك؟ فيقول: محمد. فيقال له: ما شهادَتُك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فيوسَّع له في قبره مَدّ بَصَره [[الأثر: ٢٠٧٧٤ - هذا إسناد ضعيف جدًا، وإن كثر دورانه في التفسير، وسلف بيانه وشرحه في أول التفسير رقم: ٣٠٥.]] .
٢٠٧٧٥ - حدثنا الحسن قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، سمعت ابن طاوس يخبر عن أبيه قال، لا أعلمه إلا قال: هي في فِتنَةِ القبر، في قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ .
٢٠٧٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير عن العلاء بن المسيب، عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، هي في صاحب القبر.
٢٠٧٧٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن المسيب بن رافع: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: نزلت في صاحب القبر.
٢٠٧٧٨ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوّام، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه المسيَّب بن رافع، نحوه.
٢٠٧٧٩ - حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، في قول الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسْأل في قبورها، فيثبّت الله المؤمن في قبره حين يُسْأل.
٢٠٧٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو ربيعة فَهْدٌ قال، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ، وذكر قبضَ روح المؤمن، قال: فترجع روحُه في جسده، ويبعث الله إلَيه مَلكين شديدي الانتهار، فيجلسانه وينتهرانه، يقولان: من رَبك؟ قال: فيقول: الله. وما دينك؟ قال: الإسلام. قال: فيقولان له: ما هذا الرجل، أو النبيّ، الذي بُعث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله. قال، فيقولان له: وما يُدْريك؟ قال: فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنتُ به وصدّقت! فذلك قول الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [[الأثر: ٢٠٧٨٠ - حديث البراء بن عازب، من طريق زاذان عن البراء، كما سلف في التعليق علي: ٢٠٧٥٨، ثم من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، كما سلف في التعليق على: ٢٠٧٦٣.
" أبو ربيعة "، " فهد "، متكلم فيه، كما سلف بيانه رقم: ٥٦٢٣، وقد مضى مرارًا آخرها: ١٥٩٠٥.
و" أبو عوانة "، هو " الوضاح بن عبد الله اليشكري "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها: ١٧٠١٠.
ومن طريق أبي عوانة، عن الأعمش رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مطولا: ١٠٢، وقد سلف ما قلناه في هذا الإسناد في شرح الأثر رقم: ٢٠٧٦٣، وانظر ما سيأتي رقم: ٢٠٧٨٧، بهذا الإسناد نفسه.]] .
٢٠٧٨١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: نزلت في الميت الذي يُسْأل في قبره عن النبيّ ﷺ.
٢٠٧٨٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: في قول الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسأل في قبورها، فيثبت الله المؤمنَ حيث يُسْأَل.
٢٠٧٨٣ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) ، قال: هذا في القبر مُخَاطبته، وفي الآخرة مثل ذلك.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: يثبت الله الذين آمنوا بالإيمان في الحياة الدنيا، وهو "القول الثابت" = "وفي الآخرة"، المسألةُ في القبر.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٨٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ ، قال: لا إله إلا الله= ﴿وفي الآخرة﴾ ، المسألة في القبر.
٢٠٧٨٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ ، أما " الحياة الدنيا" فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وقوله ﴿وفي الآخرة﴾ ، أي في القبر.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما ثبتَ به الخبر عن رسول الله ﷺ في ذلك، وهو أنّ معناه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ ، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ = ﴿وفي الآخرة﴾ بمثل الذي ثبَّتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يُسْألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله ﷺ.
* *
وأما قوله: ﴿ويضلُّ الله الظالمين﴾ ، فإنه يعني، أن الله لا يوفِّق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المُسَاءَلة في القبر، [[في المطبوعة: " المسألة "، وكتب في رسم المخطوطة: " المسايلة "، وهي صحيحة.]] لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله ورسوله ﷺ [[في المطبوعة قدم وأخر:، " لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله "، وليست بشيء.]] .
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٧٨٦ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أما الكافرُ فتنزل الملائكة إذا حضره الموت، فيبسُطون أيديهم = " والبَسْط"، هو الضرب = يضربون وجوههم وأدبارَهم عند الموت. فإذا أدْخِل قبره أقعد فقيل له: من ربك؟ فلم يرجِع إليهم شيئًا، وأنساه الله ذكر ذلك. وإذا قيل له: من الرسول الذي بُعِث إليك؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليه شيئًا، يقول الله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ [[في المطبوعة: " يقول: ويضل الله الظالمين، والصواب ما في المخطوطة.]] .
٢٠٧٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا فهْد بن عوف، أبو ربيعة قال، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ، وذَكَر الكافر حين تُقْبض روحه، قال: فتعاد روحُه في جسده. قال، فيأتيه ملكَان شديدَا الانتهار، فيجلسانه فينتهرانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري؟ قال فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: لا أدري، قال: فيقال له: ما هذا النبيّ الذي بُعِث فيكم؟ قال: فيقول: سمعت الناس يقولون ذلك، لا أدري. قال، فيقولان: لا دريتَ. قال: وذلك قول الله: ﴿ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء﴾ . [[الأثر: ٢٠٧٨٧ - هذا آخر حديث البراء بن عازب. وانظر التعليق السالف على الأثر: ٢٠٧٨٠.]]
* *
وقوله: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ ، يعني تعالى ذكره بذلك: وبيدِ الله الهداية والإضلال، فلا تنكروا، أيها الناس، قدرتَه، ولا اهتداءَ من كان منكم ضالا ولا ضلالَ من كان منكم مهتديًا، فإنّ بيده تصريفَ خلقه وتقليبَ قلوبهم، يفعل فيهم ما يشاء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ألم تنظر يا محمد ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ يقول: غيروا ما أنعم الله به عليهم من نعمه، فجعلوها كُفرا به، وكان تبديلهم نعمة الله كفرا في نبيّ الله محمد ﷺ، أنعم الله به على قريش، فأخرجه منهم، وابتعثه فيهم رسولا رحمة لهم، ونعمة منه عليهم، فكفروا به، وكذّبوه، فبدّلوا نعمة الله عليهم به كفرا.
* *
وقوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
يقول: وأنزلوا قومهم من مُشركي قريش دار البوار، وهي دار الهلاك، يقال منه: بار الشيء يبور بورا: إذا هلك وبطل؛ ومنه قول ابن الزِّبعرى، وقد قيل إنه لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
يا رَسُولَ الملِيكِ إِنَّ لِسانِي ... رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ [[البيت (في اللسان: بور) منسوب إلى عبد الله بن الزبعري السهمي قال: رجل بور، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث، وأنشد البيت شاهدا عليه. وفي سيرة ابن هشام أنشد البيت ونسبه إلى ابن الزبعري، قاله من أبيات حين قدم على النبي ﷺ، وكان هاربا منه في نجران. والراتق الذي يصلح ما بلي أو تمزق من الثوب، وفتقت يعني ما أحدث في الدين من مقاومة النبي وهجائه بشعره، وهو إثم يشبه الفتق في الثوب، والتوبة رتق له، وبور هالك: يقال رجل بور وبائر، وهو محل الشاهد عند المؤلف، وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن، " دار البوار " أي الهلاك والفناء، ويقال منه بار يبور، ومنه قول عبد الله ابن الزبعرى البيت.]]
ثم ترجم عن دار البوار، وما هي؟ فقيل ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: وبئس المستقرّ هي جهنم لمن صلاها. وقيل: إن الذين بدّلوا نعمة الله كفرا: بنو أمية، وبنو مخزوم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار وأحمد بن إسحاق، قالا ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر؛ وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: أخبرنا حمزة الزيات، عن عمرو بن مرّة، قال: قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: هم الأفجران من قريش أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى اللَّه لهم إلى حين.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق [[لعله هو عمرو بن مرة، كما في ابن كثير في هذا الأثر.]] عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الأفجران من قريش.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ، مثله.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان وشريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عمرا ذا مرّ، قال: سمعت عليا يقول في هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الأفجران من بني أسد وبني مخزوم.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل، عن عليّ، قال: هم كفار قريش. يعني في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل أنه سمع عليّ بن أبي طالب، وسأله ابن الكوّاء عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: سمعت أبا الطفيل، قال: سمعت عليا، فذكر نحوه.
⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي أرطأة، عن عليّ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفَّار قريش، هكذا قال أبو السائب مسلم البطين، عن أبي أرطأة.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، قال: ثنا إسماعيل بن سميع، عن مسلم بن أرطأة، عن عليّ، في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل، عن عليّ، قال في قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: سمعت أبا الطفيل يحدّث، قال: سمعت عليا يقول في هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: كفار قريش يوم بدر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا بسام الصَّيرفيّ، قال: ثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، ذكر أن عليا قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكوّاء فقال، من ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: منافقو قريش.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا بسام، عن رجل قد سماه الطنافسيّ، قال: جاء رجل إلى عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين: من ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: في قريش.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا بسام الصيرفيّ، عن أبي الطفيل، عن عليّ أنه سئل عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: منافقو قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عمرو بن دينار، أن ابن عباس قال في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الجبار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول: هم والله أهل مكة ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا صالح بن عمر، عن مطرف بن طريف، عن أبى إسحاق قال: سمعت عمرا ذا مرّ يقول: سمعت عليا يقول على المنبر، وتلا هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ . قال: هما الأفجران من قريش، فأما أحدهما فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما الآخر فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى = وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ كفار قريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: هم والله ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قريش. أو قال: أهل مكة.
⁕ حدثنا ابن وكيع وابن بشار، قالا حدثنا غُنْدر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قال: قتلى يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش.
⁕ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن حُصَين، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قالا هم قتلى بدر من المشركين.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم والله أهل مكة. قال: أبو كريب: قال سفيان: يعني كفارهم.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحاب عليّ، عن عليّ، في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم الأفجران من قريش من بني مخزوم وبني أمية، أما بنو مخزوم فإن الله قطع دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: أخبرنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم القادة من المشركين يوم بدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قالا هم كفار قريش من قُتل ببدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هم كفار قريش، من قُتل ببدر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا) ... الآية، قال: هم مشركو أهل مكة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هذه الآية في الذين قُتلوا من قريش ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ... الآية.
⁕ حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ كنا نحدّث أنهم أهل مكة: أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر، قال الله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم قادة المشركين يوم بدر، أحلوا قومهم دار البوار ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ .
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هؤلاء المشركون من أهل بدر.
وقال آخرون في ذلك، بما:-
⁕ حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن ابن عباس، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فهو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الهلاك. قال ابن جريج، قال مجاهد ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: أصحاب بدر.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ النار. قال: وقد بَيَّن الله ذلك وأخبرك به، فقال ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ هي دارهم في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ألم تنظر يا محمد ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ يقول: غيروا ما أنعم الله به عليهم من نعمه، فجعلوها كُفرا به، وكان تبديلهم نعمة الله كفرا في نبيّ الله محمد ﷺ، أنعم الله به على قريش، فأخرجه منهم، وابتعثه فيهم رسولا رحمة لهم، ونعمة منه عليهم، فكفروا به، وكذّبوه، فبدّلوا نعمة الله عليهم به كفرا.
* *
وقوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
يقول: وأنزلوا قومهم من مُشركي قريش دار البوار، وهي دار الهلاك، يقال منه: بار الشيء يبور بورا: إذا هلك وبطل؛ ومنه قول ابن الزِّبعرى، وقد قيل إنه لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
يا رَسُولَ الملِيكِ إِنَّ لِسانِي ... رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ [[البيت (في اللسان: بور) منسوب إلى عبد الله بن الزبعري السهمي قال: رجل بور، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث، وأنشد البيت شاهدا عليه. وفي سيرة ابن هشام أنشد البيت ونسبه إلى ابن الزبعري، قاله من أبيات حين قدم على النبي ﷺ، وكان هاربا منه في نجران. والراتق الذي يصلح ما بلي أو تمزق من الثوب، وفتقت يعني ما أحدث في الدين من مقاومة النبي وهجائه بشعره، وهو إثم يشبه الفتق في الثوب، والتوبة رتق له، وبور هالك: يقال رجل بور وبائر، وهو محل الشاهد عند المؤلف، وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن، " دار البوار " أي الهلاك والفناء، ويقال منه بار يبور، ومنه قول عبد الله ابن الزبعرى البيت.]]
ثم ترجم عن دار البوار، وما هي؟ فقيل ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: وبئس المستقرّ هي جهنم لمن صلاها. وقيل: إن الذين بدّلوا نعمة الله كفرا: بنو أمية، وبنو مخزوم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار وأحمد بن إسحاق، قالا ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر؛ وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: أخبرنا حمزة الزيات، عن عمرو بن مرّة، قال: قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: هم الأفجران من قريش أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى اللَّه لهم إلى حين.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق [[لعله هو عمرو بن مرة، كما في ابن كثير في هذا الأثر.]] عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الأفجران من قريش.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ، مثله.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان وشريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مرّ، عن عليّ، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عمرا ذا مرّ، قال: سمعت عليا يقول في هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الأفجران من بني أسد وبني مخزوم.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل، عن عليّ، قال: هم كفار قريش. يعني في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل أنه سمع عليّ بن أبي طالب، وسأله ابن الكوّاء عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: سمعت أبا الطفيل، قال: سمعت عليا، فذكر نحوه.
⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي أرطأة، عن عليّ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفَّار قريش، هكذا قال أبو السائب مسلم البطين، عن أبي أرطأة.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، قال: ثنا إسماعيل بن سميع، عن مسلم بن أرطأة، عن عليّ، في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي الطفيل، عن عليّ، قال في قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: سمعت أبا الطفيل يحدّث، قال: سمعت عليا يقول في هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: كفار قريش يوم بدر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا بسام الصَّيرفيّ، قال: ثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، ذكر أن عليا قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكوّاء فقال، من ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: منافقو قريش.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا بسام، عن رجل قد سماه الطنافسيّ، قال: جاء رجل إلى عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين: من ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؟ قال: في قريش.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا بسام الصيرفيّ، عن أبي الطفيل، عن عليّ أنه سئل عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: منافقو قريش.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عمرو بن دينار، أن ابن عباس قال في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الجبار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول: هم والله أهل مكة ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا صالح بن عمر، عن مطرف بن طريف، عن أبى إسحاق قال: سمعت عمرا ذا مرّ يقول: سمعت عليا يقول على المنبر، وتلا هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ . قال: هما الأفجران من قريش، فأما أحدهما فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما الآخر فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى = وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، قال: كفار قريش.
⁕ حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ كفار قريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: هم والله ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قريش. أو قال: أهل مكة.
⁕ حدثنا ابن وكيع وابن بشار، قالا حدثنا غُنْدر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) قال: قتلى يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش.
⁕ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن حُصَين، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قالا هم قتلى بدر من المشركين.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم والله أهل مكة. قال: أبو كريب: قال سفيان: يعني كفارهم.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحاب عليّ، عن عليّ، في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم الأفجران من قريش من بني مخزوم وبني أمية، أما بنو مخزوم فإن الله قطع دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: أخبرنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم القادة من المشركين يوم بدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قالا هم كفار قريش من قُتل ببدر.
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هم كفار قريش، من قُتل ببدر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا) ... الآية، قال: هم مشركو أهل مكة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هذه الآية في الذين قُتلوا من قريش ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ... الآية.
⁕ حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ كنا نحدّث أنهم أهل مكة: أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر، قال الله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هم قادة المشركين يوم بدر، أحلوا قومهم دار البوار ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ .
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: هؤلاء المشركون من أهل بدر.
وقال آخرون في ذلك، بما:-
⁕ حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن ابن عباس، قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فهو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: الهلاك. قال ابن جريج، قال مجاهد ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: أصحاب بدر.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ النار. قال: وقد بَيَّن الله ذلك وأخبرك به، فقال ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ هي دارهم في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء الذين بدّلوا نعمة اللَّه كفرا لربهم أندادا، وهي جماع نِدّ، وقد بيَّنت معنى الندّ، فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته، وإنما أراد أنهم جعلوا لله شركاء.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ والأنداد: الشركاء.
* *
وقوله ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفيين ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بمعنى: كي يضلوا الناس عن سبيل الله بما فعلوا من ذلك. وقرأته عامَّة قرّاء أهل البصرة: "ليَضَلُّوا" بمعنى: كي يضلّ جاعلو الأنداد لله عن سبيل الله.
* *
وقوله ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدا من الله لهم، لا إباحَة لهم التمتع بها، ولا أمرا على وجه العبادة، ولكن توبيخا وتهددا ووعيدا، وقد بَيَّن ذلك بقوله ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا، فإنها سريعة الزوال عنكم، وإلى النار تصيرون عن قريب، فتعلمون هنالك غبّ تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به.