Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Taa-Haa
Tafsir al-Tabari · Taa-Haa · 135 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقول: لا تختلقوا على الله كذبا، ولا تتقوّلوه ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ فيستأصلكم بهلاك فيبيدكم. وللعرب فيه لغتان: سحت، وأسحت، وسحت، أكثر من أسحت، يقال منه: سحت الدهر، وأسحت مال فلان: إذا أهلكه فهو يسحته سحتا، وأسحته يسحته إسحاتا، ومن الإسحات قول الفرزدق:
وَعَضُّ زَمان يا بنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ المَالِ إلا مُسْحَتا أوْ مُجلَّف [[هذا البيت للفرزدق من نقيضته التي مطلعه * عزفت بأعشاش وما كدت تعزف *
وقبل بيت الشاهد قوله (انظر ديوانه طبعة الصاوي ص ٥٦٥) : إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... هموم المنى والوجل المتعسف
ورواية الشاهد عند المؤلف موافقة لرواية (اللسان: جلف) . قال: قال أبو الغوث: المسحت: الملك. والمجلف: الذي بقيت منه بقية، أو هو الذي أخذ من جوانبه. والمجلف أيضا: الرجل الذي جلفته السنون، أي أذهبت أمواله. وفيه (اللسان: سحت) وقوله عز وجل: (فيسحتكم بعذاب) : قرئ: فيسحتكم بعذاب، ويسحتكم. بفتح الياء والحاء، ويسحت (بضم الياء) أكثر. فسحتكم (بفتح الياء والحاء) : يقشركم. ويسحتكم (بضم الياء) يستأصلكم، وأسحت ماله: استأصله وأفسده، قال الفرزدق: * وعفي زمان......... أو مجلف *
أما رفع مجلف، فهو على تقدير مبتدأ، كأنه قال أو هو مجلف. والبيت شاهد عند الطبري، على أن معنى قوله تعالى: فيسحتكم: يستأصلكم.]]
ويُروى: إلا مسحت أو مجلف.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ يقول: فيهلككم.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ يقول: يستأصلكم بعذاب.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ قال: فيستأصلكم بعذاب فيهلككم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ قال: يهلككم هلاكا ليس فيه بقيَّة، قال: والذي يسحت ليس فيه بقية.
⁕ حدثنا موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ يقول: يهلككم بعذاب.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ﴿فَيَسْحَتَكُمْ﴾ بفتح الياء من سحت يَسحت. وقرأته عامة قراء الكوفة ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بضم الياء من أسحت يسحت.
قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الفتح فيها أعجب إلي لأنها لغة أهل العالية، وهي أفصح والأخرى وهي الضم في نجد.
* *
وقوله ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾
يقول: لم يظفر من يخلق كذبا، ويقول بكذبه ذلك بحاجته التي طلبها به، ورجا إدراكها به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بينهم.
وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وقال آخرون: بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
* *
وقوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾
يقول تعالى ذكره: وأسرّوا السحرة المناجاة بينهم.
ثم اختلف أهل العلم في السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا.
وقال آخرون:في ذلك ما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ .
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ من دون موسى وهارون، قالوا في نجواهم ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قالوا: إن هذان لساحران، يَعْنُونَ بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا) موسى وهارون صلى الله عليهما.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ بتشديد إن وبالألف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: "إن" خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما، وقال بعض نحويي الكوفة: ذلك على وجهين: أحدهما على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، وقد أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث بن كعب:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى ... مَساغا لِناباه الشُّجاعُ لصَمما [[البيت للمتلمس: جرير بن عبد العزى، وقيل جرير بن عبد المسيح، من كلمة له رواها ابن الشجري (انظر كتاب الأشموني في النحو بشرح الأستاذ محيي الدين عبد الحميد، طبعة الحلبي ١: ٤٧) . قال: أطرق: سكت فلم يتكلم وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض. والشجاع: ضرب من الحيات لطيف دقيق، وهو أجرؤها. أو هو الحية العظيمة تثب على الفارس والراجل وتقوم على ذنبها، وربما بلغت رأس الفارس، وتكون في الصحاري. ومساغا: اسم مكان من ساغ يسوغ: إذا دخل ونفذ. وصمما عضد ونيب. والبيت جار على لغة بني الحارث بن كعب ومن لف لفهم، والشاهد فيه أن قوله لناباه مثنى مجرور باللام، وقد جاء بالألف، وهي لغة بني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل، وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة. ويخرج بعض النحويين على هذه اللغة قوله تعالى: " إن هذان لساحران " وقوله ﷺ: " لا وتران في ليلة ". قال الفراء في معاني القرآن (الورقة ١٩٨ من مصورة الجامعة ٢٤٠٥٩) فقراءتنا بتشديد إن، وبالألف؛ على جهتين: إحداهما على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما وخفضهما بالألف، أنشدني رجل من الأسد عنهم " فأطرق إطراق الشجاع ". . . البيت. وحكى هذا الرجل عنهم: هذا خط يدا أخي، أعرفه بعينه وذلك وإن كان قليلا أقيس. (وساق المؤلف كلام الفراء إلى آخره) .]]
قال: وحكى عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قليلا أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأنها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، قالوا: فلما رأوا الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحا، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كلّ حال. قال: وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في كلا الرجلين، في الرفع والنصب والخفض، وهما اثنان، إلا بني كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كلي الرجلين، ومررت بكلي الرجلين، وهي قبيحة قليلة مضوا على القياس، قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الألف من هذا دعامة، وليست بلام فعل، فلما بنيت زدت عليها نونا، ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول بكلّ حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نونا تدلّ على الجمع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان في رفعه ونصبه وخفضه، قال: وكان القياس أن يقولوا: اللذون، وقال آخر منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نصب لخرج إلى الانبساط.
⁕ وحُدثت عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس: إن هذين لساحران في اللفظ، وكتب هذان كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب، قال: وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنين في موضع الجر والنصب، قال: وقال بشر بن هلال: إن بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترى أنها تعمل فيما يليها، ولا تعمل فيما بعد الذي بعدها، فترفع الخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مجاز "إن هذان لساحران"، مجاز كلامين، مَخْرجه: إنه إي نعم، ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترى أنهم يرفعون المشترك كقول ضابئ:
فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ [[البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وهو أول أبيات قالها وهو محبوس بالمدينة، في زمن عثمان بن عفان. وبعده ثلاثة أبيات أنشدها أبو العباس المبرد في الكامل (خزانة الأدب للبغدادي ٤: ٣٢٣ - ٣٢٨) واستشهد به النحاة على أن قوله (قيار) مبتدأ حذف خبره، والجملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها، والتقدير: فإني وقيار كذلك، لغريب. وإنما لم يجعل الخبر لقيار، ويكون خبر إن محذوفا؛ لأن اللام لا تدخل في خبر المبتدأ حتى يقدم، نحو لقائم زيد. وهذا تخريج له خلاف مذهب سيبويه، فإن الجملة عنده في نية التأخير، فهي معطوفة لا معترضة، وزعم الكسائي والفراء أن نصب إن ضعيف لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر، قال الزجاج: وهذا غلط، لأن إن قد عملت عملين: الرفع والنصب، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع، لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل، إلا فيما لم يسم فاعله. وكيف يكون نصب إن ضعيفا وهي تتخطى الظروف وتنصب ما بعدها نحو " إن فيها قوما جبارين "، ونصب إن من أقوى المنصوبات أه.]]
وقوله:
إنَّ السُّيوفَ غُدُوَّها ورَوَاحَها ... تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعْضَبِ [[البيت للأخطل (خزانة الأدب للبغدادي ٢: ٣٧٢) من قصيدة له ستة عشر بيتا مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس. والبيت شاهد عند النحاة على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، أي يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل فإن قوله " غدوها " بدل من السيوف، قال المبرد في الكامل: هو بدل اشتمال، وقد روعي المبدل منه في اللفظ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل ولو روعي لقيل " تركا " بالتثنية. وهوازن: أبو قبيلة، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. والأعضب: الذي انكسر أحد قرنيه. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أنهم قد يرفعون المشترك، أي المعطوف على اسم إن، وليس في البيت عطف على اسم إن، وإنما هو إبدال من المنصوب كما قرره المبرد وأبو علي الفارسي في إيضاح الشعر.]]
قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكته يصلون على النبيّ، فيرفعون على شركة الابتداء، ولا يعملون فيه إنَّ. قال: وقد سمعت الفصحاء من المحرمين يقولون: إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك، قال: وقرأها قوم على تخفيف نون إن وإسكانها، قال: ويجوز لأنهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهي فصل، قال:
أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز نسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش بالشين في آخره، وقيل بالسين، مولى ثقيف. (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٤: ٣٢٨ - ٣٣٠) . وهو شاهد على أنه شذ دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر، مجردا من إن. وقدر بعضهم: لهي عجوز، لتكون في التقدير داخلة على المبتدأ. قال ابن السراج في الأصول: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير (إلا أنهم لا يأكلون الطعام) : فتح أن، وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله: أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة
انتهى. وعند ابن جني غير زائدة، لكنها في البيت ضرورة. قال في سر الصناعة: وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها؛ والوجه أن يقال: لأم الحليس عجوز شهربه، كما يقال لزيد قائم. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أن اللام فيه " وقيار بها لغريب " هي لام ابتداء أخرجت إلى الخبر، كما في قول الراجز: أم الحليس لعجوز، وأصله: لأم الحليس عجوز.]]
قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لأنه إذا خفف نون "إن" فلا بدّ له من أن يدخل "إلا" فيقول: إن هذا إلا ساحران.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿إنّ﴾ بتشديد نونها، وهذان بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه كذلك هو في خطّ المصحف، ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهته الذين إذ زادوا على الذي النون، وأقرّ في جميع الأحوال الإعراب على حالة واحدة، فكذلك ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ زيدت على هذا نون وأقرّ في جميع أحوال الإعراب على حال واحدة، وهي لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومن وليهم من قبائل اليمن.
* *
وقوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾
يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ وهؤلاء نظائر قومهم.
وأما قوله ﴿المُثْلَى﴾ فإنها تأنيث الأمثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما. وفي المذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد يحتمل أن يكون المُثلى أنثت لتأنيث الطريقة.
وبنحو ما قلنا في معنى قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ قال: أولي العقل والشرف والأنساب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولي العقول والأشراف والأنساب.
⁕ حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا وأولادا، قال عدوّ الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: ببني إسرائيل.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: يذهبا بأشراف قومكم.
وقال آخرون: معنى ذلك، ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغير ما أنتم عليه، وقرأ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ قال: هذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة.
ورُوي عن عليّ في معنى قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ما:-
⁕ حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن عليّ بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بينهم.
وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وقال آخرون: بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
* *
وقوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾
يقول تعالى ذكره: وأسرّوا السحرة المناجاة بينهم.
ثم اختلف أهل العلم في السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا.
وقال آخرون:في ذلك ما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ .
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ من دون موسى وهارون، قالوا في نجواهم ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قالوا: إن هذان لساحران، يَعْنُونَ بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا) موسى وهارون صلى الله عليهما.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ بتشديد إن وبالألف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: "إن" خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما، وقال بعض نحويي الكوفة: ذلك على وجهين: أحدهما على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، وقد أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث بن كعب:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى ... مَساغا لِناباه الشُّجاعُ لصَمما [[البيت للمتلمس: جرير بن عبد العزى، وقيل جرير بن عبد المسيح، من كلمة له رواها ابن الشجري (انظر كتاب الأشموني في النحو بشرح الأستاذ محيي الدين عبد الحميد، طبعة الحلبي ١: ٤٧) . قال: أطرق: سكت فلم يتكلم وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض. والشجاع: ضرب من الحيات لطيف دقيق، وهو أجرؤها. أو هو الحية العظيمة تثب على الفارس والراجل وتقوم على ذنبها، وربما بلغت رأس الفارس، وتكون في الصحاري. ومساغا: اسم مكان من ساغ يسوغ: إذا دخل ونفذ. وصمما عضد ونيب. والبيت جار على لغة بني الحارث بن كعب ومن لف لفهم، والشاهد فيه أن قوله لناباه مثنى مجرور باللام، وقد جاء بالألف، وهي لغة بني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل، وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة. ويخرج بعض النحويين على هذه اللغة قوله تعالى: " إن هذان لساحران " وقوله ﷺ: " لا وتران في ليلة ". قال الفراء في معاني القرآن (الورقة ١٩٨ من مصورة الجامعة ٢٤٠٥٩) فقراءتنا بتشديد إن، وبالألف؛ على جهتين: إحداهما على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما وخفضهما بالألف، أنشدني رجل من الأسد عنهم " فأطرق إطراق الشجاع ". . . البيت. وحكى هذا الرجل عنهم: هذا خط يدا أخي، أعرفه بعينه وذلك وإن كان قليلا أقيس. (وساق المؤلف كلام الفراء إلى آخره) .]]
قال: وحكى عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قليلا أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأنها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، قالوا: فلما رأوا الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحا، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كلّ حال. قال: وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في كلا الرجلين، في الرفع والنصب والخفض، وهما اثنان، إلا بني كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كلي الرجلين، ومررت بكلي الرجلين، وهي قبيحة قليلة مضوا على القياس، قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الألف من هذا دعامة، وليست بلام فعل، فلما بنيت زدت عليها نونا، ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول بكلّ حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نونا تدلّ على الجمع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان في رفعه ونصبه وخفضه، قال: وكان القياس أن يقولوا: اللذون، وقال آخر منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نصب لخرج إلى الانبساط.
⁕ وحُدثت عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس: إن هذين لساحران في اللفظ، وكتب هذان كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب، قال: وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنين في موضع الجر والنصب، قال: وقال بشر بن هلال: إن بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترى أنها تعمل فيما يليها، ولا تعمل فيما بعد الذي بعدها، فترفع الخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مجاز "إن هذان لساحران"، مجاز كلامين، مَخْرجه: إنه إي نعم، ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترى أنهم يرفعون المشترك كقول ضابئ:
فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ [[البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وهو أول أبيات قالها وهو محبوس بالمدينة، في زمن عثمان بن عفان. وبعده ثلاثة أبيات أنشدها أبو العباس المبرد في الكامل (خزانة الأدب للبغدادي ٤: ٣٢٣ - ٣٢٨) واستشهد به النحاة على أن قوله (قيار) مبتدأ حذف خبره، والجملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها، والتقدير: فإني وقيار كذلك، لغريب. وإنما لم يجعل الخبر لقيار، ويكون خبر إن محذوفا؛ لأن اللام لا تدخل في خبر المبتدأ حتى يقدم، نحو لقائم زيد. وهذا تخريج له خلاف مذهب سيبويه، فإن الجملة عنده في نية التأخير، فهي معطوفة لا معترضة، وزعم الكسائي والفراء أن نصب إن ضعيف لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر، قال الزجاج: وهذا غلط، لأن إن قد عملت عملين: الرفع والنصب، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع، لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل، إلا فيما لم يسم فاعله. وكيف يكون نصب إن ضعيفا وهي تتخطى الظروف وتنصب ما بعدها نحو " إن فيها قوما جبارين "، ونصب إن من أقوى المنصوبات أه.]]
وقوله:
إنَّ السُّيوفَ غُدُوَّها ورَوَاحَها ... تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعْضَبِ [[البيت للأخطل (خزانة الأدب للبغدادي ٢: ٣٧٢) من قصيدة له ستة عشر بيتا مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس. والبيت شاهد عند النحاة على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، أي يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل فإن قوله " غدوها " بدل من السيوف، قال المبرد في الكامل: هو بدل اشتمال، وقد روعي المبدل منه في اللفظ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل ولو روعي لقيل " تركا " بالتثنية. وهوازن: أبو قبيلة، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. والأعضب: الذي انكسر أحد قرنيه. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أنهم قد يرفعون المشترك، أي المعطوف على اسم إن، وليس في البيت عطف على اسم إن، وإنما هو إبدال من المنصوب كما قرره المبرد وأبو علي الفارسي في إيضاح الشعر.]]
قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكته يصلون على النبيّ، فيرفعون على شركة الابتداء، ولا يعملون فيه إنَّ. قال: وقد سمعت الفصحاء من المحرمين يقولون: إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك، قال: وقرأها قوم على تخفيف نون إن وإسكانها، قال: ويجوز لأنهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهي فصل، قال:
أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز نسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش بالشين في آخره، وقيل بالسين، مولى ثقيف. (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٤: ٣٢٨ - ٣٣٠) . وهو شاهد على أنه شذ دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر، مجردا من إن. وقدر بعضهم: لهي عجوز، لتكون في التقدير داخلة على المبتدأ. قال ابن السراج في الأصول: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير (إلا أنهم لا يأكلون الطعام) : فتح أن، وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله: أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة
انتهى. وعند ابن جني غير زائدة، لكنها في البيت ضرورة. قال في سر الصناعة: وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها؛ والوجه أن يقال: لأم الحليس عجوز شهربه، كما يقال لزيد قائم. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أن اللام فيه " وقيار بها لغريب " هي لام ابتداء أخرجت إلى الخبر، كما في قول الراجز: أم الحليس لعجوز، وأصله: لأم الحليس عجوز.]]
قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لأنه إذا خفف نون "إن" فلا بدّ له من أن يدخل "إلا" فيقول: إن هذا إلا ساحران.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿إنّ﴾ بتشديد نونها، وهذان بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه كذلك هو في خطّ المصحف، ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهته الذين إذ زادوا على الذي النون، وأقرّ في جميع الأحوال الإعراب على حالة واحدة، فكذلك ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ زيدت على هذا نون وأقرّ في جميع أحوال الإعراب على حال واحدة، وهي لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومن وليهم من قبائل اليمن.
* *
وقوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾
يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ وهؤلاء نظائر قومهم.
وأما قوله ﴿المُثْلَى﴾ فإنها تأنيث الأمثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما. وفي المذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد يحتمل أن يكون المُثلى أنثت لتأنيث الطريقة.
وبنحو ما قلنا في معنى قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ قال: أولي العقل والشرف والأنساب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولي العقول والأشراف والأنساب.
⁕ حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا وأولادا، قال عدوّ الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: ببني إسرائيل.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: يذهبا بأشراف قومكم.
وقال آخرون: معنى ذلك، ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغير ما أنتم عليه، وقرأ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ قال: هذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة.
ورُوي عن عليّ في معنى قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ما:-
⁕ حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن عليّ بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) ﴾
اختلفت القراء في قراءة قوله ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ بهمز الألف من ﴿فأجْمِعُوا﴾ ، ووجِّهوا معنى ذلك إلى: فأحكموا كيدكم، واعزموا عليه، من قولهم: أجمع فلان الخروج، وأجمع على الخروج، كما يقال: أزمع عليه، ومنه قول الشاعر:
يا لَيت شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أغْدُونْ يوْما وأمْرِي مُجْمعُ [[البيت في (اللسان: جمع) ولم ينسبه قال وجمع أمره وأجمع عليه: عزم عليه، كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع. ويقال أيضا. أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا وقال آخر " يا ليت شعري. . . البيت " وقوله تعالى: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " أي وادعوا شركاءكم قال وكذلك هي في قراءة عبد الله؛ لأنه لا يقال أجمعت شركائي، إنما يقال جمعت، وقال الفراء الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر قال ونصب شركائي بفعل مضمر، كأنك قلت فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم قال أبو إسحاق الذي قاله الفراء غلط في إضماره " وادعوا شركاءكم ". لأن الكلام لا فائدة له. لأنهم كانوا يدعون شركاءهم لأن يجمعوا أمرهم. قال والمعنى فأجمعوا أمركم مع شركاءكم، وإذا كان الدعاء لغير شيء فلا فائدة فيه قالوا والواو بمعنى مع. كقولك " لو يركب الناقة وفصيلها لرضعها " المعنى لو يركب الناقة مع فصيلها قال ومن قرأ " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " بألف موصولة فإنه يعطف شركاءكم على أمركم قال ويجوز فأجمعوا أمركم مع شركائكم.]]
يعني بقوله: "مجمع"؛ قد أحكم وعزم عليه، ومنه قول النبيّ ﷺ: "مَنْ لمْ يُجْمَعْ عَلى الصَّوْمِ مِن اللَّيْلِ فَلا صَوْم لَهُ".
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة: ﴿فاجْمِعُوا كَيْدكُمْ﴾ بوصل الألف، وترك همزها، من جمعت الشيء، كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تدعَوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به. وكان بعض قارئي هذه القراءة يعتلّ فيما ذُكر لي لقراءته ذلك كذلك بقوله ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ..
قال أبو جعفر: والصواب في قراءة ذلك عندنا همز الألف من أجمع، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن السحرة هم الذين كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يقال لهم: أجمعوا ما دعيتم له مما أنتم به عالمون، لأن المرء إنما يجمع ما لم يكن عنده إلى ما عنده، ولم يكن ذلك يوم تزيد في علمهم بما كانوا يعملونه من السحر، بل كان يوم إظهاره، أو كان متفرّقا مما هو عنده، بعضه إلى بعض، ولم يكن السحر متفرّقا عندهم فيجمعونه، وأما قوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ فغير شبيه المعنى بقوله ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ وذلك أن فرعون كان هو الذي يجمع ويحتفل بما يغلب به موسى مما لم يكن عنده مجتمعا حاضرا، فقيل: فتولى فرعون فجمع كيده.
* *
وقوله ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾
يقول: احضروا وجيئوا صفا، والصفّ هاهنا مصدر، ولذلك وحد، ومعناه: ثم ائتوا صفوفا، وللصفّ في كلام العرب موضع آخر، وهو قول العرب: أتيت الصفّ اليوم، يعني به المصلى الذي يصلي فيه.
* *
وقوله ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾
يقول: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي قد أفلح من أفلج اليوم على صاحبه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأجمعت السحرة كيدهم، ثم أتوا صفا فقالوا لموسى ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبي بزّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين فاغر به فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ .
وقال آخرون: بل كانوا نيفا وثلاثين ألف رجل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ﴾ ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا.
وقال آخرون بل كانوا خمسة عشر ألفا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه.
وقال آخرون: كانوا تسع مئة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فيوم، ويشكون في ثلاث مئة من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تلقي ما معك قبلنا، وإما أن نلقي ما معنا قبلك، وذلك قوله ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ وأن في قوله ﴿إمَّا أنْ﴾ في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نكون أوّل من ألقى، ولو قال قائل: هو رفع، كان مذهبا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبر، كقول القائل:
فَسِيرَا فإمَّا حاجَةً تَقْضِيانها ... وإمَّا مَقِيل صَالِحٌ وصَدِيقُ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة، الورقة ١٩٨) قال: وقوله " إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ". . أن وأن: في موضع نصب، والمعنى: اختر إحدى هاتين؛ ولو رفع إذ لم يظهر الفعل، كان صوابا، كأنه خبر، كقول الشاعر: فسيرا. . . البيت ". ولو رفع " فإما منا بعد وإما فداء " كان أيضا صوابا. ومذهبه كمذهب قوله: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " والنصب في قوله " إما أن تلقي " وفي قوله " فإما منا بعد وإما فداء ": أجود من الرفع، لأنه شيء ليس بعام، مثل ما ترى من معنى قوله " فإمساك " و " فصيام ثلاثة أيام " لما كان المعنى يعم الناس في الإمساك بالمعروف في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين، كان الجزاء، فرفع لذلك، والاختيار إنما هي فعلة واحدة.]]
* *
وقوله ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾
يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة: بل ألقوا أنتم ما معكم قبلي.
* *
وقوله ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾
، وفي هذا الكلام متروك، وهو: فألقوا ما معهم من الحبال والعصيّ، فإذا حبالهم، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه عنه، وذُكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: قالوا يا موسى، ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كلّ رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الحبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا.
واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ بالياء بمعنى: يخيل إليهم سعيها، وإذا قرئ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع رفع، ورُوي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: ﴿تُخَيَّلُ﴾ بالتاء، بمعنى: تخيل حبالهم وعصيهم بأنها تسعى، ومن قرأ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع نصب لتعلق تخيل بها، وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: ﴿تُخَيَّلُ إلَيْه﴾ بمعنى: تتخيل إليه، وإذا قرئ ذلك كذلك أيضا ف "أن" في موضع نصب بمعنى: تتخيل بالسعي لهم.
والقراءة التي لا يجوز عندي في ذلك غيرها ﴿يُخَيَّل﴾ بالياء، لإجماع الحجة من القراء عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأجمعت السحرة كيدهم، ثم أتوا صفا فقالوا لموسى ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبي بزّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين فاغر به فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ .
وقال آخرون: بل كانوا نيفا وثلاثين ألف رجل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ﴾ ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا.
وقال آخرون بل كانوا خمسة عشر ألفا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه.
وقال آخرون: كانوا تسع مئة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فيوم، ويشكون في ثلاث مئة من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تلقي ما معك قبلنا، وإما أن نلقي ما معنا قبلك، وذلك قوله ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ وأن في قوله ﴿إمَّا أنْ﴾ في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نكون أوّل من ألقى، ولو قال قائل: هو رفع، كان مذهبا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبر، كقول القائل:
فَسِيرَا فإمَّا حاجَةً تَقْضِيانها ... وإمَّا مَقِيل صَالِحٌ وصَدِيقُ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة، الورقة ١٩٨) قال: وقوله " إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ". . أن وأن: في موضع نصب، والمعنى: اختر إحدى هاتين؛ ولو رفع إذ لم يظهر الفعل، كان صوابا، كأنه خبر، كقول الشاعر: فسيرا. . . البيت ". ولو رفع " فإما منا بعد وإما فداء " كان أيضا صوابا. ومذهبه كمذهب قوله: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " والنصب في قوله " إما أن تلقي " وفي قوله " فإما منا بعد وإما فداء ": أجود من الرفع، لأنه شيء ليس بعام، مثل ما ترى من معنى قوله " فإمساك " و " فصيام ثلاثة أيام " لما كان المعنى يعم الناس في الإمساك بالمعروف في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين، كان الجزاء، فرفع لذلك، والاختيار إنما هي فعلة واحدة.]]
* *
وقوله ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾
يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة: بل ألقوا أنتم ما معكم قبلي.
* *
وقوله ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾
، وفي هذا الكلام متروك، وهو: فألقوا ما معهم من الحبال والعصيّ، فإذا حبالهم، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه عنه، وذُكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: قالوا يا موسى، ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كلّ رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الحبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا.
واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ بالياء بمعنى: يخيل إليهم سعيها، وإذا قرئ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع رفع، ورُوي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: ﴿تُخَيَّلُ﴾ بالتاء، بمعنى: تخيل حبالهم وعصيهم بأنها تسعى، ومن قرأ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع نصب لتعلق تخيل بها، وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: ﴿تُخَيَّلُ إلَيْه﴾ بمعنى: تتخيل إليه، وإذا قرئ ذلك كذلك أيضا ف "أن" في موضع نصب بمعنى: تتخيل بالسعي لهم.
والقراءة التي لا يجوز عندي في ذلك غيرها ﴿يُخَيَّل﴾ بالياء، لإجماع الحجة من القراء عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: فأوجس في نفسه خوفا موسى فوجده.
* *
وقوله ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾
يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى إذ أوجس في نفسه خيفة ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ على هؤلاء السحرة، وعلى فرعون وجنده، والقاهر لهم ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ يقول: وألق عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروها حتى خيل إليك أنها تسعى.
* *
وقوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع كيد وبالألف في ساحر بمعنى: إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع الكيد وبغير الألف في السحر بمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الكيد هو المكر والخدعة، فالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تخيله إلى المسحور، على خلاف ما هو به في حقيقته، فالساحر كائد بالسحر، والسحر كائد بالتخييل، فإلى أيهما أضفت الكيد فهو صواب، وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ﴿كَيْدَ سِحْرٍ﴾ بنصب كيد، ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنما حرفا واحدا وأعمل صنعوا في كيد.
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها.
* *
وقوله ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾
يقول: ولا يظفر الساحر بسحره بما طلب أين كان. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول: معنى ذلك: أن الساحر يُقتل حيث وُجد. وذكر بعض نحويي البصرة، أن ذلك في حرف ابن مسعود ﴿ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أيْنَ أتَى﴾ وقال: العرب تقول: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، وقال غيره من أهل العربية الأول: جزاء يقتل الساحر حيث أتى وأين أتى وقال: وأما قول العرب: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، فإنما هو جواب لم يفهم، فاستفهم كما قالوا: أين الماء والعشب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: فأوجس في نفسه خوفا موسى فوجده.
* *
وقوله ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾
يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى إذ أوجس في نفسه خيفة ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ على هؤلاء السحرة، وعلى فرعون وجنده، والقاهر لهم ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ يقول: وألق عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروها حتى خيل إليك أنها تسعى.
* *
وقوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع كيد وبالألف في ساحر بمعنى: إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع الكيد وبغير الألف في السحر بمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الكيد هو المكر والخدعة، فالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تخيله إلى المسحور، على خلاف ما هو به في حقيقته، فالساحر كائد بالسحر، والسحر كائد بالتخييل، فإلى أيهما أضفت الكيد فهو صواب، وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ﴿كَيْدَ سِحْرٍ﴾ بنصب كيد، ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنما حرفا واحدا وأعمل صنعوا في كيد.
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها.
* *
وقوله ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾
يقول: ولا يظفر الساحر بسحره بما طلب أين كان. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول: معنى ذلك: أن الساحر يُقتل حيث وُجد. وذكر بعض نحويي البصرة، أن ذلك في حرف ابن مسعود ﴿ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أيْنَ أتَى﴾ وقال: العرب تقول: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، وقال غيره من أهل العربية الأول: جزاء يقتل الساحر حيث أتى وأين أتى وقال: وأما قول العرب: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، فإنما هو جواب لم يفهم، فاستفهم كما قالوا: أين الماء والعشب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: فأوجس في نفسه خوفا موسى فوجده.
* *
وقوله ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾
يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى إذ أوجس في نفسه خيفة ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ على هؤلاء السحرة، وعلى فرعون وجنده، والقاهر لهم ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ يقول: وألق عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروها حتى خيل إليك أنها تسعى.
* *
وقوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع كيد وبالألف في ساحر بمعنى: إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ برفع الكيد وبغير الألف في السحر بمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الكيد هو المكر والخدعة، فالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تخيله إلى المسحور، على خلاف ما هو به في حقيقته، فالساحر كائد بالسحر، والسحر كائد بالتخييل، فإلى أيهما أضفت الكيد فهو صواب، وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ﴿كَيْدَ سِحْرٍ﴾ بنصب كيد، ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنما حرفا واحدا وأعمل صنعوا في كيد.
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها.
* *
وقوله ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾
يقول: ولا يظفر الساحر بسحره بما طلب أين كان. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول: معنى ذلك: أن الساحر يُقتل حيث وُجد. وذكر بعض نحويي البصرة، أن ذلك في حرف ابن مسعود ﴿ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أيْنَ أتَى﴾ وقال: العرب تقول: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، وقال غيره من أهل العربية الأول: جزاء يقتل الساحر حيث أتى وأين أتى وقال: وأما قول العرب: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، فإنما هو جواب لم يفهم، فاستفهم كما قالوا: أين الماء والعشب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) ﴾
وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه وهو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحوّل ثعبانا، فالتقم كلّ ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي.
ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، قال: فتحت فما لها مثل الدحل، ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، ثم استوعبت كل شيء ألقوه من السحر، ثم جاء إليها فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ قال: فكان أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال: فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأوحى الله إليه ﴿لا تَخَفْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصيّ وخيل إليه أنها تسعى، وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه، أو كما حدّث نفسه، فأوحى الله إليه أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وفرح موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحر ما غلبنا.
* *
وقوله ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾
يقول جلّ ثناؤه: وقال فرعون للسحرة: أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ يقول: إن موسى لعظيمكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ .
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: لما قالت السحرة ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قال لهم فرعون، وأسف ورأى الغلبة والبينة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ : أي لعظيم السحار الذي علمكم.
* *
وقوله: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾
يقول: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين، ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعا من خلاف، وكان فيما ذُكر أوّل من فعل ذلك فرعون، وقد ذكرنا الرواية بذلك.
* *
وقوله ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾
يقول: ولأصلبنكم على جذوع النخل، كما قال الشاعر:
هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِي جِذعِ نَخْلَةٍ ... فَلا عَطَسَتْ شَيْبان إلا بأجْدَعا [[البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري (اللسان: عبد) قال: قال سيبويه: النسبة إلى عبد القيس عبدي، وهو من القسم الذي أضيف فيه الأول، لأنهم لو قالوا: قيسي، لالتبس بالمضاف إلى قيس عيلان ونحوه، قال سويد بن أبي كاهل: " وهو صلبوا. . . البيت ". قال ابن بري: قوله بأجدعا، أي بأنف أجدع، فحذف الموصوف، وأقام صفته مكانه. واستشهد المؤلف بقوله: صلبوا العبدي في جذع نخلة أي على جذع نخلة، كقول القرآن: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ. وإنما ذلك على الاستعارة التبعية في الحرف (في) بتشبيه الاستعلاء بالظرفية، بجامع التمكن في كل منهما.]]
يعني على، جذع نخلة، وإنما قيل: في جذوع، لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا، وآمنوا عند ذلك، قال عدو الله ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ ... الآية.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال فرعون: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال: كانوا في أوّل النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء.
* *
وقوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾
يقول: ولتعلمنَّ أيها السحرة أينا أشدّ عذابا لكم، وأدوم، أنا أو موسى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) ﴾
وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه وهو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحوّل ثعبانا، فالتقم كلّ ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي.
ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، قال: فتحت فما لها مثل الدحل، ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، ثم استوعبت كل شيء ألقوه من السحر، ثم جاء إليها فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ قال: فكان أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال: فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأوحى الله إليه ﴿لا تَخَفْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصيّ وخيل إليه أنها تسعى، وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه، أو كما حدّث نفسه، فأوحى الله إليه أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وفرح موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحر ما غلبنا.
* *
وقوله ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾
يقول جلّ ثناؤه: وقال فرعون للسحرة: أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ يقول: إن موسى لعظيمكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ .
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: لما قالت السحرة ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قال لهم فرعون، وأسف ورأى الغلبة والبينة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ : أي لعظيم السحار الذي علمكم.
* *
وقوله: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾
يقول: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين، ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعا من خلاف، وكان فيما ذُكر أوّل من فعل ذلك فرعون، وقد ذكرنا الرواية بذلك.
* *
وقوله ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾
يقول: ولأصلبنكم على جذوع النخل، كما قال الشاعر:
هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِي جِذعِ نَخْلَةٍ ... فَلا عَطَسَتْ شَيْبان إلا بأجْدَعا [[البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري (اللسان: عبد) قال: قال سيبويه: النسبة إلى عبد القيس عبدي، وهو من القسم الذي أضيف فيه الأول، لأنهم لو قالوا: قيسي، لالتبس بالمضاف إلى قيس عيلان ونحوه، قال سويد بن أبي كاهل: " وهو صلبوا. . . البيت ". قال ابن بري: قوله بأجدعا، أي بأنف أجدع، فحذف الموصوف، وأقام صفته مكانه. واستشهد المؤلف بقوله: صلبوا العبدي في جذع نخلة أي على جذع نخلة، كقول القرآن: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ. وإنما ذلك على الاستعارة التبعية في الحرف (في) بتشبيه الاستعلاء بالظرفية، بجامع التمكن في كل منهما.]]
يعني على، جذع نخلة، وإنما قيل: في جذوع، لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا، وآمنوا عند ذلك، قال عدو الله ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ ... الآية.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال فرعون: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال: كانوا في أوّل النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء.
* *
وقوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾
يقول: ولتعلمنَّ أيها السحرة أينا أشدّ عذابا لكم، وأدوم، أنا أو موسى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت السحرة لفرعون لما توعدهم بما توعدهم به ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنتبعك ونكذب من أجلك موسى ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يقول: قالوا: لن نؤثرك على الذي جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا، ويعني بقوله ﴿فَطَرَنا﴾ خلقنا، فالذي من قوله ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خفض على قوله ﴿مَا جَاءَنَا﴾ وقد يحتمل أن يكون قوله ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خفضا على القسم، فيكون معنى الكلام: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله، وقوله ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقول: إنما تقدر أن تعذّبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى، ونصب الحياة الدنيا على الوقت وجعلت إنما حرفا واحدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي على الله على ما جاءنا من الحجج مع بينة ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي اصنع ما بدا لك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي ليس لك سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعده.
* *
وقوله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾
يقول تعالى ذكره: إنا أقررنا بتوحيد ربنا، وصدقنا بوعده ووعيده، وأن ما جاء به موسى حق ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ يقول: ليعفو لنا عن ذنوبنا فيسترها علينا ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ يقول: ليغفر لنا ذنوبنا، وتعلمنا ما تعلمناه من السحر، وعملنا به الذي أكرهتنا على تعلُّمه والعمل به، وذُكر أن فرعون كان أخذهم بتعليم السحر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة، تعلمهم السحر بالفَرَما.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: أمرهم بتعلم السحر، قال: تركوا كتاب الله، وأمروا قومهم بتعليم السحر.
﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ قال: أمرتنا أن نتعلمه.
* *
وقوله ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
يقول: والله خير منك يا فرعون جزاء لمن أطاعه، وأبقى عذابا لمن عصاه وخالف أمره.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ : خير منك ثوابا، وأبقى عذابا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قالا خيرا منك إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عُصي.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت السحرة لفرعون لما توعدهم بما توعدهم به ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنتبعك ونكذب من أجلك موسى ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يقول: قالوا: لن نؤثرك على الذي جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا، ويعني بقوله ﴿فَطَرَنا﴾ خلقنا، فالذي من قوله ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خفض على قوله ﴿مَا جَاءَنَا﴾ وقد يحتمل أن يكون قوله ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خفضا على القسم، فيكون معنى الكلام: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله، وقوله ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقول: إنما تقدر أن تعذّبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى، ونصب الحياة الدنيا على الوقت وجعلت إنما حرفا واحدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي على الله على ما جاءنا من الحجج مع بينة ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي اصنع ما بدا لك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي ليس لك سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعده.
* *
وقوله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾
يقول تعالى ذكره: إنا أقررنا بتوحيد ربنا، وصدقنا بوعده ووعيده، وأن ما جاء به موسى حق ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ يقول: ليعفو لنا عن ذنوبنا فيسترها علينا ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ يقول: ليغفر لنا ذنوبنا، وتعلمنا ما تعلمناه من السحر، وعملنا به الذي أكرهتنا على تعلُّمه والعمل به، وذُكر أن فرعون كان أخذهم بتعليم السحر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة، تعلمهم السحر بالفَرَما.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال: أمرهم بتعلم السحر، قال: تركوا كتاب الله، وأمروا قومهم بتعليم السحر.
﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ قال: أمرتنا أن نتعلمه.
* *
وقوله ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
يقول: والله خير منك يا فرعون جزاء لمن أطاعه، وأبقى عذابا لمن عصاه وخالف أمره.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ : خير منك ثوابا، وأبقى عذابا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قالا خيرا منك إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عُصي.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة لفرعون ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ من خلقه ﴿مُجْرِما﴾ يقول: مكتسبا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ يقول: فإن له جهنم مأوى ومسكنا، جزاء له على كفره ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلا يَحْيَا﴾ فتستقر نفسه في مقرها فتطمئن، ولكنها تتعلق بالحناجر منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ موحدا لا يُشرك به ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات، فأولئك لهم الدرجات العلى. ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة؛ فالجنات من قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوعة بالردّ على الدرجات.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: عدن.
* *
وقوله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
يقول: وهذه الدرجات العُلى التي هي جنات عدن على ما وصف جلّ جلاله ثواب من تزكى، يعني: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فيما أمره، ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة لفرعون ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ من خلقه ﴿مُجْرِما﴾ يقول: مكتسبا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ يقول: فإن له جهنم مأوى ومسكنا، جزاء له على كفره ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلا يَحْيَا﴾ فتستقر نفسه في مقرها فتطمئن، ولكنها تتعلق بالحناجر منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ موحدا لا يُشرك به ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات، فأولئك لهم الدرجات العلى. ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة؛ فالجنات من قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوعة بالردّ على الدرجات.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: عدن.
* *
وقوله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
يقول: وهذه الدرجات العُلى التي هي جنات عدن على ما وصف جلّ جلاله ثواب من تزكى، يعني: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فيما أمره، ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة لفرعون ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ من خلقه ﴿مُجْرِما﴾ يقول: مكتسبا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ يقول: فإن له جهنم مأوى ومسكنا، جزاء له على كفره ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلا يَحْيَا﴾ فتستقر نفسه في مقرها فتطمئن، ولكنها تتعلق بالحناجر منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ موحدا لا يُشرك به ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات، فأولئك لهم الدرجات العلى. ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة؛ فالجنات من قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوعة بالردّ على الدرجات.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: عدن.
* *
وقوله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
يقول: وهذه الدرجات العُلى التي هي جنات عدن على ما وصف جلّ جلاله ثواب من تزكى، يعني: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فيما أمره، ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى (٧٧) ﴾
يقول تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى﴾ نبينا ﴿مُوسَى﴾ إذ تابعنا له الحجج على فرعون، فأبى أن يستجيب لأمر ربه، وطغى وتمادى في طغيانه ﴿أنْ أسْرِ﴾ ليلا ﴿بِعِبادِي﴾ يعني بعبادي من بني إسرائيل،
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ يقول: فاتخذ لهم في البحر طريقا يابسا، واليَبَس واليَبْس: يجمع أيباس، تقول: وقفوا في أيباس من الأرض، واليَبْس المخفف: يجمع يبوس.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿يَبسا﴾ قال: يابسا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد، مثله.
وأما قوله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ فإنه يعني: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تخشى غرقا من بين يديك ووَحَلا.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ يقول: ﴿لا تخافُ﴾ من آل فرعون ﴿دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ من البَحْرِ غرقا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ يقول: لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تخشى الغرق أمامك.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيْج: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أصحاب فرعون ﴿ولا تَخْشَى﴾ من البحر وحلا.
⁕ حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن بعض أصحابه، في قوله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ قال: الوَحَل.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار غير الأعمش وحمزة: ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ على الاستئناف بلا كما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ فرفع، وأكثر ما جاء في هذا الأمر الجواب مع "لا". وقرأ ذلك الأعمش وحمزة ﴿لا تَخَفْ دَرَكا﴾ فجزما لا تخاف على الجزاء، ورفعا ﴿وَلا تَخْشَى﴾ على الاستئناف، كما قال جلّ ثناؤه ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فاستأنف بثم، ولو نوى بقوله: ﴿وَلا تَخْشَى﴾ الجزم، وفيه الياء، كان جائزا، كما قال الراجز:
هُزّي إلَيْكِ الجِذْعَ يجْنِيكِ الجَنى
وأعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها ﴿لا تخافُ﴾ على وجه الرفع، لأن ذلك أفصح اللغتين، وإن كانت الأخرى جائزة، وكان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ اضرب لهم طريقا لا تخاف فيه دركا، قال: وحذف فيه، كما تقول: زيد أكرمت، وأنت تريد أكرمته، وكما تقول ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي لا تجزى فيه، وأما نحويو الكوفة فإنهم ينكرون حذف فيه إلا في المواقيت، لأنه يصلح فيها أن يقال: قمت اليوم وفي اليوم، ولا يجيزون ذلك في الأسماء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده في اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعا ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾ يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي (٨١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلما نجا موسى بقومه من البحر، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فِرْعَوْنَ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيمن، وقد بيَّنا المنّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ فكانت عامة قرّاء المدينة والبصرة يقرءونه ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف وسائر الحروف الأخرى معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿قَدْ أنْجَيْتُكُمْ﴾ بالتاء، وكذلك سائر الحروف الأخر، إلى قوله ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والألف.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب.
* *
وقوله ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
يقول تعالى ذكره لهم: كلوا يا بني إسرائيل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تعتدوا فيه، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا.
كما:-
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تظلموا.
* *
وقوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾
يقول: فينزل عليكم عقوبتي.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ يقول: فينزل عليكم غضبي.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام، ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي، وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة ﴿فَيَحُلَّ عَلَيْكُم﴾ بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه فيقع وينزل عليكم غضبي.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لأنهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما.
"٨١"
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده في اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعا ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾ يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي (٨١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلما نجا موسى بقومه من البحر، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فِرْعَوْنَ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيمن، وقد بيَّنا المنّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ فكانت عامة قرّاء المدينة والبصرة يقرءونه ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف وسائر الحروف الأخرى معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿قَدْ أنْجَيْتُكُمْ﴾ بالتاء، وكذلك سائر الحروف الأخر، إلى قوله ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والألف.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب.
* *
وقوله ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
يقول تعالى ذكره لهم: كلوا يا بني إسرائيل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تعتدوا فيه، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا.
كما:-
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تظلموا.
* *
وقوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾
يقول: فينزل عليكم عقوبتي.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ يقول: فينزل عليكم غضبي.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام، ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي، وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة ﴿فَيَحُلَّ عَلَيْكُم﴾ بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه فيقع وينزل عليكم غضبي.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لأنهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما.
"٨١"
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده في اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعا ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾ يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي (٨١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلما نجا موسى بقومه من البحر، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فِرْعَوْنَ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيمن، وقد بيَّنا المنّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ فكانت عامة قرّاء المدينة والبصرة يقرءونه ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف وسائر الحروف الأخرى معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿قَدْ أنْجَيْتُكُمْ﴾ بالتاء، وكذلك سائر الحروف الأخر، إلى قوله ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والألف.
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب.
* *
وقوله ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
يقول تعالى ذكره لهم: كلوا يا بني إسرائيل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تعتدوا فيه، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا.
كما:-
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تظلموا.
* *
وقوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾
يقول: فينزل عليكم عقوبتي.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ يقول: فينزل عليكم غضبي.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام، ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي، وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة ﴿فَيَحُلَّ عَلَيْكُم﴾ بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه فيقع وينزل عليكم غضبي.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لأنهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما.
"٨١"
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يجب عليه غضبي، فينزل به، فقد هوى، يقول فقد تردى فشقي.
كما:-
⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ يقول: فقد شقي.
* *
وقوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾
يقول: وإني لذو غفر لمن تاب من شركه، فرجع منه إلى الإيمان لي ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لي الألوهة، ولم يشرك في عبادته إياي غيري. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: وأدّى فرائضي التي افترضتها عليه، واجتنب معاصي ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم ذلك فاستقام ولم يضيع شيئا منه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وحد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: أدى فرائضي.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وآمَنَ﴾ به ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينه وبين الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لله، وعمل في إخلاصه.
واختلفوا في معنى قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فقال بعضهم: معناه: لم يشكك في إيمانه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: لم يشكُك.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لزم الإيمان والعمل الصالح.
ذكر قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استقام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال آخرون: بل معناه: أصاب العمل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أصاب العمل.
وقال آخرون: معنى ذلك: عرف أمر مُثيبه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الذنب ﴿وآمَنَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدّى ما افترضت عليه ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرف مثيبه إن خيرًّا فخير، وإن شرًّا فشر.
وقال آخرون بما:-
⁕ حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: إلى ولاية أهل بيت النبيّ ﷺ.
قال أبو جعفر: إنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه فلا شكّ في اهتدائه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يجب عليه غضبي، فينزل به، فقد هوى، يقول فقد تردى فشقي.
كما:-
⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ يقول: فقد شقي.
* *
وقوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾
يقول: وإني لذو غفر لمن تاب من شركه، فرجع منه إلى الإيمان لي ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لي الألوهة، ولم يشرك في عبادته إياي غيري. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: وأدّى فرائضي التي افترضتها عليه، واجتنب معاصي ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم ذلك فاستقام ولم يضيع شيئا منه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وحد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: أدى فرائضي.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وآمَنَ﴾ به ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينه وبين الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لله، وعمل في إخلاصه.
واختلفوا في معنى قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فقال بعضهم: معناه: لم يشكك في إيمانه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: لم يشكُك.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لزم الإيمان والعمل الصالح.
ذكر قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استقام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أخذ بسنة نبيه ﷺ.
وقال آخرون: بل معناه: أصاب العمل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أصاب العمل.
وقال آخرون: معنى ذلك: عرف أمر مُثيبه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الذنب ﴿وآمَنَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدّى ما افترضت عليه ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرف مثيبه إن خيرًّا فخير، وإن شرًّا فشر.
وقال آخرون بما:-
⁕ حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: إلى ولاية أهل بيت النبيّ ﷺ.
قال أبو جعفر: إنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه فلا شكّ في اهتدائه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ وأي شيء أعجلك ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ فتقدمتهم وخلفتهم وراءك، ولم تكن معهم
﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ يقول: قومي على أثري يلحقون بي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ يقول وعجلت أنا فسبقتهم ربّ كيما ترضى عني.
وإنما قال الله تعالى ذكره لموسى: ما أعجلك عن قومك، لأنه جلّ ثناؤه، فيما بلغنا، حين نجاه وبني إسرائيل من فرعون وقومه، وقطع بهم البحر، وعدهم جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وأقام هارون في بني إسرائيل يسير بهم على أثر موسى.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه، ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه فيها بما شاء، فاستخلف موسى هارون في بني إسرائيل، ومعه السامريّ، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به، فلما كلم الله موسى، قال له ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ .
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال: لأرضيك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ وأي شيء أعجلك ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ فتقدمتهم وخلفتهم وراءك، ولم تكن معهم
﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ يقول: قومي على أثري يلحقون بي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ يقول وعجلت أنا فسبقتهم ربّ كيما ترضى عني.
وإنما قال الله تعالى ذكره لموسى: ما أعجلك عن قومك، لأنه جلّ ثناؤه، فيما بلغنا، حين نجاه وبني إسرائيل من فرعون وقومه، وقطع بهم البحر، وعدهم جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وأقام هارون في بني إسرائيل يسير بهم على أثر موسى.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه، ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه فيها بما شاء، فاستخلف موسى هارون في بني إسرائيل، ومعه السامريّ، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به، فلما كلم الله موسى، قال له ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ .
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال: لأرضيك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) ﴾
يقول الله تعالى ذكره قال الله لموسى: فإنا يا موسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل، وذلك كان فتنتهم من بعد موسى.
ويعني بقوله ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾ من بعد فراقك إياهم يقول الله تبارك وتعالى ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ وكان إضلال السامريّ إياهم دعاءه إياهم إلى عبادة العجل.
* *
وقوله ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾
يقول: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين ليلة ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ متغيظا على قومه، حزينا لما أحدثوه بعده من الكفر بالله.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ يقول: حزينا، وقال في الزخرف ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ يقول: أغضبونا، والأسف على وجهين: الغضب، والحزن.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ يقول: حزينا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ : أي حزينا على ما صنع قومه من بعده.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أسِفا﴾ قال: حزينا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، وقوله ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ يقول: ألم يعدكم ربكم أنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، ويعدكم جانب الطور الأيمن، وينزل عليكم المنّ والسلوى، فذلك وعد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى: ألم يعدكموه ربكم، وقوله ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقول: أفطال عليكم العهد بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لديكم، أم أردتم أن يحلّ عليكم غضب من ربكم: يقول: أم أردتم أن يجب عليكم غضب من ربكم فتستحقوه بعبادتكم العجل، وكفركم بالله، فأخلفتم موعدي. وكان إخلافهم موعده، عكوفهم على العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل، ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) ﴾
يقول الله تعالى ذكره قال الله لموسى: فإنا يا موسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل، وذلك كان فتنتهم من بعد موسى.
ويعني بقوله ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾ من بعد فراقك إياهم يقول الله تبارك وتعالى ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ وكان إضلال السامريّ إياهم دعاءه إياهم إلى عبادة العجل.
* *
وقوله ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾
يقول: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين ليلة ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ متغيظا على قومه، حزينا لما أحدثوه بعده من الكفر بالله.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ يقول: حزينا، وقال في الزخرف ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ يقول: أغضبونا، والأسف على وجهين: الغضب، والحزن.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ يقول: حزينا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ : أي حزينا على ما صنع قومه من بعده.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أسِفا﴾ قال: حزينا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، وقوله ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ يقول: ألم يعدكم ربكم أنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، ويعدكم جانب الطور الأيمن، وينزل عليكم المنّ والسلوى، فذلك وعد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى: ألم يعدكموه ربكم، وقوله ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقول: أفطال عليكم العهد بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لديكم، أم أردتم أن يحلّ عليكم غضب من ربكم: يقول: أم أردتم أن يجب عليكم غضب من ربكم فتستحقوه بعبادتكم العجل، وكفركم بالله، فأخلفتم موعدي. وكان إخلافهم موعده، عكوفهم على العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل، ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال قوم موسى لموسى: ما أخلفنا موعدك، يعنون بموعده: عهده الذي كان عهده إليهم.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى "ح" وحدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَوْعِدِي﴾ قال: عهدي، وذلك العهد والموعد هو ما بيَّناه قبل.
* *
وقوله ﴿بِملْكِنا﴾
يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نطق حمل أنفسنا على الصواب، ولم نملك أمرنا حتى وقعنا في الذي وقعنا فيه من الفتنة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ﴿بِمَلْكِنا﴾ بفتح الميم، وقرأته عامة قرّاء الكوفة ﴿بِمُلْكِنا (بضم الميم، وقرأه بعض أهل البصرة (بِمِلْكِنا﴾ بالكسر، فأما الفتح والضمّ فهما بمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم، وأما الكسر فهو بمعنى ملك الشيء وكونه للمالك.
واختلف أيضا أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما أخلفنا موعدك بأمرنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ يقول: بأمرنا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿بِمَلْكِنا﴾ قال: بأمرنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: معناه: بطاقتنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ : أي بطاقتنا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ يقول: بطاقتنا.
وقال آخرون: معناه: ما أخلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لم نملك أنفسنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال: يقول بهوانا، قال: ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلي استعاروه من آل فرعون، وثياب.
وقال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى، لأن من لم يملك نفسه، لغلبة هواه على ما أمر، فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الأمر، وهو لا يملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه، فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ، وذلك أن من كسر الميم من الملك، فإنما يوجه معنى الكلام إلى ما أخلفنا موعدك، ونحن نملك الوفاء به لغلبة أنفسنا إيانا على خلافه، وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لما يملكه من المملوكات، وأن من فتحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعله مصدرا من قول القائل: ملكت الشيء أملكه ملكا وملكة، كما يقال: غلبت فلانا أغلبه غَلبا وغَلَبة، وأن من ضمها فإنه وجَّه معناه إلى ما أخلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونحن نقدر أن نمتنع منه، لأن كل من قهر شيئا فقد صار له السلطان عليه، وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بالضمّ، فقال: أيّ ملك كان يومئذ لبني إسرائيل، وإنما كانوا بمصر مستضعفين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابا بعيدا، وقارئو ذلك بالضم لم يقصدوا المعنى الذي ظنه هذا المنكر عليهم ذلك، وإنما قصدوا إلى أن معناه: ما أخلفنا موعدك بسلطان كانت لنا على أنفسنا نقدر أن نردها عما أتت، لأن هواها غلبنا على إخلافك الموعد.
* *
وقوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾
يقول: ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القوم، يعنون من حلي آل فرعون، وذلك أن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلا من مصر بأمر الله إياه بذلك، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، واستعاروا من حليّ نسائهم وأمتعتهم، فذلك قولهم لموسى حين قال لهم ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ فهو ما كان مع بني إسرائيل من حلي آل فرعون، يقول: خطئونا بما أصبنا من حليّ عدوّنا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أوْزَارًا﴾ قال: أثقالا وقوله ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: هي الحليّ التي استعاروا من آل فرعون، فهي الأثقال.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾ قال: أثقالا ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: حليهم.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ يقول: من حليّ القبط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: الحليّ الذي استعاروه والثياب ليست من الذنوب في شيء، لو كانت الذنوب كانت حملناها نحملها، فليست من الذنوب في شيء.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين ﴿حُمِّلْنا﴾ بضم الحاء وتشديد الميم بمعنى أن موسى يحملهم ذلك، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض المكيين ﴿حَمَلْنا﴾ بتخفيف الحاء والميم وفتحهما، بمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد.
قال أبو جعفر: والقول عندي في تأويل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لأن القوم حملوا، وأن موسى قد أمرهم بحمله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب.
* *
وقوله ﴿فَقَذَفْناها﴾
يقول: فألقينا تلك الأوزار من زينة القوم في الحفرة ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ يقول: فكما قذفنا نحن تلك الأثقال، فكذلك ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿فَقَذَفْناها﴾ قال: فألقيناها ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ : كذلك صنع.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَقَذَفْناها﴾ قال: فألقيناها ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ فكذلك صنع.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿فَقَذَفْناها﴾ : أي فنبذناها.
* *
وقوله ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾
يقول: فأخرج لهم السامريّ مما قذفوه ومما ألقاه عجلا جسدا له خوار، ويعني بالخوار: الصوت، وهو صوت البقر.
ثم اختلف أهل العلم في كيفية إخراج السامريّ العجل، فقال بعضهم: صاغه صياغة، ثم ألقى من تراب حافر فرس جبرائيل في فمه فخار.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ قال: كان الله وقَّت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال عدوّ الله السامري: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي كان معكم، فهلموا وكانت حليا تعيروها [[لعله: تعوروها: أي استعاروها، كما أورده في اللسان في قصة العجل من حديث ابن عباس.]] من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فقذفوها إليه، فصوّرها صورة بقرة، وكان قد صرّ في عمامته أو في ثوبه قبضة من أثر فرس جبرائيل، فقذفها مع الحليّ والصورة ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ فجعل يخور خوار البقر، فقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما استبطأ موسى قومه قال لهم السامريّ: إنما احتبس عليكم لأجل ما عندكم من الحليّ، وكانوا استعاروا حليا من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامريّ فصاغ منه عجلا ثم أخذ القبضة التي قبض من أثر الفرس، فرس الملك، فنبذها في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار، قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسي ربه عندكم.
وقال آخرون في ذلك بما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخذ السامريّ من تربة الحافر، حافر فرس جبرائيل، فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، قال لهم هارون: يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن حليّ القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، فاحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحليّ في تلك الحفرة، فجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحليّ عجلا جسدا له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما، واليوم يوما، فلما كان لعشرين خرج لهم العجل، فلما رأوه قال لهم السامريّ ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الحليّ حفرة واطرحوه فيها، فطرحوه، فقذف السامريّ تربته، وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى، وقوله ﴿فَنَسي﴾ يقول: فضلّ وترك.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ من قائله ومن الذي وصف به وما معناه، فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامريّ، والسامريّ هو الموصوف به، وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقول الله ﴿فَنَسِيَ﴾ : أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري.
وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامريّ، أنه قال لبني إسرائيل، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه، فأضلّ موضعه، وهو هذا العجل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَقَذَفْناها﴾ يعني زينة القوم حين أمرنا السامريّ لما قبض قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ الذي انطلق يطلبه ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني: نسي موسى، ضلّ عنه فلم يهتد له.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: قال السامريّ: موسى نسي ربه عندكم.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَنَسِي﴾ موسى، قال: هم يقولونه: أخطأ الربّ العجل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَنَسيَ﴾ قال: نسي موسى، أخطأ الربّ العجل، قوم موسى يقولونه.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه هاهنا، ولكنه نسي.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال قوم موسى لموسى: ما أخلفنا موعدك، يعنون بموعده: عهده الذي كان عهده إليهم.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى "ح" وحدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَوْعِدِي﴾ قال: عهدي، وذلك العهد والموعد هو ما بيَّناه قبل.
* *
وقوله ﴿بِملْكِنا﴾
يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نطق حمل أنفسنا على الصواب، ولم نملك أمرنا حتى وقعنا في الذي وقعنا فيه من الفتنة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ﴿بِمَلْكِنا﴾ بفتح الميم، وقرأته عامة قرّاء الكوفة ﴿بِمُلْكِنا (بضم الميم، وقرأه بعض أهل البصرة (بِمِلْكِنا﴾ بالكسر، فأما الفتح والضمّ فهما بمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم، وأما الكسر فهو بمعنى ملك الشيء وكونه للمالك.
واختلف أيضا أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما أخلفنا موعدك بأمرنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ يقول: بأمرنا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿بِمَلْكِنا﴾ قال: بأمرنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: معناه: بطاقتنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ : أي بطاقتنا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ يقول: بطاقتنا.
وقال آخرون: معناه: ما أخلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لم نملك أنفسنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال: يقول بهوانا، قال: ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلي استعاروه من آل فرعون، وثياب.
وقال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى، لأن من لم يملك نفسه، لغلبة هواه على ما أمر، فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الأمر، وهو لا يملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه، فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ، وذلك أن من كسر الميم من الملك، فإنما يوجه معنى الكلام إلى ما أخلفنا موعدك، ونحن نملك الوفاء به لغلبة أنفسنا إيانا على خلافه، وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لما يملكه من المملوكات، وأن من فتحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعله مصدرا من قول القائل: ملكت الشيء أملكه ملكا وملكة، كما يقال: غلبت فلانا أغلبه غَلبا وغَلَبة، وأن من ضمها فإنه وجَّه معناه إلى ما أخلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونحن نقدر أن نمتنع منه، لأن كل من قهر شيئا فقد صار له السلطان عليه، وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بالضمّ، فقال: أيّ ملك كان يومئذ لبني إسرائيل، وإنما كانوا بمصر مستضعفين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابا بعيدا، وقارئو ذلك بالضم لم يقصدوا المعنى الذي ظنه هذا المنكر عليهم ذلك، وإنما قصدوا إلى أن معناه: ما أخلفنا موعدك بسلطان كانت لنا على أنفسنا نقدر أن نردها عما أتت، لأن هواها غلبنا على إخلافك الموعد.
* *
وقوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾
يقول: ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القوم، يعنون من حلي آل فرعون، وذلك أن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلا من مصر بأمر الله إياه بذلك، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، واستعاروا من حليّ نسائهم وأمتعتهم، فذلك قولهم لموسى حين قال لهم ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ فهو ما كان مع بني إسرائيل من حلي آل فرعون، يقول: خطئونا بما أصبنا من حليّ عدوّنا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أوْزَارًا﴾ قال: أثقالا وقوله ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: هي الحليّ التي استعاروا من آل فرعون، فهي الأثقال.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾ قال: أثقالا ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: حليهم.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ يقول: من حليّ القبط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ قال: الحليّ الذي استعاروه والثياب ليست من الذنوب في شيء، لو كانت الذنوب كانت حملناها نحملها، فليست من الذنوب في شيء.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين ﴿حُمِّلْنا﴾ بضم الحاء وتشديد الميم بمعنى أن موسى يحملهم ذلك، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض المكيين ﴿حَمَلْنا﴾ بتخفيف الحاء والميم وفتحهما، بمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد.
قال أبو جعفر: والقول عندي في تأويل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لأن القوم حملوا، وأن موسى قد أمرهم بحمله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب.
* *
وقوله ﴿فَقَذَفْناها﴾
يقول: فألقينا تلك الأوزار من زينة القوم في الحفرة ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ يقول: فكما قذفنا نحن تلك الأثقال، فكذلك ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿فَقَذَفْناها﴾ قال: فألقيناها ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ : كذلك صنع.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَقَذَفْناها﴾ قال: فألقيناها ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ فكذلك صنع.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿فَقَذَفْناها﴾ : أي فنبذناها.
* *
وقوله ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾
يقول: فأخرج لهم السامريّ مما قذفوه ومما ألقاه عجلا جسدا له خوار، ويعني بالخوار: الصوت، وهو صوت البقر.
ثم اختلف أهل العلم في كيفية إخراج السامريّ العجل، فقال بعضهم: صاغه صياغة، ثم ألقى من تراب حافر فرس جبرائيل في فمه فخار.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ قال: كان الله وقَّت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال عدوّ الله السامري: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي كان معكم، فهلموا وكانت حليا تعيروها [[لعله: تعوروها: أي استعاروها، كما أورده في اللسان في قصة العجل من حديث ابن عباس.]] من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فقذفوها إليه، فصوّرها صورة بقرة، وكان قد صرّ في عمامته أو في ثوبه قبضة من أثر فرس جبرائيل، فقذفها مع الحليّ والصورة ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ فجعل يخور خوار البقر، فقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما استبطأ موسى قومه قال لهم السامريّ: إنما احتبس عليكم لأجل ما عندكم من الحليّ، وكانوا استعاروا حليا من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامريّ فصاغ منه عجلا ثم أخذ القبضة التي قبض من أثر الفرس، فرس الملك، فنبذها في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار، قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسي ربه عندكم.
وقال آخرون في ذلك بما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخذ السامريّ من تربة الحافر، حافر فرس جبرائيل، فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، قال لهم هارون: يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن حليّ القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، فاحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحليّ في تلك الحفرة، فجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحليّ عجلا جسدا له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما، واليوم يوما، فلما كان لعشرين خرج لهم العجل، فلما رأوه قال لهم السامريّ ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الحليّ حفرة واطرحوه فيها، فطرحوه، فقذف السامريّ تربته، وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى، وقوله ﴿فَنَسي﴾ يقول: فضلّ وترك.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ من قائله ومن الذي وصف به وما معناه، فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامريّ، والسامريّ هو الموصوف به، وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقول الله ﴿فَنَسِيَ﴾ : أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري.
وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامريّ، أنه قال لبني إسرائيل، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه، فأضلّ موضعه، وهو هذا العجل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَقَذَفْناها﴾ يعني زينة القوم حين أمرنا السامريّ لما قبض قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ الذي انطلق يطلبه ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني: نسي موسى، ضلّ عنه فلم يهتد له.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: قال السامريّ: موسى نسي ربه عندكم.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَنَسِي﴾ موسى، قال: هم يقولونه: أخطأ الربّ العجل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَنَسيَ﴾ قال: نسي موسى، أخطأ الربّ العجل، قوم موسى يقولونه.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه هاهنا، ولكنه نسي.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) ﴾
يقول تعالى ذكره موبخا عبدة العجل، والقائلين له ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلَّموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضرّ ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى "ح" وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ العجل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ قال: العجل.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ ذلك العجل الذي اتخذوه ﴿قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ .
* *
وقوله ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾
يقول: لقد قال لعبدة العجل من بني إسرائيل هارون، من قبل رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال مما أخبر الله عنه ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم من المريض القلب، الشاكّ في دينه.
كما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال لهم هارون: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل.
* *
وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾
يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتَّبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له، وقوله ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ يقول: قال عبدة العجل من قوم موسى: لن نزال على العجل مقيمين نعبده، حتى يرجع إلينا موسى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) ﴾
يقول تعالى ذكره موبخا عبدة العجل، والقائلين له ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلَّموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضرّ ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى "ح" وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ العجل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ قال: العجل.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ ذلك العجل الذي اتخذوه ﴿قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ .
* *
وقوله ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾
يقول: لقد قال لعبدة العجل من بني إسرائيل هارون، من قبل رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال مما أخبر الله عنه ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم من المريض القلب، الشاكّ في دينه.
كما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال لهم هارون: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل.
* *
وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾
يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتَّبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له، وقوله ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ يقول: قال عبدة العجل من قوم موسى: لن نزال على العجل مقيمين نعبده، حتى يرجع إلينا موسى.