John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Hajj

Tafsir al-Tabari · The Pilgrimage · 78 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ﴾

يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يُشرك بالله شيئا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مَثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد، من قولهم: أبعده الله وأسحقه، وفيه لغتان: أسحقته الريح وسحقته، ومنه قيل للنخلة الطويلة: نخلة سحوق؛ ومنه قول الشاعر:

كانَتْ لنَا جارَةٌ فَأزْعَجَها ... قاذْورَةٌ تَسْحَقُ النَّوَى قُدُمَا [[البيت مما أنشده الأزهري في تهذيبه، ونقله عن صاحبه (اللسان: سحق) قال: السحق في العدو فوق المشي ودون الحضر، وأنشده الأزهري: " كانت لنا جارة. . . البيت ". والقاذورة من الإبل: التي تبرك ناحية منها وتستبعد وتنافرها عند الحلب. وتسحق: تجد في سيرها. والنوى: التحول من مكان إلى مكان، أو الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو من بعد. وقدما: لا تعرج ولا تنثني. يريد أن جارته نأت عنه بناقة تجد في سيرها، ولا تعرج على شيء. والبيت شاهد على أن السحق معناه السير الجاد فوق المشي ودون العدو.]]

ويُروى: تسحق: يقول: فهكذا مثَل المشرك بالله في بُعده من ربه ومن إصابه الحقّ، كبُعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فَكأنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ﴾ قال: هذا مثَل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهُدى وهلاكه (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيق) .

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿فِي مَكانٍ سَحِيق﴾ قال: بعيد.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

وقيل: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ وقد قيل قبله: ﴿فكأنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ وخرّ فعل ماض، وتخطفه مستقبل، فعطف بالمستقبل على الماضي، كما فعل ذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وقد بيَّنت ذلك هناك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) ﴾

يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس وأمرتكم به من اجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور، حنفاء لله، وتعظيم شعائر الله، وهو استحسان البُدن واستسمانها وأداء مناسك الحجّ على ما أمر الله جلّ ثناؤه، من تقوى قلوبكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن زياد، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ﴾ قال: استعظامها، واستحسانها، واستسمانها.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد، في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ قال: الاستسمان والاستعظام.

وبه عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: والاستحسان.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي، قال: أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، وحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ قال: استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع [[جمع: هي المزدلفة.]] من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ قال: الشعائر: الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمَشْعَر الحرام والمزدلفة، قال: والشعائر تدخل في الحرم، هي شعائر، وهي حرم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره، وهي ما حمله أعلاما لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم: من تقوى قلوبهم؛ لم يخصص من ذلك شيئا، فتعظيم كلّ ذلك من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه؛ وحق على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك. وقال: ﴿فإِنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ وأنَّث ولم يقل: فإنه، لأنه أريد بذلك: فإن تلك التعظيمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفورٌ رحِيمٌ﴾ . وعنى بقوله: (فإِنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب) فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقيقة معرفتها بعظمته وإخلاص توحيده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) ﴾

اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكر الله في هذه الآية وأخبر عباده أنها إلى أجل مسمى، على نحو اختلافهم في معنى الشعائر التي ذكرها جل ثناؤه في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فإِنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ فقال الذين قالوا عنى بالشعائر البدن. معنى ذلك: لكم أيها الناس في البدن منافع. ثم اختلف أيضا الذين قالوا هذه المقالة في الحال التي لهم فيها منافع، وفي الأجل الذي قال عزّ ذكره: ﴿إلى أجَل مُسَمَّى﴾ فقال بعضهم: الحال التي أخبر الله جلّ ثناؤه أن لهم فيها منافع، هي الحال التي لم يوجبها صاحبها ولم يسمها بدنة ولم يقلدها. قالوا: ومنافعها فى هذه الحال: شرب ألبانها، وركوب طهورها، وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها. قالوا: والأجل المسمى الذي أخبر جلّ ثناؤه أن ذلك لعباده المؤمنين منها إليه، هو إلى إيجابهم إياها، فإذا أوجبوها بطل ذلك ولم يكن لهم من ذلك شيء.

ذكر من قال ذلك:

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: ما لم يسمّ بدنا.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب كله.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بُدْنا.

⁕ قال: ثنا ابن عديّ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، بمثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: في أشعارها وأوبارها وألبانها قبل أن تسميها بدنة.

⁕ قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: في البدن لحومها وألبانها وأشعارها وأوبارها وأصوافها قبل أن تسمى هديا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه: وهي الأجل المسمى.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء أنه قال في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق﴾ قال: منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها ﴿إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ إلى أن تقلد.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك.

⁕ حدثني يعقوب، قال: قال ابن علية: سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: إلى أن تُوجِبها بَدنَة.

⁕ قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن قتادة: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ يقول: في ظهورها وألبانها، فإذا قلدت فمحلها إلى البيت العتيق.

وقال آخرون ممن قال الشعائر البدن في قوله: ﴿وَمَنْ يَعَظِّمْ شَعِائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ والهاء في قوله: ﴿لَكْمْ فِيها﴾ من ذكر الشعائر، ومعنى قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافُع﴾ لكم في الشعائر التي تعظمونها لله منافع بعد اتخاذكموها لله بدنا أو هدايا، بأن تركبوا ظهورها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها. قالوا: والأجل المسمى الذي قال جلّ ثناؤه: ﴿إلى أجَل مُسَمَّى﴾ إلى أن تنحر.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: هو ركوب البدن، وشرب لبنها إن احتاج.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: إلى أن تنحر، قال: له أن يحملها عليها المعني والمنقطع به من الضرورة، كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب عند منهوكه. قلت لعطاء: ما؟ قال: الرجل الراجل، والمنقطع به، والمتبع وأن نتجت، أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها، فإن كان في لبنها فضل فليشرب من أهداها ومن لم يهدها. وأما الذين قالوا: معنى الشعائر في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله﴾ . شعائر الحجّ، وهي الأماكن التي يُنْسك عندها لله، فإنهم اختلفوا أيضا في معنى المنافع التي قال الله: ﴿لكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لكم في هذه الشعائر التي تعظمونها منافع بتجارتكم عندها وبيعكم وشرائكم بحضرتها وتسوقكم. والأجل المسمى: الخروج من الشعائر إلى غيرها ومن المواضع التي ينسك عندها إلى ما سواها في قول بعضهم.

⁕ حدثني الحسن بن عليّ الصُّدائَي، قال: ثنا أبو أسامة عن سليمان الضبي، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ قال: أسواقهم، فإنه لم يذكر منافع إلا للدنيا.

⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: والأجل المسمى: الخروج منه إلى غيره.

وقال آخرون منهم: المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع: العمل لله بما أمر من مناسك الحجّ. قالوا: والأجل المسمَّى: هو انقضاء أيام الحجّ التي يُنْسَك لله فيهنّ.

ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق﴾ فقرأ قول الله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب﴾ لكم في تلك الشعائر منافع إلى أجل مسمى، إذا ذهبت تلك الأيام لم تر أحدا يأتي عرفة يقف فيها يبتغي الأجر، ولا المزدلفة، ولا رمي الجمار، وقد ضربوا من البلدان لهذه الأيام التي فيها المنافع، وإنما منافعها إلى تلك الأيام، وهي الأجل المسمى، ثم محلها حين تنقضي تلك الأيام إلى البيت العتيق.

قال أبو جعفر: وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ معنّي به: كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علما لمناسك حج خلقه، إذ لم يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئا في خبر ولا عقل. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بدنا وهديا، فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنا، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التجارة لله عندها والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتا بأن يُطاع الله فيها بعمل أعمال الحجّ وبطلب المعاش فيها بالتجارة، إلى أن يطاف بالبيت في بعض، أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض.

وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم في تأويل قوله: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى﴾ في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ فقال الذين قالوا عني بالشعائر في هذا الموضع: البُدْن معنى ذلك ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة، وهي التي بها البيت العتيق.

ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ إلى مكة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ يعني محل البدن حين تسمى إلى البيت العتيق.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ حين تسمى هديا ﴿إلى البيْتِ العتِيق﴾ ، قال: الكعبة أعتقها من الجبابرة. فوجه هؤلاء تأويل ذلك إلى سمي منحر البدن والهدايا التي أوجبتموها إلى أرض الحرم، وقالوا: عنى بالبيت العتيق أرض الحرم كلها. وقالوا: وذلك قوله: ﴿فَلا يَقْربُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ والمراد: الحرم كله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق أن تطوفوا به يوم النحر بعد قضائكم ما أوجبه الله عليكم في حجكم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ قال: محلّ هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلّ منافع أيام الحجّ إلى البيت العتيق بانقضائها.

ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق﴾ حين تنقضي تلك الأيام، أيام الحجّ إلى البيت العتيق.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ثم محلّ الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق، فما كان من ذلك هديا أو بدنا فبموافاته الحرم في الحرم، وما كان من نسك فالطواف بالبيت.

وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول عندنا في معنى الشعائر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ﴾ ولكلّ جماعة سلف فيكم من أهل الإيمان بالله أيها الناس، جعلنا ذبحا يُهَرِيقون دمه (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعام) بذلك لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل: إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿جَعَلْنا مَنْسَكا﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا﴾ قال: إهراق الدماء ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال. ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

* *

وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إلَهُ وَاحِدٌ﴾

يقول تعالى ذكره: فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، فإلهكم إله واحد لا شريك له، فإياه فاعبدوا وله أخلصوا الألوهة.

* *

وقوله: ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾

يقول: فلإلهكم فاخضعوا بالطاعة، وله فذلوا بالإقرار بالعبودية.

* *

وقوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾

يقول تعالى ذكره: وبشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة. وقد بيَّنا معنى الإخبات بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا.

وقد اختلف أهل التأويل في المراد به في هذا الموضع، فقال بعضهم: أريد به: وبشِّر المطمئنين إلى الله.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين.

⁕ حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ المطمئنين إلى الله.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين.

⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قال: المتواضعين.

وقال آخرون في ذلك بما:-

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن مسلم، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس، قال: المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

⁕ حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا حفص، بن عمر، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: ثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) ﴾

فهذا من نعت المخبتين؛ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته وجلا من عقابه وخوفا من سخطه.

كما:-

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: لا تقسو قلوبهم. ﴿والصَّابِرينَ عَلى ما أصَابَهُمْ﴾ من شدّة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه ﴿والمُقِيمي الصَّلاةِ﴾ المفروضة ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في الواجب عليهم إنفاقها فيه، في زكاه ونفقة عيال ومن وجبت عليه نفقته وفي سبيل الله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: والبُدن وهي جمع بدنة، وقد يقال لواحدها: بدن، وإذا قيل بدن احتمل أن يكون جمعا وواحدا، يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز:

عَليَّ حِينَ نَمْلِكُ الأمُورَا ... صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورا وَحَلْقَ راسِي وَافِيا مَضْفُورَا ... وَبَدَنا مُدَرَّعا مُوْفُورَا [[هذه أربعة أبيات من مشطور الرجز رواها المؤلف عن الفراء في معاني القرآن في هذا الوضع من التفسير، وأنشدها قبل ذلك ثلاثة منها في (٧: ١٢٠) عند تفسير قوله تعالى: (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان) في سورة المائدة. مع اختلاف في بعض الألفاظ عن روايته لها هنا، وهي: عَلَيَّ حينَ تمْلِكُ الأمُورَا ... صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُدُورَا

وَبادِنا مُقَلَّدًا مَنْحُورا

ولفظة (بادنا) على هذه الرواية، قد تكون صحيحة، يريد جملا سمينا جسيما. كما في (اللسان: بدن) ، يقال: رجل بادن، والأنثى بادن وبادنة والجمع: بدن (بضم فسكون) ، وبدن (بالضم وتشديد الدال المفتوحة) . وقد تكون (بادنا) محرفة عن بدن (بالتحريك) ، بدليل تخريج المؤلف له بقوله " والبدن " (بضم فسكون) جمع بدنة (بالتحريك) ، وقد يقال لواحدها: بدن (بالتحريك) ، يدل عليه قول الراجز. " وبدنا مدرعا موفورا ". أه.

ويؤيده أيضًا قول أبي البقاء العكبري في إعراب القرآن: البدن (بضم فسكون) : وجمع بدن، (بالتحريك) وواحدته: بدنة مثل خشب (بضم فسكون) وخشب (بالتحريك) ويقال هو جمع بدنة، مثل ثمرة وثمر (الأخير بضم فسكون) ، ويقرأ بضم الدال. والبدنة كما في (اللسان: بدن) بالهاء: لعظمها وسمنها. أه. يقول الراجز: أوجبت على نفسي إذا ملكت الأمور بتاء المخاطب أن أصوم شهورا، وأن أحلق رأسي، وأن أنحر بدنا أي جملا ضخما.]]

والبدن: هو الضخم من كلّ شيء، ولذلك قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق، والسدير البَدَن: لضخمه واسترخاء لحمه، فإنه يقال: قد بَدَّن تبدينا. فمعنى الكلام. والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله: يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها، علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر.

كما:-

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء: ﴿والبُدْنَ جَعَلنْاها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ قال: البقرة والبعير.

* *

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾

يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: أجر ومنافع في البدن.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال. حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: اللبن والركوب إذا احتاج.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ من احتاج إلى ظهر البدنة ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب.

* *

وقوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾

يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها. ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك. "صَوَافِيَ" بالياء منصوبة، بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له.

وقرأ بعضهم ذلك: "صَوَاف" بإسقاط الياء وتنوين الحرف، على مثال: عوار وعواد. وروي عن ابن مسعود أنه قرأه: "صَوَافِنّ" بمعنى: معقلة.

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها، لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ: قياما على ثلاث أرجل. فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟ قال: تصدّقوا بها، واستمتعوا بها.

⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: قائمة، قال: يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهمّ منك ولك.

⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله، اللهم أكبر، اللهمّ منك ولك.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة إحدى يديها، قال: قائمة على ثلاث قوائم.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ يقول: قياما.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ والصواف: أن تعقل قائمة واحدة، وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك.

⁕ حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، قال: أخبرنا بجير بن سالم، قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، قال: فقال: ﴿صَوَافَّ﴾ كما قال الله، قال: فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد، قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث.

⁕ قال: ثنا ليث، عن مجاهد، في قوْله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: صوافّ بين أوظافها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿صَوَافّ﴾ قال: قيام صواف على ثلاث قوائم.

- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: بين وظائفها قياما.

⁕ حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود، قال: هي التي ذكر الله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثني جرير، عن منصور، عن رجل، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: قلت له: قول الله ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها، وقل: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، ثم سم ثم انحرها. قلت: فأقول ذلك للأضحية، قال: وللأضحية.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه: "صَوَافِيَ" بالياء: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن أنه قال: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: مخلصين.

⁕ قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة لله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن شقيق الضبي: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة.

⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أيمن بن نابل، قال: سألت طاوسا عن قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون، يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه "صَوَافِنَ": حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ": أي معقلة قياما.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ" قال: أي معقلة قياما.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأها "صَوَافِنَ" قال: معقولة. قال: ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: تصفُّ بين يديها.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ" يعني صوافن، والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها.

* *

وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾

يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب، ومنه قول أوس بن حجر:

ألَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ والبَدْرُ ... والْكَواكِبُ للْجَبَلِ الوِّاجِبِ [[البيت لأوس بن حجر كما قال المؤلف. والجبل هنا: يريد به رجلا عظيما، والواجب الذي مات. قال في (اللسان / وجب) ووجب الرجل وجبا: مات، قال قيس بن الخطيم يصف حربا وقعت بين الأوس والخزرج في يوم بعاث وأن مقدم بني عوف وأميرهم لج في المحاربة، ونهى بني عوف عن السلم حتى كان أول قتيل: أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب

وبيت أوس بن حجر شاهد على أن قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) معناه: فإذا سقطت فوقعت جنوبها على الأرض بعد النحر، فكلوا منها. أه.]] يعني بالواجب: الواقع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا فرغت ونُحِرت.

⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ نحرت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا نحرت.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: فإذا ماتت.

* *

وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾

وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق؛ يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حل لكم أكلها، وليس بأمر إيجاب.

وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما:- حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فهي بمنزلة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: يأكل منها ويطعم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن. وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا حجاج، عن عطاء. وأخبرنا حصين، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، قال مجاهد: هي رخصة، هي كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: فأطعموا منها القانع.

واختلف أهل التأويل في المعنّي بالقانع والمعترّ، فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل. وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسألك.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، والمعترّ: الذي يمرّ بجانبك لا يسأل شيئا؛ فذلك المعترّ.

وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: القانع المتعفف؛ ﴿والمعترّ﴾ يقول: السائل.

⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مجاهدا يقول: القانع: أهل مكة؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا عطاء، عن خصيف، عن مجاهد مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثني كعب بن فروخ، قال: سمعت قَتادة يحدث، عن عكرمة، في قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقعد في بيته، والمعترّ: الذي يسأل.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: القانع: والمعترّ، قال: القانع: الطامع بما قِبلك ولا يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك ويسألك.

⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم قالا القانع: الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يسألك.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في القانع والمعترّ، قال: القانع: الذي يقنع بما في يديه؛ والمعترّ: الذي يعتريك، ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع الذي يجلس في بيته. والمعترّ: الذي يعتريك.

وقال آخرون: القانع: هو السائل، والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: القانع: الذي يقنع إليك ويسألك؛ والمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك. قال: وقال الكلبي: القانع: الذي يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك، يتعرّض ولا يسألك.

⁕ حدثني نصر عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يسألك، والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، قال: قال سعيد بن جُبير: القانع: السائل.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب، قال: ثني شريك، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال هو السائل، ثم قال. أما سمعت قول الشماخ.

لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فيُغْني ... مَفاقرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوع [[البيت للشماخ بن ضرار (لسان العرب: قنع) قال: وفي التنزيل: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فالقانع الذي يسأل والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. قال الشماخ: " لمال المرء. . . . البيت " يعني من مسألة الناس. وقال ابن السكيت ومن العرب: من يجيز القنوع: بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد: هو الأول. ويروى: " من الكنوع " والكنوع: التقبض والتصاغر. وقيل القانع: السائل، وقيل: المتعفف وكل يصلح، والرجل: قانع وقنيع. وقال الفراء: هو الذي يسألك فما أعطيته قبله. وقيل: القنوع: الطمع. والفعل: قنع بالفتح يقنع قنوعا: ذل السؤال. وقيل: سأل. ومفاقرة: وجوه فقره، وقيل: جمع فقر على غير قياس كالمشابه والملامح. ويجوز أن تكون جمع مفقرة مصدر أفقره، أو جمع مفقر (اسم فاعل) .]]

قال: من السؤال.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع إليك يسألك، والمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا منصور ويونس، عن الحسن. قال: القانع: السائل، والمعترّ: الذي يتعرض ولا يسأل.

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم: القانع: الذي يسأل الناس.

وقال آخرون: القانع: الجار، والمعترّ: الذي يعتريك من الناس.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبنا إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: القانع: جارك وإن كان غنيا، والمعترّ: الذي يعتريك.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، قال: قال مجاهد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: جارك الغنيّ، والمعترّ: من اعتراك من الناس.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنه قال: أحدهما السائل، والآخر الجار.

وقال آخرون: القانع: الطوّاف، والمعترّ: الصديق الزائر.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم، في قول الله تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فالقانع: المسكين الذي يطوف، والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.

وقال آخرون: القانع: الطامع، والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال: الطامع؛ والمعترّ: من يعترّ بالبدن من غنيّ أو فقير.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: القانع: الطامع.

وقال آخرون: القانع: هو المسكين، والمعتر: الذي يتعرّض للحم.

ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المسكين، والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين، ولا تكون له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم، والبائس الفقير: هو القانع.

وقال آخرون بما:- حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فرات، عن سعيد بن جُبير، قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن بمثله.

⁕ قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل؛ لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع، المكتفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ. وفي إتباع ذلك قوله: والمعترّ، الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى سأله وخضع إليه، فهو يقنع قنوعا؛ ومنه قول لبيد:

وأعْطانِي المَوْلى عَلى حِينَ فَقْرِهِ ... إذَا قالَ أبْصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعي [[البيت للبيد كما قال المؤلف، ولم أجده في ديوانه طبعة ليدن سنة ١٨٩١. والخلة بالفتح: الحاجة والفقر. وقال اللحياني: خلة به شديدة: أي خصاصة. والقنوع: السؤال، وقد شرحناه وبيناه في الشاهد الذي قبله.]]

وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قنِعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا. وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾

يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس. يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) ﴾

فهذا من نعت المخبتين؛ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته وجلا من عقابه وخوفا من سخطه.

كما:-

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: لا تقسو قلوبهم. ﴿والصَّابِرينَ عَلى ما أصَابَهُمْ﴾ من شدّة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه ﴿والمُقِيمي الصَّلاةِ﴾ المفروضة ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في الواجب عليهم إنفاقها فيه، في زكاه ونفقة عيال ومن وجبت عليه نفقته وفي سبيل الله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: والبُدن وهي جمع بدنة، وقد يقال لواحدها: بدن، وإذا قيل بدن احتمل أن يكون جمعا وواحدا، يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز:

عَليَّ حِينَ نَمْلِكُ الأمُورَا ... صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورا وَحَلْقَ راسِي وَافِيا مَضْفُورَا ... وَبَدَنا مُدَرَّعا مُوْفُورَا [[هذه أربعة أبيات من مشطور الرجز رواها المؤلف عن الفراء في معاني القرآن في هذا الوضع من التفسير، وأنشدها قبل ذلك ثلاثة منها في (٧: ١٢٠) عند تفسير قوله تعالى: (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان) في سورة المائدة. مع اختلاف في بعض الألفاظ عن روايته لها هنا، وهي: عَلَيَّ حينَ تمْلِكُ الأمُورَا ... صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُدُورَا

وَبادِنا مُقَلَّدًا مَنْحُورا

ولفظة (بادنا) على هذه الرواية، قد تكون صحيحة، يريد جملا سمينا جسيما. كما في (اللسان: بدن) ، يقال: رجل بادن، والأنثى بادن وبادنة والجمع: بدن (بضم فسكون) ، وبدن (بالضم وتشديد الدال المفتوحة) . وقد تكون (بادنا) محرفة عن بدن (بالتحريك) ، بدليل تخريج المؤلف له بقوله " والبدن " (بضم فسكون) جمع بدنة (بالتحريك) ، وقد يقال لواحدها: بدن (بالتحريك) ، يدل عليه قول الراجز. " وبدنا مدرعا موفورا ". أه.

ويؤيده أيضًا قول أبي البقاء العكبري في إعراب القرآن: البدن (بضم فسكون) : وجمع بدن، (بالتحريك) وواحدته: بدنة مثل خشب (بضم فسكون) وخشب (بالتحريك) ويقال هو جمع بدنة، مثل ثمرة وثمر (الأخير بضم فسكون) ، ويقرأ بضم الدال. والبدنة كما في (اللسان: بدن) بالهاء: لعظمها وسمنها. أه. يقول الراجز: أوجبت على نفسي إذا ملكت الأمور بتاء المخاطب أن أصوم شهورا، وأن أحلق رأسي، وأن أنحر بدنا أي جملا ضخما.]]

والبدن: هو الضخم من كلّ شيء، ولذلك قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق، والسدير البَدَن: لضخمه واسترخاء لحمه، فإنه يقال: قد بَدَّن تبدينا. فمعنى الكلام. والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله: يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها، علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر.

كما:-

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء: ﴿والبُدْنَ جَعَلنْاها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ قال: البقرة والبعير.

* *

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾

يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: أجر ومنافع في البدن.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال. حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: اللبن والركوب إذا احتاج.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قال: إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ من احتاج إلى ظهر البدنة ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب.

* *

وقوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾

يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها. ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك. "صَوَافِيَ" بالياء منصوبة، بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له.

وقرأ بعضهم ذلك: "صَوَاف" بإسقاط الياء وتنوين الحرف، على مثال: عوار وعواد. وروي عن ابن مسعود أنه قرأه: "صَوَافِنّ" بمعنى: معقلة.

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها، لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ: قياما على ثلاث أرجل. فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟ قال: تصدّقوا بها، واستمتعوا بها.

⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: قائمة، قال: يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهمّ منك ولك.

⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله، اللهم أكبر، اللهمّ منك ولك.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة إحدى يديها، قال: قائمة على ثلاث قوائم.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ﴾ يقول: قياما.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ والصواف: أن تعقل قائمة واحدة، وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك.

⁕ حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، قال: أخبرنا بجير بن سالم، قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، قال: فقال: ﴿صَوَافَّ﴾ كما قال الله، قال: فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد، قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث.

⁕ قال: ثنا ليث، عن مجاهد، في قوْله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: صوافّ بين أوظافها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿صَوَافّ﴾ قال: قيام صواف على ثلاث قوائم.

- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: بين وظائفها قياما.

⁕ حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود، قال: هي التي ذكر الله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثني جرير، عن منصور، عن رجل، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: قلت له: قول الله ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها، وقل: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، ثم سم ثم انحرها. قلت: فأقول ذلك للأضحية، قال: وللأضحية.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه: "صَوَافِيَ" بالياء: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن أنه قال: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: مخلصين.

⁕ قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: "صَوَافِيَ": خالصة لله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن شقيق الضبي: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة.

⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أيمن بن نابل، قال: سألت طاوسا عن قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون، يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى.

ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه "صَوَافِنَ": حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ": أي معقلة قياما.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ" قال: أي معقلة قياما.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأها "صَوَافِنَ" قال: معقولة. قال: ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قال: تصفُّ بين يديها.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ" يعني صوافن، والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها.

* *

وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾

يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب، ومنه قول أوس بن حجر:

ألَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ والبَدْرُ ... والْكَواكِبُ للْجَبَلِ الوِّاجِبِ [[البيت لأوس بن حجر كما قال المؤلف. والجبل هنا: يريد به رجلا عظيما، والواجب الذي مات. قال في (اللسان / وجب) ووجب الرجل وجبا: مات، قال قيس بن الخطيم يصف حربا وقعت بين الأوس والخزرج في يوم بعاث وأن مقدم بني عوف وأميرهم لج في المحاربة، ونهى بني عوف عن السلم حتى كان أول قتيل: أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب

وبيت أوس بن حجر شاهد على أن قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) معناه: فإذا سقطت فوقعت جنوبها على الأرض بعد النحر، فكلوا منها. أه.]] يعني بالواجب: الواقع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا فرغت ونُحِرت.

⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ نحرت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: إذا نحرت.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال: فإذا ماتت.

* *

وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾

وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق؛ يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حل لكم أكلها، وليس بأمر إيجاب.

وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما:- حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فهي بمنزلة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: يأكل منها ويطعم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن. وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا حجاج، عن عطاء. وأخبرنا حصين، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، قال مجاهد: هي رخصة، هي كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: فأطعموا منها القانع.

واختلف أهل التأويل في المعنّي بالقانع والمعترّ، فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل. وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسألك.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، والمعترّ: الذي يمرّ بجانبك لا يسأل شيئا؛ فذلك المعترّ.

وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ يقول: القانع المتعفف؛ ﴿والمعترّ﴾ يقول: السائل.

⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مجاهدا يقول: القانع: أهل مكة؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا عطاء، عن خصيف، عن مجاهد مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثني كعب بن فروخ، قال: سمعت قَتادة يحدث، عن عكرمة، في قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقعد في بيته، والمعترّ: الذي يسأل.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: القانع: والمعترّ، قال: القانع: الطامع بما قِبلك ولا يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك ويسألك.

⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم قالا القانع: الجالس في بيته؛ والمعترّ: الذي يسألك.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في القانع والمعترّ، قال: القانع: الذي يقنع بما في يديه؛ والمعترّ: الذي يعتريك، ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع الذي يجلس في بيته. والمعترّ: الذي يعتريك.

وقال آخرون: القانع: هو السائل، والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: القانع: الذي يقنع إليك ويسألك؛ والمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، في هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك. قال: وقال الكلبي: القانع: الذي يسألك؛ والمعترّ: الذي يعتريك، يتعرّض ولا يسألك.

⁕ حدثني نصر عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يسألك، والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، قال: قال سعيد بن جُبير: القانع: السائل.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب، قال: ثني شريك، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال هو السائل، ثم قال. أما سمعت قول الشماخ.

لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فيُغْني ... مَفاقرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوع [[البيت للشماخ بن ضرار (لسان العرب: قنع) قال: وفي التنزيل: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فالقانع الذي يسأل والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. قال الشماخ: " لمال المرء. . . . البيت " يعني من مسألة الناس. وقال ابن السكيت ومن العرب: من يجيز القنوع: بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد: هو الأول. ويروى: " من الكنوع " والكنوع: التقبض والتصاغر. وقيل القانع: السائل، وقيل: المتعفف وكل يصلح، والرجل: قانع وقنيع. وقال الفراء: هو الذي يسألك فما أعطيته قبله. وقيل: القنوع: الطمع. والفعل: قنع بالفتح يقنع قنوعا: ذل السؤال. وقيل: سأل. ومفاقرة: وجوه فقره، وقيل: جمع فقر على غير قياس كالمشابه والملامح. ويجوز أن تكون جمع مفقرة مصدر أفقره، أو جمع مفقر (اسم فاعل) .]]

قال: من السؤال.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: الذي يقنع إليك يسألك، والمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا منصور ويونس، عن الحسن. قال: القانع: السائل، والمعترّ: الذي يتعرض ولا يسأل.

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم: القانع: الذي يسأل الناس.

وقال آخرون: القانع: الجار، والمعترّ: الذي يعتريك من الناس.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبنا إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: القانع: جارك وإن كان غنيا، والمعترّ: الذي يعتريك.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، قال: قال مجاهد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: جارك الغنيّ، والمعترّ: من اعتراك من الناس.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنه قال: أحدهما السائل، والآخر الجار.

وقال آخرون: القانع: الطوّاف، والمعترّ: الصديق الزائر.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم، في قول الله تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فالقانع: المسكين الذي يطوف، والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.

وقال آخرون: القانع: الطامع، والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿القانِعَ﴾ قال: الطامع؛ والمعترّ: من يعترّ بالبدن من غنيّ أو فقير.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: القانع: الطامع.

وقال آخرون: القانع: هو المسكين، والمعتر: الذي يتعرّض للحم.

ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانع: المسكين، والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين، ولا تكون له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم، والبائس الفقير: هو القانع.

وقال آخرون بما:- حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فرات، عن سعيد بن جُبير، قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن بمثله.

⁕ قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع: الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل؛ لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع، المكتفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ. وفي إتباع ذلك قوله: والمعترّ، الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى سأله وخضع إليه، فهو يقنع قنوعا؛ ومنه قول لبيد:

وأعْطانِي المَوْلى عَلى حِينَ فَقْرِهِ ... إذَا قالَ أبْصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعي [[البيت للبيد كما قال المؤلف، ولم أجده في ديوانه طبعة ليدن سنة ١٨٩١. والخلة بالفتح: الحاجة والفقر. وقال اللحياني: خلة به شديدة: أي خصاصة. والقنوع: السؤال، وقد شرحناه وبيناه في الشاهد الذي قبله.]]

وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قنِعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا. وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾

يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس. يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: [لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: ما أريد به وجه الله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قال: وجعلته طيبا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ يقول: هكذا سخر لكم البُدن. يقول: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يقول: كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم.

كما:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ : يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كل خوّان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها. وقيل: إنه عنى بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: [لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: ما أريد به وجه الله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قال: وجعلته طيبا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ يقول: هكذا سخر لكم البُدن. يقول: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يقول: كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم.

كما:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ : يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كل خوّان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها. وقيل: إنه عنى بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة: ﴿أُذِنَ﴾ بضم الألف، ﴿يُقاتَلُونَ﴾ بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في أُذِنَ ويُقاتَلُون جميعًا. وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة: ﴿أُذِنَ﴾ بترك تسمية الفاعل، و"يُقاتِلُونَ" بكسر التاء، بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين: "أَذِنَ" بفتح الألف، بمعنى: أذن الله، و"يُقاتِلُونَ" بكسر التاء، بمعنى: إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين. وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى؛ لأن الذين قرءوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله- وإن من قرأ يُقاتِلونَ، ويُقاتَلُون بالكسر أو الفتح، فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر- وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل، وكل واحد منهما مقاتل. فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب.

غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به: أَذِنَ بفتح الألف، بمعنى: أذن الله، لقرب ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم، فيردُ أذنَ على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ﴾ وكذلك أحب القراءات إليّ في يُقاتِلُون كسر التاء، بمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم، فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض.

وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال، فقال بعضهم: عني به: نبيّ الله وأصحابه.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ يعني محمدا وأصحابه إذا أخرجوا من مكة إلى المدينة؛ يقول الله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد فعل.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبير، قال: لما خرج النبيّ ﷺ من مكة، قال رجل: أخرجوا نبيهم، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق﴾ النبيّ ﷺ وأصحابه.

⁕ حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج النبيّ ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ- قال ابن عباس: فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال. وهي أوّل آية نزلت. قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: ﴿أُذِنَ﴾ ونحن نقرأ: "أَذِنَ".

⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج النبي ﷺ، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علمت أنه يكون قتال. وإلى هذا الموضع انتهى حديثه، ولم يزد عليه.

⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة، قال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخرج رسول الله ﷺ، والله ليهلكنّ جميعا! فلما نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقال: هؤلاء المؤمنون.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . [[لعله اختصره إن لم يكن سقط منه شيء من الناسخ، والأصل: هم والنبي وأصحابه، أو نحو ذلك.]]

وقال آخرون: بل عني بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة، فمنعوا من ذلك.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار، فقاتلوهم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم الكفار، فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم. قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: "أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ" قال قَتادة: وهي أوّل آية نزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: هي أوّل آية أنزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا. وقد كان بعضهم يزعم أن الله إنما قال: أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله ﷺ، كانوا استأذنوا رسول الله ﷺ في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ فَلَمَّا هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة، أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ . وهذا قول ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.

* *

وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾

يقول جل ثناؤه: وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر، وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فالذين الثانية ردّ على الذين الأولى. وعنى بالمخرجين من دورهم: المؤمنين الذين أخرجهم كفار قريش من مكة. وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله، وسبهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم، حتى اضطرّوهم إلى الخروج عنهم. وكان فعلهم ذلك بهم بغير حقّ، لأنهم كانوا على باطل والمؤمنون على الحقّ، فلذلك قال جل ثناؤه: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) .

* *

وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾

يقول تعالى ذكره: لم يخرجوا من ديارهم إلا بقولهم: ربنا الله وحده لا شريك له! فأن في موضع خفض ردّا على الباء في قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ، وقد يجوز أن تكون في موضع نصب على وجه الاستثناء.

* *

وقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾

اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ دفع المشركين بالمسلمين.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا القتال والجهاد في سبيل الله.

ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ قال لولا القتال والجهاد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله ﷺ عمن بعدهم من التابعين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن سيف بن عمرو، عن أبي روق، عن ثابت بن عوسجة الحضرميّ، قال: حدثني سبعة وعشرون من أصحاب عليّ وعبد الله منهم لاحق بن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظي، أن عليا رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لولا أن الله يدفع بمن أوجب قبول شهادته في الحقوق تكون لبعض الناس على بعض عمن لا يجوز شهادته وغيره، فأحيا بذلك مال هذا ويوقي بسبب هذا إراقة دم هذا، وتركوا المظالم من أجله، لتظالم الناس فهدمت صوامع.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يقول: دفع بعضهم بعضا في الشهادة، وفي الحقّ، وفيما يكون من قبل هذا. يقول: لولاهم لأهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك؛ ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم؛ ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيَعهم وما سمّى جل ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بيَّنته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا.

* *

وقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾

اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالصوامع، فقال بعضهم: عني بها صوامع الرهبان.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع في هذه الآية: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: صوامع الرهبان.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: صوامع الرهبان.

- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: صوامع الرهبان.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ قال: صوامع الرهبان.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وهي صوامع الصغار يبنونها [[لعله وهي الصوامع الصغار: أي المعابد الصغار. . الخ.]] وقال آخرون: بل هي صوامع الصابئين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿صَوَامِعُ﴾ قال: هي للصابئين.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿لَهُدّمَتْ﴾ . فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة: "لَهُدِمَتْ". خفيفة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة والبصرة: ﴿لَهُدّمَتْ﴾ بالتشديد بمعنى تكرير الهدم فيها مرّة بعد مرّة. والتشديد في ذلك أعجب القراءتين إليّ. لأن ذلك من أفعال أهل الكفر بذلك.

وأما قوله ﴿وَبِيَعٌ﴾ فإنه يعني بها: بيع النصارى.

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم مثل الذي قلنا في ذلك.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن رفيع: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: بيع النصارى.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَبِيَعٌ﴾ للنصارى.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البِيَع: بيع النصارى.

وقال آخرون: عني بالبيع في هذا الموضع: كنائس اليهود.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث. قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: وكنائس.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: البيع للكنائس.

* *

قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾

اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: عني بالصلوات الكنائس.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا محمد سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال: يعني بالصلوات الكنائس.

⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائس اليهود، ويسمون الكنيسة صلوتا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائس اليهود.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وقال آخرون: عنى بالصلوات مساجد الصابئين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبا العالية عن الصلوات. قال: هي مساجد الصابئين.

⁕ قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، نحوه.

وقال آخرون: هي مساجد للمسلمين ولأهل الكتاب بالطرق.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال: الصلوات صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم، انقطعت العبادة، والمساجد تهدم، كما صنع بختنصر.

* *

وقوله: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾

اختلف في المساجد التي أريدت بهذا القول، فقال بعضهم: أريد بذلك مساجد المسلمين.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، قوله: ﴿وَمَساجِدُ﴾ قال: مساجد المسلمين.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قال: المساجد: مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتاده، نحوه.

وقال آخرون: عني بقوله: ﴿وَمَساجِدُ﴾ الصوامع والبيع والصلوات.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَمَساجِدُ﴾ يقول في كل هذا يذكر اسم الله كثيرا، ولم يخصّ المساجد.

وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: الصلوات لا تهدم، ولكن حمله على فعل آخر، كأنه قال: وتركت صلوات. وقال بعضهم: إنما يعني: مواضع الصلوات. وقال بعضهم: إنما هي صلوات، وهي كنائس اليهود، تدعى بالعِبرانية: صلوتا.

وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لهدِّمت صوامع الرهبان وبِيَع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا.

وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل ذلك؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب المستفيض فيهم، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فيما وجهه إليه من وجهه إليه.

* *

وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾

يقول تعالى ذكره: وليعيننّ الله من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا على عدوّه؛ فنصْر الله عبده: معونته إياه، ونصر العبد ربه: جهاده في سبيله، لتكون كلمته العليا.

* *

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الله لقويّ على نصر من جاهد في سبيله من أهل ولايته وطاعته، عزيز في مُلكه، يقول: منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (٤١) ﴾

يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة. والذين ههنا ردّ على الذين يقاتلون.

ويعني بقوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ﴾ إن وطنا لهم في البلاد، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ. يقول: إن نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة: يقول: وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يقول: ونهوا عن الشرك بالله، والعمل بمعاصيه، الذي ينكره أهل الحقّ والإيمان بالله ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾ يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني: أن إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسين الأشيب، قال: ثنا أبو جعفر عيسى بن ماهان، الذي يقال له الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال: كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له؛ ونهيهم عن المنكر أنهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش؛ قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكذب موسى، فقيل: وكذب موسى، ولم يقل: وقوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط.

وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.

* *

وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾

يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾

يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون؛ يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه.

* *

وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾

يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها؛ يعني على بنائها وسقوفها.

كما:-

⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿خاويَةٌ﴾ قال: خربة ليس فيها أحد.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. مثله.

* *

وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾

يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ﴿وَ﴾ من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية. كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: عطلها أهلها، تركوها.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.

ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب بن فائد، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني الحسين بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام. قال. حدثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرمة، فرأى حائط آجرّ مصهرج، فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: المجصص. قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة أو الفضة.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة يعني بالجصّ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص، هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص، وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه؛ ومنه قول الراجز:

كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ [[هذا عجز بيت من البسيط، وليس من الرجز. وقال في اللسان: وحبب الماء بالكسر، وحببه وحبابه بالفتح: طرائقه والطي: الحجارة تبنى بها جدار البئر. والشيد، بكسر الشين: كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر تقول شاده يشيده شيدا: جصصه، وبناء مشيد: معمول بالشيد.]]

فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد؛ ومنه قول امرئ القيس:

وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلا أُطُما إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ [[البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي، ص ٣٣) قال شارحه: تيماء: مدينة. والأطم: البيت المسطح، ويروى " ولا أجما "، وهو بمعنى الأطم. يقول: لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته.

وفي (اللسان: شيد) : وبناء مشيد: معمول بالشيد. وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، والمشيد: المبني بالشيد وأنشد: " شاده مرمرا. . . البيت ". قال أبو عبيدة: البناء: المشيد (بالتشديد) : المطول. والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا، أن البناء المشيد بالتخفيف: هو المطول الذاهب في السماء، أو هو المحكم القوي. فيكون للمشيد إذن معنيان: الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه. والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر ... الخ.]] يعني بذلك: إلا بالبناء بالشيد والجندل. وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد، فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد الطويل نحْوا بذلك إلى هذا التأويل؛ ومنه قول عديّ بن زيد:

شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ ... سا فللطْيَر فِي ذُرَاهُ وُكُورُ [[البيت لعدي بن زيد العبادي. وقد أنشده في (اللسان: شيد) ولم ينسبه وقال المشيد: المبني بالتشيد. أه. يريد أنه أحكم بناؤه وأحكم بالتشيد مع المرمر، وهو نوع من الرخام صلب. والكلس قال في (اللسان: كلس) : مثل الصاروج يبنى به. وقيل الكلس: ما طلي به حائط أو باطن قصر، شبه الجص من غير آجر؛ قال عدي بن يزيد العبادي (وذكر أربعة أبيات منها بيت الشاهد، وهو آخرها) ثم قال: والتكليس التمليس، فإذا طلى ثخينا فهو المقرمد. والشاهد في بيت عدي هذا كما بيناه في بيت امرئ القيس قبله أن قوله " شاده مرمرا " يفهم منه الإحكام والتقوية ورفع البناء، ولا يفهم منه الطلاء الخارجي بالشيد. وهو ما قاله المؤلف. والذرا بضم الذال: جمع ذروة، وهي أعلى الشيء. والوكور: جمع وكر وهو عش الطائر، أي أن صاحب ذلك القصر المعروف بالحضر، رفع بناءه بالشيد والمرمر، ثم كلسه وملسه بالجص أو بالكلس، وإن الطير قد اتخذت وكورها في أعلاه.]]

وقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده. إذا زيَّنته به، وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش؛ قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكذب موسى، فقيل: وكذب موسى، ولم يقل: وقوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط.

وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.

* *

وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾

يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾

يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون؛ يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه.

* *

وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾

يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها؛ يعني على بنائها وسقوفها.

كما:-

⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿خاويَةٌ﴾ قال: خربة ليس فيها أحد.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. مثله.

* *

وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾

يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ﴿وَ﴾ من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية. كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: عطلها أهلها، تركوها.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.

ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب بن فائد، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني الحسين بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام. قال. حدثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرمة، فرأى حائط آجرّ مصهرج، فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: المجصص. قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة أو الفضة.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة يعني بالجصّ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص، هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص، وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه؛ ومنه قول الراجز:

كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ [[هذا عجز بيت من البسيط، وليس من الرجز. وقال في اللسان: وحبب الماء بالكسر، وحببه وحبابه بالفتح: طرائقه والطي: الحجارة تبنى بها جدار البئر. والشيد، بكسر الشين: كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر تقول شاده يشيده شيدا: جصصه، وبناء مشيد: معمول بالشيد.]]

فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد؛ ومنه قول امرئ القيس:

وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلا أُطُما إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ [[البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي، ص ٣٣) قال شارحه: تيماء: مدينة. والأطم: البيت المسطح، ويروى " ولا أجما "، وهو بمعنى الأطم. يقول: لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته.

وفي (اللسان: شيد) : وبناء مشيد: معمول بالشيد. وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، والمشيد: المبني بالشيد وأنشد: " شاده مرمرا. . . البيت ". قال أبو عبيدة: البناء: المشيد (بالتشديد) : المطول. والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا، أن البناء المشيد بالتخفيف: هو المطول الذاهب في السماء، أو هو المحكم القوي. فيكون للمشيد إذن معنيان: الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه. والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر ... الخ.]] يعني بذلك: إلا بالبناء بالشيد والجندل. وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد، فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد الطويل نحْوا بذلك إلى هذا التأويل؛ ومنه قول عديّ بن زيد:

شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ ... سا فللطْيَر فِي ذُرَاهُ وُكُورُ [[البيت لعدي بن زيد العبادي. وقد أنشده في (اللسان: شيد) ولم ينسبه وقال المشيد: المبني بالتشيد. أه. يريد أنه أحكم بناؤه وأحكم بالتشيد مع المرمر، وهو نوع من الرخام صلب. والكلس قال في (اللسان: كلس) : مثل الصاروج يبنى به. وقيل الكلس: ما طلي به حائط أو باطن قصر، شبه الجص من غير آجر؛ قال عدي بن يزيد العبادي (وذكر أربعة أبيات منها بيت الشاهد، وهو آخرها) ثم قال: والتكليس التمليس، فإذا طلى ثخينا فهو المقرمد. والشاهد في بيت عدي هذا كما بيناه في بيت امرئ القيس قبله أن قوله " شاده مرمرا " يفهم منه الإحكام والتقوية ورفع البناء، ولا يفهم منه الطلاء الخارجي بالشيد. وهو ما قاله المؤلف. والذرا بضم الذال: جمع ذروة، وهي أعلى الشيء. والوكور: جمع وكر وهو عش الطائر، أي أن صاحب ذلك القصر المعروف بالحضر، رفع بناءه بالشيد والمرمر، ثم كلسه وملسه بالجص أو بالكلس، وإن الطير قد اتخذت وكورها في أعلاه.]]

وقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده. إذا زيَّنته به، وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش؛ قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكذب موسى، فقيل: وكذب موسى، ولم يقل: وقوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط.

وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.

* *

وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾

يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾

يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون؛ يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه.

* *

وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾

يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها؛ يعني على بنائها وسقوفها.

كما:-

⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿خاويَةٌ﴾ قال: خربة ليس فيها أحد.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. مثله.

* *

وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾

يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ﴿وَ﴾ من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية. كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: عطلها أهلها، تركوها.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.

ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب بن فائد، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني الحسين بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام. قال. حدثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرمة، فرأى حائط آجرّ مصهرج، فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: المجصص. قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة أو الفضة.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة يعني بالجصّ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص، هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص، وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه؛ ومنه قول الراجز:

كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ [[هذا عجز بيت من البسيط، وليس من الرجز. وقال في اللسان: وحبب الماء بالكسر، وحببه وحبابه بالفتح: طرائقه والطي: الحجارة تبنى بها جدار البئر. والشيد، بكسر الشين: كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر تقول شاده يشيده شيدا: جصصه، وبناء مشيد: معمول بالشيد.]]

فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد؛ ومنه قول امرئ القيس:

وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلا أُطُما إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ [[البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي، ص ٣٣) قال شارحه: تيماء: مدينة. والأطم: البيت المسطح، ويروى " ولا أجما "، وهو بمعنى الأطم. يقول: لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته.

وفي (اللسان: شيد) : وبناء مشيد: معمول بالشيد. وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، والمشيد: المبني بالشيد وأنشد: " شاده مرمرا. . . البيت ". قال أبو عبيدة: البناء: المشيد (بالتشديد) : المطول. والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا، أن البناء المشيد بالتخفيف: هو المطول الذاهب في السماء، أو هو المحكم القوي. فيكون للمشيد إذن معنيان: الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه. والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر ... الخ.]] يعني بذلك: إلا بالبناء بالشيد والجندل. وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد، فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد الطويل نحْوا بذلك إلى هذا التأويل؛ ومنه قول عديّ بن زيد:

شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ ... سا فللطْيَر فِي ذُرَاهُ وُكُورُ [[البيت لعدي بن زيد العبادي. وقد أنشده في (اللسان: شيد) ولم ينسبه وقال المشيد: المبني بالتشيد. أه. يريد أنه أحكم بناؤه وأحكم بالتشيد مع المرمر، وهو نوع من الرخام صلب. والكلس قال في (اللسان: كلس) : مثل الصاروج يبنى به. وقيل الكلس: ما طلي به حائط أو باطن قصر، شبه الجص من غير آجر؛ قال عدي بن يزيد العبادي (وذكر أربعة أبيات منها بيت الشاهد، وهو آخرها) ثم قال: والتكليس التمليس، فإذا طلى ثخينا فهو المقرمد. والشاهد في بيت عدي هذا كما بيناه في بيت امرئ القيس قبله أن قوله " شاده مرمرا " يفهم منه الإحكام والتقوية ورفع البناء، ولا يفهم منه الطلاء الخارجي بالشيد. وهو ما قاله المؤلف. والذرا بضم الذال: جمع ذروة، وهي أعلى الشيء. والوكور: جمع وكر وهو عش الطائر، أي أن صاحب ذلك القصر المعروف بالحضر، رفع بناءه بالشيد والمرمر، ثم كلسه وملسه بالجص أو بالكلس، وإن الطير قد اتخذت وكورها في أعلاه.]]

وقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده. إذا زيَّنته به، وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش؛ قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكذب موسى، فقيل: وكذب موسى، ولم يقل: وقوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط.

وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.

* *

وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾

يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾

يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون؛ يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه.

* *

وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾

يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها؛ يعني على بنائها وسقوفها.

كما:-

⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿خاويَةٌ﴾ قال: خربة ليس فيها أحد.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. مثله.

* *

وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾

يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ﴿وَ﴾ من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية. كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: عطلها أهلها، تركوها.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.

ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب بن فائد، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، مثله.

⁕ حدثني الحسين بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام. قال. حدثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرمة، فرأى حائط آجرّ مصهرج، فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: المجصص. قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة أو الفضة.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقصة يعني بالجصّ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مجصص، هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص، وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه؛ ومنه قول الراجز:

كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ [[هذا عجز بيت من البسيط، وليس من الرجز. وقال في اللسان: وحبب الماء بالكسر، وحببه وحبابه بالفتح: طرائقه والطي: الحجارة تبنى بها جدار البئر. والشيد، بكسر الشين: كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر تقول شاده يشيده شيدا: جصصه، وبناء مشيد: معمول بالشيد.]]

فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد؛ ومنه قول امرئ القيس:

وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلا أُطُما إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ [[البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي، ص ٣٣) قال شارحه: تيماء: مدينة. والأطم: البيت المسطح، ويروى " ولا أجما "، وهو بمعنى الأطم. يقول: لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته.

وفي (اللسان: شيد) : وبناء مشيد: معمول بالشيد. وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، والمشيد: المبني بالشيد وأنشد: " شاده مرمرا. . . البيت ". قال أبو عبيدة: البناء: المشيد (بالتشديد) : المطول. والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا، أن البناء المشيد بالتخفيف: هو المطول الذاهب في السماء، أو هو المحكم القوي. فيكون للمشيد إذن معنيان: الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه. والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر ... الخ.]] يعني بذلك: إلا بالبناء بالشيد والجندل. وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد، فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد الطويل نحْوا بذلك إلى هذا التأويل؛ ومنه قول عديّ بن زيد:

شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ ... سا فللطْيَر فِي ذُرَاهُ وُكُورُ [[البيت لعدي بن زيد العبادي. وقد أنشده في (اللسان: شيد) ولم ينسبه وقال المشيد: المبني بالتشيد. أه. يريد أنه أحكم بناؤه وأحكم بالتشيد مع المرمر، وهو نوع من الرخام صلب. والكلس قال في (اللسان: كلس) : مثل الصاروج يبنى به. وقيل الكلس: ما طلي به حائط أو باطن قصر، شبه الجص من غير آجر؛ قال عدي بن يزيد العبادي (وذكر أربعة أبيات منها بيت الشاهد، وهو آخرها) ثم قال: والتكليس التمليس، فإذا طلى ثخينا فهو المقرمد. والشاهد في بيت عدي هذا كما بيناه في بيت امرئ القيس قبله أن قوله " شاده مرمرا " يفهم منه الإحكام والتقوية ورفع البناء، ولا يفهم منه الطلاء الخارجي بالشيد. وهو ما قاله المؤلف. والذرا بضم الذال: جمع ذروة، وهي أعلى الشيء. والوكور: جمع وكر وهو عش الطائر، أي أن صاحب ذلك القصر المعروف بالحضر، رفع بناءه بالشيد والمرمر، ثم كلسه وملسه بالجص أو بالكلس، وإن الطير قد اتخذت وكورها في أعلاه.]]

وقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده. إذا زيَّنته به، وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: أفلم يسيروا هؤلاء المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبي رسل الله الذين خلوْا من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكَّروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها، سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله، فينيبوا من عتوّهم وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ حجج الله على خلقه وقدرته على ما بيَّنا ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يقول: أو آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل.

* *

وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ﴾

يقول: فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها، بل يبصرون ذلك بأبصارهم؛ ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن أنصار الحق ومعرفته.

والهاء في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى﴾ هاء عماد، كقول القائل: إنه عبد الله قائم.

وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: "فإنَّهُ لا تَعْمَى الأبْصَارُ".وقيل: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والقلوب لا تكون إلا في الصدور، توكيدا للكلام، كما قيل: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بما تعدهم من عذاب الله على شركهم به وتكذيبهم إياك فيما أتيتهم به من عند الله في الدنيا، ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا. ففعل ذلك، ووفى لهم بما وعدهم، فقتلهم يوم بدر.

واختلف أهل التأويل في اليوم الذي قال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي يوم هو؟ فقال بعضهم: هو من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ... الآية، قال: هي مثل قوله في "الم تنزيل" سواء، هو هو الآية.

وقال آخرون: بل هو من أيام الآخرة.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن سمير بن نهار، قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ .

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثني عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ قال: من أيام الآخرة.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، أنه قال في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: هذه أيام الآخرة. وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ .

وقد اختلف في وجه صرف الكلام من الخبر عن استعجال الذين استعجلوا العذاب إلى الخبر عن طول اليوم عند الله، فقال بعضهم: إن القوم استعجلوا العذاب في الدنيا، فأنزل الله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ في أن ينزل ما وعدهم من العذاب في الدنيا. وإن يوما عند ربك من عذابهم في الدنيا والآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا.

وقال آخرون: قيل ذلك كذلك إعلاما من الله مستعجليه العذاب أنه لا يعجل، ولكنه يمهل إلى أجل أجَّله، وأن البطيء عندهم قريب عنده، فقال لهم: مقدار اليوم عندي ألف سنة مما تعدّون أنتم أيها القوم من أيامكم، وهو عندكم بطئ وهو عندي قريب.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يوما من الثقل وما يخاف كألف سنة.

والقول الثاني عندي أشبه بالحقّ في ذلك؛ وذلك إن الله تعالى ذكره أخبر عن استعجال المشركين رسول الله ﷺ بالعذاب، ثم أخبر عن مبلغ قدر اليوم عنده، ثم أتبع ذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالمة، تركه معاجلتهم بالعذاب، فبين بذلك أنه عنى بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ نفي العجلة عن نفسه، ووصفها بالأناة والانتظار، وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويل الكلام: وإن يوما من الأيام التي عند الله يوم القيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، وليس ذلك عنده ببعيد، وهو عندكم بعيد، فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدّته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون، وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه، فلم أعجل بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين: يقول: أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره، لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به، فإلى الله ليس ذلك إليّ، ولا أقدر عليه؛ ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم أيها الناس ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يقول: ورزق حسن في الجنة.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال: الجنة.

* *

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾

يقول: والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه، وقال في آياتنا فأدخلت فيه في كما يقال: سعى فلان في أمر فلان.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعاجِزينَ﴾ فقال بعضهم: معناه: مشاقين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿معاجزين﴾ في كل القرآن، يعني بألف، وقال: مشاقين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.

ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ ﷺ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز.

* *

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون، وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه، فلم أعجل بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين: يقول: أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره، لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به، فإلى الله ليس ذلك إليّ، ولا أقدر عليه؛ ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم أيها الناس ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يقول: ورزق حسن في الجنة.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال: الجنة.

* *

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾

يقول: والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه، وقال في آياتنا فأدخلت فيه في كما يقال: سعى فلان في أمر فلان.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعاجِزينَ﴾ فقال بعضهم: معناه: مشاقين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿معاجزين﴾ في كل القرآن، يعني بألف، وقال: مشاقين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.

ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ ﷺ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز.

* *

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون، وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه، فلم أعجل بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين: يقول: أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره، لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به، فإلى الله ليس ذلك إليّ، ولا أقدر عليه؛ ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم أيها الناس ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يقول: ورزق حسن في الجنة.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال: الجنة.

* *

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾

يقول: والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه، وقال في آياتنا فأدخلت فيه في كما يقال: سعى فلان في أمر فلان.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعاجِزينَ﴾ فقال بعضهم: معناه: مشاقين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿معاجزين﴾ في كل القرآن، يعني بألف، وقال: مشاقين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.

ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ ﷺ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز.

* *

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون، وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه، فلم أعجل بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين: يقول: أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره، لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به، فإلى الله ليس ذلك إليّ، ولا أقدر عليه؛ ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم أيها الناس ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يقول: ورزق حسن في الجنة.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال: الجنة.

* *

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾

يقول: والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه، وقال في آياتنا فأدخلت فيه في كما يقال: سعى فلان في أمر فلان.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعاجِزينَ﴾ فقال بعضهم: معناه: مشاقين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿معاجزين﴾ في كل القرآن، يعني بألف، وقال: مشاقين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.

ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ ﷺ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز.

* *

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) ﴾

قيل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقي على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ واغتمَّ به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ، حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ ألقى عليه الشيطان كلمتين: تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهنّ لترجى، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك، قالا فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام، فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله ﷺ: افْتَرَيْتُ عَلى الله، وَقُلْتُ عَلى الله ما لَمْ يَقُلْ، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ... إلى قوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ . فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولي قَومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه، وتمنى وأحبه، فأنزل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فلما انتهى إلى قول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتضى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل؛ فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين، من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهنّ ترتضى، وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلَّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ ﷺ، فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقل لك، فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا فأنزل الله تبارك وتعالى عليه ﴿وكانَ بِهِ رَحِيما﴾ يعزّيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا حبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته، كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... الآية، فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم، أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ، أي فكيف تمنع شفاعة آلهتكم عنده؛ فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبي العالية، قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قال: فأجرى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى؛ قال: فسجد النبيّ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون؛ فلما علم الذي أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: قالت قريش: يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق، فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم؛ فلما انتهى على هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ فألقى الشيطان على لسانه: وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى؛ فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ ووالمسلمون والمشركون، إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه؛ وقال: قد أن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... إلى آخر الآية.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ قرأها رسول الله ﷺ، فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فسجد رسول الله ﷺ. فقال المشركون: أنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير، فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ .

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال: لما نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ثم ذكر نحوه.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك أن نبيّ الله ﷺ بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها؛ فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ ألقى الشيطان: إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى. فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ ... الآية؛ أن نبيّ الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، فقرأها النبيّ ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَى وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ... الآية، قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قال: إن شفاعتهن ترتجى. وسها رسول الله ﷺ، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: إنما ذلك من الشيطان. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ... حتى بلغ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ .

فتأويل الكلام: ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم، ولا نبيّ محدث ليس بمرسل، إلا إذا تمنى.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله تمنى في هذا الموضع، وقد ذكرت قول جماعة ممن قال: ذلك التمني من النبيّ ﷺ ما:-

⁕ حدثته نفسه من محبته، مقاربة قومه في ذكر آلهتهم ببعض ما يحبون، ومن قال ذلك محبة منه في بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدّث.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ قال: إذا قال.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ يعني بالتمني: التلاوة والقراءة.

وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه يحكمها، لا شك أنها آيات تنزيله، فمعلوم أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه.

فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ، أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدث وتكلم ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يقول تعالى: فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله.

كما:-

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ فيبطل الله ما ألقى الشيطان.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ، وأحكم الله آياته.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾

يقول:

ثم يخلص الله آيات كتابه من الباطل الذي ألقى الشيطان على لسان نبيه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بما يحدث في خلقه من حدث، لا يخفى عليه منه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحَبّ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثُم يُحكم الله آياته، كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل، كقول النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى فتنة يقول: اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشكّ في صدق رسول الله ﷺ وحقيقة ما يخبرهم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: أن النبيّ ﷺ كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها للغرانيق العلى. فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ حتى بلغ ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ .

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يقول: وللذين قست [[قوله: " وللذين قست ": عطف على مفهوم من السياق، أي للذين في قلوبهم مرض، والذين قست قلوبهم.]] قلوبهم عن الإيمان بالله، فلا تلين ولا ترعوي، وهم المشركون بالله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: المشركون.

* *

وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾

يقول تعالى ذكره: وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره، بعيد من الحق.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد. يقول: فيصدّقوا به. يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.

وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحقّ القاصد والحقِّ الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان، وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يعني القرآن.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.

ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه﴾ من قوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.

وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ ﷺ في النجم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: في مرية من سجودك.

وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن.

وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله "أنه" من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿ففِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعد ما بينهما.

* *

وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾

يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة.

واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.

ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.

وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما.

ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.

⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال مجاهد: يوم بدر.

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: يوم بدر.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.

وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا. في معناه.

فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد. يقول: فيصدّقوا به. يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.

وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحقّ القاصد والحقِّ الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان، وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يعني القرآن.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.

ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه﴾ من قوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.

وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ ﷺ في النجم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: في مرية من سجودك.

وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.

ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن.

وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله "أنه" من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿ففِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعد ما بينهما.

* *

وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾

يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة.

واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.

ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.

وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما.

ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.

⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال مجاهد: يوم بدر.

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: يوم بدر.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.

وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا. في معناه.

فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.

وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.

وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.

وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.

وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.

وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.

وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم ﴿مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ وذلك المُدخل هو الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا.

﴿حَلِيمٌ﴾ عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال: هم المشركون بغَوْا على النبي ﷺ، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ .

* *

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم ﴿مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ وذلك المُدخل هو الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا.

﴿حَلِيمٌ﴾ عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال: هم المشركون بغَوْا على النبي ﷺ، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ .

* *

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com