Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Muminoon
Tafsir al-Tabari · The Believers · 118 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ البستان ذا الكرم، وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهد يقول: هو بالرومية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ قال: الفردوس: بستان بالرومية.
قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: عدن حديقة في الجنة، قصرها فيها عدنها، خلقها بيده، تفتح كل فجر فينظر فيها، ثم يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قال: هي الفردوس أيضا تلك الحديقة، قال مجاهد: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فيها خلق ولا ملك مقرب، ثم تفتح كل سحر، فينظر فيها فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم تغلق إلى مثلها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قتل حارثة بن سُراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابني من أهل الجنة؛ لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار؛ بالغت في البكاء. قال: "يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها جَنَّتان في جَنَّةٍ، وإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصابَ الْفِردوْس الأعلى من الجَنَّةِ".
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب قال: خلق الله بيده جنة الفردوس، غرسها بيده. ثم قال: تكلمي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة أيضا، مثله. غير أنه قال: تكلمي، قالت: طوبى للمتَّقين.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود نفيع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تزيني؛ فتزينت، ثم قال لها: تكلمي؛ فقالت: طوبى لمن رضيتَ عنه.
* *
وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يعني ماكثون فيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعني ماكثون فيها أبدًا، لا يتحوّلون عنها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أسللناه منه، فالسلالة: هي المستلة من كلّ تربة، ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتَادة: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ قال: استلّ آدم من الطين.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلَّت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خُلق من طين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: صفوة الماء.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (مِنْ سُلالَةٍ) من منيّ آدم.
⁕ حدثنا القاسم. قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالة آدم، وهي صفة مائه، وآدم هو الطين؛ لأنه خُلق منه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ على أن ذلك كذلك؛ لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوّله من صلبه صار في قرار مكين؛ والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه، ومن السُّلالة قول بعضهم:
حَمَلتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنفرًا ... سُلالَةَ فَرجٍ كان غيرَ حَصِين [[البيت لحسان بن ثابت (اللسان: سلل) وفيه: فجاءت في موضع حملت. وهو شاهد على أن السلالة بمعنى نطفة الإنسان، وسلالة الشيء: ما استل من. واستشهد به المؤلف على أن العرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سلالة. وفي اللسان: وقال الفراء: السلالة الذي سل من كل تربة. وقال أبو الهيثم: السلالة: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة، كما يسل الشيء سلا. والسليل: الولد حين يخرج من بطن أمه، لأنه خلق من السلالة. وعن عكرمة أنه قال في السلالة: إنه الماء يسل من الظهر سلا. وعضب الأديم: غليظ الجلد، ولعله يريد وصفه بالشدة والقسوة. ولم أجد هذا التعبير في معاجم اللغة، ووجدته في حاشية جانبية على نسخة مصورة من مجاز القران محفوظة بمكتبة جامعة القاهرة، رقمها٢٦٠٥٩ عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ .]]
وقول الآخر:
وَهَلْ كُنْتُ إلا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً ... سُلالَةَ أفْراسٍ تجَللها بَغْلُ [[البيت لهند بنت النعمان (اللسان: سلل) . وروايته: "وما هند إلا مهرة". وهو شاهد على أن السليل الولد، والأنثى سليلة، قال أبو عمرو: السليلة بنت الرجل من صلبه. وتجللها: علاها. والمراد بالبغل هنا: الرجل الشبيه بالبغل والبغل مذموم عند العرب. وفي اللسان: سلل: قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب، لأن البغل لا ينسل. وقال ابن شميل: يقال للإنسان أول ما تضعه أمه: سليل. والسليل والسليلة: المهر والمهرة.]]
فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل، ومنه قول بعضهم:
إذا أُنْتِجَتْ مِنْها المَهارَى تَشابَهَتْ ... عَلى القَوْد إلا بالأنُوفِ سَلائلُهْ [[لم أجد هذا البيت في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في شواهد معاجم اللغة. وهو شاهد على أن السلائل جمع سلالة، وقد شرحنا معناها في الشاهدين السابقين بما أغنى عن تكراره هنا.]]
وقول الراجز:
يَقْذِفْنَ فِي أسْلابِها بالسَّلائِلِ [[كذا ورد هذا الشطر في الأصول محرفًا وحسبه المؤلف من الرجز، ويلوح لي أن هذا جزء من بيت للنابغة الذبياني نسخه بعض النساخ في بعض الكتب، ولم يفطن له المؤلف. وبيت النابغة من البحر الطويل، وهو من قصيدة له يصف الخيل في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، قال فيها: وَقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَةِ عَاقِلِ
مَخَافَةَ عَمْرٍو أَنْ تَكُونَ جِيَادُهُ ... يُقَدْنَ إِلَيْنَا بَيْنَ حَافٍ وَنَاعِلِ
إِذَا اسْتَعْجَلُوهَا عَنْ سَجِيَّةِ مَشْيِهَا ... تَتَلَّعُ فِي أَعْنَاقِهَا بِالجَحَافِلِ
وَيَقْذِفْنَ بِالأَوْلادِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... تَشَحَّطُ فِي أسْلائِهَا كَالْوَصَائِلِ
وهذا البيت الأخير هو محل الشاهد في بحثنا وليس فيه شاهد للمؤلف على السلائل جمع السلالة، لأنها لم تذكر في البيت ولا في القصيدة كلها. وأصل تشحط: تتشحط، أي تضطرب يريد أولاد الخيل. والسلى: الجلدة التي يكون فيها الولد من الإنسان أو الحيوان إذا ولد. الوصائل الثياب الحمر المخططة. والمراد أن الأسلاب كانت موشحة بالدم، وانظر البيت في (اللسان: شحط) وفي المخصص. لابن سيده (١: ١٧) ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا (طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ص ٢١١) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرّت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة، ووصفه بأنه مكين؛ لأنه مكن لذلك، وهيأ له ليستقرّ فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾
يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم.
* *
وقوله: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾
يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق سوى عاصم: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجمع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: ﴿عَظْما﴾ في الحرفين على التوحيد جميعا.
والقراءة التي نختار في ذلك الجمع؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾
يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عَظْما﴾ وعصبا، فكسوناه لحما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ عائدة على الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ﴾ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد. فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه؛ فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) قال: الروح الذي جعله فيه.
وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر، تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة في الطفولة والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره.
وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوَّى شبابه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: حين استوى شبابه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: حين استوى به الشباب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.
* *
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: عيسى ابن مريم يخلق.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير:
وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي [[البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح رجلا (اللسان: خلق) يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماض العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. والخلق: التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقًا: قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا. ولذلك سمت العرب كل صانع كالنجار والخياط ونحوهما خالقًا، لأنه يقيس الخشب ويقدره على ما يريده له. والفري: القطع بعد التقدير، وقد يكون قبله، بأن يقطع قطعة من جلد أو ثوب قطعًا مقاربًا، ثم يصلحها ويسويها بالحساب والتقدير، على ما يريده ولذلك جاءت رواية أخرى في البيت: ولأنت تخلق ما فريت ... إلخ.]]
ويروى:
ولأنْت تخْلُقُ ما فَريت وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرّت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة، ووصفه بأنه مكين؛ لأنه مكن لذلك، وهيأ له ليستقرّ فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾
يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم.
* *
وقوله: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾
يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق سوى عاصم: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجمع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: ﴿عَظْما﴾ في الحرفين على التوحيد جميعا.
والقراءة التي نختار في ذلك الجمع؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾
يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عَظْما﴾ وعصبا، فكسوناه لحما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ عائدة على الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ﴾ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد. فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه؛ فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) قال: الروح الذي جعله فيه.
وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر، تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة في الطفولة والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره.
وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوَّى شبابه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: حين استوى شبابه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: حين استوى به الشباب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.
* *
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: عيسى ابن مريم يخلق.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير:
وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي [[البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح رجلا (اللسان: خلق) يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماض العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. والخلق: التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقًا: قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا. ولذلك سمت العرب كل صانع كالنجار والخياط ونحوهما خالقًا، لأنه يقيس الخشب ويقدره على ما يريده له. والفري: القطع بعد التقدير، وقد يكون قبله، بأن يقطع قطعة من جلد أو ثوب قطعًا مقاربًا، ثم يصلحها ويسويها بالحساب والتقدير، على ما يريده ولذلك جاءت رواية أخرى في البيت: ولأنت تخلق ما فريت ... إلخ.]]
ويروى:
ولأنْت تخْلُقُ ما فَريت وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا، مبعوثون من التراب خلقا جديدا، كما بدأناكم أوّل مرّة. وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ؛ لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل: هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا لما ذكرناه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا، مبعوثون من التراب خلقا جديدا، كما بدأناكم أوّل مرّة. وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ؛ لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل: هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا لما ذكرناه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات، بعضهن فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وإنما قيل للسموات السبع سبع طرائق؛ لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال: الطرائق: السموات.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾
يقول: وما كنا في خلقنا السموات السبع فوقكم، عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ ماء هو من السماء.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾
يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به، فتهلكوا أيها الناس عطشا، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون، وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب. وخصّ جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دون وصفها بسائر ثمار الأرض؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكَّر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ ماء هو من السماء.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾
يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به، فتهلكوا أيها الناس عطشا، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون، وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب. وخصّ جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دون وصفها بسائر ثمار الأرض؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكَّر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ (٢٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء وشجرة منصوبة عطفا على الجنات ويعني بها: شجرة الزيتون.
* *
وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾
يقول: تخرج من جبل ينبت الأشجار.
وقد بيَّنت معنى الطور فيما مضى بشواهده، واختلاف المختلفين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ﴿سِيناء﴾ بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾ بفتح السين، وهما جميعا مجمعون على مدّها.
والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: المبارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تخرج من جبل مبارك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: المبارك.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل بالشام مبارك.
وقال آخرون: معناه: حسن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل حسن.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء، حسنة بالنبطية.
وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: الجبل الذي نودي منه موسى ﷺ.
⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس، قال: ممدود، هو بين مصر وبين أيلة.
وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به، كما قيل: جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبل مبارك، أو كما قال من قال: معناه حسن، لكان الطور منوّنا، وكان قوله سيناء من نعته، على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب، فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله كما قال ابن عباس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الحبل الذي نودي منه موسى ﷺ، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء: معنى مبارك.
* *
وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿تُنْبِتُ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿تَنْبُت﴾ بفتح التاء، بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه بعض قرّاء البصرة: ﴿تُنْبِت﴾ بضم التاء، بمعنى تنبت الدهن، تخرجه. وذكر أنها في قراءة عبد الله: ﴿تُخْرجُ الدُّهْن﴾ وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدة كما قيل: أخذت ثوبه، وأخذت بثوبه، وكما قال الراجز:
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجْ ... نَضْرِبُ بِالبيضِ وَنَرْجُو بالفَرَج [[البيت لنابغة بني جعدة (خزانة الأدب للبغدادي ٤: ١٦٠) والفلج في الأصل النهر الصغير، والماء الجاري. والمراد في البيت: موضع في أعلى بلاد قيس. ويروى (نضرب بالسيف) . والبيض: جمع أبيض، وهو السيف. والبيت شاهد على زيادة الباء في قوله بالفرج، أي ونرجو الفرج. وهي زائدة في المفعول به سماعًا. قال ابن عصفور في الضرائر: زيادة الباء هنا: ضرورة. وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب لابن قتيبة: إنما عدى الرجاء بالباء، لأنه بمعنى الطمع يتعدى بالباء، كقولك: طمعت بكذا. قال الشاعر: طَمِعْتُ بِلَيْلَى أنْ تجُودَ وَإِنَّمَا ... تُقَطِّعُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ المَطَامِعُ
وبنو جعدة يروى بالرفع على أنه خبر نحن، وبالنصب على الاختصاص، والخبر: أرباب. اهـ.]]
بمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت؛ ومن أنبت قول زهير:
رأيْتَ ذوي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينا لَهُمْ حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ [[البيت في (اللسان نبت) قال: ونبت البقل وأنبت بمعنى، وأنشد لزهير بن أبي سلمى: إذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ بِالنَّاسِ أجْحَفَتْ ... وَنَالَ كِرَامَ النَّاسِ فِي الحَجْرةِ الأَكلُ
ثم قال: يعني بالشهباء البيضاء من الجدب، لأنها تبيض بالثلج أو عدم النبت. والحجرة السنة الشديدة التي تحجر الناس في بيوتهم، فينحروا كرائم إبلهم ليأكلوها. والقطين: الحشم، وسكان الدار. وأجحفت أضرت بهم، وأهلكت أموالهم. قال: ونبت وأنبت: مثل قولهم مطرت السماء وأمطرت. وقال في قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو الحضرمي: ﴿تنبت﴾ بضم في التاء، وكسر الباء. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: بفتح التاء. وقال الفراء: هما لغتان: نبتت الأرض وأنبتت، قال ابن سيده: أما تنبت (بضم التاء) فذهب كثير من الناس إلى أن معناه: تنبت الدهن، أي شجر الدهن، أو حب الدهن، وأن الباء فيه زائدة، وكذلك قول عنترة " شربت بماء الدحرضين ... البيت " قالوا: أراد شربت ماء الدحرضين. قال: وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وإنما تأويله والله أعلم: تنبت ما تنبته والدهن فيها، كما تقول: خرج زيد بثيابه عليه؛ وركب الأمير بسيفه، أي وسيفه معه. اهـ.]]
ويروى: نبت، وهو كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ و"فاسر"، غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: ﴿تَنْبُت﴾ بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُت هذه الشجرة بثمر الدهن.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال: بثمره.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
والدهن الذي هو من ثمره الزيت،
كما:-
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يقول: هو الزيت يوكل، ويدهن به.
* *
وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾
يقول: تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ قال: هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به، ويصطبغون به.
قال أبو جعفر: فالصبغ عطف على الدهن.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك
﴿فِيهَا﴾ يعني في الأنعام ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذلك كالإبل التي يُحمل عليها، ويُركب ظهرها، ويُشرب درّها، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني من لحومها تأكلون.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
يقول: وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك
﴿فِيهَا﴾ يعني في الأنعام ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذلك كالإبل التي يُحمل عليها، ويُركب ظهرها، ويُشرب درّها، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني من لحومها تأكلون.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
يقول: وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.