John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Qaaf

Tafsir al-Tabari · The letter Qaaf · 45 ayat · ayat 31–45 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وأُدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأدنيت ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ .

* *

وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾

يقول: قال لهم: هذا الذي توعدون أيها المتقون، أن تدخلوها وتسكنوها وقوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ يعني: لكل راجع من معصية الله إلى طاعته، تائب من ذنوبه.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو المسبح، وقال بعضهم: هو التائب، وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته، غير أنا نذكر في هذا الموضع ما لم نذكره هنالك.

⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ قال: لكلّ مسبح.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، قال: الأوّاب: المسبح.

⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: ثني أبي، عن الحكم بن عتيبة في قول الله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: هو الذاكر الله في الخلاء.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن خباب، عن مجاهد ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ . قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن عيسى الحناط، عن الشعبيّ، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في خلاء فيستغفر منها ﴿حَفِيظٍ﴾ : أي مطيع لله كثير الصلاة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الأوّاب: التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن يونس بن خباب في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الرجل يذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.

* *

وقوله ﴿حَفِيظٍ﴾

اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: حفظ ذنوبه حتى تاب منها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن الأوّاب الحفيظ، قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها.

وقال آخرون: معناه: أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَفِيظٍ﴾ قال: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأوّاب بأنه حفيظ، ولم يخصّ به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع، فالواجب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: هو حفيظ لكلّ ما قرّبه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلَفت منه للتوبة منها والاستغفار.

* *

وقوله ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾

يقول: من خاف الله في الدنيا من قبل أن يلقاه، فأطاعه، واتبع أمره.

وفي ﴿مَن﴾ في قوله ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ وجهان من الإعراب: الخفض على إتباعه كلّ في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ والرفع على الاستئناف، وهو مراد به الجزاء من خشي الرحمن بالغيب، قيل له ادخل الجنة؛ فيكون حينئذ قوله (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ) جوابا للجزاء أضمر قبله القول، وحمل فعلا للجميع، لأن ﴿مَن﴾ قد تكون في مذهب الجميع.

* *

وقوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

يقول: وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ : أي منيب إلى ربه مُقْبل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وأُدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأدنيت ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ .

* *

وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾

يقول: قال لهم: هذا الذي توعدون أيها المتقون، أن تدخلوها وتسكنوها وقوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ يعني: لكل راجع من معصية الله إلى طاعته، تائب من ذنوبه.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو المسبح، وقال بعضهم: هو التائب، وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته، غير أنا نذكر في هذا الموضع ما لم نذكره هنالك.

⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ قال: لكلّ مسبح.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، قال: الأوّاب: المسبح.

⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: ثني أبي، عن الحكم بن عتيبة في قول الله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: هو الذاكر الله في الخلاء.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن خباب، عن مجاهد ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ . قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن عيسى الحناط، عن الشعبيّ، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في خلاء فيستغفر منها ﴿حَفِيظٍ﴾ : أي مطيع لله كثير الصلاة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الأوّاب: التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن يونس بن خباب في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الرجل يذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.

* *

وقوله ﴿حَفِيظٍ﴾

اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: حفظ ذنوبه حتى تاب منها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن الأوّاب الحفيظ، قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها.

وقال آخرون: معناه: أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَفِيظٍ﴾ قال: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأوّاب بأنه حفيظ، ولم يخصّ به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع، فالواجب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: هو حفيظ لكلّ ما قرّبه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلَفت منه للتوبة منها والاستغفار.

* *

وقوله ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾

يقول: من خاف الله في الدنيا من قبل أن يلقاه، فأطاعه، واتبع أمره.

وفي ﴿مَن﴾ في قوله ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ وجهان من الإعراب: الخفض على إتباعه كلّ في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ والرفع على الاستئناف، وهو مراد به الجزاء من خشي الرحمن بالغيب، قيل له ادخل الجنة؛ فيكون حينئذ قوله (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ) جوابا للجزاء أضمر قبله القول، وحمل فعلا للجميع، لأن ﴿مَن﴾ قد تكون في مذهب الجميع.

* *

وقوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

يقول: وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ : أي منيب إلى ربه مُقْبل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وأُدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأدنيت ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ .

* *

وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾

يقول: قال لهم: هذا الذي توعدون أيها المتقون، أن تدخلوها وتسكنوها وقوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ يعني: لكل راجع من معصية الله إلى طاعته، تائب من ذنوبه.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو المسبح، وقال بعضهم: هو التائب، وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته، غير أنا نذكر في هذا الموضع ما لم نذكره هنالك.

⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ قال: لكلّ مسبح.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، قال: الأوّاب: المسبح.

⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: ثني أبي، عن الحكم بن عتيبة في قول الله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: هو الذاكر الله في الخلاء.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن خباب، عن مجاهد ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ . قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن عيسى الحناط، عن الشعبيّ، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في خلاء فيستغفر منها ﴿حَفِيظٍ﴾ : أي مطيع لله كثير الصلاة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الأوّاب: التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن يونس بن خباب في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ قال: الرجل يذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.

* *

وقوله ﴿حَفِيظٍ﴾

اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: حفظ ذنوبه حتى تاب منها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن الأوّاب الحفيظ، قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها.

وقال آخرون: معناه: أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَفِيظٍ﴾ قال: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأوّاب بأنه حفيظ، ولم يخصّ به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع، فالواجب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: هو حفيظ لكلّ ما قرّبه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلَفت منه للتوبة منها والاستغفار.

* *

وقوله ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾

يقول: من خاف الله في الدنيا من قبل أن يلقاه، فأطاعه، واتبع أمره.

وفي ﴿مَن﴾ في قوله ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ وجهان من الإعراب: الخفض على إتباعه كلّ في قوله ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ والرفع على الاستئناف، وهو مراد به الجزاء من خشي الرحمن بالغيب، قيل له ادخل الجنة؛ فيكون حينئذ قوله (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ) جوابا للجزاء أضمر قبله القول، وحمل فعلا للجميع، لأن ﴿مَن﴾ قد تكون في مذهب الجميع.

* *

وقوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

يقول: وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ : أي منيب إلى ربه مُقْبل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهمّ والغضب والعذاب، وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكاره.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ قال: سَلِموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾

يقول: هذا الذي وصفت لكم أيها الناس صفته من إدخالي الجنة من أدخله، هو يوم دخول الناس الجنة، ماكثين فيها إلى غير نهاية.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ خلدوا والله، فلا يموتون، وأقاموا فلا يَظْعُنون، ونَعِمُوا فلا يبأسون.

* *

وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾

يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذّه عيونهم.

* *

وقوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلّ ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه. وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلي الله جلّ ئناؤه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ عن جده، عن أنس، " إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح، فمدّ بينه وبين خلقه حُجُبا من لؤلؤ، وحُجُبا من نور ثم وُضعت منابر النور وسُرُرُ النور وكراسيّ النور، ثم أُذِن لرجل على الله عزّ وجلّ بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَويّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا المجعول بيده، والمُعَلَّم الأسماء، والذي أُمرت الملائكة فسجدت له، والذي له أبيحت الجنة، آدم عليه السلام، قد أُذِن له على الله تعالى؛ قال: ثم يؤذَن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور، يُسْمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل عليه النار بَرْدا وسلاما، إبراهيم قد أُذن له على الله. قال: ثم أُذِن لرجل آخر على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمع دوي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وفي الأصل برسالاته، وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وقرّبه نجيا، وكلَّمه [كلاما] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] موسى عليه السلام، قد أُذِن له على الله. قال: ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثلُ جميع مواكب النبيين قبله، بين يديه أمثال الجبال، [من النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] يسمع دَوِي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم؛ وأوّل من تنشقّ عن ذُؤابتيه الأرض، وصاحب لواء الحمد، أحمد ﷺ، قد أُذِن له على الله. قال: فجلس النبيون على منابر النور، [والصدّيقون على سُرُر النور؛ والشهداء على كراسيّ النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وجلس سائر الناس على كُثْبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الربّ تعالى من وراء الحُجب: مَرْحَبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي. يا ملائكتي، انهضوا إلى عبادي، فأطعموهم. قال: فقرّبت إليهم من لحوم طير، كأنها البُخت لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، قال: ثم ناداهم الربّ من وراء الحجاب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا اسقوهم. قال: فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة، لذة آخرها كلذّة أوّلها، لا يُصَدّعون عنها ولا يُنزفون؛ ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فَكِّهوهم. قال: فيقرب إليهم على أطباق مكلَّلة بالياقوت والمرجان؛ ومن الرُّطَب الذي سَمَّى الله، أشدّ بياضا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. قال: فأكلوا ثم ناداهم الربّ من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، وفُكِّهوا؛ اكسوهم؛ قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوها. قال: ثم ناداهم الربّ تبارك وتعالى من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي؛ أكلوا؛ وشربوا؛ وفُكِّهوا؛ وكُسُوا طَيِّبوهم. قال: فهاجت عليهم ريح يقال لها المُثيرة، بأباريق المسك [الأبيض] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] الأذفر، فنفحت على وجوههم من غير غُبار ولا قَتام. قال: ثم ناداهم الربّ عز وجل من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد؛ قال: فتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم. قال: فتداعت قصور الجنة وشجرها، سبحانك أربع مرّات، وخرّ القوم سجدا؛ قال: فناداهم الربّ تبارك وتعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصَب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا، إلا ذكرتكم فوق عرشي".

⁕ حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي كَفِّه مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيها نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيها؟ قالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الأيَّامِ عِنْدَنا، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ؛ قُلْتٌ: وَلِمَ تَدْعُونَ يَوْمَ المَزِيدِ قالَ: إنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وَتَعالى اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَاديا أفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيَضَ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ نزلَ مِنْ عِلِّيِّين على كُرْسِيِّه، ثُمَّ حَفَّ الكُرْسِيَّ بِمنَابِرَ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حتى يَجْلِسُوا عَلَيْها ثُمَّ تَجِيءُ أهلُ الجَنَّةِ حتى يَجْلِسُوا على الكُثُبِ فَيَتَجَلَّى لَهمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَنْظُرُوا إلى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا الَّذِي صَدَقْتُكُم عِدَتِي، وأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي، فَهَذَا مَحلُّ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسألُونهُ الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أحَلَّكُمْ دَارِي وأنالَكُم كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسأَلُونهُ حتى تَنْتَهِيَ رَغْبتهُمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذلكَ ما لا عين رأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَر على قَلْبِ بَشَرٍ، إلى مِقْدَارٍ مُنْصَرَف النَّاسِ مِنَ الجُمُعَة حتى يَصْعَدَ على كُرْسِيِّه فَيَصْعَدُ مَعَهُ الصدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ، وَتَرْجِعُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى غُرَفِهِمْ دُرَّةً بَيْضَاءَ، لا نَظْمَ فِيها ولا فَصْمَ، أوْ ياقُوتَةً حَمْرَاءَ، أوْ زَبْرَجَدَةً خَضْرَاءَ، مِنْها غُرَفُها وأبْوَابُها، فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنْهُمْ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيَزْدَادُوا مِنْهُ كَرَامَةً، وَلِيَزْدَادُوا نَظَرًا إلى وَجْهِهِ، وَلِذَلكَ دُعِيَ يَوْمَ المَزِيدِ".

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ، نحو حديث عليّ بن الحسين.

⁕ حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان، عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ بنحوه.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال: حدثنا، أو قال: " قالوا: إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي يقال له تمنّ، ويذكِّره أصحابه فيتمنى، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه. قال: قال ابن عمر: ذلك لك وعشرة أمثاله، وعند الله مزيد".

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجا أبا السَّمْح، حدثه عن أبي الهَيثم، عن أبي سعيد الخُدريّ، أنه قال عن رسول الله ﷺ: "إنَّ الرَّجُلَ فِي الجَنَّةِ لَيَتَّكِئَ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْل أنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تأْتِيهِ امْرأتُهُ فَتَضْربُ على مَنْكِبَيْهِ، فَيَنْطُرُ وَجْهَهُ فِي خَدّها أصْفَى مِنْ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيرُدُّ السَّلامَ، وَيَسألُها مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ المَزِيدِ وَإنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبا أدْناها مِثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبى فَيَنْفُذُها بَصَرُهُ حتى يَرَى مُخَّ ساقِها مِنْ وَرَاءِ ذلكَ، وَإنَّ عَلَيْها مِن التِّيجانِ، وَإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ فِيها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ".

* *

وقوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾

يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون، ﴿هُمْ أَشَدَّ﴾ من قريش الذين كذّبوا محمدا ﴿بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ يقول: فَخَرَّقُوا [[" قوله فخرقوا البلاد ... الخ ": هذا من كلام الفراء في معاني القرآن، ص ٣١٠، وفي المطبوعة: خربوا في البلاد. تحريف.]] البلادَ فساروا فيها، فطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصي منها؛ قال امرؤ القَيس:

لقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفاقِ حتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإياب [[البيت لامرئ القيس بن حجر (مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي ص ٨٠) وفي روايته " وقد طوفت ". مكان " لقت نقبت ". ورواية أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٦) كرواية المؤلف. قال: عند قوله تعالى: " فنقبوا في البلاد ": طافوا وتباعدوا قال امرؤ القيس " لقد نقبت ... البيت ". وفي " اللسان: نقب (ونقب في الأرض: ذهب) وفي التنزيل العزيز " فنقبوا في البلاد هل من محيص " قال الفراء: قرأ الفراء: فنقبوا مشددا. يقول خرقوا البلاد، فساروا فيها طلبا للمهرب فهل كان لهم محيص من الموت؟ قال: ومن قرأ: فنقبوا بكسر القاف، فإنه كالوعيد، أي اذهبوا في البلاد وجيئوا. وقال الزجاج: فنقبوا: طوفوا فتشوا. قال: وقرأ الحسن: فنقبوا بالتخفيف. قال امرؤ القيس: " وقد نقبت ... البيت " أي ضربت في البلاد: أقبلت وأدبرت أ. هـ.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: أثَّروا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: يقول: عملوا في البلاد ذاك النقْب.

ذكر من قال ذلك:

* *

وقوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

يقول جلّ ثناؤه: فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت؛ ومَنْجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا.

وأضمرت كان في هذا الموضع، كما أضمرت في قوله ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ بمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم. وقرأت القرّاء قوله ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم. وذُكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك ﴿فَنَقِبُوا﴾ بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد: أي طوّفوا في البلاد، وتردّدوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قد حاص الفَجرة فوجدوا أمر الله مُتَّبِعا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مُدْرِكا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: هل من منجي.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهمّ والغضب والعذاب، وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكاره.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ قال: سَلِموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾

يقول: هذا الذي وصفت لكم أيها الناس صفته من إدخالي الجنة من أدخله، هو يوم دخول الناس الجنة، ماكثين فيها إلى غير نهاية.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ خلدوا والله، فلا يموتون، وأقاموا فلا يَظْعُنون، ونَعِمُوا فلا يبأسون.

* *

وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾

يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذّه عيونهم.

* *

وقوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلّ ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه. وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلي الله جلّ ئناؤه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ عن جده، عن أنس، " إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح، فمدّ بينه وبين خلقه حُجُبا من لؤلؤ، وحُجُبا من نور ثم وُضعت منابر النور وسُرُرُ النور وكراسيّ النور، ثم أُذِن لرجل على الله عزّ وجلّ بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَويّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا المجعول بيده، والمُعَلَّم الأسماء، والذي أُمرت الملائكة فسجدت له، والذي له أبيحت الجنة، آدم عليه السلام، قد أُذِن له على الله تعالى؛ قال: ثم يؤذَن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور، يُسْمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل عليه النار بَرْدا وسلاما، إبراهيم قد أُذن له على الله. قال: ثم أُذِن لرجل آخر على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمع دوي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وفي الأصل برسالاته، وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وقرّبه نجيا، وكلَّمه [كلاما] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] موسى عليه السلام، قد أُذِن له على الله. قال: ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثلُ جميع مواكب النبيين قبله، بين يديه أمثال الجبال، [من النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] يسمع دَوِي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم؛ وأوّل من تنشقّ عن ذُؤابتيه الأرض، وصاحب لواء الحمد، أحمد ﷺ، قد أُذِن له على الله. قال: فجلس النبيون على منابر النور، [والصدّيقون على سُرُر النور؛ والشهداء على كراسيّ النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وجلس سائر الناس على كُثْبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الربّ تعالى من وراء الحُجب: مَرْحَبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي. يا ملائكتي، انهضوا إلى عبادي، فأطعموهم. قال: فقرّبت إليهم من لحوم طير، كأنها البُخت لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، قال: ثم ناداهم الربّ من وراء الحجاب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا اسقوهم. قال: فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة، لذة آخرها كلذّة أوّلها، لا يُصَدّعون عنها ولا يُنزفون؛ ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فَكِّهوهم. قال: فيقرب إليهم على أطباق مكلَّلة بالياقوت والمرجان؛ ومن الرُّطَب الذي سَمَّى الله، أشدّ بياضا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. قال: فأكلوا ثم ناداهم الربّ من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، وفُكِّهوا؛ اكسوهم؛ قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوها. قال: ثم ناداهم الربّ تبارك وتعالى من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي؛ أكلوا؛ وشربوا؛ وفُكِّهوا؛ وكُسُوا طَيِّبوهم. قال: فهاجت عليهم ريح يقال لها المُثيرة، بأباريق المسك [الأبيض] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] الأذفر، فنفحت على وجوههم من غير غُبار ولا قَتام. قال: ثم ناداهم الربّ عز وجل من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد؛ قال: فتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم. قال: فتداعت قصور الجنة وشجرها، سبحانك أربع مرّات، وخرّ القوم سجدا؛ قال: فناداهم الربّ تبارك وتعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصَب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا، إلا ذكرتكم فوق عرشي".

⁕ حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي كَفِّه مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيها نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيها؟ قالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الأيَّامِ عِنْدَنا، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ؛ قُلْتٌ: وَلِمَ تَدْعُونَ يَوْمَ المَزِيدِ قالَ: إنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وَتَعالى اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَاديا أفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيَضَ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ نزلَ مِنْ عِلِّيِّين على كُرْسِيِّه، ثُمَّ حَفَّ الكُرْسِيَّ بِمنَابِرَ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حتى يَجْلِسُوا عَلَيْها ثُمَّ تَجِيءُ أهلُ الجَنَّةِ حتى يَجْلِسُوا على الكُثُبِ فَيَتَجَلَّى لَهمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَنْظُرُوا إلى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا الَّذِي صَدَقْتُكُم عِدَتِي، وأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي، فَهَذَا مَحلُّ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسألُونهُ الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أحَلَّكُمْ دَارِي وأنالَكُم كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسأَلُونهُ حتى تَنْتَهِيَ رَغْبتهُمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذلكَ ما لا عين رأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَر على قَلْبِ بَشَرٍ، إلى مِقْدَارٍ مُنْصَرَف النَّاسِ مِنَ الجُمُعَة حتى يَصْعَدَ على كُرْسِيِّه فَيَصْعَدُ مَعَهُ الصدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ، وَتَرْجِعُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى غُرَفِهِمْ دُرَّةً بَيْضَاءَ، لا نَظْمَ فِيها ولا فَصْمَ، أوْ ياقُوتَةً حَمْرَاءَ، أوْ زَبْرَجَدَةً خَضْرَاءَ، مِنْها غُرَفُها وأبْوَابُها، فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنْهُمْ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيَزْدَادُوا مِنْهُ كَرَامَةً، وَلِيَزْدَادُوا نَظَرًا إلى وَجْهِهِ، وَلِذَلكَ دُعِيَ يَوْمَ المَزِيدِ".

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ، نحو حديث عليّ بن الحسين.

⁕ حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان، عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ بنحوه.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال: حدثنا، أو قال: " قالوا: إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي يقال له تمنّ، ويذكِّره أصحابه فيتمنى، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه. قال: قال ابن عمر: ذلك لك وعشرة أمثاله، وعند الله مزيد".

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجا أبا السَّمْح، حدثه عن أبي الهَيثم، عن أبي سعيد الخُدريّ، أنه قال عن رسول الله ﷺ: "إنَّ الرَّجُلَ فِي الجَنَّةِ لَيَتَّكِئَ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْل أنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تأْتِيهِ امْرأتُهُ فَتَضْربُ على مَنْكِبَيْهِ، فَيَنْطُرُ وَجْهَهُ فِي خَدّها أصْفَى مِنْ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيرُدُّ السَّلامَ، وَيَسألُها مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ المَزِيدِ وَإنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبا أدْناها مِثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبى فَيَنْفُذُها بَصَرُهُ حتى يَرَى مُخَّ ساقِها مِنْ وَرَاءِ ذلكَ، وَإنَّ عَلَيْها مِن التِّيجانِ، وَإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ فِيها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ".

* *

وقوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾

يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون، ﴿هُمْ أَشَدَّ﴾ من قريش الذين كذّبوا محمدا ﴿بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ يقول: فَخَرَّقُوا [[" قوله فخرقوا البلاد ... الخ ": هذا من كلام الفراء في معاني القرآن، ص ٣١٠، وفي المطبوعة: خربوا في البلاد. تحريف.]] البلادَ فساروا فيها، فطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصي منها؛ قال امرؤ القَيس:

لقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفاقِ حتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإياب [[البيت لامرئ القيس بن حجر (مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي ص ٨٠) وفي روايته " وقد طوفت ". مكان " لقت نقبت ". ورواية أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٦) كرواية المؤلف. قال: عند قوله تعالى: " فنقبوا في البلاد ": طافوا وتباعدوا قال امرؤ القيس " لقد نقبت ... البيت ". وفي " اللسان: نقب (ونقب في الأرض: ذهب) وفي التنزيل العزيز " فنقبوا في البلاد هل من محيص " قال الفراء: قرأ الفراء: فنقبوا مشددا. يقول خرقوا البلاد، فساروا فيها طلبا للمهرب فهل كان لهم محيص من الموت؟ قال: ومن قرأ: فنقبوا بكسر القاف، فإنه كالوعيد، أي اذهبوا في البلاد وجيئوا. وقال الزجاج: فنقبوا: طوفوا فتشوا. قال: وقرأ الحسن: فنقبوا بالتخفيف. قال امرؤ القيس: " وقد نقبت ... البيت " أي ضربت في البلاد: أقبلت وأدبرت أ. هـ.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: أثَّروا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: يقول: عملوا في البلاد ذاك النقْب.

ذكر من قال ذلك:

* *

وقوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

يقول جلّ ثناؤه: فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت؛ ومَنْجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا.

وأضمرت كان في هذا الموضع، كما أضمرت في قوله ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ بمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم. وقرأت القرّاء قوله ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم. وذُكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك ﴿فَنَقِبُوا﴾ بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد: أي طوّفوا في البلاد، وتردّدوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قد حاص الفَجرة فوجدوا أمر الله مُتَّبِعا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مُدْرِكا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: هل من منجي.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهمّ والغضب والعذاب، وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكاره.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ قال: سَلِموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾

يقول: هذا الذي وصفت لكم أيها الناس صفته من إدخالي الجنة من أدخله، هو يوم دخول الناس الجنة، ماكثين فيها إلى غير نهاية.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ خلدوا والله، فلا يموتون، وأقاموا فلا يَظْعُنون، ونَعِمُوا فلا يبأسون.

* *

وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾

يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذّه عيونهم.

* *

وقوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلّ ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه. وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلي الله جلّ ئناؤه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ عن جده، عن أنس، " إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح، فمدّ بينه وبين خلقه حُجُبا من لؤلؤ، وحُجُبا من نور ثم وُضعت منابر النور وسُرُرُ النور وكراسيّ النور، ثم أُذِن لرجل على الله عزّ وجلّ بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَويّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا المجعول بيده، والمُعَلَّم الأسماء، والذي أُمرت الملائكة فسجدت له، والذي له أبيحت الجنة، آدم عليه السلام، قد أُذِن له على الله تعالى؛ قال: ثم يؤذَن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور، يُسْمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصفْقُ أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل عليه النار بَرْدا وسلاما، إبراهيم قد أُذن له على الله. قال: ثم أُذِن لرجل آخر على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمع دوي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وفي الأصل برسالاته، وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وقرّبه نجيا، وكلَّمه [كلاما] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] موسى عليه السلام، قد أُذِن له على الله. قال: ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثلُ جميع مواكب النبيين قبله، بين يديه أمثال الجبال، [من النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] يسمع دَوِي تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم؛ فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم؛ وأوّل من تنشقّ عن ذُؤابتيه الأرض، وصاحب لواء الحمد، أحمد ﷺ، قد أُذِن له على الله. قال: فجلس النبيون على منابر النور، [والصدّيقون على سُرُر النور؛ والشهداء على كراسيّ النور] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] وجلس سائر الناس على كُثْبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الربّ تعالى من وراء الحُجب: مَرْحَبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي. يا ملائكتي، انهضوا إلى عبادي، فأطعموهم. قال: فقرّبت إليهم من لحوم طير، كأنها البُخت لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، قال: ثم ناداهم الربّ من وراء الحجاب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا اسقوهم. قال: فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة، لذة آخرها كلذّة أوّلها، لا يُصَدّعون عنها ولا يُنزفون؛ ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فَكِّهوهم. قال: فيقرب إليهم على أطباق مكلَّلة بالياقوت والمرجان؛ ومن الرُّطَب الذي سَمَّى الله، أشدّ بياضا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. قال: فأكلوا ثم ناداهم الربّ من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، وفُكِّهوا؛ اكسوهم؛ قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوها. قال: ثم ناداهم الربّ تبارك وتعالى من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي؛ أكلوا؛ وشربوا؛ وفُكِّهوا؛ وكُسُوا طَيِّبوهم. قال: فهاجت عليهم ريح يقال لها المُثيرة، بأباريق المسك [الأبيض] [[كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ١٠٨) نقلا عن المؤلف. وقد سقط من الأصل بعض عبارات ضرورية وضعناها بين هذين المعقوفين.]] الأذفر، فنفحت على وجوههم من غير غُبار ولا قَتام. قال: ثم ناداهم الربّ عز وجل من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد؛ قال: فتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم. قال: فتداعت قصور الجنة وشجرها، سبحانك أربع مرّات، وخرّ القوم سجدا؛ قال: فناداهم الربّ تبارك وتعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصَب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا، إلا ذكرتكم فوق عرشي".

⁕ حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي كَفِّه مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيها نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيها؟ قالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الأيَّامِ عِنْدَنا، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ؛ قُلْتٌ: وَلِمَ تَدْعُونَ يَوْمَ المَزِيدِ قالَ: إنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وَتَعالى اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَاديا أفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيَضَ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ نزلَ مِنْ عِلِّيِّين على كُرْسِيِّه، ثُمَّ حَفَّ الكُرْسِيَّ بِمنَابِرَ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حتى يَجْلِسُوا عَلَيْها ثُمَّ تَجِيءُ أهلُ الجَنَّةِ حتى يَجْلِسُوا على الكُثُبِ فَيَتَجَلَّى لَهمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَنْظُرُوا إلى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا الَّذِي صَدَقْتُكُم عِدَتِي، وأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي، فَهَذَا مَحلُّ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسألُونهُ الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أحَلَّكُمْ دَارِي وأنالَكُم كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسأَلُونهُ حتى تَنْتَهِيَ رَغْبتهُمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذلكَ ما لا عين رأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَر على قَلْبِ بَشَرٍ، إلى مِقْدَارٍ مُنْصَرَف النَّاسِ مِنَ الجُمُعَة حتى يَصْعَدَ على كُرْسِيِّه فَيَصْعَدُ مَعَهُ الصدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ، وَتَرْجِعُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى غُرَفِهِمْ دُرَّةً بَيْضَاءَ، لا نَظْمَ فِيها ولا فَصْمَ، أوْ ياقُوتَةً حَمْرَاءَ، أوْ زَبْرَجَدَةً خَضْرَاءَ، مِنْها غُرَفُها وأبْوَابُها، فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنْهُمْ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيَزْدَادُوا مِنْهُ كَرَامَةً، وَلِيَزْدَادُوا نَظَرًا إلى وَجْهِهِ، وَلِذَلكَ دُعِيَ يَوْمَ المَزِيدِ".

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ، نحو حديث عليّ بن الحسين.

⁕ حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان، عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ بنحوه.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال: حدثنا، أو قال: " قالوا: إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي يقال له تمنّ، ويذكِّره أصحابه فيتمنى، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه. قال: قال ابن عمر: ذلك لك وعشرة أمثاله، وعند الله مزيد".

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجا أبا السَّمْح، حدثه عن أبي الهَيثم، عن أبي سعيد الخُدريّ، أنه قال عن رسول الله ﷺ: "إنَّ الرَّجُلَ فِي الجَنَّةِ لَيَتَّكِئَ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْل أنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تأْتِيهِ امْرأتُهُ فَتَضْربُ على مَنْكِبَيْهِ، فَيَنْطُرُ وَجْهَهُ فِي خَدّها أصْفَى مِنْ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيرُدُّ السَّلامَ، وَيَسألُها مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ المَزِيدِ وَإنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبا أدْناها مِثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبى فَيَنْفُذُها بَصَرُهُ حتى يَرَى مُخَّ ساقِها مِنْ وَرَاءِ ذلكَ، وَإنَّ عَلَيْها مِن التِّيجانِ، وَإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤْةٍ فِيها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ".

* *

وقوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾

يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون، ﴿هُمْ أَشَدَّ﴾ من قريش الذين كذّبوا محمدا ﴿بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ يقول: فَخَرَّقُوا [[" قوله فخرقوا البلاد ... الخ ": هذا من كلام الفراء في معاني القرآن، ص ٣١٠، وفي المطبوعة: خربوا في البلاد. تحريف.]] البلادَ فساروا فيها، فطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصي منها؛ قال امرؤ القَيس:

لقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفاقِ حتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإياب [[البيت لامرئ القيس بن حجر (مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي ص ٨٠) وفي روايته " وقد طوفت ". مكان " لقت نقبت ". ورواية أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٦) كرواية المؤلف. قال: عند قوله تعالى: " فنقبوا في البلاد ": طافوا وتباعدوا قال امرؤ القيس " لقد نقبت ... البيت ". وفي " اللسان: نقب (ونقب في الأرض: ذهب) وفي التنزيل العزيز " فنقبوا في البلاد هل من محيص " قال الفراء: قرأ الفراء: فنقبوا مشددا. يقول خرقوا البلاد، فساروا فيها طلبا للمهرب فهل كان لهم محيص من الموت؟ قال: ومن قرأ: فنقبوا بكسر القاف، فإنه كالوعيد، أي اذهبوا في البلاد وجيئوا. وقال الزجاج: فنقبوا: طوفوا فتشوا. قال: وقرأ الحسن: فنقبوا بالتخفيف. قال امرؤ القيس: " وقد نقبت ... البيت " أي ضربت في البلاد: أقبلت وأدبرت أ. هـ.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: أثَّروا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قال: يقول: عملوا في البلاد ذاك النقْب.

ذكر من قال ذلك:

* *

وقوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

يقول جلّ ثناؤه: فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت؛ ومَنْجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا.

وأضمرت كان في هذا الموضع، كما أضمرت في قوله ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ بمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم. وقرأت القرّاء قوله ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم. وذُكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك ﴿فَنَقِبُوا﴾ بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد: أي طوّفوا في البلاد، وتردّدوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قد حاص الفَجرة فوجدوا أمر الله مُتَّبِعا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مُدْرِكا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال: هل من منجي.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها من قبل قريش ﴿لَذِكْرَى﴾ يُتذَكَّر بها ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني: لمن كان له عقل من هذه الأمة، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم، خوفا من أن يحلّ بهم مثل الذي حل بهم من العذاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) : أي من هذه الأمة، يعني بذلك القلبِ: القلبَ الحيّ.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال: من كان له قلب من هذه الأمة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال: قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من الأمم. والقلب في هذا الموضع: العقل. وهو من قولهم: ما لفلان قلب، وما قلبه معه: أي ما عقله معه. وأين ذهب قلبك؟ يعني أين ذهب عقلك.

* *

وقوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

يقول: أو أصغى لإخبارنا إياه عن هذه القرون التي أهلكناها بسمعه، فيسمع الخبر عنهم، كيف فعلنا بهم حين كفروا بربهم، وعصوْا رسله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يقول: وهو متفهم لما يخبرُ به عنهم شاهد له بقلبه، غير غافل عنه ولا ساه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت الفاظهم فيه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يقول: إن استمع الذكر وشهد أمره، قال في ذلك: يجزيه إن عقله [[كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: فإن ذلك يجزيه إن عقله.]] .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ قال: وهو لا يحدّث نفسه، شاهد القلب.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: أي استمع بأذنيه، وهو شاهد، يقول: غير غائب.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: يسمع ما يقول، وقلبه في غير ما يسمع.

وقال آخرون: عنى بالشهيد في هذا الموضع: الشهادة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يعني بذلك أهل الكتاب، وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من بعث محمد ﷺ.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ على ما في يده من كتاب الله أنه يجد النبيّ ﷺ مكتوبا.

⁕ قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر، وقال الحسن: هو منافق استمع القول ولم ينتفع.

⁕ حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: المؤمن يسمع القرآن، وهو شهيد على ذلك.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: ألقى السمع يسمع ما قد كان مما لم يعاين من الأحاديث عن الأمم التي قد مضت، كيف عذّبهم الله وصنع بهم حين عَصوا رسله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلائق في ستة أيام، وما مسنا من إعياء.

كما:-

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي بكر، قال: جاءت اليهود إلى النبيّ ﷺ، فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: "خَلَقَ اللهُ الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ وَالاثْنَيْنِ، وَخَلقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وَخَلَقَ المَدائِنَ والأقْوَاتَ والأنهارَ وعُمْرانها وَخَرَابها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالمَلائِكَةَ يَوْمَ الخَمِيس إلى ثَلاثِ ساعاتٍ، يعْنِي مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَخَلَقَ فِي أوَّلِ الثَّلاثِ السَّاعاتِ الآجالَ، وفي الثَّانِيَةِ الآفَة، وفي الثَّالِثَةِ آدَمَ، قالوا: صدقت إن أتممت، فعرف النبيّ ﷺ ما يريدون، فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ."

⁕ قال ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال: من سآمة.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ يقول: من إزحاف [[الإزحاف: الإعياء، وهو بمعنى اللغوب (اللسان: زحف) .]] .

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه؛ عن ابن عباس: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ يقول: وما مسنا من نَصَب.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال: نصب.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ ... الآية، أكذب الله اليهود والنصارى وأهل الفرى على الله، وذلك أنهم قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استراح يوم السابع، وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾ قالت اليهود: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ففرغ من الخلق يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله، وقال ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ .

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ كان مقدار كلّ ألف سنة مما تعدّون.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال: لم يَمَسَّنا في ذلك عناء، ذلك اللغوب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء اليهود، وما يفترون على الله، ويكذبون عليه، فإن الله لهم بالمِرصاد ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يقول: وصلّ بحمد ربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل الغروب.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لصلاة الفجر، وقبل غروبها: العصر.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: العصر.

* *

وقوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾

اختلف أهل التأويل في التسبيح الذي أمر به من الليل، فقال بعضهم: عني به صلاة العَتمة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قال: العَتَمة وقال آخرون: هي الصلاة بالليل في أيّ وقت صلى.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قال: من الليل كله.

والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فلم يَحُدَّ وقتا من الليل دون وقت. وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل. وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، فهو بأن يكون أمرا بصلاة المغرب والعشاء، أشبه منه بأن يكون أمرا بصلاة العَتَمة، لأنهما يصلَّيان ليلا.

* *

وقوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾

يقول: سبح بحمد ربك أدبار السجود من صلاتك.

واختلف أهل التأويل في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيه أن يسبحه أدبار السجود، فقال بعضهم: عُنِي به الصلاة، قالوا: وهما الركعتان اللتان يصليان بعد صلاة المغرب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سألت عليا، عن أديار السجود، فقال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: قال عليّ رضي الله عنه ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا مصعب بن سلام، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث. قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، قال ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عليّ بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، قال: أدبار السجود: ركعتان بعد صلاة المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علوان بن أبي مالك، عن الشعبيّ، قال: ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عكرِمة، عن ابن عباس وإبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، مثله.

⁕ حدثنا ابن المثنى. قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم في هذه الآية ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ - ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال: الركعتان قبل الصبح، والركعتان بعد المغرب، قال شعبة: لا أدري أيتهما أدبار السجود، ولا أدري أيتهما إدبار النجوم.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: كان مجاهد يقول: ركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هما السجدتان بعد صلاة المغرب.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو فضيل، عن رشدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا ابْنَ عَبَّاس رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِب أدْبارَ السُّجُود".

⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زرعة، وهبة الله بن راشد، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هما ركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية، قال: ثنا جرير، قال: ثنا حمير بن يزيد الرحبي، عن كُرَيب بن يزيد الرحبي؛ قال: وكان جبير بن نفير يمشي إليه، قال: كان إذا صلى الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب أخفّ، وفسَّر إدبار النجوم، وأدبار السجود.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن عيسى بن يزيد، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحسن ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن المُغيرة، عن إبراهيم، قال: كان يقال ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا عنبسة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال عليّ: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن البرّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سُئل الأوزاعيّ عن الركعتين بعد المغرب، قال: هما في كتاب الله ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ .

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حُمَيد، عن الحسن، عن عليّ رضي الله عنه في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: ركعتان بعد المغرب.

وقال آخرون: عنى بقوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبات، دون الصلاة بعدها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس في ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هو التسبيح بعد الصلاة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: التسبيح. قال ابن عمرو: في حديثه في إثر الصلوات كلها. وقال الحارث في حديثه في دُبر الصلاة كلها.

وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : النوافل.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة، سوى عاصم والكسائي ﴿وإدْبارِ السُّجُودِ﴾ بكسر الألف، على أنه مصدر أدبر يُدبر إدبارا. وقرأه عاصم والكسائي وأبو عمرو ﴿وأدْبارَ﴾ بفتح الألف على مذهب جمع دبر وأدبار.

والصواب عندي الفتح على جمع دبر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء اليهود، وما يفترون على الله، ويكذبون عليه، فإن الله لهم بالمِرصاد ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يقول: وصلّ بحمد ربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل الغروب.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لصلاة الفجر، وقبل غروبها: العصر.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: العصر.

* *

وقوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾

اختلف أهل التأويل في التسبيح الذي أمر به من الليل، فقال بعضهم: عني به صلاة العَتمة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قال: العَتَمة وقال آخرون: هي الصلاة بالليل في أيّ وقت صلى.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قال: من الليل كله.

والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فلم يَحُدَّ وقتا من الليل دون وقت. وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل. وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، فهو بأن يكون أمرا بصلاة المغرب والعشاء، أشبه منه بأن يكون أمرا بصلاة العَتَمة، لأنهما يصلَّيان ليلا.

* *

وقوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾

يقول: سبح بحمد ربك أدبار السجود من صلاتك.

واختلف أهل التأويل في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيه أن يسبحه أدبار السجود، فقال بعضهم: عُنِي به الصلاة، قالوا: وهما الركعتان اللتان يصليان بعد صلاة المغرب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سألت عليا، عن أديار السجود، فقال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: قال عليّ رضي الله عنه ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا مصعب بن سلام، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث. قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، قال ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عليّ بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، قال: أدبار السجود: ركعتان بعد صلاة المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علوان بن أبي مالك، عن الشعبيّ، قال: ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عكرِمة، عن ابن عباس وإبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، مثله.

⁕ حدثنا ابن المثنى. قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم في هذه الآية ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ - ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال: الركعتان قبل الصبح، والركعتان بعد المغرب، قال شعبة: لا أدري أيتهما أدبار السجود، ولا أدري أيتهما إدبار النجوم.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: كان مجاهد يقول: ركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هما السجدتان بعد صلاة المغرب.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو فضيل، عن رشدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا ابْنَ عَبَّاس رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِب أدْبارَ السُّجُود".

⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زرعة، وهبة الله بن راشد، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هما ركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية، قال: ثنا جرير، قال: ثنا حمير بن يزيد الرحبي، عن كُرَيب بن يزيد الرحبي؛ قال: وكان جبير بن نفير يمشي إليه، قال: كان إذا صلى الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب أخفّ، وفسَّر إدبار النجوم، وأدبار السجود.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن عيسى بن يزيد، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحسن ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن المُغيرة، عن إبراهيم، قال: كان يقال ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا عنبسة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : الركعتان بعد المغرب.

⁕ قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال عليّ: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن البرّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سُئل الأوزاعيّ عن الركعتين بعد المغرب، قال: هما في كتاب الله ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ .

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حُمَيد، عن الحسن، عن عليّ رضي الله عنه في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: الركعتان بعد المغرب.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: ركعتان بعد المغرب.

وقال آخرون: عنى بقوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبات، دون الصلاة بعدها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس في ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: هو التسبيح بعد الصلاة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: التسبيح. قال ابن عمرو: في حديثه في إثر الصلوات كلها. وقال الحارث في حديثه في دُبر الصلاة كلها.

وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ : النوافل.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة، سوى عاصم والكسائي ﴿وإدْبارِ السُّجُودِ﴾ بكسر الألف، على أنه مصدر أدبر يُدبر إدبارا. وقرأه عاصم والكسائي وأبو عمرو ﴿وأدْبارَ﴾ بفتح الألف على مذهب جمع دبر وأدبار.

والصواب عندي الفتح على جمع دبر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة، يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب.

وذُكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشر، عن قتادة، عن كعب، قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال مَلك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة؛ إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

⁕ حدثنا بشر؛ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: كنا نحدّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض.

وحُدّثنا أن كعبا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: بلغني أنه ينادي من الصخرة التي في بيت المقدس.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: هي الصيحة.

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثني بعض أصحابنا، عن الأغرّ، عن مسلم بن حيان، عن ابن بُريدة، عن أبيه بُريدة، قال: مَلك قائم على صخرة بيت المقدس، واضع أصبعيه في أذُنيه ينادي، قال: قلتُ: بماذا ينادي؟ قال: يقول يا أيها الناس هلموا إلى الحساب؛ قال: فيقبلون كما قال الله ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ .

* *

وقوله ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾

يقول تعالى ذكره: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق، يعني بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾

يقول تعالى ذكره. يوم خروج أهل القبور من قبورهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة، يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب.

وذُكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشر، عن قتادة، عن كعب، قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال مَلك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة؛ إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

⁕ حدثنا بشر؛ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: كنا نحدّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض.

وحُدّثنا أن كعبا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: بلغني أنه ينادي من الصخرة التي في بيت المقدس.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: هي الصيحة.

⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثني بعض أصحابنا، عن الأغرّ، عن مسلم بن حيان، عن ابن بُريدة، عن أبيه بُريدة، قال: مَلك قائم على صخرة بيت المقدس، واضع أصبعيه في أذُنيه ينادي، قال: قلتُ: بماذا ينادي؟ قال: يقول يا أيها الناس هلموا إلى الحساب؛ قال: فيقبلون كما قال الله ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ .

* *

وقوله ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾

يقول تعالى ذكره: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق، يعني بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾

يقول تعالى ذكره. يوم خروج أهل القبور من قبورهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: إنا نحن نُحيي الموتى ونميت الأحياء، وإلينا مصير جميعهم يوم القيامة ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ يقول جلّ ثناؤه وإلينا مصيرهم يوم تشقَّق الأرض، فاليوم من صلة مصير.

* *

وقوله ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾

يقول: تصدّع الأرض عنهم.

* *

وقوله ﴿سِرَاعًا﴾

ونُصبت سراعا على الحال من الهاء والميم فى قوله عنهم. والمعنى: يوم تشقَّق الأرض عنهم فيخرجون منها سراعا، فاكتفى بدلالة قوله ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ على ذلك من ذكره.

* *

قوله ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾

يقول: جمعهم ذلك جمع في موقف الحساب، علينا يسير سهل.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: نحن يا محمد أعلم بما يقول هؤلاء المشركون بالله من فريتهم على الله، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قُدرة الله على البعث بعد الموت.

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ يقول: وما أنت عليهم بمسلط.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ قال: لا تتجبر عليهم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ فإن الله عزّ وجلّ كره الجبرية، ونهى عنها، وقدّم فيها. وقال الفرّاء: وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية؛ وقال: أنشدني المفضل:

وَيَوْمَ الحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدّ ... وكانَ النَّاسُ إلا نَحْنُ دِينا عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبَّارِ حَتَّى ... صَبَحْنا الجَوْفَ ألْفا مُعْلَمِينا [[البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣١٠) رواهما عن المفضل، ولم أجدهما في المفضليات. والبيت الأول قد سبق استشهاد المؤلف به عند قوله تعالى: " إن الدين عند الله الإسلام " (٢: ٢١١) من هذه الطبعة. والشاهد هنا في البيت الثاني في كلمة " الجبار " يريد به الملك المسلط. وقال الفراء: وقوله " وما أنت عليهم بجبار ": يقول: لست عليهم بمسلط. جعل الجبار في موضع السلطان من الجبرية. قال: أنشدني المفضل: " ويوم الحزن ... البيتين ". قال: وقال الكلبي بإسناده: " لست عليهم بجبار " يقول: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى إنما بعثت مذكرًا فذكر، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. والعرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون هذا إخراج ولا دخال، يريدون مدخل ولا مخرج من أدخلت وأخرجت؛ إنما يقولون دخال من دخلت وفعال من فعلت وقد قالت العرب: دراك من أدركت، وهو شاذ. فإن حملت الجبار على هذا المعنى فهو وجه. وقد سمعت بعض العرب يقول جبره على الأمر، يريد أجبره. فالجبار: من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.]]

ويروى: "الجوف" وقال: أراد بالجبار: المنذر لولايته.

قال: وقيل: إن معنى قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ لم تُبعث لتجْبُرَهم على الإسلام، إنما بعثت مذكِّرا، فذكِّر. وقال: العرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون: هذا خراج، يريدون: مُخْرِج، ولا يقولون: دخَال، يريدون: مُدْخِل، إنما يقولون: فعال، من فعلت؛ ويقولون: خراج، من خرجت؛ ودخال: من دخلت؛ وقتَّال، من قتلت. قال: وقد قالت العرب في حرف واحد: درّاك، من أدركت، وهو شاذّ.

قال: فإن قلت الجبار على هذا المعنى، فهو وجه. قال: وقد سمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، يريد: أجبره، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.

* *

وقوله ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليه من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري.

⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال: ثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا؟ فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو ذكَّرتنا، فذكر مثله.

آخر تفسير سورة ق

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: إنا نحن نُحيي الموتى ونميت الأحياء، وإلينا مصير جميعهم يوم القيامة ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ يقول جلّ ثناؤه وإلينا مصيرهم يوم تشقَّق الأرض، فاليوم من صلة مصير.

* *

وقوله ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾

يقول: تصدّع الأرض عنهم.

* *

وقوله ﴿سِرَاعًا﴾

ونُصبت سراعا على الحال من الهاء والميم فى قوله عنهم. والمعنى: يوم تشقَّق الأرض عنهم فيخرجون منها سراعا، فاكتفى بدلالة قوله ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ على ذلك من ذكره.

* *

قوله ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾

يقول: جمعهم ذلك جمع في موقف الحساب، علينا يسير سهل.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: نحن يا محمد أعلم بما يقول هؤلاء المشركون بالله من فريتهم على الله، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قُدرة الله على البعث بعد الموت.

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ يقول: وما أنت عليهم بمسلط.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ قال: لا تتجبر عليهم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ فإن الله عزّ وجلّ كره الجبرية، ونهى عنها، وقدّم فيها. وقال الفرّاء: وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية؛ وقال: أنشدني المفضل:

وَيَوْمَ الحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدّ ... وكانَ النَّاسُ إلا نَحْنُ دِينا عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبَّارِ حَتَّى ... صَبَحْنا الجَوْفَ ألْفا مُعْلَمِينا [[البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣١٠) رواهما عن المفضل، ولم أجدهما في المفضليات. والبيت الأول قد سبق استشهاد المؤلف به عند قوله تعالى: " إن الدين عند الله الإسلام " (٢: ٢١١) من هذه الطبعة. والشاهد هنا في البيت الثاني في كلمة " الجبار " يريد به الملك المسلط. وقال الفراء: وقوله " وما أنت عليهم بجبار ": يقول: لست عليهم بمسلط. جعل الجبار في موضع السلطان من الجبرية. قال: أنشدني المفضل: " ويوم الحزن ... البيتين ". قال: وقال الكلبي بإسناده: " لست عليهم بجبار " يقول: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى إنما بعثت مذكرًا فذكر، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. والعرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون هذا إخراج ولا دخال، يريدون مدخل ولا مخرج من أدخلت وأخرجت؛ إنما يقولون دخال من دخلت وفعال من فعلت وقد قالت العرب: دراك من أدركت، وهو شاذ. فإن حملت الجبار على هذا المعنى فهو وجه. وقد سمعت بعض العرب يقول جبره على الأمر، يريد أجبره. فالجبار: من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.]]

ويروى: "الجوف" وقال: أراد بالجبار: المنذر لولايته.

قال: وقيل: إن معنى قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ لم تُبعث لتجْبُرَهم على الإسلام، إنما بعثت مذكِّرا، فذكِّر. وقال: العرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون: هذا خراج، يريدون: مُخْرِج، ولا يقولون: دخَال، يريدون: مُدْخِل، إنما يقولون: فعال، من فعلت؛ ويقولون: خراج، من خرجت؛ ودخال: من دخلت؛ وقتَّال، من قتلت. قال: وقد قالت العرب في حرف واحد: درّاك، من أدركت، وهو شاذّ.

قال: فإن قلت الجبار على هذا المعنى، فهو وجه. قال: وقد سمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، يريد: أجبره، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.

* *

وقوله ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليه من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري.

⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال: ثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا؟ فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو ذكَّرتنا، فذكر مثله.

آخر تفسير سورة ق

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: إنا نحن نُحيي الموتى ونميت الأحياء، وإلينا مصير جميعهم يوم القيامة ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ يقول جلّ ثناؤه وإلينا مصيرهم يوم تشقَّق الأرض، فاليوم من صلة مصير.

* *

وقوله ﴿تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾

يقول: تصدّع الأرض عنهم.

* *

وقوله ﴿سِرَاعًا﴾

ونُصبت سراعا على الحال من الهاء والميم فى قوله عنهم. والمعنى: يوم تشقَّق الأرض عنهم فيخرجون منها سراعا، فاكتفى بدلالة قوله ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ على ذلك من ذكره.

* *

قوله ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾

يقول: جمعهم ذلك جمع في موقف الحساب، علينا يسير سهل.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: نحن يا محمد أعلم بما يقول هؤلاء المشركون بالله من فريتهم على الله، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قُدرة الله على البعث بعد الموت.

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ يقول: وما أنت عليهم بمسلط.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ قال: لا تتجبر عليهم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ فإن الله عزّ وجلّ كره الجبرية، ونهى عنها، وقدّم فيها. وقال الفرّاء: وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية؛ وقال: أنشدني المفضل:

وَيَوْمَ الحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدّ ... وكانَ النَّاسُ إلا نَحْنُ دِينا عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبَّارِ حَتَّى ... صَبَحْنا الجَوْفَ ألْفا مُعْلَمِينا [[البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣١٠) رواهما عن المفضل، ولم أجدهما في المفضليات. والبيت الأول قد سبق استشهاد المؤلف به عند قوله تعالى: " إن الدين عند الله الإسلام " (٢: ٢١١) من هذه الطبعة. والشاهد هنا في البيت الثاني في كلمة " الجبار " يريد به الملك المسلط. وقال الفراء: وقوله " وما أنت عليهم بجبار ": يقول: لست عليهم بمسلط. جعل الجبار في موضع السلطان من الجبرية. قال: أنشدني المفضل: " ويوم الحزن ... البيتين ". قال: وقال الكلبي بإسناده: " لست عليهم بجبار " يقول: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى إنما بعثت مذكرًا فذكر، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. والعرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون هذا إخراج ولا دخال، يريدون مدخل ولا مخرج من أدخلت وأخرجت؛ إنما يقولون دخال من دخلت وفعال من فعلت وقد قالت العرب: دراك من أدركت، وهو شاذ. فإن حملت الجبار على هذا المعنى فهو وجه. وقد سمعت بعض العرب يقول جبره على الأمر، يريد أجبره. فالجبار: من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.]]

ويروى: "الجوف" وقال: أراد بالجبار: المنذر لولايته.

قال: وقيل: إن معنى قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ لم تُبعث لتجْبُرَهم على الإسلام، إنما بعثت مذكِّرا، فذكِّر. وقال: العرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون: هذا خراج، يريدون: مُخْرِج، ولا يقولون: دخَال، يريدون: مُدْخِل، إنما يقولون: فعال، من فعلت؛ ويقولون: خراج، من خرجت؛ ودخال: من دخلت؛ وقتَّال، من قتلت. قال: وقد قالت العرب في حرف واحد: درّاك، من أدركت، وهو شاذّ.

قال: فإن قلت الجبار على هذا المعنى، فهو وجه. قال: وقد سمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، يريد: أجبره، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يراد به: يقهرهم ويجبرهم.

* *

وقوله ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليه من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري.

⁕ حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال: ثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا؟ فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ .

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو ذكَّرتنا، فذكر مثله.

آخر تفسير سورة ق

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com