Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah Hud
Tafsir Ibn Kathir · Hud · 123 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
يَقُولُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وَهْمُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ [[في ت: "يستكبرون".]] مَدَائِنَ الْحِجْرِ بَيْنَ تَبُوكَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا بَعْدَ عَادٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في ت، أ: "فيهم".]] ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فَأَمَرَهُمْ [[في أ: "فأمره".]] بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ [لَا شَرِيكَ لَهُ الْخَالِقِ الرَّازِقِ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ أَيِ: ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ مِنْهَا، [مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي] [[زيادة من ت، أ.]] خَلَقَ مِنْهَا أَبَاكُمْ آدَمَ، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أَيْ: جَعَلَكُمْ [فِيهَا] [[زيادة من ت، أ.]] عُمَّارا تُعَمِّرُونَهَا وَتَسْتَغِلُّونَهَا، لِسَالِفِ ذُنُوبِكُمْ، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ؛ ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦] .
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ بَيْنَ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ: كُنَّا نَرْجُوكَ فِي عَقْلِكَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ مَا قُلْتَ! ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافُنَا، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أَيْ: [فِي] [[زيادة من ت، أ.]] شَكٍّ كثير [[في ت، أ: "كبير".]] .
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ عَلَى يَقِينٍ وَبُرْهَانٍ [مِنَ اللَّهِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وَتَرَكْتُ دَعْوَتَكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَلَوْ تَرَكْتُهُ [[في ت، أ: "فلو تركت ذلك".]] لَمَا نَفَعْتُمُونِي وَلَمَا زِدْتُمُونِي ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أَيْ: خَسَارَةٍ.
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ بَيْنَ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ: كُنَّا نَرْجُوكَ فِي عَقْلِكَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ مَا قُلْتَ! ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافُنَا، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أَيْ: [فِي] [[زيادة من ت، أ.]] شَكٍّ كثير [[في ت، أ: "كبير".]] .
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ عَلَى يَقِينٍ وَبُرْهَانٍ [مِنَ اللَّهِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وَتَرَكْتُ دَعْوَتَكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَلَوْ تَرَكْتُهُ [[في ت، أ: "فلو تركت ذلك".]] لَمَا نَفَعْتُمُونِي وَلَمَا زِدْتُمُونِي ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أَيْ: خَسَارَةٍ.
وَتَقَدُّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ "اَلْأَعْرَافِ" [[عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ها هنا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَتَقَدُّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ "اَلْأَعْرَافِ" [[عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ها هنا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَتَقَدُّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ "اَلْأَعْرَافِ" [[عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ها هنا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَتَقَدُّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ "اَلْأَعْرَافِ" [[عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ها هنا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَتَقَدُّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ "اَلْأَعْرَافِ" [[عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ها هنا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قِيلَ: تُبَشِّرُهُ [[في ت: "تبشيره".]] بِإِسْحَاقَ، وَقِيلَ: بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤] ، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ أَيْ: عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاءُ [[في ت: "علمنا".]] الْبَيَانِ: هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيّوه بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ [[في ت، أ: "والاستقرار".]] .
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أَيْ: ذَهَبَ [[في ت: "فذهب".]] سَرِيعًا، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَهُوَ عجل: فتى البقر، حَنِيذ: [وَهُوَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَشْوي [شَيًّا نَاضِجًا] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الرّضْف، وَهِيَ الْحِجَارَةُ المُحْماة.
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٍ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ [وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرِ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٢٦، ٢٧] .
وَقَدْ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تَنَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ؛ فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ [[في ت، أ: "معرضا".]] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ [[في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".]] أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُور رِجَالٍ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت، أ.]] أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ [[في ت: "الرصف".]] . [فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ [[في ت، أ: "عليهم".]] فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ" فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَمَّا قَربه إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا. قَالُوا [[في ت: "قال".]] وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُق لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا"، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ [[في ت: "إليهم".]] سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، [إِنَّا] [[زيادة من ت، أ.]] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً [[في ت: "تكرمة".]] لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ.]] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصن فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَرَفَائِيلُ. قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ: فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ قَالُوا: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ [[في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".]] . فَضَحِكَتْ [[في ت: "وضحكت".]] سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [مِنْهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بِهَلَاكِهِمْ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ [امْرَأَتُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَعَجِبَتْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ [[في ت: "أتاهم".]] الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ: حَاضَتْ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ -ضَعِيفَانِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرتبة عَلَى.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ [[في ت: "غلام".]] صَغِيرٌ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ. وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".]] حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الأخرى، فإنها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وَفِي الذَّارِيَاتِ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ [[في ت: "إنما".]] يَقُولَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونُ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [كَبِيرَةً] [[زيادة من ت، أ.]] عَقِيمًا، وَبَعْلُكِ [وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَ] [[زيادة من ت، والبخاري.]] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه.]] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قِيلَ: تُبَشِّرُهُ [[في ت: "تبشيره".]] بِإِسْحَاقَ، وَقِيلَ: بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤] ، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ أَيْ: عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاءُ [[في ت: "علمنا".]] الْبَيَانِ: هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيّوه بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ [[في ت، أ: "والاستقرار".]] .
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أَيْ: ذَهَبَ [[في ت: "فذهب".]] سَرِيعًا، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَهُوَ عجل: فتى البقر، حَنِيذ: [وَهُوَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَشْوي [شَيًّا نَاضِجًا] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الرّضْف، وَهِيَ الْحِجَارَةُ المُحْماة.
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٍ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ [وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرِ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٢٦، ٢٧] .
وَقَدْ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تَنَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ؛ فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ [[في ت، أ: "معرضا".]] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ [[في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".]] أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُور رِجَالٍ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت، أ.]] أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ [[في ت: "الرصف".]] . [فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ [[في ت، أ: "عليهم".]] فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ" فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَمَّا قَربه إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا. قَالُوا [[في ت: "قال".]] وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُق لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا"، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ [[في ت: "إليهم".]] سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، [إِنَّا] [[زيادة من ت، أ.]] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً [[في ت: "تكرمة".]] لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ.]] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصن فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَرَفَائِيلُ. قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ: فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ قَالُوا: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ [[في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".]] . فَضَحِكَتْ [[في ت: "وضحكت".]] سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [مِنْهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بِهَلَاكِهِمْ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ [امْرَأَتُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَعَجِبَتْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ [[في ت: "أتاهم".]] الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ: حَاضَتْ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ -ضَعِيفَانِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرتبة عَلَى.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ [[في ت: "غلام".]] صَغِيرٌ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ. وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".]] حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الأخرى، فإنها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وَفِي الذَّارِيَاتِ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ [[في ت: "إنما".]] يَقُولَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونُ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [كَبِيرَةً] [[زيادة من ت، أ.]] عَقِيمًا، وَبَعْلُكِ [وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَ] [[زيادة من ت، والبخاري.]] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه.]] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قِيلَ: تُبَشِّرُهُ [[في ت: "تبشيره".]] بِإِسْحَاقَ، وَقِيلَ: بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤] ، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ أَيْ: عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاءُ [[في ت: "علمنا".]] الْبَيَانِ: هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيّوه بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ [[في ت، أ: "والاستقرار".]] .
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أَيْ: ذَهَبَ [[في ت: "فذهب".]] سَرِيعًا، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَهُوَ عجل: فتى البقر، حَنِيذ: [وَهُوَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَشْوي [شَيًّا نَاضِجًا] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الرّضْف، وَهِيَ الْحِجَارَةُ المُحْماة.
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٍ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ [وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرِ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٢٦، ٢٧] .
وَقَدْ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تَنَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ؛ فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ [[في ت، أ: "معرضا".]] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ [[في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".]] أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُور رِجَالٍ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت، أ.]] أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ [[في ت: "الرصف".]] . [فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ [[في ت، أ: "عليهم".]] فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ" فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَمَّا قَربه إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا. قَالُوا [[في ت: "قال".]] وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُق لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا"، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ [[في ت: "إليهم".]] سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، [إِنَّا] [[زيادة من ت، أ.]] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً [[في ت: "تكرمة".]] لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ.]] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصن فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَرَفَائِيلُ. قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ: فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ قَالُوا: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ [[في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".]] . فَضَحِكَتْ [[في ت: "وضحكت".]] سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [مِنْهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بِهَلَاكِهِمْ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ [امْرَأَتُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَعَجِبَتْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ [[في ت: "أتاهم".]] الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ: حَاضَتْ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ -ضَعِيفَانِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرتبة عَلَى.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ [[في ت: "غلام".]] صَغِيرٌ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ. وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".]] حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الأخرى، فإنها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وَفِي الذَّارِيَاتِ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ [[في ت: "إنما".]] يَقُولَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونُ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [كَبِيرَةً] [[زيادة من ت، أ.]] عَقِيمًا، وَبَعْلُكِ [وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَ] [[زيادة من ت، والبخاري.]] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه.]] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قِيلَ: تُبَشِّرُهُ [[في ت: "تبشيره".]] بِإِسْحَاقَ، وَقِيلَ: بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤] ، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ أَيْ: عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاءُ [[في ت: "علمنا".]] الْبَيَانِ: هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيّوه بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ [[في ت، أ: "والاستقرار".]] .
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أَيْ: ذَهَبَ [[في ت: "فذهب".]] سَرِيعًا، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَهُوَ عجل: فتى البقر، حَنِيذ: [وَهُوَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَشْوي [شَيًّا نَاضِجًا] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الرّضْف، وَهِيَ الْحِجَارَةُ المُحْماة.
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٍ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ [وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرِ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٢٦، ٢٧] .
وَقَدْ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تَنَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ؛ فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ [[في ت، أ: "معرضا".]] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ [[في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".]] أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُور رِجَالٍ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت، أ.]] أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ [[في ت: "الرصف".]] . [فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ [[في ت، أ: "عليهم".]] فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ" فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَمَّا قَربه إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا. قَالُوا [[في ت: "قال".]] وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُق لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا"، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ [[في ت: "إليهم".]] سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، [إِنَّا] [[زيادة من ت، أ.]] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً [[في ت: "تكرمة".]] لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ.]] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصن فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَرَفَائِيلُ. قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ: فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ قَالُوا: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ [[في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".]] . فَضَحِكَتْ [[في ت: "وضحكت".]] سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [مِنْهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بِهَلَاكِهِمْ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ [امْرَأَتُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَعَجِبَتْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ [[في ت: "أتاهم".]] الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ: حَاضَتْ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ -ضَعِيفَانِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرتبة عَلَى.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ [[في ت: "غلام".]] صَغِيرٌ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ. وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".]] حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الأخرى، فإنها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وَفِي الذَّارِيَاتِ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ [[في ت: "إنما".]] يَقُولَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونُ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [كَبِيرَةً] [[زيادة من ت، أ.]] عَقِيمًا، وَبَعْلُكِ [وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَ] [[زيادة من ت، والبخاري.]] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه.]] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قِيلَ: تُبَشِّرُهُ [[في ت: "تبشيره".]] بِإِسْحَاقَ، وَقِيلَ: بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤] ، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ أَيْ: عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاءُ [[في ت: "علمنا".]] الْبَيَانِ: هَذَا أَحْسُنُ مِمَّا حَيّوه بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ [[في ت، أ: "والاستقرار".]] .
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أَيْ: ذَهَبَ [[في ت: "فذهب".]] سَرِيعًا، فَأَتَاهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَهُوَ عجل: فتى البقر، حَنِيذ: [وَهُوَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَشْوي [شَيًّا نَاضِجًا] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الرّضْف، وَهِيَ الْحِجَارَةُ المُحْماة.
هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٍ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ [وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرِ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٢٦، ٢٧] .
وَقَدْ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ آدَابَ الضِّيَافَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تَنَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَلَا يَشْتَهُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ؛ فَلِهَذَا رَأَى حَالَهُمْ مُعْرِضِينَ [[في ت، أ: "معرضا".]] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ، فَارِغِينَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ .
قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِقَوْمِ لُوطٍ [[في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".]] أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُور رِجَالٍ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت، أ.]] أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ [[في ت: "الرصف".]] . [فَهُوَ الْحَنِيدُ حِينَ شَوَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَتَاهُمْ بِهِ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَّةُ تَخْدِمُهُمْ [[في ت، أ: "عليهم".]] فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "وَاِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ" فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَمَّا قَربه إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا. قَالُوا [[في ت: "قال".]] وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُق لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا"، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ [[في ت: "إليهم".]] سَارَّةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدِمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، [إِنَّا] [[زيادة من ت، أ.]] نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا كَرَامَةً [[في ت: "تكرمة".]] لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ.]] نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصن فِي ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَرَفَائِيلُ. قَالَ نُوحُ بْنُ قَيْسٍ: فَزَعَمَ نُوحُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وَأُمُّ الْعِجْلِ فِي الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ قَالُوا: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا مَلَائِكَةٌ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهُمْ [[في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".]] . فَضَحِكَتْ [[في ت: "وضحكت".]] سَارَّةُ اسْتِبْشَارًا [مِنْهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بِهَلَاكِهِمْ، لِكَثْرَةِ فَسَادِهِمْ، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْإِيَاسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ [امْرَأَتُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَعَجِبَتْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ قَوْمًا يَأْتِيهِمُ [[في ت: "أتاهم".]] الْعَذَابُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ: حَاضَتْ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ، وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ إِنَّهَا إِنَّمَا ضَحِكَتْ لِمَا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ -ضَعِيفَانِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ رَوَاهُمَا بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: إِنَّمَا ضَحِكَتْ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ صَرِيحَةٌ مُرتبة عَلَى.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِنَّمَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ وَهُوَ طِفْلٌ [[في ت: "غلام".]] صَغِيرٌ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدُ يَعْقُوبُ الْمَوْعُودُ بِوُجُودِهِ. وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ لَا خُلْفَ فِيهِ، فَيُمْتَنَعُ أَنَّ يُؤْمَرَ بِذَبْحِ هَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَصَحِّهِ وَأَبْيَنِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".]] حَكَى قَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا حَكَى فِعْلَهَا فِي الْآيَةِ الأخرى، فإنها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وَفِي الذَّارِيَاتِ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءُ فِي أَقْوَالِهِنَّ وَأَفْعَالِهِنَّ عِنْدَ التَّعَجُّبِ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهَا، لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ [[في ت: "إنما".]] يَقُولَ لَهُ: "كُنْ" فَيَكُونُ، فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ عَجُوزًا [كَبِيرَةً] [[زيادة من ت، أ.]] عَقِيمًا، وَبَعْلُكِ [وَهُوَ زَوْجُهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَحْمُودٌ، مُمَجَّدٌ فِي صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَ] [[زيادة من ت، والبخاري.]] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه.]] .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ [خَلِيلِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، وَهُوَ مَا أوْجَس مِنَ الْمَلَائِكَةِ خِيفَةً، حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا، وَبَشَّرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ [وَطَابَتْ نَفْسُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَخْبَرُوهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، أَخْذَ يَقُولُ كَمَا قَالَ [[في ت: "قاله".]] [عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الْآيَةِ [[في ت، أ: "في قوله: يجادلنا في قوم لوط".]] قَالَ: لَمَّا جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَمِنْ مَعَهُ، قَالُوا لَهُ [[في أ: "فقالوا لإبراهيم".]] ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٣١] ، [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ لَهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت.]] أَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا لَا حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً قَالُوا: لَا. قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا -زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا لُوطٌ يُدْفَعُ بِهِ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، قَالُوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] . [[زيادة من ت، أ. وفي هـ: "الآية".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مَدَحَ [[في ت، أ: "مدح له".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا [فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] أَيْ: إِنَّهُ قَدْ نَفَذَ فِيهِمُ الْقَضَاءُ، وحَقَّت عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ بِالْهَلَاكِ، وَحُلُولِ الْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرد عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ [خَلِيلِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، وَهُوَ مَا أوْجَس مِنَ الْمَلَائِكَةِ خِيفَةً، حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا، وَبَشَّرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ [وَطَابَتْ نَفْسُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَخْبَرُوهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، أَخْذَ يَقُولُ كَمَا قَالَ [[في ت: "قاله".]] [عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الْآيَةِ [[في ت، أ: "في قوله: يجادلنا في قوم لوط".]] قَالَ: لَمَّا جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَمِنْ مَعَهُ، قَالُوا لَهُ [[في أ: "فقالوا لإبراهيم".]] ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٣١] ، [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ لَهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت.]] أَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا لَا حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً قَالُوا: لَا. قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا -زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا لُوطٌ يُدْفَعُ بِهِ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، قَالُوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] . [[زيادة من ت، أ. وفي هـ: "الآية".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مَدَحَ [[في ت، أ: "مدح له".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا [فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] أَيْ: إِنَّهُ قَدْ نَفَذَ فِيهِمُ الْقَضَاءُ، وحَقَّت عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ بِالْهَلَاكِ، وَحُلُولِ الْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرد عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ [خَلِيلِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، وَهُوَ مَا أوْجَس مِنَ الْمَلَائِكَةِ خِيفَةً، حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا، وَبَشَّرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ [وَطَابَتْ نَفْسُهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَأَخْبَرُوهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، أَخْذَ يَقُولُ كَمَا قَالَ [[في ت: "قاله".]] [عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الْآيَةِ [[في ت، أ: "في قوله: يجادلنا في قوم لوط".]] قَالَ: لَمَّا جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَمِنْ مَعَهُ، قَالُوا لَهُ [[في أ: "فقالوا لإبراهيم".]] ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٣١] ، [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ لَهُمْ [إِبْرَاهِيمُ] [[زيادة من ت.]] أَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا لَا حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً قَالُوا: لَا. قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا -زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا لُوطٌ يُدْفَعُ بِهِ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، قَالُوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٣٢] . [[زيادة من ت، أ. وفي هـ: "الآية".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مَدَحَ [[في ت، أ: "مدح له".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا [فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] أَيْ: إِنَّهُ قَدْ نَفَذَ فِيهِمُ الْقَضَاءُ، وحَقَّت عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ بِالْهَلَاكِ، وَحُلُولِ الْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرد عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدوم رُسُلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[في ت، أ: "من الملائكة الذين فارقوا إبراهيم الخليل عليه السلام بعد".]] بَعْدَ مَا أَعْلَمُوا [[في ت، أ: "أعلموه".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَلَاكِهِمْ، وَفَارَقُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَوْا لُوطًا [[في ت: "فأتوا على لوط"، وفي أ: "فأتوا لوط".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ -عَلَى مَا [[في ت، أ: "وهو فيما".]] قِيلَ -فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمُرُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] وَقِيلَ: [بَلْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] فِي مَنْزِلِهِ، وَوَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُمْ فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ تَكُونُ، عَلَى هَيْئَةِ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حِسَانِ الْوُجُوهٍ، ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ [وَاخْتِبَارًا] [[زيادة من ت، أ.]] وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، [فَنَزَلُوا عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، أ.]] فَسَاءَهُ شَأْنُهُمْ وَضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهِمْ، وَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهم [[في ت، أ: "يضيفهم".]] أَنْ يُضِيفَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَيَنَالُهُمْ بِسُوءٍ، ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ الْأَئِمَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُدَافِعُ [قَوْمَهُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْهُمْ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ أَتَوْهُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمَلُ فِيهَا] [[زيادة من ت، أ.]] فَتَضَيَّفُوهُ [[في ت، أ: "فيضيفوه".]] فَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ [[في ت، أ: "فقال".]] لَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، كَالْمُعَرِّضِ لَهُمْ بِأَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ كَانُوا أُمِرُوا أَلَّا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إبراهيم نحو قرية [[في ت: "قوم".]] لوط [[في ت، أ: "لوط فأتوها نصف النهار، فبلغوا".]] فبلغوا [[في ت، أ: "فلما بلغوا".]] نهر سدون نِصْفَ النَّهَارِ، وَلَقُوا بِنْتَ [[في ت، أ: "ابنة".]] لُوطٍ تَسْتَقِي [مِنَ الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى رَثَيَا وَالصُّغْرَى زغرتا] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالُوا [لَهَا] [[زيادة من ت، أ.]] يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَتْ [لَهُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، وفَرقت عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَدْرَكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ المدينة، ما رأيت وُجُوهَ قَوْمٍ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] أَحْسَنُ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ، و [قَدْ] [[زيادة من ت، أ.]] كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا فَقَالُوا: خَلِّ عَنَّا فلْنُضِف [[في ت، أ: "فلنضيف".]] الرِّجَالَ. فَجَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِهِ [[في ت، أ: "بيت لوط".]] فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا [فَقَالَتْ: إِنْ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَجَاءُوا [[في ت، أ: "فجاءه قومه".]] يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيُهَرْوِلُونَ [فِي مِشْيَتِهِمْ وَيُجْمِرُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ [وَرُوِيَ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَشِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: لَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ سَجِيَّتِهِمْ [إِلَى وَقْتٍ آخَرَ] [[زيادة من ت، أ.]] حَتَّى أُخِذُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ.
وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يُرْشِدُهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ [لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ [[في ت: "الأنفع".]] لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧٠] أَيْ: أَلَمْ [[في ت، أ: "أو لم".]] نَنْهَكَ عَنْ ضِيَافَةِ الرِّجَالِ ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٧١، ٧٢] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قَالَ [[في ت، أ: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ، وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أمَّتِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أمَّتِه.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ سِفَاحًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي نِسَاءَهُمْ، هُنَّ بَنَاته، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ [[في ت، أ: "هن بناته هو نبيهم".]] وَيُقَالُ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ [[في ت، أ: "القراءة".]] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ: اقْبَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى نِسَائِكُمْ [[في ت، أ: "أي اقبلوا ما آمركم به من إتيانكم نساءكم واقتصاركم عليهن وترككم الفواحش من إتيان الذكران من العالمين".]] ، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أَيْ: [لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ] [[زيادة من ت، أ.]] فِيهِ خَيْرٌ، يَقْبَلُ مَا آمره به، ويترك ما أنهاه عَنْهُ؟
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ [[في ت، أ: "لتعلم".]] أَنَّ نِسَاءَنَا لَا أَرَبَ لَنَا فِيهِنَّ وَلَا نَشْتَهِيهِنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ إِلَّا فِي الذُّكُورِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ فِي تَكْرَارِ الْقَوْلِ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ؟
قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدوم رُسُلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[في ت، أ: "من الملائكة الذين فارقوا إبراهيم الخليل عليه السلام بعد".]] بَعْدَ مَا أَعْلَمُوا [[في ت، أ: "أعلموه".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَلَاكِهِمْ، وَفَارَقُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَوْا لُوطًا [[في ت: "فأتوا على لوط"، وفي أ: "فأتوا لوط".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ -عَلَى مَا [[في ت، أ: "وهو فيما".]] قِيلَ -فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمُرُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] وَقِيلَ: [بَلْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] فِي مَنْزِلِهِ، وَوَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُمْ فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ تَكُونُ، عَلَى هَيْئَةِ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حِسَانِ الْوُجُوهٍ، ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ [وَاخْتِبَارًا] [[زيادة من ت، أ.]] وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، [فَنَزَلُوا عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، أ.]] فَسَاءَهُ شَأْنُهُمْ وَضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهِمْ، وَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهم [[في ت، أ: "يضيفهم".]] أَنْ يُضِيفَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَيَنَالُهُمْ بِسُوءٍ، ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ الْأَئِمَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُدَافِعُ [قَوْمَهُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْهُمْ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ أَتَوْهُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمَلُ فِيهَا] [[زيادة من ت، أ.]] فَتَضَيَّفُوهُ [[في ت، أ: "فيضيفوه".]] فَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ [[في ت، أ: "فقال".]] لَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، كَالْمُعَرِّضِ لَهُمْ بِأَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ كَانُوا أُمِرُوا أَلَّا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إبراهيم نحو قرية [[في ت: "قوم".]] لوط [[في ت، أ: "لوط فأتوها نصف النهار، فبلغوا".]] فبلغوا [[في ت، أ: "فلما بلغوا".]] نهر سدون نِصْفَ النَّهَارِ، وَلَقُوا بِنْتَ [[في ت، أ: "ابنة".]] لُوطٍ تَسْتَقِي [مِنَ الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى رَثَيَا وَالصُّغْرَى زغرتا] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالُوا [لَهَا] [[زيادة من ت، أ.]] يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَتْ [لَهُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، وفَرقت عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَدْرَكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ المدينة، ما رأيت وُجُوهَ قَوْمٍ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] أَحْسَنُ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ، و [قَدْ] [[زيادة من ت، أ.]] كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا فَقَالُوا: خَلِّ عَنَّا فلْنُضِف [[في ت، أ: "فلنضيف".]] الرِّجَالَ. فَجَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِهِ [[في ت، أ: "بيت لوط".]] فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا [فَقَالَتْ: إِنْ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَجَاءُوا [[في ت، أ: "فجاءه قومه".]] يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيُهَرْوِلُونَ [فِي مِشْيَتِهِمْ وَيُجْمِرُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ [وَرُوِيَ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَشِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: لَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ سَجِيَّتِهِمْ [إِلَى وَقْتٍ آخَرَ] [[زيادة من ت، أ.]] حَتَّى أُخِذُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ.
وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يُرْشِدُهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ [لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ [[في ت: "الأنفع".]] لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧٠] أَيْ: أَلَمْ [[في ت، أ: "أو لم".]] نَنْهَكَ عَنْ ضِيَافَةِ الرِّجَالِ ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٧١، ٧٢] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قَالَ [[في ت، أ: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ، وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أمَّتِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أمَّتِه.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ سِفَاحًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي نِسَاءَهُمْ، هُنَّ بَنَاته، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ [[في ت، أ: "هن بناته هو نبيهم".]] وَيُقَالُ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ [[في ت، أ: "القراءة".]] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ: اقْبَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى نِسَائِكُمْ [[في ت، أ: "أي اقبلوا ما آمركم به من إتيانكم نساءكم واقتصاركم عليهن وترككم الفواحش من إتيان الذكران من العالمين".]] ، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أَيْ: [لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ] [[زيادة من ت، أ.]] فِيهِ خَيْرٌ، يَقْبَلُ مَا آمره به، ويترك ما أنهاه عَنْهُ؟
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ [[في ت، أ: "لتعلم".]] أَنَّ نِسَاءَنَا لَا أَرَبَ لَنَا فِيهِنَّ وَلَا نَشْتَهِيهِنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ إِلَّا فِي الذُّكُورِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ فِي تَكْرَارِ الْقَوْلِ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ؟
قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدوم رُسُلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[في ت، أ: "من الملائكة الذين فارقوا إبراهيم الخليل عليه السلام بعد".]] بَعْدَ مَا أَعْلَمُوا [[في ت، أ: "أعلموه".]] إِبْرَاهِيمَ بِهَلَاكِهِمْ، وَفَارَقُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَوْا لُوطًا [[في ت: "فأتوا على لوط"، وفي أ: "فأتوا لوط".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ -عَلَى مَا [[في ت، أ: "وهو فيما".]] قِيلَ -فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمُرُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] وَقِيلَ: [بَلْ كَانَ] [[زيادة من ت، أ.]] فِي مَنْزِلِهِ، وَوَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُمْ فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ تَكُونُ، عَلَى هَيْئَةِ شُبَّانٍ [[في ت، أ: "شباب".]] حِسَانِ الْوُجُوهٍ، ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ [وَاخْتِبَارًا] [[زيادة من ت، أ.]] وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، [فَنَزَلُوا عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، أ.]] فَسَاءَهُ شَأْنُهُمْ وَضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهِمْ، وَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهم [[في ت، أ: "يضيفهم".]] أَنْ يُضِيفَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَيَنَالُهُمْ بِسُوءٍ، ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ الْأَئِمَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُدَافِعُ [قَوْمَهُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْهُمْ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ أَتَوْهُ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ [يَعْمَلُ فِيهَا] [[زيادة من ت، أ.]] فَتَضَيَّفُوهُ [[في ت، أ: "فيضيفوه".]] فَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ [[في ت، أ: "فقال".]] لَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، كَالْمُعَرِّضِ لَهُمْ بِأَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ كَانُوا أُمِرُوا أَلَّا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إبراهيم نحو قرية [[في ت: "قوم".]] لوط [[في ت، أ: "لوط فأتوها نصف النهار، فبلغوا".]] فبلغوا [[في ت، أ: "فلما بلغوا".]] نهر سدون نِصْفَ النَّهَارِ، وَلَقُوا بِنْتَ [[في ت، أ: "ابنة".]] لُوطٍ تَسْتَقِي [مِنَ الْمَاءِ لِأَهْلِهَا وَكَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى رَثَيَا وَالصُّغْرَى زغرتا] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالُوا [لَهَا] [[زيادة من ت، أ.]] يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَتْ [لَهُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، وفَرقت عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَدْرَكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ المدينة، ما رأيت وُجُوهَ قَوْمٍ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] أَحْسَنُ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ، و [قَدْ] [[زيادة من ت، أ.]] كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا فَقَالُوا: خَلِّ عَنَّا فلْنُضِف [[في ت، أ: "فلنضيف".]] الرِّجَالَ. فَجَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِهِ [[في ت، أ: "بيت لوط".]] فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا [فَقَالَتْ: إِنْ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَجَاءُوا [[في ت، أ: "فجاءه قومه".]] يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيُهَرْوِلُونَ [فِي مِشْيَتِهِمْ وَيُجْمِرُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ [وَرُوِيَ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَشِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ] [[زيادة من ت، أ.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: لَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ سَجِيَّتِهِمْ [إِلَى وَقْتٍ آخَرَ] [[زيادة من ت، أ.]] حَتَّى أُخِذُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ.
وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يُرْشِدُهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ [لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] [[زيادة من ت، أ.]] ، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ [[في ت: "الأنفع".]] لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧٠] أَيْ: أَلَمْ [[في ت، أ: "أو لم".]] نَنْهَكَ عَنْ ضِيَافَةِ الرِّجَالِ ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٧١، ٧٢] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قَالَ [[في ت، أ: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ، وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أمَّتِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أمَّتِه.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ سِفَاحًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي نِسَاءَهُمْ، هُنَّ بَنَاته، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ [[في ت، أ: "هن بناته هو نبيهم".]] وَيُقَالُ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ [[في ت، أ: "القراءة".]] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ: اقْبَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى نِسَائِكُمْ [[في ت، أ: "أي اقبلوا ما آمركم به من إتيانكم نساءكم واقتصاركم عليهن وترككم الفواحش من إتيان الذكران من العالمين".]] ، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أَيْ: [لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ] [[زيادة من ت، أ.]] فِيهِ خَيْرٌ، يَقْبَلُ مَا آمره به، ويترك ما أنهاه عَنْهُ؟
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ [[في ت، أ: "لتعلم".]] أَنَّ نِسَاءَنَا لَا أَرَبَ لَنَا فِيهِنَّ وَلَا نَشْتَهِيهِنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ إِلَّا فِي الذُّكُورِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَيُّ حَاجَةٍ فِي تَكْرَارِ الْقَوْلِ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ؟
قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ لُوطًا تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ [[في ت، أ: "عليه السلام إنه توعدهم بهذا الكلام وهو قوله".]] : ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] أَيْ: لَكُنْتُ نَكَّلْتُ بِكُمْ وَفَعَلْتُ بِكُمُ الْأَفَاعِيلَ [مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ وَإِحْلَالِ الْبَأْسِ بِكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] بِنَفْسِي وَعَشِيرَتِي، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ -يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ -فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣١١٦) من طريق الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو به، ورواه عن طريق عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ونحو حديث الفضل بن موسى، وقال الترمذي: "وهذا - أي الطريق الثاني - أصح من رواية الفضل بن موسى وهذا حديث حسن".]] .
[وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي يُونُسَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِهِ وَأَرْسَلَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ] [[زيادة من ت، أ.]] .
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ [[في ت: "بأنهم".]] رُسل اللَّهِ إِلَيْهِ، و [وَبَشَّرُوهُ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهُمْ لَا وُصُولَ لهم إليه [ولا خلوص] [[زيادة من ت، أ.]] ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وَأَمَرُوهُ أَنْ يَسْرِيَ بِأَهْلِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَأَنْ يتَّبع أَدْبَارَهُمْ، أَيْ: يَكُونُ سَاقَةً لِأَهْلِهِ، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أَيْ: إِذَا سَمِعْتَ [[في ت، أ: "إذا سمعتم".]] مَا نَزلَ بِهِمْ، وَلَا تهولنَّكم [[في ت: "+ولاتهيلنكم".]] تِلْكَ الْأَصْوَاتُ الْمُزْعِجَةُ، وَلَكِنِ اسْتَمِرُّوا ذَاهِبِينَ [كَمَا أَنْتُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] .
﴿إِلا امْرَأَتَكَ﴾ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمُثْبَتِ [[في ت: "من المبيت".]] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿إِلا امْرَأَتَكَ﴾ وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَصَبَ هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت [[في ت: "من مبيت".]] ، فَوَجَبَ نَصْبُهُ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ﴾ فجَّوزوا الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ، وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ [وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَهُمْ، وَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ الوَجْبَة الْتَفَتَتْ وَقَالَتْ [[في ت: "فقالت".]] وَاقَوْمَاهْ. فَجَاءَهَا حَجَرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَتَلَهَا [[في ت: "فقتلتها".]] .
ثُمَّ قَرَّبُوا لَهُ هَلَاكَ قَوْمِهِ تَبْشِيرًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: "أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ"، فَقَالُوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هَذَا وقومُ لُوطِ وقُوف عَلَى الْبَابِ وعُكوف قَدْ جَاءُوا يُهرعون إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَلُوطٌ وَاقِفٌ عَلَى [[في ت، أ: "في".]] الْبَابِ يُدَافِعُهُمْ وَيَرْدَعُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ، بَلْ يَتَوَعَّدُونَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ بِجَنَاحِهِ، فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَرَجَعُوا وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ الطَّرِيقَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ] ﴾ [الْقَمَرِ:٣٧ -٣٩] [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَأْتِي [[في ت، أ: "يأتيهم يعني".]] قَوْمَ لُوطٍ، فَيَقُولُ: أنَهاكم [[في ت، أ: "أنهاكم الله عنه".]] اللَّهُ أَنْ تَعَرّضوا لِعُقُوبَتِهِ؟ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ [لِمَحَلِ عَذَابِهِمْ وَسَطَوَاتِ الرَّبِّ بِهِمْ قَالَ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] انْتَهَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى لُوطٍ وَهُوَ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الضِّيَافَةِ فَقَالُوا: إِنَّا ضُيُوفُكَ [[في ت: "مضيفوك".]] اللَّيْلَةَ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَهِدَ إِلَى جِبْرِيلَ أَلَّا يُعذبهم حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ ثَلَاثَ شَهادات فَلَمَّا تَوَجَّهَ بِهِمْ لُوطٌ إِلَى الضِّيَافَةِ، ذَكَرَ مَا يَعْمَلُ قَوْمُهُ مِنَ الشَّرِّ [وَالدَّوَاهِي الْعِظَامِ] [[زيادة، ت، أ.]] ، فَمَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرًّا مِنْهُمْ. أَيْنَ أَذْهَبُ بِكُمْ؟ إِلَى قَوْمِي وَهُمْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَشَرِّ خَلْقِ اللَّهِ، فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: احْفَظُوهَا [[في ت، أ: "احفظوا".]] هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ مَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْقَرْيَةَ وَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ قَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَشَرَّ مِنْهُمْ، إِنَّ قَوْمِي أَشَرُّ خَلْقِ اللَّهِ. فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: احْفَظُوا، هَاتَانِ اثْنَتَانِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الدَّارِ بَكَى حَيَاءً مِنْهُمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ فَقَالَ [[في ت: "وقال".]] إِنَّ قَوْمِي أَشْرُّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ قَرْيَةٍ شَرًّا [[في ت، أ: "أشر".]] مِنْهُمْ. فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ: احْفَظُوا، هَذِهِ ثَلَاثٌ، قَدْ حَقَّ الْعَذَابُ. فَلَمَّا دَخَلُوا ذَهَبَتْ عَجُوزُ السُّوءِ فَصَعِدَتْ فَلَوَّحَتْ بِثَوْبِهَا، فَأَتَاهَا الْفُسَّاقُ يُهرَعون سِرَاعًا، قَالُوا: مَا عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: ضَيَّف لوطًا قوم [[في ت، أ: "الليلة\".]] مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ وُجُوهًا مِنْهُمْ، وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا مِنْهُمْ. فهُرعوا يُسَارِعُونَ إِلَى الْبَابِ، فَعَالَجَهُمْ لُوطٌ عَلَى الْبَابِ، فَدَافِعُوهُ طَوِيلًا هُوَ دَاخِلُ وَهُمْ خَارِجَ، يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فقام الْمَلَكُ فَلَزّ [[في أ: "فكن".]] بِالْبَابِ -يَقُولُ فَسَدَّهُ [[في ت: "فشده"، وفي أ: "نسده".]] -وَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ فِي عُقُوبَتِهِمْ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ، فَقَامَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِي السَّمَاءِ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ. وَلِجِبْرِيلَ جَنَاحَانِ، وَعَلَيْهِ وِشَاحٌ مِنْ دُرٍّ مَنْظُومٍ، وَهُوَ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، أَجْلَى الْجَبِينِ، وَرَأْسُهُ حُبُكٌ حُبُك مِثْلَ الْمَرْجَانِ وَهُوَ اللُّؤْلُؤُ، كَأَنَّهُ الثَّلْجُ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْخُضْرَةِ. فَقَالَ يَا لُوطُ: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امْضِ يَا لُوطُ عَنِ الْبَابِ وَدَعْنِي وَإِيَّاهُمْ، فَتَنَحَّى لُوطٌ عَنِ الْبَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ ضَرْبَةً شَدَخَ أَعْيُنَهُمْ، فَصَارُوا عُمْيًا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ [وَلَا يَهْتَدُونَ بُيُوتَهُمْ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] ثُمَّ أُمِرَ لُوطٌ فَاحْتَمَلَ بِأَهْلِهِ فِي لَيْلَتِهِ قَالَ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٥/٤٢٩) .]] .
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [الْقُرَظِيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ نحو هذا.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ لُوطًا تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ [[في ت، أ: "عليه السلام إنه توعدهم بهذا الكلام وهو قوله".]] : ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] ﴾ [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] أَيْ: لَكُنْتُ نَكَّلْتُ بِكُمْ وَفَعَلْتُ بِكُمُ الْأَفَاعِيلَ [مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ وَإِحْلَالِ الْبَأْسِ بِكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] بِنَفْسِي وَعَشِيرَتِي، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ -يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ -فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣١١٦) من طريق الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو به، ورواه عن طريق عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ونحو حديث الفضل بن موسى، وقال الترمذي: "وهذا - أي الطريق الثاني - أصح من رواية الفضل بن موسى وهذا حديث حسن".]] .
[وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي يُونُسَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِهِ وَأَرْسَلَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ] [[زيادة من ت، أ.]] .
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ [[في ت: "بأنهم".]] رُسل اللَّهِ إِلَيْهِ، و [وَبَشَّرُوهُ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهُمْ لَا وُصُولَ لهم إليه [ولا خلوص] [[زيادة من ت، أ.]] ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وَأَمَرُوهُ أَنْ يَسْرِيَ بِأَهْلِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَأَنْ يتَّبع أَدْبَارَهُمْ، أَيْ: يَكُونُ سَاقَةً لِأَهْلِهِ، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أَيْ: إِذَا سَمِعْتَ [[في ت، أ: "إذا سمعتم".]] مَا نَزلَ بِهِمْ، وَلَا تهولنَّكم [[في ت: "+ولاتهيلنكم".]] تِلْكَ الْأَصْوَاتُ الْمُزْعِجَةُ، وَلَكِنِ اسْتَمِرُّوا ذَاهِبِينَ [كَمَا أَنْتُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] .
﴿إِلا امْرَأَتَكَ﴾ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمُثْبَتِ [[في ت: "من المبيت".]] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿إِلا امْرَأَتَكَ﴾ وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَصَبَ هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت [[في ت: "من مبيت".]] ، فَوَجَبَ نَصْبُهُ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ﴾ فجَّوزوا الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ، وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ [وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَهُمْ، وَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ الوَجْبَة الْتَفَتَتْ وَقَالَتْ [[في ت: "فقالت".]] وَاقَوْمَاهْ. فَجَاءَهَا حَجَرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَتَلَهَا [[في ت: "فقتلتها".]] .
ثُمَّ قَرَّبُوا لَهُ هَلَاكَ قَوْمِهِ تَبْشِيرًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: "أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ"، فَقَالُوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هَذَا وقومُ لُوطِ وقُوف عَلَى الْبَابِ وعُكوف قَدْ جَاءُوا يُهرعون إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَلُوطٌ وَاقِفٌ عَلَى [[في ت، أ: "في".]] الْبَابِ يُدَافِعُهُمْ وَيَرْدَعُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ، بَلْ يَتَوَعَّدُونَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ بِجَنَاحِهِ، فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَرَجَعُوا وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ الطَّرِيقَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ] ﴾ [الْقَمَرِ:٣٧ -٣٩] [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَأْتِي [[في ت، أ: "يأتيهم يعني".]] قَوْمَ لُوطٍ، فَيَقُولُ: أنَهاكم [[في ت، أ: "أنهاكم الله عنه".]] اللَّهُ أَنْ تَعَرّضوا لِعُقُوبَتِهِ؟ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ [لِمَحَلِ عَذَابِهِمْ وَسَطَوَاتِ الرَّبِّ بِهِمْ قَالَ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] انْتَهَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى لُوطٍ وَهُوَ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الضِّيَافَةِ فَقَالُوا: إِنَّا ضُيُوفُكَ [[في ت: "مضيفوك".]] اللَّيْلَةَ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَهِدَ إِلَى جِبْرِيلَ أَلَّا يُعذبهم حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ ثَلَاثَ شَهادات فَلَمَّا تَوَجَّهَ بِهِمْ لُوطٌ إِلَى الضِّيَافَةِ، ذَكَرَ مَا يَعْمَلُ قَوْمُهُ مِنَ الشَّرِّ [وَالدَّوَاهِي الْعِظَامِ] [[زيادة، ت، أ.]] ، فَمَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرًّا مِنْهُمْ. أَيْنَ أَذْهَبُ بِكُمْ؟ إِلَى قَوْمِي وَهُمْ [مِنْ] [[زيادة من ت، أ.]] أَشَرِّ خَلْقِ اللَّهِ، فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: احْفَظُوهَا [[في ت، أ: "احفظوا".]] هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ مَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْقَرْيَةَ وَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ قَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَشَرَّ مِنْهُمْ، إِنَّ قَوْمِي أَشَرُّ خَلْقِ اللَّهِ. فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: احْفَظُوا، هَاتَانِ اثْنَتَانِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الدَّارِ بَكَى حَيَاءً مِنْهُمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ فَقَالَ [[في ت: "وقال".]] إِنَّ قَوْمِي أَشْرُّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ قَرْيَةٍ شَرًّا [[في ت، أ: "أشر".]] مِنْهُمْ. فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ: احْفَظُوا، هَذِهِ ثَلَاثٌ، قَدْ حَقَّ الْعَذَابُ. فَلَمَّا دَخَلُوا ذَهَبَتْ عَجُوزُ السُّوءِ فَصَعِدَتْ فَلَوَّحَتْ بِثَوْبِهَا، فَأَتَاهَا الْفُسَّاقُ يُهرَعون سِرَاعًا، قَالُوا: مَا عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: ضَيَّف لوطًا قوم [[في ت، أ: "الليلة\".]] مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ وُجُوهًا مِنْهُمْ، وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا مِنْهُمْ. فهُرعوا يُسَارِعُونَ إِلَى الْبَابِ، فَعَالَجَهُمْ لُوطٌ عَلَى الْبَابِ، فَدَافِعُوهُ طَوِيلًا هُوَ دَاخِلُ وَهُمْ خَارِجَ، يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فقام الْمَلَكُ فَلَزّ [[في أ: "فكن".]] بِالْبَابِ -يَقُولُ فَسَدَّهُ [[في ت: "فشده"، وفي أ: "نسده".]] -وَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ فِي عُقُوبَتِهِمْ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ، فَقَامَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِي السَّمَاءِ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ. وَلِجِبْرِيلَ جَنَاحَانِ، وَعَلَيْهِ وِشَاحٌ مِنْ دُرٍّ مَنْظُومٍ، وَهُوَ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، أَجْلَى الْجَبِينِ، وَرَأْسُهُ حُبُكٌ حُبُك مِثْلَ الْمَرْجَانِ وَهُوَ اللُّؤْلُؤُ، كَأَنَّهُ الثَّلْجُ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْخُضْرَةِ. فَقَالَ يَا لُوطُ: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امْضِ يَا لُوطُ عَنِ الْبَابِ وَدَعْنِي وَإِيَّاهُمْ، فَتَنَحَّى لُوطٌ عَنِ الْبَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ ضَرْبَةً شَدَخَ أَعْيُنَهُمْ، فَصَارُوا عُمْيًا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ [وَلَا يَهْتَدُونَ بُيُوتَهُمْ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] ثُمَّ أُمِرَ لُوطٌ فَاحْتَمَلَ بِأَهْلِهِ فِي لَيْلَتِهِ قَالَ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٥/٤٢٩) .]] .
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [الْقُرَظِيِّ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ نحو هذا.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ وَهِيَ [قَرْيَتُهُمُ الْعَظِيمَةُ وَهِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] سَدُوم [وَمُعَامِلَتُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] ﴿سَافِلَهَا﴾ كَقَوْلِهِ [[في ت: "كما قال تعالى".]] ﴿ [وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى] فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النَّجْمِ:٥٣، ٥٤] [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ: أَمْطَرَنَا [[في ت، أ: "أمطر".]] عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ "سِجِّيلٍ" وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ: حِجَارَةٌ مِنْ طِينٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ مِنْ "سَنْكٍ" وَهُوَ الْحَجَرُ، وَ"كِلْ" [[في ت: "وحل"، وفي أ: "وجيل".]] وَهُوَ الطِّينُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٣٣] أَيْ: مُسْتَحْجَرَةً قَوِيَّةً شَدِيدَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَشْوِيَّةٌ، [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَطْبُوخَةٌ قَوِيَّةٌ صُلْبَةٌ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ. "سِجيل": الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ. سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ وَاحِدٌ، اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقبِل:
وَرَجْلَةٍ يَضْربُون البَيْضَ ضَاحِيةٌ ... ضَرْبًا تواصَت بِهِ الْأَبْطَالُ [[في أ: "الأباطيل".]] سِجّينا [[صحيح البخاري (٨/٣٥٢) "فتح".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْضُودَةٌ فِي السَّمَاءِ، أَيْ: مُعَدَّةٌ لِذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أَيْ مُعْلمَة مَخْتُومَةً، عَلَيْهَا أَسْمَاءُ أَصْحَابِهَا، كُلُّ حَجَرٍ مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه.
وَقَالَ قَتَادَةُ وعِكْرِمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، أ.]] مُطَوّقة، بِهَا نَضْحٌ مِنْ حُمّرٍة.
وَذَكَرُوا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَعَلَى الْمُتَفَرِّقِينَ فِي الْقُرَى مِمَّا حَوْلُهَا، فَبَيْنَا أَحَدُهُمْ يَكُونُ عِنْدَ [[في ت، أ: "بين".]] النَّاسِ يَتَحَدَّثُ، إِذْ جَاءَهُ حَجَرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَدَمَّرَهُ، فَتَتْبَعُهُمُ [[في ت: "فيتبعهم".]] الْحِجَارَةُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخَذَ جبريلُ قَوْمَ لُوطٍ مِنْ سَرْحهم وَدُورِهِمْ، حَمَلَهُمْ بِمَوَاشِيهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، وَرَفَعَهُمْ حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نُباح كِلَابِهِمْ ثُمَّ أَكْفَأَهُمْ [[في ت، أ: "أكفأها".]] [وَقَالَ] [[زيادة من ت.]] وَكَانَ حَمَلَهُمْ عَلَى خَوَافِي [[في ت، أ: "حوافي".]] جَنَاحِهِ الْأَيْمَنِ. قَالَ: وَلَمَّا قَلَبَهَا كَانَ أَوَّلَ مَا سَقَطَ مِنْهَا شُذانها [[في ت: "شرفاتها".]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ بِعُرْوَةِ [[في ت: "بعزوة".]] الْقَرْيَةِ الْوُسْطَى، ثُمَّ ألوَى بِهَا إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في ت، أ: "سمع الملائكة".]] ضَوَاغِي كِلَابِهِمْ، ثُمَّ دَمَّرَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَتْبَعَ شُذّاذ الْقَوْمِ سُخْرًا [[في ت، أ: "صخرا".]] -قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَ قُرَى، فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: [كَانُوا] [[زيادة من ت، أ.]] ثَلَاثَ قُرَى، الْكُبْرَى مِنْهَا سَدُوم. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يُشْرِفُ عَلَى سَدُومَ، وَيَقُولُ: سَدُومُ، يومٌ، مَا لَك؟.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ: بَلَغَنَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَصْبَحَ نَشَرَ جَنَاحَهُ، فَانْتَسَفَ بِهِ أَرْضَهُمْ بِمَا فِيهَا مِنْ قُصُورها وَدَوَابِّهَا وَحِجَارَتِهَا وَشَجَرِهَا، وَجَمِيعِ مَا فِيهَا، فَضَمَّهَا فِي جَنَاحِهِ، فَحَوَاهَا وَطَوَاهَا فِي جَوْفِ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى سَمِعَ سُكَّانُ السَّمَاءِ أَصْوَاتَ النَّاسِ وَالْكِلَابِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَلَبَهَا، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ مَنْكُوسَةً، وَدَمْدَم بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي: كَانَتْ قُرَى قَوْمِ لُوطِ خَمْسَ قَرْيَاتٍ: "سَدُومُ"، وَهِيَ الْعُظْمَى، وَ"صَعْبَةُ" [[في ت، أ: "صبعة".]] وَ"صعوَةُ" وَ"عِثَرَةُ" [[في ت، أ: "وعمرة".]] وَ"دُومَا"، احْتَمَلَهَا جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَيَسْمَعُونَ نَابِحَةَ كِلَابِهَا، وَأَصْوَاتَ دَجَاجِهَا، ثُمَّ كَفَأَهَا عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [[في ت، أ: "فجعلنا".]] فَأَهْلَكَهَا اللَّهُ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُؤْتَفِكَاتِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَصْبَحَ قَوْمُ لُوطٍ، نَزلَ جِبْرِيلُ فَاقْتَلَعَ الْأَرْضَ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ، فَحَمَلَهَا حَتَّى بَلَّغَ بِهَا السَّمَاءَ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ، وَأَصْوَاتَ دُيُوكِهِمْ، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قَوْلُهُ [[في ت، أ: "فذلك حين يقول".]] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النَّجْمِ: ٥٣] ، وَمَنْ لَمْ يَمُتْ حِينَ سَقَطَ لِلْأَرْضِ، أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ الْحِجَارَةَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ شَاذًّا فِي الْأَرْضِ يَتْبَعُهُمْ فِي الْقُرَى، فَكَانَ الرَّجُلُ يَتَحَدَّثُ فَيَأْتِيهِ الْحَجَرُ فَيَقْتُلُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ [[في ت، أ: "قول الله".]] عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: فِي الْقُرَى حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. هَكَذَا قَالَ السَّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أَيْ: وَمَا هَذِهِ النِّقْمَةُ مِمَّنْ تَشَبَّه بِهِمْ فِي ظُلْمِهِمْ، بِبَعِيدٍ [[في ت: "ببعد".]] عَنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي السُّنَنِ [[في ت، أ: "في السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عن عكرمة".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا [[في ت، أ: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال".]] " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعَمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٤٦٢) وسنن الترمذي برقم (١٤٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٦١) ، وقال الترمذي: "وإنما يعرف هذا الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم من هذا الوجه، وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" ولم يذكر فيه القتل وذكر فيه: "ملعون من أتى بهيمة".]] .
وَذَهَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُقْتَلُ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ [[في ت، أ: "أو لم يكن محصنا".]] مُحْصَنٍ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ [رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهُ يُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، ويُتبَع بِالْحِجَارَةِ، كَمَا فُعِلَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ وَهِيَ [قَرْيَتُهُمُ الْعَظِيمَةُ وَهِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] سَدُوم [وَمُعَامِلَتُهَا] [[زيادة من ت، أ.]] ﴿سَافِلَهَا﴾ كَقَوْلِهِ [[في ت: "كما قال تعالى".]] ﴿ [وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى] فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النَّجْمِ:٥٣، ٥٤] [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ: أَمْطَرَنَا [[في ت، أ: "أمطر".]] عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ "سِجِّيلٍ" وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ: حِجَارَةٌ مِنْ طِينٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ مِنْ "سَنْكٍ" وَهُوَ الْحَجَرُ، وَ"كِلْ" [[في ت: "وحل"، وفي أ: "وجيل".]] وَهُوَ الطِّينُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٣٣] أَيْ: مُسْتَحْجَرَةً قَوِيَّةً شَدِيدَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَشْوِيَّةٌ، [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَطْبُوخَةٌ قَوِيَّةٌ صُلْبَةٌ] [[زيادة من ت، أ.]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ. "سِجيل": الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ. سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ وَاحِدٌ، اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقبِل:
وَرَجْلَةٍ يَضْربُون البَيْضَ ضَاحِيةٌ ... ضَرْبًا تواصَت بِهِ الْأَبْطَالُ [[في أ: "الأباطيل".]] سِجّينا [[صحيح البخاري (٨/٣٥٢) "فتح".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْضُودَةٌ فِي السَّمَاءِ، أَيْ: مُعَدَّةٌ لِذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أَيْ مُعْلمَة مَخْتُومَةً، عَلَيْهَا أَسْمَاءُ أَصْحَابِهَا، كُلُّ حَجَرٍ مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه.
وَقَالَ قَتَادَةُ وعِكْرِمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، أ.]] مُطَوّقة، بِهَا نَضْحٌ مِنْ حُمّرٍة.
وَذَكَرُوا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَعَلَى الْمُتَفَرِّقِينَ فِي الْقُرَى مِمَّا حَوْلُهَا، فَبَيْنَا أَحَدُهُمْ يَكُونُ عِنْدَ [[في ت، أ: "بين".]] النَّاسِ يَتَحَدَّثُ، إِذْ جَاءَهُ حَجَرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَدَمَّرَهُ، فَتَتْبَعُهُمُ [[في ت: "فيتبعهم".]] الْحِجَارَةُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخَذَ جبريلُ قَوْمَ لُوطٍ مِنْ سَرْحهم وَدُورِهِمْ، حَمَلَهُمْ بِمَوَاشِيهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، وَرَفَعَهُمْ حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نُباح كِلَابِهِمْ ثُمَّ أَكْفَأَهُمْ [[في ت، أ: "أكفأها".]] [وَقَالَ] [[زيادة من ت.]] وَكَانَ حَمَلَهُمْ عَلَى خَوَافِي [[في ت، أ: "حوافي".]] جَنَاحِهِ الْأَيْمَنِ. قَالَ: وَلَمَّا قَلَبَهَا كَانَ أَوَّلَ مَا سَقَطَ مِنْهَا شُذانها [[في ت: "شرفاتها".]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ بِعُرْوَةِ [[في ت: "بعزوة".]] الْقَرْيَةِ الْوُسْطَى، ثُمَّ ألوَى بِهَا إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في ت، أ: "سمع الملائكة".]] ضَوَاغِي كِلَابِهِمْ، ثُمَّ دَمَّرَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَتْبَعَ شُذّاذ الْقَوْمِ سُخْرًا [[في ت، أ: "صخرا".]] -قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَ قُرَى، فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: [كَانُوا] [[زيادة من ت، أ.]] ثَلَاثَ قُرَى، الْكُبْرَى مِنْهَا سَدُوم. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يُشْرِفُ عَلَى سَدُومَ، وَيَقُولُ: سَدُومُ، يومٌ، مَا لَك؟.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ: بَلَغَنَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَصْبَحَ نَشَرَ جَنَاحَهُ، فَانْتَسَفَ بِهِ أَرْضَهُمْ بِمَا فِيهَا مِنْ قُصُورها وَدَوَابِّهَا وَحِجَارَتِهَا وَشَجَرِهَا، وَجَمِيعِ مَا فِيهَا، فَضَمَّهَا فِي جَنَاحِهِ، فَحَوَاهَا وَطَوَاهَا فِي جَوْفِ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى سَمِعَ سُكَّانُ السَّمَاءِ أَصْوَاتَ النَّاسِ وَالْكِلَابِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَلَبَهَا، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ مَنْكُوسَةً، وَدَمْدَم بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي: كَانَتْ قُرَى قَوْمِ لُوطِ خَمْسَ قَرْيَاتٍ: "سَدُومُ"، وَهِيَ الْعُظْمَى، وَ"صَعْبَةُ" [[في ت، أ: "صبعة".]] وَ"صعوَةُ" وَ"عِثَرَةُ" [[في ت، أ: "وعمرة".]] وَ"دُومَا"، احْتَمَلَهَا جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَيَسْمَعُونَ نَابِحَةَ كِلَابِهَا، وَأَصْوَاتَ دَجَاجِهَا، ثُمَّ كَفَأَهَا عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [[في ت، أ: "فجعلنا".]] فَأَهْلَكَهَا اللَّهُ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُؤْتَفِكَاتِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَصْبَحَ قَوْمُ لُوطٍ، نَزلَ جِبْرِيلُ فَاقْتَلَعَ الْأَرْضَ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ، فَحَمَلَهَا حَتَّى بَلَّغَ بِهَا السَّمَاءَ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ، وَأَصْوَاتَ دُيُوكِهِمْ، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قَوْلُهُ [[في ت، أ: "فذلك حين يقول".]] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النَّجْمِ: ٥٣] ، وَمَنْ لَمْ يَمُتْ حِينَ سَقَطَ لِلْأَرْضِ، أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ الْحِجَارَةَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ شَاذًّا فِي الْأَرْضِ يَتْبَعُهُمْ فِي الْقُرَى، فَكَانَ الرَّجُلُ يَتَحَدَّثُ فَيَأْتِيهِ الْحَجَرُ فَيَقْتُلُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ [[في ت، أ: "قول الله".]] عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: فِي الْقُرَى حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. هَكَذَا قَالَ السَّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أَيْ: وَمَا هَذِهِ النِّقْمَةُ مِمَّنْ تَشَبَّه بِهِمْ فِي ظُلْمِهِمْ، بِبَعِيدٍ [[في ت: "ببعد".]] عَنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي السُّنَنِ [[في ت، أ: "في السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عن عكرمة".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا [[في ت، أ: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال".]] " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعَمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٤٦٢) وسنن الترمذي برقم (١٤٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٦١) ، وقال الترمذي: "وإنما يعرف هذا الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم من هذا الوجه، وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" ولم يذكر فيه القتل وذكر فيه: "ملعون من أتى بهيمة".]] .
وَذَهَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُقْتَلُ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ [[في ت، أ: "أو لم يكن محصنا".]] مُحْصَنٍ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ [رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّهُ يُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، ويُتبَع بِالْحِجَارَةِ، كَمَا فُعِلَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
يَقُولُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ -وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَسْكُنُونَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، قَرِيبًا مِنْ بِلَادِ مَعَانٍ، فِي بَلَدٍ يُعْرَفُ بِهِمْ، يُقَالُ لَهَا "مَدْيَنُ" فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ شُعَيْبًا، وَكَانَ مِنْ أَشْرَفِهِمْ [[في ت، أ: "أشرافهم".]] نَسَبًا. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّطْفِيفِ [[في أ: "الطفيف".]] فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أَيْ: فِي مَعِيشَتِكُمْ وَرِزْقِكُمْ فَأَخَافَ أَنْ تُسلَبوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ بِانْتِهَاكِكُمْ مَحَارِمَ اللَّهِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [[في ت: "عظيم".]] أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
يَنْهَاهُمْ [[في ت، أ: "نهاهم".]] أَوَّلًا عَنْ نَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِذَا أَعْطَوُا النَّاسَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِوَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِالْقِسْطِ آخِذِينَ وَمُعْطِينَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَيْثِ [[في ت: "العيب".]] فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَقَدْ كَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْر لَكُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ [لَكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ بَخْسِكُمُ النَّاسَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: وَصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَاعَةُ اللَّهِ [خَيْرٌ لَكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: حَظُّكُمْ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: "الْهَلَاكُ" فِي الْعَذَابِ، وَ"الْبَقِيَّةُ" فِي الرَّحْمَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: مَا يفضُل لَكُمْ مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ وَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [الْمَائِدَةِ:١٠٠] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أَيْ: بِرَقِيبٍ وَلَا حَفِيظٍ، أَيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَا تَفْعَلُوهُ [[في ت، "لا تفعلوا".]] لِيَرَاكُمُ النَّاسُ، بَلْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
يَنْهَاهُمْ [[في ت، أ: "نهاهم".]] أَوَّلًا عَنْ نَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِذَا أَعْطَوُا النَّاسَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِوَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِالْقِسْطِ آخِذِينَ وَمُعْطِينَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَيْثِ [[في ت: "العيب".]] فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَقَدْ كَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْر لَكُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ [لَكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] مِنْ بَخْسِكُمُ النَّاسَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: وَصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَاعَةُ اللَّهِ [خَيْرٌ لَكُمْ] [[زيادة من ت، أ.]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: حَظُّكُمْ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: "الْهَلَاكُ" فِي الْعَذَابِ، وَ"الْبَقِيَّةُ" فِي الرَّحْمَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: مَا يفضُل لَكُمْ مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ وَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [الْمَائِدَةِ:١٠٠] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أَيْ: بِرَقِيبٍ وَلَا حَفِيظٍ، أَيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَا تَفْعَلُوهُ [[في ت، "لا تفعلوا".]] لِيَرَاكُمُ النَّاسُ، بَلْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
يَقُولُونَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، قَبَّحهم اللَّهُ: ﴿أَصَلاتُكَ﴾ [[في ت: "أصلواتك".]] ، قَالَ الْأَعْمَشُ: أَيْ: قُرْآنُكَ [[في أ: "قراءتك".]] ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أَيِ: الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فَنَتْرُكُ التَّطْفِيفَ [[في أ: "الطفيف".]] عَلَى قَوْلِكَ، هِيَ أَمْوَالُنَا نَفْعَلُ فِيهَا مَا نُرِيدُ.
[قَالَ الْحَسَنُ] [[زيادة من ت، أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [[في ت: "أصلواتك".]] إيْ وَاللَّهِ، إِنَّ صلاته لَتَأْمُرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يَعْنُونَ الزَّكَاةَ.
* *
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان، وَابْنُ جُرَيْج، وَابْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ -أَعْدَاءُ اللَّهِ -عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ عَنْ رَحْمَتِهِ، وقد فَعَلْ.
يَقُولُ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ يَا قَوْمِ ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أَيْ: عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا أَدْعُو إِلَيْهِ، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قِيلَ: أَرَادَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: أَرَادَ الرِّزْقَ الْحَلَّالَ، وَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أَيْ: لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ [[في ت، أ: "الشيء".]] وَأُخَالِفُ أَنَا فِي السِّرِّ فَأَفْعَلُهُ خُفْيَةً [[في ت: "خيفة".]] عَنْكُمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يَقُولُ: لَمْ أَكُنْ لِأَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ وأركَبَه [[في أ: "وأرتكبه".]] ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أَيْ: فِيمَا آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ، إِنَّمَا مُرَادِي إِصْلَاحَكُمْ جُهْدِي وَطَاقَتِي، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أَيْ: فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فِيمَا أُرِيدُهُ ﴿إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فِي جَمِيعِ أُمُورِي، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أَيْ: أَرْجِعُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو قَزْعَةَ سُوَيد بْنُ حُجَير [[في ت: "ابن حجر".]] الْبَاهِلِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَخَاهُ مَالِكًا قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ مُحَمَّدًا أَخَذَ جِيرَانِي، فانطَلق إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ كَلَّمَكَ وَعَرَفَكَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: دَعْ لِي جِيرَانِي، فَقَدْ كَانُوا أَسْلَمُوا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ. [فَقَامَ مُتَمَعطًا] [[زيادة من ت، أ، والمسند.،]] فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ فَعلتَ إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَأْمُرُ بِالْأَمْرِ وَتُخَالِفُ إِلَى غَيْرِهِ. وَجَعَلْتُ أَجُرُّهُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا تَقُولُ؟ " فَقَالَ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ. إِنَّ النَّاسَ لَيَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَتَأْمُرُ بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أوَ قد قالوها -أو قائلهم -وَلَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَا ذَاكَ إِلَّا عَلَيَّ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ، أَرْسِلُوا لَهُ جِيرَانَهُ [[المسند (٤/٤٤٧) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ بَهْز [[في ت، أ: "شهر".]] بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنْ قَوْمِي فِي تُهَمة فَحَبَسَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَلَامَ تَحْبِسُ جِيرَتِي؟ فصَمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا لَيَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الشَّيْءِ وَتَسْتَخْلِي بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا يَقُولُ؟ " قَالَ: فَجَعَلْتُ أَعْرِضُ بَيْنَهُمَا الْكَلَامَ مَخَافَةَ أَنْ يَسْمَعَهَا فَيَدْعُو عَلَى قَوْمِي دَعوة لَا يُفْلِحُونَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهِ حَتَّى فهمها، فقال: "أو قد قَالُوهَا -أَوْ: قَائِلُهَا مِنْهُمْ -وَاللَّهِ لَوْ فعلتُ لَكَانَ عَلَيَّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ، خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ" [[المسند (٥/٢) ورواه أبو داود في السنن برقم (٣٦٣٠) عن عبد الرزاق والترمذي في السنن برقم (١٤١٧) عن ابن المبارك كلاهما من طريق معمر به مختصرا جدا، وقال الترمذي: "حديث بهز عن أبيه عن جده حديث حسن".]] .
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ وَأَبَا أُسَيْدٍ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تَعْرِفُهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَلِينُ لَهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ، وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ قَرِيبٌ، فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ، وَإِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنكره قُلُوبُكُمْ، وَتَنْفُرُ مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ، وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .
هَذَا [[في ت، أ: "وهذا".]] إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ بِهَذَا السَّنَدِ حَدِيثَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المسجد فليقل: اللهم، افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم، إني أسألك من فَضْلِكَ" [[صحيح مسلم برقم (٧١٣) .]] .
وَمَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: مَهْمَا بَلَغَكُمْ عَنِّي مِنْ خَيْرٍ فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ مَكْرُوهٍ فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ [عَنْهُ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ت، أ: "عروة".]] عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَتْ [[في ت: "فقالت".]] أَتَنْهَى عَنِ الْوَاصِلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتِ [الْمَرْأَةُ] [[زيادة من ت، أ.]] فَلَعَلَّهُ فِي بَعْضِ نِسَائِكَ؟ فَقَالَ: مَا حَفِظْتُ إِذًا وَصِيَّةَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعُتْبِيِّ [[في ت، أ: "الضبي".]] قَالَ: كَانَتْ تَجِيئُنَا كُتُبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَيَكْتُبُ فِي آخِرِهَا: وَمَا كَانَتْ [[في ت: "وما كنت"، وفي أ: "وما كتب".]] مِنْ ذَلِكَ إِلَّا كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
يَقُولُ لَهُمْ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أَيْ: لَا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتِي وَبُغْضِي عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَسَادِ، فَيُصِيبُكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ صَالِحٍ، وَقَوْمِ لُوطٍ مِنَ النِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ.
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ يَقُولُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ فِرَاقِي.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَدَاوَتِي، عَلَى أَنْ تَتَمَادَوْا فِي الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ، فَيُصِيبُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا أَصَابَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنيَّة، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَوْلَايَ أُمْسِكُ دَابَّتَهُ، وَقَدْ أَحَاطَ النَّاسُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْنَا مِنْ دَارِهِ فَقَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ يَا قَوْمِ، لَا تَقْتُلُونِي، إِنَّكُمْ إِنْ تَقْتُلُونِي كُنْتُمْ هَكَذَا، وشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [قِيلَ: الْمُرَادُ فِي الزَّمَانِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ يَعْنِي] [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا أُهْلِكُوا [[في ت: "هلكوا".]] بَيْنَ أَيْدِيكُمْ بِالْأَمْسِ، وَقِيلَ: فِي الْمَكَانِ، وَيُحْتَمَلُ الْأَمْرَانِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أَيِ: اسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَتُوبُوا فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَابَ وأناب.
يَقُولُ لَهُمْ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أَيْ: لَا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتِي وَبُغْضِي عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَسَادِ، فَيُصِيبُكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ صَالِحٍ، وَقَوْمِ لُوطٍ مِنَ النِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ.
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ يَقُولُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ فِرَاقِي.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَدَاوَتِي، عَلَى أَنْ تَتَمَادَوْا فِي الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ، فَيُصِيبُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا أَصَابَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنيَّة، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَوْلَايَ أُمْسِكُ دَابَّتَهُ، وَقَدْ أَحَاطَ النَّاسُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْنَا مِنْ دَارِهِ فَقَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ يَا قَوْمِ، لَا تَقْتُلُونِي، إِنَّكُمْ إِنْ تَقْتُلُونِي كُنْتُمْ هَكَذَا، وشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [قِيلَ: الْمُرَادُ فِي الزَّمَانِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ يَعْنِي] [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا أُهْلِكُوا [[في ت: "هلكوا".]] بَيْنَ أَيْدِيكُمْ بِالْأَمْسِ، وَقِيلَ: فِي الْمَكَانِ، وَيُحْتَمَلُ الْأَمْرَانِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أَيِ: اسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَتُوبُوا فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَابَ وأناب.