Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah Ibrahim
Tafsir Ibn Kathir · Abraham · 52 ayat · ayat 31–52 · Quran text →
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا الْعِبَادَ [[في ت، أ: "لعباده".]] بِطَاعَتِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ بِأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرَابَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَجَانِبِ.
وَالْمُرَادُ بِإِقَامَتِهَا هُوَ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى وَقْتِهَا وَحُدُودِهَا، وَرُكُوعِهَا وَخُشُوعِهَا وَسُجُودِهَا.
وَأَمَرَ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَ فِي السِّرِّ، أَيْ: فِي الْخُفْيَةِ، وَالْعَلَانِيَةِ وَهِيَ: الْجَهْرُ، وَلْيُبَادِرُوا إِلَى ذَلِكَ لِخَلَاصِ أَنْفُسِهِمْ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ بِأَنْ تُبَاعَ [[في ت: "يباع".]] نَفْسُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْحَدِيدِ: ١٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: لَيْسَ هُنَاكَ مُخَالَّة [[في ت: "مخالطة".]] خَلِيلٍ، فَيَصْفَحُ [[في ت: "فصفح".]] عَمَّنِ اسْتَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ، عَنِ الْعِقَابِ لمُخَالَّته، بَلْ هُنَالِكَ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ، فَالْخِلَالُ مَصْدَرٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: "خَالَلْتُ فُلَانًا، فَأَنَا أُخَالُّهُ مخالة وخلال"، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَة الرَّدَى ... وَلَسْتُ بمقْلى الْخِلَالِ وَلَا قَال [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٤٩) .]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالُّونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَيَنْظُرُ رَجُلٌ مَنْ يُخَالِلُ وَعَلَامَ صَاحَبَ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فَلْيُدَاوِمْ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَسَيُقْطَعُ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا بَيْعٌ وَلَا فِدْيَةٌ، وَلَوِ افْتَدَى بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَوْ وَجَدَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ صَدَاقَةُ أَحَدٍ وَلَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ كَافِرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
يُعَدِّدُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ خَلَقَ لَهُمُ السَّمَاوَاتِ سَقْفًا مَحْفُوظًا [[في أ: "مرفوعا".]] وَالْأَرْضَ فِرَاشًا، وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، مَا بَيْنَ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ، وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَسَخَّرَ الْفُلْكَ بِأَنْ جَعْلَهَا طَافِيَةً عَلَى تَيَّارِ مَاءِ الْبَحْرِ، تَجْرِي عَلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَخَّرَ الْبَحْرَ يَحْمِلُهَا لِيَقْطَعَ الْمُسَافِرُونَ بِهَا مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ آخَرَ، لِجَلْبِ مَا هُنَا إِلَى هُنَاكَ، وَمَا هُنَاكَ إِلَى هَاهُنَا، وَسَخَّرَ الْأَنْهَارَ تَشُقُّ الْأَرْضَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ مَنْ شُرْبٍ وَسَقْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أَيْ: يَسِيرَانِ لَا يُقِرَّانِ [[في أ: "لا يفتران".]] لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ، فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَتَعَاقَبَانِ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَارِضَانِ [[في ت، أ: "يتعارضان".]] فَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْآخَرُ مِنْ هَذَا فَيَقْصُرُ، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [[في هـ، ت، أ: "ألا وهو العزيز الغفار" والصواب ما أثبتناه.]] ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَرِ: ٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يَقُولُ: هَيَّأَ لَكُمْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ [[في ت، أ: "لحالكم".]] وَقَالِكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَأَتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ يُخْبِرُ عَنْ عَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا [[في ت، أ: "تحصيها".]] الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وامسُوا توابين.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيّ وَلَا مودَع، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ربَّنا" [[صحيح البخاري برقم (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، حدثنا داود بن المُحبّر، حدثنا صَالِحٍ المرْيّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ العَبْدِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ [[في أ: "ثلاث" وهو خطأ.]] دَوَاوِينَ، دِيوَانٌ، فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِأَصْغَرِ [[في ت، أ: "لأصغرهم".]] نِعَمِهِ -أحسبَه. قَالَ: فِي دِيوَانِ النِّعَمِ: خُذِي ثَمَنَكِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ كُلَّهُ، ثُمَّ تَنَحّى وَتَقُولُ: وَعِزَّتِكَ مَا اسْتَوْفَيْتُ. وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ [[في ت، أ: "والنعم والعمل الصالح فيستوعب عمله الصالح كله".]] فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ قَالَ: يَا عَبْدِي، قَدْ ضاعفتُ لَكَ حَسَنَاتَكَ وَتَجَاوَزْتُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ -أَحْسَبُهُ قَالَ: وَوَهَبْتُ لَكَ نِعَمِي" [[مسند البزار برقم (٣٤٤٤) "كشف الأستار" وفيه داود بن المحبر وصالح المرى وهما ضعفيان.]] غَرِيبٌ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ داود، عليه السلام، قال: يارب، كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ، أَيْ: حِينَ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ، إِلَّا بِنِعْمَةٍ [[في هـ، ت، أ: "بنعمة حادثة" والمثبت من الرسالة.]] تُوجِب عَلَى مُؤدى مَاضِي نعَمه بِأَدَائِهَا، نِعْمَةً حادثةَ تُوجِبُ عَلَيْهِ شُكْرَهُ بِهَا [[الرسالة للشافعي (ص ٧، ٨) .]] .
وَقَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ:
لَوْ كُلُّ جَارِحَة مِنِّي لهَا لُغَةٌ ... تُثْنيِ عَلَيكَ بِمَا أولَيتَ مِنْ حَسنِ ...
لَكَانَ مَا زَادَ شُكري إِذْ شَكَرت بِهِ ... إليكَ أبلغَ فِي الإحسَان والمننِ ...
يُعَدِّدُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ خَلَقَ لَهُمُ السَّمَاوَاتِ سَقْفًا مَحْفُوظًا [[في أ: "مرفوعا".]] وَالْأَرْضَ فِرَاشًا، وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، مَا بَيْنَ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ، وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَسَخَّرَ الْفُلْكَ بِأَنْ جَعْلَهَا طَافِيَةً عَلَى تَيَّارِ مَاءِ الْبَحْرِ، تَجْرِي عَلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَخَّرَ الْبَحْرَ يَحْمِلُهَا لِيَقْطَعَ الْمُسَافِرُونَ بِهَا مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ آخَرَ، لِجَلْبِ مَا هُنَا إِلَى هُنَاكَ، وَمَا هُنَاكَ إِلَى هَاهُنَا، وَسَخَّرَ الْأَنْهَارَ تَشُقُّ الْأَرْضَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ مَنْ شُرْبٍ وَسَقْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أَيْ: يَسِيرَانِ لَا يُقِرَّانِ [[في أ: "لا يفتران".]] لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ، فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَتَعَاقَبَانِ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَارِضَانِ [[في ت، أ: "يتعارضان".]] فَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْآخَرُ مِنْ هَذَا فَيَقْصُرُ، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [[في هـ، ت، أ: "ألا وهو العزيز الغفار" والصواب ما أثبتناه.]] ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَرِ: ٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يَقُولُ: هَيَّأَ لَكُمْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ [[في ت، أ: "لحالكم".]] وَقَالِكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَأَتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ يُخْبِرُ عَنْ عَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا [[في ت، أ: "تحصيها".]] الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وامسُوا توابين.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيّ وَلَا مودَع، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ربَّنا" [[صحيح البخاري برقم (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، حدثنا داود بن المُحبّر، حدثنا صَالِحٍ المرْيّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ العَبْدِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ [[في أ: "ثلاث" وهو خطأ.]] دَوَاوِينَ، دِيوَانٌ، فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِأَصْغَرِ [[في ت، أ: "لأصغرهم".]] نِعَمِهِ -أحسبَه. قَالَ: فِي دِيوَانِ النِّعَمِ: خُذِي ثَمَنَكِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ كُلَّهُ، ثُمَّ تَنَحّى وَتَقُولُ: وَعِزَّتِكَ مَا اسْتَوْفَيْتُ. وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ [[في ت، أ: "والنعم والعمل الصالح فيستوعب عمله الصالح كله".]] فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ قَالَ: يَا عَبْدِي، قَدْ ضاعفتُ لَكَ حَسَنَاتَكَ وَتَجَاوَزْتُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ -أَحْسَبُهُ قَالَ: وَوَهَبْتُ لَكَ نِعَمِي" [[مسند البزار برقم (٣٤٤٤) "كشف الأستار" وفيه داود بن المحبر وصالح المرى وهما ضعفيان.]] غَرِيبٌ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ داود، عليه السلام، قال: يارب، كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ، أَيْ: حِينَ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ، إِلَّا بِنِعْمَةٍ [[في هـ، ت، أ: "بنعمة حادثة" والمثبت من الرسالة.]] تُوجِب عَلَى مُؤدى مَاضِي نعَمه بِأَدَائِهَا، نِعْمَةً حادثةَ تُوجِبُ عَلَيْهِ شُكْرَهُ بِهَا [[الرسالة للشافعي (ص ٧، ٨) .]] .
وَقَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ:
لَوْ كُلُّ جَارِحَة مِنِّي لهَا لُغَةٌ ... تُثْنيِ عَلَيكَ بِمَا أولَيتَ مِنْ حَسنِ ...
لَكَانَ مَا زَادَ شُكري إِذْ شَكَرت بِهِ ... إليكَ أبلغَ فِي الإحسَان والمننِ ...
يُعَدِّدُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ خَلَقَ لَهُمُ السَّمَاوَاتِ سَقْفًا مَحْفُوظًا [[في أ: "مرفوعا".]] وَالْأَرْضَ فِرَاشًا، وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، مَا بَيْنَ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ، وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَسَخَّرَ الْفُلْكَ بِأَنْ جَعْلَهَا طَافِيَةً عَلَى تَيَّارِ مَاءِ الْبَحْرِ، تَجْرِي عَلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَخَّرَ الْبَحْرَ يَحْمِلُهَا لِيَقْطَعَ الْمُسَافِرُونَ بِهَا مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ آخَرَ، لِجَلْبِ مَا هُنَا إِلَى هُنَاكَ، وَمَا هُنَاكَ إِلَى هَاهُنَا، وَسَخَّرَ الْأَنْهَارَ تَشُقُّ الْأَرْضَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ مَنْ شُرْبٍ وَسَقْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أَيْ: يَسِيرَانِ لَا يُقِرَّانِ [[في أ: "لا يفتران".]] لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ، فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَتَعَاقَبَانِ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَارِضَانِ [[في ت، أ: "يتعارضان".]] فَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْآخَرُ مِنْ هَذَا فَيَقْصُرُ، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [[في هـ، ت، أ: "ألا وهو العزيز الغفار" والصواب ما أثبتناه.]] ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَرِ: ٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يَقُولُ: هَيَّأَ لَكُمْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ [[في ت، أ: "لحالكم".]] وَقَالِكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَأَتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ يُخْبِرُ عَنْ عَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا [[في ت، أ: "تحصيها".]] الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وامسُوا توابين.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيّ وَلَا مودَع، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ربَّنا" [[صحيح البخاري برقم (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، حدثنا داود بن المُحبّر، حدثنا صَالِحٍ المرْيّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ العَبْدِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ [[في أ: "ثلاث" وهو خطأ.]] دَوَاوِينَ، دِيوَانٌ، فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِأَصْغَرِ [[في ت، أ: "لأصغرهم".]] نِعَمِهِ -أحسبَه. قَالَ: فِي دِيوَانِ النِّعَمِ: خُذِي ثَمَنَكِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ كُلَّهُ، ثُمَّ تَنَحّى وَتَقُولُ: وَعِزَّتِكَ مَا اسْتَوْفَيْتُ. وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ [[في ت، أ: "والنعم والعمل الصالح فيستوعب عمله الصالح كله".]] فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ قَالَ: يَا عَبْدِي، قَدْ ضاعفتُ لَكَ حَسَنَاتَكَ وَتَجَاوَزْتُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ -أَحْسَبُهُ قَالَ: وَوَهَبْتُ لَكَ نِعَمِي" [[مسند البزار برقم (٣٤٤٤) "كشف الأستار" وفيه داود بن المحبر وصالح المرى وهما ضعفيان.]] غَرِيبٌ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ داود، عليه السلام، قال: يارب، كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ، أَيْ: حِينَ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ، إِلَّا بِنِعْمَةٍ [[في هـ، ت، أ: "بنعمة حادثة" والمثبت من الرسالة.]] تُوجِب عَلَى مُؤدى مَاضِي نعَمه بِأَدَائِهَا، نِعْمَةً حادثةَ تُوجِبُ عَلَيْهِ شُكْرَهُ بِهَا [[الرسالة للشافعي (ص ٧، ٨) .]] .
وَقَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ:
لَوْ كُلُّ جَارِحَة مِنِّي لهَا لُغَةٌ ... تُثْنيِ عَلَيكَ بِمَا أولَيتَ مِنْ حَسنِ ...
لَكَانَ مَا زَادَ شُكري إِذْ شَكَرت بِهِ ... إليكَ أبلغَ فِي الإحسَان والمننِ ...
يَذْكُرُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَقَامِ مُحْتَجًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، بِأَنَّ الْبَلَدَ الْحَرَامَ مَكَّةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ أَوَّلَ مَا وُضِعَتْ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَتْ عَامِرَةً بِسَبَبِهِ، آهِلَةً تَبَرَّأَ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ بِالْأَمْنِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي (١) بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٦، ٩٧] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فَعَرَّفَهُ كَأَنَّهُ دَعَا بِهِ بَعْدَ بِنَائِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٩] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَمَّا حِينُ ذَهَبَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى مَكَانِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٦] ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُسْتَقْصًى مُطَوَّلًا.
وَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ يَنْبَغِي لِكُلِّ دَاعٍ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِذُرِّيَّتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ افْتَتَنَ بِالْأَصْنَامِ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ وَأَنَّهُ بَرِئٌ مِمَّنْ عَبَدَهَا، وَرَدَّ أَمْرَهُمْ [[في أ: "أمره".]] إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ [[في أ: "عذبه".]] وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ [[في أ: "له".]] كَمَا قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٨] ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الرَّدِّ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تَجْوِيزُ [[في ت: "لا تحرير".]] وُقُوعِ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادة حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلَ [[في ت، أ: "وقال".]] عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَرَفْعَ يَدَيْهِ، [ثُمَّ] [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي"، وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ: [يَا جِبْرِيلُ] [[زيادة من ت، أ.]] اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ وَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ، [قَالَ] [[زيادة من ت.]] فَقَالَ اللَّهُ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٥١) .]] .
يَذْكُرُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَقَامِ مُحْتَجًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، بِأَنَّ الْبَلَدَ الْحَرَامَ مَكَّةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ أَوَّلَ مَا وُضِعَتْ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَتْ عَامِرَةً بِسَبَبِهِ، آهِلَةً تَبَرَّأَ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ بِالْأَمْنِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي (١) بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٦، ٩٧] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فَعَرَّفَهُ كَأَنَّهُ دَعَا بِهِ بَعْدَ بِنَائِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٩] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَمَّا حِينُ ذَهَبَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى مَكَانِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٦] ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُسْتَقْصًى مُطَوَّلًا.
وَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ يَنْبَغِي لِكُلِّ دَاعٍ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِذُرِّيَّتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ افْتَتَنَ بِالْأَصْنَامِ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ وَأَنَّهُ بَرِئٌ مِمَّنْ عَبَدَهَا، وَرَدَّ أَمْرَهُمْ [[في أ: "أمره".]] إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ [[في أ: "عذبه".]] وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ [[في أ: "له".]] كَمَا قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٨] ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الرَّدِّ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تَجْوِيزُ [[في ت: "لا تحرير".]] وُقُوعِ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادة حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلَ [[في ت، أ: "وقال".]] عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَرَفْعَ يَدَيْهِ، [ثُمَّ] [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي"، وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ: [يَا جِبْرِيلُ] [[زيادة من ت، أ.]] اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ وَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ، [قَالَ] [[زيادة من ت.]] فَقَالَ اللَّهُ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٥١) .]] .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ ثَانٍ بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَعَا بِهِ عِنْدَمَا وَلَّى عَنْ هَاجَرَ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ بِنَائِهِ، تَأْكِيدًا وَرَغْبَةً إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "الْمُحَرَّمِ" أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْتَهُ مُحَرَّمًا لِيَتَمَكَّنَ أَهْلُهُ مِنْ إِقَامَةِ الصلاة عنده.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قَالَ: "أَفْئِدَةَ النَّاسِ" لَازْدَحَمَ عَلَيْهِ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالْيَهُودُ [[في ت: "واليهود والروم".]] وَالنَّصَارَى وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فَاخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى طَاعَتِكَ وَكَمَا أَنَّهُ ﴿وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ فَاجْعَلْ لَهُمْ ثِمَارًا يَأْكُلُونَهَا. وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [الْقَصَصِ: ٥٧] وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ مَكَّةَ شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ، وَهِيَ تُجْبَى إِلَيْهَا ثَمَرَاتُ مَا حَوْلَهَا، اسْتِجَابَةً لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ: أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ [[في ت: "فيما سألت".]] مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أَيْ: مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْهُمْ كَذَلِكَ مُقِيمِينَ [[في ت، أ: "مقيمي".]] الصَّلَاةَ ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أَيْ: فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ كُلِّهِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلِوَالِدِي"، عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ [[في ت: "ابنه".]] لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عَدَاوَتُهُ [[في أ: "أنه عدو".]] لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ: يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فَتَجْزِيهِمْ [[في ت: "فيجزيهم".]] بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ: أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ [[في ت: "فيما سألت".]] مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أَيْ: مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْهُمْ كَذَلِكَ مُقِيمِينَ [[في ت، أ: "مقيمي".]] الصَّلَاةَ ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أَيْ: فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ كُلِّهِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلِوَالِدِي"، عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ [[في ت: "ابنه".]] لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عَدَاوَتُهُ [[في أ: "أنه عدو".]] لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ: يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فَتَجْزِيهِمْ [[في ت: "فيجزيهم".]] بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ: أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ [[في ت: "فيما سألت".]] مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أَيْ: مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْهُمْ كَذَلِكَ مُقِيمِينَ [[في ت، أ: "مقيمي".]] الصَّلَاةَ ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أَيْ: فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ كُلِّهِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلِوَالِدِي"، عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ [[في ت: "ابنه".]] لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عَدَاوَتُهُ [[في أ: "أنه عدو".]] لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ: يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فَتَجْزِيهِمْ [[في ت: "فيجزيهم".]] بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ: أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ [[في ت: "فيما سألت".]] مِنَ الْوَلَدِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أَيْ: مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ: وَاجْعَلْهُمْ كَذَلِكَ مُقِيمِينَ [[في ت، أ: "مقيمي".]] الصَّلَاةَ ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أَيْ: فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ كُلِّهِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلِوَالِدِي"، عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ [[في ت: "ابنه".]] لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عَدَاوَتُهُ [[في أ: "أنه عدو".]] لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ: يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فَتَجْزِيهِمْ [[في ت: "فيجزيهم".]] بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
يَقُولُ [تَعَالَى شَأْنُهُ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: لَا تَحْسَبُهُ إِذْ [[في ت: "إذا".]] أَنْظَرَهُمْ وَأَجَّلَهُمْ أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْهُمْ مُهْمِلٌ لَهُمْ، لَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى صُنْعِهِمْ [[في ت، أ: "صنيعهم".]] بَلْ هُوَ يُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَيَعُدُّهُ عَدًّا، أَيْ: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ إِلَى قِيَامِ الْمَحْشَرِ فَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ: مُسْرِعِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ] [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طَهَ: ١٩٨ -١١١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أَيْ: [بَلْ] [[زيادة من أ.]] أَبْصَارُهُمْ طَائِرَةٌ شَاخِصَةٌ، يُدِيمُونَ النَّظَرَ لَا يَطْرِفُونَ لَحْظَةً لِكَثْرَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْفِكْرَةِ وَالْمَخَافَةِ [[في ت: "والمخافة والفكرة".]] لِمَا يَحِلُّ بِهِمْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أَيْ: وَقُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ لِكَثْرَةِ [الْفَزَعِ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْوَجِلِ وَالْخَوْفِ. وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ أَمْكِنَةَ أَفْئِدَتِهِمْ خَالِيَةٌ لِأَنَّ الْقُلُوبَ لَدَى الْحَنَاجِرِ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿هَوَاءٌ﴾ خَرَابٌ لَا تَعِي [[في أ: "لا يعي".]] شَيْئًا.
وَلِشِدَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى [بِهِ] [[زيادة من ت.]] عَنْهُمْ، قَالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ .
يَقُولُ [تَعَالَى شَأْنُهُ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: لَا تَحْسَبُهُ إِذْ [[في ت: "إذا".]] أَنْظَرَهُمْ وَأَجَّلَهُمْ أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْهُمْ مُهْمِلٌ لَهُمْ، لَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى صُنْعِهِمْ [[في ت، أ: "صنيعهم".]] بَلْ هُوَ يُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَيَعُدُّهُ عَدًّا، أَيْ: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ إِلَى قِيَامِ الْمَحْشَرِ فَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ: مُسْرِعِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ] [[زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طَهَ: ١٩٨ -١١١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أَيْ: [بَلْ] [[زيادة من أ.]] أَبْصَارُهُمْ طَائِرَةٌ شَاخِصَةٌ، يُدِيمُونَ النَّظَرَ لَا يَطْرِفُونَ لَحْظَةً لِكَثْرَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْفِكْرَةِ وَالْمَخَافَةِ [[في ت: "والمخافة والفكرة".]] لِمَا يَحِلُّ بِهِمْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أَيْ: وَقُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ لِكَثْرَةِ [الْفَزَعِ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْوَجِلِ وَالْخَوْفِ. وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ أَمْكِنَةَ أَفْئِدَتِهِمْ خَالِيَةٌ لِأَنَّ الْقُلُوبَ لَدَى الْحَنَاجِرِ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿هَوَاءٌ﴾ خَرَابٌ لَا تَعِي [[في أ: "لا يعي".]] شَيْئًا.
وَلِشِدَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى [بِهِ] [[زيادة من ت.]] عَنْهُمْ، قَالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [[في أ: "وأكون".]] مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧، ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ: أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أَيْ: مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النَّحْلِ: ٣٨] .
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ [[في ت: "لكم مزدجر".]] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [الْقَمَرِ: ٥] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [بْنِ دَابِيلَ] [[زيادة من ت، وفي أ: "بن دنيال".]] أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قَالَ: أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا [[في ت: "فشبا".]] .
قَالَ: فَأَوْثَقَ رِجْل كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ، وَجَوَّعَهُمَا، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ:-وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ -قَالَ: فَطَارَا [قَالَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ، مَا [[في ت: "ماذا".]] تَرَى؟ قَالَ: أَرَى كَذَا وَكَذَا، حَتَّى قَالَ: أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذباب. قال: فقال: صوب العصا، فَصَوَّبَهَا، فَهَبَطَا. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ" [[تفسير الطبري (١٣/١٦٠) ، وصوب العصا: خفضها وأنزلها أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.]] .
قُلْتُ: وَكَذَا رُوي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَرَآ: "وَإِنْ كَادَ"، كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ. وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ [[في ت: "أرباب"، وفي أ: "أريان".]] عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ: أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا. وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ.
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرق، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ، فصَوبت النُّسُورُ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ [[في ت: "من حين".]] ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
وَنَقَلَ ابْنُ جُريج [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ"، بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى، وَضَمِّ [[في ت، أ: "ورفع".]] الثَّانِيَةِ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ هَذَا إِذًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ شِرْكُهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠ -٩١] ، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [[في أ: "وأكون".]] مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧، ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ: أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أَيْ: مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النَّحْلِ: ٣٨] .
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ [[في ت: "لكم مزدجر".]] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [الْقَمَرِ: ٥] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [بْنِ دَابِيلَ] [[زيادة من ت، وفي أ: "بن دنيال".]] أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قَالَ: أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا [[في ت: "فشبا".]] .
قَالَ: فَأَوْثَقَ رِجْل كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ، وَجَوَّعَهُمَا، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ:-وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ -قَالَ: فَطَارَا [قَالَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ، مَا [[في ت: "ماذا".]] تَرَى؟ قَالَ: أَرَى كَذَا وَكَذَا، حَتَّى قَالَ: أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذباب. قال: فقال: صوب العصا، فَصَوَّبَهَا، فَهَبَطَا. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ" [[تفسير الطبري (١٣/١٦٠) ، وصوب العصا: خفضها وأنزلها أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.]] .
قُلْتُ: وَكَذَا رُوي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَرَآ: "وَإِنْ كَادَ"، كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ. وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ [[في ت: "أرباب"، وفي أ: "أريان".]] عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ: أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا. وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ.
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرق، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ، فصَوبت النُّسُورُ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ [[في ت: "من حين".]] ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
وَنَقَلَ ابْنُ جُريج [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ"، بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى، وَضَمِّ [[في ت، أ: "ورفع".]] الثَّانِيَةِ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ هَذَا إِذًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ شِرْكُهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠ -٩١] ، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [[في أ: "وأكون".]] مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧، ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ: أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أَيْ: مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النَّحْلِ: ٣٨] .
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ [[في ت: "لكم مزدجر".]] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [الْقَمَرِ: ٥] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [بْنِ دَابِيلَ] [[زيادة من ت، وفي أ: "بن دنيال".]] أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قَالَ: أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا [[في ت: "فشبا".]] .
قَالَ: فَأَوْثَقَ رِجْل كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ، وَجَوَّعَهُمَا، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ:-وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ -قَالَ: فَطَارَا [قَالَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ، مَا [[في ت: "ماذا".]] تَرَى؟ قَالَ: أَرَى كَذَا وَكَذَا، حَتَّى قَالَ: أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذباب. قال: فقال: صوب العصا، فَصَوَّبَهَا، فَهَبَطَا. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ" [[تفسير الطبري (١٣/١٦٠) ، وصوب العصا: خفضها وأنزلها أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.]] .
قُلْتُ: وَكَذَا رُوي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَرَآ: "وَإِنْ كَادَ"، كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ. وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ [[في ت: "أرباب"، وفي أ: "أريان".]] عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ: أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا. وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ.
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرق، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ، فصَوبت النُّسُورُ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ [[في ت: "من حين".]] ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
وَنَقَلَ ابْنُ جُريج [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ"، بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى، وَضَمِّ [[في ت، أ: "ورفع".]] الثَّانِيَةِ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ هَذَا إِذًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ شِرْكُهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠ -٩١] ، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوَعْدِهِ وَمُؤَكِّدًا: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أَيْ: مِنْ نُصْرَتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ ذُو عِزَّةٍ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "تمتنع".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يُغَالَبُ، وَذُو انْتِقَامٍ مِمَّنْ [[في ت: "بمن".]] كَفَرَ بِهِ وَجَحَدَهُ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطُّورِ: ١١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أَيْ: وَعْدُهُ هَذَا حَاصِلٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَهِيَ هَذِهِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الْمَأْلُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٢١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَالَتْ: قُلْتُ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ [[المسند (٦/٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩١) وسنن الترمذي برقم (٣١٢١) وابن ماجة برقم (٤٢٧٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ [[في ت: "وهب".]] عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْهَا [[في ت: "عنهما".]] وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا [[المسند (٦/١٣٤) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: قَالَتْ [[في ت، أ: "قلت".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتِنِي [[في ت: "سألتني".]] عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، ذَاكَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ [[في ت: "على حشرهم".]] [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٦) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٦/١١٧) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ"، قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ [[في ت، أ: "عثمان".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٦) والمسند (٦/١٠١) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ -يَعْنِي: أَخَاهُ -أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِي؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَهُ [[في ت: "فجاء".]] حَبر مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصرَع مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمّاه بِهِ أَهْلُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: "سَلْ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ" [[في ت: "الحشر".]] قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فَقَالَ: " [فُقَرَاءُ] [[زيادة من ت، أ، ومسلم.]] الْمُهَاجِرِينَ". قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتهُم حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ" قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ فِي أَثَرِهَا؟ قَالَ: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا". قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ؟ قَالَ: "أَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ. قَالَ: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلا منيُّ الرَّجُلِ منيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا [[في أ: "ذكرا".]] بِإِذْنِ اللَّهِ -تعالى -وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أنَّثا بِإِذْنِ اللَّهِ" قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ" [[صحيح مسلم برقم: (٣١٥) .]] .
[وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ثَوْبَانَ الكَلاعي، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ حَبْر مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فَأَيْنَ الخَلْق عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "أَضْيَافُ اللَّهِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُمْ مَا لَدَيْهِ" [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٤) .]] .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، بِهِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ -وَرُبَّمَا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ -فَقُلْتُ لَهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ نَقِيَّةٌ، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا [[في ت، أ: "فيها".]] خَطِيئَةٌ، يُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا. قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: قِيَامًا حَتَّى يُلجِمَهم الْعَرَقُ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، لَمْ يُخْبِرْ بِهِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيد بْنِ عَقِيل، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: "أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَمْ يَسْقُطْ عَلَيْهَا دَمٌ [[في ت: "دما".]] وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَفَعَهُ إِلَّا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ [[مسند البزار برقم (٣٤٣١) "كشف الأستار" وجرير بن أيوب ضعفه الأئمة.]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سِنَانٍ [[في ت، أ: "شيبان".]] عَنْ جَابِرٍ الجُعْفي، عَنْ أَبِي جُبَيرة [[في أ: "عن ابن حبرة".]] عَنْ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ لِمَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ أَسْأَلُهُمْ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ إِنَّهَا تَكُونُ يَوْمَئِذٍ بَيْضَاءَ مِثْلَ الْفِضَّةِ". فَلَمَّا جَاءُوا سَأَلَهُمْ فَقَالُوا: تَكُونُ بَيْضَاءَ مِثْلَ النَّقِي [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَهَكَذَا رَوى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جبير: أَنَّهَا تُبَدَّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: تصير الأرض فضة، والسموات ذهبا.
وَقَالَ الرَّبِيعِ: عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا.
وَقَالَ أَبُو مِعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: [تُبَدَّلُ] [[زيادة من أ.]] خُبْزَةً يَأْكُلُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُونَ [[في ت، أ: "المؤمن"]] مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ [[في أ: "قدميه".]] .
وَكَذَا رَوَى وَكِيع، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَشِيرٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: تُبَدَّلُ خُبْزَةً بَيْضَاءَ، يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-: الْأَرْضُ كُلُّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "يوم القيامة كلها".]] نَارٌ، وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا تَرَى كَوَاعِبَهَا وَأَكْوَابَهَا، ويُلجِمُ النَّاسَ العرقُ، أَوْ يَبْلُغُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، وَلَمْ يَبْلَغُوا الْحِسَابَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ [[في ت: "ابن سكن".]] قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْأَرْضُ كُلُّهَا نَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، [وَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا، تَرَى أَكْوَابَهَا وَكَوَاعِبَهَا، وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَفِيضُ عَرَقًا حَتَّى تَرْسَخَ [[في ت: "يرسخ"، وفي أ: "يرشح".]] فِي الْأَرْضِ قَدَمُهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْفَهُ، وَمَا مَسَّهُ الْحِسَابُ. قَالُوا [[في ت: "فقالوا".]] مِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مِمَّا يَرَى النَّاسَ يَلْقَوْنَ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤، ١٦٥) .]] .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا، وَيَصِيرُ مَكَانُ الْبَحْرِ نَارًا، وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: "لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا غَازٍ أَوْ حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا -أَوْ: تَحْتَ النَّارِ بَحْرًا". [[سنن أبي داود برقم (٢٤٨٩) ولفظه: "فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" رواه من طريق بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقد ضعف هذا الحديث جماعة من الأئمة. انظر أقوالهم في: السلسلة الضعيفة برقم (٤٧٨) .]]
وَفِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، فَيَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً، فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْمُبْدَلَةِ" [[سبق تخريج الحديث عند تفسير سورة الأنعام.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ: خَرَجَتِ الْخَلَائِقُ جَمِيعُهَا مِنْ قُبُورِهِمْ لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْأَلْبَابُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوَعْدِهِ وَمُؤَكِّدًا: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أَيْ: مِنْ نُصْرَتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ ذُو عِزَّةٍ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "تمتنع".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يُغَالَبُ، وَذُو انْتِقَامٍ مِمَّنْ [[في ت: "بمن".]] كَفَرَ بِهِ وَجَحَدَهُ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطُّورِ: ١١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أَيْ: وَعْدُهُ هَذَا حَاصِلٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَهِيَ هَذِهِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الْمَأْلُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٢١) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَالَتْ: قُلْتُ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ [[المسند (٦/٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩١) وسنن الترمذي برقم (٣١٢١) وابن ماجة برقم (٤٢٧٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ [[في ت: "وهب".]] عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْهَا [[في ت: "عنهما".]] وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا [[المسند (٦/١٣٤) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: قَالَتْ [[في ت، أ: "قلت".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتِنِي [[في ت: "سألتني".]] عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، ذَاكَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ [[في ت: "على حشرهم".]] [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٦) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٦/١١٧) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ"، قَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ [[في ت، أ: "عثمان".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٦) والمسند (٦/١٠١) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ -يَعْنِي: أَخَاهُ -أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِي؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَهُ [[في ت: "فجاء".]] حَبر مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصرَع مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمّاه بِهِ أَهْلُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: "سَلْ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ" [[في ت: "الحشر".]] قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فَقَالَ: " [فُقَرَاءُ] [[زيادة من ت، أ، ومسلم.]] الْمُهَاجِرِينَ". قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتهُم حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ" قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ فِي أَثَرِهَا؟ قَالَ: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا". قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ؟ قَالَ: "أَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ. قَالَ: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلا منيُّ الرَّجُلِ منيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا [[في أ: "ذكرا".]] بِإِذْنِ اللَّهِ -تعالى -وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أنَّثا بِإِذْنِ اللَّهِ" قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ" [[صحيح مسلم برقم: (٣١٥) .]] .
[وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ثَوْبَانَ الكَلاعي، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ حَبْر مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فَأَيْنَ الخَلْق عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "أَضْيَافُ اللَّهِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُمْ مَا لَدَيْهِ" [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/١٦٤) .]] .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، بِهِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ -وَرُبَّمَا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ -فَقُلْتُ لَهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ نَقِيَّةٌ، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا [[في ت، أ: "فيها".]] خَطِيئَةٌ، يُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا. قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: قِيَامًا حَتَّى يُلجِمَهم الْعَرَقُ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، لَمْ يُخْبِرْ بِهِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيد بْنِ عَقِيل، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: "أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَمْ يَسْقُطْ عَلَيْهَا دَمٌ [[في ت: "دما".]] وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَفَعَهُ إِلَّا جَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ [[مسند البزار برقم (٣٤٣١) "كشف الأستار" وجرير بن أيوب ضعفه الأئمة.]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سِنَانٍ [[في ت، أ: "شيبان".]] عَنْ جَابِرٍ الجُعْفي، عَنْ أَبِي جُبَيرة [[في أ: "عن ابن حبرة".]] عَنْ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ لِمَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ أَسْأَلُهُمْ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ إِنَّهَا تَكُونُ يَوْمَئِذٍ بَيْضَاءَ مِثْلَ الْفِضَّةِ". فَلَمَّا جَاءُوا سَأَلَهُمْ فَقَالُوا: تَكُونُ بَيْضَاءَ مِثْلَ النَّقِي [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤) .]] .
وَهَكَذَا رَوى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جبير: أَنَّهَا تُبَدَّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: تصير الأرض فضة، والسموات ذهبا.
وَقَالَ الرَّبِيعِ: عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا.
وَقَالَ أَبُو مِعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: [تُبَدَّلُ] [[زيادة من أ.]] خُبْزَةً يَأْكُلُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُونَ [[في ت، أ: "المؤمن"]] مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ [[في أ: "قدميه".]] .
وَكَذَا رَوَى وَكِيع، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَشِيرٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ قَالَ: تُبَدَّلُ خُبْزَةً بَيْضَاءَ، يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-: الْأَرْضُ كُلُّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "يوم القيامة كلها".]] نَارٌ، وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا تَرَى كَوَاعِبَهَا وَأَكْوَابَهَا، ويُلجِمُ النَّاسَ العرقُ، أَوْ يَبْلُغُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، وَلَمْ يَبْلَغُوا الْحِسَابَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ [[في ت: "ابن سكن".]] قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْأَرْضُ كُلُّهَا نَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، [وَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا، تَرَى أَكْوَابَهَا وَكَوَاعِبَهَا، وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَفِيضُ عَرَقًا حَتَّى تَرْسَخَ [[في ت: "يرسخ"، وفي أ: "يرشح".]] فِي الْأَرْضِ قَدَمُهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْفَهُ، وَمَا مَسَّهُ الْحِسَابُ. قَالُوا [[في ت: "فقالوا".]] مِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: مِمَّا يَرَى النَّاسَ يَلْقَوْنَ [[تفسير الطبري (١٣/١٦٤، ١٦٥) .]] .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قَالَ: تَصِيرُ السَّمَوَاتُ جِنَانًا، وَيَصِيرُ مَكَانُ الْبَحْرِ نَارًا، وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: "لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا غَازٍ أَوْ حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا -أَوْ: تَحْتَ النَّارِ بَحْرًا". [[سنن أبي داود برقم (٢٤٨٩) ولفظه: "فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" رواه من طريق بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقد ضعف هذا الحديث جماعة من الأئمة. انظر أقوالهم في: السلسلة الضعيفة برقم (٤٧٨) .]]
وَفِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، فَيَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً، فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْمُبْدَلَةِ" [[سبق تخريج الحديث عند تفسير سورة الأنعام.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ: خَرَجَتِ الْخَلَائِقُ جَمِيعُهَا مِنْ قُبُورِهِمْ لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْأَلْبَابُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وَتَبْرُزُ الْخَلَائِقُ لديَّانها، تَرَى يَا مُحَمَّدُ يَوْمَئِذٍ الْمُجْرِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَدْ جُمِعَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الْأَشْكَالِ [[في ت: "النظر والأشكال".]] مِنْهُمْ، كُلِّ صِنْفٍ إِلَى صِنْفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٣] ، وَقَالَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧، ٣٨] .
وَالْأَصْفَادُ: هِيَ الْقُيُودُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ.
فَآبُوا [[في ت: "فأتوا".]] بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا وأُبْنَا بالمُلُوك [[في ت: "وابنا الملوك"، وفي أ: "وأبناء الملوك".]] مُصَفّدينا [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أَيْ: ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ قَطِرَانٍ، وَهُوَ الَّذِي تُهنأ بِهِ الْإِبِلُ، أَيْ: تُطْلَى، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَهُوَ أَلْصَقُ شَيْءٍ بِالنَّارِ.
وَيُقَالُ فِيهِ: "قَطِران"، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ.
كَأَنَّ قِطْرانًا إذَا تَلاهَا ... تَرْمي [[في ت: "يرمى".]] بِهِ الرِّيحُ إِلَى مَجْراها [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: القَطران هُوَ: النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا: "سَرَابيلهم مِنْ قَطِران" أَيْ: مِنْ نُحَاسٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَغْشَى [[في ت: "ويغشى".]] وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٤] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُتْرَكن [[في ت: "لا بد لهن"، وفي أ: "لا يزكهن".]] الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالنَّائِحَةُ [[في أ: "والنابحة".]] إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودرْع مِنْ جَرَب". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/٣٤٢) وصحيح مسلم برقم (٩٣٤) .]] .
وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ، تُوقَفُ فِي طَرِيقٍ [[في ت: "الطريق".]] بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَسَرَابِيلُهَا مِنْ قَطِرَانٍ، وَتَغْشَى وَجْهَهَا النَّارُ" [[رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٣٨) مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، وكلهم ضعفاء - عن أبي أمامة به. وقد قال ابن حبان: "إذا جاء الحديث مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، فهو مما صنعته أيديهم".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ [[في ت، أ: "أي يقسم يوم".]] الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] .
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ [[في ت: "قوله".]] تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي حَالِ مُحَاسَبَتِهِ [[في ت: "محسباته".]] لِعَبْدِهِ سَرِيعُ النَّجاز؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ [[في ت: "الخلائق".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ كَالْوَاحِدِ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إِحْصَاءً] [[زيادة من ت، أ.]] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَيَانِ مُرَادَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وَتَبْرُزُ الْخَلَائِقُ لديَّانها، تَرَى يَا مُحَمَّدُ يَوْمَئِذٍ الْمُجْرِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَدْ جُمِعَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الْأَشْكَالِ [[في ت: "النظر والأشكال".]] مِنْهُمْ، كُلِّ صِنْفٍ إِلَى صِنْفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٣] ، وَقَالَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧، ٣٨] .
وَالْأَصْفَادُ: هِيَ الْقُيُودُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ.
فَآبُوا [[في ت: "فأتوا".]] بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا وأُبْنَا بالمُلُوك [[في ت: "وابنا الملوك"، وفي أ: "وأبناء الملوك".]] مُصَفّدينا [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أَيْ: ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ قَطِرَانٍ، وَهُوَ الَّذِي تُهنأ بِهِ الْإِبِلُ، أَيْ: تُطْلَى، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَهُوَ أَلْصَقُ شَيْءٍ بِالنَّارِ.
وَيُقَالُ فِيهِ: "قَطِران"، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ.
كَأَنَّ قِطْرانًا إذَا تَلاهَا ... تَرْمي [[في ت: "يرمى".]] بِهِ الرِّيحُ إِلَى مَجْراها [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: القَطران هُوَ: النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا: "سَرَابيلهم مِنْ قَطِران" أَيْ: مِنْ نُحَاسٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَغْشَى [[في ت: "ويغشى".]] وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٤] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُتْرَكن [[في ت: "لا بد لهن"، وفي أ: "لا يزكهن".]] الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالنَّائِحَةُ [[في أ: "والنابحة".]] إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودرْع مِنْ جَرَب". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/٣٤٢) وصحيح مسلم برقم (٩٣٤) .]] .
وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ، تُوقَفُ فِي طَرِيقٍ [[في ت: "الطريق".]] بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَسَرَابِيلُهَا مِنْ قَطِرَانٍ، وَتَغْشَى وَجْهَهَا النَّارُ" [[رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٣٨) مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، وكلهم ضعفاء - عن أبي أمامة به. وقد قال ابن حبان: "إذا جاء الحديث مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، فهو مما صنعته أيديهم".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ [[في ت، أ: "أي يقسم يوم".]] الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] .
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ [[في ت: "قوله".]] تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي حَالِ مُحَاسَبَتِهِ [[في ت: "محسباته".]] لِعَبْدِهِ سَرِيعُ النَّجاز؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ [[في ت: "الخلائق".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ كَالْوَاحِدِ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إِحْصَاءً] [[زيادة من ت، أ.]] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَيَانِ مُرَادَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وَتَبْرُزُ الْخَلَائِقُ لديَّانها، تَرَى يَا مُحَمَّدُ يَوْمَئِذٍ الْمُجْرِمِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَدْ جُمِعَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الْأَشْكَالِ [[في ت: "النظر والأشكال".]] مِنْهُمْ، كُلِّ صِنْفٍ إِلَى صِنْفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٣] ، وَقَالَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧، ٣٨] .
وَالْأَصْفَادُ: هِيَ الْقُيُودُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ.
فَآبُوا [[في ت: "فأتوا".]] بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا وأُبْنَا بالمُلُوك [[في ت: "وابنا الملوك"، وفي أ: "وأبناء الملوك".]] مُصَفّدينا [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أَيْ: ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ قَطِرَانٍ، وَهُوَ الَّذِي تُهنأ بِهِ الْإِبِلُ، أَيْ: تُطْلَى، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَهُوَ أَلْصَقُ شَيْءٍ بِالنَّارِ.
وَيُقَالُ فِيهِ: "قَطِران"، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَتَسْكِينِ الطَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ.
كَأَنَّ قِطْرانًا إذَا تَلاهَا ... تَرْمي [[في ت: "يرمى".]] بِهِ الرِّيحُ إِلَى مَجْراها [[البيت في تفسير الطبري (١٣/١٦٧) .]]
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: القَطران هُوَ: النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا: "سَرَابيلهم مِنْ قَطِران" أَيْ: مِنْ نُحَاسٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَغْشَى [[في ت: "ويغشى".]] وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٤] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُتْرَكن [[في ت: "لا بد لهن"، وفي أ: "لا يزكهن".]] الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالنَّائِحَةُ [[في أ: "والنابحة".]] إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، ودرْع مِنْ جَرَب". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/٣٤٢) وصحيح مسلم برقم (٩٣٤) .]] .
وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ، تُوقَفُ فِي طَرِيقٍ [[في ت: "الطريق".]] بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَسَرَابِيلُهَا مِنْ قَطِرَانٍ، وَتَغْشَى وَجْهَهَا النَّارُ" [[رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٣٨) مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، وكلهم ضعفاء - عن أبي أمامة به. وقد قال ابن حبان: "إذا جاء الحديث مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يزيد، عن القاسم، فهو مما صنعته أيديهم".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ [[في ت، أ: "أي يقسم يوم".]] الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] .
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ [[في ت: "قوله".]] تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي حَالِ مُحَاسَبَتِهِ [[في ت: "محسباته".]] لِعَبْدِهِ سَرِيعُ النَّجاز؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ [[في ت: "الخلائق".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ كَالْوَاحِدِ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إِحْصَاءً] [[زيادة من ت، أ.]] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَيَانِ مُرَادَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَاغٌ لِلنَّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، أَيْ: هُوَ بَلَاغٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ، كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾
﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أَيْ: لِيَتَّعِظُوا [[في ت، أ: "يتعظوا".]] بِهِ، ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: يَسْتَدِلُّوا بِمَا فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [[في ت، أ: "إلا الله".]] ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ أَيْ: ذَوُو الْعُقُولِ.