John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah An-Nahl

Tafsir Ibn Kathir · The Bee · 128 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

وَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ [[في ت، ف، أ: "به تعالى".]] وَهُوَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾

وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا [وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٤] [[زيادة من ف، أ.]] وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] أَيْ: لَا تَتْرُكُوهَا بِلَا تَكْفِيرٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي" لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا بَيْنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ، الْمُرَادَ بِهَا الدَّاخِلَةُ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لَا الْأَيْمَانَ الَّتِي هِيَ وَارِدَةٌ عَلَى حَثّ أَوْ مَنْعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يَعْنِي: الحِلْف، أَيْ: حلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ-حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا -هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ-عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْر بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً".

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، بِهِ [[المسند (٤/ ٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) .]] .

وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الحلْف الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ، فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ كِفَايَةً عَمَّا كَانُوا فِيهِ.

وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا [[صحيح البخاري برقم (٢٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٥٢٩) .]] -فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ آخَى بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مَزِيدة [[في ف: "بريدة".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هَذِهِ البيعة التي بايعتم عَلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الْبَيْعَةَ، لَا يَحْمِلَنَّكُمْ قِلَّةُ مُحَمَّدٍ [وَأَصْحَابِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَكَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرية، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إن الْغَادِرَ يُنصب لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ [[في ت، ف: "يقال".]] هَذِهِ غَدْرة فُلَانٍ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الغَدْر -إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ-أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يُسْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ صَيْلم بَيْنِي وَبَيْنَهُ" [[المسند (٢/ ٤٨) .]] .

الْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرَطَ لِأَخِيهِ شَرْطًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ كَالْمُدْلِي جَارَهُ إِلَى غَيْرِ مَنْعَة" [[المسند (٥/ ٤٠٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ امْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَانَتْ بِمَكَّةَ، كُلَمَّا غَزَلَتْ شَيْئًا نَقَضَتْهُ بَعْدَ إِبْرَامِهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلٌ لِمَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ وَأَظْهَرُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ تَنْقُضُ غَزْلَهَا أَمْ لَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ: نَقَضَتْ غَزْلَهَا أَنْكَاثًا، أَيْ: أَنْقَاضًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ خَبَرٍ كَانَ، أَيْ: لَا تَكُونُوا أَنْكَاثًا، جَمْعُ نَكْثٍ مِنْ نَاكِثٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: خَدِيعَةً وَمَكْرًا، ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: يَحْلِفُونَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَكُمُ الْغَدْرُ بِهِمْ غَدَرتم. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِيُنَبِّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ إِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ الْغَدْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ مَعَ التَّمَكُّنِ وَالْقُدْرَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَدْ قَدَّمْنَا -وَلِلَّهِ الْحَمْدُ-فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" [[عند تفسير الآية: ٥٨.]] قِصَّةَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ أمَدٌ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِمْ فِي آخِرِ الْأَجَلِ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بِلَادِهِمْ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَشْعُرُونَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْسَة: اللَّهُ أَكْبَرُ يَا مُعَاوِيَةُ، وَفَاءً لَا غَدْرًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ أَجْلٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عُقدة حَتَّى يَنْقَضِيَ أمَدها". فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالْجَيْشِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ، فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَيُحَالِفُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ وَأَعَزُّ. فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: يَعْنِي بِالْكَثْرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ وَالْعَهْدِ.

﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

وَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ [[في ت، ف، أ: "به تعالى".]] وَهُوَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾

وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا [وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٤] [[زيادة من ف، أ.]] وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] أَيْ: لَا تَتْرُكُوهَا بِلَا تَكْفِيرٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي" لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا بَيْنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ، الْمُرَادَ بِهَا الدَّاخِلَةُ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لَا الْأَيْمَانَ الَّتِي هِيَ وَارِدَةٌ عَلَى حَثّ أَوْ مَنْعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يَعْنِي: الحِلْف، أَيْ: حلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ-حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا -هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ-عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْر بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً".

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، بِهِ [[المسند (٤/ ٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) .]] .

وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الحلْف الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ، فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ كِفَايَةً عَمَّا كَانُوا فِيهِ.

وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا [[صحيح البخاري برقم (٢٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٥٢٩) .]] -فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ آخَى بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مَزِيدة [[في ف: "بريدة".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هَذِهِ البيعة التي بايعتم عَلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الْبَيْعَةَ، لَا يَحْمِلَنَّكُمْ قِلَّةُ مُحَمَّدٍ [وَأَصْحَابِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَكَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرية، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إن الْغَادِرَ يُنصب لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ [[في ت، ف: "يقال".]] هَذِهِ غَدْرة فُلَانٍ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الغَدْر -إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ-أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يُسْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ صَيْلم بَيْنِي وَبَيْنَهُ" [[المسند (٢/ ٤٨) .]] .

الْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرَطَ لِأَخِيهِ شَرْطًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ كَالْمُدْلِي جَارَهُ إِلَى غَيْرِ مَنْعَة" [[المسند (٥/ ٤٠٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ امْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَانَتْ بِمَكَّةَ، كُلَمَّا غَزَلَتْ شَيْئًا نَقَضَتْهُ بَعْدَ إِبْرَامِهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلٌ لِمَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ وَأَظْهَرُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ تَنْقُضُ غَزْلَهَا أَمْ لَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ: نَقَضَتْ غَزْلَهَا أَنْكَاثًا، أَيْ: أَنْقَاضًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ خَبَرٍ كَانَ، أَيْ: لَا تَكُونُوا أَنْكَاثًا، جَمْعُ نَكْثٍ مِنْ نَاكِثٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: خَدِيعَةً وَمَكْرًا، ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: يَحْلِفُونَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَكُمُ الْغَدْرُ بِهِمْ غَدَرتم. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِيُنَبِّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ إِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ الْغَدْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ مَعَ التَّمَكُّنِ وَالْقُدْرَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَدْ قَدَّمْنَا -وَلِلَّهِ الْحَمْدُ-فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" [[عند تفسير الآية: ٥٨.]] قِصَّةَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ أمَدٌ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِمْ فِي آخِرِ الْأَجَلِ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بِلَادِهِمْ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَشْعُرُونَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْسَة: اللَّهُ أَكْبَرُ يَا مُعَاوِيَةُ، وَفَاءً لَا غَدْرًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ أَجْلٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عُقدة حَتَّى يَنْقَضِيَ أمَدها". فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالْجَيْشِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ، فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَيُحَالِفُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ وَأَعَزُّ. فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: يَعْنِي بِالْكَثْرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ وَالْعَهْدِ.

﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير.

ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾

أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير.

ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾

أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير.

ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾

أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير.

ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾

أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا -وَهُوَ الْعَمَلُ الْمُتَابِعُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ [[في ت: "رسوله".]] مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوعٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -بِأَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا وَأَنْ يَجْزِيَهُ [[في ت: "يجزى".]] بِأَحْسَنِ مَا عَمِلَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ.

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِالْقَنَاعَةِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا [[في ت، ف: "هي".]] السَّعَادَةُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: لَا يَطِيبُ لِأَحَدٍ حَيَاةٌ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ وَالْعِبَادَةُ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: هِيَ [[في ت، ف: "هو".]] الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْشِرَاحُ بِهَا.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ تَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ

أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ورُزق كَفَافًا، وقَنَّعه اللَّهُ بِمَا آتَاهُ".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ بِهِ [[المسند (٢/ ١٦٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]]

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ [[في ت، ف، أ: "الحسبي".]] عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيد؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدي إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ [[في ت: "ومنع".]] به". وقال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٣٤٩) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمَّام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا [وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطِيهِ حَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا خَيْرًا". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٣/ ١٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٨) .]] .

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .

﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ.

وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .

﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ.

وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] .

﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ.

وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ضَعْفِ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ ثَبَاتِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَقَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ نَاسِخِهَا بِمَنْسُوخِهَا قَالُوا لِلرَّسُولِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٌ وَإِنَّمَا هُوَ الرَّبُّ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهَا وَأَثْبَتْنَا غَيْرَهَا.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٦] .

فَقَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أَيْ: جِبْرِيلُ، ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُصَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهُمْ، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلَهُ هَادِيًا [مُهْدِيًا] [[زيادة من ت.]] وَبِشَارَةٍ للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ضَعْفِ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ ثَبَاتِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَقَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ نَاسِخِهَا بِمَنْسُوخِهَا قَالُوا لِلرَّسُولِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٌ وَإِنَّمَا هُوَ الرَّبُّ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهَا وَأَثْبَتْنَا غَيْرَهَا.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٦] .

فَقَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أَيْ: جِبْرِيلُ، ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُصَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهُمْ، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلَهُ هَادِيًا [مُهْدِيًا] [[زيادة من ت.]] وَبِشَارَةٍ للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْبَهْتِ: أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا مِنَ الْقُرْآنِ بَشَرٌّ، وَيُشِيرُونَ إِلَى رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، غُلَامٍ لِبَعْضِ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ بَيَّاعًا يَبِيعُ عِنْدَ الصَّفَا، فَرُبَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيُكَلِّمُهُ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَذَاكَ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ بِقَدْرِ مَا يَرُد جَوَابَ الْخُطَّابِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي افْتِرَائِهِمْ ذَلِكَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ أَيْ: فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فِي فَصَاحته وَبَلَاغَتِهِ وَمَعَانِيهِ التَّامَّةِ الشَّامِلَةِ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ [[في ت: "هي من أكمل".]] مَعَانِي كُلِّ كِتَابٍ نَزَلَ عَلَى نَبِيٍّ أُرْسِلَ، كَيْفَ يَتَعَلَّمُ مِنْ رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ؟! لَا يَقُولُ هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكة [[في ت: "مسلة".]] مِنَ الْعَقْلِ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار فِي السِّيرَةِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي-كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِلَى مَبيعة غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ جَبْرٌ، عَبْدٍ لِبَعْضِ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ، [فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الْحَضْرَمِيِّ] [[زيادة من ت، ف، أ، وابن هشام.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٩٣) .]]

وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: وَعَنْ عِكْرِمة وَقَتَادَةَ: كَانَ اسْمُهُ يَعِيشَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ قَينًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمُهُ بَلْغَامَ، وَكَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرَوْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالُوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَلْغَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٤/ ١١٩) .]] .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: هُوَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَسَلْمَانُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت، ف: "عبد الله".]] بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ لَنَا غُلَامَانِ رُومِيَّانِ يَقْرَآنِ كِتَابًا لَهُمَا بِلِسَانِهِمَا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِهِمَا [[في أ: "عليهما".]] ، فَيَقُومُ فَيَسْمَعُ مِنْهُمَا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَافْتَرَى هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ!.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي [[في أ: "لا يهتدي".]] مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَغَافل عَمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ النَّاسِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُوجِعٌ فِي الْآخِرَةِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ لَيْسَ بِمُفْتَرٍ وَلَا كَذَّاب؛ لِأَنَّهُ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ شِرارُ الْخَلْقِ، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُلْحِدِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ. وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ [[في ت: "كان من".]] أَصْدَقَ النَّاسِ وَأَبَرَّهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا وَإِيمَانًا وَإِيقَانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي قَوْمِهِ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُدْعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ فِيمَا قال له: أو كُنْتُمْ [[في ف: "أفكنتم".]] تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هِرَقْلُ فَمَا كَانَ ليَدع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي [[في أ: "لا يهتدي".]] مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَغَافل عَمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ النَّاسِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُوجِعٌ فِي الْآخِرَةِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ لَيْسَ بِمُفْتَرٍ وَلَا كَذَّاب؛ لِأَنَّهُ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ شِرارُ الْخَلْقِ، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُلْحِدِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ. وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ [[في ت: "كان من".]] أَصْدَقَ النَّاسِ وَأَبَرَّهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا وَإِيمَانًا وَإِيقَانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي قَوْمِهِ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُدْعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ فِيمَا قال له: أو كُنْتُمْ [[في ف: "أفكنتم".]] تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هِرَقْلُ فَمَا كَانَ ليَدع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.

﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] .

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] .

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] .

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] .

وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.

﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] .

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] .

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] .

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] .

وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.

﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] .

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] .

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] .

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] .

وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.

﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] .

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] .

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] .

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] .

وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

هَؤُلَاءِ صِنْفٌ آخَرُ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهَانِينَ فِي قَوْمِهِمْ قَدْ وَاتُوهُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَمْكَنَهُمُ الْخَلَاصُ بِالْهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلَادَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ، وَانْتَظَمُوا فِي سِلْكِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاهَدُوا مَعَهُمُ الْكَافِرِينَ، وَصَبَرُوا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَهِيَ الْإِجَابَةُ إِلَى الْفِتْنَةِ لَغَفُورٌ لَهُمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ.

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ أَيْ: تُحَاجُّ ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاجُّ عَنْهَا لَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ وَلَا أَخٌ وَلَا زَوْجَةٌ ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْخَيْرِ وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَوَابِ الشَّرِّ [[في ت: "المسيء".]] وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

هَؤُلَاءِ صِنْفٌ آخَرُ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهَانِينَ فِي قَوْمِهِمْ قَدْ وَاتُوهُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَمْكَنَهُمُ الْخَلَاصُ بِالْهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلَادَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ، وَانْتَظَمُوا فِي سِلْكِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاهَدُوا مَعَهُمُ الْكَافِرِينَ، وَصَبَرُوا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَهِيَ الْإِجَابَةُ إِلَى الْفِتْنَةِ لَغَفُورٌ لَهُمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ.

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ أَيْ: تُحَاجُّ ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاجُّ عَنْهَا لَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ وَلَا أَخٌ وَلَا زَوْجَةٌ ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْخَيْرِ وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَوَابِ الشَّرِّ [[في ت: "المسيء".]] وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

هَذَا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً يُتخطَّف النَّاسُ مِنْ حَوْلِهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا آمِنٌ لَا يَخَافُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وَهَكَذَا [[في ف: "ولكن".]] قَالَ هَاهُنَا: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أَيْ: هنيئها سَهْلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أَيْ: جَحَدَتْ آلَاءَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَأَعْظَمُ ذَلِكَ بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨، ٢٩] . [[في ت: "فبئس" وهو خطأ.]] وَلِهَذَا بدَّلهم اللَّهُ بِحَالَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ خِلَافَهُمَا، فَقَالَ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أَيْ: أَلْبَسَهَا وَأَذَاقَهَا [[في ت: "فأذاقها".]] الْجُوعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُجبى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ [[في ت، ف، أ: "سنة جائحة".]] أَذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ، فَأَكَلُوا العِلْهِز -وَهُوَ: وَبَرُ الْبَعِيرِ، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إِذَا نَحَرُوهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [[في ت، ف: "أنهم".]] بُدِّلوا بِأَمْنِهِمْ خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْ سَطْوَةِ سَرَايَاهُ وجُيوشه، وَجَعَلُوا كُلَّ مَا لَهُمْ فِي سَفَال وَدَمَارٍ، حَتَّى فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ [[في ت، ف: "على رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولا [يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ﴾ [الطَّلَاقِ: ١٠، ١١] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ [[في ف: "وقال".]] : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ [[في ت، ف، أ: "وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشكروا لي".]] : ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥١، ١٥٢] .

وَكَمًّا أَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْكَافِرِينَ حَالُهُمْ، فَخَافُوا بَعْدَ الْأَمْنِ، وَجَاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ، بَدَّل [[في ف: "فبدل".]] اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، وَرَزَقَهُمْ بَعْدَ العَيْلَة، وَجَعَلَهُمْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَحُكَّامَهُمْ، وَسَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ [[في ت، ف: "وقادتهم وسادتهم".]] وَأَئِمَّتَهُمْ.

وَهَذَا [[في أ: "وهكذا"]] الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ مَضْرُوبٌ لِمَكَّةَ، قَالَهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَرْقي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ مشْرَح بْنَ هَاعَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ [[في ت: "عمير".]] يَقُولُ: صَدَرْنَا مِنَ الْحَجِّ مَعَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فَكَانَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ: مَا فَعَلَ؟ حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلُهُمَا، فَقَالَا قُتِلَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَدِينَةُ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٥) .]] .

هَذَا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً يُتخطَّف النَّاسُ مِنْ حَوْلِهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا آمِنٌ لَا يَخَافُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وَهَكَذَا [[في ف: "ولكن".]] قَالَ هَاهُنَا: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أَيْ: هنيئها سَهْلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أَيْ: جَحَدَتْ آلَاءَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَأَعْظَمُ ذَلِكَ بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨، ٢٩] . [[في ت: "فبئس" وهو خطأ.]] وَلِهَذَا بدَّلهم اللَّهُ بِحَالَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ خِلَافَهُمَا، فَقَالَ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أَيْ: أَلْبَسَهَا وَأَذَاقَهَا [[في ت: "فأذاقها".]] الْجُوعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُجبى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ [[في ت، ف، أ: "سنة جائحة".]] أَذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ، فَأَكَلُوا العِلْهِز -وَهُوَ: وَبَرُ الْبَعِيرِ، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إِذَا نَحَرُوهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [[في ت، ف: "أنهم".]] بُدِّلوا بِأَمْنِهِمْ خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْ سَطْوَةِ سَرَايَاهُ وجُيوشه، وَجَعَلُوا كُلَّ مَا لَهُمْ فِي سَفَال وَدَمَارٍ، حَتَّى فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ [[في ت، ف: "على رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولا [يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ﴾ [الطَّلَاقِ: ١٠، ١١] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ [[في ف: "وقال".]] : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ [[في ت، ف، أ: "وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشكروا لي".]] : ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥١، ١٥٢] .

وَكَمًّا أَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْكَافِرِينَ حَالُهُمْ، فَخَافُوا بَعْدَ الْأَمْنِ، وَجَاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ، بَدَّل [[في ف: "فبدل".]] اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، وَرَزَقَهُمْ بَعْدَ العَيْلَة، وَجَعَلَهُمْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَحُكَّامَهُمْ، وَسَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ [[في ت، ف: "وقادتهم وسادتهم".]] وَأَئِمَّتَهُمْ.

وَهَذَا [[في أ: "وهكذا"]] الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ مَضْرُوبٌ لِمَكَّةَ، قَالَهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَرْقي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ مشْرَح بْنَ هَاعَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ [[في ت: "عمير".]] يَقُولُ: صَدَرْنَا مِنَ الْحَجِّ مَعَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فَكَانَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ: مَا فَعَلَ؟ حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلُهُمَا، فَقَالَا قُتِلَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَدِينَةُ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٥) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير.

﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] .

ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه.

وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير.

﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] .

ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه.

وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير.

﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] .

ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه.

وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير.

﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] .

ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه.

وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمَيْتَةَ [[في ت: "المدينة".]] وَالدَّمَ ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وَأَنَّهُ [[في ف: "وإنما".]] أَرْخَصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ -وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ بِهَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْعُسْرَ -ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا كَانَ حَرَّمه عَلَى الْيَهُودِ فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْسَخَهَا، وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَالْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا [أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "إلى قوله: وإنا لصادقون".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٠] .

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تَكَرُّمًا وَامْتِنَانًا فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ.

﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أَيْ: أَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْبَلُوا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَالذَّلَّةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمَيْتَةَ [[في ت: "المدينة".]] وَالدَّمَ ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وَأَنَّهُ [[في ف: "وإنما".]] أَرْخَصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ -وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ بِهَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْعُسْرَ -ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا كَانَ حَرَّمه عَلَى الْيَهُودِ فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْسَخَهَا، وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَالْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا [أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "إلى قوله: وإنا لصادقون".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٠] .

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تَكَرُّمًا وَامْتِنَانًا فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ.

﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أَيْ: أَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْبَلُوا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَالذَّلَّةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

يَمْدَحُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فَأَمَّا "الْأُمَّةُ"، فهو الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ. وَالْقَانِتُ: هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ. وَالْحَنِيفُ: الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، [عَنِ الْحَكَمِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي العُبَيدين؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رقَّ لَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ [[في ف، أ: "أمة".]] فَقَالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فروَة بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ [وَرَسُولُهُ] [[زيادة من أ.]] أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [النَّاسَ] [[زياد من ف، أ.]] الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ. وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٨، ١٢٩) .]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةً﴾ أَيْ: أُمَّةً وَحْدَهُ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً، أَيْ: مُؤْمِنًا وَحْدَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِمَامَ هُدى، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ أَيْ: قَائِمًا بِشُكْرِ [[في ت: "يشكر".]] نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١] .

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أَيْ: وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ، أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَمَا قَالَ: فِي "الْأَنْعَامِ": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com