John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Al-Israa

Tafsir Ibn Kathir · The Night Journey · 111 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ ينهى [تعالى] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ، كَمَا أَوْصَى بِالْأَوْلَادِ فِي الْمِيرَاثِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ، بَلْ كَانَ أَحَدُهُمْ رُبَّمَا قَتَلَ ابْنَتَهُ لِئَلَّا تَكْثُرَ عَيْلَتُهُ، فَنَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ: خَوْفَ أَنْ تَفْتَقِرُوا فِي ثَانِي الْحَالِ؛ وَلِهَذَا قَدَّمَ الِاهْتِمَامَ بِرِزْقِهِمْ فَقَالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وَفِي الْأَنْعَامِ [[في ت، ف، أ: "وقال في سورة الأنعام".]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ: مِنْ فَقْرٍ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [[في ت: "نرزقهم وإياكم" وهو خطأ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أَيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا.

وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "كَانَ خَطَأً كَبِيرًا" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ:ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ [[في ف: "خليلة"، وفي أ: "حليلة".]] جَارِكَ" [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ عَنِ الزِّنَا وَعَنْ مُقَارَبَتِهِ، وَهُوَ مُخَالَطَةُ أَسْبَابِهِ [[في ت: "أشباهه".]] وَدَوَاعِيهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ أَيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَبِئْسَ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ [[في ت: "أتى إلى النبي".]] ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مًهْ مَهْ. فَقَالَ: "ادْنُهْ". فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا [[في ف: "قريبا منه".]] فَقَالَ [[في ت: "فقال له".]] اجْلِسْ". فَجَلَسَ، قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ"؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ"، قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ"؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ"، قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ"؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ" قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ"؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ" قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ [[في ف: "وأحصن"]] فَرْجَهُ" قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ [[المسند (٥/٣٥٦) .]] .

وَقَالَ [[في ف، أ: "قال".]] ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بَقيَّةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ الْهَيْثَمِ بن مالك الطائي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشرك أعظم عند الله من نطفة وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ" [[الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) وفيه ثلاث علل: الأولى: تدليس بقية. الثانية: ابن أبي مريم ضعيف. الثالثة: الإرسال. أ. هـ مستفادا من حاشية الأستاذ محمد الحمود، وسيأتي الحديث عند تفسير الآية: ٦٨ من سورة الفرقان.]] .

يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

وَفِي السُّنَنِ: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ [[في أ: "المسلم".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ أَيْ: سُلْطَةً عَلَى الْقَاتِلِ، فَإِنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قَودًا، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ مَجَّانًا، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ. وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْحَبْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وِلَايَةَ مُعَاوِيَةَ السَّلْطَنَةَ، وَأَنَّهُ سَيَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَلِيَّ عُثْمَانَ، وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ مَظْلُومًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُطَالِبُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنْ يُسْلِمَهُ قَتَلَتَهُ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أُمَوِيٌّ، وَكَانَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَسْتَمْهِلُهُ فِي الْأَمْرِ [[في ت: "الأمور".]] حَتَّى يَتَمَكَّنَ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ، وَيَطْلُبَ عَلِيٌّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُسْلِمَهُ الشَّامَ فَيَأْبَى [[في ف: "فأبى".]] مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ حَتَّى يُسْلِمَهُ الْقَتَلَةَ، وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَ عَلِيًّا هُوَ وَأَهْلُ الشَّامِ، ثُمَّ مَعَ الْمُطَاوَلَةِ تَمَكَّنَ مُعَاوِيَةُ وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ كَمَا تَفَاءَلَ [[في ت، ف، أ: "قال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ وَاسْتَنْبَطَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهَذَا مِنَ الْأَمْرِ الْعَجَبِ وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنِ زَهْدَم الجَرْمي قَالَ: كُنَّا فِي سَمَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَيْسَ بِسِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ؛ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا كَانَ -يَعْنِي عُثْمَانَ -قُلْتُ لِعَلِيٍّ: اعْتَزِلْ فَلَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ طُلِبْتَ حَتَّى تُسْتَخْرَجَ، فَعَصَانِي، وَايْمُ اللَّهِ لَيَتَأَمَّرَنَّ عَلَيْكُمْ مُعَاوِيَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الْآيَةَ [[في ت، ف، أ: (إنه كان منصورا) "]] وَلَيَحْمِلَنَّكُمْ [[في ت: "يتحملنكم".]] قُرَيْشٌ عَلَى سُنَّةِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَلَيُقِيمَنَّ عَلَيْكُمُ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ وَالْمَجُوسَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَا يُعْرَف نَجَا، وَمَنْ تَرَكَ وَأَنْتُمْ تَارِكُونَ، كُنْتُمْ كَقَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ، هَلَكَ فِيمَنْ هَلَكَ [[المعجم الكبير (١٠/٣٢٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٣٥) : "وفيه من لم أعرفهم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ: فَلَا يُسْرِفِ الْوَلِيُّ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ بِأَنْ يُمَثِّلَ بِهِ أو يقتص من غير القاتل.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ أَيْ أَنَّ الْوَلِيَّ مَنْصُورٌ عَلَى الْقَاتِلِ شَرْعًا، وَغَالِبًا قَدَرًا.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أَيْ: لَا تَتَصَرَّفُوا لَهُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢] وَ ﴿لَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: ٦] .

وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي: لَا تَأَمَّرَن عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ [[في ت: "بخيل".]] " [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أَيِ الَّذِي تُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَالْعُقُودَ الَّتِي تُعَامِلُونَهُمْ بِهَا، فَإِنَّ الْعَهْدَ وَالْعَقْدَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْأَلُ صَاحِبُهُ عَنْهُ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ أَيْ: عَنْهُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَطْفِيفٍ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، كَالْقِرْطَاسِ وَهُوَ الْمِيزَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أَيْ: الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ وَلَا اضْطِرَابَ.

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أَيْ: لَكُمْ فِي مَعَاشِكُمْ وَمَعَادِكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أَيْ: مَآلًا وَمُنْقَلَبًا فِي آخِرَتِكُمْ.

قَالَ: سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أَيْ: خَيْرٌ ثَوَابًا وَعَاقِبَةً. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي، إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ: هَذَا الْمِكْيَالَ، وَهَذَا الْمِيزَانَ. قَالَ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلَى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ، لَيْسَ بِهِ إِلَّا مَخَافَةُ اللَّهِ، إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ" [[وقد جاء في مسند أحمد (٥/٧٨) عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بيده وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ".]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أَيْ: لَا تَتَصَرَّفُوا لَهُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢] وَ ﴿لَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: ٦] .

وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي: لَا تَأَمَّرَن عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ [[في ت: "بخيل".]] " [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أَيِ الَّذِي تُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَالْعُقُودَ الَّتِي تُعَامِلُونَهُمْ بِهَا، فَإِنَّ الْعَهْدَ وَالْعَقْدَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْأَلُ صَاحِبُهُ عَنْهُ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ أَيْ: عَنْهُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَطْفِيفٍ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، كَالْقِرْطَاسِ وَهُوَ الْمِيزَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أَيْ: الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ وَلَا اضْطِرَابَ.

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أَيْ: لَكُمْ فِي مَعَاشِكُمْ وَمَعَادِكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أَيْ: مَآلًا وَمُنْقَلَبًا فِي آخِرَتِكُمْ.

قَالَ: سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أَيْ: خَيْرٌ ثَوَابًا وَعَاقِبَةً. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي، إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ: هَذَا الْمِكْيَالَ، وَهَذَا الْمِيزَانَ. قَالَ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلَى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ، لَيْسَ بِهِ إِلَّا مَخَافَةُ اللَّهِ، إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ" [[وقد جاء في مسند أحمد (٥/٧٨) عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بيده وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ".]] .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَقُولُ: لَا تَقُلْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: لَا تَرْم أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بن الحَنفية: يَعْنِي شَهَادَةَ الزُّورِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقُلْ: رَأَيْتُ، وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ، وَلَمْ تُسْمِعْ، وَعَلِمْتُ، وَلَمْ تَعْلَمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ، بَلْ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ التَّوَهُّمُ وَالْخَيَالُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٢] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أكذبُ الْحَدِيثِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٠٦٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: "بِئْسَ مطيةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا" [[برقم (٤٩٧٢) .]] ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنَّ أَفَرَى الفِرَى أَنْ يُرِي [[في ف، أ: "يرى الرجل".]] عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٠٤٣) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.]] . وَفِي الصَّحِيحِ: "مَنْ تَحَلَّمَ حُلْمًا كُلف يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعيرتين، وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ [[في ف: "بفاعل".]] [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٠٤٢) معلقا، ووصله النسائي في السنن (٨/٢١٥) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أَيْ: هَذِهِ الصِّفَاتُ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ أَيْ: سَيُسْأَلُ الْعَبْدُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وتُسأل [[في ت: "ويسأل".]] عَنْهُ وَعَمَّا عَمِلَ فِيهَا. وَيَصِحُّ اسْتِعْمَالُ "أُولَئِكَ" مَكَانَ "تِلْكَ"، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو جرير بن عطية، والبيت في تفسير الطبري (١٥/٦٢) .]] .

ذُمَّ المَنَازلَ بَعْدَ مَنزلة اللِّوَى ... وَالْعَيْش بَعْدَ أولئِكَ الْأَيَّامِ ...

يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ، عَنِ التَّجَبّر وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا﴾ أَيْ: مُتَبَخْتِرًا مُتَمَايِلًا مَشْيَ الجَبَّارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ أَيْ: لَنْ تَقْطَعَ الْأَرْضَ بِمِشْيَتِكَ [[في ت، ف: "بمشيك".]] قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ رُؤبة بْنِ العَجَّاج:

وقَاتِم الأعْمَاق خَاوي المُخترقْ [[تفسير الطبري (١٥/٦٣) .]]

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ أَيْ: بِتَمَايُلِكَ وَفَخْرِكَ وَإِعْجَابِكَ بنفسك، بل قد يُجَازَى فَاعِلُ ذَلِكَ بِنَقِيضِ [[في ت: "ببعض".]] قَصْدِهِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَعَلَيْهِ بُرْدَان يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا، إِذْ خُسِف بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ [[في ت: "يتخلل".]] فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [[صحيح البخاري برقم (٥٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .

وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَخْبَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ف.]] عَنْ قَارُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَمَنِ اسْتَكْبَرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ حَقِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْكَلْبِ أَوِ الْخِنْزِيرِ" [[رواه أبو نعيم في الحلية (٧/١٢٩) والخطيب في تاريخ بغداد (٢/١١٠) من طريق سعيد بن سلام، عن الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم بن عابس، عن ربيعة، عن عمر بن الخطاب بنحوه وقال: "غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن سلام، وهو كذاب".]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ": حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ، بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ الْحَسَنِ، إِذْ مَر عَلَيْهِ ابْنُ الْأَهْتَمِ [[في هـ، ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا.]] -يُرِيدُ الْمَنْصُورَ -وَعَلَيْهِ جبَابُ خَزّ قَدْ نُضّد [[في ت، ف: "فضل".]] بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى سَاقِهِ، وَانْفَرَجَ عَنْهَا قَبَاؤُهُ، وَهُوَ يَمْشِي وَيَتَبَخْتَرُ، إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ نَظْرَةً فَقَالَ: أُفٍّ أُفٍّ، شَامِخٌ بِأَنْفِهِ، ثَانٍ عِطْفَهُ، مُصَعِّرٌ خَدَّهُ، يَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ، أَيُّ حُمَيْق يَنْظُرُ فِي عِطْفِهِ فِي نِعَم غَيْرِ مَشْكُورَةٍ وَلَا مَذْكُورَةٍ، غَيْرِ الْمَأْخُوذِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا، وَلَا الْمُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا! وَاللَّهِ إِنْ يَمْشِي أَحَدُهُمْ طَبِيعَتَهُ يَتَلَجْلَجُ تَلَجْلُجَ الْمَجْنُونِ، فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ نِعْمَةٌ، وَلِلشَّيْطَانِ بِهِ لَعْنَةٌ، فَسَمِعَهُ ابْنُ الْأَهْتَمِ [[في هـ ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع.]] فَرَجَعَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تَعْتَذِرْ إِلَيَّ، وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [[الخمول والتواضع برقم (٢٣٧) .]] .

وَرَأَى الْبَخْتَرِيُّ العابدُ رَجُلًا مِنْ آلِ عَلِيٍّ يَمْشِي وَهُوَ يخطِر فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّ الَّذِي أَكْرَمَكَ بِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِشْيَتَهُ! قَالَ: فَتَرَكَهَا الرَّجُلُ بَعْدُ.

وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَخْطِرُ فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِلشَّيَاطِينِ إِخْوَانًا.

وَقَالَ: خَالِدُ بْنُ مَعْدان: إِيَّاكُمْ والخَطْر، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَدُه مِنْ سَائِرِ [[في ت، ف، أ: "من دون سائر".]] جَسَدِهِ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ: ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ [[في ف: "بن".]] يَحْيَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ يُحَنَّس قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [[الخمول والتواضع برقم (٢٤٩) وهو مرسل، وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٦١) من طريق زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار عنه، ولفظ آخره "سلط الله شرارها على خيارها" وقال الترمذي: "هذا حديث غريب"]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أُمَّا مَنْ قَرَأَ "سَيِّئَةٌ" أَيْ: فَاحِشَةٌ. فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ: كُلُّ هَذَا الَّذِي نَهَيْنَا عَنْهُ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ إِلَى هَاهُنَا، فَهُوَ سَيِّئَةٌ مُؤَاخَذٌ عَلَيْهَا ﴿مَكْرُوهًا﴾ عِنْدَ اللَّهِ، لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ.

وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ﴿سَيِّئُهُ﴾ عَلَى الْإِضَافَةِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ: كُلُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ إِلَى هَاهُنَا فَسَيِّئُهُ، أَيْ: فَقَبِيحُهُ مَكْرُوهٌ [[في ت، ف، أ: "قبيحه مكروها".]] عِنْدَ اللَّهِ، هَكَذَا وجَّه ذَلِكَ ابن جرير، رحمه الله [[تفسير الطبري (١٥/٦٣) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ، عَنِ التَّجَبّر وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا﴾ أَيْ: مُتَبَخْتِرًا مُتَمَايِلًا مَشْيَ الجَبَّارين ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ أَيْ: لَنْ تَقْطَعَ الْأَرْضَ بِمِشْيَتِكَ [[في ت، ف: "بمشيك".]] قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ رُؤبة بْنِ العَجَّاج:

وقَاتِم الأعْمَاق خَاوي المُخترقْ [[تفسير الطبري (١٥/٦٣) .]]

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ أَيْ: بِتَمَايُلِكَ وَفَخْرِكَ وَإِعْجَابِكَ بنفسك، بل قد يُجَازَى فَاعِلُ ذَلِكَ بِنَقِيضِ [[في ت: "ببعض".]] قَصْدِهِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَعَلَيْهِ بُرْدَان يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا، إِذْ خُسِف بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ [[في ت: "يتخلل".]] فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [[صحيح البخاري برقم (٥٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .

وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَخْبَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ف.]] عَنْ قَارُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَمَنِ اسْتَكْبَرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ حَقِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْكَلْبِ أَوِ الْخِنْزِيرِ" [[رواه أبو نعيم في الحلية (٧/١٢٩) والخطيب في تاريخ بغداد (٢/١١٠) من طريق سعيد بن سلام، عن الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم بن عابس، عن ربيعة، عن عمر بن الخطاب بنحوه وقال: "غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن سلام، وهو كذاب".]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ": حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ، بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ الْحَسَنِ، إِذْ مَر عَلَيْهِ ابْنُ الْأَهْتَمِ [[في هـ، ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا.]] -يُرِيدُ الْمَنْصُورَ -وَعَلَيْهِ جبَابُ خَزّ قَدْ نُضّد [[في ت، ف: "فضل".]] بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى سَاقِهِ، وَانْفَرَجَ عَنْهَا قَبَاؤُهُ، وَهُوَ يَمْشِي وَيَتَبَخْتَرُ، إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ نَظْرَةً فَقَالَ: أُفٍّ أُفٍّ، شَامِخٌ بِأَنْفِهِ، ثَانٍ عِطْفَهُ، مُصَعِّرٌ خَدَّهُ، يَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ، أَيُّ حُمَيْق يَنْظُرُ فِي عِطْفِهِ فِي نِعَم غَيْرِ مَشْكُورَةٍ وَلَا مَذْكُورَةٍ، غَيْرِ الْمَأْخُوذِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا، وَلَا الْمُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا! وَاللَّهِ إِنْ يَمْشِي أَحَدُهُمْ طَبِيعَتَهُ يَتَلَجْلَجُ تَلَجْلُجَ الْمَجْنُونِ، فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ نِعْمَةٌ، وَلِلشَّيْطَانِ بِهِ لَعْنَةٌ، فَسَمِعَهُ ابْنُ الْأَهْتَمِ [[في هـ ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع.]] فَرَجَعَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تَعْتَذِرْ إِلَيَّ، وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [[الخمول والتواضع برقم (٢٣٧) .]] .

وَرَأَى الْبَخْتَرِيُّ العابدُ رَجُلًا مِنْ آلِ عَلِيٍّ يَمْشِي وَهُوَ يخطِر فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّ الَّذِي أَكْرَمَكَ بِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِشْيَتَهُ! قَالَ: فَتَرَكَهَا الرَّجُلُ بَعْدُ.

وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَخْطِرُ فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِلشَّيَاطِينِ إِخْوَانًا.

وَقَالَ: خَالِدُ بْنُ مَعْدان: إِيَّاكُمْ والخَطْر، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَدُه مِنْ سَائِرِ [[في ت، ف، أ: "من دون سائر".]] جَسَدِهِ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ: ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ [[في ف: "بن".]] يَحْيَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ يُحَنَّس قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [[الخمول والتواضع برقم (٢٤٩) وهو مرسل، وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٦١) من طريق زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار عنه، ولفظ آخره "سلط الله شرارها على خيارها" وقال الترمذي: "هذا حديث غريب"]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أُمَّا مَنْ قَرَأَ "سَيِّئَةٌ" أَيْ: فَاحِشَةٌ. فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ: كُلُّ هَذَا الَّذِي نَهَيْنَا عَنْهُ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ إِلَى هَاهُنَا، فَهُوَ سَيِّئَةٌ مُؤَاخَذٌ عَلَيْهَا ﴿مَكْرُوهًا﴾ عِنْدَ اللَّهِ، لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ.

وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ﴿سَيِّئُهُ﴾ عَلَى الْإِضَافَةِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ: كُلُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ إِلَى هَاهُنَا فَسَيِّئُهُ، أَيْ: فَقَبِيحُهُ مَكْرُوهٌ [[في ت، ف، أ: "قبيحه مكروها".]] عِنْدَ اللَّهِ، هَكَذَا وجَّه ذَلِكَ ابن جرير، رحمه الله [[تفسير الطبري (١٥/٦٣) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَنَهَيْنَاكَ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ، مِمَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتَأْمُرَ بِهِ النَّاسَ.

﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أَيْ: تَلُومُكَ نَفْسُكَ [وَيَلُومُكَ اللَّهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَالْخَلْقُ. ﴿مَدْحُورًا﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَطْرُودًا.

وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ الْأُمَّةُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ.

يَقُولُ تَعَالَى رَادًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْكَاذِبِينَ [[في ف: "المكذبين".]] الزَّاعِمِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ -أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بناتُ اللَّهِ، فَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ فَأَخْطَئُوا فِي كُلٍّ مِنَ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ [[في ت، ف: "الثلاث المقامات".]] خَطَأً عَظِيمًا، قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أَيْ: خَصَّصَكُمْ بِالذُّكُورِ ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ أَيْ: اخْتَارَ لِنَفْسِهِ عَلَى زَعْمِكُمُ الْبَنَاتِ؟ ثُمَّ شَدَّدَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: فِي زَعْمِكُمْ لِلَّهِ وَلَدًا، ثُمَّ جعْلكم وَلَدَهُ الْإِنَاثَ الَّتِي تَأْنَفُونَ [[في ت: "تألفون".]] أَنْ يَكُنّ لَكُمْ، وَرُبَّمَا قتلتموهُن بِالْوَأْدِ، فَتِلْكَ إِذًا قسْمة ضِيزَى. وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٨ -٩٥] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا [[في ت، ف، أ: "صرفنا للناس" وهو خطأ.]] فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [[في ت، ف: "القرآن من كل مثل" وهو خطأ.]] ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالْمَوَاعِظِ، فَيَنْزَجِرُوا [[في ف: "فينزجزن".]] عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْإِفْكِ، ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ أَيْ: الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ ﴿إِلا نُفُورًا﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، وَبُعْدًا مِنْهُ.

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ، الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، وَأَنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إِلَيْهِ وَتُشَفَّعَ لَدَيْهِ -لَكَانَ أُولَئِكَ الْمَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ وَيَبْتَغُونَ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَالْقُرْبَةَ، فَاعْبُدُوهُ أَنْتُمْ وَحْدَهُ كَمَا يَعْبُدُهُ مَنْ تَدْعُونَهُ مِنْ دُونِهِ، وَلَا حَاجَةَ لَكُمْ إِلَى مَعْبُودٍ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَاهُ، بَلْ يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ. وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ وَقَدَّسَهَا فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْتَدُونَ الظَّالِمُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أَيْ: تَعَالِيًا كَبِيرًا، بَلْ هُوَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ، الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، وَأَنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إِلَيْهِ وَتُشَفَّعَ لَدَيْهِ -لَكَانَ أُولَئِكَ الْمَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ وَيَبْتَغُونَ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَالْقُرْبَةَ، فَاعْبُدُوهُ أَنْتُمْ وَحْدَهُ كَمَا يَعْبُدُهُ مَنْ تَدْعُونَهُ مِنْ دُونِهِ، وَلَا حَاجَةَ لَكُمْ إِلَى مَعْبُودٍ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَاهُ، بَلْ يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ. وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ وَقَدَّسَهَا فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْتَدُونَ الظَّالِمُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أَيْ: تَعَالِيًا كَبِيرًا، بَلْ هُوَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.

يَقُولُ تَعَالَى: تُقَدِّسُهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَيْ: مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَتُنَزِّهُهُ وَتُعَظِّمُهُ وتجِّلّه وَتَكَبِّرُهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، وَتَشْهَدُ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ:

فَفي كُلّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلى أنَّه وَاحِدٌ ...

كَمَا قَالَ: تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [[في ت، ف: "ينفطرن" وهو خطأ.]] مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * [وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠ -٩٢] .

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حدثنا مسكين [[في ت: "أن".]] ابن مَيْمُونٍ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الرَّمْلَةِ، حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، كَانَ [[في ت، ف، أ: "الأقصى، فلما رجع كان".]] بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، فَطَارَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ [[في ت: "السبع السموات".]] ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: سَمِعْتُ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ: سَبَّحَتِ السَّمَاوَاتُ الْعُلَى مِنْ ذِي الْمَهَابَةِ مُشْفِقَاتٍ لِذِي الْعُلُوِّ بِمَا عَلَا سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى [[المعجم الأوسط برقم (٥٨) "مجمع البحرين" وقال " لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد". وذكر الذهبي هذا الحديث في الميزان (٤/١٠١) في ترجمة مسكين بن أبي ميمون وقال: "منكر".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ [[في ف: "بحمده".]] ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أَيْ: لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ أَيُّهَا النَّاسُ؛ لِأَنَّهَا بِخِلَافِ لُغَتِكُمْ. وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ [[في ت، ف: "الحيوان".]] وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ، وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤكل [[صحيح البخاري برقم (٣٥٧٩) .]] .

وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ [[في ت، ف، أ: "أن رسول الله ".]] ﷺ أَخَذَ فِي يَدِهِ حَصَيَاتٍ، فَسُمِعَ لَهُنَّ تَسْبِيحٌ كَحَنِينِ النَّحْلِ، وَكَذَا يَدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [أَجْمَعِينَ] [[زيادة من ف.]] ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي الْمَسَانِيدِ [[رواه أحمد في المسند (٤/٤١٥) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، حَدَّثَنَا زَبَّان، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَرّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابٍّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ، فَقَالَ لَهُمْ: "ارْكَبُوهَا سَالِمَةً، وَدَعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا، وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ" [[المسند (٣/٤٣٩) .]] .

وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ، وَقَالَ: "نَقِيقُهَا تَسْبِيحٌ" [[سنن النسائي (٧/٢١٠) من حديث عبد الرحمن بن عثمان، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابِي [[في ت: "باني"، وفي ف: "أبي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فَهِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا حَتَّى يَقُولَهَا. وَإِذَا قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" فَهِيَ كَلِمَةُ الشُّكْرِ الَّتِي لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ حَتَّى يَقُولَهَا، وَإِذَا قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ" فَهِيَ تَمْلَأُ [[في ت: "الله أكبر ملأ".]] مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ"، فَهِيَ صَلَاةُ الخلائق التي لم يَدْع الله أحدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا قَرّره بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ. وَإِذَا قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [[في أ: "بالله العلي العظيم".]] "، قَالَ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ الصَّقْعَبَ بْنَ زُهير [يُحَدِّثُ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم أعرابيّ عليه جبة مِنْ طَيَالِسَةٍ مَكْفُوفَةٌ [[في ت، ف: "ملفوفة".]] بِدِيبَاجٍ -أَوْ: مُزَوَّرَةٌ بِدِيبَاجٍ -فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ كُلَّ رَاعٍ ابْنِ رَاعٍ، وَيَضَعَ كُلَّ رَأْسٍ ابْنِ رَأْسٍ. فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مُغْضَبًا، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ فَاجْتَذَبَهُ، فَقَالَ: "لَا أَرَى عَلَيْكَ ثِيَابَ مَنْ لَا يَعْقِلُ". ثُمَّ رَجَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ فَقَالَ: "إِنَّ نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، دَعَا ابْنَيْهِ [[في ت: "بنيه".]] فَقَالَ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكُمَا الْوَصِيَّةَ: آمُرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكُمَا عَنِ اثْنَتَيْنِ: أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْكِبْرِ، وَآمُرُكُمَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، كَانَتْ أَرْجَحَ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ والأرضِ كَانَتَا [[في ت: "كانت".]] حَلْقَةً، فَوُضِعَتْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" عَلَيْهِمَا لَفَصَمَتْهُمَا أَوْ لَقَصَمَتْهُمَا. وَآمُرُكُمَا بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ" [[المسند (٢/٢٢٥) .]] .

وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، أَيْضًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الصَّقْعَب [[في ف: "الصعقب".]] بْنِ زُهَيْرٍ، بِهِ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا. تَفَرَّدَ بِهِ [[المسند (٢/١٦٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأوْدِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في ف: "عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوحٌ ابْنَهُ؟ إِنَّ نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، آمُرُكَ أَنْ تَقُولَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ"، فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْخَلْقِ وَتَسْبِيحُ الْخَلْقِ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [[تفسير الطبري (١٥/٦٥) .]] إِسْنَادُهُ فِيهِ ضَعْفٌ، فَإِنَّ الرَّبِذِيَّ [[في ت: "الزيدي"، وفي ف: "الأودي".]] ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قَالَ: الْأُسْطُوَانَةُ تُسَبِّحُ، وَالشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ [[في ت، ف: "والشجر يسبح".]] -الْأُسْطُوَانَةُ: السَّارِيَةُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ صَرِيرَ الْبَابِ تَسْبِيحُهُ، وَخَرِيرَ الْمَاءِ تَسْبِيحُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

وَقَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: الطَّعَامُ يُسَبِّحُ.

وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ آيَةُ السَّجْدَةِ أَوَّلَ [سُورَةِ] [[زيادة من ف.]] الْحَجِّ.

وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يُسَبِّحُ مَا كَانَ فِيهِ رُوحٌ. يَعْنُونَ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ نَبَاتٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ مِنْ شَجَرٍ [[في ف: "من شجرة".]] أَوْ شَيْءٍ فِيهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قَالَا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: كُنَّا مَعَ يَزِيدَ الرَّقاشي، وَمَعَهُ الْحَسَنُ فِي طَعَامٍ، فَقَدَّمُوا الْخِوَانَ، فَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، يُسَبِّحُ هَذَا الخِوَان؟ فَقَالَ: كَانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً [[تفسير الطبري (١٥/٦٥) .]] .

قُلْتُ: الخِوَان هُوَ الْمَائِدَةُ مِنَ الْخَشَبِ. فَكَأَنَّ الْحَسَنَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَيًّا فِيهِ خُضْرَةٌ، كَانَ يُسَبِّحُ، فَلَمَّا قُطِعَ وَصَارَ خَشَبَةً يَابِسَةً انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ. وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ [[في ت:"كثير".]] ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتر مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي [[في ت: "وأما الآخر فيمشي"، وفي أ: "وكان الآخر يمشي".]] بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٩٢) .]] .

قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا قَالَ: "مَا لَمْ يَيْبَسَا" لِأَنَّهُمَا يُسَبِّحَانِ مَا دَامَ فِيهِمَا خُضْرَةٌ، فَإِذَا يَبِسَا انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أَيْ: إِنَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] لَا يُعَاجِلُ مَنْ عَصَاهُ بِالْعُقُوبَةِ، بَلْ يُؤَجِّلُهُ وَيُنْظِرُهُ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنهما.]] [هود: ١٠٢] الآية، وقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٨] . وَمَنْ أَقْلَعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ عِصْيَانٍ، وَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ وَتَابَ إِلَيْهِ، تَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٠] .

وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ فَاطِرٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فَاطِرٍ: ٤١ -٤٥] .

يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَإِذَا قَرَأْتَ -يَا مُحَمَّدُ -عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ، جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا مَسْتُورًا.

قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الْأَكِنَّةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] أَيْ: مَانِعٌ حَائِلٌ [[في ف: "مانع وحائل".]] أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا مِمَّا تَقُولُ شَيْءٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أَيْ: بِمَعْنَى سَاتِرٍ، كَمَيْمُونٍ وَمَشْئُومٍ، بِمَعْنَى: يَامِنٍ وَشَائِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَمنهم وشَأمَهم.

وَقِيلَ: مَسْتُورًا عَنِ الْأَبْصَارِ فَلَا تَرَاهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهُدَى، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِهِ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْهَرَوِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ تَدْرُسَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ] [[زيادة من ت.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [[في ف، أ: "عنهما".]] ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتبٍٍَ﴾ [سُورَةُ الْمَسَدِ] جَاءَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا ولوَلة، وَفِي يَدِهَا فِهْر وَهِيَ تَقُولُ: مُدَمَّما أَتَيْنَا -أَوْ: أَبَيْنَا، قَالَ أَبُو مُوسَى: الشَّكُّ مِنِّي -وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا. وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ -أَوْ قَالَ: مَعَهُ -قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أَقْبَلَتْ هَذِهِ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي"، وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ مِنْهَا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ . قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ. قَالَ: فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ: لَقَدْ [[في ف: "قد".]] عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا [[مسند أبي يعلى (١/٥٣) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/١٦٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ : جَمْعُ "كِنَانٍ"، الَّذِي يَغْشَى الْقَلْبَ ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أَيْ: لِئَلَّا يَفْهَمُوا الْقُرْآنَ ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وَهُوَ الثقْل الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ سَمَاعًا يَنْفَعُهُمْ وَيَهْتَدُونَ بِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أَيْ: إِذَا وحَّدت اللَّهَ فِي تِلَاوَتِكَ، وَقُلْتَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ﴿وَلَّوْا﴾ أَيْ: أَدْبَرُوا رَاجِعِينَ ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ وَنُفُورٌ: جَمْعُ نَافِرٍ، كَقُعُودٍ جَمْعُ قَاعِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٥] .

قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، أَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وَضَاقَهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا ويُفْلجها وَيُظْهِرَهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ مَنْ خَاصَمَ بِهَا فَلَجَ، ومن قاتل بها نُصِرَ، إِنَّمَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي يَقْطَعُهَا الرَّاكِبُ فِي لَيَالٍ قَلَائِلَ، وَيَسِيرُ الدَّهْرَ فِي فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ، لَا يَعْرِفُونَهَا وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا.

قَوْلٌ آخَرُ فِي الْآيَةِ:

وَرَوَى [[في ت، ف: "قال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ [[في ت، ف، أ: "الذراع".]] ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ هُمُ الشَّيَاطِينُ.

هَذَا غَرِيبٌ جِدًّا فِي تَفْسِيرِهَا، وَإِلَّا فَالشَّيَاطِينُ [[في ف: "فالشيطان".]] إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، أَوْ نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَوْ ذُكِرَ اللَّهُ، انْصَرَفُوا [[في ف: "انصرف".]] .

يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَإِذَا قَرَأْتَ -يَا مُحَمَّدُ -عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ، جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا مَسْتُورًا.

قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الْأَكِنَّةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] أَيْ: مَانِعٌ حَائِلٌ [[في ف: "مانع وحائل".]] أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا مِمَّا تَقُولُ شَيْءٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أَيْ: بِمَعْنَى سَاتِرٍ، كَمَيْمُونٍ وَمَشْئُومٍ، بِمَعْنَى: يَامِنٍ وَشَائِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَمنهم وشَأمَهم.

وَقِيلَ: مَسْتُورًا عَنِ الْأَبْصَارِ فَلَا تَرَاهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهُدَى، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِهِ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْهَرَوِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ تَدْرُسَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ] [[زيادة من ت.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [[في ف، أ: "عنهما".]] ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتبٍٍَ﴾ [سُورَةُ الْمَسَدِ] جَاءَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا ولوَلة، وَفِي يَدِهَا فِهْر وَهِيَ تَقُولُ: مُدَمَّما أَتَيْنَا -أَوْ: أَبَيْنَا، قَالَ أَبُو مُوسَى: الشَّكُّ مِنِّي -وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا. وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ -أَوْ قَالَ: مَعَهُ -قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أَقْبَلَتْ هَذِهِ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي"، وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ مِنْهَا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ . قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ. قَالَ: فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ: لَقَدْ [[في ف: "قد".]] عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا [[مسند أبي يعلى (١/٥٣) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/١٦٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ : جَمْعُ "كِنَانٍ"، الَّذِي يَغْشَى الْقَلْبَ ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أَيْ: لِئَلَّا يَفْهَمُوا الْقُرْآنَ ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وَهُوَ الثقْل الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ سَمَاعًا يَنْفَعُهُمْ وَيَهْتَدُونَ بِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أَيْ: إِذَا وحَّدت اللَّهَ فِي تِلَاوَتِكَ، وَقُلْتَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ﴿وَلَّوْا﴾ أَيْ: أَدْبَرُوا رَاجِعِينَ ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ وَنُفُورٌ: جَمْعُ نَافِرٍ، كَقُعُودٍ جَمْعُ قَاعِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٥] .

قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، أَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وَضَاقَهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا ويُفْلجها وَيُظْهِرَهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ مَنْ خَاصَمَ بِهَا فَلَجَ، ومن قاتل بها نُصِرَ، إِنَّمَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي يَقْطَعُهَا الرَّاكِبُ فِي لَيَالٍ قَلَائِلَ، وَيَسِيرُ الدَّهْرَ فِي فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ، لَا يَعْرِفُونَهَا وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا.

قَوْلٌ آخَرُ فِي الْآيَةِ:

وَرَوَى [[في ت، ف: "قال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ [[في ت، ف، أ: "الذراع".]] ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ هُمُ الشَّيَاطِينُ.

هَذَا غَرِيبٌ جِدًّا فِي تَفْسِيرِهَا، وَإِلَّا فَالشَّيَاطِينُ [[في ف: "فالشيطان".]] إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، أَوْ نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَوْ ذُكِرَ اللَّهُ، انْصَرَفُوا [[في ف: "انصرف".]] .

يُخْبِرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ [وَسَلَامُهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَلَيْهِ -بِمَا تَنَاجَى بِهِ رُؤَسَاءُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، حِينَ جَاءُوا يَسْتَمِعُونَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرًّا مِنْ قَوْمِهِمْ، بِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ رَجُلٌ مَسْحُورٌ، مِنَ السِّحْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ مِنْ "السَّحْر"، وَهُوَ الرِّئَةُ، أَيْ: إِنْ تَتَّبِعُونَ -إِنِ اتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا - ﴿إِلا بَشَرًا﴾ يَأْكُلُ [وَيَشْرَبُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه (ص٥٧) .]] :

فَإن تَسألينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ... عصافيرُ مِنْ هَذا الأنَام المُسَحَّر ...

وَقَالَ الرَّاجِزُ [[هو امرؤ القيس، والرجز في اللسان مادة "سحر".]]

ونُسْحَر [[في ت: "تسحر"، وفي أ: "تسحرنا".]] بالطَّعام وَبِالشَّرَابِ

أَيْ: نُغذى: وَقَدْ صَوَّبَ هَذَا الْقَوْلَ ابنُ جَرِيرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا هَاهُنَا أَنَّهُ مَسْحُورٌ لَهُ رِئًى يَأْتِيهِ بِمَا اسْتَمَعُوهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَتْلُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "شَاعِرٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "كَاهِنٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "مَجْنُونٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "سَاحِرٌ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أَيْ: فَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَيْهِ مَخْلَصًا.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ [[في ت: "سلام".]] بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، أَنَّهُ حُدث أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيق بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيَّ، حَلِيفَ ابْنِ [[في أ: "بني".]] زُهْرَةَ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فأخذ كل واحد مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكلُّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا. حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ [[في ف، أ: "تفرقوا فجمعتهم".]] الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ [[في ت: "كل واحد".]] مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فجَمعهم [[في ت، ف، أ: "حتى إذا اجمعتهم".]] الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.

فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَريق أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ سمعتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُراد بِهَا، وسمعتُ أَشْيَاءَ مَا عرفتُ مَعْنَاهَا، وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا. قَالَ الْأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلفت بِهِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: مَاذَا سمعتُ؟! تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ: أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكب، وَكُنَّا كفَرَسي رِهان قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ؟ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ [[في ف: "بهذا".]] أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ [[السيرة النبوية لابن هشام (١/٣١٥) .]] .

يُخْبِرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ [وَسَلَامُهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَلَيْهِ -بِمَا تَنَاجَى بِهِ رُؤَسَاءُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، حِينَ جَاءُوا يَسْتَمِعُونَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرًّا مِنْ قَوْمِهِمْ، بِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ رَجُلٌ مَسْحُورٌ، مِنَ السِّحْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ مِنْ "السَّحْر"، وَهُوَ الرِّئَةُ، أَيْ: إِنْ تَتَّبِعُونَ -إِنِ اتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا - ﴿إِلا بَشَرًا﴾ يَأْكُلُ [وَيَشْرَبُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه (ص٥٧) .]] :

فَإن تَسألينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ... عصافيرُ مِنْ هَذا الأنَام المُسَحَّر ...

وَقَالَ الرَّاجِزُ [[هو امرؤ القيس، والرجز في اللسان مادة "سحر".]]

ونُسْحَر [[في ت: "تسحر"، وفي أ: "تسحرنا".]] بالطَّعام وَبِالشَّرَابِ

أَيْ: نُغذى: وَقَدْ صَوَّبَ هَذَا الْقَوْلَ ابنُ جَرِيرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا هَاهُنَا أَنَّهُ مَسْحُورٌ لَهُ رِئًى يَأْتِيهِ بِمَا اسْتَمَعُوهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَتْلُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "شَاعِرٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "كَاهِنٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "مَجْنُونٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "سَاحِرٌ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أَيْ: فَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَيْهِ مَخْلَصًا.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ [[في ت: "سلام".]] بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، أَنَّهُ حُدث أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيق بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيَّ، حَلِيفَ ابْنِ [[في أ: "بني".]] زُهْرَةَ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فأخذ كل واحد مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكلُّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا. حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ [[في ف، أ: "تفرقوا فجمعتهم".]] الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ [[في ت: "كل واحد".]] مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فجَمعهم [[في ت، ف، أ: "حتى إذا اجمعتهم".]] الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.

فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَريق أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ سمعتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُراد بِهَا، وسمعتُ أَشْيَاءَ مَا عرفتُ مَعْنَاهَا، وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا. قَالَ الْأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلفت بِهِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: مَاذَا سمعتُ؟! تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ: أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكب، وَكُنَّا كفَرَسي رِهان قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ؟ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ [[في ف: "بهذا".]] أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ [[السيرة النبوية لابن هشام (١/٣١٥) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِ، الْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أَيْ: تُرَابًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غُبَارًا.

﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ. كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٠ -١٢] قَالَ تَعَالَى [[في ف: "وقال تعالى".]] : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .

وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا [[في ف: "هنا".]] أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وَهُمَا [[في ف: "إذا هما".]] أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

قَالَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الْمَوْتُ.

وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ [[في ف: "قد".]] صِرْتُم مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "إذا شاء فلا".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ.

وَقَدْ ذكر بن جَرِيرٍ [هَاهُنَا] [[زيادة من أ.]] حَدِيثَ: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ" [[تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من جديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَقُولُونَ: هُوَ الْمَوْتُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أَيْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً.

وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا؛ لِأَنَّ [[في ت، ف: "فإن".]] الْإِنْغَاضَ هُوَ: التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ -وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ -: نَغْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجل [[في ت، ف: "أعجل".]] فِي مِشْيَتِهِ وحَرَك رَأْسَهُ. وَيُقَالُ: نَغَضَت [[في ت: "نغض".]] سنُه إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتها؛ قَالَ: الرَّاجِزُ [[الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠) .]] .

ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أَسْنَانُهَا ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ [[في ت: "وقوع".]] ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أَيْ: احْذَرُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ، سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أَيْ: الرَّبُّ تَعَالَى ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] أَيْ: إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخالَف وَلَا يُمَانع، بَلْ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٣، ١٤] أَيْ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا [[في ت: "ظهرها".]] كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ [[في ت، ف: "تقولون".]] كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَأَنِّي [[في ت، ف: "فكأني".]] بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٤] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف.]] : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، وَكَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ -١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢ -١١٤] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِ، الْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أَيْ: تُرَابًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غُبَارًا.

﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ. كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٠ -١٢] قَالَ تَعَالَى [[في ف: "وقال تعالى".]] : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .

وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا [[في ف: "هنا".]] أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وَهُمَا [[في ف: "إذا هما".]] أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

قَالَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الْمَوْتُ.

وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ [[في ف: "قد".]] صِرْتُم مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "إذا شاء فلا".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ.

وَقَدْ ذكر بن جَرِيرٍ [هَاهُنَا] [[زيادة من أ.]] حَدِيثَ: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ" [[تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من جديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَقُولُونَ: هُوَ الْمَوْتُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أَيْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً.

وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا؛ لِأَنَّ [[في ت، ف: "فإن".]] الْإِنْغَاضَ هُوَ: التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ -وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ -: نَغْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجل [[في ت، ف: "أعجل".]] فِي مِشْيَتِهِ وحَرَك رَأْسَهُ. وَيُقَالُ: نَغَضَت [[في ت: "نغض".]] سنُه إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتها؛ قَالَ: الرَّاجِزُ [[الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠) .]] .

ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أَسْنَانُهَا ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ [[في ت: "وقوع".]] ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أَيْ: احْذَرُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ، سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أَيْ: الرَّبُّ تَعَالَى ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] أَيْ: إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخالَف وَلَا يُمَانع، بَلْ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٣، ١٤] أَيْ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا [[في ت: "ظهرها".]] كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ [[في ت، ف: "تقولون".]] كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَأَنِّي [[في ت، ف: "فكأني".]] بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٤] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف.]] : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، وَكَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ -١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢ -١١٤] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِ، الْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أَيْ: تُرَابًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غُبَارًا.

﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ. كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٠ -١٢] قَالَ تَعَالَى [[في ف: "وقال تعالى".]] : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .

وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا [[في ف: "هنا".]] أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وَهُمَا [[في ف: "إذا هما".]] أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

قَالَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الْمَوْتُ.

وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ [[في ف: "قد".]] صِرْتُم مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "إذا شاء فلا".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ.

وَقَدْ ذكر بن جَرِيرٍ [هَاهُنَا] [[زيادة من أ.]] حَدِيثَ: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ" [[تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من جديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَقُولُونَ: هُوَ الْمَوْتُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أَيْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً.

وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا؛ لِأَنَّ [[في ت، ف: "فإن".]] الْإِنْغَاضَ هُوَ: التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ -وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ -: نَغْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجل [[في ت، ف: "أعجل".]] فِي مِشْيَتِهِ وحَرَك رَأْسَهُ. وَيُقَالُ: نَغَضَت [[في ت: "نغض".]] سنُه إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتها؛ قَالَ: الرَّاجِزُ [[الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠) .]] .

ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أَسْنَانُهَا ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ [[في ت: "وقوع".]] ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أَيْ: احْذَرُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ، سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أَيْ: الرَّبُّ تَعَالَى ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] أَيْ: إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخالَف وَلَا يُمَانع، بَلْ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٣، ١٤] أَيْ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا [[في ت: "ظهرها".]] كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ [[في ت، ف: "تقولون".]] كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَأَنِّي [[في ت، ف: "فكأني".]] بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٤] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف.]] : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، وَكَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ -١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢ -١١٤] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِ، الْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أَيْ: تُرَابًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غُبَارًا.

﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ. كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٠ -١٢] قَالَ تَعَالَى [[في ف: "وقال تعالى".]] : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .

وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا [[في ف: "هنا".]] أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وَهُمَا [[في ف: "إذا هما".]] أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

قَالَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الْمَوْتُ.

وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ [[في ف: "قد".]] صِرْتُم مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "إذا شاء فلا".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ.

وَقَدْ ذكر بن جَرِيرٍ [هَاهُنَا] [[زيادة من أ.]] حَدِيثَ: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ" [[تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من جديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَقُولُونَ: هُوَ الْمَوْتُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أَيْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً.

وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا؛ لِأَنَّ [[في ت، ف: "فإن".]] الْإِنْغَاضَ هُوَ: التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ -وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ -: نَغْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجل [[في ت، ف: "أعجل".]] فِي مِشْيَتِهِ وحَرَك رَأْسَهُ. وَيُقَالُ: نَغَضَت [[في ت: "نغض".]] سنُه إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتها؛ قَالَ: الرَّاجِزُ [[الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠) .]] .

ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أَسْنَانُهَا ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ [[في ت: "وقوع".]] ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أَيْ: احْذَرُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ، سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أَيْ: الرَّبُّ تَعَالَى ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] أَيْ: إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخالَف وَلَا يُمَانع، بَلْ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٣، ١٤] أَيْ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا [[في ت: "ظهرها".]] كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ [[في ت، ف: "تقولون".]] كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَأَنِّي [[في ت، ف: "فكأني".]] بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٤] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف.]] : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، وَكَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ -١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢ -١١٤] .

يَأْمُرُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الْأَحْسَنَ وَالْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ؛ فَإِنَّهُ إِذْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ، وَأَخْرَجَ الْكَلَامَ إِلَى الْفِعَالِ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالْمُخَاصَمَةُ وَالْمُقَاتَلَةُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَعَدَاوَتُهُ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وَلِهَذَا نَهَى أَنْ يُشِيرَ الرَّجُلُ إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ فِي يَدِهِ، أَيْ: فَرُبَّمَا أَصَابَهُ بِهَا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُشِيرَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ أَنْ يَنْزَعَ فِي يَدِهِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ نَارٍ [[في ف، أ: "النار".]] .

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المسند (٢/٣١٧) وصحيح البخاري برقم (٧٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَنْ بَنِي سَلِيط قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي أزْفَلَة مِنَ النَّاسِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -[قَالَ حَمَّادٌ: وَقَالَ بِيَدِهِ إلى صدره -ماتواد رَجُلَانِ فِي اللَّهِ فتفرَّق بَيْنَهُمَا إِلَّا بِحَدَثٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وَالْمُحْدِثُ شَر، وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ، وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ" [[المسند (٥/٧١) .]] .

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِطَاعَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [يَا مُحَمَّدُ] [[زيادة من ف، أ.]] ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ نَذِيرًا، فَمَنْ أَطَاعَكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاكَ دَخَلَ النَّارَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: بِمَرَاتِبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٣] .

وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا [ثَبَتَ] [[زيادة من ف.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَصَبِيَّةِ [[في ت: "والمعصية".]] ، لَا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، [فَإِنَّهُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ] [[زيادة من ف، وفي ت: "فإنه إذا كان".]] عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ أَفْضَلُهُمْ، وَهُمُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورُونَ نَصًّا [[في ت: "قصا".]] فِي آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، وَفِي الشُّورَى [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ف.]] : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣] . وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا بِدَلَائِلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خُفف عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنَ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ لتُسْرج، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرغ". يَعْنِي الْقُرْآنَ [[صحيح البخاري برقم (٤٧١٣) .]] .

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِطَاعَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [يَا مُحَمَّدُ] [[زيادة من ف، أ.]] ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ نَذِيرًا، فَمَنْ أَطَاعَكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاكَ دَخَلَ النَّارَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: بِمَرَاتِبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٣] .

وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا [ثَبَتَ] [[زيادة من ف.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَصَبِيَّةِ [[في ت: "والمعصية".]] ، لَا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، [فَإِنَّهُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ] [[زيادة من ف، وفي ت: "فإنه إذا كان".]] عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ أَفْضَلُهُمْ، وَهُمُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورُونَ نَصًّا [[في ت: "قصا".]] فِي آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، وَفِي الشُّورَى [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ف.]] : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣] . وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا بِدَلَائِلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خُفف عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنَ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ لتُسْرج، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرغ". يَعْنِي الْقُرْآنَ [[صحيح البخاري برقم (٤٧١٣) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلِ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، فَارْغُبُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ" أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ، ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ أَيْ: أَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ: نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . رَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْران الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنَ الْجِنِّ، كَانُوا يُعْبَدُونَ، فَأَسْلَمُوا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْإِنْسِ، يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ [[صحيح البخاري برقم (٤٧١٤، ٤٧١٥) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ مَعْبَدِ [[في ت: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّاني [[في ت، ف: "الرماني".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الجِنِّيُّون، وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانُوا يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ، فَذَكَرَهُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قَالَ: عِيسَى وَأُمُّهُ، وعُزير.

وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُمْ عِيسَى، وعُزير، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عِيسَى، والعُزير، وَالْمَلَائِكَةُ.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ، وَهَذَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ [[في ت: "لا يغن به".]] عَنِ الْمَاضِي، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عِيسَى والعُزير. قَالَ: وَالْوَسِيلَةُ هِيَ الْقُرْبَةُ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ : لَا تَتَمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَبِالْخَوْفِ يَنْكَفُّ [[في ف، أ: "ينكشف".]] عَنِ الْمَنَاهِي، وَبِالرَّجَاءِ يَنْبَعِثُ عَلَى [[في ف: "إلى".]] الطَّاعَاتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أَيْ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ، وَيُخَافَ مِنْ وُقُوعِهِ وَحُصُولِهِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلِ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، فَارْغُبُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ" أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ، ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ أَيْ: أَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ: نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . رَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْران الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنَ الْجِنِّ، كَانُوا يُعْبَدُونَ، فَأَسْلَمُوا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْإِنْسِ، يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ [[صحيح البخاري برقم (٤٧١٤، ٤٧١٥) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ مَعْبَدِ [[في ت: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّاني [[في ت، ف: "الرماني".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الجِنِّيُّون، وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانُوا يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ، فَذَكَرَهُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قَالَ: عِيسَى وَأُمُّهُ، وعُزير.

وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُمْ عِيسَى، وعُزير، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عِيسَى، والعُزير، وَالْمَلَائِكَةُ.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ، وَهَذَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ [[في ت: "لا يغن به".]] عَنِ الْمَاضِي، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عِيسَى والعُزير. قَالَ: وَالْوَسِيلَةُ هِيَ الْقُرْبَةُ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ : لَا تَتَمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَبِالْخَوْفِ يَنْكَفُّ [[في ف، أ: "ينكشف".]] عَنِ الْمَنَاهِي، وَبِالرَّجَاءِ يَنْبَعِثُ عَلَى [[في ف: "إلى".]] الطَّاعَاتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أَيْ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ، وَيُخَافَ مِنْ وُقُوعِهِ وَحُصُولِهِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ.

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ قَدْ حتَمَ وَقَضَى بِمَا قَدْ كَتَبَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: أَنَّهُ مَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا سَيُهْلِكُهَا، بِأَنْ يُبِيدَ أَهْلَهَا جَمِيعَهُمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إِمَّا بِقَتْلٍ أَوِ ابْتِلَاءٍ بِمَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، كَمَا قَالَ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧، ٨] .

قَالَ سُنَيْد، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءُ، فَمِنْهُمْ مَنْ سُخّرت لَهُ الرِّيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، فَإِنْ سَرّك أَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَنُصَدِّقَكَ، فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: "إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ الَّذِي قَالُوا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَفْعَلَ الَّذِي قَالُوا، فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ الْعَذَابُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُنَاظَرَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَستأني بِقَوْمِكَ استأنيتُ بِهِمْ؟ " قَالَ: "يَا رَبِّ، اسْتَأْنِ بِهِمْ".

وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمَا.

قَالَ [[في ف: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ [[في ف، أ: "ابن أبي إياس".]] ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤتيهم الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أهلكتُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ: قَالَ: "لَا بَلِ اسْتَأْنِ بِهِمْ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ رَوَاهُ [[في أ: "قد رواه".]] النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، بِهِ [[المسند (١/٢٥٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٩٠) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمة بْنِ كُهيل، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي الْحَكِيمِ [[في هـ: "عمران بن حكيم"، والتصويب من أطراف المسند وكتب الرجال.]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، وَنُؤْمِنُ بِكَ. قَالَ: "وَتَفْعَلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذّبته عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَقَالَ: "بَلْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" [[المسند (١/٢٤٢) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا خلف ابن تَمِيمٍ الْمِصِّيصِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَمَّارٍ الأيلِيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطَاءٍ مَوْلَاةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَتْ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤] صَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي قَبِيس: "يَا آلَ عَبْدِ مُنَافٍ، إِنِّي نَذِيرٌ! " فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ، فَقَالُوا: تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْكَ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ وَالْجِبَالُ، وَأَنَّ مُوسَى سُخِّرَ لَهُ الْبَحْرُ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ، وَيُفَجِّرَ [[في ف: "وتفجر".]] لَنَا الْأَرْضَ أَنْهَارًا، فَنَتَّخِذَهَا مَحَارِثَ فَنَزْرَعَ وَنَأْكُلَ، وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ لَنَا مَوْتَانَا فَنُكَلِّمَهُمْ وَيُكَلِّمُونَا، وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُصَيِّرَ لَنَا هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا، فَنَنْحَتَ مِنْهَا، وَتُغْنِيَنَا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَإِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ كَهَيْئَتِهِمْ! قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَهُ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ أَعْطَانِي مَا سَأَلْتُمْ، وَلَوْ شِئْتُ لَكَانَ، وَلَكِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ تَدْخُلُوا بَابَ الرَّحْمَةِ، فَيُؤَمَّنَ مُؤْمِنُكُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكِلَكُمْ إِلَى مَا اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَتَضِلُّوا عَنْ بَابِ الرَّحْمَةِ، فَلَا يُؤَمَّنَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَاخْتَرْتُ بَابَ الرَّحْمَةِ، فَيُؤَمَّنُ مُؤْمِنُكُمْ. وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنْ أَعْطَاكُمْ ذَلِكَ ثُمَّ كَفَرْتُمْ، أَنَّهُ يُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ" وَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ﴾

وَحَتَّى قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] [[مسند أبي يعلى (٢/٤٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٥) : "رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الْأَيْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ إبراهيم، وكلاهما وثق، وقد ضعفهما الجمهور".]] .

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ﴾ أَيْ: نَبْعَثُ الْآيَاتِ وَنَأْتِيَ بِهَا عَلَى مَا سَأَلَ قَوْمُكَ مِنْكَ، فَإِنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ لَدَيْنَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ بَعْدَمَا سَأَلُوهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُنَا فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤَخَّرُونَ إِذَا كَذَّبُوا بِهَا بَعْدَ نُزُولِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ:: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٥] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ ثَمُودَ، حِينَ سَأَلُوا آيَةً: نَاقَةً تَخْرُجُ [[في ف، أ: "أن يخرج لهم ناقة".]] مِنْ صَخْرَةٍ عَيَّنُوها، فَدَعَا صَالِحٌ رَبَّهُ، فَأَخْرَجَ لَهُ مِنْهَا نَاقَةً عَلَى مَا سَأَلُوا " فَظَلَمُوا بِهَا" [[في أ: "فلما ظلموا بها" وهو خطأ.]] أَيْ: كَفَرُوا بِمَنْ خَلَقَهَا، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ فَقَالَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ أَيْ: دَالَّةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ مَنْ خَلَقَهَا وَصَدَّقَ الرَّسُولَ الَّذِي أُجِيبَ دُعَاؤُهُ فِيهَا ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أَيْ: كَفَرُوا بِهَا وَمَنَعُوهَا شِرْبها وَقَتَلُوهَا، فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ خَوَّفَ النَّاسَ بِمَا يَشَاءُ [[في ف: "بأشياء".]] مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَذَّكَّرُونَ وَيَرْجِعُونَ، ذُكر لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رُجِفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ.

وَهَكَذَا رُوي أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلزلت عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَحْدَثْتُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ. وَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يُرْسِلُهُمَا يُخَوِّفُ بِهِمَا [[في ف، أ: "ولكن يخوف الله بهما".]] عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". ثُمَّ قَالَ: " يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدَهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتَهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٤٤) وصحيح مسلم برقم (٩٠١) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ مُحَرِّضًا لَهُ عَلَى إِبْلَاغِ رِسَالَتِهِ، وَمُخْبِرًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾

أَيْ: عَصَمَكَ مِنْهُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "النبي صلى الله عليه وسلم".]] لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧١٦) .]] .

وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرُهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ [[المسند (١/٢٢١) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَكَذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ: مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَسْرُوقٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ الْإِسْرَاءِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مُسْتَقْصَاةً، وَلِلَّهِ [[في ت: "فلله".]] الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ نَاسًا رَجَعُوا عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَمَا كَانُوا عَلَى الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْمِلْ قُلُوبُهُمْ وَعُقُولُهُمْ ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ثَبَاتًا وَيَقِينًا لِآخَرِينَ؛ وَلِهَذَا [[في ت: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿إِلا فِتْنَةً﴾ أَيْ: اخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا. وَأَمَّا "الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ"، فَهِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، كَمَا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَرَأَى شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ [[في ف، أ: "عليه لعائن الله".]] [بِقَوْلِهِ] [[زيادة من ت.]] هَاتُوا لَنَا تَمْرًا وَزُبْدًا، وَجَعَلَ يَأْكُلُ هَذَا بِهَذَا وَيَقُولُ: تَزَقَّموا، فَلَا نَعْلَمُ الزَّقُّومَ غَيْرَ هَذَا.

حَكَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ، فَسَّرَهُ كَذَلِكَ [[في ف: "فسر ذلك".]] بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ.

وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ: بَنُو أُمَيَّةَ. وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالة، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي فُلَانٍ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقُرُودِ [[في أ: "القردة".]] فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَمَا اسْتَجْمَعَ ضَاحِكًا حَتَّى مَاتَ. قَالَ: وَأَنْزَلَ [[في ف: "فأنزل".]] اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٥/٧٧) .]] .

وَهَذَا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ "مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالة" مَتْرُوكٌ، وَشَيْخَهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلِهَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، قَالَ: لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ: فِي الرُّؤْيَا وَالشَّجَرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أَيْ: الْكَفَّارَ بِالْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ أَيْ: تَمَادِيًا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ. وَذَلِكَ مِنْ خذلان الله لهم.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com