John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Al-Baqara

Tafsir Ibn Kathir · The Cow · 286 ayat · ayat 151–180 · Quran text →

يُذكر تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ وَيُزَكِّيهم، أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ ودَنَس النُّفُوسِ وَأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلَمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ -وَهُوَ الْقُرْآنُ -وَالْحِكْمَةَ -وَهِيَ السُّنَّةُ -وَيُعَلِّمُهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ. فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الجَهْلاء يُسفَهُون بِالْقَوْلِ الفرَى، فَانْتَقَلُوا بِبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ، ويُمن سِفَارَتِهِ، إِلَى حَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَجَايَا الْعُلَمَاءِ فَصَارُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَبَرَّهُمْ قُلُوبًا، وَأَقَلَّهُمْ تَكَلُّفًا، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾

الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] . وَذَمَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ؛ وَلِهَذَا نَدَب اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَمُقَابَلَتِهَا بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ، فَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ﴾ [[في ط: "فيكم" وهو خطأ.]] يَقُولُ: كَمَا فَعَلْتُ فَاذْكُرُونِي.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ؟ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: تذكرُني وَلَا تَنْسَانِي، فَإِذَا ذَكَرْتَنِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي، وَإِذَا نَسِيتَنِي فَقَدْ كَفَرْتَنِي.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، إِنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَيَزِيدُ مَنْ شَكَرَهُ وَيُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَهُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] قَالَ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُشْكَرَ فَلَا يُكْفَر.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ الْأَزْدِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ قَاتِلَ النَّفْسِ، وَشَارِبَ الْخَمْرِ وَالسَّارِقَ وَالزَّانِي يَذْكُرُ اللَّهَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ؟ قَالَ: إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ هَذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ، حَتَّى يَسْكُتَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قَالَ: اذْكُرُونِي، فِيمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ أَذْكُرْكُمْ فِيمَا أَوْجَبْتُ لَكُمْ عَلَى نَفْسِي.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي، وَفِي رِوَايَةٍ: بِرَحْمَتِي.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [[في هـ: "اذكروني" والمثبت من ط.]] قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إِيَّاهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ".

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ، فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ -أَوْ قَالَ: [فِي] [[زيادة من أ، والمسند.]] مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ -وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ أُهَرْوِلُ"

صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ [[المسند (٣/١٣٨) وصحيح البخاري برقم (٧٥٣٦) .]] . وَعِنْدَهُ قَالَ قَتَادَةُ: اللَّهُ أَقْرَبُ بِالرَّحْمَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشُكْرِهِ، وَوَعَدَهُ عَلَى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الْخَيْرِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٧] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْفُضَيْلِ [[في أ: "عن الفضل".]] بْنِ فَضَالَةَ -رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ- حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَلَيْهِ مطْرف مِنْ خَزٍّ لَمْ نَرَهُ [[في أ: "لم يرد".]] عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ". وَقَالَ رَوْحٌ مَرَّةً: "عَلَى عَبْدِهِ" [[المسند (٤/٤٣٨) .]] .

يُذكر تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ وَيُزَكِّيهم، أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ ودَنَس النُّفُوسِ وَأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلَمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ -وَهُوَ الْقُرْآنُ -وَالْحِكْمَةَ -وَهِيَ السُّنَّةُ -وَيُعَلِّمُهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ. فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الجَهْلاء يُسفَهُون بِالْقَوْلِ الفرَى، فَانْتَقَلُوا بِبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ، ويُمن سِفَارَتِهِ، إِلَى حَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَجَايَا الْعُلَمَاءِ فَصَارُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَبَرَّهُمْ قُلُوبًا، وَأَقَلَّهُمْ تَكَلُّفًا، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾

الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] . وَذَمَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ؛ وَلِهَذَا نَدَب اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَمُقَابَلَتِهَا بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ، فَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ﴾ [[في ط: "فيكم" وهو خطأ.]] يَقُولُ: كَمَا فَعَلْتُ فَاذْكُرُونِي.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ؟ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: تذكرُني وَلَا تَنْسَانِي، فَإِذَا ذَكَرْتَنِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي، وَإِذَا نَسِيتَنِي فَقَدْ كَفَرْتَنِي.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، إِنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَيَزِيدُ مَنْ شَكَرَهُ وَيُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَهُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] قَالَ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُشْكَرَ فَلَا يُكْفَر.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ الْأَزْدِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ قَاتِلَ النَّفْسِ، وَشَارِبَ الْخَمْرِ وَالسَّارِقَ وَالزَّانِي يَذْكُرُ اللَّهَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ؟ قَالَ: إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ هَذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ، حَتَّى يَسْكُتَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قَالَ: اذْكُرُونِي، فِيمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ أَذْكُرْكُمْ فِيمَا أَوْجَبْتُ لَكُمْ عَلَى نَفْسِي.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي، وَفِي رِوَايَةٍ: بِرَحْمَتِي.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [[في هـ: "اذكروني" والمثبت من ط.]] قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إِيَّاهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ".

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ، فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ -أَوْ قَالَ: [فِي] [[زيادة من أ، والمسند.]] مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ -وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ أُهَرْوِلُ"

صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ [[المسند (٣/١٣٨) وصحيح البخاري برقم (٧٥٣٦) .]] . وَعِنْدَهُ قَالَ قَتَادَةُ: اللَّهُ أَقْرَبُ بِالرَّحْمَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشُكْرِهِ، وَوَعَدَهُ عَلَى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الْخَيْرِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٧] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْفُضَيْلِ [[في أ: "عن الفضل".]] بْنِ فَضَالَةَ -رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ- حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَلَيْهِ مطْرف مِنْ خَزٍّ لَمْ نَرَهُ [[في أ: "لم يرد".]] عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ". وَقَالَ رَوْحٌ مَرَّةً: "عَلَى عَبْدِهِ" [[المسند (٤/٤٣٨) .]] .

لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى [[في جـ: "لما فرغ تبارك وتعالى".]] مِنْ بَيَانِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّبْرِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ. لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ، فَشَكَرَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ".

وَبَيِّنَ تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٥] . وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَه أَمْرٌ صَلَّى [[رواه أبو داود في السنن برقم (١٣١٩) من حديث حذيفة رضي الله عنه.]] . وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ، فَصَبْرٌ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ. وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الصَّبْرُ فِي بَابَيْنِ، الصَّبْرُ لِلَّهِ بِمَا أَحَبَّ، وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ [[في جـ: "وإن تقتل عليه الأنفس" وفي ط: "فإن ثقل على الأنفس".]] وَالْأَبْدَانِ، وَالصَّبْرُ لِلَّهِ عَمَّا كَرِهَ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ. فَمَنْ كَانَ هَكَذَا، فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالَ: فَيَقُومُ عُنُق مِنَ النَّاسِ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ: إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ؟ فَيَقُولُونَ: إِلَى الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: وَقَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالُوا: وَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: الصَّابِرُونَ، قَالُوا: وَمَا كَانَ صَبْرُكُمْ؟ قَالُوا: صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبَرْنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، حَتَّى تَوَفَّانَا اللَّهُ. قَالُوا: أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمُ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.

قُلْتُ: وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلّد لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهم أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ [[في أ: "حيث ما شاءت".]] ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقة تَحْتَ الْعَرْشِ، فاطَّلع عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاعَة، فَقَالَ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُون مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا، قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ -فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ: إِنِّي كتبتُ أنَّهم إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ" [[صحيح مسلم برقم (١٨٨٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولفظه مختلف لكن معناه واحد.]] .

وَفِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] .

فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خصِّصُوا [[في جـ: "قد خصوا".]] بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ، تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا [[في جـ: "تعظيما وتكريما".]] .

لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى [[في جـ: "لما فرغ تبارك وتعالى".]] مِنْ بَيَانِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّبْرِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ. لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ، فَشَكَرَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ".

وَبَيِّنَ تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٥] . وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَه أَمْرٌ صَلَّى [[رواه أبو داود في السنن برقم (١٣١٩) من حديث حذيفة رضي الله عنه.]] . وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ، فَصَبْرٌ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ. وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الصَّبْرُ فِي بَابَيْنِ، الصَّبْرُ لِلَّهِ بِمَا أَحَبَّ، وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ [[في جـ: "وإن تقتل عليه الأنفس" وفي ط: "فإن ثقل على الأنفس".]] وَالْأَبْدَانِ، وَالصَّبْرُ لِلَّهِ عَمَّا كَرِهَ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ. فَمَنْ كَانَ هَكَذَا، فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالَ: فَيَقُومُ عُنُق مِنَ النَّاسِ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ: إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ؟ فَيَقُولُونَ: إِلَى الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: وَقَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالُوا: وَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: الصَّابِرُونَ، قَالُوا: وَمَا كَانَ صَبْرُكُمْ؟ قَالُوا: صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبَرْنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، حَتَّى تَوَفَّانَا اللَّهُ. قَالُوا: أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمُ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.

قُلْتُ: وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلّد لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهم أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ [[في أ: "حيث ما شاءت".]] ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقة تَحْتَ الْعَرْشِ، فاطَّلع عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاعَة، فَقَالَ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُون مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا، قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ -فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ: إِنِّي كتبتُ أنَّهم إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ" [[صحيح مسلم برقم (١٨٨٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولفظه مختلف لكن معناه واحد.]] .

وَفِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] .

فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خصِّصُوا [[في جـ: "قد خصوا".]] بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ، تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا [[في جـ: "تعظيما وتكريما".]] .

أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ [الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من جـ.]] أَيْ: يَخْتَبِرُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ، وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النَّحْلِ: ١١٢] فَإِنَّ الْجَائِعَ وَالْخَائِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: لِبَاسُ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. وَقَالَ هَاهُنَا ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أَيْ: بِقَلِيلٍ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ أَيْ: ذَهَابُ بَعْضِهَا ﴿وَالأنْفُسِ﴾ كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: لَا تُغِلّ الْحَدَائِقُ وَالْمَزَارِعُ كَعَادَتِهَا. كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فَكَانَتْ بَعْضُ النَّخِيلِ لَا تُثْمِرُ غَيْرَ وَاحِدَةٍ. وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَمَنْ صَبَرَ أَثَابَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] وَمَنْ قَنَطَ أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] بِهِ عِقَابَهُ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

وَقَدْ حَكَى بعضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَوْفِ [[في جـ: "أن المراد بالخوف".]] هَاهُنَا: خَوْفُ اللَّهِ، وَبِالْجُوعِ: صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصِ [[في جـ: "وبنقص".]] الْأَمْوَالِ: الزَّكَاةُ، وَالْأَنْفُسِ: الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتِ: الْأَوْلَادُ.

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ بيَنَّ تَعَالَى مَنِ الصَّابِرُونَ [[في جـ:"الصابرين".]] الَّذِينَ شَكَرَهُمْ، قَالَ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أَيْ: تسلَّوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ، وَعَلِمُوا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بِمَا [[في جـ: "كيف".]] يَشَاءُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ مثْقال ذرَّة يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا [[في جـ: "بما".]] أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ أَمَنَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نِعْمَ العدْلان وَنَعِمَتِ الْعِلَاوَةُ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فَهَذَانَ الْعَدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ، وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْحِمْلِ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا [[في جـ: "ويزيدوا".]] أَيْضًا.

وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ الِاسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ [[في جـ: "وهو قوله".]] ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُررْتُ بِهِ. قَالَ: "لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أجُرني فِي مُصِيبَتِي واخلُف لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا فُعِل ذَلِكَ بِهِ". قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ [[في ط: "خيرا".]] مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَمَّا انْقَضَتْ عدَّتي اسْتَأْذَنَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي -فَغَسَلْتُ يَدِي مِنَ القَرَظ [[في أ: "القذى".]] وَأَذِنْتُ لَهُ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي أَلَّا يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ، فِيَّ غَيْرة شَدِيدَةٌ، فَأَخَافَ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دخلتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذهبها [[في جـ: "من الغيرة فسيذهبها".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ عَنْكِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّن فَقَدْ أَصَابَنِي مثلُ الذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي". قَالَتْ: فَقَدْ سلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَتَزَوَّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ، رسولُ اللَّهِ ﷺ [[المسند (٤/٢٧) .]] .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجَرَهُ اللَّهُ مِنْ مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفي أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ: رسولَ اللَّهِ ﷺ [[صحيح مسلم برقم (٩١٨) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وعَبَّاد بْنُ عَبَّادٍ قَالَا حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ [[في جـ: "بنت".]] الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسَلَمَةَ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا -وَقَالَ عَبَّادٌ: قَدُمَ عَهْدُهَا -فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ" [[المسند (١/٢٠١) .]] .

وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ فِي سُنَنه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا [الْحُسَيْنِ] [[زيادة من ط.]] [[سنن ابن ماجة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٥٢٨) "هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف".]] .

وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ [[في جـ، ط: "بن يزيد".]] عَنْ أَبِيهِ، كَذَا عَنْ، فَاطِمَةَ، عَنْ أَبِيهَا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّالَحِينِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دفنتُ ابْنًا لِي، فَإِنِّي لَفِي الْقَبْرِ إِذْ أَخَذَ بِيَدِي أَبُو طَلْحَةَ -يَعْنِي الْخَوْلَانِيُّ -فَأَخْرَجَنِي، وَقَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عرْزَب، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ [[في و: "إذا مات ولد العبد قال الله".]] :يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قبضتَ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَبَضْتَ قُرَّة عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَمَا [[في جـ: "فماذا".]] قَالَ؟ قَالَ: حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ، قَالَ: ابْنُو لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الْحَمْدِ".

ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. فَذَكَرَهُ [[المسند (٤/٤١٥) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (١٠٢١) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي سِنَانٍ: عِيسَىُ بْنُ سِنَانٍ.

أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ [الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من جـ.]] أَيْ: يَخْتَبِرُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ، وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النَّحْلِ: ١١٢] فَإِنَّ الْجَائِعَ وَالْخَائِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: لِبَاسُ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. وَقَالَ هَاهُنَا ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أَيْ: بِقَلِيلٍ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ أَيْ: ذَهَابُ بَعْضِهَا ﴿وَالأنْفُسِ﴾ كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: لَا تُغِلّ الْحَدَائِقُ وَالْمَزَارِعُ كَعَادَتِهَا. كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فَكَانَتْ بَعْضُ النَّخِيلِ لَا تُثْمِرُ غَيْرَ وَاحِدَةٍ. وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَمَنْ صَبَرَ أَثَابَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] وَمَنْ قَنَطَ أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] بِهِ عِقَابَهُ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

وَقَدْ حَكَى بعضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَوْفِ [[في جـ: "أن المراد بالخوف".]] هَاهُنَا: خَوْفُ اللَّهِ، وَبِالْجُوعِ: صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصِ [[في جـ: "وبنقص".]] الْأَمْوَالِ: الزَّكَاةُ، وَالْأَنْفُسِ: الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتِ: الْأَوْلَادُ.

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ بيَنَّ تَعَالَى مَنِ الصَّابِرُونَ [[في جـ:"الصابرين".]] الَّذِينَ شَكَرَهُمْ، قَالَ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أَيْ: تسلَّوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ، وَعَلِمُوا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بِمَا [[في جـ: "كيف".]] يَشَاءُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ مثْقال ذرَّة يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا [[في جـ: "بما".]] أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ أَمَنَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نِعْمَ العدْلان وَنَعِمَتِ الْعِلَاوَةُ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فَهَذَانَ الْعَدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ، وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْحِمْلِ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا [[في جـ: "ويزيدوا".]] أَيْضًا.

وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ الِاسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ [[في جـ: "وهو قوله".]] ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُررْتُ بِهِ. قَالَ: "لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أجُرني فِي مُصِيبَتِي واخلُف لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا فُعِل ذَلِكَ بِهِ". قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ [[في ط: "خيرا".]] مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَمَّا انْقَضَتْ عدَّتي اسْتَأْذَنَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي -فَغَسَلْتُ يَدِي مِنَ القَرَظ [[في أ: "القذى".]] وَأَذِنْتُ لَهُ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي أَلَّا يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ، فِيَّ غَيْرة شَدِيدَةٌ، فَأَخَافَ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دخلتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذهبها [[في جـ: "من الغيرة فسيذهبها".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ عَنْكِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّن فَقَدْ أَصَابَنِي مثلُ الذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي". قَالَتْ: فَقَدْ سلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَتَزَوَّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ، رسولُ اللَّهِ ﷺ [[المسند (٤/٢٧) .]] .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجَرَهُ اللَّهُ مِنْ مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفي أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ: رسولَ اللَّهِ ﷺ [[صحيح مسلم برقم (٩١٨) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وعَبَّاد بْنُ عَبَّادٍ قَالَا حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ [[في جـ: "بنت".]] الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسَلَمَةَ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا -وَقَالَ عَبَّادٌ: قَدُمَ عَهْدُهَا -فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ" [[المسند (١/٢٠١) .]] .

وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ فِي سُنَنه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا [الْحُسَيْنِ] [[زيادة من ط.]] [[سنن ابن ماجة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٥٢٨) "هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف".]] .

وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ [[في جـ، ط: "بن يزيد".]] عَنْ أَبِيهِ، كَذَا عَنْ، فَاطِمَةَ، عَنْ أَبِيهَا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّالَحِينِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دفنتُ ابْنًا لِي، فَإِنِّي لَفِي الْقَبْرِ إِذْ أَخَذَ بِيَدِي أَبُو طَلْحَةَ -يَعْنِي الْخَوْلَانِيُّ -فَأَخْرَجَنِي، وَقَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عرْزَب، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ [[في و: "إذا مات ولد العبد قال الله".]] :يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قبضتَ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَبَضْتَ قُرَّة عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَمَا [[في جـ: "فماذا".]] قَالَ؟ قَالَ: حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ، قَالَ: ابْنُو لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الْحَمْدِ".

ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. فَذَكَرَهُ [[المسند (٤/٤١٥) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (١٠٢١) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي سِنَانٍ: عِيسَىُ بْنُ سِنَانٍ.

أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ [الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من جـ.]] أَيْ: يَخْتَبِرُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ، وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النَّحْلِ: ١١٢] فَإِنَّ الْجَائِعَ وَالْخَائِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: لِبَاسُ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. وَقَالَ هَاهُنَا ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أَيْ: بِقَلِيلٍ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ أَيْ: ذَهَابُ بَعْضِهَا ﴿وَالأنْفُسِ﴾ كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: لَا تُغِلّ الْحَدَائِقُ وَالْمَزَارِعُ كَعَادَتِهَا. كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فَكَانَتْ بَعْضُ النَّخِيلِ لَا تُثْمِرُ غَيْرَ وَاحِدَةٍ. وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَمَنْ صَبَرَ أَثَابَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] وَمَنْ قَنَطَ أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] بِهِ عِقَابَهُ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

وَقَدْ حَكَى بعضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَوْفِ [[في جـ: "أن المراد بالخوف".]] هَاهُنَا: خَوْفُ اللَّهِ، وَبِالْجُوعِ: صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصِ [[في جـ: "وبنقص".]] الْأَمْوَالِ: الزَّكَاةُ، وَالْأَنْفُسِ: الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتِ: الْأَوْلَادُ.

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ بيَنَّ تَعَالَى مَنِ الصَّابِرُونَ [[في جـ:"الصابرين".]] الَّذِينَ شَكَرَهُمْ، قَالَ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أَيْ: تسلَّوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ، وَعَلِمُوا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بِمَا [[في جـ: "كيف".]] يَشَاءُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ مثْقال ذرَّة يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا [[في جـ: "بما".]] أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ أَمَنَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نِعْمَ العدْلان وَنَعِمَتِ الْعِلَاوَةُ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فَهَذَانَ الْعَدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ، وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْحِمْلِ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا [[في جـ: "ويزيدوا".]] أَيْضًا.

وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ الِاسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ [[في جـ: "وهو قوله".]] ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو، عَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُررْتُ بِهِ. قَالَ: "لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أجُرني فِي مُصِيبَتِي واخلُف لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا فُعِل ذَلِكَ بِهِ". قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ [[في ط: "خيرا".]] مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَمَّا انْقَضَتْ عدَّتي اسْتَأْذَنَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي -فَغَسَلْتُ يَدِي مِنَ القَرَظ [[في أ: "القذى".]] وَأَذِنْتُ لَهُ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي أَلَّا يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ، فِيَّ غَيْرة شَدِيدَةٌ، فَأَخَافَ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دخلتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذهبها [[في جـ: "من الغيرة فسيذهبها".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ عَنْكِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّن فَقَدْ أَصَابَنِي مثلُ الذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي". قَالَتْ: فَقَدْ سلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَتَزَوَّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ، رسولُ اللَّهِ ﷺ [[المسند (٤/٢٧) .]] .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجَرَهُ اللَّهُ مِنْ مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفي أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ: رسولَ اللَّهِ ﷺ [[صحيح مسلم برقم (٩١٨) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وعَبَّاد بْنُ عَبَّادٍ قَالَا حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ [[في جـ: "بنت".]] الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسَلَمَةَ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا -وَقَالَ عَبَّادٌ: قَدُمَ عَهْدُهَا -فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ" [[المسند (١/٢٠١) .]] .

وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ فِي سُنَنه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا [الْحُسَيْنِ] [[زيادة من ط.]] [[سنن ابن ماجة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٥٢٨) "هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف".]] .

وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ [[في جـ، ط: "بن يزيد".]] عَنْ أَبِيهِ، كَذَا عَنْ، فَاطِمَةَ، عَنْ أَبِيهَا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّالَحِينِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دفنتُ ابْنًا لِي، فَإِنِّي لَفِي الْقَبْرِ إِذْ أَخَذَ بِيَدِي أَبُو طَلْحَةَ -يَعْنِي الْخَوْلَانِيُّ -فَأَخْرَجَنِي، وَقَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عرْزَب، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ [[في و: "إذا مات ولد العبد قال الله".]] :يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قبضتَ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَبَضْتَ قُرَّة عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَمَا [[في جـ: "فماذا".]] قَالَ؟ قَالَ: حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ، قَالَ: ابْنُو لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الْحَمْدِ".

ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. فَذَكَرَهُ [[المسند (٤/٤١٥) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (١٠٢١) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي سِنَانٍ: عِيسَىُ بْنُ سِنَانٍ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يطَّوف بِهِمَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَا أوّلتَها [[في جـ: "كما أولتها".]] عليه كانت: فلا جناح عليه أَلَّا يَطَّوَفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يُهِلّون لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، التِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشلَّل. وَكَانَ مَنْ أهلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يطوَّف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نطَّوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بِهِمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدع الطَّوَافَ بِهِمَا. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[المسند (٦/١٤٤) وصحيح البخاري برقم (١٦٤٣) .]] .

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ، مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سمعتُ رِجَالًا [[في جـ: "رجلا".]] مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ [[في جـ: "يقول".]] إِنَّ النَّاسَ -إِلَّا مَنْ ذكرتْ عَائِشَةُ -كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَلَعَلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٩٥) .]] بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُليمان قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ: كُنَّا نَرَى ذَلِكَ [[في جـ: "أنها".]] مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٩٦) .]] .

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ [[في أ: "وذكر الطبري".]] فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا آلِهَةٌ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا، وَكَانَتْ نَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ [[السيرة النبوية لابن إسحاق (رقم النص ٤) ط، حميد الله، المغرب.]] أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ كَانَا بَشَرَيْنِ، فَزَنَيَا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَنَصَبَتْهُمَا قُريش تُجَاهَ الْكَعْبَةِ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ، فَلَمَّا طَالَ عَهْدُهُمَا عُبِدَا، ثُمَّ حُوِّلَا إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَنُصِبَا هُنَالِكَ، فَكَانَ مَنْ طَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسْتَلِمُهُمَا، وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ، فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:

وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ... بِمَفْضَى السِّيُولُ مِنْ إِسَافِ وَنَائِلِ ...

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [مِنْ] [[زيادة من جـ.]] حديثُ جَابِرٍ الطويلُ، وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما فرغ من طوافه بِالْبَيْتِ، عَادَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ". وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: "ابدؤوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ حَبِيبة بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ [[في جـ: "بنت أبي تجر".]] قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: "اسعَوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" [[المسند (٦/٤٢١) .]] .

ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ وَاصِلٍ -مَوْلَى أَبِي عُيَينة -عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ [[في أ: "بن عبدة".]] عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ، فَاسْعَوْا" [[المسند (٦/٤٣٧) .]] .

وَقَدِ استُدلّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ [وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] . وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ [فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا جَبَرَهُ بِدَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ تَقُولُ طَائِفَةٌ وَقِيلَ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] . وَقِيلَ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَافَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ فِي حَجته تِلْكَ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْحَجِّ، إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ"] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ-تَعَالَى -أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْ: مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَطْوَافِ [[في جـ: "تطوف" وفي أ: "طواف".]] هَاجَرَ وَتَرْدَادِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِوَلَدِهَا، لَمَّا نَفِدَ مَاؤُهَا وزادُها، حِينَ تَرَكَهُمَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ -هُنَالِكَ لَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا خَافَتِ الضَّيْعَةُ عَلَى وَلَدِهَا هُنَالِكَ، وَنَفِدَ مَا عِنْدَهَا قَامَتْ تَطْلُبُ الْغَوْثَ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تَزَلْ تَرَدَّدُ [[في جـ: "تزل تتردد".]] فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُتَذَلِّلَةً خَائِفَةً وَجِلَةً مُضْطَرَّةً فَقِيرَةً إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وَفَرَّجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ التِي مَاؤُهَا طَعَامُ طَعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ، فَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذُلُّهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِ حَالِهِ وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَأَنْ يَلْتَجِئَ إلى الله، عَزَّ وَجَلَّ،ليُزيح مَا هُوَ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَأَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ [[في جـ: "إلى صراط مستقيم"، وفي ط: "إلى صراطه المستقيم".]] وَأَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَيْهِ إِلَى مَمَاتِهِ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ حَالِهِ الذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، إِلَى حَالِ الْكَمَالِ والغُفران وَالسَّدَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ، كَمَا فَعَلَ بِهَاجَرَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [[في أ، و: "ومن".]] قِيلَ: زَادَ فِي طَوَافِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ ثَامِنَةً وَتَاسِعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَطُوفُ بَيْنَهُمَا [[في أ: "بها".]] فِي حَجَّةِ تَطَوُّعٍ، أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَطَوَّعَ خَيْرًا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. حَكَى ذَلِكَ [فَخْرُ الدِّينِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] الرَّازِيُّ، وَعَزَى الثَّالِثَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: يُثِيبُ عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِقَدْرِ الْجَزَاءِ فَلَا يَبْخَسُ أَحَدًا ثَوَابَهُ وَ ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] .

هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرسلُ مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْهُدَى النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ -تَعَالَى -لِعِبَادِهِ فِي كُتُبِهِ، التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ.

قَالَ [[في جـ: "وقال".]] أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كتمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ [[في جـ: "أنه".]] . يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، فَهَؤُلَاءِ [[في جـ: "فهو".]] بِخِلَافِ الْعُلَمَاءِ [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] [[زيادة من جـ، ط.]] فَيَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" [[المسند (٢/٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" (١/٢٥٢-٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.]] . وَالذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حدثتُ أَحَدًا شَيْئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ [[في جـ: "قال".]] الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَر [[في أ: "زاذان بن عمر".]] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَسْمَعُ كُلُّ [[في جـ، أ، و: "يسمعها".]] دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي: دَوَابُّ الْأَرْضِ" [[هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) في تفسير سور إبراهيم.]] .

[وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كُلُّ دَابَّةٍ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصاة بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ.

[وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، وَاللَّاعِنُونَ أَيْضًا، وَهُمْ كُلُّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوِ الْحَالِ، أَوْ لَوْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أَيْ: رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا كَتَمُوهُ ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كَفْرٍ، أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ تُقْبَلُ [[في جـ: "تقبل منهم".]] مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّ التَّوْبَةِ وَنَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إِلَى مَمَاتِهِ بِأَنَّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي اللَّعْنَةِ التَّابِعَةِ [[في جـ: "الباقية".]] لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [[في أ: "يوم الدين".]] ثُمَّ الْمُصَاحِبَةِ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ التِي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فِيهَا، أَيْ: لَا يَنْقُصُ عَمَّا هُمْ فِيهِ ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: لَا يُغَيَّرُ [[في جـ، أ، و: "لا يفتر".]] عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يفتَّر، بَلْ هُوَ مُتَوَاصِلٌ دَائِمٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.

فَصْلٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعمن بعده مِنَ الْأَئِمَّةِ، يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُعَيَّنُ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُلْعَنُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ يَجُوزُ لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الذِي كَانَ يُؤْتَى بِهِ سَكْرَانَ فَيَحُدُّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]] قَالُوا: فعلَّة الْمَنْعِ مِنْ لَعْنِهِ؛ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُلْعَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرسلُ مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْهُدَى النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ -تَعَالَى -لِعِبَادِهِ فِي كُتُبِهِ، التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ.

قَالَ [[في جـ: "وقال".]] أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كتمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ [[في جـ: "أنه".]] . يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، فَهَؤُلَاءِ [[في جـ: "فهو".]] بِخِلَافِ الْعُلَمَاءِ [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] [[زيادة من جـ، ط.]] فَيَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" [[المسند (٢/٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" (١/٢٥٢-٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.]] . وَالذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حدثتُ أَحَدًا شَيْئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ [[في جـ: "قال".]] الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَر [[في أ: "زاذان بن عمر".]] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَسْمَعُ كُلُّ [[في جـ، أ، و: "يسمعها".]] دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي: دَوَابُّ الْأَرْضِ" [[هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) في تفسير سور إبراهيم.]] .

[وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كُلُّ دَابَّةٍ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصاة بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ.

[وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، وَاللَّاعِنُونَ أَيْضًا، وَهُمْ كُلُّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوِ الْحَالِ، أَوْ لَوْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أَيْ: رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا كَتَمُوهُ ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كَفْرٍ، أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ تُقْبَلُ [[في جـ: "تقبل منهم".]] مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّ التَّوْبَةِ وَنَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إِلَى مَمَاتِهِ بِأَنَّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي اللَّعْنَةِ التَّابِعَةِ [[في جـ: "الباقية".]] لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [[في أ: "يوم الدين".]] ثُمَّ الْمُصَاحِبَةِ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ التِي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فِيهَا، أَيْ: لَا يَنْقُصُ عَمَّا هُمْ فِيهِ ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: لَا يُغَيَّرُ [[في جـ، أ، و: "لا يفتر".]] عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يفتَّر، بَلْ هُوَ مُتَوَاصِلٌ دَائِمٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.

فَصْلٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعمن بعده مِنَ الْأَئِمَّةِ، يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُعَيَّنُ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُلْعَنُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ يَجُوزُ لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الذِي كَانَ يُؤْتَى بِهِ سَكْرَانَ فَيَحُدُّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]] قَالُوا: فعلَّة الْمَنْعِ مِنْ لَعْنِهِ؛ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُلْعَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرسلُ مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْهُدَى النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ -تَعَالَى -لِعِبَادِهِ فِي كُتُبِهِ، التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ.

قَالَ [[في جـ: "وقال".]] أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كتمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ [[في جـ: "أنه".]] . يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، فَهَؤُلَاءِ [[في جـ: "فهو".]] بِخِلَافِ الْعُلَمَاءِ [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] [[زيادة من جـ، ط.]] فَيَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" [[المسند (٢/٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" (١/٢٥٢-٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.]] . وَالذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حدثتُ أَحَدًا شَيْئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ [[في جـ: "قال".]] الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَر [[في أ: "زاذان بن عمر".]] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَسْمَعُ كُلُّ [[في جـ، أ، و: "يسمعها".]] دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي: دَوَابُّ الْأَرْضِ" [[هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) في تفسير سور إبراهيم.]] .

[وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كُلُّ دَابَّةٍ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصاة بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ.

[وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، وَاللَّاعِنُونَ أَيْضًا، وَهُمْ كُلُّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوِ الْحَالِ، أَوْ لَوْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أَيْ: رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا كَتَمُوهُ ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كَفْرٍ، أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ تُقْبَلُ [[في جـ: "تقبل منهم".]] مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّ التَّوْبَةِ وَنَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إِلَى مَمَاتِهِ بِأَنَّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي اللَّعْنَةِ التَّابِعَةِ [[في جـ: "الباقية".]] لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [[في أ: "يوم الدين".]] ثُمَّ الْمُصَاحِبَةِ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ التِي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فِيهَا، أَيْ: لَا يَنْقُصُ عَمَّا هُمْ فِيهِ ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: لَا يُغَيَّرُ [[في جـ، أ، و: "لا يفتر".]] عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يفتَّر، بَلْ هُوَ مُتَوَاصِلٌ دَائِمٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.

فَصْلٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعمن بعده مِنَ الْأَئِمَّةِ، يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُعَيَّنُ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُلْعَنُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ يَجُوزُ لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الذِي كَانَ يُؤْتَى بِهِ سَكْرَانَ فَيَحُدُّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]] قَالُوا: فعلَّة الْمَنْعِ مِنْ لَعْنِهِ؛ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُلْعَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرسلُ مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْهُدَى النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ -تَعَالَى -لِعِبَادِهِ فِي كُتُبِهِ، التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ.

قَالَ [[في جـ: "وقال".]] أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كتمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ [[في جـ: "أنه".]] . يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، فَهَؤُلَاءِ [[في جـ: "فهو".]] بِخِلَافِ الْعُلَمَاءِ [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] [[زيادة من جـ، ط.]] فَيَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" [[المسند (٢/٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" (١/٢٥٢-٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.]] . وَالذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حدثتُ أَحَدًا شَيْئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ [[في جـ: "قال".]] الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَر [[في أ: "زاذان بن عمر".]] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَسْمَعُ كُلُّ [[في جـ، أ، و: "يسمعها".]] دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي: دَوَابُّ الْأَرْضِ" [[هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) في تفسير سور إبراهيم.]] .

[وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كُلُّ دَابَّةٍ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصاة بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ.

[وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، وَاللَّاعِنُونَ أَيْضًا، وَهُمْ كُلُّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوِ الْحَالِ، أَوْ لَوْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .

ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أَيْ: رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا كَتَمُوهُ ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كَفْرٍ، أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ تُقْبَلُ [[في جـ: "تقبل منهم".]] مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّ التَّوْبَةِ وَنَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إِلَى مَمَاتِهِ بِأَنَّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي اللَّعْنَةِ التَّابِعَةِ [[في جـ: "الباقية".]] لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [[في أ: "يوم الدين".]] ثُمَّ الْمُصَاحِبَةِ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ التِي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فِيهَا، أَيْ: لَا يَنْقُصُ عَمَّا هُمْ فِيهِ ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: لَا يُغَيَّرُ [[في جـ، أ، و: "لا يفتر".]] عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يفتَّر، بَلْ هُوَ مُتَوَاصِلٌ دَائِمٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.

فَصْلٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعمن بعده مِنَ الْأَئِمَّةِ، يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ؛ فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُعَيَّنُ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُلْعَنُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ يَجُوزُ لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الذِي كَانَ يُؤْتَى بِهِ سَكْرَانَ فَيَحُدُّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]] قَالُوا: فعلَّة الْمَنْعِ مِنْ لَعْنِهِ؛ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُلْعَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

يُخبرُ تَعَالَى عَنْ تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا عَديل لَهُ، بَلْ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ [[في جـ، ط، أ، و: "في أول الفاتحة".]] . وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يزيد بْنِ السَّكَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وَ ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] " [[رواه أبو داود في السنن برقم (١٤٩٦) والترمذي في السنن برقم (٣٤٧٨) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".]]

ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ [بتفرده] [[زيادة من جـ، ط.]] بخلق السموات وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا ذَرَأَ وَبَرَأَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تِلْكَ فِي [لَطَافَتِهَا وَ] [[زيادة من أ.]] ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَكَوَاكِبِهَا السَّيَّارَةِ وَالثَّوَابِتِ وَدَوْرَانِ فَلَكِهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ فِي [كَثَافَتِهَا وَ] [[زيادة من أ.]] انْخِفَاضِهَا وَجِبَالِهَا وَبِحَارِهَا وَقَفَارِهَا وَوِهَادها وعُمْرانها وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هَذَا يَجِيءُ ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَخْلُفُهُ الْآخَرُ وَيَعْقُبُهُ، لَا [[في ط: "ولا".]] يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وَتَارَةً يَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا، وَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] أَيْ: يَزِيدُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾

أَيْ: فِي تَسْخِيرِ الْبَحْرِ لِحَمْلِ السُّفُنِ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ لِمَعَاشِ النَّاسِ، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ، وَنَقْلِ هَذَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ [[في جـ: "أولئك لهؤلاء".]] ﴿وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٦] ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: عَلَى اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا وَمَنَافِعِهَا وَصِغَرِهَا وَكِبَرِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْزُقُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هُودٍ: ٦] ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أَيْ: تَارَةً تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَارَةً تَأْتِي بِالْعَذَابِ، تَارَةً [[في جـ: "وتارة".]] تَأْتِي مُبَشِّرَةً [[في أ: "مسيرة".]] بَيْنَ يَدَيِ السَّحَابِ، وَتَارَةً تَسُوقُهُ، وَتَارَةً تُجَمِّعُهُ، وَتَارَةً تُفَرِّقُهُ، وَتَارَةً تُصَرِّفُهُ، [ثُمَّ تَارَةً تَأْتِي مِنَ الْجَنُوبِ وَهِيَ الشَّامِيَّةُ، وَتَارَةً تَأْتِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَتَارَةً صَبَا، وَهِيَ الشَّرْقِيَّةُ التِي تَصْدِمُ وَجْهَ الْكَعْبَةِ، وَتَارَةً دَبُورٌ وَهِيَ غَرْبِيَّةٌ تَفِدُ مِنْ نَاحِيَةِ دُبُرِ الْكَعْبَةِ وَالرِّيَاحُ تُسَمَّى كُلَّهَا بِحَسْبَ مُرُورِهَا عَلَى الْكَعْبَةِ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ وَالْأَنْوَاءِ كُتُبًا كَثِيرَةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِلُغَاتِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَبَسْطُ ذَلِكَ يَطُولُ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] . ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [أَيْ: سَائِرٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] يُسَخَّر إِلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ [[في جـ: "مسخرا إلى ما شاء الله" وفي ط: "مسخر إلى ما يشاء الله".]] مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمَاكِنِ، كَمَا يُصَرِّفُهُ تَعَالَى: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَلَالَاتٌ بَيِّنَةٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٠، ١٩١] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الدَّشْتَكِيّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ تَدْعُوَ رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَنَشْتَرِيَ بِهِ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ، فَنُؤْمِنَ بِكَ وَنُقَاتِلَ مَعَكَ. قَالَ: "أَوْثِقُوا [[في أ: "أوقفوا".]] لِي لئِنْ دعوتُ رَبِّي فجعلَ لَكُمُ الصَّفَا ذَهَبًا لتُؤْمنُنّ بِي" فَأَوْثَقُوا لَهُ، فَدَعَا رَبَّهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ قَدْ أَعْطَاهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ عَذَّبَهُمْ عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: "رَبِّ لَا بَلْ دَعْنِي وَقَوْمِي فَلَأَدْعُهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية.

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، بِهِ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٢) من طريق يحيى الحماني عن يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ به نحوه.]] . وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَكَيْفَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الصَّفَا وَهُمْ يَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّفَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

فَبِهَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

وَقَالَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنْ كَانَ هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾

وَرَوَاهُ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -هُوَ الرَّازِيُّ -عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، وَالدِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، بِهِ.

يُذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا [لَهُ] [[زيادة من جـ.]] أَنْدَادًا، أَيْ: أَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا ندَّ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خلَقَك" [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَلِحُبِّهِمْ لِلَّهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ لَهُ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ .

قَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَوْ عَايَنُوا الْعَذَابَ لَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أَيْ: إِنَّ الْحُكْمَ لَهُ [[في جـ، ط: "إن الحكم لله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الْفَجْرِ: ٢٥، ٢٦] يَقُولُ: لَوْ عَلِمُوا مَا يُعَايِنُونَهُ [[في جـ: "ما يعاينوه".]] هُنَالِكَ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الْمُنْكَرِ الْهَائِلِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، لَانْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأَوْثَانِهِمْ وَتَبَرُّؤِ الْمَتْبُوعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ] [[زيادة من جـ.]] ﴾ تَبَرَّأَتْ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٣] وَيَقُولُونَ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وَالْجِنُّ أَيْضًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣١-٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ أَيْ: عَاينوا عَذَابَ اللَّهِ، وتقطَّعت بِهِمُ الحيَلُ وَأَسْبَابُ الْخَلَاصِ وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعْدلا وَلَا مَصْرفا.

قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ قَالَ: الْمَوَدَّةُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ لنا عَوْدة [[في ط: "دعوة".]] إلى الدَّارِ الدُّنْيَا حَتَّى نَتَبَرَّأ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلَا نَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، بَلْ نُوَحِّدُ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هَذَا، بَلْ لَوْ رُدّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٣] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣٩] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .

يُذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا [لَهُ] [[زيادة من جـ.]] أَنْدَادًا، أَيْ: أَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا ندَّ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خلَقَك" [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَلِحُبِّهِمْ لِلَّهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ لَهُ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ .

قَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَوْ عَايَنُوا الْعَذَابَ لَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أَيْ: إِنَّ الْحُكْمَ لَهُ [[في جـ، ط: "إن الحكم لله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الْفَجْرِ: ٢٥، ٢٦] يَقُولُ: لَوْ عَلِمُوا مَا يُعَايِنُونَهُ [[في جـ: "ما يعاينوه".]] هُنَالِكَ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الْمُنْكَرِ الْهَائِلِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، لَانْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأَوْثَانِهِمْ وَتَبَرُّؤِ الْمَتْبُوعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ] [[زيادة من جـ.]] ﴾ تَبَرَّأَتْ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٣] وَيَقُولُونَ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وَالْجِنُّ أَيْضًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣١-٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ أَيْ: عَاينوا عَذَابَ اللَّهِ، وتقطَّعت بِهِمُ الحيَلُ وَأَسْبَابُ الْخَلَاصِ وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعْدلا وَلَا مَصْرفا.

قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ قَالَ: الْمَوَدَّةُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ لنا عَوْدة [[في ط: "دعوة".]] إلى الدَّارِ الدُّنْيَا حَتَّى نَتَبَرَّأ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلَا نَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، بَلْ نُوَحِّدُ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هَذَا، بَلْ لَوْ رُدّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٣] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣٩] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .

يُذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا [لَهُ] [[زيادة من جـ.]] أَنْدَادًا، أَيْ: أَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا ندَّ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خلَقَك" [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَلِحُبِّهِمْ لِلَّهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ لَهُ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ .

قَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَوْ عَايَنُوا الْعَذَابَ لَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أَيْ: إِنَّ الْحُكْمَ لَهُ [[في جـ، ط: "إن الحكم لله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الْفَجْرِ: ٢٥، ٢٦] يَقُولُ: لَوْ عَلِمُوا مَا يُعَايِنُونَهُ [[في جـ: "ما يعاينوه".]] هُنَالِكَ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الْمُنْكَرِ الْهَائِلِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، لَانْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأَوْثَانِهِمْ وَتَبَرُّؤِ الْمَتْبُوعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ] [[زيادة من جـ.]] ﴾ تَبَرَّأَتْ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٣] وَيَقُولُونَ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وَالْجِنُّ أَيْضًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣١-٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ أَيْ: عَاينوا عَذَابَ اللَّهِ، وتقطَّعت بِهِمُ الحيَلُ وَأَسْبَابُ الْخَلَاصِ وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعْدلا وَلَا مَصْرفا.

قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾ قَالَ: الْمَوَدَّةُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ لنا عَوْدة [[في ط: "دعوة".]] إلى الدَّارِ الدُّنْيَا حَتَّى نَتَبَرَّأ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلَا نَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، بَلْ نُوَحِّدُ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هَذَا، بَلْ لَوْ رُدّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٣] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣٩] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .

لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ الرَّزَّاقُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، فَذَكَرَ [ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَلَالًا مِنَ اللَّهِ طَيِّبًا، أَيْ: مُسْتَطَابًا فِي نَفْسِهِ غَيْرَ ضَارٍّ لِلْأَبْدَانِ وَلَا لِلْعُقُولِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ: طَرَائِقُهُ وَمَسَالِكُهُ فِيمَا أَضَلَّ أَتْبَاعَهُ فِيهِ مِنْ تَحْرِيمِ البَحَائر وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَنَحْوِهَا مِمَّا زَينه لَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، كَمَا فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حمَار الذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ كُلَّ مَا أمنحُه [[في جـ، ط، أ، و: "كل مال منحته".]] عِبَادِي فَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ" وَفِيهِ: "وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفاء فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمتْ عَلَيْهِمْ مَا أحللتُ لَهُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ شَيْبَةَ [[في جـ: "شعبة" وفي هـ: "شبة".]] الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُوزَجَانِيُّ [[في جـ: "الجرجاني".]] -رَفِيقُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ -حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُليت هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ. "يَا سَعْدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الرَّجُلَ ليَقْذفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفه مَا يُتَقبَّل مِنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْت وَالرِّبَا فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" [[المعجم الأوسط للطبراني برقم (٥٠٢٦) "مجمع البحرين".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَنْفِيرٌ عَنْهُ وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فَاطِرٍ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ نَزَغَاتُ الشَّيْطَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُ، أَوْ قَالَ: خَطَايَاهُ.

وَقَالَ أَبُو مِجْلزَ: هِيَ النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ فَأَفْتَاهُ مَسْرُوقٌ بِذَبْحِ كَبْشٍ. وَقَالَ: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بضَرْع وَمِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَاوِلُوا صَاحِبَكُمْ. فَقَالَ: لَا أُرِيدُهُ. فَقَالَ: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: حَرَّمْتُ أَنْ آكُلَ ضَرْعًا أَبَدًا. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، فاطْعَمْ وكفِّر عَنْ يَمِينِكَ.

رَوَاهُ [[في جـ: "روى هذا" وفي ط، أ، و: "رواهن".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ أَيْضًا:

حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَسَّان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المصْري، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: غَضِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ، إِنْ لَمْ تُطْلِّقِ امْرَأَتَكَ. فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذِهِ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفْقَهُ امْرَأَةٍ فِي الْمَدِينَةِ. وَأَتَيْتُ عَاصِمًا وَابْنَ عُمَرَ [[في ط: "عاصم بن عمر".]] فَقَالَا مِثْلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ [[في جـ: "عبد الله بن نعيم".]] عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ فِي غَضَب، فَهُوَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

[وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ: إِنْ لَمْ أَجْلِدْكَ مِائَةَ سَوْطٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، قَالَ: لَا يَجْلِدُ غُلَامَهُ، وَلَا تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] [[زيادة من ج، ط.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ عَدُوُّكُمُ الشَّيْطَانُ بِالْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ، وَأَغْلَظُ مِنْهَا الْفَاحِشَةُ كَالزِّنَا وَنَحْوَهُ، وَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَيَدْخُلُ [[في ط: "فدخل".]] فِي هَذَا كُلُّ كَافِرٍ وَكُلُّ مُبْتَدِعٍ أيضًا.

لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ الرَّزَّاقُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، فَذَكَرَ [ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَلَالًا مِنَ اللَّهِ طَيِّبًا، أَيْ: مُسْتَطَابًا فِي نَفْسِهِ غَيْرَ ضَارٍّ لِلْأَبْدَانِ وَلَا لِلْعُقُولِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ: طَرَائِقُهُ وَمَسَالِكُهُ فِيمَا أَضَلَّ أَتْبَاعَهُ فِيهِ مِنْ تَحْرِيمِ البَحَائر وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَنَحْوِهَا مِمَّا زَينه لَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، كَمَا فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حمَار الذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ كُلَّ مَا أمنحُه [[في جـ، ط، أ، و: "كل مال منحته".]] عِبَادِي فَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ" وَفِيهِ: "وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفاء فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمتْ عَلَيْهِمْ مَا أحللتُ لَهُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ شَيْبَةَ [[في جـ: "شعبة" وفي هـ: "شبة".]] الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُوزَجَانِيُّ [[في جـ: "الجرجاني".]] -رَفِيقُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ -حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُليت هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ. "يَا سَعْدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الرَّجُلَ ليَقْذفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفه مَا يُتَقبَّل مِنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْت وَالرِّبَا فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" [[المعجم الأوسط للطبراني برقم (٥٠٢٦) "مجمع البحرين".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَنْفِيرٌ عَنْهُ وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فَاطِرٍ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ نَزَغَاتُ الشَّيْطَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُ، أَوْ قَالَ: خَطَايَاهُ.

وَقَالَ أَبُو مِجْلزَ: هِيَ النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ فَأَفْتَاهُ مَسْرُوقٌ بِذَبْحِ كَبْشٍ. وَقَالَ: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.

وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بضَرْع وَمِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَاوِلُوا صَاحِبَكُمْ. فَقَالَ: لَا أُرِيدُهُ. فَقَالَ: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: حَرَّمْتُ أَنْ آكُلَ ضَرْعًا أَبَدًا. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، فاطْعَمْ وكفِّر عَنْ يَمِينِكَ.

رَوَاهُ [[في جـ: "روى هذا" وفي ط، أ، و: "رواهن".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ أَيْضًا:

حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَسَّان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المصْري، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: غَضِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ، إِنْ لَمْ تُطْلِّقِ امْرَأَتَكَ. فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذِهِ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفْقَهُ امْرَأَةٍ فِي الْمَدِينَةِ. وَأَتَيْتُ عَاصِمًا وَابْنَ عُمَرَ [[في ط: "عاصم بن عمر".]] فَقَالَا مِثْلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ [[في جـ: "عبد الله بن نعيم".]] عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ فِي غَضَب، فَهُوَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

[وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ: إِنْ لَمْ أَجْلِدْكَ مِائَةَ سَوْطٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، قَالَ: لَا يَجْلِدُ غُلَامَهُ، وَلَا تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] [[زيادة من ج، ط.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ عَدُوُّكُمُ الشَّيْطَانُ بِالْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ، وَأَغْلَظُ مِنْهَا الْفَاحِشَةُ كَالزِّنَا وَنَحْوَهُ، وَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَيَدْخُلُ [[في ط: "فدخل".]] فِي هَذَا كُلُّ كَافِرٍ وَكُلُّ مُبْتَدِعٍ أيضًا.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ [[في أ: "ما أنتم عليه".]] مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ، قَالُوا فِي جَوَابِ ذَلِكَ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أَيْ: وَجَدْنَا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيَقْتَفُونَ أَثَرَهُمْ ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ فَهْمٌ وَلَا هِدَايَةٌ!!.

وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ تَعَالَى مَثَلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٠] فَقَالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ وَالْجَهْلِ كَالدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لَا تَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهَا، بَلْ إِذَا نَعَقَ بِهَا رَاعِيهَا، أَيْ: دَعَاهَا إِلَى مَا يُرْشِدُهَا، لَا تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلَا تَفْهَمُهُ، بَلْ إِنَّمَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَقَطْ.

هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، نَحْوَ هَذَا.

وَقِيلَ: إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لَهُمْ فِي دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ التِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ شَيْئًا، اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ وَلَا تُبْصِرُهُ، وَلَا بَطْشَ لَهَا وَلَا حَيَاةَ فِيهَا [[في أ: "لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء بل هي جمادات لا تسمع شيئا".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أَيْ: صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، بُكْمٌ لَا يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَفْهَمُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ [[في أ: "ما أنتم عليه".]] مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ، قَالُوا فِي جَوَابِ ذَلِكَ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أَيْ: وَجَدْنَا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيَقْتَفُونَ أَثَرَهُمْ ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ فَهْمٌ وَلَا هِدَايَةٌ!!.

وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ تَعَالَى مَثَلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٠] فَقَالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ وَالْجَهْلِ كَالدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لَا تَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهَا، بَلْ إِذَا نَعَقَ بِهَا رَاعِيهَا، أَيْ: دَعَاهَا إِلَى مَا يُرْشِدُهَا، لَا تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلَا تَفْهَمُهُ، بَلْ إِنَّمَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَقَطْ.

هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، نَحْوَ هَذَا.

وَقِيلَ: إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لَهُمْ فِي دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ التِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ شَيْئًا، اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ وَلَا تُبْصِرُهُ، وَلَا بَطْشَ لَهَا وَلَا حَيَاةَ فِيهَا [[في أ: "لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء بل هي جمادات لا تسمع شيئا".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أَيْ: صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، بُكْمٌ لَا يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَفْهَمُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنْ طَيبات مَا رَزَقَهُمْ تَعَالَى، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ كَانُوا عَبِيدَهُ، وَالْأَكْلُ مِنَ الْحَلَالِ سَبَبٌ لِتَقَبُّلِ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْحَرَامِ يَمْنَعُ قبولَ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الفُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عدَيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيَّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يطيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذي بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ [فُضَيْلِ] [[زيادة من أ.]] بْنِ مَرْزُوقٍ [[المسند (٢/٣٢٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩) .]] .

وَلَمَّا امْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ طَيِّبِهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْمِيتَةَ، وَهِيَ التِي تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَسَوَاءً كَانَتْ مُنْخَنِقَةً أَوْ مَوْقُوذَةً أَوْ مُتَردِّية أَوْ نَطِيحَةً أَوْ قَدْ عَدَا عَلَيْهَا السَّبُعَ.

وَقَدْ خَصَّصَ الْجُمْهُورُ مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٦] عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَحَدِيثُ الْعَنْبَرِ فِي الصَّحِيحِ وَفِي الْمُسْنَدِ وَالْمُوَطَّأِ وَالسُّنَنِ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ" وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[وسيأتي تخريج الحديثين عند تفسير أول سورة المائدة.]] .

وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَبَيْضُهَا الْمُتَّصِلُ بِهَا نَجِسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: هُوَ طَاهِرٌ إِلَّا أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَكَذَلِكَ أَنْفِحَةُ الْمَيْتَةِ فِيهَا الْخِلَافُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَكْلَ الصَّحَابَةِ مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ هَاهُنَا: يُخَالِطُ اللَّبَنَ مِنْهَا يَسِيرٌ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ إِذَا خَالَطَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَائِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" [[سنن ابن ماجة برقم (٣٣٦٧) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون بِهِ وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ". وروى سفيان وغيره عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سلمان موقوفا، قال البخاري: "وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث".]] .

وَكَذَلِكَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، سَوَاءٌ ذُكِّي أَوْ مَاتَ حَتْف أَنْفِهِ، ويدخُلُ شَحْمه فِي حُكْمِ لَحْمِهِ [[في جـ: "ويدخل لحمه في حكم شحمه".]] إِمَّا تَغْلِيبًا أَوْ أَنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى رَأْيٍ. وَ [كَذَلِكَ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] حَرَّم عَلَيْهِمْ مَا أهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ [[في جـ: "غير اسم الله".]] تَعَالَى مِنَ الْأَنْصَابِ والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. [وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ عَمِلَتْ عُرْسًا لِلَعِبِهَا فَنَحَرَتْ فِيهِ جَزُورًا فَقَالَ: لَا تُؤَكَّلُ لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ؛ وَأَوْرَدَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَمَّا يَذْبَحُهُ الْعَجَمُ فِي أَعْيَادِهِمْ فَيُهْدُونَ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ: مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَكُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ] [[زيادة من جـ، أ.]] . ثُمَّ أَبَاحَ تَعَالَى تَنَاوُلَ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا، عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ، فَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أَيْ: فِي غَيْرِ بَغْيٍ وَلَا عُدْوَانٍ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: فِي أَكْلِ ذَلِكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ، أَوْ مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ، أَوْ خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وَقَالَ سَعِيدٌ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: غَيْرَ بَاغٍ: يَعْنِي غَيْرَ مُسْتَحِلِّهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: غَيْرَ بَاغٍ يَبْتَغِي فِيهِ شَهْوَتَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [قَالَ] [[زيادة من جـ.]] لَا يَشْوِي مِنَ الْمِيتَةِ لِيَشْتَهِيَهُ وَلَا يَطْبُخُهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا العُلْقَة، وَيَحْمِلُ مَعَهُ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَلَالَ، فَإِذَا بَلَغَهُ أَلْقَاهُ [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا عَادٍ﴾ يَقُولُ: لَا يَعْدُو بِهِ الْحَلَالَ] [[زيادة من و.]] .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَشْبَعُ مِنْهَا. وَفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالْعُدْوَانِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ قَالَ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ فِي الْمَيْتَةِ ﴿وَلا عَادٍ﴾ فِي أَكْلِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فِي [[في جـ: "ولا عاد أي".]] أَكْلِهِ: أَنْ يَتَعَدَّى حَلَالًا إِلَى حَرَامٍ، وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيْ: أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.

مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ بِحَيْثُ لَا قَطْعَ فِيهِ وَلَا أَذًى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بَلْ يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ بِلَا خِلَافٍ -كَذَا قَالَ -ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَكَلَهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، هَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِيَاسٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ الْعَنْزِيِّ [[في أ: "شرحيل الفتوى" وفي ط: "بشر العنزي" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: أَصَابَتْنَا عَامًا مَخْمَصَةٌ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ [[في أ: "فأتيت الحتفية".]] . فَأَتَيْتُ حَائِطًا، فَأَخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ وَأَكَلْتُهُ، وَجَعَلْتُ مِنْهُ فِي كِسَائِي، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: "مَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا أَوْ سَاعِيًا، وَلَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلَا" [[سنن ابن ماجة برقم (٢٢٩٨) .]] . فَأَمَرَهُ فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ قَوِيٌّ جَيِّدٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ: مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: "مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ بِفِيهِ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً [[في أ: "غير منحن جيبه".]] فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (١٢٨٩) وقال: "هذا حديث حسن".]] الحديث.

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيمَا أَكَلَ مِنَ اضْطِرَارٍ، وَبَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّهُ لَا يُزَادُ [[في أ: "أنه لا يزيد".]] عَلَى ثَلَاثِ لُقَمٍ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَفُورٌ لِمَا أَكَلَ مِنَ الْحَرَامِ. رَحِيمٌ إِذْ أَحَلَّ لَهُ الْحَرَامَ فِي الِاضْطِرَارِ.

وَقَالَ وَكِيع: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَنِ [[في جـ: "فمن".]] اضطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، ثُمَّ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ.

[وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ -الْمَعْرُوفُ بِالْكَيَا الْهَرَّاسِيِّ رَفِيقُ الْغَزَّالِيِّ فِي الِاشْتِغَالِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا؛ كَالْإِفْطَارِ لِلْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ] [[زيادة من جـ.]] .

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنْ طَيبات مَا رَزَقَهُمْ تَعَالَى، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ كَانُوا عَبِيدَهُ، وَالْأَكْلُ مِنَ الْحَلَالِ سَبَبٌ لِتَقَبُّلِ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْحَرَامِ يَمْنَعُ قبولَ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الفُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عدَيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيَّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يطيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذي بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ [فُضَيْلِ] [[زيادة من أ.]] بْنِ مَرْزُوقٍ [[المسند (٢/٣٢٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩) .]] .

وَلَمَّا امْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ طَيِّبِهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْمِيتَةَ، وَهِيَ التِي تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَسَوَاءً كَانَتْ مُنْخَنِقَةً أَوْ مَوْقُوذَةً أَوْ مُتَردِّية أَوْ نَطِيحَةً أَوْ قَدْ عَدَا عَلَيْهَا السَّبُعَ.

وَقَدْ خَصَّصَ الْجُمْهُورُ مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٦] عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَحَدِيثُ الْعَنْبَرِ فِي الصَّحِيحِ وَفِي الْمُسْنَدِ وَالْمُوَطَّأِ وَالسُّنَنِ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ" وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[وسيأتي تخريج الحديثين عند تفسير أول سورة المائدة.]] .

وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَبَيْضُهَا الْمُتَّصِلُ بِهَا نَجِسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: هُوَ طَاهِرٌ إِلَّا أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَكَذَلِكَ أَنْفِحَةُ الْمَيْتَةِ فِيهَا الْخِلَافُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَكْلَ الصَّحَابَةِ مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ هَاهُنَا: يُخَالِطُ اللَّبَنَ مِنْهَا يَسِيرٌ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ إِذَا خَالَطَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَائِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" [[سنن ابن ماجة برقم (٣٣٦٧) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون بِهِ وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ". وروى سفيان وغيره عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سلمان موقوفا، قال البخاري: "وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث".]] .

وَكَذَلِكَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، سَوَاءٌ ذُكِّي أَوْ مَاتَ حَتْف أَنْفِهِ، ويدخُلُ شَحْمه فِي حُكْمِ لَحْمِهِ [[في جـ: "ويدخل لحمه في حكم شحمه".]] إِمَّا تَغْلِيبًا أَوْ أَنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى رَأْيٍ. وَ [كَذَلِكَ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] حَرَّم عَلَيْهِمْ مَا أهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ [[في جـ: "غير اسم الله".]] تَعَالَى مِنَ الْأَنْصَابِ والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. [وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ عَمِلَتْ عُرْسًا لِلَعِبِهَا فَنَحَرَتْ فِيهِ جَزُورًا فَقَالَ: لَا تُؤَكَّلُ لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ؛ وَأَوْرَدَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَمَّا يَذْبَحُهُ الْعَجَمُ فِي أَعْيَادِهِمْ فَيُهْدُونَ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ: مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَكُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ] [[زيادة من جـ، أ.]] . ثُمَّ أَبَاحَ تَعَالَى تَنَاوُلَ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا، عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ، فَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أَيْ: فِي غَيْرِ بَغْيٍ وَلَا عُدْوَانٍ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: فِي أَكْلِ ذَلِكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ، أَوْ مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ، أَوْ خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وَقَالَ سَعِيدٌ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: غَيْرَ بَاغٍ: يَعْنِي غَيْرَ مُسْتَحِلِّهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: غَيْرَ بَاغٍ يَبْتَغِي فِيهِ شَهْوَتَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [قَالَ] [[زيادة من جـ.]] لَا يَشْوِي مِنَ الْمِيتَةِ لِيَشْتَهِيَهُ وَلَا يَطْبُخُهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا العُلْقَة، وَيَحْمِلُ مَعَهُ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَلَالَ، فَإِذَا بَلَغَهُ أَلْقَاهُ [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا عَادٍ﴾ يَقُولُ: لَا يَعْدُو بِهِ الْحَلَالَ] [[زيادة من و.]] .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَشْبَعُ مِنْهَا. وَفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ بِالْعُدْوَانِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ قَالَ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ فِي الْمَيْتَةِ ﴿وَلا عَادٍ﴾ فِي أَكْلِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فِي [[في جـ: "ولا عاد أي".]] أَكْلِهِ: أَنْ يَتَعَدَّى حَلَالًا إِلَى حَرَامٍ، وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيْ: أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.

مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ بِحَيْثُ لَا قَطْعَ فِيهِ وَلَا أَذًى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بَلْ يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ بِلَا خِلَافٍ -كَذَا قَالَ -ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَكَلَهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، هَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِيَاسٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ الْعَنْزِيِّ [[في أ: "شرحيل الفتوى" وفي ط: "بشر العنزي" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: أَصَابَتْنَا عَامًا مَخْمَصَةٌ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ [[في أ: "فأتيت الحتفية".]] . فَأَتَيْتُ حَائِطًا، فَأَخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ وَأَكَلْتُهُ، وَجَعَلْتُ مِنْهُ فِي كِسَائِي، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: "مَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا أَوْ سَاعِيًا، وَلَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلَا" [[سنن ابن ماجة برقم (٢٢٩٨) .]] . فَأَمَرَهُ فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ قَوِيٌّ جَيِّدٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ: مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: "مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ بِفِيهِ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً [[في أ: "غير منحن جيبه".]] فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (١٢٨٩) وقال: "هذا حديث حسن".]] الحديث.

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيمَا أَكَلَ مِنَ اضْطِرَارٍ، وَبَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّهُ لَا يُزَادُ [[في أ: "أنه لا يزيد".]] عَلَى ثَلَاثِ لُقَمٍ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَفُورٌ لِمَا أَكَلَ مِنَ الْحَرَامِ. رَحِيمٌ إِذْ أَحَلَّ لَهُ الْحَرَامَ فِي الِاضْطِرَارِ.

وَقَالَ وَكِيع: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَنِ [[في جـ: "فمن".]] اضطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، ثُمَّ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ.

[وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ -الْمَعْرُوفُ بِالْكَيَا الْهَرَّاسِيِّ رَفِيقُ الْغَزَّالِيِّ فِي الِاشْتِغَالِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا؛ كَالْإِفْطَارِ لِلْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ] [[زيادة من جـ.]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [مِمَّا يُشْهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ] [[زيادة من جـ.]] ﴿مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمُ التِي بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَشْهَدُ [[في أ: "كالعهد".]] لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ لِئَلَّا تَذْهَبَ رِيَاسَتُهُمْ وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَخَشُوا -لَعَنَهُمُ اللَّهُ -إِنْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَنْ يَتَّبعه النَّاسُ وَيَتْرُكُوهُمْ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَى مَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نزرٌ يَسِيرٌ، فَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ، فَخَابُوا وَخَسِرُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ لِعِبَادِهِ صِدْقَ رَسُولِهِ، بِمَا نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ مَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، فَصَدَّقَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَتَّبِعُوهُ، وَصَارُوا عونًا له على قتالهم، وباؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ [[في جـ، أ، و: "في غير ما".]] مَوْضِعٍ. مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَهُوَ عَرَضُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابَلَةِ كِتْمَانِ الْحَقِّ نَارًا تَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الَّذِي يَأْكُلُ أو يشرب في آنية الذهب وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غضبانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَتَمُوا وَقَدْ عَلِمُوا، فَاسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ، فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُثْنِي [[في أ: "أي: لا يثني".]] عَلَيْهِمْ وَيَمْدَحُهُمْ بَلْ يُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْه هَاهُنَا [الْحَدِيثَ الذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [[زيادة من جـ، وصحيح مسلم.]] شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" [[رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٧) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَشْرُ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ وَالْبِشَارَةِ بِهِ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، اسْتَبْدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَاضُوا عَنْهُ بِالضَّلَالَةِ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُ وَالْكُفْرُ بِهِ وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْمَغْفِرَةِ بِالْعَذَابِ وَهُوَ مَا تعاطَوْه مِنْ أَسْبَابِهِ الْمَذْكُورَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أنَّهم فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ، يتعجَّبُ مَنْ رَآهُمْ فِيهَا مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ [[في جـ، أ، و: "من".]] شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ، وَالْأَغْلَالِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

[وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أَيْ: مَا أَدْوَمَهُمْ لِعَمَلِ الْمَعَاصِي التِي تُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ] [[زيادة من أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُتُبَهُ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَهَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، فَكِتَابُهُمْ يَأْمُرُهُمْ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ. وَهَذَا الرَّسُولُ الْخَاتَمُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَهُ، وَيَكْتُمُونَ صفته، فاستهزؤوا بِآيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ؛ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ؛ وَلِهَذَا [[في جـ: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [مِمَّا يُشْهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ] [[زيادة من جـ.]] ﴿مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمُ التِي بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَشْهَدُ [[في أ: "كالعهد".]] لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ لِئَلَّا تَذْهَبَ رِيَاسَتُهُمْ وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَخَشُوا -لَعَنَهُمُ اللَّهُ -إِنْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَنْ يَتَّبعه النَّاسُ وَيَتْرُكُوهُمْ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَى مَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نزرٌ يَسِيرٌ، فَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ، فَخَابُوا وَخَسِرُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ لِعِبَادِهِ صِدْقَ رَسُولِهِ، بِمَا نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ مَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، فَصَدَّقَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَتَّبِعُوهُ، وَصَارُوا عونًا له على قتالهم، وباؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ [[في جـ، أ، و: "في غير ما".]] مَوْضِعٍ. مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَهُوَ عَرَضُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابَلَةِ كِتْمَانِ الْحَقِّ نَارًا تَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الَّذِي يَأْكُلُ أو يشرب في آنية الذهب وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غضبانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَتَمُوا وَقَدْ عَلِمُوا، فَاسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ، فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُثْنِي [[في أ: "أي: لا يثني".]] عَلَيْهِمْ وَيَمْدَحُهُمْ بَلْ يُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْه هَاهُنَا [الْحَدِيثَ الذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [[زيادة من جـ، وصحيح مسلم.]] شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" [[رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٧) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَشْرُ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ وَالْبِشَارَةِ بِهِ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، اسْتَبْدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَاضُوا عَنْهُ بِالضَّلَالَةِ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُ وَالْكُفْرُ بِهِ وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْمَغْفِرَةِ بِالْعَذَابِ وَهُوَ مَا تعاطَوْه مِنْ أَسْبَابِهِ الْمَذْكُورَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أنَّهم فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ، يتعجَّبُ مَنْ رَآهُمْ فِيهَا مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ [[في جـ، أ، و: "من".]] شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ، وَالْأَغْلَالِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

[وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أَيْ: مَا أَدْوَمَهُمْ لِعَمَلِ الْمَعَاصِي التِي تُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ] [[زيادة من أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُتُبَهُ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَهَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، فَكِتَابُهُمْ يَأْمُرُهُمْ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ. وَهَذَا الرَّسُولُ الْخَاتَمُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَهُ، وَيَكْتُمُونَ صفته، فاستهزؤوا بِآيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ؛ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ؛ وَلِهَذَا [[في جـ: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [مِمَّا يُشْهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ] [[زيادة من جـ.]] ﴿مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمُ التِي بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَشْهَدُ [[في أ: "كالعهد".]] لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ لِئَلَّا تَذْهَبَ رِيَاسَتُهُمْ وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَخَشُوا -لَعَنَهُمُ اللَّهُ -إِنْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَنْ يَتَّبعه النَّاسُ وَيَتْرُكُوهُمْ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَى مَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نزرٌ يَسِيرٌ، فَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ، فَخَابُوا وَخَسِرُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ لِعِبَادِهِ صِدْقَ رَسُولِهِ، بِمَا نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ مَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، فَصَدَّقَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَتَّبِعُوهُ، وَصَارُوا عونًا له على قتالهم، وباؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ [[في جـ، أ، و: "في غير ما".]] مَوْضِعٍ. مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَهُوَ عَرَضُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابَلَةِ كِتْمَانِ الْحَقِّ نَارًا تَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الَّذِي يَأْكُلُ أو يشرب في آنية الذهب وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غضبانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَتَمُوا وَقَدْ عَلِمُوا، فَاسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ، فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُثْنِي [[في أ: "أي: لا يثني".]] عَلَيْهِمْ وَيَمْدَحُهُمْ بَلْ يُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْه هَاهُنَا [الْحَدِيثَ الذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [[زيادة من جـ، وصحيح مسلم.]] شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" [[رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٧) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَشْرُ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ وَالْبِشَارَةِ بِهِ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، اسْتَبْدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَاضُوا عَنْهُ بِالضَّلَالَةِ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُ وَالْكُفْرُ بِهِ وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أَيِ: اعْتَاضُوا عَنِ الْمَغْفِرَةِ بِالْعَذَابِ وَهُوَ مَا تعاطَوْه مِنْ أَسْبَابِهِ الْمَذْكُورَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أنَّهم فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ، يتعجَّبُ مَنْ رَآهُمْ فِيهَا مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ [[في جـ، أ، و: "من".]] شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ، وَالْأَغْلَالِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

[وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أَيْ: مَا أَدْوَمَهُمْ لِعَمَلِ الْمَعَاصِي التِي تُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ] [[زيادة من أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُتُبَهُ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَهَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، فَكِتَابُهُمْ يَأْمُرُهُمْ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ. وَهَذَا الرَّسُولُ الْخَاتَمُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَهُ، وَيَكْتُمُونَ صفته، فاستهزؤوا بِآيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ؛ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ؛ وَلِهَذَا [[في جـ: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ .

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، عَلَى جمَل عَظِيمَةٍ، وَقَوَاعِدَ عَمِيمَةٍ، وَعَقِيدَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبيد [[في جـ: "حدثنا عبيدة".]] بْنُ هِشَامٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَامِرِ بْنِ شُفَي، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ: ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْضًا، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ [[في جـ: "فتلا عليه".]] ثُمَّ سَأَلَهُ. فَقَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّهَا [[في جـ: "فأحبها".]] قَلْبُكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أَبْغَضَهَا [[في جـ: "فأبغضها".]] قَلْبُكَ" [[ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عبد الكريم، عن مجاهد به.]] .

وَهَذَا مُنْقَطِعٌ؛ فَإِنَّ [[في جـ: "لأن".]] مُجَاهِدًا لَمْ يُدْرِكْ أَبَا ذَرٍّ؛ فَإِنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا.

وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَقَرَأَ [[في جـ: "فتلا".]] عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ عَنِ الْبَرِّ سألتُكَ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَبَى أن يرضى كما أبيت [أنت] [[زيادة من أ.]] أن تَرْضَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ -: "الْمُؤْمِنُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً سَرته وَرَجَا ثَوَابَهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً أَحْزَنَتْهُ وَخَافَ عِقَابَهَا" [[ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن يزيد والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، ورواه الحاكم (٢/٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يخرجاه" وتعقبه الذهبي: "قلت: وهو منقطع".]] .

رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلًا بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ حوَّلهم إِلَى الْكَعْبَةِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ حِكْمَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ، وَالتَّوَجُّهُ حَيْثُمَا وَجَّهَ، وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَ، فَهَذَا هُوَ الْبِرُّ وَالتَّقْوَى وَالْإِيمَانُ الْكَامِلُ، وَلَيْسَ فِي لُزُومِ التَّوَجُّهِ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِرٌّ وَلَا طَاعَةٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الْآيَةَ، كَمَا قَالَ فِي الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدَايَا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الْحَجِّ: ٣٧] .

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَيْسَ الْبَرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا. فَهَذَا حِينَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَلِ بها.

وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ نَحْوَ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ تُقْبل [[في جـ: "تتقبل".]] قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَتِ النَّصَارَى تُقْبل [[في جـ: "تتقبل".]] قِبَلَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَتُهُ [[في جـ: "وحقيقة".]] الْعَمَلُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى أَنْ تُؤَدُّوا الْفَرَائِضَ عَلَى وُجُوهِهَا.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هَذِهِ أَنْوَاعُ الْبِرِّ كُلُّهَا. وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي عُرَى الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَصَدَّقَ بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ سَفَرَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَالْكِتَابِ﴾ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى خُتِمَتْ بِأَشْرَفِهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، الذِي انْتَهَى إِلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ، وَاشْتَمَلَ عَلَى كُلِّ سَعَادَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَنَسَخَ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] بِهِ كُلَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَهُ، وَآمَنَ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى خَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أَيْ: أَخْرَجَهُ، وَهُوَ مُحب لَهُ، رَاغِبٌ فِيهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرة مَرْفُوعًا: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ".

وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زُبَيد، عَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أَنْ [[في أ: "أي".]] تُعْطِيَهُ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى [[في أ: "العيش".]] وَتَخْشَى الْفَقْرَ". ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٧٢) .]] .

قُلْتُ وَقَدْ رَوَاهُ وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨، ٩] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] نمَط آخرُ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا [وَمِنْ هَذَا] [[زيادة من جـ.]] وَهُوَ أَنَّهُمْ آثَرُوا بِمَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ أَعْطَوْا [[في جـ: "وهؤلاء أعطوه".]] وَأَطْعَمُوا مَا هُمْ مُحِبُّونَ لَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وَهُمْ: قَرَابَاتُ الرَّجُلِ، وَهُمْ أَوْلَى مَنْ أَعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، كَمَا ثبت في الْحَدِيثِ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ [[في أ: "على المسلمين".]] صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذَوِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ". فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِكَ وَبِبِرِّكَ وَإِعْطَائِكَ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.

﴿وَالْيَتَامَى﴾ هُمُ: الَّذِينَ لَا كَاسِبَ [[في أ: "لا مكاسب".]] لَهُمْ، وَقَدْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ دُونَ الْبُلُوغِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُتْم بَعْدَ حُلُم".

﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وَهُمُ: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، فَيُعْطُونَ مَا تُسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُمْ وَخَلَّتُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ [[في أ: "لا يجد ما يغنيه ولا ينظر له".]] فَيُتَصَدق عَلَيْهِ [[صحيح البخاري برقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٩) .]] .

﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُجْتَازُ الذِي قَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَذَا الذِي يُرِيدُ سَفَرًا فِي طَاعَةٍ، فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الضَّيْفُ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ الذِي يَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.

﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وَهُمُ: الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلطَّلَبِ فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزِّكْوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا وَكِيع وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا [[في جـ: "فاطمة بنت حسين عن أبيها" وفي أ: "فاطمة بنت حسين بن علي، عن حسين بن علي".]] -قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وَهُمُ: الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ فِي كِتَابَتِهِمْ.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ [[في جـ: "من الأصناف هذه".]] فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ مِنْ بَرَاءَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَفِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ؟ قَالَتْ: فَتَلَا عَلِيَّ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [[هو في صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، كِلَاهُمَا، عن شريك، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" ثُمَّ تَلَا [[في جـ، أ، و: "ثم قرأ".]] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾

[وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ [[سنن الترمذي برقم (٦٥٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٩) وقال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة يضعف في الحديث، وقد روى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله، وهو أصح".]] وَضَعَّفَ أَبَا حَمْزَةَ مَيْمُونًا [[في أ: "عونا".]] الْأَعْوَرَ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَيَانٌ [[في جـ: "سيار" والصواب ما أثبتناه".]] وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ] [[زيادة من جـ، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: وَأَتَمَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا بِرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا، وَطُمَأْنِينَتِهَا، وَخُشُوعِهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَرْضِيِّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةَ النَّفْسِ، وَتَخْلِيصَهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ [[في جـ: "الذميمة".]] الرَّذِيلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ:٩، ١٠] وَقَوْلُ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٨، ١٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المرادُ زَكَاةَ الْمَالِ [[في جـ: "زكاة الملك".]] كَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَيَكُونُ الْمَذْكُورُ مِنْ إِعْطَاءِ [[في أ، و: "من أعطى".]] هَذِهِ الْجِهَاتِ وَالْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ إِنَّمَا هُوَ التَّطَوُّعُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ؛ وَلِهَذَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٠] وَعَكْسُ هَذِهِ الصِّفَةِ النِّفَاقُ، كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:"إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٨) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أَيْ: فِي حَالِ الْفَقْرِ، وَهُوَ الْبَأْسَاءُ، وَفِي حَالِ الْمَرَضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهُوَ الضَّرَّاءُ. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أَيْ: فِي حَالِ الْقِتَالِ وَالْتِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، ومُرّة الْهَمْدَانِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

وَإِنَّمَا نُصِبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ عَلَى الْمَدْحِ وَالْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِشِدَّتِهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقوا فِي إِيمَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ حَقَّقُوا الْإِيمَانَ الْقَلْبِيَّ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

لِأَنَّهُمُ اتَّقَوُا الْمَحَارِمَ وَفَعَلُوا الطَّاعَاتِ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ العدلُ فِي الْقِصَاصِ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ -حُرّكم [[في جـ، أ، و: "فاقتلوا حركم".]] بَحُرِّكُمْ، وَعَبْدُكُمْ بِعَبْدِكُمْ، وَأُنْثَاكُمْ بِأُنْثَاكُمْ، وَلَا تَتَجَاوَزُوا وَتَعْتَدُوا، كَمَا اعْتَدَى مَنْ قَبْلَكُمْ وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ وَ [بَنُو] [[زيادة من أ.]] النَّضِيرِ، كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ قَدْ غَزَتْ قُرَيْظَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَهَرُوهُمْ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ النَّضَرِيُّ القرظيَّ لَا يُقْتَلُ بِهِ، بَلْ يُفَادَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَإِذَا قَتَلَ الْقُرَظِيُّ النَّضَرِيَّ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ فادَوْه فَدَوه بِمِائَتَيْ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ ضعْف دِيَةِ [[في جـ: "ضعف دم".]] الْقُرَظِيِّ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْعَدْلِ فِي الْقِصَاصِ، وَلَا يَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ الْمُحَرِّفِينَ [[في أ: "المجرمين".]] ، الْمُخَالَفِينَ لِأَحْكَامِ اللَّهِ فِيهِمْ، كُفْرًا وَبَغْيًا [[في جـ: "لهوا ولعبا".]] ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ .

وَذُكِرِ فِي [سَبَبِ] [[زيادة من جـ.]] نُزُولَهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَير [[في جـ، أ: "بكر".]] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يَعْنِي: إِذَا كَانَ عَمْدا، الْحُرُّ بِالْحُرِّ. وَذَلِكَ أَنَّ حيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى قَتَلُوا الْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى أَسْلَمُوا، فَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَلُ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعُدَّةِ وَالْأَمْوَالِ، فَحَلَفُوا أَلَّا يَرْضَوْا حَتَّى يُقْتَلَ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرُّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلُ مِنْهُمْ [[في جـ: "والمرأة منا بالرجل منهم".]] ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ.

﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ مِنْهَا مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ [[في جـ: "القصاص والعبيد".]] سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُسْتَوِينَ [[في أ، و: "مستويين".]] فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ فِي النفس وفيما دون النفس رجالهم وَنِسَاؤُهُمْ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .

مَسْأَلَةٌ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَيُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَذَعَهُ جَذَعْنَاهُ، وَمَنْ خَصَاهُ خَصَيْنَاهُ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٥١٥، ٤٥١٦) والترمذي في السنن برقم (١٤١٤) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ لَوْ قُتِلَ خَطَأً لَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِطَرَفِهِ فَفِي النَّفْسِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" [[صحيح البخاري برقم (١١١) .]] وَلَا يَصِحُّ حَدِيثٌ وَلَا تَأْوِيلٌ يُخَالَفُ هَذَا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ.

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ؛ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ" [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا خَاصَّةً.

مَسْأَلَةٌ: وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ؛ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غُلَامٍ قَتَلَهُ سَبْعَةٌ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: لَوْ تَمَالْأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي زَمَانِهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ. وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَلَا يَقْتُلُ بِالنَّفْسِ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُعَاذٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ؛ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَبَاحَ قَتْلَ الْجَمَاعَةِ [[في أ: "قتل جماعة بواحد".]] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَسَبِيلُهُ النَّظَرُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقبل الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يَقُولُ: فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي: [بَعْدَ] [[زيادة من جـ، أ.]] أَخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ، وَذَلِكَ الْعَفْوُ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَقُولُ: فَعَلَى الطَّالِبِ اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا قَبِل الدِّيَةَ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا مَعْك، يَعْنِي: الْمُدَافَعَةُ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عباس: ويؤدي المطلوب بِإِحْسَانٍ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيد، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.

مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ -فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَاتِلُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْبَاقُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شَرَعَ لَكُمْ أَخْذَ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ، مِمَّا كَانَ مَحْتُومًا عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْعَفْوِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ:

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَّاصُ فِي الْقَتْلَى، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْعَفْوُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ [[في أ: "فقال الله في هذه الآية".]] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ [مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ] [[زيادة من جـ.]] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد.]] .

وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو [بْنِ دِينَارٍ] [[زيادة من جـ.]] وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِ [[صحيح ابن حبان (٧/٦٠١) "الإحسان" وانظر لتمام تخريج هذا الحديث وذكر طرقه: حاشية الدكتور سعد الحميد- حفظه الله - على سنن سعيد بن منصور.]] . [وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] ؛ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رَحِمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَأَطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ وَعَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ أَرْشٌ [[في جـ: "أثر".]] وَكَانَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ أُمِرُوا بِهِ، وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقِصَاصَ وَالْعَفْوَ وَالْأَرْشَ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، نَحْوُ هَذَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوْ قَبُولِهَا، فَلَهُ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ أَلِيمٌ مُوجِعٌ شَدِيدٌ.

وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، والحسن، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّهُ هُوَ الذِي يُقْتَلُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ أَوْ خَبْل [[في أ: "أو ختل".]] فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ. وَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَارُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا" رَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] أَحْمَدُ [[المسند (٤/٣١) .]] .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ -يَعْنِي: لَا أَقْبَلُ مِنْهُ الدِّيَةَ -بَلْ أَقْتُلُهُ" [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٢١) وعزاه لسمويه في فوائده، وروى البيهقي في السنن الكبرى (٨/٥٤) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ مطر عن الحسن مرسلا بنحوه، وروى أبو داود في السنن برقم (٤٥٠٧) من طريق حماد عن مطر عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنه مرفوعا بنحوه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: وَفِي شَرْع الْقِصَاصِ لَكُمْ -وَهُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ -حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكُمْ، وَهِيَ بَقَاءُ المُهَج وصَوْنها؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ القاتلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ انْكَفَّ عَنْ صَنِيعِهِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةُ النُّفُوسِ. وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: القتلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْقُرْآنِ أَفْصَحُ، وَأَبْلَغُ، وَأَوْجَزُ.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: جَعَلَ اللَّهُ الْقِصَاصَ حَيَاةً، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يقتُل، فَتَمْنَعُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُقتل.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، ﴿يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يَقُولُ: يَا أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالنُّهَى، لَعَلَّكُمْ تَنْزَجِرُونَ فَتَتْرُكُونَ مَحَارِمَ اللَّهِ وَمَآثِمَهُ، وَالتَّقْوَى: اسْمٌ جَامِعٌ لِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكِرَاتِ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ العدلُ فِي الْقِصَاصِ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ -حُرّكم [[في جـ، أ، و: "فاقتلوا حركم".]] بَحُرِّكُمْ، وَعَبْدُكُمْ بِعَبْدِكُمْ، وَأُنْثَاكُمْ بِأُنْثَاكُمْ، وَلَا تَتَجَاوَزُوا وَتَعْتَدُوا، كَمَا اعْتَدَى مَنْ قَبْلَكُمْ وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ وَ [بَنُو] [[زيادة من أ.]] النَّضِيرِ، كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ قَدْ غَزَتْ قُرَيْظَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَهَرُوهُمْ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ النَّضَرِيُّ القرظيَّ لَا يُقْتَلُ بِهِ، بَلْ يُفَادَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَإِذَا قَتَلَ الْقُرَظِيُّ النَّضَرِيَّ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ فادَوْه فَدَوه بِمِائَتَيْ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ ضعْف دِيَةِ [[في جـ: "ضعف دم".]] الْقُرَظِيِّ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْعَدْلِ فِي الْقِصَاصِ، وَلَا يَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ الْمُحَرِّفِينَ [[في أ: "المجرمين".]] ، الْمُخَالَفِينَ لِأَحْكَامِ اللَّهِ فِيهِمْ، كُفْرًا وَبَغْيًا [[في جـ: "لهوا ولعبا".]] ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ .

وَذُكِرِ فِي [سَبَبِ] [[زيادة من جـ.]] نُزُولَهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَير [[في جـ، أ: "بكر".]] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يَعْنِي: إِذَا كَانَ عَمْدا، الْحُرُّ بِالْحُرِّ. وَذَلِكَ أَنَّ حيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى قَتَلُوا الْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى أَسْلَمُوا، فَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَلُ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعُدَّةِ وَالْأَمْوَالِ، فَحَلَفُوا أَلَّا يَرْضَوْا حَتَّى يُقْتَلَ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرُّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلُ مِنْهُمْ [[في جـ: "والمرأة منا بالرجل منهم".]] ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ.

﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ مِنْهَا مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ [[في جـ: "القصاص والعبيد".]] سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُسْتَوِينَ [[في أ، و: "مستويين".]] فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ فِي النفس وفيما دون النفس رجالهم وَنِسَاؤُهُمْ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .

مَسْأَلَةٌ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَيُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَذَعَهُ جَذَعْنَاهُ، وَمَنْ خَصَاهُ خَصَيْنَاهُ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٥١٥، ٤٥١٦) والترمذي في السنن برقم (١٤١٤) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ لَوْ قُتِلَ خَطَأً لَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِطَرَفِهِ فَفِي النَّفْسِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" [[صحيح البخاري برقم (١١١) .]] وَلَا يَصِحُّ حَدِيثٌ وَلَا تَأْوِيلٌ يُخَالَفُ هَذَا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ.

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ؛ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ" [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا خَاصَّةً.

مَسْأَلَةٌ: وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ؛ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غُلَامٍ قَتَلَهُ سَبْعَةٌ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: لَوْ تَمَالْأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي زَمَانِهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ. وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَلَا يَقْتُلُ بِالنَّفْسِ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُعَاذٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ؛ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَبَاحَ قَتْلَ الْجَمَاعَةِ [[في أ: "قتل جماعة بواحد".]] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَسَبِيلُهُ النَّظَرُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقبل الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يَقُولُ: فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي: [بَعْدَ] [[زيادة من جـ، أ.]] أَخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ، وَذَلِكَ الْعَفْوُ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَقُولُ: فَعَلَى الطَّالِبِ اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا قَبِل الدِّيَةَ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا مَعْك، يَعْنِي: الْمُدَافَعَةُ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عباس: ويؤدي المطلوب بِإِحْسَانٍ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيد، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.

مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ -فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَاتِلُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْبَاقُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شَرَعَ لَكُمْ أَخْذَ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ، مِمَّا كَانَ مَحْتُومًا عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْعَفْوِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ:

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَّاصُ فِي الْقَتْلَى، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْعَفْوُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ [[في أ: "فقال الله في هذه الآية".]] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ [مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ] [[زيادة من جـ.]] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد.]] .

وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو [بْنِ دِينَارٍ] [[زيادة من جـ.]] وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِ [[صحيح ابن حبان (٧/٦٠١) "الإحسان" وانظر لتمام تخريج هذا الحديث وذكر طرقه: حاشية الدكتور سعد الحميد- حفظه الله - على سنن سعيد بن منصور.]] . [وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] ؛ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رَحِمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَأَطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ وَعَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ أَرْشٌ [[في جـ: "أثر".]] وَكَانَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ أُمِرُوا بِهِ، وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقِصَاصَ وَالْعَفْوَ وَالْأَرْشَ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، نَحْوُ هَذَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوْ قَبُولِهَا، فَلَهُ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ أَلِيمٌ مُوجِعٌ شَدِيدٌ.

وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، والحسن، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّهُ هُوَ الذِي يُقْتَلُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ أَوْ خَبْل [[في أ: "أو ختل".]] فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ. وَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَارُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا" رَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] أَحْمَدُ [[المسند (٤/٣١) .]] .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ -يَعْنِي: لَا أَقْبَلُ مِنْهُ الدِّيَةَ -بَلْ أَقْتُلُهُ" [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٢١) وعزاه لسمويه في فوائده، وروى البيهقي في السنن الكبرى (٨/٥٤) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ مطر عن الحسن مرسلا بنحوه، وروى أبو داود في السنن برقم (٤٥٠٧) من طريق حماد عن مطر عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنه مرفوعا بنحوه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: وَفِي شَرْع الْقِصَاصِ لَكُمْ -وَهُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ -حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكُمْ، وَهِيَ بَقَاءُ المُهَج وصَوْنها؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ القاتلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ انْكَفَّ عَنْ صَنِيعِهِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةُ النُّفُوسِ. وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: القتلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْقُرْآنِ أَفْصَحُ، وَأَبْلَغُ، وَأَوْجَزُ.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: جَعَلَ اللَّهُ الْقِصَاصَ حَيَاةً، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يقتُل، فَتَمْنَعُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُقتل.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، ﴿يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يَقُولُ: يَا أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالنُّهَى، لَعَلَّكُمْ تَنْزَجِرُونَ فَتَتْرُكُونَ مَحَارِمَ اللَّهِ وَمَآثِمَهُ، وَالتَّقْوَى: اسْمٌ جَامِعٌ لِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكِرَاتِ.

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا -عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ -قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ نَسَخَتْ هَذِهِ، وَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ الْمُقَدَّرَةُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُوهَا حَتْمًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا تَحْمِلُ منَّة [[في و: "مآنة"، وفي أ: "مانة".]] الْمُوصِي، وَلِهَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا عَنْ عَمْرو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢١٢١) وسنن النسائي (٦/٢٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧١٢) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَية، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، قَالَ: جَلَسَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى أَتَى [عَلَى] [[زيادة من جـ.]] هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فَقَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا [[سنن سعيد بن منصور برقم (٢٥٢) بتحقيق االدكتور الحميد، والمستدرك (٢/٢٧٣) .]] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس فِي قَوْلِهِ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ قَالَ: كَانَ لَا يَرْثُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرُهُمَا إِلَّا وَصِيَّةً لِلْأَقْرَبِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْمِيرَاثِ [[في أ: "المواريث".]] فبيَّن مِيرَاثَ الْوَالِدَيْنِ، وَأَقَرَّ وَصِيَّةَ الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النِّسَاءِ: ٧] .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في جـ: "ابن أبي عمر".]] وَأَبِي مُوسَى، وَسَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعِكْرِمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيّان، وَطَاوُسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وشُرَيح، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ.

وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ [[في جـ: "ابن أبي عمر".]] الرَّازِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ -كَيْفَ حَكَى فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ [[في أ: "الأصبهاني".]] أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُفَسرة بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَمَعْنَاهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا أَوْصَى اللَّهُ بِهِ مِنْ تَوْرِيثِ [[في جـ: "من تواريث".]] الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] قَالَ: وَهُوَ قولُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْتَبَرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فِيمَنْ يَرِثُ، ثَابِتَةٌ فِيمَنْ لَا يَرِثُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَسْرُوقٍ، وَطَاوُسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَار، وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ.

قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ أَيْضًا سعيدُ بْنُ جُبَير، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ [[في أ: "على قول هذا".]] لَا يُسَمَّى هَذَا نَسْخًا فِي اصْطِلَاحِنَا الْمُتَأَخِّرِ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمِيرَاثِ إِنَّمَا رَفَعَتْ حُكْمَ بَعْضِ أَفْرَادِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ آيَةِ الْوِصَايَةِ، لِأَنَّ "الْأَقْرَبِينَ" أَعَمُّ مِمَّنْ يَرِثُ وَمَنْ [[في أ: "وممن".]] لَا يَرِثُ، فَرُفِعَ حُكْمُ مَنْ يَرْثُ بِمَا عُيِّنَ لَهُ، وَبَقِيَ الْآخَرُ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْوِصَايَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا كَانَتْ نَدْبًا حَتَّى نُسِخَتْ. فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا كانت واجبة وهو الظاهر من سِيَاقِ الْآيَةِ -فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، كَمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْتَبَرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [الْوَارِثِينَ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] مَنْسُوخٌ بِالْإِجْمَاعِ. بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ". فَآيَةُ الْمِيرَاثِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، وَوُجُوبٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْفُرُوضِ وَلِلْعَصِبَاتِ [[في جـ: "والعصبات".]] ، رَفَعَ بِهَا حُكْمَ هَذِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. بَقِيَ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصَى لَهُمْ مِنَ الثُّلُثِ، اسْتِئْنَاسًا بِآيَةِ الْوَصِيَّةِ وَشُمُولِهَا، وَلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا مَرَّتْ عَلَيّ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي [[صحيح البخاري برقم (٢٧٣٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٧) .]] .

وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِبَرِّ الْأَقَارِبِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، ثِنْتَانِ لَمْ يَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا فِي مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ؛ لِأُطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ، وَصَلَاةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أَيْ: مَالًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَطية العَوْفي، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ سَوَاءٌ قَلّ الْمَالُ أَوْ كثُر كَالْوِرَاثَةِ [[في أ: "كالوارثة".]] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُوصِي إِذَا تَرَكَ مَالًا جَزِيلًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ مَاتَ، وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ أَرْبَعَمِائَةٍ [[في أ، و: "أربعمائة دينار".]] وَلَمْ يُوصِ. قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدة -يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ -عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ: أُوصِي؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إِنَّمَا تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا، فَاتْرُكْهُ لِوَلَدِكَ.

وَقَالَ الْحَكَمُ [[في جـ: "الحاكم".]] بْنُ أَبَانَ: حَدَّثَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينَارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا، قَالَ الْحَكَمُ [[في جـ: "الحاكم".]] : قَالَ طَاوُسٌ: لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا مَنْ لَمْ يَتْرُكْ ثَمَانِينَ دِينَارًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: أَلْفًا فَمَا فَوْقَهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: بِالرِّفْقِ والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ [[في أ، و: "بن بشار".]] ،حَدَّثَنِي سُرُورُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فَقَالَ: نَعَم، الْوَصِيَّةُ حَقٌّ، عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُوصِيَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ المُنكر.

وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ: أَنْ يُوصِيَ لِأَقْرَبِيهِ وَصيَّةً لَا تُجْحِفُ بِوَرَثَتِهِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا" قَالَ: فبالشَّطْر؟ قَالَ: "لَا" قَالَ: فَالثُّلُثُ [[في جـ: "فبالثلث".]] ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) .]] .

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ ذَيَّالِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ، سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ بْنَ حِذْيَمِ [[في أ: "جديم"، وفي و: "جذيم".]] بْنِ حَنِيفَةَ: أَنَّ جِدَّهُ حَنِيفَةَ أَوْصَى لِيَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِيهِ، فَارْتَفَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ حَنِيفَةُ: إِنِّي أَوْصَيْتُ لِيَتِيمٍ لِي بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، كُنَّا نُسَمِّيهَا الْمُطَيَّبَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ، "لَا لَا لَا. الصَّدَقَةُ: خَمْسٌ، وَإِلَّا فعَشْر، وَإِلَّا فَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَإِلَّا فَعِشْرُونَ، وَإِلَّا فَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَإِلَّا فَثَلَاثُونَ، وَإِلَّا فَخَمْسٌ وَثَلَاثُونَ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَأَرْبَعُونَ".

وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ [[المسند (٥/٦٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ بَدَّلَ الْوَصِيَّةَ وَحَرَّفَهَا، فَغَيَّرَ حُكْمَهَا وَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ -وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكِتْمَانُ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى - ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ الْمَيِّتِ عَلَى اللَّهِ، وتعلَّق الْإِثْمُ بِالَّذِينِ بَدَّلُوا ذَلِكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَدَّلَهُ الْمُوصَى إِلَيْهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ: الجَنَف: الْخَطَأُ. وَهَذَا يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الْخَطَأِ كُلَّهَا، بِأَنْ زَادَ وَارِثًا بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسِيلَةٍ، كَمَا إِذَا أَوْصَى بِبَيْعِهِ الشيءَ الفُلانيّ مُحَابَاةً، أَوْ أَوْصَى لِابْنِ ابْنَتِهِ لِيَزِيدَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِلِ، إِمَّا مُخْطِئًا غَيْرَ عَامِدٍ، بَلْ بِطَبْعِهِ وَقُوَّةِ شَفَقَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ، أَوْ مُتَعَمِّدًا آثِمًا فِي ذَلِكَ، فَلِلْوَصِيِّ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -أَنْ يُصْلِحَ الْقَضِيَّةَ [[في أ: "القصة".]] ويعدلَ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. وَيَعْدِلَ عَنِ الذِي أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهُ الْأُمُورِ بِهِ [[في جـ: "المأمور به".]] جَمْعًا بَيْنَ مقصود الموصي وَالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ. وَهَذَا الْإِصْلَاحُ وَالتَّوْفِيقُ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ فِي شَيْءٍ. وَلِهَذَا عَطَفَ هَذَا -فَبَيَّنَهُ [[في أ: "فنبه".]] -عَلَى النَّهْيِ لِذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ بِسَبِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزيد، قِرَاءَةً، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ قَالَ: "يُرَدّ مِنْ صَدقة الْحَائِفِ [[في أ: "الخائف".]] فِي حَيَاتِهِ مَا يُرَدُّ مِنْ وَصِيَّةِ الْمُجْنِفِ [[في أ: "المخيف".]] عِنْدَ مَوْتِهِ" [[ورواه أبو داود في المراسيل برقم (١٩٤) من طريق عباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، به. قال العباس: حدثنا به مرة، عن عروة، ومرة عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، ثم رواه أبو داود برقم (١٩٥) عن عروة مرسلا، وبرقم (١٩٦) عن الزهري مرسلا.]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه، مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، بِهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ. وَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ عُرْوَةَ فَقَطْ. وَقَدْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ عُرْوَةَ.

وَقَالَ ابْنُ مَرْدويه أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِيِ هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ" [[ورواه الدارقطني في السنن (٤/١٥١) والعقيلي في الضعفاء (٣/١٨٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٧١) من طريق عمر بن المغيرة به نحوه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٧١) من طريق هشيم عن داود به موقوفا، وقال: "هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفا، وروى من وجه آخر مرفوعا، ورفعه ضعيف".]] .

وَهَذَا فِي رَفْعِهِ أَيْضًا نَظَرٌ [[في جـ: "وهذا أيضا في رفعه نظر".]] . وَأَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ:

حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ أشعثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سبعينَ سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرجل ليعمل بعَمَل أهل الشر سبعينَ سنة، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فيدخل الجنة" [[في جـ: "تقديم وتأخير في العبارتين".]] . قال أبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] .

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com