Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah Taa-Haa
Tafsir Ibn Kathir · Taa-Haa · 135 ayat · ayat 91–120 · Quran text →
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا كَانَ مِنْ نَهْي هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ: إِنَّمَا هَذَا فِتْنَةٌ لَكُمْ ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ، الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أَيْ: فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أَيْ: لَا نَتْرُكَ عِبَادَتَهُ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَ مُوسَى فِيهِ. وَخَالَفُوا هَارُونَ فِي ذَلِكَ وَحَارَبُوهُ وَكَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ.
يَقُولُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَرَأَى مَا قَدْ حَدَثَ فِيهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَامْتَلَأَ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْظًا، [[في ف: "غضبا".]] وَأَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْأَلْوَاحِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي "الْأَعْرَافِ" بَسْطَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ".
وَشَرَعَ يَلُومُ أَخَاهُ [[في ف: "أخوه".]] هَارُونَ فَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِ﴾ أَيْ: فَتُخْبِرَنِي بِهَذَا الْأَمْرِ أَوَّلَ مَا وَقَعَ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أَيْ: فِيمَا كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ تَرَفَّقَ لَهُ بِذِكْرِ الْأُمِّ مَعَ أَنَّهُ شَقِيقُهُ لِأَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ هَاهُنَا أَرَقُّ وَأَبْلَغُ، أَيْ: فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
هَذَا اعْتِذَارٌ مِنْ هَارُونَ عِنْدَ مُوسَى فِي سَبَبِ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَيُخْبِرْهُ بِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ قَالَ ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أَنْ أَتْبَعَكَ فَأُخْبِرَكَ بِهَذَا، فَتَقُولَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهُمْ وَحْدَهُمْ وَفَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أَيْ: وَمَا رَاعَيْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ حَيْثُ اسْتَخْلَفْتُكَ فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ هَارُونُ هَائِبًا لَهُ مُطِيعًا.
يَقُولُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَرَأَى مَا قَدْ حَدَثَ فِيهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَامْتَلَأَ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْظًا، [[في ف: "غضبا".]] وَأَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْأَلْوَاحِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي "الْأَعْرَافِ" بَسْطَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ".
وَشَرَعَ يَلُومُ أَخَاهُ [[في ف: "أخوه".]] هَارُونَ فَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِ﴾ أَيْ: فَتُخْبِرَنِي بِهَذَا الْأَمْرِ أَوَّلَ مَا وَقَعَ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أَيْ: فِيمَا كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ تَرَفَّقَ لَهُ بِذِكْرِ الْأُمِّ مَعَ أَنَّهُ شَقِيقُهُ لِأَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ هَاهُنَا أَرَقُّ وَأَبْلَغُ، أَيْ: فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
هَذَا اعْتِذَارٌ مِنْ هَارُونَ عِنْدَ مُوسَى فِي سَبَبِ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَيُخْبِرْهُ بِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ قَالَ ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أَنْ أَتْبَعَكَ فَأُخْبِرَكَ بِهَذَا، فَتَقُولَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهُمْ وَحْدَهُمْ وَفَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أَيْ: وَمَا رَاعَيْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ حَيْثُ اسْتَخْلَفْتُكَ فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ هَارُونُ هَائِبًا لَهُ مُطِيعًا.
يَقُولُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَرَأَى مَا قَدْ حَدَثَ فِيهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَامْتَلَأَ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْظًا، [[في ف: "غضبا".]] وَأَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْأَلْوَاحِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي "الْأَعْرَافِ" بَسْطَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ".
وَشَرَعَ يَلُومُ أَخَاهُ [[في ف: "أخوه".]] هَارُونَ فَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِ﴾ أَيْ: فَتُخْبِرَنِي بِهَذَا الْأَمْرِ أَوَّلَ مَا وَقَعَ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أَيْ: فِيمَا كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ تَرَفَّقَ لَهُ بِذِكْرِ الْأُمِّ مَعَ أَنَّهُ شَقِيقُهُ لِأَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ هَاهُنَا أَرَقُّ وَأَبْلَغُ، أَيْ: فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
هَذَا اعْتِذَارٌ مِنْ هَارُونَ عِنْدَ مُوسَى فِي سَبَبِ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ، حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَيُخْبِرْهُ بِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ قَالَ ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أَنْ أَتْبَعَكَ فَأُخْبِرَكَ بِهَذَا، فَتَقُولَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهُمْ وَحْدَهُمْ وَفَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أَيْ: وَمَا رَاعَيْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ حَيْثُ اسْتَخْلَفْتُكَ فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ هَارُونُ هَائِبًا لَهُ مُطِيعًا.
يَقُولُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلسَّامِرِيِّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ: مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَنَّهُ] [[زيادة من أ.]] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أَيْ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أَيْ: مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمار بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ: وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ [[في ف: "وكتب الله الأقلام في الألواح".]] وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ: نَزَلَ مُوسَى، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ. غَرِيبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قَالَ: مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ [[في ف: "فرس حافر".]] جِبْرِيلَ، قَالَ: وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَبَذَ السَّامِرِيُّ، أَيْ: أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوار حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ، فَهُوَ خُوَارُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، أخبرنا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ؛ أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: "كُنْ فَكَانَ" فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ، فَاجْمَعُوهُ. فَجَمَعُوهُ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ، فَذَابَ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ: "كُنْ" كَانَ. فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ: "كُنْ"، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالَ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أَيْ: أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أَيْ: حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَيْ: كَمَا أَخَذْتَ ومَسَسْتَ مَا لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ: "لَا مِسَاسَ" أَيْ: لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أَيْ: لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قَالَ: عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: لَا مِسَاسَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو نَهِيك: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَيْ: مَعْبُودِكَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أَيْ: أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ، يَعْنِي: الْعِجْلَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ: سَحَله [[في ف: "ينتحله".]] بِالْمَبَارِدِ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، أَيْ: رَمَادَهُ [[في ف: "ثم ألقى رماده".]] فِي الْبَحْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ [[في ف: "عن".]] عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ: فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ، فَبَرَدَهُ بِهَا، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ. فَقَالُوا لِمُوسَى: مَا تَوْبَتُنَا [[في ف، أ: "ما يريد منا".]] ؟ قَالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" ثُمَّ فِي حَدِيثِ "الْفُتُونِ" بَسْطُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٨] ، فَلَا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] ، ﴿وَمَا [[في ف: "ولا".]] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هُودٍ: ٦] وَالْآيَاتُ فِي هذا كثيرة جدًّا.
يَقُولُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلسَّامِرِيِّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ: مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَنَّهُ] [[زيادة من أ.]] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أَيْ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أَيْ: مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمار بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ: وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ [[في ف: "وكتب الله الأقلام في الألواح".]] وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ: نَزَلَ مُوسَى، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ. غَرِيبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قَالَ: مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ [[في ف: "فرس حافر".]] جِبْرِيلَ، قَالَ: وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَبَذَ السَّامِرِيُّ، أَيْ: أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوار حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ، فَهُوَ خُوَارُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، أخبرنا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ؛ أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: "كُنْ فَكَانَ" فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ، فَاجْمَعُوهُ. فَجَمَعُوهُ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ، فَذَابَ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ: "كُنْ" كَانَ. فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ: "كُنْ"، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالَ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أَيْ: أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أَيْ: حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَيْ: كَمَا أَخَذْتَ ومَسَسْتَ مَا لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ: "لَا مِسَاسَ" أَيْ: لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أَيْ: لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قَالَ: عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: لَا مِسَاسَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو نَهِيك: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَيْ: مَعْبُودِكَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أَيْ: أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ، يَعْنِي: الْعِجْلَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ: سَحَله [[في ف: "ينتحله".]] بِالْمَبَارِدِ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، أَيْ: رَمَادَهُ [[في ف: "ثم ألقى رماده".]] فِي الْبَحْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ [[في ف: "عن".]] عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ: فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ، فَبَرَدَهُ بِهَا، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ. فَقَالُوا لِمُوسَى: مَا تَوْبَتُنَا [[في ف، أ: "ما يريد منا".]] ؟ قَالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" ثُمَّ فِي حَدِيثِ "الْفُتُونِ" بَسْطُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٨] ، فَلَا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] ، ﴿وَمَا [[في ف: "ولا".]] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هُودٍ: ٦] وَالْآيَاتُ فِي هذا كثيرة جدًّا.
يَقُولُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلسَّامِرِيِّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ: مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَنَّهُ] [[زيادة من أ.]] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أَيْ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أَيْ: مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمار بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ: وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ [[في ف: "وكتب الله الأقلام في الألواح".]] وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ: نَزَلَ مُوسَى، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ. غَرِيبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قَالَ: مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ [[في ف: "فرس حافر".]] جِبْرِيلَ، قَالَ: وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَبَذَ السَّامِرِيُّ، أَيْ: أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوار حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ، فَهُوَ خُوَارُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، أخبرنا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ؛ أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: "كُنْ فَكَانَ" فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ، فَاجْمَعُوهُ. فَجَمَعُوهُ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ، فَذَابَ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ: "كُنْ" كَانَ. فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ: "كُنْ"، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالَ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أَيْ: أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أَيْ: حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَيْ: كَمَا أَخَذْتَ ومَسَسْتَ مَا لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ: "لَا مِسَاسَ" أَيْ: لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أَيْ: لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قَالَ: عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: لَا مِسَاسَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو نَهِيك: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَيْ: مَعْبُودِكَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أَيْ: أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ، يَعْنِي: الْعِجْلَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ: سَحَله [[في ف: "ينتحله".]] بِالْمَبَارِدِ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، أَيْ: رَمَادَهُ [[في ف: "ثم ألقى رماده".]] فِي الْبَحْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ [[في ف: "عن".]] عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ: فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ، فَبَرَدَهُ بِهَا، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ. فَقَالُوا لِمُوسَى: مَا تَوْبَتُنَا [[في ف، أ: "ما يريد منا".]] ؟ قَالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" ثُمَّ فِي حَدِيثِ "الْفُتُونِ" بَسْطُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٨] ، فَلَا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] ، ﴿وَمَا [[في ف: "ولا".]] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هُودٍ: ٦] وَالْآيَاتُ فِي هذا كثيرة جدًّا.
يَقُولُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلسَّامِرِيِّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ: مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَنَّهُ] [[زيادة من أ.]] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أَيْ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أَيْ: مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمار بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ: وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ [[في ف: "وكتب الله الأقلام في الألواح".]] وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ: نَزَلَ مُوسَى، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ. غَرِيبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قَالَ: مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ [[في ف: "فرس حافر".]] جِبْرِيلَ، قَالَ: وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَبَذَ السَّامِرِيُّ، أَيْ: أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوار حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ، فَهُوَ خُوَارُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، أخبرنا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ؛ أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: "كُنْ فَكَانَ" فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ، فَاجْمَعُوهُ. فَجَمَعُوهُ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ، فَذَابَ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ: "كُنْ" كَانَ. فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ: "كُنْ"، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالَ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أَيْ: أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أَيْ: حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَيْ: كَمَا أَخَذْتَ ومَسَسْتَ مَا لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ: "لَا مِسَاسَ" أَيْ: لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أَيْ: لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قَالَ: عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: لَا مِسَاسَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو نَهِيك: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَيْ: مَعْبُودِكَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أَيْ: أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ، يَعْنِي: الْعِجْلَ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ: سَحَله [[في ف: "ينتحله".]] بِالْمَبَارِدِ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، أَيْ: رَمَادَهُ [[في ف: "ثم ألقى رماده".]] فِي الْبَحْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ [[في ف: "عن".]] عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ: فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ، فَبَرَدَهُ بِهَا، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ. فَقَالُوا لِمُوسَى: مَا تَوْبَتُنَا [[في ف، أ: "ما يريد منا".]] ؟ قَالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" ثُمَّ فِي حَدِيثِ "الْفُتُونِ" بَسْطُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٨] ، فَلَا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] ، ﴿وَمَا [[في ف: "ولا".]] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هُودٍ: ٦] وَالْآيَاتُ فِي هذا كثيرة جدًّا.
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ خَبَرَ مُوسَى، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الْوَاقِعِ، كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ الْأَخْبَارَ الْمَاضِيَةَ كَمَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، هَذَا ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾ أَيْ: عِنْدِنَا ﴿ذِكْرًا﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ، الَّذِي لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [مُنْذُ بُعِثُوا إِلَى أَنْ خُتِمُوا] [[زيادة من ف.]] بِمُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيمًا، كِتَابًا مِثْلَهُ وَلَا أَكْمَلَ مِنْهُ، وَلَا أَجْمَعَ لِخَبَرِ مَا سَبَقَ وَخَبَرِ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَحُكْمِ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أَيْ: كَذَّبَ بِهِ وَأَعْرَضَ عَنِ اتِّبَاعِهِ أَمْرًا وَطَلَبًا، وَابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ أَيْ: إِثْمًا، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] . فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ وَدَاعٍ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ هُدِيَ، وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ ضَلَّ وَشَقِيَ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْحِمْلُ حِمْلُهُمْ. [[في ف: "عليهم".]]
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ خَبَرَ مُوسَى، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الْوَاقِعِ، كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ الْأَخْبَارَ الْمَاضِيَةَ كَمَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، هَذَا ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾ أَيْ: عِنْدِنَا ﴿ذِكْرًا﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ، الَّذِي لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [مُنْذُ بُعِثُوا إِلَى أَنْ خُتِمُوا] [[زيادة من ف.]] بِمُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيمًا، كِتَابًا مِثْلَهُ وَلَا أَكْمَلَ مِنْهُ، وَلَا أَجْمَعَ لِخَبَرِ مَا سَبَقَ وَخَبَرِ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَحُكْمِ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أَيْ: كَذَّبَ بِهِ وَأَعْرَضَ عَنِ اتِّبَاعِهِ أَمْرًا وَطَلَبًا، وَابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ أَيْ: إِثْمًا، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] . فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ وَدَاعٍ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ هُدِيَ، وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ ضَلَّ وَشَقِيَ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْحِمْلُ حِمْلُهُمْ. [[في ف: "عليهم".]]
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ خَبَرَ مُوسَى، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الْوَاقِعِ، كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ الْأَخْبَارَ الْمَاضِيَةَ كَمَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، هَذَا ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾ أَيْ: عِنْدِنَا ﴿ذِكْرًا﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ، الَّذِي لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [مُنْذُ بُعِثُوا إِلَى أَنْ خُتِمُوا] [[زيادة من ف.]] بِمُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيمًا، كِتَابًا مِثْلَهُ وَلَا أَكْمَلَ مِنْهُ، وَلَا أَجْمَعَ لِخَبَرِ مَا سَبَقَ وَخَبَرِ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَحُكْمِ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أَيْ: كَذَّبَ بِهِ وَأَعْرَضَ عَنِ اتِّبَاعِهِ أَمْرًا وَطَلَبًا، وَابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ أَيْ: إِثْمًا، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] . فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ وَدَاعٍ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ هُدِيَ، وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ ضَلَّ وَشَقِيَ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْحِمْلُ حِمْلُهُمْ. [[في ف: "عليهم".]]
ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الصُّور، فَقَالَ: "قَرنٌ يُنفَخ فِيهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٢/١٩٢) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ "الصُّورِ" مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَرْنٌ عَظِيمٌ، الدَّارة مِنْهُ بِقَدْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "كَيْفَ أنعَمُ وَصَاحِبُ القَرْن قَدِ الْتَقَمَ القَرْن، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا" [[سبق الحديث في الكلام عن الصور عند الآية: ٧٣ من تفسير سورة الأنعام.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ زُرْق الْعُيُونِ مِنْ شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَسَارُّونَ [[في ف: "يتشاورون".]] بَيْنَهُمْ، أَيْ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾
أَيْ: فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، لَقَدْ كَانَ لُبْثُكُمْ فِيهَا قَلِيلًا عَشَرَةُ أَيْامٍ أَوْ نَحْوُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ تَنَاجِيهِمْ بَيْنَهُمْ ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أَيِ: الْعَاقِلُ الْكَامِلُ فِيهِمْ، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ أَيْ لِقِصَرِ مُدَّةِ الدُّنْيَا فِي أَنْفُسِهِمْ [يَوْمَ الْمَعَادِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّها وَإِنْ تَكَرَّرَتْ أَوْقَاتُهَا وَتَعَاقَبَتْ لَيَالِيهَا وَأَيَّامُهَا] [[زيادة من ف، أ.]] وَسَاعَاتُهَا كَأَنَّهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ وَلِهَذَا تَسْتَقْصِرُ مُدَّةُ [[في ف: "يستقصر الكافرون مدة".]] الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَكَانَ غَرَضُهُمْ فِي ذَلِكَ [دَرْءَ] [[زيادة من ف، أ".]] قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِقِصَرِ الْمُدَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥، ٥٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢-١١٤] أَيْ: إِنَّمَا كَانَ لُبثكم فِيهَا قَلِيلًا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَآثَرْتُمُ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَانِي، وَلَكِنْ تَصَرَّفْتُمْ فَأَسَأْتُمُ التَّصَرُّفَ، قَدَّمتُم الْحَاضِرَ الْفَانِيَ عَلَى الدَّائِمِ الْبَاقِي.
ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الصُّور، فَقَالَ: "قَرنٌ يُنفَخ فِيهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٢/١٩٢) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ "الصُّورِ" مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَرْنٌ عَظِيمٌ، الدَّارة مِنْهُ بِقَدْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "كَيْفَ أنعَمُ وَصَاحِبُ القَرْن قَدِ الْتَقَمَ القَرْن، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا" [[سبق الحديث في الكلام عن الصور عند الآية: ٧٣ من تفسير سورة الأنعام.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ زُرْق الْعُيُونِ مِنْ شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَسَارُّونَ [[في ف: "يتشاورون".]] بَيْنَهُمْ، أَيْ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾
أَيْ: فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، لَقَدْ كَانَ لُبْثُكُمْ فِيهَا قَلِيلًا عَشَرَةُ أَيْامٍ أَوْ نَحْوُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ تَنَاجِيهِمْ بَيْنَهُمْ ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أَيِ: الْعَاقِلُ الْكَامِلُ فِيهِمْ، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ أَيْ لِقِصَرِ مُدَّةِ الدُّنْيَا فِي أَنْفُسِهِمْ [يَوْمَ الْمَعَادِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّها وَإِنْ تَكَرَّرَتْ أَوْقَاتُهَا وَتَعَاقَبَتْ لَيَالِيهَا وَأَيَّامُهَا] [[زيادة من ف، أ.]] وَسَاعَاتُهَا كَأَنَّهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ وَلِهَذَا تَسْتَقْصِرُ مُدَّةُ [[في ف: "يستقصر الكافرون مدة".]] الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَكَانَ غَرَضُهُمْ فِي ذَلِكَ [دَرْءَ] [[زيادة من ف، أ".]] قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِقِصَرِ الْمُدَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥، ٥٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢-١١٤] أَيْ: إِنَّمَا كَانَ لُبثكم فِيهَا قَلِيلًا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَآثَرْتُمُ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَانِي، وَلَكِنْ تَصَرَّفْتُمْ فَأَسَأْتُمُ التَّصَرُّفَ، قَدَّمتُم الْحَاضِرَ الْفَانِيَ عَلَى الدَّائِمِ الْبَاقِي.
ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الصُّور، فَقَالَ: "قَرنٌ يُنفَخ فِيهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٢/١٩٢) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ "الصُّورِ" مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَرْنٌ عَظِيمٌ، الدَّارة مِنْهُ بِقَدْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "كَيْفَ أنعَمُ وَصَاحِبُ القَرْن قَدِ الْتَقَمَ القَرْن، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا" [[سبق الحديث في الكلام عن الصور عند الآية: ٧٣ من تفسير سورة الأنعام.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ زُرْق الْعُيُونِ مِنْ شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَسَارُّونَ [[في ف: "يتشاورون".]] بَيْنَهُمْ، أَيْ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾
أَيْ: فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، لَقَدْ كَانَ لُبْثُكُمْ فِيهَا قَلِيلًا عَشَرَةُ أَيْامٍ أَوْ نَحْوُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ تَنَاجِيهِمْ بَيْنَهُمْ ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أَيِ: الْعَاقِلُ الْكَامِلُ فِيهِمْ، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ أَيْ لِقِصَرِ مُدَّةِ الدُّنْيَا فِي أَنْفُسِهِمْ [يَوْمَ الْمَعَادِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّها وَإِنْ تَكَرَّرَتْ أَوْقَاتُهَا وَتَعَاقَبَتْ لَيَالِيهَا وَأَيَّامُهَا] [[زيادة من ف، أ.]] وَسَاعَاتُهَا كَأَنَّهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ وَلِهَذَا تَسْتَقْصِرُ مُدَّةُ [[في ف: "يستقصر الكافرون مدة".]] الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَكَانَ غَرَضُهُمْ فِي ذَلِكَ [دَرْءَ] [[زيادة من ف، أ".]] قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِقِصَرِ الْمُدَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥، ٥٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢-١١٤] أَيْ: إِنَّمَا كَانَ لُبثكم فِيهَا قَلِيلًا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَآثَرْتُمُ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَانِي، وَلَكِنْ تَصَرَّفْتُمْ فَأَسَأْتُمُ التَّصَرُّفَ، قَدَّمتُم الْحَاضِرَ الْفَانِيَ عَلَى الدَّائِمِ الْبَاقِي.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أَيْ: هَلْ تَبْقَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ تَزُولُ؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَيَمْحَقُهَا وَيُسَيِّرُهَا تَسْيِيرًا.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ أَيِ: الْأَرْضَ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أَيْ: بِسَاطًا وَاحِدًا.
وَالْقَاعُ: هُوَ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ. وَالصَّفْصَفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُرَادًا أَيْضًا بِاللَّازِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أَيْ: لَا تَرَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً، وَلَا مَكَانًا مُنْخَفِضًا وَلَا مُرْتَفِعًا، كَذَلِكَ [[في أ: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ وَالْأَهْوَالَ، يَسْتَجِيبُونَ مُسَارِعِينَ إِلَى الدَّاعِي، حَيْثُمَا أُمِرُوا بَادَرُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الدُّنْيَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ، وَلَكِنْ حَيْثُ [[في ف: "حيث كان".]] لَا يَنْفَعُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظلمة، وتطوي [[في ف: "ويطوى".]] السماء، وَتَتَنَاثَرُ [[في ف: "ويتناثر".]] النُّجُومُ، وَتَذْهَبُ [[في ف: "ويذهب".]] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ، فَيَتْبَعُ النَّاسُ الصَّوْتَ [فَيَأْتُونَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا يَمِيلُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا عِوَجَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ: وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ.
﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَطْءَ الْأَقْدَامِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الْحَدِيثَ، وَسِرَّهُ، وَوَطْءَ الْأَقْدَامِ. فَقَدْ جَمَعَ سَعِيدٌ كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، أَمَّا وَطْءُ الْأَقْدَامِ فَالْمُرَادُ سَعْيُ النَّاسِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَشْيُهُمْ فِي سُكُونٍ وَخُضُوعٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ الْخَفِيُّ فَقَدْ يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أَيْ: هَلْ تَبْقَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ تَزُولُ؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَيَمْحَقُهَا وَيُسَيِّرُهَا تَسْيِيرًا.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ أَيِ: الْأَرْضَ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أَيْ: بِسَاطًا وَاحِدًا.
وَالْقَاعُ: هُوَ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ. وَالصَّفْصَفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُرَادًا أَيْضًا بِاللَّازِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أَيْ: لَا تَرَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً، وَلَا مَكَانًا مُنْخَفِضًا وَلَا مُرْتَفِعًا، كَذَلِكَ [[في أ: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ وَالْأَهْوَالَ، يَسْتَجِيبُونَ مُسَارِعِينَ إِلَى الدَّاعِي، حَيْثُمَا أُمِرُوا بَادَرُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الدُّنْيَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ، وَلَكِنْ حَيْثُ [[في ف: "حيث كان".]] لَا يَنْفَعُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظلمة، وتطوي [[في ف: "ويطوى".]] السماء، وَتَتَنَاثَرُ [[في ف: "ويتناثر".]] النُّجُومُ، وَتَذْهَبُ [[في ف: "ويذهب".]] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ، فَيَتْبَعُ النَّاسُ الصَّوْتَ [فَيَأْتُونَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا يَمِيلُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا عِوَجَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ: وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ.
﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَطْءَ الْأَقْدَامِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الْحَدِيثَ، وَسِرَّهُ، وَوَطْءَ الْأَقْدَامِ. فَقَدْ جَمَعَ سَعِيدٌ كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، أَمَّا وَطْءُ الْأَقْدَامِ فَالْمُرَادُ سَعْيُ النَّاسِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَشْيُهُمْ فِي سُكُونٍ وَخُضُوعٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ الْخَفِيُّ فَقَدْ يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أَيْ: هَلْ تَبْقَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ تَزُولُ؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَيَمْحَقُهَا وَيُسَيِّرُهَا تَسْيِيرًا.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ أَيِ: الْأَرْضَ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أَيْ: بِسَاطًا وَاحِدًا.
وَالْقَاعُ: هُوَ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ. وَالصَّفْصَفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُرَادًا أَيْضًا بِاللَّازِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أَيْ: لَا تَرَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً، وَلَا مَكَانًا مُنْخَفِضًا وَلَا مُرْتَفِعًا، كَذَلِكَ [[في أ: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ وَالْأَهْوَالَ، يَسْتَجِيبُونَ مُسَارِعِينَ إِلَى الدَّاعِي، حَيْثُمَا أُمِرُوا بَادَرُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الدُّنْيَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ، وَلَكِنْ حَيْثُ [[في ف: "حيث كان".]] لَا يَنْفَعُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظلمة، وتطوي [[في ف: "ويطوى".]] السماء، وَتَتَنَاثَرُ [[في ف: "ويتناثر".]] النُّجُومُ، وَتَذْهَبُ [[في ف: "ويذهب".]] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ، فَيَتْبَعُ النَّاسُ الصَّوْتَ [فَيَأْتُونَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا يَمِيلُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا عِوَجَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ: وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ.
﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَطْءَ الْأَقْدَامِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الْحَدِيثَ، وَسِرَّهُ، وَوَطْءَ الْأَقْدَامِ. فَقَدْ جَمَعَ سَعِيدٌ كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، أَمَّا وَطْءُ الْأَقْدَامِ فَالْمُرَادُ سَعْيُ النَّاسِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَشْيُهُمْ فِي سُكُونٍ وَخُضُوعٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ الْخَفِيُّ فَقَدْ يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أَيْ: هَلْ تَبْقَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ تَزُولُ؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَيَمْحَقُهَا وَيُسَيِّرُهَا تَسْيِيرًا.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ أَيِ: الْأَرْضَ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أَيْ: بِسَاطًا وَاحِدًا.
وَالْقَاعُ: هُوَ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ. وَالصَّفْصَفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُرَادًا أَيْضًا بِاللَّازِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أَيْ: لَا تَرَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً، وَلَا مَكَانًا مُنْخَفِضًا وَلَا مُرْتَفِعًا، كَذَلِكَ [[في أ: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أَيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ وَالْأَهْوَالَ، يَسْتَجِيبُونَ مُسَارِعِينَ إِلَى الدَّاعِي، حَيْثُمَا أُمِرُوا بَادَرُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الدُّنْيَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ، وَلَكِنْ حَيْثُ [[في ف: "حيث كان".]] لَا يَنْفَعُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظلمة، وتطوي [[في ف: "ويطوى".]] السماء، وَتَتَنَاثَرُ [[في ف: "ويتناثر".]] النُّجُومُ، وَتَذْهَبُ [[في ف: "ويذهب".]] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ، فَيَتْبَعُ النَّاسُ الصَّوْتَ [فَيَأْتُونَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا يَمِيلُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لَا عِوَجَ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ: وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ.
﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَطْءَ الْأَقْدَامِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ : الْحَدِيثَ، وَسِرَّهُ، وَوَطْءَ الْأَقْدَامِ. فَقَدْ جَمَعَ سَعِيدٌ كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، أَمَّا وَطْءُ الْأَقْدَامِ فَالْمُرَادُ سَعْيُ النَّاسِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَشْيُهُمْ فِي سُكُونٍ وَخُضُوعٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ الْخَفِيُّ فَقَدْ يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] .
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أَيْ: عِنْدَهُ ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ،وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] ، وَقَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، وَأَخِرُّ [[في ف، أ: "فأخر".]] لِلَّهِ سَاجِدًا، ويَفْتَح عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ، فَيَدَعُنِي [[في ف: "ويدعني".]] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ [[في ف: "تسمع".]] وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ". قَالَ: "فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ"، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ [أَيْضًا] [[زيادة من ف، أ.]] يَقُولُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرِجُون خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ" الْحَدِيثَ. [[انظر: أحاديث الشفاعة عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَيْ: يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَنَامُ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ" [[في ف، أ: "الظالم".]] .
وَفِي الصَّحِيحِ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٩٠) من حديث جابر بلفظ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".]] . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُون وَلَا يُهضَمون، أَيْ: لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ [[في ف: "سيئاته ولا ينقص من حسناته".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. فَالظُّلْمُ: الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ: النَّقْصُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أَيْ: عِنْدَهُ ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ،وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] ، وَقَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، وَأَخِرُّ [[في ف، أ: "فأخر".]] لِلَّهِ سَاجِدًا، ويَفْتَح عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ، فَيَدَعُنِي [[في ف: "ويدعني".]] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ [[في ف: "تسمع".]] وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ". قَالَ: "فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ"، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ [أَيْضًا] [[زيادة من ف، أ.]] يَقُولُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرِجُون خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ" الْحَدِيثَ. [[انظر: أحاديث الشفاعة عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَيْ: يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَنَامُ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ" [[في ف، أ: "الظالم".]] .
وَفِي الصَّحِيحِ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٩٠) من حديث جابر بلفظ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".]] . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُون وَلَا يُهضَمون، أَيْ: لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ [[في ف: "سيئاته ولا ينقص من حسناته".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. فَالظُّلْمُ: الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ: النَّقْصُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أَيْ: عِنْدَهُ ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ،وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] ، وَقَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، وَأَخِرُّ [[في ف، أ: "فأخر".]] لِلَّهِ سَاجِدًا، ويَفْتَح عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ، فَيَدَعُنِي [[في ف: "ويدعني".]] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ [[في ف: "تسمع".]] وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ". قَالَ: "فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ"، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ [أَيْضًا] [[زيادة من ف، أ.]] يَقُولُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرِجُون خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ" الْحَدِيثَ. [[انظر: أحاديث الشفاعة عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَيْ: يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَنَامُ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ" [[في ف، أ: "الظالم".]] .
وَفِي الصَّحِيحِ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٩٠) من حديث جابر بلفظ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".]] . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُون وَلَا يُهضَمون، أَيْ: لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ [[في ف: "سيئاته ولا ينقص من حسناته".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. فَالظُّلْمُ: الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ: النَّقْصُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أَيْ: عِنْدَهُ ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ،وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] ، وَقَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، وَأَخِرُّ [[في ف، أ: "فأخر".]] لِلَّهِ سَاجِدًا، ويَفْتَح عَلَيَّ بِمَحَامِدَ لَا أُحْصِيهَا الْآنَ، فَيَدَعُنِي [[في ف: "ويدعني".]] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ [[في ف: "تسمع".]] وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ". قَالَ: "فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ"، فَذَكَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ [أَيْضًا] [[زيادة من ف، أ.]] يَقُولُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرِجُون خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ" الْحَدِيثَ. [[انظر: أحاديث الشفاعة عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَيْ: يُحِيطُ عِلْمًا بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَنَامُ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ" [[في ف، أ: "الظالم".]] .
وَفِي الصَّحِيحِ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٩٠) من حديث جابر بلفظ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".]] . وَالْخَيْبَةُ كُلَّ الْخَيْبَةِ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَوَعِيدَهُمْ، ثَنَّى بِالْمُتَّقِينَ وَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُون وَلَا يُهضَمون، أَيْ: لَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ [[في ف: "سيئاته ولا ينقص من حسناته".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. فَالظُّلْمُ: الزِّيَادَةُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ: النَّقْصُ.
يَقُولُ: وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ، أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَصِيحٍ [[في ف: "فصيح اللسان".]] لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا عِيَّ، ﴿وَصَرَّفْنَا [[في أ: "وصرفنا ما فيه" وهو خطأ.]] فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَيْ: يَتْرُكُونَ الْمَآثِمَ وَالْمَحَارِمَ وَالْفَوَاحِشَ، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وَهُوَ إِيجَادُ الطَّاعَةِ وَفِعْلُ الْقُرُبَاتِ. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أَيْ: تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ [[في ف: "تقدس وتنزه".]] الْمَلِكُ الْحَقُّ، الَّذِي هُوَ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، وَوَعِيدُهُ حَقٌّ، وَرُسُلُهُ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ حَقٌّ. وَعَدْلُهُ تَعَالَى أَلَّا يُعَذِّبَ أَحَدًا قَبْلَ الْإِنْذَارِ وَبَعْثَةِ الرُّسُلِ وَالْإِعْذَارِ إِلَى خَلْقِهِ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لِأَحَدٍ حُجَّةٌ وَلَا شُبْهَةٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ" ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٦-١٩] ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَالِجُ مِنَ الْوَحْيِ شِدَّةً، فَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، فَأَنْزَلَ [[في ف: "فنزل".]] اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يَعْنِي: أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، كُلَّمَا قَالَ جِبْرِيلُ آيَةً قَالَهَا مَعَهُ، مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ [[في ف، أ: "تحفظ".]] الْقُرْآنِ، فَأَرْشَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَا هُوَ الْأَسْهَلُ وَالْأَخَفُّ فِي حَقِّهِ؛ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أَيْ: أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أَيْ: بَلْ أَنْصِتْ، فَإِذَا فَرَغَ الْمَلَكُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْكَ فَاقْرَأْهُ بَعْدَهُ، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أَيْ: زِدْنِي مِنْكَ عِلْمًا.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَزَلْ ﷺ فِي زِيَادَةٍ [مِنَ الْعِلْمِ] [[زيادة من ف.]] حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِهِ، حَتَّى كَانَ الْوَحْيُ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٨٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا علَّمتني، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٥١) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٩) .]] .
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْر، بِهِ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، عَنِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، بِهِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: "وَأَعُوذُ بِاللَّهِ من حال أهل النار".
يَقُولُ: وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ، أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَصِيحٍ [[في ف: "فصيح اللسان".]] لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا عِيَّ، ﴿وَصَرَّفْنَا [[في أ: "وصرفنا ما فيه" وهو خطأ.]] فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَيْ: يَتْرُكُونَ الْمَآثِمَ وَالْمَحَارِمَ وَالْفَوَاحِشَ، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وَهُوَ إِيجَادُ الطَّاعَةِ وَفِعْلُ الْقُرُبَاتِ. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أَيْ: تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ [[في ف: "تقدس وتنزه".]] الْمَلِكُ الْحَقُّ، الَّذِي هُوَ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، وَوَعِيدُهُ حَقٌّ، وَرُسُلُهُ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ حَقٌّ. وَعَدْلُهُ تَعَالَى أَلَّا يُعَذِّبَ أَحَدًا قَبْلَ الْإِنْذَارِ وَبَعْثَةِ الرُّسُلِ وَالْإِعْذَارِ إِلَى خَلْقِهِ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لِأَحَدٍ حُجَّةٌ وَلَا شُبْهَةٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ" ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٦-١٩] ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَالِجُ مِنَ الْوَحْيِ شِدَّةً، فَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، فَأَنْزَلَ [[في ف: "فنزل".]] اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يَعْنِي: أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، كُلَّمَا قَالَ جِبْرِيلُ آيَةً قَالَهَا مَعَهُ، مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ [[في ف، أ: "تحفظ".]] الْقُرْآنِ، فَأَرْشَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَا هُوَ الْأَسْهَلُ وَالْأَخَفُّ فِي حَقِّهِ؛ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أَيْ: أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أَيْ: بَلْ أَنْصِتْ، فَإِذَا فَرَغَ الْمَلَكُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْكَ فَاقْرَأْهُ بَعْدَهُ، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أَيْ: زِدْنِي مِنْكَ عِلْمًا.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَزَلْ ﷺ فِي زِيَادَةٍ [مِنَ الْعِلْمِ] [[زيادة من ف.]] حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِهِ، حَتَّى كَانَ الْوَحْيُ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٨٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا علَّمتني، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٥١) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٩) .]] .
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْر، بِهِ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، عَنِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، بِهِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: "وَأَعُوذُ بِاللَّهِ من حال أهل النار".
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانَ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: تَرَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ يَذْكُرُ تَعَالَى تَشْرِيفَ آدَمَ وَتَكْرِيمَهُ، وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي "الْأَعْرَافِ" وَفِي "الْحِجْرِ" وَ"الْكَهْفِ" [[انظر: تفسير سورة البقرة، الآيات: ٣٠-٣٨، وتفسير سورة الأعراف، الآيات: ١١-٢٤، وتفسير سورة الحجر، الآيات: ٢٨-٤٠، وتفسير سورة الكهف، الآية: ٥٠.]] وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ "ص" [[عند تفسير الآيات: ٧١-٨٥.]] [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . [[زيادة من ف، أ.]] يَذْكُرُ فِيهَا تَعَالَى خَلْقَ آدَمَ وأَمْرَه الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَيُبَيِّنُ [[في ف: "وبين".]] عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أَيِ: امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ. ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أَيْ: إِيَّاكَ أَنْ يَسْعَى [[في ف: "تسعى".]] فِي إِخْرَاجِكَ مِنْهَا، فَتَتْعَبَ وَتُعَنَّى وَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ، فَإِنَّكَ هَاهُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ هَنِيءٍ، لَا [[في ف، أ: "بلا".]] كُلْفَةَ وَلَا مَشَقَّةَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْجُوعِ والعُرْي؛ لِأَنَّ الْجُوعَ ذُلّ الْبَاطِنِ، وَالْعُرْيَ ذُلّ الظَّاهِرِ.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ وَهَذَانَ أَيْضًا مُتَقَابِلَانِ، فَالظَّمَأُ: حَرُّ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الْعَطَشُ. وَالضُّحَى: حَرُّ الظَّاهِرِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ [[في ف: "أنهما".]] ﴿دَلاهُمَا بِغُرُور﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] ؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ وَزَوْجَتِهِ أَنَّ يَأْكُلَا مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، وَلَا يَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِمَا إِبْلِيسُ حَتَّى أَكَلَا مِنْهَا، وَكَانَتْ شجرةَ الْخُلْدِ -يَعْنِي: الَّتِي مَنْ أَكَلَ مِنْهَا خُلِّدَ وَدَامَ مُكْثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ [[في ف، أ: "أبي الضحى".]] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا وَهِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. [[مسند الطياليسي برقم (٢٥٤٧) والمسند للإمام أحمد (٢/٤٥٥) .]] .
وَقَوْلُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ [[في ف: "الشعر".]] الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوق. فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ جَعَلَ يَشْتَد فِي الْجَنَّةِ، فأخذتْ شعرَه شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَى الرَّحْمَنُ: يَا آدَمُ، منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَا وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً [[في ف، أ: "أستحيي"]] أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [[سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة.]]
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الْحَسَنِ وأُبيّ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ [[في ف، أ: "ابن".]] عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ المِنْهال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: يَنْزِعَانِ وَرَقَ التِّينِ، فَيَجْعَلَانِهِ عَلَى سَوْآتِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فحج آدم موسى". [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٨) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ [[انظر: صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَجَّ آدمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ إِلَى الْأَرْضِ بِخَطِيئَتِكَ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وجدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ [قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وجدتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عملتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى".
قَالَ الْحَارِثُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمزُ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٥٢) من طريق أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذياب عن يزيد بن هرمز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .