John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Al-Muminoon

Tafsir Ibn Kathir · The Believers · 118 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [[في ف: "المؤمنين".]]

مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْم قَالَ: أَمْلَى عليَّ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] الْأَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الوحيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كدَوِيّ النَّحْلِ فَمَكثنا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنا وَلَا تُؤْثِرْ [عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وأرضِنا"، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ العَشْر.

وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (١/٣٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٤٣٩) .]] .

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُنْكَرٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَيُونُسُ لَا نَعْرِفُهُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بابَنُوس قَالَ: قُلْنَا لِعَائِشَةَ: يَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ [[في أ: "حال".]] خُلُق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتِ: كَانَ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى انتَهَتْ إِلَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٠) .]]

وقد رُوي عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن، وَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا. تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَا أعدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.

وَقَدْ رُوي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنِ الجُرَيْري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَهَا، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، فَدَخَلَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: طُوبَى لَكِ، منزلَ الْمُلُوكِ! . [[مسند البزار برقم (٣٥٠٧) "كشف الأستار". تنبيه: وقع في مسند البزار سنده هكذا: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.]]

ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] : وَحَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العُمَري، حَدَّثَنَا عَدِي بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِي، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا [[في أ: "بلاطها".]] الْمِسْكُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي [[في أ: "من".]] هَذَا الْحَدِيثِ: "حَائِطُ الْجَنَّةِ، لَبِنَةٌ ذَهَبٌ وَلَبِنَةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها الْمِسْكُ. فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: طُوبَى لَكِ، مَنْزِلَ الْمُلُوكِ! ".

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا عَدِيّ بْنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَقَدِّمُ الْمَوْتِ [[مسند البزار برقم (٣٥٠٨) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٧) : "رجال الموقوف رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن، خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، [وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [[المعجم الكبير (١١/١٨٤) .]] .

بَقِيًّة: عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حماد ابن عِيسَى الْعَبْسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -يَرْفَعُهُ-: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْن بِيَدِهِ، ودَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: وَعِزَّتِي [[في أ: "وعزتي وجلالي".]] لَا يُجَاوِرُنِي فيك بخيل" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٦١) "مجمع البحرين"، وأبي صالح ضعيف.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى البَزَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةً مِنْ دُرَّة بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةَ خَضْرَاءَ، ملاطُها الْمِسْكُ، وحَصْباؤها اللُّؤْلُؤُ، وحَشِيشها الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انطِقِي. قَالَتْ: [[في أ: "فقالت".]] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢٠) وفي إسناده محمد بن زياد الكلبي، قال ابن معين: لا شيء.

تنبيه: وقع في صفة الجنة: "حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشر بن الحسين" وفي النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (٢/٢٧٩) "نفيس بن ضين ".]] [الْحَشْرِ: ٩] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ فَازُوا وسُعِدُوا وحَصَلوا عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ.

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَاشِعُونَ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ [[في ف، أ: "والزهري وقتادة".]] .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ، وَخَفَضُوا الْجَنَاحَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مُصَلاه، فَإِنْ كَانَ قَدِ اعْتَادَ النَّظَرَ فَلْيُغْمِضْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ رَوَى [[في أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح أَيْضًا مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَالْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَنْ فَرَّغ قَلْبَهُ لَهَا، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَمَّا عَدَاهَا، وَآثَرَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ رَاحَةً لَهُ وقُرَّة عَيْنٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" [[المسند (٣/١٢٨) وسنن النسائي (٦١١٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلَم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٦٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فحَضَرت الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، ائْتِنِي بوَضُوء لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ. فَرَآنَا [[في ف، أ: "فرأى أنا".]] أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ [[في ف: "ذلك عليه".]] ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [[المسند (٥/٣٧١) .]] .

وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ -كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ-وَالْمَعَاصِي -كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ -وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٧٢] .

قَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ وَاللَّهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا وقَذَهم عَنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ النَّصَب وَالْمَقَادِيرِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ كَانَ وَاجِبًا بِمَكَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] .

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ هَاهُنَا: زَكَاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنَسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا.

وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادًا، وَهُوَ زَكَاةُ النُّفُوسِ وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ النُّفُوسِ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ قَدْ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ مِنَ الْحَرَامِ، فَلَا يَقَعُونَ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ، وَلَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجَهُمُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ مِنَ السَّرَارِيِّ، وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "فلهذا".]] قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أَيْ: غَيْرَ الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أَيِ: الْمُعْتَدُونَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أن امرأة اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تأَوّلْت آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] : فأُتي بها عمر ابن الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا. قَالَ: فَغرب [[في ف، أ: "فضرب" وهو الصحيح.]] الْعَبْدَ وَجَزَّ رَأْسَهُ: وَقَالَ: أَنْتِ بَعْدَهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ [[في أ: "ذكرها".]] ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [[تفسير الطبري (٩/٥٨٦) ط - المعارف.]] ، وَهُوَ هَاهُنَا أَلْيَقُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا عَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قَالَ: فَهَذَا الصَّنِيعُ خَارِجٌ عَنْ هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الجَزَريّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ [[في ف، أ: "أحمد".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ، وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: نَاكِحُ يَدِهِ [[في ف، أ: "الناكح يده".]] ، وَالْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمُدْمِنُ [[في ف، أ: "المدمن".]] الْخَمْرِ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ حَتَّى يَسْتَغِيثَا، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٤١) .]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أَيْ: إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، بَلْ يُؤَدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْ عَاقَدُوا أَوْفَوْا بِذَلِكَ، لَا كَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خَانَ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أَيْ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] . وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ قَالَ: "الصلاة في أول وقتها" [[المستدرك (١/١٨٨) وقال الحاكم: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يَعْنِي: مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.

وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتَتَمَهَا بِالصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" [[جاء من حديث ثوبان: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٧) من طريق سفيان عن منصور عن ابن أبي الجعد عنه به وفيه انقطاع. ومن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٨) من طريق المعتمر عن ليث عن مجاهد عنه به، وليث بن أبي سليم ضعيف. ومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.]] .

ولَما وَصَفَهم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[البخاري في صحيحه برقم (٢٧٩٠) ، (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٧) : "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيُبنَى بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُهدّم بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ [[في ف، أ: "فيهدم بيته الذي في النار، ويبنى بيته الذي في الجنة".]] ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فيُهْدَم بَيْتُهُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، ويُبنى بَيْتُهُ الَّذِي فِي النَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر نَحْوَ ذَلِكَ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَرْثُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] [[زيادة من أ.]] خُلِقُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "وحده لا شريك له".]] ، فَلَمَّا قَامَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، وترَكَ أُولَئِكَ مَا أمرُوا بِهِ مِمَّا خُلقوا لَهُ -أحرزَ هؤلاء نصيب أُولَئِكَ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بُردَةَ [[في ف، أ: "بردة بن أبي موسى".]] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، ويضَعُها عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيُقَالُ [[في ف، أ: "فيقول".]] : هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". فَاسْتَحْلَفَ عُمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبَا بُردَةَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فَحَلَفَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٦٧) .]] . قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٣] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٣] . وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: الْجَنَّةُ بِالرُّومِيَّةِ هِيَ الْفِرْدَوْسُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يُسَمَّى الْبُسْتَانُ فِرْدَوْسًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِنَبٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم.]] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قَالَ: صَفوةُ الْمَاءِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ مَنِيِّ آدَمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ طِينًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: استُلّ آدمُ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَقْرَبُ إِلَى السِّيَاقِ، فَإِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، وَهُوَ الصَّلْصَالُ مِنَ الْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، حَدَّثَنَا قَسَامة بْنُ زُهَيْر، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْر الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ : هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧، ٨] أَيْ: ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [[في أ: "فجعلناه نطفة" وهو خطأ.]] ، يَعْنِي: الرحمُ مُعَد لِذَلِكَ مُهَيَّأٌ لَهُ، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٢، ٢٣] ، أَيْ: [إِلَى] [[زيادة من ف، أ.]] مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجَلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى اسْتَحْكَمَ وتنَقَّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَصِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أَيْ: ثُمَّ صَيَّرنا النُّطْفَةَ، وَهِيَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ -وَهُوَ ظَهْرُهُ-وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ-وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا مَا بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إِلَى الثَّنْدُوَةِ-فَصَارَتْ عَلَقَةً حَمْرَاءَ عَلَى شَكْلِ الْعَلَقَةِ مُسْتَطِيلَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ دَمٌ.

﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ : وَهِيَ قِطْعَةٌ كالبَضعة مِنَ اللَّحْمِ، لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يَعْنِي: شَكَّلْنَاهَا ذَاتَ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ بِعِظَامِهَا وَعَصَبِهَا وَعُرُوقِهَا.

وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [[في ف، أ: "النطفة عظاما".]] ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَظْمُ الصُّلْبِ.

وَفِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ [[في أ: "وفيه".]] يُرَكَّبُ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا عَلَى ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ: ثُمَّ نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ، فَتَحَرَّكَ وَصَارَ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَإِدْرَاكٍ وَحَرَكَةٍ وَاضْطِرَابٍ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافر، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا أَتَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بُعِث إِلَيْهَا مَلك فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ في الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ [[في ف: "يعني به الروح".]] .

ورُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ.

قَالَ ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني بِهِ: الرُّوحَ [[في ف: "يعني نفخنا فيه الروح".]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وابنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨-٨١) .]] .

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ خَرَجَ طِفْلًا ثُمَّ نَشَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ احْتَلَمَ، ثُمَّ صَارَ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا.

وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَاءِ [[في ف: "ابتدأ".]] نَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ] [[زيادة من ف، أ.]] شَرَع فِي هَذِهِ التَّنَقُّلَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ ليُجمع خَلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَهَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ [[في ف: "أحدكم".]] لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بْنِ مِهْرَان الْأَعْمَشِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [[في ف: "عن خيثمة عن عبد الله قال: قال".]] -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، طَارَتْ فِي كُلِّ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَتَحَدَّرُ [[في ف، أ: "تنحدر".]] فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزعمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَهُ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ والعَصَب، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. [[المسند (١/٤٦٥) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد الْغِفَارِيِّ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ المَلك عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَكْتُبَانِ [[في ف: "ويكتبان".]] . فَيَقُولَانِ: مَاذَا؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكْتُبَانِ ويُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَمُصِيبَتُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ، فَلَا يُزاد عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ-بِهِ [[المسند (٤/٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] نَحْوَهُ. وَمِنْ طُرَق أخرَى، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حذيفة بن أسيد أَبِي سُرَيْحَةَ [[في أ: "سريح".]] الْغِفَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ [[في ف: "فحلقه".]] أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ؟ " قَالَ: "فَذَلِكَ يُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ وَلُطْفَهُ فِي خَلْقِ هَذِهِ النُّطْفَةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَشَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، حَتَّى تَصَوَّرَتْ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْسَانِ السَّوِيّ الْكَامِلِ الْخَلْقِ، قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَافَقْتُ رَبِّي وَوَافَقَنِي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ [[في ف، أ: "الآية، فلما نزلت قلت".]] أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَمْلَى عليَّ رسولُ اللَّهِ هَذِهِ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ، فَقَالَ مُعَاذٌ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِهَا خُتِمَتْ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) "مجمع البحرين" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.]] .

جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِي ضَعِيفٌ جِدًّا، وَفِي خَبَرِهِ هَذَا نَكَارة شَديدة، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّمَا كَتَبَ الْوَحْيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ [[في ف، أ: "وكذا".]] إِسْلَامُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَدَمِ تَصيرون إِلَى الْمَوْتِ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يَعْنِي: النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٠] يَعْنِي: يَوْمَ الْمَعَادِ، وَقِيَامَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ، فَيُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قَالَ: صَفوةُ الْمَاءِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ مَنِيِّ آدَمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ طِينًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: استُلّ آدمُ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَقْرَبُ إِلَى السِّيَاقِ، فَإِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، وَهُوَ الصَّلْصَالُ مِنَ الْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، حَدَّثَنَا قَسَامة بْنُ زُهَيْر، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْر الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ : هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧، ٨] أَيْ: ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [[في أ: "فجعلناه نطفة" وهو خطأ.]] ، يَعْنِي: الرحمُ مُعَد لِذَلِكَ مُهَيَّأٌ لَهُ، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٢، ٢٣] ، أَيْ: [إِلَى] [[زيادة من ف، أ.]] مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجَلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى اسْتَحْكَمَ وتنَقَّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَصِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أَيْ: ثُمَّ صَيَّرنا النُّطْفَةَ، وَهِيَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ -وَهُوَ ظَهْرُهُ-وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ-وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا مَا بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إِلَى الثَّنْدُوَةِ-فَصَارَتْ عَلَقَةً حَمْرَاءَ عَلَى شَكْلِ الْعَلَقَةِ مُسْتَطِيلَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ دَمٌ.

﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ : وَهِيَ قِطْعَةٌ كالبَضعة مِنَ اللَّحْمِ، لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يَعْنِي: شَكَّلْنَاهَا ذَاتَ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ بِعِظَامِهَا وَعَصَبِهَا وَعُرُوقِهَا.

وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [[في ف، أ: "النطفة عظاما".]] ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَظْمُ الصُّلْبِ.

وَفِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ [[في أ: "وفيه".]] يُرَكَّبُ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا عَلَى ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ: ثُمَّ نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ، فَتَحَرَّكَ وَصَارَ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَإِدْرَاكٍ وَحَرَكَةٍ وَاضْطِرَابٍ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافر، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا أَتَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بُعِث إِلَيْهَا مَلك فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ في الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ [[في ف: "يعني به الروح".]] .

ورُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ.

قَالَ ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني بِهِ: الرُّوحَ [[في ف: "يعني نفخنا فيه الروح".]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وابنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨-٨١) .]] .

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ خَرَجَ طِفْلًا ثُمَّ نَشَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ احْتَلَمَ، ثُمَّ صَارَ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا.

وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَاءِ [[في ف: "ابتدأ".]] نَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ] [[زيادة من ف، أ.]] شَرَع فِي هَذِهِ التَّنَقُّلَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ ليُجمع خَلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَهَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ [[في ف: "أحدكم".]] لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بْنِ مِهْرَان الْأَعْمَشِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [[في ف: "عن خيثمة عن عبد الله قال: قال".]] -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، طَارَتْ فِي كُلِّ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَتَحَدَّرُ [[في ف، أ: "تنحدر".]] فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزعمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَهُ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ والعَصَب، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. [[المسند (١/٤٦٥) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد الْغِفَارِيِّ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ المَلك عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَكْتُبَانِ [[في ف: "ويكتبان".]] . فَيَقُولَانِ: مَاذَا؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكْتُبَانِ ويُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَمُصِيبَتُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ، فَلَا يُزاد عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ-بِهِ [[المسند (٤/٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] نَحْوَهُ. وَمِنْ طُرَق أخرَى، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حذيفة بن أسيد أَبِي سُرَيْحَةَ [[في أ: "سريح".]] الْغِفَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ [[في ف: "فحلقه".]] أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ؟ " قَالَ: "فَذَلِكَ يُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ وَلُطْفَهُ فِي خَلْقِ هَذِهِ النُّطْفَةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَشَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، حَتَّى تَصَوَّرَتْ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْسَانِ السَّوِيّ الْكَامِلِ الْخَلْقِ، قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَافَقْتُ رَبِّي وَوَافَقَنِي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ [[في ف، أ: "الآية، فلما نزلت قلت".]] أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَمْلَى عليَّ رسولُ اللَّهِ هَذِهِ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ، فَقَالَ مُعَاذٌ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِهَا خُتِمَتْ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) "مجمع البحرين" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.]] .

جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِي ضَعِيفٌ جِدًّا، وَفِي خَبَرِهِ هَذَا نَكَارة شَديدة، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّمَا كَتَبَ الْوَحْيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ [[في ف، أ: "وكذا".]] إِسْلَامُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَدَمِ تَصيرون إِلَى الْمَوْتِ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يَعْنِي: النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٠] يَعْنِي: يَوْمَ الْمَعَادِ، وَقِيَامَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ، فَيُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قَالَ: صَفوةُ الْمَاءِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ مَنِيِّ آدَمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ طِينًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: استُلّ آدمُ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَقْرَبُ إِلَى السِّيَاقِ، فَإِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، وَهُوَ الصَّلْصَالُ مِنَ الْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، حَدَّثَنَا قَسَامة بْنُ زُهَيْر، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْر الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ : هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧، ٨] أَيْ: ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [[في أ: "فجعلناه نطفة" وهو خطأ.]] ، يَعْنِي: الرحمُ مُعَد لِذَلِكَ مُهَيَّأٌ لَهُ، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٢، ٢٣] ، أَيْ: [إِلَى] [[زيادة من ف، أ.]] مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجَلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى اسْتَحْكَمَ وتنَقَّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَصِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أَيْ: ثُمَّ صَيَّرنا النُّطْفَةَ، وَهِيَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ -وَهُوَ ظَهْرُهُ-وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ-وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا مَا بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إِلَى الثَّنْدُوَةِ-فَصَارَتْ عَلَقَةً حَمْرَاءَ عَلَى شَكْلِ الْعَلَقَةِ مُسْتَطِيلَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ دَمٌ.

﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ : وَهِيَ قِطْعَةٌ كالبَضعة مِنَ اللَّحْمِ، لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يَعْنِي: شَكَّلْنَاهَا ذَاتَ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ بِعِظَامِهَا وَعَصَبِهَا وَعُرُوقِهَا.

وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [[في ف، أ: "النطفة عظاما".]] ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَظْمُ الصُّلْبِ.

وَفِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ [[في أ: "وفيه".]] يُرَكَّبُ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا عَلَى ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ: ثُمَّ نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ، فَتَحَرَّكَ وَصَارَ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَإِدْرَاكٍ وَحَرَكَةٍ وَاضْطِرَابٍ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافر، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا أَتَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بُعِث إِلَيْهَا مَلك فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ في الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ [[في ف: "يعني به الروح".]] .

ورُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ.

قَالَ ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني بِهِ: الرُّوحَ [[في ف: "يعني نفخنا فيه الروح".]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وابنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨-٨١) .]] .

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ خَرَجَ طِفْلًا ثُمَّ نَشَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ احْتَلَمَ، ثُمَّ صَارَ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا.

وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَاءِ [[في ف: "ابتدأ".]] نَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ] [[زيادة من ف، أ.]] شَرَع فِي هَذِهِ التَّنَقُّلَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ ليُجمع خَلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَهَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ [[في ف: "أحدكم".]] لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بْنِ مِهْرَان الْأَعْمَشِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [[في ف: "عن خيثمة عن عبد الله قال: قال".]] -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، طَارَتْ فِي كُلِّ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَتَحَدَّرُ [[في ف، أ: "تنحدر".]] فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزعمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَهُ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ والعَصَب، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. [[المسند (١/٤٦٥) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد الْغِفَارِيِّ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ المَلك عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَكْتُبَانِ [[في ف: "ويكتبان".]] . فَيَقُولَانِ: مَاذَا؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكْتُبَانِ ويُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَمُصِيبَتُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ، فَلَا يُزاد عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ-بِهِ [[المسند (٤/٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] نَحْوَهُ. وَمِنْ طُرَق أخرَى، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حذيفة بن أسيد أَبِي سُرَيْحَةَ [[في أ: "سريح".]] الْغِفَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ [[في ف: "فحلقه".]] أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ؟ " قَالَ: "فَذَلِكَ يُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ وَلُطْفَهُ فِي خَلْقِ هَذِهِ النُّطْفَةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَشَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، حَتَّى تَصَوَّرَتْ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْسَانِ السَّوِيّ الْكَامِلِ الْخَلْقِ، قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَافَقْتُ رَبِّي وَوَافَقَنِي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ [[في ف، أ: "الآية، فلما نزلت قلت".]] أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَمْلَى عليَّ رسولُ اللَّهِ هَذِهِ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ، فَقَالَ مُعَاذٌ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِهَا خُتِمَتْ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) "مجمع البحرين" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.]] .

جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِي ضَعِيفٌ جِدًّا، وَفِي خَبَرِهِ هَذَا نَكَارة شَديدة، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّمَا كَتَبَ الْوَحْيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ [[في ف، أ: "وكذا".]] إِسْلَامُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَدَمِ تَصيرون إِلَى الْمَوْتِ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يَعْنِي: النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٠] يَعْنِي: يَوْمَ الْمَعَادِ، وَقِيَامَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ، فَيُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قَالَ: صَفوةُ الْمَاءِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ مَنِيِّ آدَمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ طِينًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: استُلّ آدمُ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَقْرَبُ إِلَى السِّيَاقِ، فَإِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، وَهُوَ الصَّلْصَالُ مِنَ الْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، حَدَّثَنَا قَسَامة بْنُ زُهَيْر، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْر الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ : هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧، ٨] أَيْ: ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [[في أ: "فجعلناه نطفة" وهو خطأ.]] ، يَعْنِي: الرحمُ مُعَد لِذَلِكَ مُهَيَّأٌ لَهُ، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٢، ٢٣] ، أَيْ: [إِلَى] [[زيادة من ف، أ.]] مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجَلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى اسْتَحْكَمَ وتنَقَّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَصِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أَيْ: ثُمَّ صَيَّرنا النُّطْفَةَ، وَهِيَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ -وَهُوَ ظَهْرُهُ-وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ-وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا مَا بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إِلَى الثَّنْدُوَةِ-فَصَارَتْ عَلَقَةً حَمْرَاءَ عَلَى شَكْلِ الْعَلَقَةِ مُسْتَطِيلَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ دَمٌ.

﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ : وَهِيَ قِطْعَةٌ كالبَضعة مِنَ اللَّحْمِ، لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يَعْنِي: شَكَّلْنَاهَا ذَاتَ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ بِعِظَامِهَا وَعَصَبِهَا وَعُرُوقِهَا.

وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [[في ف، أ: "النطفة عظاما".]] ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَظْمُ الصُّلْبِ.

وَفِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ [[في أ: "وفيه".]] يُرَكَّبُ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا عَلَى ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ: ثُمَّ نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ، فَتَحَرَّكَ وَصَارَ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَإِدْرَاكٍ وَحَرَكَةٍ وَاضْطِرَابٍ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافر، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا أَتَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بُعِث إِلَيْهَا مَلك فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ في الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ [[في ف: "يعني به الروح".]] .

ورُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ.

قَالَ ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني بِهِ: الرُّوحَ [[في ف: "يعني نفخنا فيه الروح".]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وابنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨-٨١) .]] .

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ خَرَجَ طِفْلًا ثُمَّ نَشَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ احْتَلَمَ، ثُمَّ صَارَ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا.

وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَاءِ [[في ف: "ابتدأ".]] نَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ] [[زيادة من ف، أ.]] شَرَع فِي هَذِهِ التَّنَقُّلَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ ليُجمع خَلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَهَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ [[في ف: "أحدكم".]] لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بْنِ مِهْرَان الْأَعْمَشِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [[في ف: "عن خيثمة عن عبد الله قال: قال".]] -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، طَارَتْ فِي كُلِّ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَتَحَدَّرُ [[في ف، أ: "تنحدر".]] فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزعمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَهُ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ والعَصَب، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. [[المسند (١/٤٦٥) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد الْغِفَارِيِّ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ المَلك عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَكْتُبَانِ [[في ف: "ويكتبان".]] . فَيَقُولَانِ: مَاذَا؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكْتُبَانِ ويُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَمُصِيبَتُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ، فَلَا يُزاد عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ-بِهِ [[المسند (٤/٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] نَحْوَهُ. وَمِنْ طُرَق أخرَى، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حذيفة بن أسيد أَبِي سُرَيْحَةَ [[في أ: "سريح".]] الْغِفَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ [[في ف: "فحلقه".]] أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ؟ " قَالَ: "فَذَلِكَ يُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ وَلُطْفَهُ فِي خَلْقِ هَذِهِ النُّطْفَةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَشَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، حَتَّى تَصَوَّرَتْ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْسَانِ السَّوِيّ الْكَامِلِ الْخَلْقِ، قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَافَقْتُ رَبِّي وَوَافَقَنِي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ [[في ف، أ: "الآية، فلما نزلت قلت".]] أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَمْلَى عليَّ رسولُ اللَّهِ هَذِهِ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ، فَقَالَ مُعَاذٌ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِهَا خُتِمَتْ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) "مجمع البحرين" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.]] .

جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِي ضَعِيفٌ جِدًّا، وَفِي خَبَرِهِ هَذَا نَكَارة شَديدة، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّمَا كَتَبَ الْوَحْيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ [[في ف، أ: "وكذا".]] إِسْلَامُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَدَمِ تَصيرون إِلَى الْمَوْتِ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يَعْنِي: النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٠] يَعْنِي: يَوْمَ الْمَعَادِ، وَقِيَامَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ، فَيُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنْهال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قَالَ: صَفوةُ الْمَاءِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ أَيْ: مِنْ مَنِيِّ آدَمَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمُ طِينًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: استُلّ آدمُ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَقْرَبُ إِلَى السِّيَاقِ، فَإِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، وَهُوَ الصَّلْصَالُ مِنَ الْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، حَدَّثَنَا قَسَامة بْنُ زُهَيْر، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْر الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ : هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧، ٨] أَيْ: ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [[في أ: "فجعلناه نطفة" وهو خطأ.]] ، يَعْنِي: الرحمُ مُعَد لِذَلِكَ مُهَيَّأٌ لَهُ، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٢، ٢٣] ، أَيْ: [إِلَى] [[زيادة من ف، أ.]] مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجَلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى اسْتَحْكَمَ وتنَقَّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَصِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أَيْ: ثُمَّ صَيَّرنا النُّطْفَةَ، وَهِيَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ -وَهُوَ ظَهْرُهُ-وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ-وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا مَا بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إِلَى الثَّنْدُوَةِ-فَصَارَتْ عَلَقَةً حَمْرَاءَ عَلَى شَكْلِ الْعَلَقَةِ مُسْتَطِيلَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ دَمٌ.

﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ : وَهِيَ قِطْعَةٌ كالبَضعة مِنَ اللَّحْمِ، لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يَعْنِي: شَكَّلْنَاهَا ذَاتَ رَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ بِعِظَامِهَا وَعَصَبِهَا وَعُرُوقِهَا.

وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [[في ف، أ: "النطفة عظاما".]] ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَظْمُ الصُّلْبِ.

وَفِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ [[في أ: "وفيه".]] يُرَكَّبُ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا عَلَى ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشُدُّهُ وَيُقَوِّيهِ، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ: ثُمَّ نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ، فَتَحَرَّكَ وَصَارَ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَإِدْرَاكٍ وَحَرَكَةٍ وَاضْطِرَابٍ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافر، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ -يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا أَتَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بُعِث إِلَيْهَا مَلك فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ في الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَفَخْنَا فِيهِ الرُّوحَ [[في ف: "يعني به الروح".]] .

ورُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ.

قَالَ ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني بِهِ: الرُّوحَ [[في ف: "يعني نفخنا فيه الروح".]] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وابنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٨-٨١) .]] .

وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يَعْنِي: نَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ خَرَجَ طِفْلًا ثُمَّ نَشَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ احْتَلَمَ، ثُمَّ صَارَ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا.

وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَاءِ [[في ف: "ابتدأ".]] نَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ] [[زيادة من ف، أ.]] شَرَع فِي هَذِهِ التَّنَقُّلَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ ليُجمع خَلقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَهَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ [[في ف: "أحدكم".]] لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بْنِ مِهْرَان الْأَعْمَشِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [[في ف: "عن خيثمة عن عبد الله قال: قال".]] -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، طَارَتْ فِي كُلِّ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَتَحَدَّرُ [[في ف، أ: "تنحدر".]] فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزعمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَهُ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ والعَصَب، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. [[المسند (١/٤٦٥) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد الْغِفَارِيِّ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ المَلك عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَكْتُبَانِ [[في ف: "ويكتبان".]] . فَيَقُولَانِ: مَاذَا؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكْتُبَانِ ويُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَمُصِيبَتُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ، فَلَا يُزاد عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ-بِهِ [[المسند (٤/٦) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] نَحْوَهُ. وَمِنْ طُرَق أخرَى، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حذيفة بن أسيد أَبِي سُرَيْحَةَ [[في أ: "سريح".]] الْغِفَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٥) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ [[في ف: "فحلقه".]] أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ؟ " قَالَ: "فَذَلِكَ يُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ وَلُطْفَهُ فِي خَلْقِ هَذِهِ النُّطْفَةِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَشَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، حَتَّى تَصَوَّرَتْ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْسَانِ السَّوِيّ الْكَامِلِ الْخَلْقِ، قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَافَقْتُ رَبِّي وَوَافَقَنِي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ [[في ف، أ: "الآية، فلما نزلت قلت".]] أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَمْلَى عليَّ رسولُ اللَّهِ هَذِهِ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ ، فَقَالَ مُعَاذٌ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِهَا خُتِمَتْ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) "مجمع البحرين" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.]] .

جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِي ضَعِيفٌ جِدًّا، وَفِي خَبَرِهِ هَذَا نَكَارة شَديدة، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّمَا كَتَبَ الْوَحْيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ [[في ف، أ: "وكذا".]] إِسْلَامُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في ف، أ: "والله أعلم".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ هَذِهِ النَّشْأَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَدَمِ تَصيرون إِلَى الْمَوْتِ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يَعْنِي: النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٠] يَعْنِي: يَوْمَ الْمَعَادِ، وَقِيَامَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ، فَيُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى خَلْق الْإِنْسَانِ، عَطَفَ بِذِكْرِ خَلْقِ السموات السبع، وكثيرًا ما يذكر تعالى خلق السموات وَالْأَرْضِ [[في أ: "السبع".]] مَعَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ:٥٧] . وَهَكَذَا فِي أَوَّلِ ﴿الم﴾ السَّجْدَةِ، الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا [فِي] [[زيادة من ف، أ.]] صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي أولها خَلْقُ السموات وَالْأَرْضِ، ثُمَّ بَيَانُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَفِيهَا أَمْرُ الْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ : قَالَ مجاهد: يعني السموات السَّبْعَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] ، ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نُوحٍ:١٥] ، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ:١٢] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ أي: ويعلم مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يعرُج فِيهَا، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَهُوَ -سُبْحَانَهُ-لَا يَحجبُ عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، وَلَا أَرْضٌ أَرْضًا، وَلَا جَبَلٌ إِلَّا يَعْلَمُ مَا فِي وَعْره، وَلَا بَحْرٌ إِلَّا يَعْلَمُ مَا فِي قَعْره، يَعْلَمُ عَدَدَ مَا فِي الْجِبَالِ وَالتِّلَالِ وَالرِّمَالِ، وَالْبِحَارِ وَالْقِفَارِ وَالْأَشْجَارِ، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] .

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ [[في ف، أ: "عبده".]] الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنَ السَّقْيِ وَالشُّرْبِ وَالِانتِفَاعِ بِهِ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ الْمَطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيُقَالُ لَهَا: "الْأَرْضُ الجرُز"، يَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فَيَأْتِي الْمَاءُ يَحْمِلُ طِينًا [[في ف: "الطين".]] أَحْمَرَ، فَيَسْقِي أَرْضَ مِصْرَ، وَيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزدرعوا فِيهِ، لِأَنَّ أَرْضَهُمْ سِبَاخٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الرِّمَالُ، فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَنَا الْمَاءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا [[في ف، أ: "وجعل".]] فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ إِلَى السِّبَاخِ وَالْبَرَارِيِّ [وَالْبِحَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْقِفَارِ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لشُرب وَلَا لِسَقْيٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ لَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ ينجَرّ عَلَى وَجْهِهَا لَفَعَلْنَا. وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ إِذَا نَزَلَ فِيهَا يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ [[في ف: "فيفجر".]] الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي [[في ف، أ: "ويسقي".]] بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون [[في ف: "ويغتسلون وتغتسلون".]] منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يَعْنِي: فَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، أَيْ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أَيْ: فِيهَا نَخِيلٌ وَأَعْنَابٌ. وَهَذَا مَا كَانَ يَأْلَفُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ إِقْلِيمٍ، عِنْدَهُمْ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا يَعْجِزُون عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الثِّمَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النَّحْلِ: ١١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: تَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وَنُضْجِهِ، وَمِنْهُ تَأْكُلُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَةَ. وَالطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عَرى عَنْهَا سُمِّيَ جَبَلا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، وفي أ: "والله تعالى".]] عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى فَلَانٌ بِيَدِهِ، أَيْ: يَدَهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُضَمِّن الْفِعْلَ فَتَقْدِيرُهُ: تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ، أَوْ [[في ف، أ: "أي".]] تَأْتِي بِالدُّهْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أَيْ: أدْم، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿لِلآكِلِينَ﴾ أَيْ: فِيهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَالِاصْطِبَاغِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أسَيْد -وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ [[في أ: "بالزيت".]] ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣) وسنن الترمذي برقم (١٨٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٣٣١٩) .]] . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إلا من حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الصَّعْب بْنُ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ضِفْت عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ [[في ف: "ضفت ليلة عمر بن الخطاب".]] ، فَأَطْعَمَنِي [[في ف: فأطعمني "عودا". وفي أ: "عسورا".]] مِنْ رَأْسِ بَعِيرٍ بَارِدٍ، وَأَطْعَمَنَا زَيْتًا، وَقَالَ: هَذَا الزَّيْتُ الْمُبَارَكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١/٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ : يَذْكُرُ تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ ألْبَانِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ فرْث وَدَمٍ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حُمْلَانِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وُيُحَمِّلُونَهَا [[في ف: "ويحملون".]] الْأَحْمَالَ الثِّقَالَ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ [[في ف، أ: "عبده".]] الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنَ السَّقْيِ وَالشُّرْبِ وَالِانتِفَاعِ بِهِ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ الْمَطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيُقَالُ لَهَا: "الْأَرْضُ الجرُز"، يَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فَيَأْتِي الْمَاءُ يَحْمِلُ طِينًا [[في ف: "الطين".]] أَحْمَرَ، فَيَسْقِي أَرْضَ مِصْرَ، وَيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزدرعوا فِيهِ، لِأَنَّ أَرْضَهُمْ سِبَاخٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الرِّمَالُ، فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَنَا الْمَاءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا [[في ف، أ: "وجعل".]] فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ إِلَى السِّبَاخِ وَالْبَرَارِيِّ [وَالْبِحَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْقِفَارِ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لشُرب وَلَا لِسَقْيٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ لَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ ينجَرّ عَلَى وَجْهِهَا لَفَعَلْنَا. وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ إِذَا نَزَلَ فِيهَا يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ [[في ف: "فيفجر".]] الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي [[في ف، أ: "ويسقي".]] بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون [[في ف: "ويغتسلون وتغتسلون".]] منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يَعْنِي: فَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، أَيْ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أَيْ: فِيهَا نَخِيلٌ وَأَعْنَابٌ. وَهَذَا مَا كَانَ يَأْلَفُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ إِقْلِيمٍ، عِنْدَهُمْ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا يَعْجِزُون عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الثِّمَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النَّحْلِ: ١١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: تَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وَنُضْجِهِ، وَمِنْهُ تَأْكُلُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَةَ. وَالطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عَرى عَنْهَا سُمِّيَ جَبَلا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، وفي أ: "والله تعالى".]] عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى فَلَانٌ بِيَدِهِ، أَيْ: يَدَهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُضَمِّن الْفِعْلَ فَتَقْدِيرُهُ: تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ، أَوْ [[في ف، أ: "أي".]] تَأْتِي بِالدُّهْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أَيْ: أدْم، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿لِلآكِلِينَ﴾ أَيْ: فِيهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَالِاصْطِبَاغِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أسَيْد -وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ [[في أ: "بالزيت".]] ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣) وسنن الترمذي برقم (١٨٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٣٣١٩) .]] . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إلا من حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الصَّعْب بْنُ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ضِفْت عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ [[في ف: "ضفت ليلة عمر بن الخطاب".]] ، فَأَطْعَمَنِي [[في ف: فأطعمني "عودا". وفي أ: "عسورا".]] مِنْ رَأْسِ بَعِيرٍ بَارِدٍ، وَأَطْعَمَنَا زَيْتًا، وَقَالَ: هَذَا الزَّيْتُ الْمُبَارَكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١/٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ : يَذْكُرُ تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ ألْبَانِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ فرْث وَدَمٍ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حُمْلَانِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وُيُحَمِّلُونَهَا [[في ف: "ويحملون".]] الْأَحْمَالَ الثِّقَالَ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ [[في ف، أ: "عبده".]] الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنَ السَّقْيِ وَالشُّرْبِ وَالِانتِفَاعِ بِهِ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ الْمَطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيُقَالُ لَهَا: "الْأَرْضُ الجرُز"، يَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فَيَأْتِي الْمَاءُ يَحْمِلُ طِينًا [[في ف: "الطين".]] أَحْمَرَ، فَيَسْقِي أَرْضَ مِصْرَ، وَيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزدرعوا فِيهِ، لِأَنَّ أَرْضَهُمْ سِبَاخٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الرِّمَالُ، فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَنَا الْمَاءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا [[في ف، أ: "وجعل".]] فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ إِلَى السِّبَاخِ وَالْبَرَارِيِّ [وَالْبِحَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْقِفَارِ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لشُرب وَلَا لِسَقْيٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ لَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ ينجَرّ عَلَى وَجْهِهَا لَفَعَلْنَا. وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ إِذَا نَزَلَ فِيهَا يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ [[في ف: "فيفجر".]] الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي [[في ف، أ: "ويسقي".]] بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون [[في ف: "ويغتسلون وتغتسلون".]] منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يَعْنِي: فَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، أَيْ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أَيْ: فِيهَا نَخِيلٌ وَأَعْنَابٌ. وَهَذَا مَا كَانَ يَأْلَفُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ إِقْلِيمٍ، عِنْدَهُمْ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا يَعْجِزُون عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الثِّمَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النَّحْلِ: ١١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: تَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وَنُضْجِهِ، وَمِنْهُ تَأْكُلُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَةَ. وَالطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عَرى عَنْهَا سُمِّيَ جَبَلا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، وفي أ: "والله تعالى".]] عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى فَلَانٌ بِيَدِهِ، أَيْ: يَدَهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُضَمِّن الْفِعْلَ فَتَقْدِيرُهُ: تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ، أَوْ [[في ف، أ: "أي".]] تَأْتِي بِالدُّهْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أَيْ: أدْم، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿لِلآكِلِينَ﴾ أَيْ: فِيهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَالِاصْطِبَاغِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أسَيْد -وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ [[في أ: "بالزيت".]] ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣) وسنن الترمذي برقم (١٨٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٣٣١٩) .]] . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إلا من حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الصَّعْب بْنُ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ضِفْت عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ [[في ف: "ضفت ليلة عمر بن الخطاب".]] ، فَأَطْعَمَنِي [[في ف: فأطعمني "عودا". وفي أ: "عسورا".]] مِنْ رَأْسِ بَعِيرٍ بَارِدٍ، وَأَطْعَمَنَا زَيْتًا، وَقَالَ: هَذَا الزَّيْتُ الْمُبَارَكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١/٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ : يَذْكُرُ تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ ألْبَانِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ فرْث وَدَمٍ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حُمْلَانِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وُيُحَمِّلُونَهَا [[في ف: "ويحملون".]] الْأَحْمَالَ الثِّقَالَ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ [[في ف، أ: "عبده".]] الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنَ السَّقْيِ وَالشُّرْبِ وَالِانتِفَاعِ بِهِ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ الْمَطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيُقَالُ لَهَا: "الْأَرْضُ الجرُز"، يَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فَيَأْتِي الْمَاءُ يَحْمِلُ طِينًا [[في ف: "الطين".]] أَحْمَرَ، فَيَسْقِي أَرْضَ مِصْرَ، وَيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزدرعوا فِيهِ، لِأَنَّ أَرْضَهُمْ سِبَاخٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الرِّمَالُ، فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَنَا الْمَاءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا [[في ف، أ: "وجعل".]] فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ إِلَى السِّبَاخِ وَالْبَرَارِيِّ [وَالْبِحَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْقِفَارِ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لشُرب وَلَا لِسَقْيٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ لَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ ينجَرّ عَلَى وَجْهِهَا لَفَعَلْنَا. وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ إِذَا نَزَلَ فِيهَا يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ [[في ف: "فيفجر".]] الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي [[في ف، أ: "ويسقي".]] بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون [[في ف: "ويغتسلون وتغتسلون".]] منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يَعْنِي: فَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، أَيْ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أَيْ: فِيهَا نَخِيلٌ وَأَعْنَابٌ. وَهَذَا مَا كَانَ يَأْلَفُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ إِقْلِيمٍ، عِنْدَهُمْ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا يَعْجِزُون عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الثِّمَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النَّحْلِ: ١١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: تَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وَنُضْجِهِ، وَمِنْهُ تَأْكُلُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَةَ. وَالطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عَرى عَنْهَا سُمِّيَ جَبَلا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، وفي أ: "والله تعالى".]] عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى فَلَانٌ بِيَدِهِ، أَيْ: يَدَهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُضَمِّن الْفِعْلَ فَتَقْدِيرُهُ: تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ، أَوْ [[في ف، أ: "أي".]] تَأْتِي بِالدُّهْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أَيْ: أدْم، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿لِلآكِلِينَ﴾ أَيْ: فِيهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَالِاصْطِبَاغِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أسَيْد -وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ [[في أ: "بالزيت".]] ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣) وسنن الترمذي برقم (١٨٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٣٣١٩) .]] . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إلا من حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الصَّعْب بْنُ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ضِفْت عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ [[في ف: "ضفت ليلة عمر بن الخطاب".]] ، فَأَطْعَمَنِي [[في ف: فأطعمني "عودا". وفي أ: "عسورا".]] مِنْ رَأْسِ بَعِيرٍ بَارِدٍ، وَأَطْعَمَنَا زَيْتًا، وَقَالَ: هَذَا الزَّيْتُ الْمُبَارَكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١/٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ : يَذْكُرُ تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ ألْبَانِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ فرْث وَدَمٍ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حُمْلَانِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وُيُحَمِّلُونَهَا [[في ف: "ويحملون".]] الْأَحْمَالَ الثِّقَالَ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ [[في ف، أ: "عبده".]] الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنَ السَّقْيِ وَالشُّرْبِ وَالِانتِفَاعِ بِهِ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ الْمَطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيُقَالُ لَهَا: "الْأَرْضُ الجرُز"، يَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فَيَأْتِي الْمَاءُ يَحْمِلُ طِينًا [[في ف: "الطين".]] أَحْمَرَ، فَيَسْقِي أَرْضَ مِصْرَ، وَيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزدرعوا فِيهِ، لِأَنَّ أَرْضَهُمْ سِبَاخٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الرِّمَالُ، فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَنَا الْمَاءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا [[في ف، أ: "وجعل".]] فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ إِلَى السِّبَاخِ وَالْبَرَارِيِّ [وَالْبِحَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْقِفَارِ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لشُرب وَلَا لِسَقْيٍ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ لَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ ينجَرّ عَلَى وَجْهِهَا لَفَعَلْنَا. وَلَوْ شِئْنَا لَجَعَلْنَاهُ إِذَا نَزَلَ فِيهَا يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ [[في ف: "فيفجر".]] الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي [[في ف، أ: "ويسقي".]] بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون [[في ف: "ويغتسلون وتغتسلون".]] منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ يَعْنِي: فَأَخْرَجْنَا لَكُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، أَيْ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أَيْ: فِيهَا نَخِيلٌ وَأَعْنَابٌ. وَهَذَا مَا كَانَ يَأْلَفُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ إِقْلِيمٍ، عِنْدَهُمْ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا يَعْجِزُون عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الثِّمَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النَّحْلِ: ١١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: تَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وَنُضْجِهِ، وَمِنْهُ تَأْكُلُونَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يَعْنِي: الزَّيْتُونَةَ. وَالطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عَرى عَنْهَا سُمِّيَ جَبَلا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم [اللَّهُ] [[زيادة من ف، وفي أ: "والله تعالى".]] عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى فَلَانٌ بِيَدِهِ، أَيْ: يَدَهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُضَمِّن الْفِعْلَ فَتَقْدِيرُهُ: تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ، أَوْ [[في ف، أ: "أي".]] تَأْتِي بِالدُّهْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَصِبْغٍ﴾ أَيْ: أدْم، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿لِلآكِلِينَ﴾ أَيْ: فِيهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَالِاصْطِبَاغِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي أسَيْد -وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ [[في أ: "بالزيت".]] ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [[المسند (٣/٤٩٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣) وسنن الترمذي برقم (١٨٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٣٣١٩) .]] . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إلا من حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.

قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الصَّعْب بْنُ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ضِفْت عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ [[في ف: "ضفت ليلة عمر بن الخطاب".]] ، فَأَطْعَمَنِي [[في ف: فأطعمني "عودا". وفي أ: "عسورا".]] مِنْ رَأْسِ بَعِيرٍ بَارِدٍ، وَأَطْعَمَنَا زَيْتًا، وَقَالَ: هَذَا الزَّيْتُ الْمُبَارَكُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١/٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ : يَذْكُرُ تَعَالَى مَا جَعَلَ لِخَلْقِهِ فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ ألْبَانِهَا الْخَارِجَةِ مِنْ بَيْنِ فرْث وَدَمٍ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حُمْلَانِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وُيُحَمِّلُونَهَا [[في ف: "ويحملون".]] الْأَحْمَالَ الثِّقَالَ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٣] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ [[في ف، أ: "بعثه الله".]] إِلَى قَوْمِهِ، لِيُنْذِرَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ الشَّدِيدَ، وَانتِقَامَهُ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أَيْ: أَلَا تَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ فِي إِشْرَاكِكُمْ بِهِ؟!

فَقَالَ الْمَلَأُ -وَهُمُ السَّادَةُ وَالْأَكَابِرُ مِنْهُمْ-: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنُونَ: يَتَرَفَّعُ عَلَيْكُمْ وَيَتَعَاظَمُ بِدَعْوَى [[في ف، أ: "بدعوة".]] النُّبُوَّةِ، وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْهِ دُونَكُمْ؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا، لَبَعَثَ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَشَرًا! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أَيْ: بِبَعْثَةِ الْبَشَرِ فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. يَعْنُونَ [[في ف: "يعني".]] بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم [[في ف، أ: "الدهور".]] الماضية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أَيْ: مَجْنُونٌ فِيمَا يَزْعُمُهُ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، وَاخْتَصَّهُ مِنْ بَيْنِكُمْ بِالْوَحْيِ ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ أَيِ: انتَظِرُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، وَاصْبِرُوا عَلَيْهِ مُدَّةً حَتَّى تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ [[في ف، أ: "بعثه الله".]] إِلَى قَوْمِهِ، لِيُنْذِرَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ الشَّدِيدَ، وَانتِقَامَهُ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أَيْ: أَلَا تَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ فِي إِشْرَاكِكُمْ بِهِ؟!

فَقَالَ الْمَلَأُ -وَهُمُ السَّادَةُ وَالْأَكَابِرُ مِنْهُمْ-: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنُونَ: يَتَرَفَّعُ عَلَيْكُمْ وَيَتَعَاظَمُ بِدَعْوَى [[في ف، أ: "بدعوة".]] النُّبُوَّةِ، وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْهِ دُونَكُمْ؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا، لَبَعَثَ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَشَرًا! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أَيْ: بِبَعْثَةِ الْبَشَرِ فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. يَعْنُونَ [[في ف: "يعني".]] بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم [[في ف، أ: "الدهور".]] الماضية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أَيْ: مَجْنُونٌ فِيمَا يَزْعُمُهُ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، وَاخْتَصَّهُ مِنْ بَيْنِكُمْ بِالْوَحْيِ ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ أَيِ: انتَظِرُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، وَاصْبِرُوا عَلَيْهِ مُدَّةً حَتَّى تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ [[في ف، أ: "بعثه الله".]] إِلَى قَوْمِهِ، لِيُنْذِرَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ الشَّدِيدَ، وَانتِقَامَهُ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أَيْ: أَلَا تَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ فِي إِشْرَاكِكُمْ بِهِ؟!

فَقَالَ الْمَلَأُ -وَهُمُ السَّادَةُ وَالْأَكَابِرُ مِنْهُمْ-: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنُونَ: يَتَرَفَّعُ عَلَيْكُمْ وَيَتَعَاظَمُ بِدَعْوَى [[في ف، أ: "بدعوة".]] النُّبُوَّةِ، وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْهِ دُونَكُمْ؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا، لَبَعَثَ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَشَرًا! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أَيْ: بِبَعْثَةِ الْبَشَرِ فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. يَعْنُونَ [[في ف: "يعني".]] بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم [[في ف، أ: "الدهور".]] الماضية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أَيْ: مَجْنُونٌ فِيمَا يَزْعُمُهُ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، وَاخْتَصَّهُ مِنْ بَيْنِكُمْ بِالْوَحْيِ ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ أَيِ: انتَظِرُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، وَاصْبِرُوا عَلَيْهِ مُدَّةً حَتَّى تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا [عَنْهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِصَنْعَةِ السَّفِينَةِ وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا أَهْلَهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: سَبَقَ فِيهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهِ، كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ الْعَظِيمِ، لَا تَأْخُذَنَّكَ رَأْفَةٌ بِقَوْمِكَ، وَشَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ، وطَمَع فِي تَأْخِيرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ "هُودٍ" [[انظر تفسير الآيات: ٢٥-٤٨.]] بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢-١٤] . وَقَدِ امْتَثَلَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هُودٍ:٤١] . فذَكَر اللهَ تَعَالَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَيْرِهِ وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ -وَهُوَ إِنْجَاءُ المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿لآيَاتٍ﴾ أَيْ: لَحُجَجًا [[في ف، أ: "لحجج".]] وَدَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِلٌ لِمَا يَشَاءُ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أَيْ: لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا [عَنْهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِصَنْعَةِ السَّفِينَةِ وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا أَهْلَهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: سَبَقَ فِيهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهِ، كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ الْعَظِيمِ، لَا تَأْخُذَنَّكَ رَأْفَةٌ بِقَوْمِكَ، وَشَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ، وطَمَع فِي تَأْخِيرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ "هُودٍ" [[انظر تفسير الآيات: ٢٥-٤٨.]] بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢-١٤] . وَقَدِ امْتَثَلَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هُودٍ:٤١] . فذَكَر اللهَ تَعَالَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَيْرِهِ وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ -وَهُوَ إِنْجَاءُ المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿لآيَاتٍ﴾ أَيْ: لَحُجَجًا [[في ف، أ: "لحجج".]] وَدَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِلٌ لِمَا يَشَاءُ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أَيْ: لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا [عَنْهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِصَنْعَةِ السَّفِينَةِ وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا أَهْلَهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: سَبَقَ فِيهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهِ، كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ الْعَظِيمِ، لَا تَأْخُذَنَّكَ رَأْفَةٌ بِقَوْمِكَ، وَشَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ، وطَمَع فِي تَأْخِيرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ "هُودٍ" [[انظر تفسير الآيات: ٢٥-٤٨.]] بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢-١٤] . وَقَدِ امْتَثَلَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هُودٍ:٤١] . فذَكَر اللهَ تَعَالَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَيْرِهِ وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ -وَهُوَ إِنْجَاءُ المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿لآيَاتٍ﴾ أَيْ: لَحُجَجًا [[في ف، أ: "لحجج".]] وَدَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِلٌ لِمَا يَشَاءُ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أَيْ: لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا [عَنْهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِصَنْعَةِ السَّفِينَةِ وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا أَهْلَهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: سَبَقَ فِيهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهِ، كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ الْعَظِيمِ، لَا تَأْخُذَنَّكَ رَأْفَةٌ بِقَوْمِكَ، وَشَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ، وطَمَع فِي تَأْخِيرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ "هُودٍ" [[انظر تفسير الآيات: ٢٥-٤٨.]] بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢-١٤] . وَقَدِ امْتَثَلَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هُودٍ:٤١] . فذَكَر اللهَ تَعَالَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَيْرِهِ وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ -وَهُوَ إِنْجَاءُ المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿لآيَاتٍ﴾ أَيْ: لَحُجَجًا [[في ف، أ: "لحجج".]] وَدَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِلٌ لِمَا يَشَاءُ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أَيْ: لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا [عَنْهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِصَنْعَةِ السَّفِينَةِ وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَاناتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا أَهْلَهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: سَبَقَ فِيهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهِ، كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ الْعَظِيمِ، لَا تَأْخُذَنَّكَ رَأْفَةٌ بِقَوْمِكَ، وَشَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ، وطَمَع فِي تَأْخِيرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ "هُودٍ" [[انظر تفسير الآيات: ٢٥-٤٨.]] بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢-١٤] . وَقَدِ امْتَثَلَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هُودٍ:٤١] . فذَكَر اللهَ تَعَالَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَيْرِهِ وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ -وَهُوَ إِنْجَاءُ المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿لآيَاتٍ﴾ أَيْ: لَحُجَجًا [[في ف، أ: "لحجج".]] وَدَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَاعِلٌ لِمَا يَشَاءُ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أَيْ: لَمُخْتَبِرِينَ لِلْعِبَادِ بِإِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com