Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah An-Noor
Tafsir Ibn Kathir · The Light · 64 ayat · ayat 31–60 · Quran text →
هَذَا [[في ف، أ: "وهذا".]] أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ، وغَيْرَة [[في أ: "وعزة".]] مِنْهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَمْيِيزٌ لَهُنَّ عَنْ صِفَةِ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفِعَالِ الْمُشْرِكَاتِ. وكان سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حيَّان قَالَ: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّث: أَنَّ "أَسْمَاءَ بِنْتَ مُرْشدَة" كَانَتْ فِي مَحِلٍّ لَهَا فِي بَنِي حَارِثَةَ، فَجَعَلَ النِّسَاءُ يَدْخُلْنَ عَلَيْهَا غَيْرَ مُتَأزّرات فَيَبْدُو مَا فِي أَرْجُلِهِنَّ مِنَ الْخَلَاخِلِ، وَتَبْدُو صُدُورُهُنَّ وَذَوَائِبُهُنَّ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: مَا أَقْبَحَ هَذَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الْآيَةَ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أَيْ: عَمَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ. وَلِهَذَا ذَهَبَ [كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ] [[زيادة من ف، أ.]] إِلَى أَنَّهُ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْأَجَانِبِ بِشَهْوَةٍ وَلَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَصْلًا. وَاحْتَجَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَبْهَانَ -مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ -أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثته: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَيْمُونَةُ، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُمِرْنا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْتَجِبَا مِنْهُ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا ولا يعرفنا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ عَمْيَاوَانِ [[في أ: "أفعمياوان".]] أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ" [[سنن أبي داود برقم (٤١١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ نَظَرِهِنَّ إِلَى الْأَجَانِبِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ يَوْمَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مِنْ وَرَائِهِ، وَهُوَ يَسْتُرُهَا مِنْهُمْ حَتَّى مَلَّت وَرَجَعَتْ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر:، عَنِ الْفَوَاحِشِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُنَّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:، عَنِ الزِّنَى. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كُلُّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهَا حِفْظُ الْفُرُوجِ، فَهُوَ مِنَ الزِّنَى، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أَلَّا يَرَاهَا أَحَدٌ.
وَقَالَ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أَيْ: لَا يُظهرْنَ شَيْئًا مِنَ الزِّينَةِ لِلْأَجَانِبِ، إِلَّا مَا لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَالرِّدَاءِ وَالثِّيَابِ. يَعْنِي: عَلَى مَا كَانَ يَتَعَانَاهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ، مِنَ المِقْنعة الَّتِي تُجَلِّل ثِيَابَهَا، وَمَا يَبْدُو مِنْ أَسَافِلِ الثِّيَابِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ. [وَنَظِيرُهُ فِي زِيِّ النِّسَاءِ مَا يَظْهَرُ مِنْ إِزَارِهَا، وَمَا لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ. وَقَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَالْخَاتَمُ. ورُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالضَّحَّاكِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَغَيْرِهِمْ -نحوُ ذَلِكَ. وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ الَّتِي نُهِينَ عَنْ إِبْدَائِهَا، كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبيعي، عَنْ أَبِي الأحْوَص، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ : الزِّينَةُ القُرْط والدُّمْلُج وَالْخَلْخَالُ وَالْقِلَادَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: الزِّينَةُ زِينَتَانِ: فَزِينَةٌ لَا يَرَاهَا إِلَّا الزَّوْجُ: الْخَاتَمُ وَالسُّوَارُ، [وَزِينَةٌ يَرَاهَا الْأَجَانِبُ، وَهِيَ] [[زيادة من ف، أ.]] الظَّاهِرُ مِنَ الثِّيَابِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: [لَا يَبْدُو] [[زيادة من ف، أ.]] لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا الْأَسْوِرَةُ وَالْأَخْمِرَةُ والْأَقْرِطَةُ مِنْ غَيْرِ حَسْرٍ، وَأَمَّا عَامَّةُ النَّاسِ فَلَا يَبْدُو مِنْهَا إِلَّا الْخَوَاتِمُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الْخَاتَمُ وَالْخَلْخَالُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَرَادُوا تَفْسِيرَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الْإِنْطَاكِيُّ ومُؤَمَّل بْنُ الْفَضْلِ الحَرَّاني قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيك، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَقَالَ: "يَا أَسْمَاءُ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا" وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ [[سنن أبي داود برقم (٤١٠٤) .]] .
لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ؛ خَالِدُ بْنُ دُرَيك لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يَعْنِي: الْمَقَانِعَ يُعْمَلُ لَهَا صَنفات ضَارِبَاتٌ عَلَى صُدُورِ النِّسَاءِ، لِتُوَارِيَ مَا تَحْتَهَا مِنْ صَدْرِهَا وَتَرَائِبِهَا؛ لِيُخَالِفْنَ شعارَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ، بَلْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمُرُّ بَيْنَ الرِّجَالِ مُسَفِّحَةً بِصَدْرِهَا، لَا يُوَارِيهِ شَيْءٌ، وَرُبَّمَا أَظْهَرَتْ [[في ف: "ظهرت".]] عُنُقَهَا وَذَوَائِبَ شَعْرِهَا وَأَقْرِطَةَ آذَانِهَا. فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يَسْتَتِرْنَ فِي هَيْئَاتِهِنَّ وَأَحْوَالِهِنَّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٩] . وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخُمُر: جَمْعُ خِمار، وَهُوَ مَا يُخَمر بِهِ، أَيْ: يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْمَقَانِعَ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَلْيَضْرِبْن﴾ : وَلِيَشْدُدْنَ ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يَعْنِي: عَلَى النَّحْرِ وَالصَّدْرِ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيب [[في هـ: "حدثنا أحمد بن شبيب" وفي ف، أ: "حدثنا أحمد بن شبيب قال" والمثبت من البخاري.]] : حدَّثنا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ [[في ف، أ: "قال".]] ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شقَقْنَ مُرُوطهن فَاخْتَمَرْنَ بِهِ [[في ف: "بها" وفي أ: "بهن".]] [[صحيح البخاري برقم (٤٧٥٨) .]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفيّة بِنْتِ شَيْبَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَانَتْ تَقُولُ [[في هـ، ف: "رضي الله عنها قالت: لما"،والمثبت من البخاري.]] : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ : أَخَذْنَ أُزُرَهُنَّ فَشَقَقنها مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي، فَاخْتَمَرْنَ بِهَا [[صحيح البخاري برقم (٤٧٥٩) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنِي الزِّنْجِيُّ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَذَكَرْنَا نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلًا وَإِنِّي -وَاللَّهِ -وَمَا رَأَيْتُ أفضلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ. لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ، انْقَلَبَ إِلَيْهِنَّ رِجَالُهُنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِيهَا، وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَةٍ [[في ف: "قرابته".]] ، فَمَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطها المُرَحَّل فَاعْتَجَرَتْ بِهِ، تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فأصبحْنَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ مُعْتَجَرَاتٍ، كأن على رؤوسهن الغربان.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤١٠٠، ٤١٠١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ قُرَّةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ النِّسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأوَل، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقّقن أكثَف مُرُوطِهِنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (١٨/٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤١٠٢) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يَعْنِي: أَزْوَاجَهُنَّ، ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كُلُّ هَؤُلَاءِ مَحَارِمُ الْمَرْأَةِ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَظْهَرَ عَلَيْهِمْ بِزِينَتِهَا، وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ اقْتِصَادٍ وَتُبَهْرُجٍ [[في أ: "بهرج".]] .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا مُوسَى -يَعْنِي: ابْنَ هَارُونَ -حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ -حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وعِكْرمَة فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ -حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا قَالَ: لَمْ يَذْكُرِ الْعَمَّ وَلَا الْخَالَ؛ لِأَنَّهُمَا ينعَتان [[في أ: "يتبعان".]] لِأَبْنَائِهِمَا، وَلَا تَضَعُ خِمَارَهَا عِنْدَ الْعَمِّ وَالْخَالِ فَأَمَّا الزَّوْجُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَتَتَصَنَّعُ لَهُ مَا لَا يَكُونُ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يَعْنِي: تُظهر زِينَتَهَا أَيْضًا لِلنِّسَاءِ الْمُسَلِمَاتِ دُونَ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِئَلَّا تَصِفَهُنَّ لِرِجَالِهِنَّ، وَذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ مَحْذُورًا فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ -إِلَّا أَنَّهُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَشَدُّ، فَإِنَّهُنَّ لَا يَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، وَأَمَّا الْمُسْلِمَةُ فَإِنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فَتَنْزَجِرُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُبَاشِرُ المرأةَ المرأةَ، تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٢٤١) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِّ،، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَ نِسَاءِ أَهْلِ الشِّرْكِ، فانْهَ مَنْ قِبَلَك فَلَا [[في ف، أ: "فإنه لا".]] يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالْلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَوْرَتِهَا إِلَّا أَهْلُ مِلَّتِهَا [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٩٥) من طريق سعيد بن منصور، به.]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قَالَ: نِسَاؤُهُنَّ الْمُسْلِمَاتُ، لَيْسَ الْمُشْرِكَاتُ مِنْ نِسَائِهِنَّ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكَشِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُشْرِكَةِ.
وَرَوَى عَبد فِي تَفْسِيرِهِ [[في ف: "تفسير".]] عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ ، قَالَ: هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ لَا تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَهُوَ النَّحْر والقُرْط والوٍشَاح، وَمَا لَا يَحِلُّ أَنْ يَرَاهُ إلا محرم.
وَرَوَى سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا تَضَعُ الْمُسْلِمَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ مُشْرِكَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فَلَيْسَتْ [[في ف: "فليس"، وفي أ: "فلسن".]] مِنْ نِسَائِهِنَّ.
وَعَنْ مَكْحُولٍ وَعُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ: أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ تُقَبِّلَ النصرانيةُ وَالْيَهُودِيَّةُ وَالْمَجُوسِيَّةُ الْمُسْلِمَةَ.
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَة قَالَ: قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ: وَلَمَّا قَدِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، كَانَ قَوَابل نِسَائِهِمُ الْيَهُودِيَّاتُ وَالنَّصْرَانِيَّاتُ فَهَذَا -إِنْ صَحَّ -مَحمولٌ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِامْتِهَانِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَشَفُ عَوْرَةٍ وَلَا بُدَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيج [[في أ: "جرير".]] : يَعْنِي: مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ [زَينَتَهَا لَهَا وَإِنْ كَانَتْ مُشْرِكَةً؛ لِأَنَّهَا أَمَتُهَا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ المسيَّب. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَظْهَرَ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى رَقِيقِهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو جُمَيْعٍ سَالِمُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ [[في ف: "نبي الله".]] ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا. قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعت بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا تَلْقَى قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤١٠٦) .]] .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ [فِي] [[زيادة من ف، أ.]] تَرْجَمَةِ حُدَيْج الخَصِيّ -مُوَلَى مُعَاوِيَةَ -أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَة الْفَزَارِيَّ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ الْأَدْمَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ، ثُمَّ قَدْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ صِفِّينَ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[تاريخ دمشق (٤/٢٧٨ "المخطوط") .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَبْهَان، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَب، وَكَانَ لَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّد، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ [[المسند (٦/٢٨٩) وسنن أبي داود برقم (٣٩٢٨) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يَعْنِي: كَالْأُجَرَاءِ وَالْأَتْبَاعِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَكْفَاءَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي عُقُولِهِمْ وَله وخَوَث [[في ف، أ: "وحوب".]] ، وَلَا همَّ لَهُمْ إِلَى النِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهُونَهُنَّ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمُغَفَّلُ الَّذِي لَا شَهْوَةَ لَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الأبْلَه.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ المخَنَّث الَّذِي لَا يَقُومُ زُبُّه. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ يدخل على أهل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانُوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وَهُوَ ينَعت امْرَأَةً: يَقُولُ إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا، لَا يدخلَنّ عليكُنَ" فَأَخْرَجَهُ، فَكَانَ بِالْبَيْدَاءِ يَدْخُلُ يَوْمَ كُلِّ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ [[صحيح مسلم برقم (٢١٨١) وزيادة: "فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة.... الحديث" أخرجها أبو داود في السنن برقم (٤١٠٩) من طريق الزهري، به، وليست في صحيح مسلم.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْهَا [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] وَعِنْدَهَا مُخَنَّثٌ، وَعِنْدَهَا [أَخُوهَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ [وَالْمُخَنَّثُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرْ [[في ف، أ: "وتذهب".]] بِثَمَانٍ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لِأُمِّ سَلَمَةَ: "لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكِ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٢٩٠) وصحيح البخاري برقم (٥٨٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢١٨٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، وَكَانُوا يَعُدّونه مِنْ غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً. فَقَالَ: إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا؟ لَا يدخلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا" فَحَجَبُوهُ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[المسند (٦/١٥٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٨١) وسنن أبي داود برقم (٤١٠٨) والنسائي في السنن الكبرى (٩٢٤٧) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ يَعْنِي: لِصِغَرِهِمْ لَا يَفْهَمُونَ أَحْوَالَ النِّسَاءِ وَعَوْرَاتِهِنَّ مِنْ كَلَامِهِنَّ [[في ف: "كلامهم".]] الرَّخِيمِ، وَتَعَطُّفِهِنَّ فِي الْمِشْيَةِ وَحَرَكَاتِهِنَّ، فَإِذَا كَانَ الطِّفْلُ صَغِيرًا لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهِ عَلَى النِّسَاءِ.فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُرَاهِقًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بِحَيْثُ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَيَدْرِيهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّوْهَاءِ وَالْحَسْنَاءِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْو؟ قَالَ: "الحَمْو الْمَوْتُ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَتْ [[في ف: "كانت المرأة إذا كانت في الجاهلية".]] تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ وَفِي رَجْلِهَا خَلْخَالٌ صَامِتٌ -لَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ -ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا الْأَرْضَ، فَيَعْلَمُ الرِّجَالُ طَنِينَهُ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنَاتِ عَنْ مَثَلِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ زِينَتِهَا مَسْتُورًا، فَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ لِتُظْهِرَ [[في ف: "ليظهر".]] مَا هُوَ خَفِيٌّ، دَخَلَ فِي هَذَا النَّهْيِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهَا تُنْهَى عَنِ التَّعَطُّرِ وَالتَّطَيُّبِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا ليَشْتَمَّ [[في أ: "ليشم".]] الرِّجَالُ طِيبَهَا، فَقَدْ قَالَ أبو عيسى الترمذي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَّطَّان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُمَارة الْحَنَفِيِّ، عَنْ غُنَيْم بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فمرَّت بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا" يَعْنِي زَانِيَةً [[سنن الترمذي برقم (٢٧٨٦) .]] .
قَالَ: وَفِي الْبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ عُمَارَةَ، [[سنن أبي داود برقم (٤١٧٣) وسنن النسائي (٨/١٥٣) .]] بِهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عَاصِمِ بْنِ [[في ف: "عن".]] عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى أَبِي رُهْم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لقيتْه امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِيبِ، وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ لَهَا: [وَلَهُ] [[زيادة من ف، أ، وأبي داود.]] تَطَيَّبتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ [[في ف: "رسول الله".]] ﷺ يَقُولُ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرَأَةٍ تَطَيبت لِهَذَا الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسلها مِنَ الْجَنَابَةِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن سُفْيَانَ -هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - [[سنن أبي داود برقم (٤١٧٤) وسنن ابن ماجه برقم (٤٠٠٢) .]] بِهِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيدة، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "الرَّافِلَةُ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا نُورَ لَهَا" [[سنن الترمذي برقم (١١٦٧) وقال الترمذي: "وهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث من قبل حفظه وهو صدوق، وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة ولم يرفعه".]] .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُنَّ يُنهَين عَنِ الْمَشْيِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّبَرُّجِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ:
حَدَّثَنَا القَعْنَبِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ -عَنْ [[في ف: "ابن".]] أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ -وَقَدِ اخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ -فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ: "اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْققْن [[في ف: "تحتضن"، وفي أ: "تختص".]] الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ"، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُلْصَقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لِيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ، مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥٢٧٢) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَلِيلَةِ، وَاتْرُكُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ، فَإِنَّ الفَلاح كُلَّ الفَلاح فِي فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَتَرْكِ مَا نَهَيَا [[في أ: "ما نهاه".]] عَنْهُ، والله تعالى هو المستعان [وعليه التكلان] [[زيادة من ف، أ.]] .
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ الْمُبِينَةُ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ، وَالْأَوَامِرِ الْمُبْرَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ : هَذَا أَمْرٌ بِالتَّزْوِيجِ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ، عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَر عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٠) .]] .
وَجَاءَ فِي السُّنَنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "تَزَوَّجوا، تَوَالَدُوا، تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[سنن أبي داود برقم (٢٠٥٠) وسنن النسائي (٦/٦٥) .]] وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى بِالسِّقْطِ".
الْأَيَامَى: جَمْعُ أيِّم، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي لَا زَوْجَةَ لَهُ. وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ثُمَّ فَارَقَ، أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَأَمَرَ بِهِ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَوَعَدَهُمْ عَلَيْهِ الْغِنَى، فَقَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى، قَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رَوَاهُ [[في ف، أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بِنَحْوِهِ.
وَعَنِ اللَّيْثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سَعِيدٍ المقْبُرِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنهم: النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، والمكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٢٥١) وسنن الترمذي برقم (١٦٥٥) وسنن النسائي (٦/٦١) وسنن ابن ماجه برقم (٢٥١٨) .]] وَقَدْ زوَّج رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ إِلَّا إِزَارَهُ [[في أ: "الإزارة".]] ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا فَزَوَّجَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَالْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفِهِ أَنْ يَرْزُقَهُ [وَإِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ.]] مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ وَلَهَا. فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثُ: "تَزَوَّجُوا فُقَرَاءَ يُغْنِكُمُ اللَّهُ"، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ أَرَهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ إِلَى الْآنَ، وَفِي الْقُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْهُ، وَكَذَا [[في ف: "وكذلك".]] هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ لَا يَجِدُ تَزْوِيجًا [بِالتَّعَفُّفِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنِ الْحَرَامِ، كَمَا قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء".
وَهَذِهِ [[في ف: "فهذه".]] الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَخَصُّ مِنْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥] أَيْ صَبْرُكُمْ عَنْ تَزْوِيجِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ رَقِيقًا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا وَلْيَقْضِ [[في ف: "فليقض".]] حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امرأة فلينظر في ملكوت السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من ف، أ.]] حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّادَةِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُمْ عَبِيدُهُمُ الْكِتَابَةَ أَنْ يُكَاتِبُوا [[في ف: "يكاتبوهم".]] ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ حِيلَةٌ وَكَسْبٌ يُؤَدِّي إِلَى سيِّده الْمَالَ الَّذِي شَارَطَهُ عَلَى أَدَائِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ أمرُ إِرْشَادٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرَ تَحَتُّمٍ وَإِيجَابٍ، بَلِ السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ، إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ الْكِتَابَةَ إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح: إِنْ يَشَأْ يُكَاتِبْهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُكَاتِبْهُ [[في ف، أ: "إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ".]] ، وَكَذَا قَالَ مُقاتل بْنُ حَيَّان، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عبدُه ذَلِكَ، أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى مَا طَلَبَ؛ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْأَمْرِ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج قُلْتُ لِعَطَاءٍ: [أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ] [[زيادة من ف، أ، والبخاري.]] ، أتأثُرُه عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا المكاتبةَ -وكان كثير المال، فأبى.
فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَاتِبْهُ. فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [[في ف: "وكاتبوهم" وهو خطأ.]] ، فَكَاتَبَهُ [[صحيح البخاري (٥/١٨٤) "فتح".]]
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا [[في أ: "معلقا".]] . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جِرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو [[في أ: "عمر".]] بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا [[ورواه الطبري في تفسيره (١٨/٩٨) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ سِيرِينَ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتكاتِبَنَّه. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[تفسير الطبري (١٨/٩٨) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْم بْنُ جُوَيْبِر، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: هِيَ عَزْمة.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٧٢) من حديث عم أبي حرة الرقاشي، وفي (٥/٤٢٥) من حديث أبي حميد الساعدي، وفي (٣/٤٢٣) من حديث عمرو بن يثربي.]] .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أنْ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِذَنٌ مِنْهُ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ الْوُجُوبِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَانَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِدْقًا. [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَالًا] [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حِيلَةً وَكَسْبًا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قَالَ: "إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلا [[في ف، أ: "كلايا".]] عَلَى النَّاسِ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: مَعْنَاهُ اطْرَحُوا لَهُمْ مِنَ الْكِتَابَةِ بَعْضَهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِقْدَارَ الرُّبْعِ. وَقِيلَ: الثُّلُثُ. وَقِيلَ: النِّصْفُ. وَقِيلَ: جُزْءٌ مِنَ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هُوَ النَّصِيبُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الزِّكَوَاتِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِيهِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: حَثَّ النَّاسَ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "على".]] مَوْلَاهُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ بُرَيْدة بْنُ الحُصَيب الْأَسْلَمِيُّ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعِينُوا فِي الرِّقَابِ. وَقَدْ تقدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ": فَذَكَرَ مِنْهُمُ المكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنِ ابْنِ شَبِيب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، فَجَاءَ بِنَجْمِهِ حِينَ حُلَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، اذْهَبْ فَاسْتَعِنْ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِكَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ تركتَه حَتَّى يَكُونَ مِنْ آخِرِ نَجْمٍ؟ قَالَ: أَخَافُ أَلَّا أُدْرِكَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ [[في ف، أ: "فكان".]] أَوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عنبسَةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَاتَبَ مكاتَبه لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَزَ فَتَرْجِعَ إِلَيْهِ صَدَقَتُهُ. وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ مُكَاتَبَتِهِ، وَضَعَ عَنْهُ مَا أَحَبَّ [[تفسير الطبري (١٨/١٠١) .]] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: يَعْنِي: ضَعُوا عَنْهُمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَريّ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ : كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ لمكاتَبه طَائِفَةً مِنْ مُكَاتَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنْدَبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُبْعُ الْكِتَابَةِ" [[ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٥٨٩) من طريق ابن جريج، به. وقال: "قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد، عن عطاء بن السائب أنه كان يحدث بهذا الحديث، لا يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[ورواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (١٥٥٩٠) من طريق معمر، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي، به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَمَةٌ، أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً يَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ [[في ف، أ: "المؤمنين".]] عَنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ -فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ -فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ [الْمُنَافِقِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ، فَكَانَ يُكْرِهْهُنَّ عَلَى البِغاء طَلَبًا لخَراجهن، وَرَغْبَةً فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَرِئَاسَةً مِنْهُ فِيمَا يَزْعُمُ [قبحه الله ولعنه] [[زيادة من ف، أ.]] [ذِكْرُ الْآثَارِ [[في أ: "الأحاديث".]] الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ] [[زيادة من ف، أ.]]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ البزَّار، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو اللَّخْمِيُّ -يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ الْحَجَّاجِ -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لِعَبْدِ الله بن أبي ابن سَلُولٍ، يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، يُكْرِهُهَا عَلَى الزِّنَى، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[مسند البزار برقم (٢٢٤٠) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٣) : "فيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَمَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَة، كَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْفُجُورِ -وَكَانَتْ لَا بَأْسَ بِهَا -فَتَأْبَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٠٣) من طريق الأعمش، به.]] .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ نَحْوَهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٥) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، به.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كان لعبد الله بن أُبَيٍّ ابنِ سلولَ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صَرَّحَ الْأَعْمَشُ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ صَحِيفَةٌ" حَكَاهُ الْبَزَّارُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تَزْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَزْنِينَ؟ قَالَتْ [[في ف: "فقالت".]] لَا وَاللَّهِ لَا أَزْنِي. فَضَرَبَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٨٤) من طريق أبي داود الطيالسي، به.]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مَنْ قُرَيْشٍ أُسر يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ أَسِيرًا، وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً [[في أ: "تسلم".]] . وَكَانَتْ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُكْرِهُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَضْرِبُهَا، رَجَاءَ أَنْ تَحْمِلَ لِلْقُرَشِيِّ، فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٥٠) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُنْزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رأس الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ تُدْعَى مُعَاذَةُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ لِيُوَاقِعَهَا، إِرَادَةَ الثَّوَابِ مِنْهُ وَالْكَرَامَةِ لَهُ. فَأَقْبَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَكَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَهُ بِقَبْضِهَا. فَصَاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: مَنْ يَعْذُرني مِنْ مُحَمَّدٍ، يَغْلِبُنَا عَلَى مَمْلُوكَتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذَا.
وَقَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ كَانَا يُكْرِهَانِ أَمَتَيْنِ لَهُمَا، إِحْدَاهُمَا اسْمُهَا مُسَيْكَة، وَكَانَتْ لِلْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ أُمَيْمَةُ أُمُّ مُسَيْكَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَانَتْ مُعَاذَةُ وَأَرْوَى بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَأَتَتْ مُسَيْكَةُ وَأُمُّهَا النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يَعْنِي: الزِّنَى.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ [الْحَيَاةِ] الدُّنْيَا﴾ [[زيادة من ف، أ. وهو الصواب.]] أَيْ: مِنْ خَرَاجهن وَمُهُورِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الحجَّام، وَمَهْرِ البَغيّ وحُلْوان الْكَاهِنِ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٢٣٧) ومسلم في صحيحه برقم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن" وأما كسب الحجام، فروى ابن ماجه في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عقبة بن عمرو: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ".]] -وَفِي رِوَايَةٍ: "مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحجَّام خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ" [[رواه أحمد في مسنده (٣/٤٦٤) من حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [أَيْ: لَهُنَّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لهن غفور رحيم] [[زيادة من ف، أ.]] وإثمهن على من أكرههن: وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَوْف، عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ: لَهُنَّ وَاللَّهِ. لَهُنَّ وَاللَّهِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: غَفُورٌ لَهُنَّ مَا أُكْرهْن عَلَيْهِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهَاتِ.
حَكَاهُنَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ [[في ف: "غفور لهن".]] رَّحِيمٌ" وَإِثْمُهُنَّ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُنَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "رُفِع عَنْ أمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". [[رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٠٤٣) وقد سبق الكلام عليه في سورة الأعراف.]] وَلَمَّا فَصَّلَ تَعَالَى [[في ف، أ: "ولما فصل تبارك وتعالى".]] هَذِهِ الْأَحْكَامَ وبَيَّنها قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ مُفَسِّرَاتٌ، ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: خَبَرًا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حلَّ بِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أوامرَ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦]
﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أَيْ: زَاجِرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: فِيهِ حَكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَهُوَ الفَصْل لَيْسَ بالهَزْل، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّار قَصَمَه اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى مِنْ [[في أ: "في".]] غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ.
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ الْمُبِينَةُ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ، وَالْأَوَامِرِ الْمُبْرَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ : هَذَا أَمْرٌ بِالتَّزْوِيجِ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ، عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَر عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٠) .]] .
وَجَاءَ فِي السُّنَنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "تَزَوَّجوا، تَوَالَدُوا، تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[سنن أبي داود برقم (٢٠٥٠) وسنن النسائي (٦/٦٥) .]] وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى بِالسِّقْطِ".
الْأَيَامَى: جَمْعُ أيِّم، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي لَا زَوْجَةَ لَهُ. وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ثُمَّ فَارَقَ، أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَأَمَرَ بِهِ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَوَعَدَهُمْ عَلَيْهِ الْغِنَى، فَقَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى، قَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رَوَاهُ [[في ف، أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بِنَحْوِهِ.
وَعَنِ اللَّيْثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سَعِيدٍ المقْبُرِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنهم: النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، والمكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٢٥١) وسنن الترمذي برقم (١٦٥٥) وسنن النسائي (٦/٦١) وسنن ابن ماجه برقم (٢٥١٨) .]] وَقَدْ زوَّج رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ إِلَّا إِزَارَهُ [[في أ: "الإزارة".]] ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا فَزَوَّجَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَالْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفِهِ أَنْ يَرْزُقَهُ [وَإِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ.]] مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ وَلَهَا. فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثُ: "تَزَوَّجُوا فُقَرَاءَ يُغْنِكُمُ اللَّهُ"، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ أَرَهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ إِلَى الْآنَ، وَفِي الْقُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْهُ، وَكَذَا [[في ف: "وكذلك".]] هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ لَا يَجِدُ تَزْوِيجًا [بِالتَّعَفُّفِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنِ الْحَرَامِ، كَمَا قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء".
وَهَذِهِ [[في ف: "فهذه".]] الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَخَصُّ مِنْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥] أَيْ صَبْرُكُمْ عَنْ تَزْوِيجِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ رَقِيقًا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا وَلْيَقْضِ [[في ف: "فليقض".]] حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امرأة فلينظر في ملكوت السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من ف، أ.]] حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّادَةِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُمْ عَبِيدُهُمُ الْكِتَابَةَ أَنْ يُكَاتِبُوا [[في ف: "يكاتبوهم".]] ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ حِيلَةٌ وَكَسْبٌ يُؤَدِّي إِلَى سيِّده الْمَالَ الَّذِي شَارَطَهُ عَلَى أَدَائِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ أمرُ إِرْشَادٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرَ تَحَتُّمٍ وَإِيجَابٍ، بَلِ السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ، إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ الْكِتَابَةَ إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح: إِنْ يَشَأْ يُكَاتِبْهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُكَاتِبْهُ [[في ف، أ: "إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ".]] ، وَكَذَا قَالَ مُقاتل بْنُ حَيَّان، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عبدُه ذَلِكَ، أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى مَا طَلَبَ؛ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْأَمْرِ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج قُلْتُ لِعَطَاءٍ: [أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ] [[زيادة من ف، أ، والبخاري.]] ، أتأثُرُه عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا المكاتبةَ -وكان كثير المال، فأبى.
فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَاتِبْهُ. فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [[في ف: "وكاتبوهم" وهو خطأ.]] ، فَكَاتَبَهُ [[صحيح البخاري (٥/١٨٤) "فتح".]]
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا [[في أ: "معلقا".]] . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جِرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو [[في أ: "عمر".]] بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا [[ورواه الطبري في تفسيره (١٨/٩٨) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ سِيرِينَ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتكاتِبَنَّه. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[تفسير الطبري (١٨/٩٨) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْم بْنُ جُوَيْبِر، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: هِيَ عَزْمة.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٧٢) من حديث عم أبي حرة الرقاشي، وفي (٥/٤٢٥) من حديث أبي حميد الساعدي، وفي (٣/٤٢٣) من حديث عمرو بن يثربي.]] .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أنْ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِذَنٌ مِنْهُ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ الْوُجُوبِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَانَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِدْقًا. [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَالًا] [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حِيلَةً وَكَسْبًا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قَالَ: "إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلا [[في ف، أ: "كلايا".]] عَلَى النَّاسِ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: مَعْنَاهُ اطْرَحُوا لَهُمْ مِنَ الْكِتَابَةِ بَعْضَهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِقْدَارَ الرُّبْعِ. وَقِيلَ: الثُّلُثُ. وَقِيلَ: النِّصْفُ. وَقِيلَ: جُزْءٌ مِنَ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هُوَ النَّصِيبُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الزِّكَوَاتِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِيهِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: حَثَّ النَّاسَ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "على".]] مَوْلَاهُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ بُرَيْدة بْنُ الحُصَيب الْأَسْلَمِيُّ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعِينُوا فِي الرِّقَابِ. وَقَدْ تقدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ": فَذَكَرَ مِنْهُمُ المكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنِ ابْنِ شَبِيب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، فَجَاءَ بِنَجْمِهِ حِينَ حُلَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، اذْهَبْ فَاسْتَعِنْ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِكَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ تركتَه حَتَّى يَكُونَ مِنْ آخِرِ نَجْمٍ؟ قَالَ: أَخَافُ أَلَّا أُدْرِكَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ [[في ف، أ: "فكان".]] أَوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عنبسَةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَاتَبَ مكاتَبه لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَزَ فَتَرْجِعَ إِلَيْهِ صَدَقَتُهُ. وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ مُكَاتَبَتِهِ، وَضَعَ عَنْهُ مَا أَحَبَّ [[تفسير الطبري (١٨/١٠١) .]] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: يَعْنِي: ضَعُوا عَنْهُمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَريّ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ : كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ لمكاتَبه طَائِفَةً مِنْ مُكَاتَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنْدَبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُبْعُ الْكِتَابَةِ" [[ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٥٨٩) من طريق ابن جريج، به. وقال: "قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد، عن عطاء بن السائب أنه كان يحدث بهذا الحديث، لا يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[ورواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (١٥٥٩٠) من طريق معمر، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي، به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَمَةٌ، أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً يَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ [[في ف، أ: "المؤمنين".]] عَنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ -فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ -فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ [الْمُنَافِقِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ، فَكَانَ يُكْرِهْهُنَّ عَلَى البِغاء طَلَبًا لخَراجهن، وَرَغْبَةً فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَرِئَاسَةً مِنْهُ فِيمَا يَزْعُمُ [قبحه الله ولعنه] [[زيادة من ف، أ.]] [ذِكْرُ الْآثَارِ [[في أ: "الأحاديث".]] الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ] [[زيادة من ف، أ.]]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ البزَّار، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو اللَّخْمِيُّ -يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ الْحَجَّاجِ -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لِعَبْدِ الله بن أبي ابن سَلُولٍ، يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، يُكْرِهُهَا عَلَى الزِّنَى، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[مسند البزار برقم (٢٢٤٠) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٣) : "فيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَمَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَة، كَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْفُجُورِ -وَكَانَتْ لَا بَأْسَ بِهَا -فَتَأْبَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٠٣) من طريق الأعمش، به.]] .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ نَحْوَهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٥) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، به.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كان لعبد الله بن أُبَيٍّ ابنِ سلولَ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صَرَّحَ الْأَعْمَشُ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ صَحِيفَةٌ" حَكَاهُ الْبَزَّارُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تَزْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَزْنِينَ؟ قَالَتْ [[في ف: "فقالت".]] لَا وَاللَّهِ لَا أَزْنِي. فَضَرَبَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٨٤) من طريق أبي داود الطيالسي، به.]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مَنْ قُرَيْشٍ أُسر يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ أَسِيرًا، وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً [[في أ: "تسلم".]] . وَكَانَتْ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُكْرِهُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَضْرِبُهَا، رَجَاءَ أَنْ تَحْمِلَ لِلْقُرَشِيِّ، فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٥٠) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُنْزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رأس الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ تُدْعَى مُعَاذَةُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ لِيُوَاقِعَهَا، إِرَادَةَ الثَّوَابِ مِنْهُ وَالْكَرَامَةِ لَهُ. فَأَقْبَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَكَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَهُ بِقَبْضِهَا. فَصَاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: مَنْ يَعْذُرني مِنْ مُحَمَّدٍ، يَغْلِبُنَا عَلَى مَمْلُوكَتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذَا.
وَقَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ كَانَا يُكْرِهَانِ أَمَتَيْنِ لَهُمَا، إِحْدَاهُمَا اسْمُهَا مُسَيْكَة، وَكَانَتْ لِلْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ أُمَيْمَةُ أُمُّ مُسَيْكَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَانَتْ مُعَاذَةُ وَأَرْوَى بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَأَتَتْ مُسَيْكَةُ وَأُمُّهَا النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يَعْنِي: الزِّنَى.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ [الْحَيَاةِ] الدُّنْيَا﴾ [[زيادة من ف، أ. وهو الصواب.]] أَيْ: مِنْ خَرَاجهن وَمُهُورِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الحجَّام، وَمَهْرِ البَغيّ وحُلْوان الْكَاهِنِ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٢٣٧) ومسلم في صحيحه برقم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن" وأما كسب الحجام، فروى ابن ماجه في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عقبة بن عمرو: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ".]] -وَفِي رِوَايَةٍ: "مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحجَّام خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ" [[رواه أحمد في مسنده (٣/٤٦٤) من حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [أَيْ: لَهُنَّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لهن غفور رحيم] [[زيادة من ف، أ.]] وإثمهن على من أكرههن: وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَوْف، عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ: لَهُنَّ وَاللَّهِ. لَهُنَّ وَاللَّهِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: غَفُورٌ لَهُنَّ مَا أُكْرهْن عَلَيْهِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهَاتِ.
حَكَاهُنَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ [[في ف: "غفور لهن".]] رَّحِيمٌ" وَإِثْمُهُنَّ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُنَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "رُفِع عَنْ أمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". [[رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٠٤٣) وقد سبق الكلام عليه في سورة الأعراف.]] وَلَمَّا فَصَّلَ تَعَالَى [[في ف، أ: "ولما فصل تبارك وتعالى".]] هَذِهِ الْأَحْكَامَ وبَيَّنها قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ مُفَسِّرَاتٌ، ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: خَبَرًا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حلَّ بِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أوامرَ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦]
﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أَيْ: زَاجِرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: فِيهِ حَكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَهُوَ الفَصْل لَيْسَ بالهَزْل، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّار قَصَمَه اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى مِنْ [[في أ: "في".]] غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ.
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ الْمُبِينَةُ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ، وَالْأَوَامِرِ الْمُبْرَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ : هَذَا أَمْرٌ بِالتَّزْوِيجِ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِهِ، عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَر عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٠) .]] .
وَجَاءَ فِي السُّنَنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "تَزَوَّجوا، تَوَالَدُوا، تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[سنن أبي داود برقم (٢٠٥٠) وسنن النسائي (٦/٦٥) .]] وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى بِالسِّقْطِ".
الْأَيَامَى: جَمْعُ أيِّم، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي لَا زَوْجَةَ لَهُ. وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ثُمَّ فَارَقَ، أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَأَمَرَ بِهِ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَوَعَدَهُمْ عَلَيْهِ الْغِنَى، فَقَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى، قَالَ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رَوَاهُ [[في ف، أ: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بِنَحْوِهِ.
وَعَنِ اللَّيْثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سَعِيدٍ المقْبُرِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنهم: النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، والمكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٢٥١) وسنن الترمذي برقم (١٦٥٥) وسنن النسائي (٦/٦١) وسنن ابن ماجه برقم (٢٥١٨) .]] وَقَدْ زوَّج رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ إِلَّا إِزَارَهُ [[في أ: "الإزارة".]] ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا فَزَوَّجَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَالْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفِهِ أَنْ يَرْزُقَهُ [وَإِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ.]] مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ وَلَهَا. فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثُ: "تَزَوَّجُوا فُقَرَاءَ يُغْنِكُمُ اللَّهُ"، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ أَرَهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ إِلَى الْآنَ، وَفِي الْقُرْآنِ غَنِيَّةٌ عَنْهُ، وَكَذَا [[في ف: "وكذلك".]] هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ لَا يَجِدُ تَزْوِيجًا [بِالتَّعَفُّفِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنِ الْحَرَامِ، كَمَا قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء".
وَهَذِهِ [[في ف: "فهذه".]] الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَخَصُّ مِنْهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥] أَيْ صَبْرُكُمْ عَنْ تَزْوِيجِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ رَقِيقًا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا وَلْيَقْضِ [[في ف: "فليقض".]] حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امرأة فلينظر في ملكوت السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من ف، أ.]] حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّادَةِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُمْ عَبِيدُهُمُ الْكِتَابَةَ أَنْ يُكَاتِبُوا [[في ف: "يكاتبوهم".]] ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ حِيلَةٌ وَكَسْبٌ يُؤَدِّي إِلَى سيِّده الْمَالَ الَّذِي شَارَطَهُ عَلَى أَدَائِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ أمرُ إِرْشَادٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرَ تَحَتُّمٍ وَإِيجَابٍ، بَلِ السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ، إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ الْكِتَابَةَ إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَالَ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح: إِنْ يَشَأْ يُكَاتِبْهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُكَاتِبْهُ [[في ف، أ: "إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ".]] ، وَكَذَا قَالَ مُقاتل بْنُ حَيَّان، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ عبدُه ذَلِكَ، أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى مَا طَلَبَ؛ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْأَمْرِ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج قُلْتُ لِعَطَاءٍ: [أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ] [[زيادة من ف، أ، والبخاري.]] ، أتأثُرُه عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا المكاتبةَ -وكان كثير المال، فأبى.
فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَاتِبْهُ. فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [[في ف: "وكاتبوهم" وهو خطأ.]] ، فَكَاتَبَهُ [[صحيح البخاري (٥/١٨٤) "فتح".]]
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا [[في أ: "معلقا".]] . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جِرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو [[في أ: "عمر".]] بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا [[ورواه الطبري في تفسيره (١٨/٩٨) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ سِيرِينَ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتكاتِبَنَّه. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[تفسير الطبري (١٨/٩٨) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْم بْنُ جُوَيْبِر، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: هِيَ عَزْمة.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [[في ف: "صلى الله عليه وسلم".]] لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٧٢) من حديث عم أبي حرة الرقاشي، وفي (٥/٤٢٥) من حديث أبي حميد الساعدي، وفي (٣/٤٢٣) من حديث عمرو بن يثربي.]] .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أنْ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِذَنٌ مِنْهُ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ الْوُجُوبِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَانَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِدْقًا. [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَالًا] [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حِيلَةً وَكَسْبًا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قَالَ: "إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلا [[في ف، أ: "كلايا".]] عَلَى النَّاسِ".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: مَعْنَاهُ اطْرَحُوا لَهُمْ مِنَ الْكِتَابَةِ بَعْضَهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِقْدَارَ الرُّبْعِ. وَقِيلَ: الثُّلُثُ. وَقِيلَ: النِّصْفُ. وَقِيلَ: جُزْءٌ مِنَ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هُوَ النَّصِيبُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الزِّكَوَاتِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِيهِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: حَثَّ النَّاسَ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "على".]] مَوْلَاهُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ بُرَيْدة بْنُ الحُصَيب الْأَسْلَمِيُّ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعِينُوا فِي الرِّقَابِ. وَقَدْ تقدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ": فَذَكَرَ مِنْهُمُ المكاتَب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنِ ابْنِ شَبِيب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، فَجَاءَ بِنَجْمِهِ حِينَ حُلَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، اذْهَبْ فَاسْتَعِنْ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِكَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ تركتَه حَتَّى يَكُونَ مِنْ آخِرِ نَجْمٍ؟ قَالَ: أَخَافُ أَلَّا أُدْرِكَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ [[في ف، أ: "فكان".]] أَوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عنبسَةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَاتَبَ مكاتَبه لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَزَ فَتَرْجِعَ إِلَيْهِ صَدَقَتُهُ. وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ مُكَاتَبَتِهِ، وَضَعَ عَنْهُ مَا أَحَبَّ [[تفسير الطبري (١٨/١٠١) .]] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: يَعْنِي: ضَعُوا عَنْهُمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَريّ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ : كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ لمكاتَبه طَائِفَةً مِنْ مُكَاتَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنْدَبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُبْعُ الْكِتَابَةِ" [[ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٥٨٩) من طريق ابن جريج، به. وقال: "قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد، عن عطاء بن السائب أنه كان يحدث بهذا الحديث، لا يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[ورواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (١٥٥٩٠) من طريق معمر، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي، به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَمَةٌ، أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً يَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ [[في ف، أ: "المؤمنين".]] عَنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ -فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ -فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ [الْمُنَافِقِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ، فَكَانَ يُكْرِهْهُنَّ عَلَى البِغاء طَلَبًا لخَراجهن، وَرَغْبَةً فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَرِئَاسَةً مِنْهُ فِيمَا يَزْعُمُ [قبحه الله ولعنه] [[زيادة من ف، أ.]] [ذِكْرُ الْآثَارِ [[في أ: "الأحاديث".]] الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ] [[زيادة من ف، أ.]]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ البزَّار، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو اللَّخْمِيُّ -يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ الْحَجَّاجِ -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لِعَبْدِ الله بن أبي ابن سَلُولٍ، يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، يُكْرِهُهَا عَلَى الزِّنَى، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[مسند البزار برقم (٢٢٤٠) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٣) : "فيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَمَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَة، كَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْفُجُورِ -وَكَانَتْ لَا بَأْسَ بِهَا -فَتَأْبَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٠٣) من طريق الأعمش، به.]] .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ نَحْوَهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٥) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، به.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كان لعبد الله بن أُبَيٍّ ابنِ سلولَ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى الْبِغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صَرَّحَ الْأَعْمَشُ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ صَحِيفَةٌ" حَكَاهُ الْبَزَّارُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تَزْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَزْنِينَ؟ قَالَتْ [[في ف: "فقالت".]] لَا وَاللَّهِ لَا أَزْنِي. فَضَرَبَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٨٤) من طريق أبي داود الطيالسي، به.]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مَنْ قُرَيْشٍ أُسر يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ أَسِيرًا، وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْأَسِيرُ يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً [[في أ: "تسلم".]] . وَكَانَتْ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُكْرِهُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَضْرِبُهَا، رَجَاءَ أَنْ تَحْمِلَ لِلْقُرَشِيِّ، فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٥٠) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُنْزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رأس الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ تُدْعَى مُعَاذَةُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ لِيُوَاقِعَهَا، إِرَادَةَ الثَّوَابِ مِنْهُ وَالْكَرَامَةِ لَهُ. فَأَقْبَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَكَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَهُ بِقَبْضِهَا. فَصَاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: مَنْ يَعْذُرني مِنْ مُحَمَّدٍ، يَغْلِبُنَا عَلَى مَمْلُوكَتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذَا.
وَقَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ كَانَا يُكْرِهَانِ أَمَتَيْنِ لَهُمَا، إِحْدَاهُمَا اسْمُهَا مُسَيْكَة، وَكَانَتْ لِلْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ أُمَيْمَةُ أُمُّ مُسَيْكَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَانَتْ مُعَاذَةُ وَأَرْوَى بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَأَتَتْ مُسَيْكَةُ وَأُمُّهَا النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يَعْنِي: الزِّنَى.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ [الْحَيَاةِ] الدُّنْيَا﴾ [[زيادة من ف، أ. وهو الصواب.]] أَيْ: مِنْ خَرَاجهن وَمُهُورِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الحجَّام، وَمَهْرِ البَغيّ وحُلْوان الْكَاهِنِ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٢٣٧) ومسلم في صحيحه برقم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن" وأما كسب الحجام، فروى ابن ماجه في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عقبة بن عمرو: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ، عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ".]] -وَفِي رِوَايَةٍ: "مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحجَّام خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ" [[رواه أحمد في مسنده (٣/٤٦٤) من حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [أَيْ: لَهُنَّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لهن غفور رحيم] [[زيادة من ف، أ.]] وإثمهن على من أكرههن: وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَوْف، عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ: لَهُنَّ وَاللَّهِ. لَهُنَّ وَاللَّهِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: غَفُورٌ لَهُنَّ مَا أُكْرهْن عَلَيْهِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهَاتِ.
حَكَاهُنَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ [[في ف: "غفور لهن".]] رَّحِيمٌ" وَإِثْمُهُنَّ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُنَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "رُفِع عَنْ أمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". [[رواه ابن ماجه في السنن برقم (٢٠٤٣) وقد سبق الكلام عليه في سورة الأعراف.]] وَلَمَّا فَصَّلَ تَعَالَى [[في ف، أ: "ولما فصل تبارك وتعالى".]] هَذِهِ الْأَحْكَامَ وبَيَّنها قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ مُفَسِّرَاتٌ، ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: خَبَرًا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حلَّ بِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أوامرَ اللَّهِ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦]
﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أَيْ: زَاجِرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: فِيهِ حَكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَهُوَ الفَصْل لَيْسَ بالهَزْل، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّار قَصَمَه اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى مِنْ [[في أ: "في".]] غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ﴾ يقول: هادي أهل السموات وَالْأَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ عباس في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يُدْبِّرُ الْأَمْرَ فِيهِمَا، نُجُومِهِمَا وَشَمْسِهِمَا وَقَمَرِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنُ خَالِدٍ الرَقِّي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ فَرْقَد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ إِلَهِي يَقُولُ: نُورِي هُدَايَ.
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ فِي صَدْرِهِ، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ فَبَدَأَ بِنُورِ نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ الْمُؤْمِنُ فَقَالَ: مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ. قَالَ: فَكَانَ أُبي بْنُ كَعْبٍ يَقْرَؤُهَا: "مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ [[في أ: "بالله".]] فَهُوَ الْمُؤْمِنُ جُعِلَ الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ فِي صَدْرِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ [[في ف: "روى".]] سَعِيدُ بْنُ جُبير، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ: "نُورِ مَنْ آمَنَ بالله".
وقرأ بعضهم:"اللَّهُ نَوَّر السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ" ".
وعن الضحاك: "اللَّهُ نَوَّر السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ".
وقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ : فبنوره أضاءت السموات وَالْأَرْضُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي دُعَائِهِ يَوْمَ آذَاهُ أَهْلُ الطَّائِفِ: "أُعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ بِيَ غَضبك أَوْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ [[في ف، أ: "بالله".]] " [[رواه ابن هشام في السيرة النبوية (١/٤٢٠) ، عن ابن إسحاق.]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيّم السموات وَالْأَرْضِ وَمِنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السموات وَالْأَرْضِ وَمِنْ فِيهِنَّ" الْحَدِيثَ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٠) وصحيح مسلم برقم (٧٦٩) .]] .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نُورُ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ فِي هَذَا الضَّمِيرِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ: مَثَلُ هُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ .
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى الْمُؤْمِنِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ: تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ نُورِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، كَمِشْكَاةٍ. فَشَبَّهَ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ وَمَا هُوَ مَفْطُورٌ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى، وَمَا يَتَلَقَّاهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُطَابِقِ لِمَا هُوَ مَفْطُورٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] ، فَشَبَّهَ قَلْبَ [[في ف، أ: "القلب".]] الْمُؤْمِنِ فِي صَفَائِهِ فِي نَفْسِهِ بِالْقِنْدِيلِ مِنَ الزُّجَاجِ الشَّفَّافِ الْجَوْهَرِيِّ، وَمَا يَسْتَهْدِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالشَّرْعِ بِالزَّيْتِ الْجَيِّدِ الصَّافِي الْمُشْرِقِ الْمُعْتَدِلِ، الَّذِي لَا كَدَرَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ.
فَقَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ مَوْضِعُ الْفَتِيلَةِ مِنَ الْقِنْدِيلِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ، وَهُوَ الذُّبالة الَّتِي تُضِيءُ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي] [[زيادة من ف، أ.]] قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مَنْ دُونِ السَّمَاءِ؟ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ ذَلِكَ لِنُورِهِ، فَقَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ . وَالْمِشْكَاةُ: كوَّة فِي الْبَيْتِ -قَالَ: وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبه اللَّهُ لِطَاعَتِهِ [[في ف: "لأهل طاعته".]] . فسمَّى اللَّهُ طاعَتَه نُورًا، ثُمَّ سَمَاها أَنْوَاعًا شَتَّى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْكُوَّةُ بلُغة الْحَبَشَةِ. وَزَادَ غَيْرُهُ فَقَالَ: الْمِشْكَاةُ: الْكُوَّةُ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْمِشْكَاةُ: الْحَدَائِدُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الْقِنْدِيلُ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ: أَنَّ الْمِشْكَاةَ هِيَ مَوْضِعُ الفَتيلة مِنَ الْقِنْدِيلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وَهُوَ النور الذي في الذُّبالة.
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الْمِصْبَاحُ: النُّورُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالْإِيمَانُ الَّذِي فِي صَدْرِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي: هُوَ السِّرَاجُ.
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ أَيْ: هَذَا الضَّوْءُ مُشْرِقٌ فِي زُجَاجَةٍ صَافِيَةٍ.
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَهِيَ نَظِيرُ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ : قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الدَّالِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ، مِنَ الدُّرِّ، أَيْ: كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ مِنْ دُرّ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ: "دِرّيء" وَ"دُرِّيء" بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا مَعَ الْهَمْزِ، مِنَ الدَرْء وَهُوَ الدَّفْعُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّجْمَ إِذَا رُمي بِهِ يَكُونُ أَشَدُّ اسْتِنَارَةً مِنْ سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي مَا لَا يُعْرَفُ مِنَ الْكَوَاكِبِ دَرَارِيَّ.
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُضِيءٌ مُبِينٌ ضَخْمٌ. ﴿يُوقَدُ [[في ف، أ: "توقد".]] مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أَيْ: يَسْتَمِدُّ مِنْ زَيْتِ زَيْتُونِ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أَيْ: لَيْسَتْ فِي شَرْقِيِّ بُقْعَتِهَا فَلَا تَصِلُ إِلَيْهَا الشَّمْسُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَا فِي غَرْبِيِّهَا فَيَتَقَلَّصُ عَنْهَا الْفَيْءُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، بَلْ هِيَ فِي مَكَانٍ وَسَطٍ، تَفْرَعه [[في هـ، أ: "تقصرها" والمثبت من ف.]] الشَّمْسُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى آخِرِهِ، فَيَجِيءُ زَيْتُهَا مُعْتَدِلًا صَافِيًا مُشْرِقًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: شَجَرَةٌ بِالصَّحْرَاءِ، لَا يُظِلُّهَا جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ وَلَا كَهْفٌ، وَلَا يُوَارِيهَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَجْوَدُ لِزَيْتِهَا.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّان، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: هِيَ بِصَحْرَاءَ، وَذَلِكَ أَصْفَى لِزِينَتِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ فَرُّوخ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ -وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ [[في ف، أ: "فقال".]] تِلْكَ [زَيْتُونَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] بِأَرْضِ فَلَاةٍ، إِذَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ أَشْرَقَتْ عَلَيْهَا، وَإِذَا غَرُبَتْ غَرُبَتْ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَصْفَى مَا يَكُونُ مِنَ الزَّيْتِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿ [زَيْتُونَةٍ] لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ: لَيْسَتْ بِشَرْقِيَّةٍ، لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ إِذَا غَرُبَتْ، وَلَا غَرْبِيَّةٍ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ، [وَلَكِنَّهَا شَرْقِيَّةٌ وَغَرْبِيَّةٌ، تُصِيبُهَا إِذَا طَلَعَتْ] [[زيادة من ف، أ.]] وَإِذَا غَرُبَتْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر فِي قَوْلِهِ ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ قَالَ: هُوَ أَجْوَدُ الزَّيْتِ. قَالَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَصَابَتْهَا مِنْ صَوْبِ الْمَشْرِقِ، فَإِذَا أَخَذَتْ فِي الْغُرُوبِ أَصَابَتْهَا الشَّمْسُ، فَالشَّمْسُ تُصِيبُهَا بِالْغَدَاةِ والعَشِيّ، فَتِلْكَ لَا تُعَدُّ شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً.
وَقَالَ السُّدِّيُّ [فِي] [[زيادة من ف، أ.]] قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ يَقُولُ: ليست بشرقية يحوزها الْمَشْرِقُ، وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَحُوزُهَا الْمَغْرِبُ دُونَ الْمَشْرِقِ، وَلَكِنَّهَا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، أَوْ فِي صَحْرَاءَ، تُصِيبُهَا الشَّمْسُ النهارَ كلَّه.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أَنَّهَا فِي وَسَطِ الشَّجَرِ، وَلَيْسَتْ بَادِيَةً لِلْمَشْرِقِ وَلَا لِلْمَغْرِبِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: فَهِيَ خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ، لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ، لَا إِذَا طَلَعَتْ وَلَا إِذَا غَرُبَتْ. قَالَ: فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُؤْمِنُ، قَدْ أُجِيرَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ، وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهَا فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ فِيهَا، فَهُوَ بَيْنَ أَرْبَعِ خِلَالٍ: إِنْ قَالَ صَدَق، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ، وَإِنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، فَهُوَ فِي سَائِرِ النَّاسِ كَالرَّجُلِ الْحَيِّ يَمْشِي فِي قُبُورِ الْأَمْوَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: هِيَ وَسَطَ الشَّجَرِ، لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ شَرْقًا وَلَا غَرْبًا.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الشَّجَرِ، يُرَى ظِلُّ ثَمَرِهَا فِي وَرَقِهَا، وَهَذِهِ مِنَ الشَّجَرِ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا غَرْبٌ، وَلَا غَرْبِيَّةً لَيْسَ فِيهَا شَرْقٌ، وَلَكِنَّهَا شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: هِيَ القبْلية.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: الشَّامُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ فِي الْأَرْضِ لَكَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً، وَلَكِنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿توقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ قَالَ: لَا يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٍّ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ القولُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهَا فِي مُسْتَوًى مِنَ الْأَرْضِ، فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ بَارِزٍ ظَاهِرٍ ضَاحٍ لِلشَّمْسِ، تَفْرعه مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى آخِرِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَصْفَى لِزِينَتِهَا وَأَلْطَفُ، كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي: لِضَوْءِ إِشْرَاقِ الزَّيْتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ إِيمَانَ الْعَبْدِ وَعَمَلَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي نُورَ النَّارِ وَنُورَ الزَّيْتِ.
وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ، فَكَلَامُهُ نُورٌ، وَعَمَلُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى النُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَالَ شِمْر بْنُ عَطية: جَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾
قَالَ: يَكَادُ مُحَمَّدٌ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ، وَإِنْ [[في ف، أ: "ولو".]] لَمْ يَتَكَلَّمْ، أَنَّهُ نَبِيٌّ، كَمَا يَكَادُ ذَلِكَ الزَّيْتُ أَنْ يُضِيءَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قَالَ: نُورُ النَّارِ وَنُورُ الزَّيْتِ، حِينَ اجْتَمَعَا أَضَاءَا، وَلَا يُضِيءُ وَاحِدٌ بِغَيْرِ صَاحِبِهِ [كَذَلِكَ نُورُ الْقُرْآنِ وَنُورُ الْإِيمَانِ حِينَ اجْتَمَعَا، فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ] [[زيادة من ف، أ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُرْشِدُ اللَّهُ إِلَى هِدَايَتِهِ مَنْ يَخْتَارُهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ، فَمَنْ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ مِنْ نُورِهِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ. فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٢/١٧٦) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ [[في ف، أ: "قال البزار: حدثنا شهاب بن عثمان حدثنا أيوب".]] بْنُ سُوَيْد، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيباني، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ [[في ف، أ: "أخطأ".]] ضَلَّ. [وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، بِلَفْظِهِ وَحُرُوفِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] [[مسند البزار برقم (٢١٤٥) "كشف الأستار" ورواه أحمد في مسنده (٢/١٩٧) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيمٍ، عن ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو، به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى هَذَا مَثَلًا لِنُورِ هُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي [[في هـ: "حدثنا" والمثبت من ف، أ، والمسند.]] شَيْبَانَ -، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْتَري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزهرُ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلَافِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مُصْفَح: فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ، سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ. وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ. وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ [الْمُنَافِقِ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ. وَأَمَّا الْقَلْبُ المُصْفَح فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدّها الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ القُرحة يَمُدَّها الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ". إِسْنَادُهُ جيد [[المسند (٣/١٧) .]] ولم يخرجوه.
لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى [مَثَلَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، بِالْمِصْبَاحِ فِي الزُّجَاجَةِ الصَّافِيَةِ الْمُتَوَقِّدِ مِنْ زَيْتٍ طَيِّبٍ، وَذَلِكَ كَالْقِنْدِيلِ، ذَكَرَ مَحِلَّهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ، الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بُيُوتُهُ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا ويُوَحّد، فَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أَيْ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَفْعِهَا، أَيْ: بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الدَّنَسِ وَاللَّغْوِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي لَا تَلِيقُ فِيهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قَالَ: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمة [[في ف، أ: "خيثمة".]] وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ. [[في ف، أ: "التفسير".]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ، أَمَرَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، بِبِنَائِهَا وَرَفْعِهَا، وَأَمَرَ بِعِمَارَتِهَا وَتَطْهِيرِهَا. وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: " أَلَا إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ، وحَقّ عَلَى المَزُور كرامةُ الزَّائِرِ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا، وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا. وَذَلِكَ لَهُ مَحَلٌّ مُفْرَدٌ يُذْكَرُ فِيهِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حدَة، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى نَذْكُرُ [[في ف: "سنذكر".]] هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ:
فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مَثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٠) وصحيح مسلم برقم (٥٣٣) .]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٣٥) من طريق الوليد بن أبي الوليد عن عثمان بن عبد الله عن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٠) : "هذا إسناد مرسل، عثمان بن عبد الله بن سراقة روى عن عمر وهو جده لأمه، ولم يسمع منه. قاله المزي".]] .
وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَة [[في أ: "عنبسة".]] مَثْلُهُ [[سنن النسائي (٢/٣١) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدور، وأن تنظف وَتُطَيَّبَ [[المسند (٦/٢٧٩) وسنن أبي داود برقم (٤٥٥) وسنن الترمذي برقم (٥٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٥٩) .]] . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيُّ. وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَمُرة بْنِ جُنْدب نَحْوُهُ. [[المسند (٥/١٧) وسنن أبي داود برقم (٤٥٦) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عُمَرُ: ابْنِ لِلنَّاسِ مَا يُكِنُّهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ [[صحيح البخاري (١/٥٣٩) "فتح".]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَا سَاءَ عملُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ". [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤١) من طريق جبارة بن المغلس عن عبد الكريم بن عبد الرحمن عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب، به. قال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وقد اتهم".]] وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخرفُنّها كَمَا زَخْرَفت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى [[سنن أبي داود برقم (٤٤٨) .]]
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ [[المسند (٣/١٣٤) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩) وسنن النسائي (٢/٣٢) وسنن ابن ماجه برقم (٧٣٩) .]]
وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلا أنشدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمْلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [[صحيح مسلم برقم (٥٦٩) .]]
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنِ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ [[المسند (٢/١٧٩) وسنن أبي داود برقم (١٠٧٩) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢) وسنن النسائي (٢/٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (٧٤٩) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ: قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنشُد ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣١٢١) .]]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: "خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ، وَلَا يُنبَض فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمرّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيء: وَلَا يُضرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَص فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخذ سُوقًا" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٤) : "هذا إسناد فيه زيد بن جبيرة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف".]] .
وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنِّبوا الْمَسَاجِدَ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ، وجَمّروها فِي الجُمَع".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٥٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٥) : "هذا إسناد ضعيف، أبو سعيد هو محمد بن سعيد المصلوب، قال أحمد: عمدا كان يضع الحديث، ثم قال: والحارث بن نبهان ضعيف".]] وَفِي إِسْنَادِهِمَا [[في ف، أ: "إسناده".]] ضَعُفٌ.
أَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا" فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُرُورَ فِيهِ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا وَجَد مَنْدُوحَةً عَنْهُ. وَفِي الْأَثَرِ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ".
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُشْهَرُ فِيهِ بِسِلَاحٍ [[في أ: "السلام".]] . وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ [[في ف: "بنبل".]] . فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَةِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ، لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بِسِهَامٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]] .
وَأَمَا النَّهْيُ عَنِ الْمُرُورِ بِاللَّحْمِ النَّيِّءِ فِيهِ، فَلِما يُخْشَى مِنْ تَقَاطُرِ الدَّمِ مِنْهُ، كَمَا نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الْمُرُورِ فِيهِ إِذَا خَافَتِ التَّلْوِيثَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَلَا يُقْتَصُّ"، فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِيجَادِ نَجَاسَةٍ فِيهِ مِنَ الْمَضْرُوبِ أَوِ الْمَقْطُوعِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ سُوقًا"، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ: "إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، إِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا". ثُمَّ أَمَرَ بسَجْل مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِهِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: "جَنِّبوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ"، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَلَا يُنَاسِبُهُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا رَأَى صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ [[في ف: "فيه".]] ، ضَرَبَهُمْ بالمِخْفَقَة -وَهِيَ الدِّرَّة -وَكَانَ يَعُسّ [[في ف، أ: "يفتش".]] الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَشَاءِ، فَلَا يَتْرُكُ فِيهِ أَحَدًا.
"وَمَجَانِينَكُمْ" يَعْنِي: لِأَجْلِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وسَخْر النَّاسِ بِهِمْ، فَيُؤَدِّي إِلَى [[في أ: "على".]] اللَّعِبِ فِيهَا، وَلِمَا يَخْشَى مِنْ تَقْذِيرِهِمُ الْمَسْجِدَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
"وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ" كَمَا تَقَدَّمَ.
"وَخُصُومَاتِكُمْ" يَعْنِي: التَّحَاكُمَ وَالْحُكْمَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَنْتَصِبُ لِفَصْلِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَالتَّشَاجُرِ وَالْعِيَاطِ [[في أ: "والغياظ".]] الَّذِي لَا يُنَاسِبُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: "وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الجُعَيْد [[في ف، أ: "الجعد".]] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي [[في ف، أ: "عن".]] يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَة [[في ف، أ: "حفصة".]] ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ الكنْديِّ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ [[في ف، أ: "فإذا هو عمر".]] بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنَ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قال: لو كنتما من أهل الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا: تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٠) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ. [[وذكره المزي في تحفة الأشراف (٨/٤) وعزاه للنسائي في السنن الكبرى في المواعظ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ": تَقَدَّمَا. [[في أ: "تقدم".]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ" يَعْنِي: الْمَرَاحِيضَ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَقَدْ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آبَارٌ [[في أ: "أباريق".]] يَسْتَقُونَ منها، فيشربون ويتطهرون، ويتوضؤون وَغَيْرَ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: "وجمِّروها فِي الجُمَع" يَعْنِي: بَخِّرُوهَا فِي أَيَّامِ الجُمَع لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُجَمِّر مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ جُمُعَةٍ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ [[مسند أبي يعلى (١/١٧٠) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّف عَلَى صِلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ [[في ف، أ: "الوضوء".]] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خَطوة إِلَّا رُفع لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاه: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧) وصحيح مسلم برقم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" [[سنن الدارقطني (١/٤٢٠) من طريق سليمان بن داود الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، به. وقد رواه الحاكم في المستدرك (١/٢٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٥٧) من طريق سليمان بن داود، به. وسليمان بن داود مجمع على تضعيفه. ومن حديث جابر، رواه الدارقطني أيضا في السنن (١/٤٢٠) من طريق محمد بن مسكين عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، به. وقال أبو الطيب في التعليق: "فيه محمد بن مسكين، قال الذهبي: لا يعرف وخبره منكر. وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر".]] .
وَفِي السُّنَنِ: "بشِّر الْمَشَّائِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٥٦١) والترمذي في السنن برقم (٢٢٣) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مرفوع، وهو صحيح مسند وموقوف إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسند إِلَى النَّبِيِّ ﷺ".]] .
وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَبْدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَأَنْ يَقُولَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو [[فِي أ: "عمر".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في ف، أ: "عنهما".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذا دخل المسجد قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" [قَالَ: أَقَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من أ.]] . قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفظ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ [[لم أجده في صحيح البخاري، وقد ذكره المزي في تحفة الأشراف وابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزواه إلا لأبي داود في السنن برقم (٤٦٦) .]] .
وَرَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ -أَوْ: أَبِي أسَيْد -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ [[في ف، أ: "رسول الله".]] ﷺ [مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[صحيح مسلم برقم (٧١٣) وسنن النسائي (٢/٥٣) .]] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقِلِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحَيْهِمَا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٧٣) وصحيح ابن خزيمة برقم (٤٥٢) وصحيح ابن حبان برقم (٢٠٤٨) "الإحسان" كلهم من طريق أبي بكر الحنفي عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة، به. وقال البوصيري في الزوائد (١/٩٧) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ [[في أ: "حسين".]] . عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ". وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٦/٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣١٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٧١) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ الصُّغْرَى لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى.
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، مَعَ مَا تَرَكْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ لِحَالِ الطُّولِ [[في ف، أ: "لجافي القول".]] . كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الْجِنِّ: ١٨] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يَعْنِي: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أَيْ: فِي البُكَرات والعَشِيَّات. وَالْآصَالُ: جمع أصيل، وَهُوَ آخِرُ النَّهَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْغُدُوِّ: صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَعْنِي بِالْآصَالِ: صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهُمَا أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَذْكُرهما وَأَنْ يُذَكِّر بِهِمَا عِبَادَهُ.
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ يَعْنِي: الصَّلَاةَ.
وَمَنْ قَرَأَ مِنَ القَرَأَة [[في ف، أ: "القراء".]] " يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ" -بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ "يُسبح" عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ -وَقَفَ [[في ف: "ويقف".]] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿والآصَال﴾ وَقَفًا تامًا، وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَكَأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[ينسب للشاعر نهشل بن حري ولغيره، وهو من شواهد الكتاب لسيبويه (١/١٤٥) والمقتضب للمبرد (٣/٣٨٢) ومغني اللبيب لابن هشام الشاهد رقم (١٠٤٨) ا. هـ، مستفادا من حاشية الشعب.]] .
لِيُبْكَ يزيدُ، ضارعٌ لخُصُومة ... ومُخْتَبطٌ مِمَّا تُطيح الطّوَائحُ ...
كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ يَبْكِيهِ؟ قَالَ: هَذَا يَبْكِيهِ. وَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا؟ قَالَ: رِجَالٌ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿يسبِّح﴾ -بِكَسْرِ الْبَاءِ -فَجَعَلَهُ فِعْلًا وَفَاعِلَهُ: ﴿رِجَال﴾ فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ إِلَّا عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿رِجَال﴾ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِمَمِهِمُ السَّامِيَةِ، وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمُ الْعَالِيَةِ، الَّتِي بِهَا صَارُوا عُمَّارا لِلْمَسَاجِدِ، الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ، وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢٣] .
فَأَمَّا النِّسَاءُ فَصَلاتهن فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا" [[سنن أبي داود برقم (٥٨٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلان، حَدَّثَنَا رِشْدِين، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنِ السَّائِبِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، -عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ [قَعْرُ] [[زيادة من ف، أ.]] بُيُوتِهِنَّ" [[المسند (٦/٢٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيد الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ -امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي". قَالَ: فأمَرَت فبُني لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا وَأَظْلَمِهِ [[في هـ: "بيوتها والله" وفي ف، أ: "بيتها والله" والمثبت من المسند.]] ، فَكَانَتْ تُصْلِي فِيهِ حَتَّى لقيت الله، عز وجل. لم يخرجوه. [[المسند (٦/٣٧١) .]] هَذَا وَيَجُوزُ لَهَا شُهُودُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ بِظُهُورِ زِينَةٍ وَلَا رِيحِ طِيبٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٩٠٠) وصحيح مسلم برقم (٤٤٢) .]] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: "وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ" [[المسند (٢/٧٦) وسنن أبي داود برقم (٥٦٧) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلات" [[وهي في المسند (٢/٤٣٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] أَيْ: لَا رِيحَ لَهُنَّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْنَبَ -امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا" [[صحيح مسلم برقم (٤٤٣) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ [[في ف، أ: "المؤمنات".]] يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطهن، مَا يُعْرَفْن مِنَ الغَلَس [[صحيح البخاري برقم (٥٧٨) وصحيح مسلم برقم (٦٤٥) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنعهُنّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنعت نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [[صحيح البخاري برقم (٨٦٩) وصحيح مسلم برقم (٤٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩]
يَقُولُ تَعَالَى: لَا تَشْغَلُهُمُ الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا وَزِينَتُهَا ومَلاذ بَيعها وَرِيحُهَا، عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أَيْ: يُقَدِّمُونَ طَاعَتَهُ ومُرَاده وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مُرَادِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ.
قَالَ هُشَيْم: عَنْ سَيَّار [[في ف، أ: "شيبان".]] : [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] حُدِّثت عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، حَيْثُ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، تَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ وَنَهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١١٣) .]] .
وَهَكَذَا رَوَى عَمْرو بْنُ دِينَارٍ القَهْرَمَانيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ [[في ف، أ: "بالسوق".]] فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عمر: فيهم نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٨/١١٣) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ [[في ف، أ: "بكير".]] الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ [[في أ: "هشام".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُجَيْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ رَبٍّ [[في ف، أ: "عبد ربه".]] قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي قُمْتُ [[في أ: "قمت".]] عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ، أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: "إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلَالٍ" وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْأَعْوَرُ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَمَرَرْنَا بِسُوقِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وخَمَّروُا مَتَاعَهُمْ، فَنَظَرَ سَالِمٌ إِلَى أَمْتِعَتِهِمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، فَتَلَا سَالِمٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُمْ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تُلْهِيهِمُ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ أَنْ يَأْتُوا الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاق: كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وميزانُه فِي يَدِهِ خَفَضَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى الصلاة.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
وَقَالَ السُّدِّي: عَنِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: لَا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُقِيمُوهَا كَمَا أَمَرَهُمُ [[في ف، أ: "أمر".]] اللَّهُ، وَأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى مَوَاقِيتِهَا، وَمَا اسْتَحْفَظَهُمُ اللَّهُ فِيهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ وَعَظَمَةِ الْأَهْوَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨-١٢] .
وَقَالَ هَاهُنَا ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: يَتَقَبَّلُ مِنْهُمُ الْحَسَنَ وَيُضَاعِفُهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] ، وَقَالَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٥] ، وقال ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ جِيءَ بِلَبَنٍ فَعَرَضَهُ عَلَى جُلَسَائِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَكُلُّهُمْ لَمْ يَشْرَبْهُ لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، فَتَنَاوَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَكَانَ مُفْطِرًا فَشَرِبَهُ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْهُ [[ذكره المزي في تحفة الأشراف برقم (٩٤٣٥) وعزاه للنسائي في المواعظ.]] .
وَقَالَ [ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمع الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أهلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ، لِيَقُمِ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُحَاسِبُ سَائِرَ الْخَلَائِقِ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١٧٦) من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، به. وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ بَقيَّة، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٠] قَالَ: ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴿، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، الشَّفَاعَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ، لِمَنْ صَنَعَ لَهُمُ الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا [[المعجم الكبير للطبراني (١٠/٢٤٨) وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة النساء: "هذا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ، وَإِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مسعود موقوفا فهو جيد".]] .
لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى [مَثَلَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، بِالْمِصْبَاحِ فِي الزُّجَاجَةِ الصَّافِيَةِ الْمُتَوَقِّدِ مِنْ زَيْتٍ طَيِّبٍ، وَذَلِكَ كَالْقِنْدِيلِ، ذَكَرَ مَحِلَّهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ، الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بُيُوتُهُ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا ويُوَحّد، فَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أَيْ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَفْعِهَا، أَيْ: بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الدَّنَسِ وَاللَّغْوِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي لَا تَلِيقُ فِيهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قَالَ: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمة [[في ف، أ: "خيثمة".]] وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ. [[في ف، أ: "التفسير".]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ، أَمَرَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، بِبِنَائِهَا وَرَفْعِهَا، وَأَمَرَ بِعِمَارَتِهَا وَتَطْهِيرِهَا. وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: " أَلَا إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ، وحَقّ عَلَى المَزُور كرامةُ الزَّائِرِ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا، وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا. وَذَلِكَ لَهُ مَحَلٌّ مُفْرَدٌ يُذْكَرُ فِيهِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حدَة، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى نَذْكُرُ [[في ف: "سنذكر".]] هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ:
فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مَثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٠) وصحيح مسلم برقم (٥٣٣) .]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٣٥) من طريق الوليد بن أبي الوليد عن عثمان بن عبد الله عن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٠) : "هذا إسناد مرسل، عثمان بن عبد الله بن سراقة روى عن عمر وهو جده لأمه، ولم يسمع منه. قاله المزي".]] .
وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَة [[في أ: "عنبسة".]] مَثْلُهُ [[سنن النسائي (٢/٣١) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدور، وأن تنظف وَتُطَيَّبَ [[المسند (٦/٢٧٩) وسنن أبي داود برقم (٤٥٥) وسنن الترمذي برقم (٥٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٥٩) .]] . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيُّ. وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَمُرة بْنِ جُنْدب نَحْوُهُ. [[المسند (٥/١٧) وسنن أبي داود برقم (٤٥٦) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عُمَرُ: ابْنِ لِلنَّاسِ مَا يُكِنُّهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ [[صحيح البخاري (١/٥٣٩) "فتح".]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَا سَاءَ عملُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ". [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤١) من طريق جبارة بن المغلس عن عبد الكريم بن عبد الرحمن عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب، به. قال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وقد اتهم".]] وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخرفُنّها كَمَا زَخْرَفت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى [[سنن أبي داود برقم (٤٤٨) .]]
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ [[المسند (٣/١٣٤) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩) وسنن النسائي (٢/٣٢) وسنن ابن ماجه برقم (٧٣٩) .]]
وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلا أنشدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمْلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [[صحيح مسلم برقم (٥٦٩) .]]
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنِ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ [[المسند (٢/١٧٩) وسنن أبي داود برقم (١٠٧٩) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢) وسنن النسائي (٢/٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (٧٤٩) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ: قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنشُد ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣١٢١) .]]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: "خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ، وَلَا يُنبَض فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمرّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيء: وَلَا يُضرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَص فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخذ سُوقًا" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٤) : "هذا إسناد فيه زيد بن جبيرة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف".]] .
وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنِّبوا الْمَسَاجِدَ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ، وجَمّروها فِي الجُمَع".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٥٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٥) : "هذا إسناد ضعيف، أبو سعيد هو محمد بن سعيد المصلوب، قال أحمد: عمدا كان يضع الحديث، ثم قال: والحارث بن نبهان ضعيف".]] وَفِي إِسْنَادِهِمَا [[في ف، أ: "إسناده".]] ضَعُفٌ.
أَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا" فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُرُورَ فِيهِ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا وَجَد مَنْدُوحَةً عَنْهُ. وَفِي الْأَثَرِ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ".
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُشْهَرُ فِيهِ بِسِلَاحٍ [[في أ: "السلام".]] . وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ [[في ف: "بنبل".]] . فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَةِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ، لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بِسِهَامٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]] .
وَأَمَا النَّهْيُ عَنِ الْمُرُورِ بِاللَّحْمِ النَّيِّءِ فِيهِ، فَلِما يُخْشَى مِنْ تَقَاطُرِ الدَّمِ مِنْهُ، كَمَا نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الْمُرُورِ فِيهِ إِذَا خَافَتِ التَّلْوِيثَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَلَا يُقْتَصُّ"، فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِيجَادِ نَجَاسَةٍ فِيهِ مِنَ الْمَضْرُوبِ أَوِ الْمَقْطُوعِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ سُوقًا"، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ: "إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، إِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا". ثُمَّ أَمَرَ بسَجْل مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِهِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: "جَنِّبوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ"، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَلَا يُنَاسِبُهُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا رَأَى صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ [[في ف: "فيه".]] ، ضَرَبَهُمْ بالمِخْفَقَة -وَهِيَ الدِّرَّة -وَكَانَ يَعُسّ [[في ف، أ: "يفتش".]] الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَشَاءِ، فَلَا يَتْرُكُ فِيهِ أَحَدًا.
"وَمَجَانِينَكُمْ" يَعْنِي: لِأَجْلِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وسَخْر النَّاسِ بِهِمْ، فَيُؤَدِّي إِلَى [[في أ: "على".]] اللَّعِبِ فِيهَا، وَلِمَا يَخْشَى مِنْ تَقْذِيرِهِمُ الْمَسْجِدَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
"وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ" كَمَا تَقَدَّمَ.
"وَخُصُومَاتِكُمْ" يَعْنِي: التَّحَاكُمَ وَالْحُكْمَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَنْتَصِبُ لِفَصْلِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَالتَّشَاجُرِ وَالْعِيَاطِ [[في أ: "والغياظ".]] الَّذِي لَا يُنَاسِبُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: "وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الجُعَيْد [[في ف، أ: "الجعد".]] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي [[في ف، أ: "عن".]] يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَة [[في ف، أ: "حفصة".]] ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ الكنْديِّ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ [[في ف، أ: "فإذا هو عمر".]] بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنَ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قال: لو كنتما من أهل الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا: تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٠) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ. [[وذكره المزي في تحفة الأشراف (٨/٤) وعزاه للنسائي في السنن الكبرى في المواعظ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ": تَقَدَّمَا. [[في أ: "تقدم".]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ" يَعْنِي: الْمَرَاحِيضَ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَقَدْ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آبَارٌ [[في أ: "أباريق".]] يَسْتَقُونَ منها، فيشربون ويتطهرون، ويتوضؤون وَغَيْرَ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: "وجمِّروها فِي الجُمَع" يَعْنِي: بَخِّرُوهَا فِي أَيَّامِ الجُمَع لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُجَمِّر مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ جُمُعَةٍ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ [[مسند أبي يعلى (١/١٧٠) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّف عَلَى صِلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ [[في ف، أ: "الوضوء".]] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خَطوة إِلَّا رُفع لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاه: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧) وصحيح مسلم برقم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" [[سنن الدارقطني (١/٤٢٠) من طريق سليمان بن داود الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، به. وقد رواه الحاكم في المستدرك (١/٢٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٥٧) من طريق سليمان بن داود، به. وسليمان بن داود مجمع على تضعيفه. ومن حديث جابر، رواه الدارقطني أيضا في السنن (١/٤٢٠) من طريق محمد بن مسكين عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، به. وقال أبو الطيب في التعليق: "فيه محمد بن مسكين، قال الذهبي: لا يعرف وخبره منكر. وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر".]] .
وَفِي السُّنَنِ: "بشِّر الْمَشَّائِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٥٦١) والترمذي في السنن برقم (٢٢٣) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مرفوع، وهو صحيح مسند وموقوف إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسند إِلَى النَّبِيِّ ﷺ".]] .
وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَبْدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَأَنْ يَقُولَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو [[فِي أ: "عمر".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في ف، أ: "عنهما".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذا دخل المسجد قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" [قَالَ: أَقَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من أ.]] . قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفظ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ [[لم أجده في صحيح البخاري، وقد ذكره المزي في تحفة الأشراف وابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزواه إلا لأبي داود في السنن برقم (٤٦٦) .]] .
وَرَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ -أَوْ: أَبِي أسَيْد -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ [[في ف، أ: "رسول الله".]] ﷺ [مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[صحيح مسلم برقم (٧١٣) وسنن النسائي (٢/٥٣) .]] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقِلِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحَيْهِمَا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٧٣) وصحيح ابن خزيمة برقم (٤٥٢) وصحيح ابن حبان برقم (٢٠٤٨) "الإحسان" كلهم من طريق أبي بكر الحنفي عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة، به. وقال البوصيري في الزوائد (١/٩٧) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ [[في أ: "حسين".]] . عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ". وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٦/٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣١٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٧١) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ الصُّغْرَى لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى.
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، مَعَ مَا تَرَكْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ لِحَالِ الطُّولِ [[في ف، أ: "لجافي القول".]] . كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الْجِنِّ: ١٨] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يَعْنِي: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أَيْ: فِي البُكَرات والعَشِيَّات. وَالْآصَالُ: جمع أصيل، وَهُوَ آخِرُ النَّهَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْغُدُوِّ: صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَعْنِي بِالْآصَالِ: صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهُمَا أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَذْكُرهما وَأَنْ يُذَكِّر بِهِمَا عِبَادَهُ.
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ يَعْنِي: الصَّلَاةَ.
وَمَنْ قَرَأَ مِنَ القَرَأَة [[في ف، أ: "القراء".]] " يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ" -بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ "يُسبح" عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ -وَقَفَ [[في ف: "ويقف".]] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿والآصَال﴾ وَقَفًا تامًا، وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَكَأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[ينسب للشاعر نهشل بن حري ولغيره، وهو من شواهد الكتاب لسيبويه (١/١٤٥) والمقتضب للمبرد (٣/٣٨٢) ومغني اللبيب لابن هشام الشاهد رقم (١٠٤٨) ا. هـ، مستفادا من حاشية الشعب.]] .
لِيُبْكَ يزيدُ، ضارعٌ لخُصُومة ... ومُخْتَبطٌ مِمَّا تُطيح الطّوَائحُ ...
كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ يَبْكِيهِ؟ قَالَ: هَذَا يَبْكِيهِ. وَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا؟ قَالَ: رِجَالٌ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿يسبِّح﴾ -بِكَسْرِ الْبَاءِ -فَجَعَلَهُ فِعْلًا وَفَاعِلَهُ: ﴿رِجَال﴾ فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ إِلَّا عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿رِجَال﴾ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِمَمِهِمُ السَّامِيَةِ، وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمُ الْعَالِيَةِ، الَّتِي بِهَا صَارُوا عُمَّارا لِلْمَسَاجِدِ، الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ، وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢٣] .
فَأَمَّا النِّسَاءُ فَصَلاتهن فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا" [[سنن أبي داود برقم (٥٨٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلان، حَدَّثَنَا رِشْدِين، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنِ السَّائِبِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، -عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ [قَعْرُ] [[زيادة من ف، أ.]] بُيُوتِهِنَّ" [[المسند (٦/٢٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيد الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ -امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي". قَالَ: فأمَرَت فبُني لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا وَأَظْلَمِهِ [[في هـ: "بيوتها والله" وفي ف، أ: "بيتها والله" والمثبت من المسند.]] ، فَكَانَتْ تُصْلِي فِيهِ حَتَّى لقيت الله، عز وجل. لم يخرجوه. [[المسند (٦/٣٧١) .]] هَذَا وَيَجُوزُ لَهَا شُهُودُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ بِظُهُورِ زِينَةٍ وَلَا رِيحِ طِيبٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٩٠٠) وصحيح مسلم برقم (٤٤٢) .]] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: "وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ" [[المسند (٢/٧٦) وسنن أبي داود برقم (٥٦٧) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلات" [[وهي في المسند (٢/٤٣٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] أَيْ: لَا رِيحَ لَهُنَّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْنَبَ -امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا" [[صحيح مسلم برقم (٤٤٣) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ [[في ف، أ: "المؤمنات".]] يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطهن، مَا يُعْرَفْن مِنَ الغَلَس [[صحيح البخاري برقم (٥٧٨) وصحيح مسلم برقم (٦٤٥) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنعهُنّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنعت نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [[صحيح البخاري برقم (٨٦٩) وصحيح مسلم برقم (٤٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩]
يَقُولُ تَعَالَى: لَا تَشْغَلُهُمُ الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا وَزِينَتُهَا ومَلاذ بَيعها وَرِيحُهَا، عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أَيْ: يُقَدِّمُونَ طَاعَتَهُ ومُرَاده وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مُرَادِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ.
قَالَ هُشَيْم: عَنْ سَيَّار [[في ف، أ: "شيبان".]] : [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] حُدِّثت عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، حَيْثُ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، تَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ وَنَهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١١٣) .]] .
وَهَكَذَا رَوَى عَمْرو بْنُ دِينَارٍ القَهْرَمَانيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ [[في ف، أ: "بالسوق".]] فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عمر: فيهم نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٨/١١٣) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ [[في ف، أ: "بكير".]] الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ [[في أ: "هشام".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُجَيْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ رَبٍّ [[في ف، أ: "عبد ربه".]] قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي قُمْتُ [[في أ: "قمت".]] عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ، أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: "إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلَالٍ" وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْأَعْوَرُ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَمَرَرْنَا بِسُوقِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وخَمَّروُا مَتَاعَهُمْ، فَنَظَرَ سَالِمٌ إِلَى أَمْتِعَتِهِمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، فَتَلَا سَالِمٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُمْ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تُلْهِيهِمُ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ أَنْ يَأْتُوا الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاق: كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وميزانُه فِي يَدِهِ خَفَضَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى الصلاة.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
وَقَالَ السُّدِّي: عَنِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: لَا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُقِيمُوهَا كَمَا أَمَرَهُمُ [[في ف، أ: "أمر".]] اللَّهُ، وَأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى مَوَاقِيتِهَا، وَمَا اسْتَحْفَظَهُمُ اللَّهُ فِيهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ وَعَظَمَةِ الْأَهْوَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨-١٢] .
وَقَالَ هَاهُنَا ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: يَتَقَبَّلُ مِنْهُمُ الْحَسَنَ وَيُضَاعِفُهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] ، وَقَالَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٥] ، وقال ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ جِيءَ بِلَبَنٍ فَعَرَضَهُ عَلَى جُلَسَائِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَكُلُّهُمْ لَمْ يَشْرَبْهُ لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، فَتَنَاوَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَكَانَ مُفْطِرًا فَشَرِبَهُ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْهُ [[ذكره المزي في تحفة الأشراف برقم (٩٤٣٥) وعزاه للنسائي في المواعظ.]] .
وَقَالَ [ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمع الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أهلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ، لِيَقُمِ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُحَاسِبُ سَائِرَ الْخَلَائِقِ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١٧٦) من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، به. وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ بَقيَّة، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٠] قَالَ: ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴿، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، الشَّفَاعَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ، لِمَنْ صَنَعَ لَهُمُ الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا [[المعجم الكبير للطبراني (١٠/٢٤٨) وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة النساء: "هذا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ، وَإِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مسعود موقوفا فهو جيد".]] .
لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى [مَثَلَ] [[زيادة من ف، أ.]] قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، بِالْمِصْبَاحِ فِي الزُّجَاجَةِ الصَّافِيَةِ الْمُتَوَقِّدِ مِنْ زَيْتٍ طَيِّبٍ، وَذَلِكَ كَالْقِنْدِيلِ، ذَكَرَ مَحِلَّهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ، الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بُيُوتُهُ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا ويُوَحّد، فَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أَيْ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَفْعِهَا، أَيْ: بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الدَّنَسِ وَاللَّغْوِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي لَا تَلِيقُ فِيهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قَالَ: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمة [[في ف، أ: "خيثمة".]] وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ. [[في ف، أ: "التفسير".]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ، أَمَرَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، بِبِنَائِهَا وَرَفْعِهَا، وَأَمَرَ بِعِمَارَتِهَا وَتَطْهِيرِهَا. وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: " أَلَا إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ، وحَقّ عَلَى المَزُور كرامةُ الزَّائِرِ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا، وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا. وَذَلِكَ لَهُ مَحَلٌّ مُفْرَدٌ يُذْكَرُ فِيهِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حدَة، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى نَذْكُرُ [[في ف: "سنذكر".]] هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ:
فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مَثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٠) وصحيح مسلم برقم (٥٣٣) .]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٣٥) من طريق الوليد بن أبي الوليد عن عثمان بن عبد الله عن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٠) : "هذا إسناد مرسل، عثمان بن عبد الله بن سراقة روى عن عمر وهو جده لأمه، ولم يسمع منه. قاله المزي".]] .
وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَة [[في أ: "عنبسة".]] مَثْلُهُ [[سنن النسائي (٢/٣١) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدور، وأن تنظف وَتُطَيَّبَ [[المسند (٦/٢٧٩) وسنن أبي داود برقم (٤٥٥) وسنن الترمذي برقم (٥٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٥٩) .]] . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيُّ. وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَمُرة بْنِ جُنْدب نَحْوُهُ. [[المسند (٥/١٧) وسنن أبي داود برقم (٤٥٦) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عُمَرُ: ابْنِ لِلنَّاسِ مَا يُكِنُّهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ [[صحيح البخاري (١/٥٣٩) "فتح".]] .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَا سَاءَ عملُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ". [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤١) من طريق جبارة بن المغلس عن عبد الكريم بن عبد الرحمن عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب، به. قال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وقد اتهم".]] وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخرفُنّها كَمَا زَخْرَفت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى [[سنن أبي داود برقم (٤٤٨) .]]
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ [[المسند (٣/١٣٤) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩) وسنن النسائي (٢/٣٢) وسنن ابن ماجه برقم (٧٣٩) .]]
وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلا أنشدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمْلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيت الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [[صحيح مسلم برقم (٥٦٩) .]]
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنِ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ [[المسند (٢/١٧٩) وسنن أبي داود برقم (١٠٧٩) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢) وسنن النسائي (٢/٤٧) وسنن ابن ماجه برقم (٧٤٩) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ: قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنشُد ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣١٢١) .]]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: "خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ، وَلَا يُنبَض فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمرّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيء: وَلَا يُضرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَص فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخذ سُوقًا" [[سنن ابن ماجه برقم (٧٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٤) : "هذا إسناد فيه زيد بن جبيرة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف".]] .
وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنِّبوا الْمَسَاجِدَ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ، وجَمّروها فِي الجُمَع".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٥٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٦٥) : "هذا إسناد ضعيف، أبو سعيد هو محمد بن سعيد المصلوب، قال أحمد: عمدا كان يضع الحديث، ثم قال: والحارث بن نبهان ضعيف".]] وَفِي إِسْنَادِهِمَا [[في ف، أ: "إسناده".]] ضَعُفٌ.
أَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا" فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُرُورَ فِيهِ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا وَجَد مَنْدُوحَةً عَنْهُ. وَفِي الْأَثَرِ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ".
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُشْهَرُ فِيهِ بِسِلَاحٍ [[في أ: "السلام".]] . وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ [[في ف: "بنبل".]] . فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَةِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ، لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بِسِهَامٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]] .
وَأَمَا النَّهْيُ عَنِ الْمُرُورِ بِاللَّحْمِ النَّيِّءِ فِيهِ، فَلِما يُخْشَى مِنْ تَقَاطُرِ الدَّمِ مِنْهُ، كَمَا نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الْمُرُورِ فِيهِ إِذَا خَافَتِ التَّلْوِيثَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَلَا يُقْتَصُّ"، فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِيجَادِ نَجَاسَةٍ فِيهِ مِنَ الْمَضْرُوبِ أَوِ الْمَقْطُوعِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "لَا يُتَّخَذُ سُوقًا"، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ: "إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، إِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا". ثُمَّ أَمَرَ بسَجْل مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِهِ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: "جَنِّبوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ"، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَلَا يُنَاسِبُهُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا رَأَى صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ [[في ف: "فيه".]] ، ضَرَبَهُمْ بالمِخْفَقَة -وَهِيَ الدِّرَّة -وَكَانَ يَعُسّ [[في ف، أ: "يفتش".]] الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَشَاءِ، فَلَا يَتْرُكُ فِيهِ أَحَدًا.
"وَمَجَانِينَكُمْ" يَعْنِي: لِأَجْلِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وسَخْر النَّاسِ بِهِمْ، فَيُؤَدِّي إِلَى [[في أ: "على".]] اللَّعِبِ فِيهَا، وَلِمَا يَخْشَى مِنْ تَقْذِيرِهِمُ الْمَسْجِدَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
"وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ" كَمَا تَقَدَّمَ.
"وَخُصُومَاتِكُمْ" يَعْنِي: التَّحَاكُمَ وَالْحُكْمَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَنْتَصِبُ لِفَصْلِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَالتَّشَاجُرِ وَالْعِيَاطِ [[في أ: "والغياظ".]] الَّذِي لَا يُنَاسِبُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: "وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الجُعَيْد [[في ف، أ: "الجعد".]] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي [[في ف، أ: "عن".]] يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَة [[في ف، أ: "حفصة".]] ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ الكنْديِّ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ [[في ف، أ: "فإذا هو عمر".]] بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنَ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قال: لو كنتما من أهل الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا: تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٠) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ. [[وذكره المزي في تحفة الأشراف (٨/٤) وعزاه للنسائي في السنن الكبرى في المواعظ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ": تَقَدَّمَا. [[في أ: "تقدم".]]
* *
وَقَوْلُهُ: "وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ" يَعْنِي: الْمَرَاحِيضَ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَقَدْ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آبَارٌ [[في أ: "أباريق".]] يَسْتَقُونَ منها، فيشربون ويتطهرون، ويتوضؤون وَغَيْرَ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: "وجمِّروها فِي الجُمَع" يَعْنِي: بَخِّرُوهَا فِي أَيَّامِ الجُمَع لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُجَمِّر مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ جُمُعَةٍ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ [[مسند أبي يعلى (١/١٧٠) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّف عَلَى صِلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ [[في ف، أ: "الوضوء".]] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خَطوة إِلَّا رُفع لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاه: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧) وصحيح مسلم برقم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" [[سنن الدارقطني (١/٤٢٠) من طريق سليمان بن داود الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، به. وقد رواه الحاكم في المستدرك (١/٢٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٥٧) من طريق سليمان بن داود، به. وسليمان بن داود مجمع على تضعيفه. ومن حديث جابر، رواه الدارقطني أيضا في السنن (١/٤٢٠) من طريق محمد بن مسكين عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، به. وقال أبو الطيب في التعليق: "فيه محمد بن مسكين، قال الذهبي: لا يعرف وخبره منكر. وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر".]] .
وَفِي السُّنَنِ: "بشِّر الْمَشَّائِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٥٦١) والترمذي في السنن برقم (٢٢٣) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مرفوع، وهو صحيح مسند وموقوف إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسند إِلَى النَّبِيِّ ﷺ".]] .
وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَبْدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَأَنْ يَقُولَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو [[فِي أ: "عمر".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في ف، أ: "عنهما".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذا دخل المسجد قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" [قَالَ: أَقَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من أ.]] . قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفظ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ [[لم أجده في صحيح البخاري، وقد ذكره المزي في تحفة الأشراف وابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزواه إلا لأبي داود في السنن برقم (٤٦٦) .]] .
وَرَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ -أَوْ: أَبِي أسَيْد -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ [[في ف، أ: "رسول الله".]] ﷺ [مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[صحيح مسلم برقم (٧١٣) وسنن النسائي (٢/٥٣) .]] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِيَقِلِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحَيْهِمَا [[سنن ابن ماجه برقم (٧٧٣) وصحيح ابن خزيمة برقم (٤٥٢) وصحيح ابن حبان برقم (٢٠٤٨) "الإحسان" كلهم من طريق أبي بكر الحنفي عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة، به. وقال البوصيري في الزوائد (١/٩٧) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ [[في أ: "حسين".]] . عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ". وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٦/٢٨٢) وسنن الترمذي برقم (٣١٤) وسنن ابن ماجه برقم (٧٧١) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ الصُّغْرَى لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى.
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، مَعَ مَا تَرَكْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ لِحَالِ الطُّولِ [[في ف، أ: "لجافي القول".]] . كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الْجِنِّ: ١٨] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يَعْنِي: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أَيْ: فِي البُكَرات والعَشِيَّات. وَالْآصَالُ: جمع أصيل، وَهُوَ آخِرُ النَّهَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْغُدُوِّ: صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَعْنِي بِالْآصَالِ: صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهُمَا أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَذْكُرهما وَأَنْ يُذَكِّر بِهِمَا عِبَادَهُ.
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ يَعْنِي: الصَّلَاةَ.
وَمَنْ قَرَأَ مِنَ القَرَأَة [[في ف، أ: "القراء".]] " يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ" -بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ "يُسبح" عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ -وَقَفَ [[في ف: "ويقف".]] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿والآصَال﴾ وَقَفًا تامًا، وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَكَأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[ينسب للشاعر نهشل بن حري ولغيره، وهو من شواهد الكتاب لسيبويه (١/١٤٥) والمقتضب للمبرد (٣/٣٨٢) ومغني اللبيب لابن هشام الشاهد رقم (١٠٤٨) ا. هـ، مستفادا من حاشية الشعب.]] .
لِيُبْكَ يزيدُ، ضارعٌ لخُصُومة ... ومُخْتَبطٌ مِمَّا تُطيح الطّوَائحُ ...
كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ يَبْكِيهِ؟ قَالَ: هَذَا يَبْكِيهِ. وَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا؟ قَالَ: رِجَالٌ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿يسبِّح﴾ -بِكَسْرِ الْبَاءِ -فَجَعَلَهُ فِعْلًا وَفَاعِلَهُ: ﴿رِجَال﴾ فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ إِلَّا عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿رِجَال﴾ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِمَمِهِمُ السَّامِيَةِ، وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمُ الْعَالِيَةِ، الَّتِي بِهَا صَارُوا عُمَّارا لِلْمَسَاجِدِ، الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ، وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢٣] .
فَأَمَّا النِّسَاءُ فَصَلاتهن فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا" [[سنن أبي داود برقم (٥٨٠) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلان، حَدَّثَنَا رِشْدِين، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنِ السَّائِبِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، -عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ [قَعْرُ] [[زيادة من ف، أ.]] بُيُوتِهِنَّ" [[المسند (٦/٢٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيد الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ -امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي". قَالَ: فأمَرَت فبُني لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا وَأَظْلَمِهِ [[في هـ: "بيوتها والله" وفي ف، أ: "بيتها والله" والمثبت من المسند.]] ، فَكَانَتْ تُصْلِي فِيهِ حَتَّى لقيت الله، عز وجل. لم يخرجوه. [[المسند (٦/٣٧١) .]] هَذَا وَيَجُوزُ لَهَا شُهُودُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ بِظُهُورِ زِينَةٍ وَلَا رِيحِ طِيبٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٩٠٠) وصحيح مسلم برقم (٤٤٢) .]] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: "وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ" [[المسند (٢/٧٦) وسنن أبي داود برقم (٥٦٧) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلات" [[وهي في المسند (٢/٤٣٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] أَيْ: لَا رِيحَ لَهُنَّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْنَبَ -امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا" [[صحيح مسلم برقم (٤٤٣) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ [[في ف، أ: "المؤمنات".]] يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطهن، مَا يُعْرَفْن مِنَ الغَلَس [[صحيح البخاري برقم (٥٧٨) وصحيح مسلم برقم (٦٤٥) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنعهُنّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنعت نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [[صحيح البخاري برقم (٨٦٩) وصحيح مسلم برقم (٤٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩]
يَقُولُ تَعَالَى: لَا تَشْغَلُهُمُ الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا وَزِينَتُهَا ومَلاذ بَيعها وَرِيحُهَا، عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أَيْ: يُقَدِّمُونَ طَاعَتَهُ ومُرَاده وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مُرَادِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ.
قَالَ هُشَيْم: عَنْ سَيَّار [[في ف، أ: "شيبان".]] : [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] حُدِّثت عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، حَيْثُ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، تَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ وَنَهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٨/١١٣) .]] .
وَهَكَذَا رَوَى عَمْرو بْنُ دِينَارٍ القَهْرَمَانيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ [[في ف، أ: "بالسوق".]] فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عمر: فيهم نَزَلَتْ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٨/١١٣) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ [[في ف، أ: "بكير".]] الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ [[في أ: "هشام".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُجَيْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ رَبٍّ [[في ف، أ: "عبد ربه".]] قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي قُمْتُ [[في أ: "قمت".]] عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ، أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: "إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلَالٍ" وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْأَعْوَرُ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَمَرَرْنَا بِسُوقِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وخَمَّروُا مَتَاعَهُمْ، فَنَظَرَ سَالِمٌ إِلَى أَمْتِعَتِهِمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، فَتَلَا سَالِمٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُمْ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تُلْهِيهِمُ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ أَنْ يَأْتُوا الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاق: كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وميزانُه فِي يَدِهِ خَفَضَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى الصلاة.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
وَقَالَ السُّدِّي: عَنِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: لَا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُقِيمُوهَا كَمَا أَمَرَهُمُ [[في ف، أ: "أمر".]] اللَّهُ، وَأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى مَوَاقِيتِهَا، وَمَا اسْتَحْفَظَهُمُ اللَّهُ فِيهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ وَعَظَمَةِ الْأَهْوَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨-١٢] .
وَقَالَ هَاهُنَا ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: يَتَقَبَّلُ مِنْهُمُ الْحَسَنَ وَيُضَاعِفُهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] ، وَقَالَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٥] ، وقال ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ جِيءَ بِلَبَنٍ فَعَرَضَهُ عَلَى جُلَسَائِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَكُلُّهُمْ لَمْ يَشْرَبْهُ لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، فَتَنَاوَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَكَانَ مُفْطِرًا فَشَرِبَهُ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى [[في ف، أ: "عز وجل".]] ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْهُ [[ذكره المزي في تحفة الأشراف برقم (٩٤٣٥) وعزاه للنسائي في المواعظ.]] .
وَقَالَ [ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمع الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أهلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ، لِيَقُمِ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُحَاسِبُ سَائِرَ الْخَلَائِقِ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١٧٦) من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، به. وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ بَقيَّة، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٠] قَالَ: ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴿، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، الشَّفَاعَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ، لِمَنْ صَنَعَ لَهُمُ الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا [[المعجم الكبير للطبراني (١٠/٢٤٨) وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة النساء: "هذا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ، وَإِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مسعود موقوفا فهو جيد".]] .
هَذَانِ مَثَلَانِ ضَرَبَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَوْعَيِ الْكُفَّارِ، كَمَا ضَرَبَ لِلْمُنَافِقِينَ فِي أَوَّلِ "الْبَقَرَةِ" [[عند الآية: ١٧، والآية: ١٩.]] مِثْلَيْنِ نَارِيًّا وَمَائِيًا، وَكَمَا ضَرَبَ لِمَا يَقَرُّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ فِي سُورَةِ "الرَّعْدِ" [[عند الآية: ١٧.]] مَثَلَيْنِ مَائِيًّا وَنَارِيًّا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى كُلٍّ مِنْهَا [[في ف، أ: "منهما".]] فِي مَوْضِعِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ: فَهُوَ لِلْكُفَّارِ الدُّعَاةِ إِلَى كُفْرِهِمُ، الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَلَيْسُوا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى شَيْءٍ، فَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَالسَّرَابِ الَّذِي يُرَى فِي الْقِيعَانِ مِنَ الْأَرْضِ عَنْ [[في ف: "من".]] بُعْدٍ كَأَنَّهُ بحر طام.
وَالْقِيعَةُ: جَمْعُ قَاعٍ، كَجَارٍ وجيرَةٍ. وَالْقَاعُ أَيْضًا: وَاحِدُ الْقِيعَانِ، كَمَا يُقَالُ: جَارٌ وَجِيرَانٌ. وَهِيَ: الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمُتَّسِعَةُ الْمُنْبَسِطَةُ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ. وَأَمَّا الْآلُ [[في أ: "الأول".]] فَإِنَّمَا يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ، يُرَى كَأَنَّهُ مَاءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا رَأَى السَّرَابَ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَاءِ، حَسِبَهُ مَاءً فَقَصَدَهُ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَبُ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَنَّهُ قَدْ حَصَّل شَيْئًا، فَإِذَا وَافَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَاسَبَهُ عَلَيْهَا، وَنُوقِشَ عَلَى أَفْعَالِهِ، لَمْ يَجِدْ لَهُ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ قَدْ قُبل، إِمَّا لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ سُلُوكِ الشَّرْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٢٣] .
وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . وَهَكَذَا رُوي عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] : أَنَّهُ يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْر ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: أَيْ رَبَّنَا، عَطشنا فَاسْقِنَا. فَيُقَالُ: أَلَا تَرَوْنَ؟ فَتُمَثَّلُ لَهُمُ النَّارُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَنْطَلِقُونَ فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا [[صحيح البخاري برقم (٤٥٨١) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
وَهَذَا الْمِثَالُ مِثَالٌ لِذَوِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ، وَهُمُ الطَّماطم الْأَغْشَامُ الْمُقَلِّدُونَ لِأَئِمَّةِ الْكُفْرِ، الصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، فَمَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ الْعَمِيقُ. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أَيْ: لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا مِنْ شِدَّةِ الظَّلَامِ، فَهَذَا مِثْلُ قَلْبِ الْكَافِرِ الْجَاهِلِ الْبَسِيطِ الْمُقَلِّدِ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، وَلَا [هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] يَعْرِفُ حَالَ مَنْ يَقُودُهُ، بَلْ كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ لِلْجَاهِلِ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: مَعَهُمْ. قِيلَ: فَإِلَى أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْغَشَاوَةَ الَّتِي عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧] ، وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٣] .
وَقَالَ أُبيّ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ الظُّلَمِ: كَلَامُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، والسُّدِّي نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أَيْ: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ هَالِكٌ جَاهِلٌ حَائِرٌ بَائِرٌ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وهذا [في] [[زيادة من ف، أ.]] مُقابلة مَا قَالَ فِي مِثْلِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا نُورًا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا نُورًا، وَعَنْ شَمَائِلِنَا نُورًا، وَأَنْ يُعْظِمَ لَنَا نُورًا.
هَذَانِ مَثَلَانِ ضَرَبَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَوْعَيِ الْكُفَّارِ، كَمَا ضَرَبَ لِلْمُنَافِقِينَ فِي أَوَّلِ "الْبَقَرَةِ" [[عند الآية: ١٧، والآية: ١٩.]] مِثْلَيْنِ نَارِيًّا وَمَائِيًا، وَكَمَا ضَرَبَ لِمَا يَقَرُّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ فِي سُورَةِ "الرَّعْدِ" [[عند الآية: ١٧.]] مَثَلَيْنِ مَائِيًّا وَنَارِيًّا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى كُلٍّ مِنْهَا [[في ف، أ: "منهما".]] فِي مَوْضِعِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ: فَهُوَ لِلْكُفَّارِ الدُّعَاةِ إِلَى كُفْرِهِمُ، الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَلَيْسُوا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى شَيْءٍ، فَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَالسَّرَابِ الَّذِي يُرَى فِي الْقِيعَانِ مِنَ الْأَرْضِ عَنْ [[في ف: "من".]] بُعْدٍ كَأَنَّهُ بحر طام.
وَالْقِيعَةُ: جَمْعُ قَاعٍ، كَجَارٍ وجيرَةٍ. وَالْقَاعُ أَيْضًا: وَاحِدُ الْقِيعَانِ، كَمَا يُقَالُ: جَارٌ وَجِيرَانٌ. وَهِيَ: الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمُتَّسِعَةُ الْمُنْبَسِطَةُ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ. وَأَمَّا الْآلُ [[في أ: "الأول".]] فَإِنَّمَا يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ، يُرَى كَأَنَّهُ مَاءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا رَأَى السَّرَابَ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَاءِ، حَسِبَهُ مَاءً فَقَصَدَهُ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَبُ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَنَّهُ قَدْ حَصَّل شَيْئًا، فَإِذَا وَافَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَاسَبَهُ عَلَيْهَا، وَنُوقِشَ عَلَى أَفْعَالِهِ، لَمْ يَجِدْ لَهُ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ قَدْ قُبل، إِمَّا لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ سُلُوكِ الشَّرْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٢٣] .
وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . وَهَكَذَا رُوي عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] : أَنَّهُ يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْر ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: أَيْ رَبَّنَا، عَطشنا فَاسْقِنَا. فَيُقَالُ: أَلَا تَرَوْنَ؟ فَتُمَثَّلُ لَهُمُ النَّارُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَنْطَلِقُونَ فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا [[صحيح البخاري برقم (٤٥٨١) وصحيح مسلم برقم (١٨٣) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .
وَهَذَا الْمِثَالُ مِثَالٌ لِذَوِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ. فَأَمَّا أَصْحَابُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ، وَهُمُ الطَّماطم الْأَغْشَامُ الْمُقَلِّدُونَ لِأَئِمَّةِ الْكُفْرِ، الصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، فَمَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ الْعَمِيقُ. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أَيْ: لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا مِنْ شِدَّةِ الظَّلَامِ، فَهَذَا مِثْلُ قَلْبِ الْكَافِرِ الْجَاهِلِ الْبَسِيطِ الْمُقَلِّدِ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، وَلَا [هُوَ] [[زيادة من ف، أ.]] يَعْرِفُ حَالَ مَنْ يَقُودُهُ، بَلْ كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ لِلْجَاهِلِ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: مَعَهُمْ. قِيلَ: فَإِلَى أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْغَشَاوَةَ الَّتِي عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧] ، وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "وقوله".]] : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٣] .
وَقَالَ أُبيّ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ الظُّلَمِ: كَلَامُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، والسُّدِّي نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أَيْ: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ هَالِكٌ جَاهِلٌ حَائِرٌ بَائِرٌ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وهذا [في] [[زيادة من ف، أ.]] مُقابلة مَا قَالَ فِي مِثْلِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا نُورًا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا نُورًا، وَعَنْ شَمَائِلِنَا نُورًا، وَأَنْ يُعْظِمَ لَنَا نُورًا.
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسَبِّحه من في السموات وَالْأَرْضِ، أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنَاسِيِّ، وَالْجَانِّ وَالْحَيَوَانِ، حَتَّى الْجَمَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أَيْ: فِي حَالِ طَيَرَانِهَا تُسَبِّحُ رَبَّهَا وَتَعْبُدُهُ بِتَسْبِيحٍ أَلْهَمَهَا وَأَرْشَدَهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا هِيَ فَاعِلَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أَيْ: كُلٌّ قَدْ أَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَمَسْلَكِهِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا [[في ف، أ: "ولذا".]] قَالَ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
ثُمَّ أخبر تعالى: أن له ملك السموات وَالْأَرْضِ، فَهُوَ الْحَاكِمُ الْمُتَصَرِّفُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] ، فَهُوَ الْخَالِقُ الْمَالِكُ، أَلَا لَهُ الْحُكْمُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ؟!.
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسَبِّحه من في السموات وَالْأَرْضِ، أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنَاسِيِّ، وَالْجَانِّ وَالْحَيَوَانِ، حَتَّى الْجَمَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أَيْ: فِي حَالِ طَيَرَانِهَا تُسَبِّحُ رَبَّهَا وَتَعْبُدُهُ بِتَسْبِيحٍ أَلْهَمَهَا وَأَرْشَدَهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا هِيَ فَاعِلَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أَيْ: كُلٌّ قَدْ أَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَمَسْلَكِهِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا [[في ف، أ: "ولذا".]] قَالَ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
ثُمَّ أخبر تعالى: أن له ملك السموات وَالْأَرْضِ، فَهُوَ الْحَاكِمُ الْمُتَصَرِّفُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] ، فَهُوَ الْخَالِقُ الْمَالِكُ، أَلَا لَهُ الْحُكْمُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ؟!.
يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ بِقُدْرَتِهِ يَسُوقُ السَّحَابَ أَوَّلَ مَا يُنْشِئُهَا وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَهُوَ الْإِزْجَاءُ ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أَيْ: يَجْمَعُهُ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمًا، أَيْ: يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أَيِ الْمَطَرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أَيْ: مِنْ خَلَله. وَكَذَا [[في ف، أ: "وكذلك".]] قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ.
قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ: يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُثِيرَةَ فَتَقُمّ الْأَرْضَ قمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاشِئَةَ فَتُنْشِئُ السَّحَابَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] اللَّوَاقِحَ فَتَلْقَحُ السَّحَابَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ : قَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: "مِنِ" الْأُولَى: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلتَّبْعِيضِ، وَالثَّالِثَةُ: لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ من الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنَّ فِي السَّمَاءِ جبالَ بَرَد يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنْهَا الْبَرْدَ. وَأَمَّا مَنْ جعل الجبال ههنا عِبَارَةً [[في ف، أ: "كناية".]] عَنِ السَّحَابِ، فَإِنَّ "مِنِ" الثَّانِيَةَ عِنْدَ هَذَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْضًا، لَكِنَّهَا بَدَل مِنَ الْأُولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أَيْ: بِمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ نَوْعَيِ الْبَرَدِ وَالْمَطَرِ [[في ف: "المطر والبرد".]] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ رَحْمَةً لَهُمْ، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُؤَخِّرُ عَنْهُمُ الْغَيْثَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أَيْ: بِالْبَرَدِ نِقْمَةً عَلَى مَنْ يَشَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ نَثْرِ ثِمَارِهِمْ وَإِتْلَافِ زُرُوعِهِمْ وَأَشْجَارِهِمْ. وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ [أَيْ:] [[زيادة من ف، أ.]] رَحْمَةً بِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ﴾ أَيْ: يَكَادُ ضَوْءُ بِرِقِهِ مِنْ شِدَّتِهِ يَخْطِفُ الْأَبْصَارَ إِذَا اتَّبَعَتْهُ وَتَرَاءَتْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أَيْ: يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا، فَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فِي قِصَرِ هَذَا حَتَّى يَعْتَدِلَا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَيَطُولُ الَّذِي كَانَ قَصِيرًا، وَيَقْصُرُ الَّذِي كَانَ طَوِيلًا. وَاللَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ وَقَهْرِهِ وَعِزَّتِهِ وَعِلْمِهِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: لَدَلِيلًا عَلَى عَظَمَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٠] . وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ.
يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ بِقُدْرَتِهِ يَسُوقُ السَّحَابَ أَوَّلَ مَا يُنْشِئُهَا وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَهُوَ الْإِزْجَاءُ ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أَيْ: يَجْمَعُهُ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمًا، أَيْ: يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أَيِ الْمَطَرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أَيْ: مِنْ خَلَله. وَكَذَا [[في ف، أ: "وكذلك".]] قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ.
قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ: يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُثِيرَةَ فَتَقُمّ الْأَرْضَ قمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاشِئَةَ فَتُنْشِئُ السَّحَابَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] اللَّوَاقِحَ فَتَلْقَحُ السَّحَابَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ : قَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: "مِنِ" الْأُولَى: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلتَّبْعِيضِ، وَالثَّالِثَةُ: لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ من الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنَّ فِي السَّمَاءِ جبالَ بَرَد يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنْهَا الْبَرْدَ. وَأَمَّا مَنْ جعل الجبال ههنا عِبَارَةً [[في ف، أ: "كناية".]] عَنِ السَّحَابِ، فَإِنَّ "مِنِ" الثَّانِيَةَ عِنْدَ هَذَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْضًا، لَكِنَّهَا بَدَل مِنَ الْأُولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أَيْ: بِمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ نَوْعَيِ الْبَرَدِ وَالْمَطَرِ [[في ف: "المطر والبرد".]] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ رَحْمَةً لَهُمْ، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُؤَخِّرُ عَنْهُمُ الْغَيْثَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أَيْ: بِالْبَرَدِ نِقْمَةً عَلَى مَنْ يَشَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ نَثْرِ ثِمَارِهِمْ وَإِتْلَافِ زُرُوعِهِمْ وَأَشْجَارِهِمْ. وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ [أَيْ:] [[زيادة من ف، أ.]] رَحْمَةً بِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ﴾ أَيْ: يَكَادُ ضَوْءُ بِرِقِهِ مِنْ شِدَّتِهِ يَخْطِفُ الْأَبْصَارَ إِذَا اتَّبَعَتْهُ وَتَرَاءَتْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أَيْ: يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا، فَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فِي قِصَرِ هَذَا حَتَّى يَعْتَدِلَا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَيَطُولُ الَّذِي كَانَ قَصِيرًا، وَيَقْصُرُ الَّذِي كَانَ طَوِيلًا. وَاللَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ وَقَهْرِهِ وَعِزَّتِهِ وَعِلْمِهِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: لَدَلِيلًا عَلَى عَظَمَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٠] . وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ.
يَذْكُرُ تَعَالَى قُدْرَتَهُ التَّامَّةَ وَسُلْطَانَهُ الْعَظِيمَ، فِي خَلْقِهِ أَنْوَاعَ [الْمَخْلُوقَاتِ] [[زيادة من ف، أ.]] . عَلَى اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَحَرَكَاتِهَا وَسُكَنَاتِهَا، مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كَالْحَيَّةِ وَمَا شَاكَلَهَا، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كَالْإِنْسَانِ وَالطَّيْرِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كَالْأَنْعَامِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: بِقُدْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
يُقَرِّرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنَزَلَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنَ الْحِكَمِ [[في هـ: "من الحكم والحكم والأمثال". والمثبت من ف، أ.]] وَالْأَمْثَالِ الْبَيِّنَةِ الْمُحْكَمَةِ، كَثِيرًا [[في ف: "المحكمة ما هو كثير".]] جَدًّا، وَأَنَّهُ يُرْشِدُ إِلَى تَفَهُّمِهَا وَتَعَقُّلِهَا أُولِي الْأَلْبَابِ وَالْبَصَائِرِ وَالنُّهَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] .
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً.
قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، الَّذِينَ كَانُوا يَحْلِفُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ لَئِنْ أَمَرَهُمْ [[في ف، أ: "أمرتهم".]] بِالْخُرُوجِ [فِي الْغَزْوِ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ أَيْ: لَا تَحْلِفُوا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ [[في ف، أ: "تقديره".]] طَاعَتُكُمْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أَيْ: قَدْ عُلمت طَاعَتُكُمْ، إِنَّمَا هِيَ قَوْلٌ لَا فِعْلَ مَعَهُ، وَكُلَّمَا حَلَفْتُمْ كَذَبْتُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٢] ، فَهُمْ مِنْ سَجِيَّتِهِمُ الْكَذِبُ حَتَّى فِيمَا يَخْتَارُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ١١، ١٢]
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أَيْ: لِيَكُنْ أَمْرُكُمْ طَاعَةً مَعْرُوفَةً، أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ حَلف وَلَا إِقْسَامٍ، كَمَا يُطِيعُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ حَلِفٍ، فَكُونُوا أَنْتُمْ مِثْلَهُمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ خَبِيرٌ بِكُمْ وَبِمَنْ يُطِيعُ مِمَّنْ يَعْصِي، فَالْحَلِفُ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ -وَالْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ رَاجَ عَلَى الْمَخْلُوقِ [[في ف: "المحلوف".]] -فَالْخَالِقُ، تَعَالَى، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، لَا يَرُوجُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، بَلْ هُوَ خَبِيرٌ بِضَمَائِرِ عِبَادِهِ، وَإِنْ أَظْهَرُوا خِلَافَهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أَيْ: اتَّبِعُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَةَ رَسُولِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: تَتَوَلَّوْا عَنْهُ وَتَتْرُكُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أَيْ: إِبْلَاغُ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أَيْ: مِنْ ذَلِكَ وَتَعْظِيمِهِ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشُّورَى: ٥٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ: ٤٠] ، وَقَوْلِهِ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٢١، ٢٢] .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ -يُقَالُ لَهُ: شِعِيَاءُ -أَنْ قُمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنِّي سَأُطْلِقُ لِسَانَكَ بِوَحْيٍ. فَقَامَ فَقَالَ: يَا سَمَاءُ اسْمَعِي، وَيَا أَرْضُ انْصِتِي، فَإِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ شَأْنًا وَيُدَبِّرَ أَمْرًا هُوَ مُنَفِّذُهُ، إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ الرِّيفَ إِلَى الْفَلَاةِ، وَالْآجَامَ [[في أ: "الأجسام".]] فِي الْغِيطَانِ، وَالْأَنْهَارَ فِي الصَّحَارِي، وَالنِّعْمَةَ فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْمُلْكَ فِي الرُّعَاةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ أُمِّيًّا مِنَ الْأُمِّيِّينَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخّاب فِي الْأَسْوَاقِ، لَوْ يَمُرُّ إِلَى جَنْبِ السِّرَاجِ لَمْ يُطْفِئْهُ مِنْ سَكِينَتِهِ، وَلَوْ يَمْشِي عَلَى الْقَصَبِ الْيَابِسِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. أَبْعَثُهُ مُبَشِّرا ونذيرًا، لا يقول الخنَا، أَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وأسَدِّده لِكُلِّ أَمْرٍ جَمِيلٍ، وَأَهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَنْطِقَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وأعلِّم بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وأرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الخمَالة، وَأُعْرَفُ بِهِ بَعْدَ النُّكْرَة، وَأُكْثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ العَيلَة، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ أُمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتَّتَةٍ، وَأَسْتَنْقِذُ بِهِ فِئَامًا مِنَ النَّاسِ عَظِيمًا مِنَ الهَلَكة، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مُوَحِّدِينَ مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، مُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[وروي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار كما في الشفا للقاضي عياض (١/١٥) .]] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، الَّذِينَ كَانُوا يَحْلِفُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ لَئِنْ أَمَرَهُمْ [[في ف، أ: "أمرتهم".]] بِالْخُرُوجِ [فِي الْغَزْوِ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ أَيْ: لَا تَحْلِفُوا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ [[في ف، أ: "تقديره".]] طَاعَتُكُمْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أَيْ: قَدْ عُلمت طَاعَتُكُمْ، إِنَّمَا هِيَ قَوْلٌ لَا فِعْلَ مَعَهُ، وَكُلَّمَا حَلَفْتُمْ كَذَبْتُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٢] ، فَهُمْ مِنْ سَجِيَّتِهِمُ الْكَذِبُ حَتَّى فِيمَا يَخْتَارُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ١١، ١٢]
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أَيْ: لِيَكُنْ أَمْرُكُمْ طَاعَةً مَعْرُوفَةً، أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ حَلف وَلَا إِقْسَامٍ، كَمَا يُطِيعُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ حَلِفٍ، فَكُونُوا أَنْتُمْ مِثْلَهُمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ خَبِيرٌ بِكُمْ وَبِمَنْ يُطِيعُ مِمَّنْ يَعْصِي، فَالْحَلِفُ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ -وَالْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ رَاجَ عَلَى الْمَخْلُوقِ [[في ف: "المحلوف".]] -فَالْخَالِقُ، تَعَالَى، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، لَا يَرُوجُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، بَلْ هُوَ خَبِيرٌ بِضَمَائِرِ عِبَادِهِ، وَإِنْ أَظْهَرُوا خِلَافَهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أَيْ: اتَّبِعُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَةَ رَسُولِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: تَتَوَلَّوْا عَنْهُ وَتَتْرُكُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أَيْ: إِبْلَاغُ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أَيْ: مِنْ ذَلِكَ وَتَعْظِيمِهِ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشُّورَى: ٥٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ: ٤٠] ، وَقَوْلِهِ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٢١، ٢٢] .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ -يُقَالُ لَهُ: شِعِيَاءُ -أَنْ قُمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنِّي سَأُطْلِقُ لِسَانَكَ بِوَحْيٍ. فَقَامَ فَقَالَ: يَا سَمَاءُ اسْمَعِي، وَيَا أَرْضُ انْصِتِي، فَإِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ شَأْنًا وَيُدَبِّرَ أَمْرًا هُوَ مُنَفِّذُهُ، إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ الرِّيفَ إِلَى الْفَلَاةِ، وَالْآجَامَ [[في أ: "الأجسام".]] فِي الْغِيطَانِ، وَالْأَنْهَارَ فِي الصَّحَارِي، وَالنِّعْمَةَ فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْمُلْكَ فِي الرُّعَاةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ أُمِّيًّا مِنَ الْأُمِّيِّينَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخّاب فِي الْأَسْوَاقِ، لَوْ يَمُرُّ إِلَى جَنْبِ السِّرَاجِ لَمْ يُطْفِئْهُ مِنْ سَكِينَتِهِ، وَلَوْ يَمْشِي عَلَى الْقَصَبِ الْيَابِسِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. أَبْعَثُهُ مُبَشِّرا ونذيرًا، لا يقول الخنَا، أَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وأسَدِّده لِكُلِّ أَمْرٍ جَمِيلٍ، وَأَهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَنْطِقَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وأعلِّم بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وأرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الخمَالة، وَأُعْرَفُ بِهِ بَعْدَ النُّكْرَة، وَأُكْثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ العَيلَة، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ أُمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتَّتَةٍ، وَأَسْتَنْقِذُ بِهِ فِئَامًا مِنَ النَّاسِ عَظِيمًا مِنَ الهَلَكة، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مُوَحِّدِينَ مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، مُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[وروي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار كما في الشفا للقاضي عياض (١/١٥) .]] .
هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ [[في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".]] . بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّتَهُ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أَيْ: أئمةَ النَّاسِ والولاةَ عَلَيْهِمْ، وَبِهِمْ تَصْلُحُ [[في ف، أ: "يصلح".]] الْبِلَادُ، وَتَخْضَعُ [[في ف، أ: "ويخضع".]] لَهُمُ الْعِبَادُ، ولَيُبدلَنّ بَعْدَ خَوْفِهِمْ مِنَ النَّاسِ أَمْنًا وَحُكْمًا فِيهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ. وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَخَيْبَرَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَسَائِرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْيَمَنِ بِكَمَالِهَا. وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوس هَجَر، وَمِنْ بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ، وَهَادَاهُ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ وَصَاحِبُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ -وَهُوَ الْمُقَوْقِسُ -وَمُلُوكُ عُمَانَ وَالنَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، الَّذِي تَملَّك بَعْدَ أصْحَمة، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَهُ.
ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ خَلِيفَتُهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، فَلَمّ شَعَث مَا وَهَى عِنْدَ [[في ف: "بعد".]] مَوْتِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] وأطَّدَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ وَمَهَّدَهَا، وَبَعَثَ الْجُيُوشَ الْإِسْلَامِيَّةَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ صُحْبَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَفَتَحُوا طَرَفًا مِنْهَا، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا. وَجَيْشًا آخَرَ صُحْبَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَثَالِثًا صُحْبَةَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى بِلَادِ مِصْرَ، فَفَتَحَ اللَّهُ لِلْجَيْشِ الشَّامِيِّ فِي أَيَّامِهِ بُصرى وَدِمَشْقَ ومَخَاليفهما مِنْ بِلَادِ حَوران وَمَا وَالَاهَا، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. ومَنّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِأَنْ أَلْهَمَ الصَّدِّيقَ أَنِ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، فَقَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ قِيَامًا تَامًّا، لَمْ يَدُر الْفُلْكُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ [عَلَيْهِمُ السَّلَامُ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى مِثْلِهِ، فِي قُوَّةِ سِيرَتِهِ وَكَمَالِ عَدْلِهِ. وَتَمَّ فِي أَيَّامِهِ فَتْحُ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ بِكَمَالِهَا، وَدِيَارِ مِصْرَ إِلَى آخِرِهَا، وَأَكْثَرِ إِقْلِيمِ فَارِسَ، وكَسَّر كِسْرَى وَأَهَانَهُ غَايَةَ الْهَوَانِ، وَتَقَهْقَرَ إِلَى أَقْصَى مَمْلَكَتِهِ، وقَصَّر قَيْصَرَ، وَانْتَزَعَ يَدَهُ عَنْ بِلَادِ الشَّامِ فَانْحَازَ إِلَى قُسْطَنْطِينَةَ، وَأَنْفَقَ أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بِذَلِكَ وَوَعَدَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَتَمُّ سَلَامٍ وَأَزْكَى صَلَاةٍ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ الدَّوْلَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ، امْتَدَّتِ الْمَمَالِيكُ [[في جـ، أ: "الممالك".]] الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى أَقْصَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَفُتِحَتْ بِلَادُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَقْصَى مَا هُنَالِكَ: الْأَنْدَلُسُ، وَقُبْرُصُ، وَبِلَادُ الْقَيْرَوَانِ، وَبِلَادُ سَبْتَةَ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ، وَقُتِلَ كِسْرَى، وَبَادَ مُلْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَفُتِحَتْ مَدَائِنُ الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانُ، وَالْأَهْوَازُ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَخَذَلَ اللَّهُ مَلِكَهُمُ الْأَعْظَمَ خَاقَانَ، وجُبي الْخَرَاجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِلَى حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ تِلَاوَتِهِ وَدِرَاسَتِهِ وَجَمْعِهِ الْأُمَّةَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوي لِيَ مِنْهَا" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان، رضي الله عنه.]] فَهَا نَحْنُ نَتَقَلَّبُ فِيمَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَنَسْأَلُ [[في ف: "ونسأل".]] اللَّهَ الْإِيمَانَ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ، وَالْقِيَامَ بِشُكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنَّا.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَنِّي [[في ف، أ: "علي".]] فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢١) وصحيح البخاري برقم (٧٢٢٢) .]]
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَشِيَّةَ رَجَمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، وَذَكَرَ مَعَهُ أَحَادِيثَ أُخَرَ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٢) .]]
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً عَادِلًا وَلَيْسُوا هُمْ بِأَئِمَّةِ الشِّيعَةِ الِاثْنَيْ عَشْرَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أُولَئِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، يَلُون فَيَعْدِلُونَ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعِينَ، بَلْ يَكُونُ وُجُودُهُمْ فِي الْأُمَّةِ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا، وَقَدْ وُجِد مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْوَلَاءِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. ثُمَّ كَانَتْ [[في ف، أ: "كان".]] بَعْدَهُمْ [[في ف، أ: "بينهم".]] فَتْرَةٌ، ثُمَّ وُجِد مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَدْ يُوجَد مِنْهُمْ مَن بَقِيَ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وَمِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يُطَابِقُ اسْمُهُ اسْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتَهُ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُمْهان، عَنْ سَفِينة -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في ف، أ: "عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال" والمثبت من المسند وسنني أبي داود والترمذي.]] : الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سنة، ثم يَكُونُ مُلْكًا عَضُوضا" [[المسند (٥/٢٢٠) وسنن أبي داود برقم (٤٦٤٦) وسنن الترمذي برقم (٢٢٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٥٥) وقال الترمذي: "حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سعيد بن جمهان" ولم ترد لفظة: "عضوض" في هذه المصادر، وإنما وردت في حديث آخر عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إن الله تعالى بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأمة ... الحديث" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٥٩) .]] .
وَقَالَ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [[في ف: "لنستخلفنهم".]] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ [[في ف، أ: " بمكة وأصحابة".]] نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ سرًّا وَهُمْ خَائِفُونَ، لَا يُؤْمَرُونَ بِالْقِتَالِ، حَتَّى أُمِرُوا بعدُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْقِتَالِ، فَكَانُوا بِهَا خَائِفِينَ يُمْسُون فِي السِّلَاحِ ويصبحون في السلاح، فَغَيَّرُوا [[في ف: "فصبروا" وفي أ: "فعيروا".]] بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ [[في ف، أ: "الصحابة".]] قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أبدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا؟ أَمَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ عَنَّا [فِيهِ] [[زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥.]] السِّلَاحَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَنْ تَغْبروا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلَأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمِنُوا وَوَضَعُوا السِّلَاحَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَبَضَ نَبِيَّهُ ﷺ فَكَانُوا كَذَلِكَ آمِنِينَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ حَتَّى وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا، فَأَدْخَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٥.]] عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ فَاتَّخَذُوا الحَجَزَةَ وَالشُّرَطَ وغَيّروا، فَغُيَّر بِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَقٌّ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَحْنُ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥، ٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ، حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ: "أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ " قَالَ [[في ف: "قلت له".]] : لَمْ أَعْرِفْهَا، وَلَكِنْ قَدْ [[في ف، أ: "لم أرها وقد"]] سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ليُتمنّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الحِيرَة حتى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَتَفْتَحُنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ". قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وليُبذَلَنّ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ الْحِيرَةِ فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ [[في أ: "فتح".]] كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَهَا [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٩٥) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بالسَّناء وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمِنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ" [[المسند (٥/١٣٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَا [[في أ: "بينما".]] أَنَا رَدِيفُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةَ الرَّحْل، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْديك. قَالَ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. [ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ"] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] . قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ"؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " [فَإِنَّ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "فَهَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ"؟، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ [[المسند (٥/٢٤٢) وصحيح البخاري برقم (٥٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (٣٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَكَفَى بِذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا. فَالصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَمَّا كَانُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَوَامِرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَطْوَعَهُمْ لِلَّهِ -كَانَ نَصْرُهُمْ بِحَسَبِهِمْ، وَأَظْهَرُوا كَلِمَةَ اللَّهِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَأَيَّدَهُمْ تَأْيِيدًا عَظِيمًا، وَتَحَكَّمُوا فِي سَائِرِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ. وَلَمَّا قَصَّر النَّاسُ بَعْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ، نَقُصَ ظُهُورُهُمْ بِحَسَبِهِمْ، وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خالفهم إلى اليوم [[في ف، أ: "يوم".]] الْقِيَامَةِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ [[في ف، أ: "على ذلك".]] ". وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يُقَاتِلُوا الدَّجَّالَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وهم ظاهرون". وكل هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا.
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَهِيَ: الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ ضُعَفَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي ذَلِكَ مُطِيعِينَ لِلرَّسُولِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَيْ: سَالِكِينَ وَرَاءَهُ فِيمَا بِهِ أَمْرَهُمْ، وَتَارِكِينَ [[في ف: "وترك".]] مَا عَنْهُ زَجَرَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُهُمْ بِذَلِكَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَيَرْحَمُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] .
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أَيْ: [لَا تَظُنَّ] [[زيادة من ف، أ.]] يَا مُحَمَّدُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ، ﴿مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، بَلِ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَذَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَآلُ مآلُ الْكَافِرِينَ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَهِيَ: الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ ضُعَفَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي ذَلِكَ مُطِيعِينَ لِلرَّسُولِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَيْ: سَالِكِينَ وَرَاءَهُ فِيمَا بِهِ أَمْرَهُمْ، وَتَارِكِينَ [[في ف: "وترك".]] مَا عَنْهُ زَجَرَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُهُمْ بِذَلِكَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَيَرْحَمُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] .
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أَيْ: [لَا تَظُنَّ] [[زيادة من ف، أ.]] يَا مُحَمَّدُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ، ﴿مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، بَلِ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَذَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَآلُ مآلُ الْكَافِرِينَ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمَا تقدَّم فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَهُوَ اسْتِئْذَانُ الْأَجَانِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يستأذنَهم خَدَمُهم مِمَّا ملكَت أَيْمَانُهُمْ وَأَطْفَالُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِذْ ذَاكَ يَكُونُونَ نِيَامًا فِي فُرُشِهِمْ ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أَيْ: فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَضَعُ ثِيَابَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَعَ أَهْلِهِ، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، فيُؤمَرُ الخدمُ وَالْأَطْفَالُ أَلَّا يهجمُوا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِمَا يُخْشَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا دَخَلُوا فِي حَالٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَمْكِينِكُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَلَيْهِمْ إِنْ رَأَوْا شَيْئًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهُجُومِ، وَلِأَنَّهُمْ ﴿طَوَّافُونَ﴾ عَلَيْكُمْ، أَيْ: فِي الْخِدْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُغْتَفَرُ فِي الطَّوَّافِينَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَهْلُ السُّنَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الهِرَّة: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بنجَس؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ -أَوْ -وَالطَّوَّافَاتِ" [[الموطأ (١/٢٣) والمسند (٥/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٧٥) وسنن الترمذي برقم (٩٢) وسنن النسائي (١/٥٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٦٧) .]] .
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةً وَلَمْ تُنْسَخْ بِشَيْءٍ، وَكَانَ عَمَلُ النَّاسِ بِهَا قَلِيلًا جَدًّا، أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ النَّاسُ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ [مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاءِ: ٨] ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣]
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ -وَهُوَ ضَعِيفٌ -عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَلَبَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنُ عَبْدَةَ -وَهَذَا حَدِيثُهُ -أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا أَكْثَرُ [[في ف، أ: "كثير من".]] النَّاسِ -آيَةَ الْإِذْنِ -وَإِنِّي لَآمُرُ جَارِيَتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩١) .]] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، قَالَ: لَمْ تُنْسَخْ. قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا. فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمرو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ فِي الثَّلَاثِ عَوْرَاتٍ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ ستِّير يُحِبُّ السَّتْرَ، كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لَهُمْ سُتُورٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ وَلَا حِجال فِي بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرجلَ خادمُه أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ فِي حجره، وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ الَّتِي سمَّى اللَّهُ. ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ [[في ف: "بعده بالستور" وفي أ: "بعده الستر".]] ، فَبَسَطَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٦.]] عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَاتَّخَذُوا السُّتُورَ وَاتَّخَذُوا الحِجَال، فَرَأَى النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفَاهُمْ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩٢) .]] .
وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يُحِبُّونَ أَنَّ يُوَاقعوا نِسَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ لِيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرُوا الْمَمْلُوكَيْنِ وَالْغِلْمَانَ أَلَّا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ إِلَّا بِإِذْنٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ مُرْشدة صَنَعَا لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَقْبَحَ هَذَا! إِنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَزَوجِهَا وَهُمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، غُلَامُهُمَا بِغَيْرِ إِذَنٍ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿. وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ إِنَّمَا كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ، إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجَانِبِهِمْ وَإِلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: إِذَا كَانَ الْغُلَامُ رَبَاعِيًّا فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذَنَ الْكِبَارُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، ومُقَاتل بْنُ حَيَّان، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: هُنَّ اللَّوَاتِي انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ وَيَئِسْنَ مِنَ الْوَلَدِ، ﴿اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أَيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُنَّ تَشوُّف إِلَى التَّزْوِيجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرَجِ فِي التَّسَتُّرِ كَمَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣١] فَنَسَخَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الْآيَةَ [[سنن أبي داود برقم (٤١١١) .]]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب، أو الرِّدَاءُ: وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ [[في أ: "الشعبي".]] وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: تَضَعُ الْجِلْبَابَ، وَتَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر وَغَيْرُهُ، فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ" وَهُوَ الْجِلْبَابُ مِنْ فَوْقِ الْخِمَارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعْنَ عِنْدَ غَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا خِمَارٌ صَفيق.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يَقُولُ: لَا يَتَبَرَّجْنَ بِوَضْعِ الْجِلْبَابِ، أَنْ يُرَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، [حَدَّثَنِي سَوَّار بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَتْنَا طَلْحَةُ بنت عاصم، عن أم المصاعن، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: دخلت عليّ] [[زيادة من ف، أ.]] فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَقُولِينَ فِي الْخِضَابِ، وَالنِّفَاضِ، وَالصِّبَاغِ، والقُرطين، وَالْخَلْخَالِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَثِيَابِ الرِّقَاقِ؟ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، قِصَّتُكُنَّ [[في أ: "فصلن".]] كُلُّهُا وَاحِدَةٌ، أَحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ. أَيْ: لَا يَحِلُّ لَكُنَّ أَنْ يَرَوْا مِنْكُنَّ مُحَرَّمًا.
وَقَالَ السَّدِّيُّ: كَانَ شَرِيكٌ لِي يُقَالُ لَهُ: "مُسْلِمٌ"، وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى السُّوقِ وَأَثَرُ الْحِنَّاءِ فِي يَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ خَضَب رَأْسَ مَوْلَاتِهِ -وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ -فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَدْخَلَتُكَ عَلَيْهَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ مُسْلِمًا حَدَّثَنِي أَنَّهُ خَضَّبَ رَأْسَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا بُنَيَّ، إِنِّي مِنَ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا سَمِعْتَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أَيْ: وَتَرْكُ وَضْعِهِنَّ لِثِيَابِهِنَّ -وَإِنْ كَانَ جَائِزًا -خَيْرٌ وَأَفْضَلُ لَهُنَّ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمَا تقدَّم فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَهُوَ اسْتِئْذَانُ الْأَجَانِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يستأذنَهم خَدَمُهم مِمَّا ملكَت أَيْمَانُهُمْ وَأَطْفَالُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِذْ ذَاكَ يَكُونُونَ نِيَامًا فِي فُرُشِهِمْ ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أَيْ: فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَضَعُ ثِيَابَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَعَ أَهْلِهِ، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، فيُؤمَرُ الخدمُ وَالْأَطْفَالُ أَلَّا يهجمُوا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِمَا يُخْشَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا دَخَلُوا فِي حَالٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَمْكِينِكُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَلَيْهِمْ إِنْ رَأَوْا شَيْئًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهُجُومِ، وَلِأَنَّهُمْ ﴿طَوَّافُونَ﴾ عَلَيْكُمْ، أَيْ: فِي الْخِدْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُغْتَفَرُ فِي الطَّوَّافِينَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَهْلُ السُّنَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الهِرَّة: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بنجَس؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ -أَوْ -وَالطَّوَّافَاتِ" [[الموطأ (١/٢٣) والمسند (٥/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٧٥) وسنن الترمذي برقم (٩٢) وسنن النسائي (١/٥٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٦٧) .]] .
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةً وَلَمْ تُنْسَخْ بِشَيْءٍ، وَكَانَ عَمَلُ النَّاسِ بِهَا قَلِيلًا جَدًّا، أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ النَّاسُ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ [مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاءِ: ٨] ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣]
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ -وَهُوَ ضَعِيفٌ -عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَلَبَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنُ عَبْدَةَ -وَهَذَا حَدِيثُهُ -أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا أَكْثَرُ [[في ف، أ: "كثير من".]] النَّاسِ -آيَةَ الْإِذْنِ -وَإِنِّي لَآمُرُ جَارِيَتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩١) .]] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، قَالَ: لَمْ تُنْسَخْ. قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا. فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمرو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ فِي الثَّلَاثِ عَوْرَاتٍ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ ستِّير يُحِبُّ السَّتْرَ، كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لَهُمْ سُتُورٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ وَلَا حِجال فِي بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرجلَ خادمُه أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ فِي حجره، وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ الَّتِي سمَّى اللَّهُ. ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ [[في ف: "بعده بالستور" وفي أ: "بعده الستر".]] ، فَبَسَطَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٦.]] عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَاتَّخَذُوا السُّتُورَ وَاتَّخَذُوا الحِجَال، فَرَأَى النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفَاهُمْ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩٢) .]] .
وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يُحِبُّونَ أَنَّ يُوَاقعوا نِسَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ لِيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرُوا الْمَمْلُوكَيْنِ وَالْغِلْمَانَ أَلَّا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ إِلَّا بِإِذْنٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ مُرْشدة صَنَعَا لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَقْبَحَ هَذَا! إِنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَزَوجِهَا وَهُمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، غُلَامُهُمَا بِغَيْرِ إِذَنٍ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿. وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ إِنَّمَا كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ، إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجَانِبِهِمْ وَإِلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: إِذَا كَانَ الْغُلَامُ رَبَاعِيًّا فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذَنَ الْكِبَارُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، ومُقَاتل بْنُ حَيَّان، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: هُنَّ اللَّوَاتِي انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ وَيَئِسْنَ مِنَ الْوَلَدِ، ﴿اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أَيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُنَّ تَشوُّف إِلَى التَّزْوِيجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرَجِ فِي التَّسَتُّرِ كَمَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣١] فَنَسَخَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الْآيَةَ [[سنن أبي داود برقم (٤١١١) .]]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب، أو الرِّدَاءُ: وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ [[في أ: "الشعبي".]] وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: تَضَعُ الْجِلْبَابَ، وَتَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر وَغَيْرُهُ، فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ" وَهُوَ الْجِلْبَابُ مِنْ فَوْقِ الْخِمَارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعْنَ عِنْدَ غَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا خِمَارٌ صَفيق.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يَقُولُ: لَا يَتَبَرَّجْنَ بِوَضْعِ الْجِلْبَابِ، أَنْ يُرَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، [حَدَّثَنِي سَوَّار بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَتْنَا طَلْحَةُ بنت عاصم، عن أم المصاعن، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: دخلت عليّ] [[زيادة من ف، أ.]] فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَقُولِينَ فِي الْخِضَابِ، وَالنِّفَاضِ، وَالصِّبَاغِ، والقُرطين، وَالْخَلْخَالِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَثِيَابِ الرِّقَاقِ؟ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، قِصَّتُكُنَّ [[في أ: "فصلن".]] كُلُّهُا وَاحِدَةٌ، أَحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ. أَيْ: لَا يَحِلُّ لَكُنَّ أَنْ يَرَوْا مِنْكُنَّ مُحَرَّمًا.
وَقَالَ السَّدِّيُّ: كَانَ شَرِيكٌ لِي يُقَالُ لَهُ: "مُسْلِمٌ"، وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى السُّوقِ وَأَثَرُ الْحِنَّاءِ فِي يَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ خَضَب رَأْسَ مَوْلَاتِهِ -وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ -فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَدْخَلَتُكَ عَلَيْهَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ مُسْلِمًا حَدَّثَنِي أَنَّهُ خَضَّبَ رَأْسَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا بُنَيَّ، إِنِّي مِنَ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا سَمِعْتَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أَيْ: وَتَرْكُ وَضْعِهِنَّ لِثِيَابِهِنَّ -وَإِنْ كَانَ جَائِزًا -خَيْرٌ وَأَفْضَلُ لَهُنَّ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمَا تقدَّم فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَهُوَ اسْتِئْذَانُ الْأَجَانِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يستأذنَهم خَدَمُهم مِمَّا ملكَت أَيْمَانُهُمْ وَأَطْفَالُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِذْ ذَاكَ يَكُونُونَ نِيَامًا فِي فُرُشِهِمْ ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أَيْ: فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَضَعُ ثِيَابَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَعَ أَهْلِهِ، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، فيُؤمَرُ الخدمُ وَالْأَطْفَالُ أَلَّا يهجمُوا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِمَا يُخْشَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا دَخَلُوا فِي حَالٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَمْكِينِكُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَلَيْهِمْ إِنْ رَأَوْا شَيْئًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهُجُومِ، وَلِأَنَّهُمْ ﴿طَوَّافُونَ﴾ عَلَيْكُمْ، أَيْ: فِي الْخِدْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُغْتَفَرُ فِي الطَّوَّافِينَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَهْلُ السُّنَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الهِرَّة: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بنجَس؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ -أَوْ -وَالطَّوَّافَاتِ" [[الموطأ (١/٢٣) والمسند (٥/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٧٥) وسنن الترمذي برقم (٩٢) وسنن النسائي (١/٥٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٦٧) .]] .
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةً وَلَمْ تُنْسَخْ بِشَيْءٍ، وَكَانَ عَمَلُ النَّاسِ بِهَا قَلِيلًا جَدًّا، أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ النَّاسُ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ [مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاءِ: ٨] ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣]
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ -وَهُوَ ضَعِيفٌ -عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَلَبَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنُ عَبْدَةَ -وَهَذَا حَدِيثُهُ -أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا أَكْثَرُ [[في ف، أ: "كثير من".]] النَّاسِ -آيَةَ الْإِذْنِ -وَإِنِّي لَآمُرُ جَارِيَتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩١) .]] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، قَالَ: لَمْ تُنْسَخْ. قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا. فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمرو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ فِي الثَّلَاثِ عَوْرَاتٍ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ ستِّير يُحِبُّ السَّتْرَ، كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لَهُمْ سُتُورٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ وَلَا حِجال فِي بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرجلَ خادمُه أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ فِي حجره، وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ الَّتِي سمَّى اللَّهُ. ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ [[في ف: "بعده بالستور" وفي أ: "بعده الستر".]] ، فَبَسَطَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ، والدر المنثور ٥/٥٦.]] عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَاتَّخَذُوا السُّتُورَ وَاتَّخَذُوا الحِجَال، فَرَأَى النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفَاهُمْ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرو بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٩٢) .]] .
وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يُحِبُّونَ أَنَّ يُوَاقعوا نِسَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ لِيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرُوا الْمَمْلُوكَيْنِ وَالْغِلْمَانَ أَلَّا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ إِلَّا بِإِذْنٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: بَلَغَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ مُرْشدة صَنَعَا لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَقْبَحَ هَذَا! إِنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَزَوجِهَا وَهُمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، غُلَامُهُمَا بِغَيْرِ إِذَنٍ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [ثَلاثَ مَرَّاتٍ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿. وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ إِنَّمَا كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ، إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجَانِبِهِمْ وَإِلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: إِذَا كَانَ الْغُلَامُ رَبَاعِيًّا فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذَنَ الْكِبَارُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، ومُقَاتل بْنُ حَيَّان، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: هُنَّ اللَّوَاتِي انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ وَيَئِسْنَ مِنَ الْوَلَدِ، ﴿اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أَيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُنَّ تَشوُّف إِلَى التَّزْوِيجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرَجِ فِي التَّسَتُّرِ كَمَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٣١] فَنَسَخَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الْآيَةَ [[سنن أبي داود برقم (٤١١١) .]]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب، أو الرِّدَاءُ: وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ [[في أ: "الشعبي".]] وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: تَضَعُ الْجِلْبَابَ، وَتَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر وَغَيْرُهُ، فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ" وَهُوَ الْجِلْبَابُ مِنْ فَوْقِ الْخِمَارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعْنَ عِنْدَ غَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا خِمَارٌ صَفيق.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يَقُولُ: لَا يَتَبَرَّجْنَ بِوَضْعِ الْجِلْبَابِ، أَنْ يُرَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، [حَدَّثَنِي سَوَّار بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَتْنَا طَلْحَةُ بنت عاصم، عن أم المصاعن، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: دخلت عليّ] [[زيادة من ف، أ.]] فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَقُولِينَ فِي الْخِضَابِ، وَالنِّفَاضِ، وَالصِّبَاغِ، والقُرطين، وَالْخَلْخَالِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَثِيَابِ الرِّقَاقِ؟ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، قِصَّتُكُنَّ [[في أ: "فصلن".]] كُلُّهُا وَاحِدَةٌ، أَحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ. أَيْ: لَا يَحِلُّ لَكُنَّ أَنْ يَرَوْا مِنْكُنَّ مُحَرَّمًا.
وَقَالَ السَّدِّيُّ: كَانَ شَرِيكٌ لِي يُقَالُ لَهُ: "مُسْلِمٌ"، وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى السُّوقِ وَأَثَرُ الْحِنَّاءِ فِي يَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ خَضَب رَأْسَ مَوْلَاتِهِ -وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ -فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَدْخَلَتُكَ عَلَيْهَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ مُسْلِمًا حَدَّثَنِي أَنَّهُ خَضَّبَ رَأْسَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا بُنَيَّ، إِنِّي مِنَ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا سَمِعْتَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أَيْ: وَتَرْكُ وَضْعِهِنَّ لِثِيَابِهِنَّ -وَإِنْ كَانَ جَائِزًا -خَيْرٌ وَأَفْضَلُ لَهُنَّ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.