Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah Al-Furqaan
Tafsir Ibn Kathir · The Criterion · 77 ayat · ayat 61–77 · Quran text →
يَقُولُ تَعَالَى مُمَجِّدًا نَفْسَهُ، وَمُعَظِّمًا عَلَى جَمِيلِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْبُرُوجِ -وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبير، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَقِيلَ: هِيَ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ لِلْحَرَسِ، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مِهْران الْأَعْمَشِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ هِيَ قُصُورٌ لِلْحَرَسِ، فَيَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الْمُلْكِ: ٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ وَهِيَ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ، الَّتِي هِيَ كَالسِّرَاجِ فِي الْوُجُودِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٣] .
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أَيْ: مُضِيئًا مُشْرِقًا بِنُورٍ آخَرَ وَنَوْعٍ وَفَنٍّ آخَرَ، غَيْرِ نُورِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ -١٦] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أَيْ: يَخْلُفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، يَتَعَاقَبَانِ لَا يَفْتُرَانِ. إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا، وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ ذَاكَ [[في أ: "هذا".]] ، كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] ، وَقَالَ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَقَالَ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [[في أ: "نشورا" وهو خطأ.]] أَيْ: جَعَلَهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، تَوْقِيتًا لِعِبَادَةِ عِبَادِهِ لَهُ، فَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي اللَّيْلِ اسْتَدْرَكَهُ فِي النَّهَارِ، وَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي النَّهَارِ اسْتَدْرَكَهُ فِي اللَّيْلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٥٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو حُرّة [[في أ: "أبو حمزة".]] عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَطَالَ صَلَاةَ الضُّحَى، فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ وِرْدِي شَيْءٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهُ -أَوْ قَالَ: أَقْضِيهِ -وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [[وهذا منقطع، فالحسن لم يسمع من عمر.]] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [[زيادة من ف، أ.]] ] يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أَنْ يَعْمَلَهُ، أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ، أَوْ مِنَ النَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَالْحَسَنُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿خِلْفَة﴾ أَيْ: مُخْتَلِفَيْنِ، هَذَا بِسَوَادِهِ، وَهَذَا بِضِيَائِهِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُمَجِّدًا نَفْسَهُ، وَمُعَظِّمًا عَلَى جَمِيلِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْبُرُوجِ -وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبير، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَقِيلَ: هِيَ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ لِلْحَرَسِ، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مِهْران الْأَعْمَشِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ هِيَ قُصُورٌ لِلْحَرَسِ، فَيَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الْمُلْكِ: ٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ وَهِيَ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ، الَّتِي هِيَ كَالسِّرَاجِ فِي الْوُجُودِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٣] .
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أَيْ: مُضِيئًا مُشْرِقًا بِنُورٍ آخَرَ وَنَوْعٍ وَفَنٍّ آخَرَ، غَيْرِ نُورِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ -١٦] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أَيْ: يَخْلُفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، يَتَعَاقَبَانِ لَا يَفْتُرَانِ. إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا، وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ ذَاكَ [[في أ: "هذا".]] ، كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] ، وَقَالَ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَقَالَ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [[في أ: "نشورا" وهو خطأ.]] أَيْ: جَعَلَهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، تَوْقِيتًا لِعِبَادَةِ عِبَادِهِ لَهُ، فَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي اللَّيْلِ اسْتَدْرَكَهُ فِي النَّهَارِ، وَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي النَّهَارِ اسْتَدْرَكَهُ فِي اللَّيْلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٥٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو حُرّة [[في أ: "أبو حمزة".]] عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَطَالَ صَلَاةَ الضُّحَى، فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ وِرْدِي شَيْءٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهُ -أَوْ قَالَ: أَقْضِيهِ -وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [[وهذا منقطع، فالحسن لم يسمع من عمر.]] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [[زيادة من ف، أ.]] ] يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أَنْ يَعْمَلَهُ، أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ، أَوْ مِنَ النَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَالْحَسَنُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿خِلْفَة﴾ أَيْ: مُخْتَلِفَيْنِ، هَذَا بِسَوَادِهِ، وَهَذَا بِضِيَائِهِ.
سب
هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .
وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
سب
هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .
وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
سب
هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .
وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
سب
هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .
وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
سب
هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .
وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ: الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجعل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعم مَعَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تزاني حَلِيلَةَ جَارِكَ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّاد بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٠) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٨) .]] .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ -زَادَ الْبُخَارِيُّ: وَوَاصِلٍ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ أَبِي مَيْسَرة عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَفْظُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ الْحَدِيثَ.
طَرِيقٌ غَرِيبٌ: وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى نَشَز مِنَ الْأَرْضِ، وَقَعَدْتُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَوَجْهِي حِيَالَ رُكْبَتَيْهِ، وَاغْتَنَمْتُ [[في ف: "فاغتنمت".]] خَلْوَتَهُ وَقُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ [[في أ: "الذنب".]] أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ".قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ [[في أ: "أي".]] قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . [إِلَى آخِرِ] [[زيادة من أ.]] الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ -فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" [[النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٣٧٣) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [[في ف، أ: "سعيد".]] الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا طيبة الكَلاعي، سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَى"؟ قَالُوا: حَرّمه اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَام إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ"؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: "لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" [[المسند (٦/٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٨) "رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطفة وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِم لا يحل له" [[الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) "وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف" أ. هـ مستفادا من كلام المحقق الفاضل محمد الحمود.]] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ [[في أ: "يحدثه".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وزَنَوا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا [[في أ: "أن لنا إن عملنا".]] كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [الزُّمَرِ: ٥٣] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي فَاخِتة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكَ أَنْ تَعْبُدَ الْمَخْلُوقَ وَتَدَعَ الْخَالِقَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ وَتَغْذُوَ كَلْبَكَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٧٧) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: "عن أبي قتادة" فإن كان كذلك فهو موصول، وإن كان كما هو مثبت هنا فهو مرسل، ولم يتبين لي الصواب منهما، والله أعلم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَثَامًا﴾ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَوْدِيَةٌ فِي جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا الزُّنَاةُ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ قَتادَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نَكَالًا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالزِّنَى، فَإِنَّ أَوَّلَهُ مَخَافَةٌ، وَآخِرَهُ نَدَامَةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا -أَنَّ "غَيًّا" وَ"أَثَامًا" بِئْرَانِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ [[تفسير الطبري (١٩/٢٩) .]] أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ : جَزَاءً.
وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أَيْ: حَقِيرًا ذَلِيلًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا﴾ [[زيادة من ف، وهو الصواب.]] أَيْ: جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ فِي الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ [[في ف: "إلى الله في الدنيا".]] مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَلَا تَعَارُضَ [[في أ: "ولا معارض".]] بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فإن هذه وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨،١١٦] .
وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، كَانُوا مِنْ قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فحوَّلهم إِلَى الْحَسَنَاتِ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا [[في أ: "صريفا".]] وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا [[البيت في تفسير الطبري (١٩/٣٠) .]]
يَعْنِي: تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذَا فِي الدُّنْيَا [[في أ: "هذا يكون في الدنيا".]] ، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةٍ قَبِيحَةٍ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَبْدَلَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَأَبْدَلَهُمْ [[في ف: "وبدلهم".]] بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةَ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَسَنَاتٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ -قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: نَحّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ -لَا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فَيُقَالُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا". قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/١٧٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ [[في ف، أ: "عبدة".]] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِذَا نَامَ ابْنُ آدَمَ قَالَ الْمَلِكُ لِلشَّيْطَانِ: أَعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا، فَمَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ حَسَنَةٍ مَحَا بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مِنْ صَحِيفَةِ الشَّيْطَانِ، وَكَتَبَهُنَّ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكَبِّرْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، وَيَحْمَدْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَيُسَبِّحْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٣/٢٩٦) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُعْطَى رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَحِيفَتَهُ فَيَقْرَأُ أَعْلَاهَا، فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ [[في أ: "إساءته".]] ، فَإِذَا كَادَ [[في أ: "كان".]] يَسُوءُ ظَنُّهُ نَظَرَ [[في أ: "ينظر".]] فِي أَسْفَلِهَا فَإِذَا حَسَنَاتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو العَنْبَس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ [[في أ: "أناس".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ الْخَائِفِينَ، ثُمَّ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. قُلْتُ: لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ الْيَمِينِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ [[في أ: "بالحسنات".]] وَالسَّيِّئَاتِ، فَأُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، فَقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَرْفًا حَرْفًا -قَالُوا: يَا رَبَّنَا، هَذِهِ سَيِّئَاتُنَا، فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ وَجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: (هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) ، فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: يَغْفِرُهَا لَهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَنَاتٍ: [رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مسلم، حَدَّثَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ [[في أ: "أسقطت".]] حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةَ إِلَّا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ: "أسلمتَ؟ " قَالَ [[في أ: "فقال".]] : أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ [[في أ: "وأشهد أن".]] مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبْدِّلٌ [[في أ: "ويبدل".]] سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فَقَالَ: "وغَدرَاتك وفَجَراتك". فَوَلّى الرَّجُلُ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ [[في ف، أ: "يكبر ويهلل".]] [[وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٨٤) من طريق نوح بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٢) : "رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا".]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ -شَطْب -أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: "أسلمتَ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَافْعَلِ الْخَيِّرَاتِ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلَهَا [[في ف، أ: "فيجعلهم".]] اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا". قَالَ: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: "روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره".]] .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَروة الرِّهَاوِيِّ، عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الحِمْصي، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ مَرْفُوعًا [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) : "في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات".]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ فُلَيْح الشَّمَّاسِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [[في هـ، ف، أ: "عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري.]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ إِنِّي زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَقَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ [[في أ: "فقال".]] لَا وَلَا نَعمت الْعَيْنُ وَلَا كَرَامَةَ. فَقَامَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ وَمَا قَلْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِئْسَمَا قُلْتَ! أَمَا كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا. فخرَّت سَاجِدَةً وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعرف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابن جرير من حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الحزَامي بِسَنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَهُ: فَخَرَجَتْ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَتَقُولُ: يَا حَسْرَتَا! أَخَلَقَ هَذَا الْحُسْنَ لِلنَّارِ؟ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَطَلَّبها [[في ف: "فطلبها".]] فِي جَمِيعِ دُورِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ جَاءَتْهُ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَّتْ سَاجِدَةً، وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا وَتَوْبَةً مِمَّا عَمِلْتُ. وَأَعْتَقَتْ جَارِيَةً كَانَتْ مَعَهَا وَابْنَتُهَا، وَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[تفسير الطبري (١٩/٢٧) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/٢٧٩) وقال السيوطي: "إسناده ضعيف".]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ [[في أ: "لعباده".]] وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ: فَقَالَ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ [[في أ: "يتقبل".]] تَوْبَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٠] ، وَقَالَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ، وقال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] ،أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ: الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجعل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعم مَعَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تزاني حَلِيلَةَ جَارِكَ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّاد بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٠) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٨) .]] .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ -زَادَ الْبُخَارِيُّ: وَوَاصِلٍ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ أَبِي مَيْسَرة عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَفْظُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ الْحَدِيثَ.
طَرِيقٌ غَرِيبٌ: وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى نَشَز مِنَ الْأَرْضِ، وَقَعَدْتُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَوَجْهِي حِيَالَ رُكْبَتَيْهِ، وَاغْتَنَمْتُ [[في ف: "فاغتنمت".]] خَلْوَتَهُ وَقُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ [[في أ: "الذنب".]] أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ".قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ [[في أ: "أي".]] قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . [إِلَى آخِرِ] [[زيادة من أ.]] الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ -فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" [[النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٣٧٣) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [[في ف، أ: "سعيد".]] الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا طيبة الكَلاعي، سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَى"؟ قَالُوا: حَرّمه اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَام إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ"؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: "لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" [[المسند (٦/٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٨) "رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطفة وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِم لا يحل له" [[الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) "وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف" أ. هـ مستفادا من كلام المحقق الفاضل محمد الحمود.]] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ [[في أ: "يحدثه".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وزَنَوا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا [[في أ: "أن لنا إن عملنا".]] كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [الزُّمَرِ: ٥٣] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي فَاخِتة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكَ أَنْ تَعْبُدَ الْمَخْلُوقَ وَتَدَعَ الْخَالِقَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ وَتَغْذُوَ كَلْبَكَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٧٧) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: "عن أبي قتادة" فإن كان كذلك فهو موصول، وإن كان كما هو مثبت هنا فهو مرسل، ولم يتبين لي الصواب منهما، والله أعلم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَثَامًا﴾ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَوْدِيَةٌ فِي جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا الزُّنَاةُ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ قَتادَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نَكَالًا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالزِّنَى، فَإِنَّ أَوَّلَهُ مَخَافَةٌ، وَآخِرَهُ نَدَامَةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا -أَنَّ "غَيًّا" وَ"أَثَامًا" بِئْرَانِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ [[تفسير الطبري (١٩/٢٩) .]] أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ : جَزَاءً.
وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أَيْ: حَقِيرًا ذَلِيلًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا﴾ [[زيادة من ف، وهو الصواب.]] أَيْ: جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ فِي الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ [[في ف: "إلى الله في الدنيا".]] مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَلَا تَعَارُضَ [[في أ: "ولا معارض".]] بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فإن هذه وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨،١١٦] .
وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، كَانُوا مِنْ قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فحوَّلهم إِلَى الْحَسَنَاتِ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا [[في أ: "صريفا".]] وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا [[البيت في تفسير الطبري (١٩/٣٠) .]]
يَعْنِي: تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذَا فِي الدُّنْيَا [[في أ: "هذا يكون في الدنيا".]] ، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةٍ قَبِيحَةٍ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَبْدَلَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَأَبْدَلَهُمْ [[في ف: "وبدلهم".]] بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةَ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَسَنَاتٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ -قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: نَحّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ -لَا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فَيُقَالُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا". قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/١٧٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ [[في ف، أ: "عبدة".]] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِذَا نَامَ ابْنُ آدَمَ قَالَ الْمَلِكُ لِلشَّيْطَانِ: أَعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا، فَمَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ حَسَنَةٍ مَحَا بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مِنْ صَحِيفَةِ الشَّيْطَانِ، وَكَتَبَهُنَّ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكَبِّرْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، وَيَحْمَدْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَيُسَبِّحْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٣/٢٩٦) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُعْطَى رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَحِيفَتَهُ فَيَقْرَأُ أَعْلَاهَا، فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ [[في أ: "إساءته".]] ، فَإِذَا كَادَ [[في أ: "كان".]] يَسُوءُ ظَنُّهُ نَظَرَ [[في أ: "ينظر".]] فِي أَسْفَلِهَا فَإِذَا حَسَنَاتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو العَنْبَس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ [[في أ: "أناس".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ الْخَائِفِينَ، ثُمَّ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. قُلْتُ: لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ الْيَمِينِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ [[في أ: "بالحسنات".]] وَالسَّيِّئَاتِ، فَأُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، فَقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَرْفًا حَرْفًا -قَالُوا: يَا رَبَّنَا، هَذِهِ سَيِّئَاتُنَا، فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ وَجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: (هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) ، فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: يَغْفِرُهَا لَهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَنَاتٍ: [رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مسلم، حَدَّثَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ [[في أ: "أسقطت".]] حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةَ إِلَّا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ: "أسلمتَ؟ " قَالَ [[في أ: "فقال".]] : أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ [[في أ: "وأشهد أن".]] مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبْدِّلٌ [[في أ: "ويبدل".]] سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فَقَالَ: "وغَدرَاتك وفَجَراتك". فَوَلّى الرَّجُلُ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ [[في ف، أ: "يكبر ويهلل".]] [[وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٨٤) من طريق نوح بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٢) : "رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا".]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ -شَطْب -أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: "أسلمتَ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَافْعَلِ الْخَيِّرَاتِ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلَهَا [[في ف، أ: "فيجعلهم".]] اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا". قَالَ: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: "روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره".]] .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَروة الرِّهَاوِيِّ، عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الحِمْصي، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ مَرْفُوعًا [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) : "في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات".]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ فُلَيْح الشَّمَّاسِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [[في هـ، ف، أ: "عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري.]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ إِنِّي زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَقَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ [[في أ: "فقال".]] لَا وَلَا نَعمت الْعَيْنُ وَلَا كَرَامَةَ. فَقَامَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ وَمَا قَلْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِئْسَمَا قُلْتَ! أَمَا كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا. فخرَّت سَاجِدَةً وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعرف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابن جرير من حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الحزَامي بِسَنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَهُ: فَخَرَجَتْ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَتَقُولُ: يَا حَسْرَتَا! أَخَلَقَ هَذَا الْحُسْنَ لِلنَّارِ؟ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَطَلَّبها [[في ف: "فطلبها".]] فِي جَمِيعِ دُورِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ جَاءَتْهُ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَّتْ سَاجِدَةً، وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا وَتَوْبَةً مِمَّا عَمِلْتُ. وَأَعْتَقَتْ جَارِيَةً كَانَتْ مَعَهَا وَابْنَتُهَا، وَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[تفسير الطبري (١٩/٢٧) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/٢٧٩) وقال السيوطي: "إسناده ضعيف".]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ [[في أ: "لعباده".]] وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ: فَقَالَ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ [[في أ: "يتقبل".]] تَوْبَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٠] ، وَقَالَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ، وقال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] ،أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ: الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجعل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعم مَعَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تزاني حَلِيلَةَ جَارِكَ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّاد بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٠) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٨) .]] .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ -زَادَ الْبُخَارِيُّ: وَوَاصِلٍ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ أَبِي مَيْسَرة عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَفْظُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ الْحَدِيثَ.
طَرِيقٌ غَرِيبٌ: وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى نَشَز مِنَ الْأَرْضِ، وَقَعَدْتُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَوَجْهِي حِيَالَ رُكْبَتَيْهِ، وَاغْتَنَمْتُ [[في ف: "فاغتنمت".]] خَلْوَتَهُ وَقُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ [[في أ: "الذنب".]] أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ".قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ [[في أ: "أي".]] قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . [إِلَى آخِرِ] [[زيادة من أ.]] الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ -فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" [[النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٣٧٣) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [[في ف، أ: "سعيد".]] الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا طيبة الكَلاعي، سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَى"؟ قَالُوا: حَرّمه اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَام إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ"؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: "لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" [[المسند (٦/٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٨) "رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطفة وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِم لا يحل له" [[الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) "وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف" أ. هـ مستفادا من كلام المحقق الفاضل محمد الحمود.]] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ [[في أ: "يحدثه".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وزَنَوا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا [[في أ: "أن لنا إن عملنا".]] كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [الزُّمَرِ: ٥٣] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي فَاخِتة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكَ أَنْ تَعْبُدَ الْمَخْلُوقَ وَتَدَعَ الْخَالِقَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ وَتَغْذُوَ كَلْبَكَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٧٧) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: "عن أبي قتادة" فإن كان كذلك فهو موصول، وإن كان كما هو مثبت هنا فهو مرسل، ولم يتبين لي الصواب منهما، والله أعلم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَثَامًا﴾ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَوْدِيَةٌ فِي جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا الزُّنَاةُ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ قَتادَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نَكَالًا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالزِّنَى، فَإِنَّ أَوَّلَهُ مَخَافَةٌ، وَآخِرَهُ نَدَامَةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا -أَنَّ "غَيًّا" وَ"أَثَامًا" بِئْرَانِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ [[تفسير الطبري (١٩/٢٩) .]] أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ : جَزَاءً.
وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أَيْ: حَقِيرًا ذَلِيلًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا﴾ [[زيادة من ف، وهو الصواب.]] أَيْ: جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ فِي الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ [[في ف: "إلى الله في الدنيا".]] مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَلَا تَعَارُضَ [[في أ: "ولا معارض".]] بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فإن هذه وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨،١١٦] .
وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، كَانُوا مِنْ قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فحوَّلهم إِلَى الْحَسَنَاتِ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا [[في أ: "صريفا".]] وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا [[البيت في تفسير الطبري (١٩/٣٠) .]]
يَعْنِي: تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذَا فِي الدُّنْيَا [[في أ: "هذا يكون في الدنيا".]] ، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةٍ قَبِيحَةٍ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَبْدَلَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَأَبْدَلَهُمْ [[في ف: "وبدلهم".]] بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةَ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَسَنَاتٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ -قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: نَحّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ -لَا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فَيُقَالُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا". قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/١٧٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ [[في ف، أ: "عبدة".]] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِذَا نَامَ ابْنُ آدَمَ قَالَ الْمَلِكُ لِلشَّيْطَانِ: أَعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا، فَمَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ حَسَنَةٍ مَحَا بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مِنْ صَحِيفَةِ الشَّيْطَانِ، وَكَتَبَهُنَّ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكَبِّرْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، وَيَحْمَدْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَيُسَبِّحْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٣/٢٩٦) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُعْطَى رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَحِيفَتَهُ فَيَقْرَأُ أَعْلَاهَا، فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ [[في أ: "إساءته".]] ، فَإِذَا كَادَ [[في أ: "كان".]] يَسُوءُ ظَنُّهُ نَظَرَ [[في أ: "ينظر".]] فِي أَسْفَلِهَا فَإِذَا حَسَنَاتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو العَنْبَس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ [[في أ: "أناس".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ الْخَائِفِينَ، ثُمَّ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. قُلْتُ: لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ الْيَمِينِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ [[في أ: "بالحسنات".]] وَالسَّيِّئَاتِ، فَأُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، فَقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَرْفًا حَرْفًا -قَالُوا: يَا رَبَّنَا، هَذِهِ سَيِّئَاتُنَا، فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ وَجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: (هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) ، فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: يَغْفِرُهَا لَهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَنَاتٍ: [رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مسلم، حَدَّثَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ [[في أ: "أسقطت".]] حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةَ إِلَّا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ: "أسلمتَ؟ " قَالَ [[في أ: "فقال".]] : أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ [[في أ: "وأشهد أن".]] مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبْدِّلٌ [[في أ: "ويبدل".]] سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فَقَالَ: "وغَدرَاتك وفَجَراتك". فَوَلّى الرَّجُلُ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ [[في ف، أ: "يكبر ويهلل".]] [[وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٨٤) من طريق نوح بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٢) : "رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا".]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ -شَطْب -أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: "أسلمتَ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَافْعَلِ الْخَيِّرَاتِ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلَهَا [[في ف، أ: "فيجعلهم".]] اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا". قَالَ: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: "روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره".]] .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَروة الرِّهَاوِيِّ، عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الحِمْصي، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ مَرْفُوعًا [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) : "في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات".]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ فُلَيْح الشَّمَّاسِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [[في هـ، ف، أ: "عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري.]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ إِنِّي زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَقَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ [[في أ: "فقال".]] لَا وَلَا نَعمت الْعَيْنُ وَلَا كَرَامَةَ. فَقَامَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ وَمَا قَلْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِئْسَمَا قُلْتَ! أَمَا كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا. فخرَّت سَاجِدَةً وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعرف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابن جرير من حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الحزَامي بِسَنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَهُ: فَخَرَجَتْ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَتَقُولُ: يَا حَسْرَتَا! أَخَلَقَ هَذَا الْحُسْنَ لِلنَّارِ؟ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَطَلَّبها [[في ف: "فطلبها".]] فِي جَمِيعِ دُورِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ جَاءَتْهُ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَّتْ سَاجِدَةً، وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا وَتَوْبَةً مِمَّا عَمِلْتُ. وَأَعْتَقَتْ جَارِيَةً كَانَتْ مَعَهَا وَابْنَتُهَا، وَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[تفسير الطبري (١٩/٢٧) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/٢٧٩) وقال السيوطي: "إسناده ضعيف".]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ [[في أ: "لعباده".]] وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ: فَقَالَ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ [[في أ: "يتقبل".]] تَوْبَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٠] ، وَقَالَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ، وقال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] ،أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ: الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجعل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعم مَعَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تزاني حَلِيلَةَ جَارِكَ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّاد بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٠) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٦٨) .]] .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ -زَادَ الْبُخَارِيُّ: وَوَاصِلٍ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ أَبِي مَيْسَرة عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَفْظُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ الْحَدِيثَ.
طَرِيقٌ غَرِيبٌ: وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ -حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى نَشَز مِنَ الْأَرْضِ، وَقَعَدْتُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَوَجْهِي حِيَالَ رُكْبَتَيْهِ، وَاغْتَنَمْتُ [[في ف: "فاغتنمت".]] خَلْوَتَهُ وَقُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذُّنُوبِ [[في أ: "الذنب".]] أَكْبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ".قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ [[في أ: "أي".]] قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . [إِلَى آخِرِ] [[زيادة من أ.]] الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ -فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" [[النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٣٧٣) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [[في ف، أ: "سعيد".]] الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا طيبة الكَلاعي، سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَى"؟ قَالُوا: حَرّمه اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَام إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ"؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: "لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" [[المسند (٦/٨) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٨) "رجاله ثقات".]] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطفة وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِم لا يحل له" [[الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) "وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف" أ. هـ مستفادا من كلام المحقق الفاضل محمد الحمود.]] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ [[في أ: "يحدثه".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وزَنَوا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا [[في أ: "أن لنا إن عملنا".]] كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ﴾ [[زيادة من ف، أ.]] [الزُّمَرِ: ٥٣] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي فَاخِتة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكَ أَنْ تَعْبُدَ الْمَخْلُوقَ وَتَدَعَ الْخَالِقَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ وَتَغْذُوَ كَلْبَكَ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٧٧) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: "عن أبي قتادة" فإن كان كذلك فهو موصول، وإن كان كما هو مثبت هنا فهو مرسل، ولم يتبين لي الصواب منهما، والله أعلم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَثَامًا﴾ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَوْدِيَةٌ فِي جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا الزُّنَاةُ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ قَتادَةُ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نَكَالًا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالزِّنَى، فَإِنَّ أَوَّلَهُ مَخَافَةٌ، وَآخِرَهُ نَدَامَةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا -أَنَّ "غَيًّا" وَ"أَثَامًا" بِئْرَانِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ [[تفسير الطبري (١٩/٢٩) .]] أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ : جَزَاءً.
وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أَيْ: حَقِيرًا ذَلِيلًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا﴾ [[زيادة من ف، وهو الصواب.]] أَيْ: جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ فِي الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ [[في ف: "إلى الله في الدنيا".]] مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَلَا تَعَارُضَ [[في أ: "ولا معارض".]] بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فإن هذه وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨،١١٦] .
وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، كَانُوا مِنْ قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فحوَّلهم إِلَى الْحَسَنَاتِ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا [[في أ: "صريفا".]] وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا [[البيت في تفسير الطبري (١٩/٣٠) .]]
يَعْنِي: تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذَا فِي الدُّنْيَا [[في أ: "هذا يكون في الدنيا".]] ، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةٍ قَبِيحَةٍ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَبْدَلَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَأَبْدَلَهُمْ [[في ف: "وبدلهم".]] بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةَ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَسَنَاتٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ -قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: نَحّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ -لَا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فَيُقَالُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا". قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٥/١٧٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ [[في ف، أ: "عبدة".]] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِذَا نَامَ ابْنُ آدَمَ قَالَ الْمَلِكُ لِلشَّيْطَانِ: أَعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا، فَمَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ حَسَنَةٍ مَحَا بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مِنْ صَحِيفَةِ الشَّيْطَانِ، وَكَتَبَهُنَّ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكَبِّرْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، وَيَحْمَدْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَيُسَبِّحْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٣/٢٩٦) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُعْطَى رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَحِيفَتَهُ فَيَقْرَأُ أَعْلَاهَا، فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ [[في أ: "إساءته".]] ، فَإِذَا كَادَ [[في أ: "كان".]] يَسُوءُ ظَنُّهُ نَظَرَ [[في أ: "ينظر".]] فِي أَسْفَلِهَا فَإِذَا حَسَنَاتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو العَنْبَس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ [[في أ: "أناس".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ الْخَائِفِينَ، ثُمَّ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. قُلْتُ: لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ الْيَمِينِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ [[في أ: "بالحسنات".]] وَالسَّيِّئَاتِ، فَأُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، فَقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَرْفًا حَرْفًا -قَالُوا: يَا رَبَّنَا، هَذِهِ سَيِّئَاتُنَا، فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ وَجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: (هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) ، فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قَالَ: فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: يَغْفِرُهَا لَهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَنَاتٍ: [رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مسلم، حَدَّثَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ [[في أ: "أسقطت".]] حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةَ إِلَّا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ: "أسلمتَ؟ " قَالَ [[في أ: "فقال".]] : أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ [[في أ: "وأشهد أن".]] مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبْدِّلٌ [[في أ: "ويبدل".]] سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فَقَالَ: "وغَدرَاتك وفَجَراتك". فَوَلّى الرَّجُلُ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ [[في ف، أ: "يكبر ويهلل".]] [[وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٨٤) من طريق نوح بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٢) : "رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا".]] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ -شَطْب -أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: "أسلمتَ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَافْعَلِ الْخَيِّرَاتِ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلَهَا [[في ف، أ: "فيجعلهم".]] اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا". قَالَ: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: "روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره".]] .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَروة الرِّهَاوِيِّ، عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الحِمْصي، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ مَرْفُوعًا [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) : "في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات".]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ فُلَيْح الشَّمَّاسِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [[في هـ، ف، أ: "عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري.]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ إِنِّي زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَقَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ [[في أ: "فقال".]] لَا وَلَا نَعمت الْعَيْنُ وَلَا كَرَامَةَ. فَقَامَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ. ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ وَمَا قَلْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِئْسَمَا قُلْتَ! أَمَا كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا. فخرَّت سَاجِدَةً وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعرف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابن جرير من حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الحزَامي بِسَنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَهُ: فَخَرَجَتْ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَتَقُولُ: يَا حَسْرَتَا! أَخَلَقَ هَذَا الْحُسْنَ لِلنَّارِ؟ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَطَلَّبها [[في ف: "فطلبها".]] فِي جَمِيعِ دُورِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ جَاءَتْهُ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَّتْ سَاجِدَةً، وَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا وَتَوْبَةً مِمَّا عَمِلْتُ. وَأَعْتَقَتْ جَارِيَةً كَانَتْ مَعَهَا وَابْنَتُهَا، وَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[تفسير الطبري (١٩/٢٧) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/٢٧٩) وقال السيوطي: "إسناده ضعيف".]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ [[في أ: "لعباده".]] وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ: فَقَالَ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ [[في أ: "يتقبل".]] تَوْبَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٠] ، وَقَالَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ، وقال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] ،أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ.
وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمْ: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قِيلَ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: الْكَذِبُ، وَالْفِسْقُ، وَاللَّغْوُ، وَالْبَاطِلُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: [هُوَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهْوُ وَالْغِنَاءُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَطَاوُسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُهُمْ: هِيَ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ [[في ف: "للمشركين".]] .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هِيَ مَجَالِسُ السُّوءِ وَالْخَنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: [شُرْبُ الْخَمْرِ] [[زيادة من ف، أ.]] لَا يَحْضُرُونَهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٨٠١) مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ جابر به مرفوعا، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه" ثم نقل كلام العلماء في تضعيف ليث بن أبي سليم.]] .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَيْ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهِيَ الكذب متعمدا على غيره، كَمَا [ثَبَتَ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ [[في ف، أ: "عن".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبر الْكَبَائِرِ" ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ [أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ] . [[زيادة من ف، أ.]] فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .
وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، أَيْ: لَا يَحْضُرُونَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مرُّوا، وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ [[في أ: "فيه شيء".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعِجْلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرة، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا [[في أ: "فلم يقف".]] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَمْسَى كَرِيمًا".
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في أ: "النبي".]] : " لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا" [[زيادة من ف، أ.]] . ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [[ورواه ابن عساكر كما في المختصر لابن منظور (١٤/٥٥) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ:٢] ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا يُقْصر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٤ -١٢٥] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أَيْ: بِخِلَافِ الْكَافِرِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أَصَمَّ أَعْمَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لَمْ يَسْمَعُوا: وَلَمْ يُبْصِرُوا، وَلَمْ يَفْقَهُوا شَيْئًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَؤُهَا وَيَخِرُّ عَلَيْهَا أصم أعمى.
وَقَالَ قَتَادَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَقُولُ: لَمْ يَصِمُّوا عَنِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْمَوا فِيهِ، فَهُمْ -وَاللَّهِ -قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ [[في أ: "الحق".]] وَانْتَفَعُوا بِمَا [[في أ: "مما".]] سَمِعُوا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْران، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْن قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ قُلْتُ: الرَّجُلُ يَرَى الْقَوْمَ سُجُودًا وَلَمْ يَسْمَعْ مَا سَجَدُوا، أَيَسْجُدُ مَعَهُمْ؟ قَالَ: فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرْ آيَةَ السَّجْدَةِ [[في ف، أ: "أمر السجدة".]] فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إِمَّعَةً، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقِينٍ وَاضِحٍ بَيِّن.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ مَنْ يُطِيعُهُ وَيَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ مَنْ يَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ، فتقرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَةً وَلَا جَمَالًا وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ -فَقَالَ: أَنْ يُري اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنْ زَوجَتِهِ، وَمِنْ أَخِيهِ، وَمِنْ حَمِيمِهِ طَاعَةَ اللَّهِ. لَا وَاللَّهِ مَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ، أَوْ أَخَا، أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج فِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: يَعْبُدُونَكَ وَيَحْسُنُونَ [[في أ: "فيحسنون".]] عِبَادَتَكَ، وَلَا يَجُرُّونَ عَلَيْنَا الْجَرَائِرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي: يَسْأَلُونَ اللَّهَ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْمَر [[في هـ، ف، أ: "معمر" والمثبت من المسند.]] بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ. فَاسْتَغْضَبَ، فَجَعَلْتُ أعجبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا! ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْوَامٌ أكبَّهم اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَ لَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ [[في ف، أ: "وقد".]] كُفيتم الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ؟ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بَعَثَ عَلَيْهَا نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَجَاءَ بفُرقان فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وفَرَقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ، أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْل قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إن هلك دخل النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ، وَإِنَّهَا الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٦/٢) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فِي الْخَيْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُدَاةً مُهْتَدِينَ [[في أ: "مهديين".]] [وَدُعَاةً] [[زيادة من أ.]] إِلَى الْخَيْرِ، فَأَحَبُّوا أَنْ تَكُونَ عِبَادَتَهُمْ مُتَّصِلَةً بِعِبَادَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] وَأَنْ يَكُونَ هُدَاهُمْ مُتَعَدِّيًا [[في أ: "متعد".]] إِلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّفْعِ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] ثَوَابًا، وَأَحْسَنُ مَآبًا؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عَلَمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" [[صحيح مسلم برقم (١٦٣١) .]] .
وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمْ: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قِيلَ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: الْكَذِبُ، وَالْفِسْقُ، وَاللَّغْوُ، وَالْبَاطِلُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: [هُوَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهْوُ وَالْغِنَاءُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَطَاوُسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُهُمْ: هِيَ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ [[في ف: "للمشركين".]] .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هِيَ مَجَالِسُ السُّوءِ وَالْخَنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: [شُرْبُ الْخَمْرِ] [[زيادة من ف، أ.]] لَا يَحْضُرُونَهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٨٠١) مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ جابر به مرفوعا، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه" ثم نقل كلام العلماء في تضعيف ليث بن أبي سليم.]] .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَيْ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهِيَ الكذب متعمدا على غيره، كَمَا [ثَبَتَ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ [[في ف، أ: "عن".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبر الْكَبَائِرِ" ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ [أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ] . [[زيادة من ف، أ.]] فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .
وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، أَيْ: لَا يَحْضُرُونَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مرُّوا، وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ [[في أ: "فيه شيء".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعِجْلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرة، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا [[في أ: "فلم يقف".]] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَمْسَى كَرِيمًا".
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في أ: "النبي".]] : " لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا" [[زيادة من ف، أ.]] . ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [[ورواه ابن عساكر كما في المختصر لابن منظور (١٤/٥٥) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ:٢] ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا يُقْصر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٤ -١٢٥] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أَيْ: بِخِلَافِ الْكَافِرِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أَصَمَّ أَعْمَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لَمْ يَسْمَعُوا: وَلَمْ يُبْصِرُوا، وَلَمْ يَفْقَهُوا شَيْئًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَؤُهَا وَيَخِرُّ عَلَيْهَا أصم أعمى.
وَقَالَ قَتَادَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَقُولُ: لَمْ يَصِمُّوا عَنِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْمَوا فِيهِ، فَهُمْ -وَاللَّهِ -قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ [[في أ: "الحق".]] وَانْتَفَعُوا بِمَا [[في أ: "مما".]] سَمِعُوا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْران، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْن قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ قُلْتُ: الرَّجُلُ يَرَى الْقَوْمَ سُجُودًا وَلَمْ يَسْمَعْ مَا سَجَدُوا، أَيَسْجُدُ مَعَهُمْ؟ قَالَ: فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرْ آيَةَ السَّجْدَةِ [[في ف، أ: "أمر السجدة".]] فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إِمَّعَةً، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقِينٍ وَاضِحٍ بَيِّن.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ مَنْ يُطِيعُهُ وَيَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ مَنْ يَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ، فتقرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَةً وَلَا جَمَالًا وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ -فَقَالَ: أَنْ يُري اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنْ زَوجَتِهِ، وَمِنْ أَخِيهِ، وَمِنْ حَمِيمِهِ طَاعَةَ اللَّهِ. لَا وَاللَّهِ مَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ، أَوْ أَخَا، أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج فِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: يَعْبُدُونَكَ وَيَحْسُنُونَ [[في أ: "فيحسنون".]] عِبَادَتَكَ، وَلَا يَجُرُّونَ عَلَيْنَا الْجَرَائِرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي: يَسْأَلُونَ اللَّهَ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْمَر [[في هـ، ف، أ: "معمر" والمثبت من المسند.]] بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ. فَاسْتَغْضَبَ، فَجَعَلْتُ أعجبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا! ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْوَامٌ أكبَّهم اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَ لَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ [[في ف، أ: "وقد".]] كُفيتم الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ؟ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بَعَثَ عَلَيْهَا نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَجَاءَ بفُرقان فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وفَرَقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ، أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْل قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إن هلك دخل النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ، وَإِنَّهَا الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٦/٢) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فِي الْخَيْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُدَاةً مُهْتَدِينَ [[في أ: "مهديين".]] [وَدُعَاةً] [[زيادة من أ.]] إِلَى الْخَيْرِ، فَأَحَبُّوا أَنْ تَكُونَ عِبَادَتَهُمْ مُتَّصِلَةً بِعِبَادَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] وَأَنْ يَكُونَ هُدَاهُمْ مُتَعَدِّيًا [[في أ: "متعد".]] إِلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّفْعِ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] ثَوَابًا، وَأَحْسَنُ مَآبًا؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عَلَمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" [[صحيح مسلم برقم (١٦٣١) .]] .
وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمْ: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قِيلَ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: الْكَذِبُ، وَالْفِسْقُ، وَاللَّغْوُ، وَالْبَاطِلُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: [هُوَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهْوُ وَالْغِنَاءُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَطَاوُسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُهُمْ: هِيَ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ [[في ف: "للمشركين".]] .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هِيَ مَجَالِسُ السُّوءِ وَالْخَنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: [شُرْبُ الْخَمْرِ] [[زيادة من ف، أ.]] لَا يَحْضُرُونَهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٨٠١) مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ جابر به مرفوعا، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه" ثم نقل كلام العلماء في تضعيف ليث بن أبي سليم.]] .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَيْ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهِيَ الكذب متعمدا على غيره، كَمَا [ثَبَتَ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ [[في ف، أ: "عن".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبر الْكَبَائِرِ" ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ [أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ] . [[زيادة من ف، أ.]] فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .
وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، أَيْ: لَا يَحْضُرُونَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مرُّوا، وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ [[في أ: "فيه شيء".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعِجْلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرة، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا [[في أ: "فلم يقف".]] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَمْسَى كَرِيمًا".
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في أ: "النبي".]] : " لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا" [[زيادة من ف، أ.]] . ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [[ورواه ابن عساكر كما في المختصر لابن منظور (١٤/٥٥) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ:٢] ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا يُقْصر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٤ -١٢٥] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أَيْ: بِخِلَافِ الْكَافِرِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أَصَمَّ أَعْمَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لَمْ يَسْمَعُوا: وَلَمْ يُبْصِرُوا، وَلَمْ يَفْقَهُوا شَيْئًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَؤُهَا وَيَخِرُّ عَلَيْهَا أصم أعمى.
وَقَالَ قَتَادَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَقُولُ: لَمْ يَصِمُّوا عَنِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْمَوا فِيهِ، فَهُمْ -وَاللَّهِ -قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ [[في أ: "الحق".]] وَانْتَفَعُوا بِمَا [[في أ: "مما".]] سَمِعُوا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْران، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْن قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ قُلْتُ: الرَّجُلُ يَرَى الْقَوْمَ سُجُودًا وَلَمْ يَسْمَعْ مَا سَجَدُوا، أَيَسْجُدُ مَعَهُمْ؟ قَالَ: فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرْ آيَةَ السَّجْدَةِ [[في ف، أ: "أمر السجدة".]] فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إِمَّعَةً، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقِينٍ وَاضِحٍ بَيِّن.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ مَنْ يُطِيعُهُ وَيَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ مَنْ يَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ، فتقرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَةً وَلَا جَمَالًا وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ -فَقَالَ: أَنْ يُري اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنْ زَوجَتِهِ، وَمِنْ أَخِيهِ، وَمِنْ حَمِيمِهِ طَاعَةَ اللَّهِ. لَا وَاللَّهِ مَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ، أَوْ أَخَا، أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج فِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: يَعْبُدُونَكَ وَيَحْسُنُونَ [[في أ: "فيحسنون".]] عِبَادَتَكَ، وَلَا يَجُرُّونَ عَلَيْنَا الْجَرَائِرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي: يَسْأَلُونَ اللَّهَ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْمَر [[في هـ، ف، أ: "معمر" والمثبت من المسند.]] بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ. فَاسْتَغْضَبَ، فَجَعَلْتُ أعجبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا! ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْوَامٌ أكبَّهم اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَ لَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ [[في ف، أ: "وقد".]] كُفيتم الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ؟ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بَعَثَ عَلَيْهَا نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَجَاءَ بفُرقان فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وفَرَقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ، أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْل قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إن هلك دخل النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ، وَإِنَّهَا الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٦/٢) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فِي الْخَيْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُدَاةً مُهْتَدِينَ [[في أ: "مهديين".]] [وَدُعَاةً] [[زيادة من أ.]] إِلَى الْخَيْرِ، فَأَحَبُّوا أَنْ تَكُونَ عِبَادَتَهُمْ مُتَّصِلَةً بِعِبَادَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] وَأَنْ يَكُونَ هُدَاهُمْ مُتَعَدِّيًا [[في أ: "متعد".]] إِلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّفْعِ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ [[في أ: "أكبر".]] ثَوَابًا، وَأَحْسَنُ مَآبًا؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عَلَمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" [[صحيح مسلم برقم (١٦٣١) .]] .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنْ أَوْصَافِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا ذَكَرَ مِنْ [هَذِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ [[في ف، أ: "الأقوال والأفعال".]] الْجَلِيلَةِ [[في أ: "الجميلة".]] -قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿أُوْلَئِك﴾ أَيْ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ ﴿يُجْزَوْن﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وَهِيَ الْجَنَّةُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهَا.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي الْجَنَّةِ ﴿تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ أَيْ: يُبْتَدرُون [[في أ: "يبتدون".]] فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ، وَيَلْقَوْنَ [فِيهَا] [[زيادة من ف، أ.]] التَّوْقِيرَ وَالِاحْتِرَامَ، فَلَهُمُ السَّلَامُ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مُقِيمِينَ، لَا يَظْعَنُونَ وَلَا يَحُولون وَلَا يَمُوتُونَ، وَلَا يَزُولُونَ عَنْهَا وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] .
* *
وَقَوْلُهُ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: حسنت منظرا وطابت مَقيلا ومنزلا.
ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ أَيْ: لَا يُبَالِي وَلَا يَكْتَرِثُ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَعْبُدُوهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِكُمْ رَبِّي.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ الْكَفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ [[في ف: "حبب".]] إِلَى الْمُؤْمِنِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أَيْ: فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ [[في أ: "تكذيبهم".]] لِزَامًا لَكُمْ، يَعْنِي: مُقْتَضِيًا لِهَلَاكِكُمْ وَعَذَابِكُمْ وَدَمَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ولا منافاة بينهما. والله أعلم.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنْ أَوْصَافِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا ذَكَرَ مِنْ [هَذِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ [[في ف، أ: "الأقوال والأفعال".]] الْجَلِيلَةِ [[في أ: "الجميلة".]] -قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿أُوْلَئِك﴾ أَيْ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ ﴿يُجْزَوْن﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وَهِيَ الْجَنَّةُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهَا.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي الْجَنَّةِ ﴿تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ أَيْ: يُبْتَدرُون [[في أ: "يبتدون".]] فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ، وَيَلْقَوْنَ [فِيهَا] [[زيادة من ف، أ.]] التَّوْقِيرَ وَالِاحْتِرَامَ، فَلَهُمُ السَّلَامُ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مُقِيمِينَ، لَا يَظْعَنُونَ وَلَا يَحُولون وَلَا يَمُوتُونَ، وَلَا يَزُولُونَ عَنْهَا وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] .
* *
وَقَوْلُهُ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: حسنت منظرا وطابت مَقيلا ومنزلا.
ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ أَيْ: لَا يُبَالِي وَلَا يَكْتَرِثُ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَعْبُدُوهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِكُمْ رَبِّي.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ الْكَفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ [[في ف: "حبب".]] إِلَى الْمُؤْمِنِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أَيْ: فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ [[في أ: "تكذيبهم".]] لِزَامًا لَكُمْ، يَعْنِي: مُقْتَضِيًا لِهَلَاكِكُمْ وَعَذَابِكُمْ وَدَمَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ولا منافاة بينهما. والله أعلم.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنْ أَوْصَافِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا ذَكَرَ مِنْ [هَذِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ [[في ف، أ: "الأقوال والأفعال".]] الْجَلِيلَةِ [[في أ: "الجميلة".]] -قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿أُوْلَئِك﴾ أَيْ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ ﴿يُجْزَوْن﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وَهِيَ الْجَنَّةُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهَا.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ أَيْ: فِي الْجَنَّةِ ﴿تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ أَيْ: يُبْتَدرُون [[في أ: "يبتدون".]] فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ، وَيَلْقَوْنَ [فِيهَا] [[زيادة من ف، أ.]] التَّوْقِيرَ وَالِاحْتِرَامَ، فَلَهُمُ السَّلَامُ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مُقِيمِينَ، لَا يَظْعَنُونَ وَلَا يَحُولون وَلَا يَمُوتُونَ، وَلَا يَزُولُونَ عَنْهَا وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] .
* *
وَقَوْلُهُ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: حسنت منظرا وطابت مَقيلا ومنزلا.
ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ أَيْ: لَا يُبَالِي وَلَا يَكْتَرِثُ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَعْبُدُوهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِكُمْ رَبِّي.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ الْكَفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ [[في ف: "حبب".]] إِلَى الْمُؤْمِنِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أَيْ: فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ [[في أ: "تكذيبهم".]] لِزَامًا لَكُمْ، يَعْنِي: مُقْتَضِيًا لِهَلَاكِكُمْ وَعَذَابِكُمْ وَدَمَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ولا منافاة بينهما. والله أعلم.