Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah Aal-i-Imraan
Tafsir Ibn Kathir · The Family of Imraan · 200 ayat · ayat 121–150 · Quran text →
المرادُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمُ أُحُد عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعَوَّل [[في ر: "نعول".]] عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ وقعةُ أُحُدٍ يومَ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ [قَتَادَةُ] [[زيادة من جـ.]] لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّال. وَقَالَ عِكْرِمة: يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قُتل مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يوْمَ بَدْر، وسَلمَت العيرُ بِمَا فِيهَا مِنَ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيان، فَلَمَّا رَجَعَ قفَلُهُم [[في أ، و: "كلهم".]] إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبْنَاءُ مَنْ قُتل، وَرُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ لِأَبِي سُفْيَانَ: ارْصُدْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَأَنْفَقُوهَا فِي ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ وَالْأَحَابِيشَ وَأَقْبَلُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ أُحُدٍ تِلْقاء الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا صَلى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرو، وَاسْتَشَارَ [[في جـ، أ: فاستشار".]] النَّاسَ: أَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَأَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبيّ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بشِرِّ مَحْبس [[في جـ، ر، أ: "مجلس".]] وَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ. وَأَشَارَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَبِسَ لأمَتَه وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدم بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: لَعَلَّنَا استكرَهْنَا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ شِئْتَ أَنْ نَمْكُثَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأمَتَه أنْ يَرْجِعَ حَتى يَحْكُمَ اللهُ لَه".
فَسَارَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بالشَّوط رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي ثُلُث الْجَيْشِ مُغْضَبا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ، وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ: لَوْ نَعْلَمُ الْيَوْمَ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِّنَّا لَا نَرَاكُمْ تُقَاتِلُونَ الْيَوْمَ.
وَاسْتَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرًا حَتَّى نَزَلَ الشِّعْب مِنْ أُحُد فِي عَدْوَةِ الْوَادِي. وَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ وَقَالَ: "لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ".
وَتَهَيَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وأمَّر عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْر أَخَا بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، وَالرُّمَاةُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُونَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ: "انْضَحُوا الخَيْلَ عَنَّا، وَلا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكُمْ. والْزَمُوا مَكَانَكُمْ إنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ لَنَا أوْعَلَيْنَا، وإنْ رَأيْتُمُونَا تَخَطَّفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ".
وَظَاهَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَب بْنَ عُمَير أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الغِلْمان يَوْمَئِذٍ وَأَرْجَأَ آخَرِينَ، حَتَّى أَمْضَاهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَنَتَيْنِ.
وتعبَّأت قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَس قَدْ جَنَبوها [[في ر: "حينوها".]] فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنة الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ: وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمة بْنَ أَبِي جَهْل، وَدَفَعُوا إِلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللِّوَاءَ. ثُمَّ كَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوَاضِعِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: بَيّن لهم منازلهم ونجعلهم [[في جـ، أ، و: "تنزلهم منازلهم وتجعلهم"، وفي ر: "ينزلهم منازلهم ويجعلهم".]] مَيْمَنة ومَيْسَرة وَحَيْثُ أَمَرْتَهُمْ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ يقولونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَارَ [[في أ، و: "خرج".]] إِلَى أُحُدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر.]] ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ؟ ثُمَّ كَانَ جَوَابُهُ عَنْهُ: أَنَّ غُدُوَّهُ لِيُبَوِّئَهُمْ [[في جـ: "تبوئهم".]] مَقَاعِدَ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوَّلَ النَّهَارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، وفي ر: "والله وليهما"، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حارثَة وَبَنُو سَلَمة، وَمَا نحِب -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يسرنِي-أنَّها لَمْ تَنزلْ، لِقَوْلِ [[في أ: "يقول".]] اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥١، ٤٥٥٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٠٥) .]] بِهِ. وَكَذَا قَالَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَف: إِنَّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سلمةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فِي جُمُعَةٍ [[في أ، و: "في يوم جمعة".]] وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ [[في جـ: "اثنين".]] مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، ودمغَ فِيهِ الشِّرْكَ وخرَّب محِله، [هَذَا] [[زيادة من أ، و.]] مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ فَرَسَانِ وسبعُون بعِيرا، وَالْبَاقُونَ مُشاة، لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ العَدَد جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْعَدُوُّ يَوْمَئِذٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ فِي سَوَابِغِ الْحَدِيدِ والبَيض، وَالْعِدَّةِ [[في أ: "والعدد".]] الْكَامِلَةِ وَالْخُيُولِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْحُلِيِّ [[في جـ، ر: "الخيلاء".]] الزَّائِدِ، فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَأَظْهَرَ وَحْيَهُ وَتَنْزِيلَهُ، وبَيَّضَ وَجْه النَّبِيِّ وَقَبِيلَهُ، وأخْزى الشَّيْطَانَ [[في أ، و: "وأحزن الشيطان وخيله".]] وَجِيلَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى -مُمْتَنا عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وحِزبه الْمُتَّقِينَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ عَدَدُكُمْ لِيَعْلَمُوا [[في، و: "لتعلموا".]] أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا بِكَثْرَةِ العَدَد والعُدَد؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي الأصل: "إلى".]] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥ -٢٧] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِمَاك قَالَ: سَمِعْتُ عِياضا الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: شهدتُ الْيَرْمُوك وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنُ حَسَنَة، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعِيَاضٌ -وَلَيْسَ عِيَاضٌ هَذَا [[في جـ: "هذا هو الذي".]] الَّذِي حَدَّثَ سِمَاكًا-قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلَيْكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَيْهِ [[في أ: "له".]] إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ، وَاسْتَمْدَدْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْنَا: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكُمْ تَسْتَمِدُّونَنِي [[في ر: "تستمدوني"]] وَإِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا، وَأَحْصَنُ جُنْدًا: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصر يومَ بَدْرٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَقَاتِلُوهُمْ وَلَا تُرَاجِعُونِي. قَالَ [[في أ: "قالت".]] فَقَاتَلْنَاهُمْ فَهَزَمْنَاهُمْ أَرْبَعَةَ [[في جـ، ر: "أربع".]] فَرَاسِخَ، قَالَ: وَأَصَبْنَا أَمْوَالًا فَتَشَاوَرْنَا، فَأَشَارَ عَلَيْنَا عِيَاضٌ أنْ نُعْطِيَ عَنْ كُلِّ ذِي رَأْسٍ عَشَرَةً. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ يُرَاهِنُنِي؟ فَقَالَ شَابٌّ: أَنَا، إِنْ لَمْ تَغْضَبْ. قَالَ: فَسَبَقَهُ، فَرَأَيْتُ عَقِيصَتَيْ أَبِي عُبَيدة تَنْقزان وَهُوَ خَلْفه عَلَى فَرَسٍ عُرْي [[في أ، و: "عربي".]] .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٩) وصحيح ابن حبان (٧/١٣١) "الإحسان". وقال الهيثمي في المجمع (٦/٢١٣) : "رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبّان فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، بِنَحْوِهِ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ.
وبَدْر مَحَلَّة بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تُعرف بِبِئْرِهَا، مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَجُلٍ حَفَرَهَا يُقَالُ لَهُ: "بَدْرُ بْنُ النَّارَيْنِ". قَالَ الشَّعْبِيُّ: بَدْرٌ بِئْرٌ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ بِطَاعَتِهِ.
المرادُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمُ أُحُد عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعَوَّل [[في ر: "نعول".]] عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ وقعةُ أُحُدٍ يومَ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ [قَتَادَةُ] [[زيادة من جـ.]] لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّال. وَقَالَ عِكْرِمة: يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قُتل مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يوْمَ بَدْر، وسَلمَت العيرُ بِمَا فِيهَا مِنَ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيان، فَلَمَّا رَجَعَ قفَلُهُم [[في أ، و: "كلهم".]] إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبْنَاءُ مَنْ قُتل، وَرُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ لِأَبِي سُفْيَانَ: ارْصُدْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَأَنْفَقُوهَا فِي ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ وَالْأَحَابِيشَ وَأَقْبَلُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ أُحُدٍ تِلْقاء الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا صَلى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرو، وَاسْتَشَارَ [[في جـ، أ: فاستشار".]] النَّاسَ: أَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَأَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبيّ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بشِرِّ مَحْبس [[في جـ، ر، أ: "مجلس".]] وَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ. وَأَشَارَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَبِسَ لأمَتَه وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدم بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: لَعَلَّنَا استكرَهْنَا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ شِئْتَ أَنْ نَمْكُثَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأمَتَه أنْ يَرْجِعَ حَتى يَحْكُمَ اللهُ لَه".
فَسَارَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بالشَّوط رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي ثُلُث الْجَيْشِ مُغْضَبا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ، وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ: لَوْ نَعْلَمُ الْيَوْمَ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِّنَّا لَا نَرَاكُمْ تُقَاتِلُونَ الْيَوْمَ.
وَاسْتَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرًا حَتَّى نَزَلَ الشِّعْب مِنْ أُحُد فِي عَدْوَةِ الْوَادِي. وَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ وَقَالَ: "لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ".
وَتَهَيَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وأمَّر عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْر أَخَا بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، وَالرُّمَاةُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُونَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ: "انْضَحُوا الخَيْلَ عَنَّا، وَلا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكُمْ. والْزَمُوا مَكَانَكُمْ إنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ لَنَا أوْعَلَيْنَا، وإنْ رَأيْتُمُونَا تَخَطَّفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ".
وَظَاهَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَب بْنَ عُمَير أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الغِلْمان يَوْمَئِذٍ وَأَرْجَأَ آخَرِينَ، حَتَّى أَمْضَاهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَنَتَيْنِ.
وتعبَّأت قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَس قَدْ جَنَبوها [[في ر: "حينوها".]] فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنة الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ: وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمة بْنَ أَبِي جَهْل، وَدَفَعُوا إِلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللِّوَاءَ. ثُمَّ كَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوَاضِعِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: بَيّن لهم منازلهم ونجعلهم [[في جـ، أ، و: "تنزلهم منازلهم وتجعلهم"، وفي ر: "ينزلهم منازلهم ويجعلهم".]] مَيْمَنة ومَيْسَرة وَحَيْثُ أَمَرْتَهُمْ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ يقولونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَارَ [[في أ، و: "خرج".]] إِلَى أُحُدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر.]] ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ؟ ثُمَّ كَانَ جَوَابُهُ عَنْهُ: أَنَّ غُدُوَّهُ لِيُبَوِّئَهُمْ [[في جـ: "تبوئهم".]] مَقَاعِدَ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوَّلَ النَّهَارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، وفي ر: "والله وليهما"، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حارثَة وَبَنُو سَلَمة، وَمَا نحِب -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يسرنِي-أنَّها لَمْ تَنزلْ، لِقَوْلِ [[في أ: "يقول".]] اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥١، ٤٥٥٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٠٥) .]] بِهِ. وَكَذَا قَالَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَف: إِنَّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سلمةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فِي جُمُعَةٍ [[في أ، و: "في يوم جمعة".]] وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ [[في جـ: "اثنين".]] مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، ودمغَ فِيهِ الشِّرْكَ وخرَّب محِله، [هَذَا] [[زيادة من أ، و.]] مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ فَرَسَانِ وسبعُون بعِيرا، وَالْبَاقُونَ مُشاة، لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ العَدَد جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْعَدُوُّ يَوْمَئِذٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ فِي سَوَابِغِ الْحَدِيدِ والبَيض، وَالْعِدَّةِ [[في أ: "والعدد".]] الْكَامِلَةِ وَالْخُيُولِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْحُلِيِّ [[في جـ، ر: "الخيلاء".]] الزَّائِدِ، فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَأَظْهَرَ وَحْيَهُ وَتَنْزِيلَهُ، وبَيَّضَ وَجْه النَّبِيِّ وَقَبِيلَهُ، وأخْزى الشَّيْطَانَ [[في أ، و: "وأحزن الشيطان وخيله".]] وَجِيلَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى -مُمْتَنا عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وحِزبه الْمُتَّقِينَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ عَدَدُكُمْ لِيَعْلَمُوا [[في، و: "لتعلموا".]] أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا بِكَثْرَةِ العَدَد والعُدَد؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي الأصل: "إلى".]] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥ -٢٧] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِمَاك قَالَ: سَمِعْتُ عِياضا الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: شهدتُ الْيَرْمُوك وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنُ حَسَنَة، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعِيَاضٌ -وَلَيْسَ عِيَاضٌ هَذَا [[في جـ: "هذا هو الذي".]] الَّذِي حَدَّثَ سِمَاكًا-قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلَيْكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَيْهِ [[في أ: "له".]] إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ، وَاسْتَمْدَدْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْنَا: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكُمْ تَسْتَمِدُّونَنِي [[في ر: "تستمدوني"]] وَإِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا، وَأَحْصَنُ جُنْدًا: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصر يومَ بَدْرٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَقَاتِلُوهُمْ وَلَا تُرَاجِعُونِي. قَالَ [[في أ: "قالت".]] فَقَاتَلْنَاهُمْ فَهَزَمْنَاهُمْ أَرْبَعَةَ [[في جـ، ر: "أربع".]] فَرَاسِخَ، قَالَ: وَأَصَبْنَا أَمْوَالًا فَتَشَاوَرْنَا، فَأَشَارَ عَلَيْنَا عِيَاضٌ أنْ نُعْطِيَ عَنْ كُلِّ ذِي رَأْسٍ عَشَرَةً. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ يُرَاهِنُنِي؟ فَقَالَ شَابٌّ: أَنَا، إِنْ لَمْ تَغْضَبْ. قَالَ: فَسَبَقَهُ، فَرَأَيْتُ عَقِيصَتَيْ أَبِي عُبَيدة تَنْقزان وَهُوَ خَلْفه عَلَى فَرَسٍ عُرْي [[في أ، و: "عربي".]] .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٩) وصحيح ابن حبان (٧/١٣١) "الإحسان". وقال الهيثمي في المجمع (٦/٢١٣) : "رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبّان فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، بِنَحْوِهِ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ.
وبَدْر مَحَلَّة بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تُعرف بِبِئْرِهَا، مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَجُلٍ حَفَرَهَا يُقَالُ لَهُ: "بَدْرُ بْنُ النَّارَيْنِ". قَالَ الشَّعْبِيُّ: بَدْرٌ بِئْرٌ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ بِطَاعَتِهِ.
المرادُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمُ أُحُد عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعَوَّل [[في ر: "نعول".]] عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ وقعةُ أُحُدٍ يومَ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ [قَتَادَةُ] [[زيادة من جـ.]] لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّال. وَقَالَ عِكْرِمة: يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قُتل مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يوْمَ بَدْر، وسَلمَت العيرُ بِمَا فِيهَا مِنَ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيان، فَلَمَّا رَجَعَ قفَلُهُم [[في أ، و: "كلهم".]] إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبْنَاءُ مَنْ قُتل، وَرُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ لِأَبِي سُفْيَانَ: ارْصُدْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَأَنْفَقُوهَا فِي ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ وَالْأَحَابِيشَ وَأَقْبَلُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ أُحُدٍ تِلْقاء الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا صَلى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرو، وَاسْتَشَارَ [[في جـ، أ: فاستشار".]] النَّاسَ: أَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَأَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبيّ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بشِرِّ مَحْبس [[في جـ، ر، أ: "مجلس".]] وَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ. وَأَشَارَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَبِسَ لأمَتَه وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدم بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: لَعَلَّنَا استكرَهْنَا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ شِئْتَ أَنْ نَمْكُثَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأمَتَه أنْ يَرْجِعَ حَتى يَحْكُمَ اللهُ لَه".
فَسَارَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بالشَّوط رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي ثُلُث الْجَيْشِ مُغْضَبا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ، وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ: لَوْ نَعْلَمُ الْيَوْمَ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِّنَّا لَا نَرَاكُمْ تُقَاتِلُونَ الْيَوْمَ.
وَاسْتَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرًا حَتَّى نَزَلَ الشِّعْب مِنْ أُحُد فِي عَدْوَةِ الْوَادِي. وَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ وَقَالَ: "لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ".
وَتَهَيَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وأمَّر عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْر أَخَا بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، وَالرُّمَاةُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُونَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ: "انْضَحُوا الخَيْلَ عَنَّا، وَلا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكُمْ. والْزَمُوا مَكَانَكُمْ إنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ لَنَا أوْعَلَيْنَا، وإنْ رَأيْتُمُونَا تَخَطَّفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ".
وَظَاهَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَب بْنَ عُمَير أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الغِلْمان يَوْمَئِذٍ وَأَرْجَأَ آخَرِينَ، حَتَّى أَمْضَاهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَنَتَيْنِ.
وتعبَّأت قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَس قَدْ جَنَبوها [[في ر: "حينوها".]] فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنة الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ: وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمة بْنَ أَبِي جَهْل، وَدَفَعُوا إِلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللِّوَاءَ. ثُمَّ كَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوَاضِعِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: بَيّن لهم منازلهم ونجعلهم [[في جـ، أ، و: "تنزلهم منازلهم وتجعلهم"، وفي ر: "ينزلهم منازلهم ويجعلهم".]] مَيْمَنة ومَيْسَرة وَحَيْثُ أَمَرْتَهُمْ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ يقولونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَارَ [[في أ، و: "خرج".]] إِلَى أُحُدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر.]] ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ؟ ثُمَّ كَانَ جَوَابُهُ عَنْهُ: أَنَّ غُدُوَّهُ لِيُبَوِّئَهُمْ [[في جـ: "تبوئهم".]] مَقَاعِدَ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوَّلَ النَّهَارِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] [[زيادة من جـ، وفي ر: "والله وليهما"، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حارثَة وَبَنُو سَلَمة، وَمَا نحِب -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يسرنِي-أنَّها لَمْ تَنزلْ، لِقَوْلِ [[في أ: "يقول".]] اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥١، ٤٥٥٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٠٥) .]] بِهِ. وَكَذَا قَالَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَف: إِنَّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سلمةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فِي جُمُعَةٍ [[في أ، و: "في يوم جمعة".]] وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ [[في جـ: "اثنين".]] مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، ودمغَ فِيهِ الشِّرْكَ وخرَّب محِله، [هَذَا] [[زيادة من أ، و.]] مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ فَرَسَانِ وسبعُون بعِيرا، وَالْبَاقُونَ مُشاة، لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ العَدَد جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْعَدُوُّ يَوْمَئِذٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ فِي سَوَابِغِ الْحَدِيدِ والبَيض، وَالْعِدَّةِ [[في أ: "والعدد".]] الْكَامِلَةِ وَالْخُيُولِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْحُلِيِّ [[في جـ، ر: "الخيلاء".]] الزَّائِدِ، فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَأَظْهَرَ وَحْيَهُ وَتَنْزِيلَهُ، وبَيَّضَ وَجْه النَّبِيِّ وَقَبِيلَهُ، وأخْزى الشَّيْطَانَ [[في أ، و: "وأحزن الشيطان وخيله".]] وَجِيلَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى -مُمْتَنا عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وحِزبه الْمُتَّقِينَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ عَدَدُكُمْ لِيَعْلَمُوا [[في، و: "لتعلموا".]] أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا بِكَثْرَةِ العَدَد والعُدَد؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي الأصل: "إلى".]] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥ -٢٧] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِمَاك قَالَ: سَمِعْتُ عِياضا الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: شهدتُ الْيَرْمُوك وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنُ حَسَنَة، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعِيَاضٌ -وَلَيْسَ عِيَاضٌ هَذَا [[في جـ: "هذا هو الذي".]] الَّذِي حَدَّثَ سِمَاكًا-قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلَيْكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَيْهِ [[في أ: "له".]] إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ، وَاسْتَمْدَدْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْنَا: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكُمْ تَسْتَمِدُّونَنِي [[في ر: "تستمدوني"]] وَإِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا، وَأَحْصَنُ جُنْدًا: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصر يومَ بَدْرٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَقَاتِلُوهُمْ وَلَا تُرَاجِعُونِي. قَالَ [[في أ: "قالت".]] فَقَاتَلْنَاهُمْ فَهَزَمْنَاهُمْ أَرْبَعَةَ [[في جـ، ر: "أربع".]] فَرَاسِخَ، قَالَ: وَأَصَبْنَا أَمْوَالًا فَتَشَاوَرْنَا، فَأَشَارَ عَلَيْنَا عِيَاضٌ أنْ نُعْطِيَ عَنْ كُلِّ ذِي رَأْسٍ عَشَرَةً. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ يُرَاهِنُنِي؟ فَقَالَ شَابٌّ: أَنَا، إِنْ لَمْ تَغْضَبْ. قَالَ: فَسَبَقَهُ، فَرَأَيْتُ عَقِيصَتَيْ أَبِي عُبَيدة تَنْقزان وَهُوَ خَلْفه عَلَى فَرَسٍ عُرْي [[في أ، و: "عربي".]] .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٩) وصحيح ابن حبان (٧/١٣١) "الإحسان". وقال الهيثمي في المجمع (٦/٢١٣) : "رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبّان فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، بِنَحْوِهِ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ.
وبَدْر مَحَلَّة بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تُعرف بِبِئْرِهَا، مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَجُلٍ حَفَرَهَا يُقَالُ لَهُ: "بَدْرُ بْنُ النَّارَيْنِ". قَالَ الشَّعْبِيُّ: بَدْرٌ بِئْرٌ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ بِطَاعَتِهِ.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْر أَوْ يَوْمَ أُحُد؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ورُوي هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيع بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْر. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ -يَعْنِي الشَّعْبِيَّ-أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْز بْنَ جَابِرٍ يُمدّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِين﴾ قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ -عَلَى هَذَا الْقَوْلِ-وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ:٩، ١٠] فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿مُردِفِينَ﴾ بِمَعْنَى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَمَدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ متَعَلق [[في أ: "يتعلق".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وَذَلِكَ يَوْمُ أحُد. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقبة وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ -زَادَ عِكْرِمَةُ: وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فَلَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَرُّوا، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يَعْنِي: تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابرة عَدُوّكم وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، والسُّدِّي: أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ. وَقَالَ العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا. وَيُقَالُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ سِيَما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهم [[في أ، و: "خيولهم".]] .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا هَدْبة بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: بِالْعِهْن الْأَحْمَرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: مُحَذَّقة أَعْرَافُهَا، مُعَلَّمة نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ مُسَوِّمين بِالصُّوفِ، فسَوَم مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ: بِسِيمَا الْقِتَالِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِالْعَمَائِمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَه، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَالَ: "مُعَلَّمينَ. وَكَانَ [[في أ، و: "وكانت".]] سِيمَا الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حُمْر".
ورَوَى مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ مُخارق، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان [[في أ، و: "كانت".]] سيما الملائكة يوم بدر عَمَائِمَ بيض قَدْ أرْسَلُوها فِي ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عمائمَ حُمْرا. وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لَا يَضْربون.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فذكر نحوه.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الأحْمَسِي [[في ر: "الأخمسي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّ الزُّبَيْرِ [بْنَ الْعَوَّامِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْر.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَه مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [مُحَمَّدٍ:٤-٦] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرام، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدره وَالْإِحْكَامِ.
ثُمَّ قَالَ [[في جـ: "وقال".]] تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ. فَقَالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أَيْ: لِيُهْلِكَ أُمَّةً ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أَيْ: يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أمَّلُوا.
ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّت عَلَى أَنَّ الحُكْم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] . وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْقِصَصِ:٥٦] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبّان بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الفجر [[في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول".]] اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَعْمَر [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥) .]] ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ -قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ-قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشامِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ [[المسند (٢/٩٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الغَلابي، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]] ﴾ قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ [[المسند (٢/١٠٤) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهم بِأَسْمَائِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ [[في جـ، ر: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعو عَلَى أَحَدٍ -أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ-قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ-: "اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بْنَ الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ -فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ حُمَيْد وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: شُجّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أحُد، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟ ". فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقه الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [[صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَزْوَةِ أُحُد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْد اللَّهِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلانًا" بَعْدَ مَا يَقُولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر،، وفي هـ: "الآية".]] .
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صفوانَ بْنِ أمَيّة، وسُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] [[في جـ، ر: "إلى قوله".]] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩) .]] .
هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مُتَّصِلَةٌ آنِفًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ [[في جـ: "ورواه".]] [عَنِ] [[زيادة من ر.]] الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَمّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُصِيبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسرت رَبَاعيته، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
وَكَذَا رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَفَاقَ [[تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون، والله غفور رحيم [[في أ: "لا يعجزه شيء".]] .
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُد، وقُتِل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قتلتُ مُحَمَّدًا. وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَجَّه فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتل، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَحَصَلَ وهَن وَضَعْفٌ وتَأخر عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من و.]] عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أَيْ: لَهُ أسْوة بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَر عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ أشعرتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِل؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] قَدْ قُتِل فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ] [[زيادة من و.]] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ [[(٢/٢٤٨) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به.]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أَيْ: رَجَعْتُمُ القَهْقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ [[في جـ، ر، أ، و: "السنن والمسانيد".]] وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرق مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القطْع، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْندي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[انظر: البداية والنهاية (٥/٢١٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/٢١٥-٢١٧) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمة؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكنه بالسَّنْح [[في ر: "بالسيح" وهو خطأ، والمثبت من البخاري (٤٤٥٢، ٤٤٥٣) وهو الصواب.]] حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكلم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فتيمَّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَهُوَ مُغَشى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وقَبَّله وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ موْتَتَين؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتبت عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّث [[في جـ، ر، أ، و: "يكلم".]] النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عمرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ لكَأنّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ [[في جـ، أ، و: "فتلاها منه الناس" في ر: "فتلاها الناس منه".]] كُلُّهُمْ، فَمَا سَمِعَهَا [[في جـ، ر، أ، و: "أسمع".]] بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا [[في جـ، ر، أ، و: "يتلوها".]] .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب أَنَّ عُمر قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعقرتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ [[في و: "رجلان".]] وَحَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ القنَّاد، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب، عَنْ عكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، ووليُّه، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [[ورواه أبي حاتم في تفسيره (٢/٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. قال الهيثمي في المجمع (٩/١٣٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ أَيْ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المدةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ كَقَوْلِهِ [[في جـ: "وكقوله".]] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فَاطِرِ:١١] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ للجُبَناء وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُص مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهبان، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[في جـ: "للمسلمين".]] -وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ-: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تعبُروا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ، هَذِهِ [[في أ، و: "وهذه".]] النُّطْفَةُ؟ -يَعْنِي دِجْلَة- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا: ديوان، فهربوا [[في جـ: "وهربوا".]] [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قدّرَه اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نَصِيبٍ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى:٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨، ١٩] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أَيْ: سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرهم وَعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ [[في جـ، ر، أ، و: "للمؤمنين".]] عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُد-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ قرؤوا: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا [[في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا".]] لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا.
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من و.]] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي [[في و: "الذي".]] قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: "إِنَّ [[في ر: "بأن".]] مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وترْكِهم الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟.
وَقِيلَ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [[في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير".]] .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ، [فَإِنَّهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَقُلْ [[في جـ، أ، و: "ولم يحك".]] غَيْرُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عن ابن مَسْعُودٍ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: أُلُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ: الرِّبِّيُّونَ: الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الْحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: عُلَمَاءُ كَثِيرٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا: عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبيون، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَالرَّبَّابِيُّونَ: [[في جـ، ر: "الربانيون".]] الْوُلَاةُ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يَقُولُ: فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ، أنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تَخَشَّعوا. وَقَالَ السُّدِّي وَابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِل نَبِيُّهُمْ.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجيرى إِلَّا ذَلِكَ.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ [[في ر: "العافية".]] ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: جمَع لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُد، وقُتِل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قتلتُ مُحَمَّدًا. وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَجَّه فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتل، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَحَصَلَ وهَن وَضَعْفٌ وتَأخر عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من و.]] عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أَيْ: لَهُ أسْوة بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَر عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ أشعرتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِل؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] قَدْ قُتِل فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ] [[زيادة من و.]] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ [[(٢/٢٤٨) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به.]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أَيْ: رَجَعْتُمُ القَهْقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ [[في جـ، ر، أ، و: "السنن والمسانيد".]] وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرق مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القطْع، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْندي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[انظر: البداية والنهاية (٥/٢١٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/٢١٥-٢١٧) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمة؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكنه بالسَّنْح [[في ر: "بالسيح" وهو خطأ، والمثبت من البخاري (٤٤٥٢، ٤٤٥٣) وهو الصواب.]] حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكلم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فتيمَّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَهُوَ مُغَشى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وقَبَّله وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ موْتَتَين؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتبت عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّث [[في جـ، ر، أ، و: "يكلم".]] النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عمرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ لكَأنّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ [[في جـ، أ، و: "فتلاها منه الناس" في ر: "فتلاها الناس منه".]] كُلُّهُمْ، فَمَا سَمِعَهَا [[في جـ، ر، أ، و: "أسمع".]] بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا [[في جـ، ر، أ، و: "يتلوها".]] .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب أَنَّ عُمر قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعقرتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ [[في و: "رجلان".]] وَحَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ القنَّاد، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب، عَنْ عكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، ووليُّه، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [[ورواه أبي حاتم في تفسيره (٢/٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. قال الهيثمي في المجمع (٩/١٣٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ أَيْ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المدةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ كَقَوْلِهِ [[في جـ: "وكقوله".]] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فَاطِرِ:١١] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ للجُبَناء وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُص مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهبان، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[في جـ: "للمسلمين".]] -وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ-: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تعبُروا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ، هَذِهِ [[في أ، و: "وهذه".]] النُّطْفَةُ؟ -يَعْنِي دِجْلَة- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا: ديوان، فهربوا [[في جـ: "وهربوا".]] [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قدّرَه اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نَصِيبٍ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى:٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨، ١٩] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أَيْ: سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرهم وَعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ [[في جـ، ر، أ، و: "للمؤمنين".]] عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُد-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ قرؤوا: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا [[في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا".]] لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا.
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من و.]] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي [[في و: "الذي".]] قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: "إِنَّ [[في ر: "بأن".]] مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وترْكِهم الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟.
وَقِيلَ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [[في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير".]] .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ، [فَإِنَّهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَقُلْ [[في جـ، أ، و: "ولم يحك".]] غَيْرُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عن ابن مَسْعُودٍ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: أُلُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ: الرِّبِّيُّونَ: الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الْحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: عُلَمَاءُ كَثِيرٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا: عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبيون، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَالرَّبَّابِيُّونَ: [[في جـ، ر: "الربانيون".]] الْوُلَاةُ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يَقُولُ: فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ، أنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تَخَشَّعوا. وَقَالَ السُّدِّي وَابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِل نَبِيُّهُمْ.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجيرى إِلَّا ذَلِكَ.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ [[في ر: "العافية".]] ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: جمَع لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُد، وقُتِل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قتلتُ مُحَمَّدًا. وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَجَّه فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتل، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَحَصَلَ وهَن وَضَعْفٌ وتَأخر عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من و.]] عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أَيْ: لَهُ أسْوة بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَر عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ أشعرتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِل؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] قَدْ قُتِل فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ] [[زيادة من و.]] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ [[(٢/٢٤٨) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به.]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أَيْ: رَجَعْتُمُ القَهْقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ [[في جـ، ر، أ، و: "السنن والمسانيد".]] وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرق مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القطْع، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْندي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[انظر: البداية والنهاية (٥/٢١٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/٢١٥-٢١٧) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمة؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكنه بالسَّنْح [[في ر: "بالسيح" وهو خطأ، والمثبت من البخاري (٤٤٥٢، ٤٤٥٣) وهو الصواب.]] حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكلم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فتيمَّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَهُوَ مُغَشى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وقَبَّله وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ موْتَتَين؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتبت عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّث [[في جـ، ر، أ، و: "يكلم".]] النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عمرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ لكَأنّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ [[في جـ، أ، و: "فتلاها منه الناس" في ر: "فتلاها الناس منه".]] كُلُّهُمْ، فَمَا سَمِعَهَا [[في جـ، ر، أ، و: "أسمع".]] بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا [[في جـ، ر، أ، و: "يتلوها".]] .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب أَنَّ عُمر قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعقرتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ [[في و: "رجلان".]] وَحَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ القنَّاد، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب، عَنْ عكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، ووليُّه، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [[ورواه أبي حاتم في تفسيره (٢/٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. قال الهيثمي في المجمع (٩/١٣٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ أَيْ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المدةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ كَقَوْلِهِ [[في جـ: "وكقوله".]] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فَاطِرِ:١١] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ للجُبَناء وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُص مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهبان، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[في جـ: "للمسلمين".]] -وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ-: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تعبُروا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ، هَذِهِ [[في أ، و: "وهذه".]] النُّطْفَةُ؟ -يَعْنِي دِجْلَة- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا: ديوان، فهربوا [[في جـ: "وهربوا".]] [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قدّرَه اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نَصِيبٍ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى:٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨، ١٩] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أَيْ: سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرهم وَعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ [[في جـ، ر، أ، و: "للمؤمنين".]] عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُد-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ قرؤوا: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا [[في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا".]] لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا.
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من و.]] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي [[في و: "الذي".]] قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: "إِنَّ [[في ر: "بأن".]] مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وترْكِهم الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟.
وَقِيلَ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [[في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير".]] .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ، [فَإِنَّهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَقُلْ [[في جـ، أ، و: "ولم يحك".]] غَيْرُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عن ابن مَسْعُودٍ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: أُلُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ: الرِّبِّيُّونَ: الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الْحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: عُلَمَاءُ كَثِيرٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا: عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبيون، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَالرَّبَّابِيُّونَ: [[في جـ، ر: "الربانيون".]] الْوُلَاةُ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يَقُولُ: فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ، أنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تَخَشَّعوا. وَقَالَ السُّدِّي وَابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِل نَبِيُّهُمْ.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجيرى إِلَّا ذَلِكَ.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ [[في ر: "العافية".]] ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: جمَع لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُد، وقُتِل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قتلتُ مُحَمَّدًا. وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَجَّه فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتل، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَحَصَلَ وهَن وَضَعْفٌ وتَأخر عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من و.]] عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أَيْ: لَهُ أسْوة بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَر عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ أشعرتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِل؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] قَدْ قُتِل فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ] [[زيادة من و.]] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ [[(٢/٢٤٨) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به.]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أَيْ: رَجَعْتُمُ القَهْقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ [[في جـ، ر، أ، و: "السنن والمسانيد".]] وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرق مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القطْع، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْندي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[انظر: البداية والنهاية (٥/٢١٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/٢١٥-٢١٧) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمة؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكنه بالسَّنْح [[في ر: "بالسيح" وهو خطأ، والمثبت من البخاري (٤٤٥٢، ٤٤٥٣) وهو الصواب.]] حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكلم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فتيمَّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَهُوَ مُغَشى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وقَبَّله وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ موْتَتَين؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتبت عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّث [[في جـ، ر، أ، و: "يكلم".]] النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عمرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ لكَأنّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ [[في جـ، أ، و: "فتلاها منه الناس" في ر: "فتلاها الناس منه".]] كُلُّهُمْ، فَمَا سَمِعَهَا [[في جـ، ر، أ، و: "أسمع".]] بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا [[في جـ، ر، أ، و: "يتلوها".]] .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب أَنَّ عُمر قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعقرتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ [[في و: "رجلان".]] وَحَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ القنَّاد، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب، عَنْ عكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، ووليُّه، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [[ورواه أبي حاتم في تفسيره (٢/٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. قال الهيثمي في المجمع (٩/١٣٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ أَيْ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المدةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ كَقَوْلِهِ [[في جـ: "وكقوله".]] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فَاطِرِ:١١] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ للجُبَناء وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُص مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهبان، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[في جـ: "للمسلمين".]] -وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ-: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تعبُروا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ، هَذِهِ [[في أ، و: "وهذه".]] النُّطْفَةُ؟ -يَعْنِي دِجْلَة- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا: ديوان، فهربوا [[في جـ: "وهربوا".]] [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قدّرَه اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نَصِيبٍ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى:٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨، ١٩] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أَيْ: سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرهم وَعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ [[في جـ، ر، أ، و: "للمؤمنين".]] عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُد-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ قرؤوا: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا [[في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا".]] لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا.
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من و.]] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي [[في و: "الذي".]] قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: "إِنَّ [[في ر: "بأن".]] مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وترْكِهم الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟.
وَقِيلَ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [[في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير".]] .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ، [فَإِنَّهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَقُلْ [[في جـ، أ، و: "ولم يحك".]] غَيْرُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عن ابن مَسْعُودٍ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: أُلُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ: الرِّبِّيُّونَ: الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الْحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: عُلَمَاءُ كَثِيرٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا: عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبيون، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَالرَّبَّابِيُّونَ: [[في جـ، ر: "الربانيون".]] الْوُلَاةُ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يَقُولُ: فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ، أنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تَخَشَّعوا. وَقَالَ السُّدِّي وَابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِل نَبِيُّهُمْ.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجيرى إِلَّا ذَلِكَ.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ [[في ر: "العافية".]] ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: جمَع لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُد، وقُتِل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قتلتُ مُحَمَّدًا. وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَجَّه فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتل، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَحَصَلَ وهَن وَضَعْفٌ وتَأخر عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من و.]] عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أَيْ: لَهُ أسْوة بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَر عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ أشعرتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِل؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] قَدْ قُتِل فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ] [[زيادة من و.]] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ [[(٢/٢٤٨) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به.]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أَيْ: رَجَعْتُمُ القَهْقرى ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ [[في جـ، ر، أ، و: "السنن والمسانيد".]] وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرق مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القطْع، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْندي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[انظر: البداية والنهاية (٥/٢١٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/٢١٥-٢١٧) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمة؛ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكنه بالسَّنْح [[في ر: "بالسيح" وهو خطأ، والمثبت من البخاري (٤٤٥٢، ٤٤٥٣) وهو الصواب.]] حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكلم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فتيمَّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَهُوَ مُغَشى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وقَبَّله وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ موْتَتَين؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتبت عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّث [[في جـ، ر، أ، و: "يكلم".]] النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عمرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ لكَأنّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ [[في جـ، أ، و: "فتلاها منه الناس" في ر: "فتلاها الناس منه".]] كُلُّهُمْ، فَمَا سَمِعَهَا [[في جـ، ر، أ، و: "أسمع".]] بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا [[في جـ، ر، أ، و: "يتلوها".]] .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب أَنَّ عُمر قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعقرتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ [[في و: "رجلان".]] وَحَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ [[صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ القنَّاد، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب، عَنْ عكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ، ووليُّه، وَابْنُ عَمِّهِ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟ [[ورواه أبي حاتم في تفسيره (٢/٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. قال الهيثمي في المجمع (٩/١٣٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ أَيْ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المدةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ كَقَوْلِهِ [[في جـ: "وكقوله".]] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فَاطِرِ:١١] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:٢] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ للجُبَناء وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُص مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهبان، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[في جـ: "للمسلمين".]] -وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ-: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تعبُروا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ، هَذِهِ [[في أ، و: "وهذه".]] النُّطْفَةُ؟ -يَعْنِي دِجْلَة- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا: ديوان، فهربوا [[في جـ: "وهربوا".]] [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قدّرَه اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نَصِيبٍ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى:٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨، ١٩] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أَيْ: سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرهم وَعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ [[في جـ، ر، أ، و: "للمؤمنين".]] عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُد-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ قرؤوا: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا [[في جـ: "لأنه لو قتلوا"، وفي ر: "فإنه قال لو قتلوا".]] لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا.
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من و.]] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي [[في و: "الذي".]] قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: "إِنَّ [[في ر: "بأن".]] مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ". فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وترْكِهم الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟.
وَقِيلَ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [[في و: "وقيل: وكم من نبي قتل معه ربيون كثير".]] .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ، [فَإِنَّهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَقُلْ [[في جـ، أ، و: "ولم يحك".]] غَيْرُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عن ابن مَسْعُودٍ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: أُلُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ: الرِّبِّيُّونَ: الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الْحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: عُلَمَاءُ كَثِيرٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا: عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبيون، بِفَتْحِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَالرَّبَّابِيُّونَ: [[في جـ، ر: "الربانيون".]] الْوُلَاةُ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يَقُولُ: فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ، أنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تَخَشَّعوا. وَقَالَ السُّدِّي وَابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِل نَبِيُّهُمْ.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجيرى إِلَّا ذَلِكَ.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ [[في ر: "العافية".]] ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: جمَع لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
يُحَذِّرُ [[في أ: "يخبر".]] تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ تُورِثُ الرَّدَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [[في ر: "الأخرى".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَمُوَالَاتِهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ سَيُلقي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الْخَوْفَ مِنْهُمْ وَالذِّلَّةَ لَهُمْ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، مَعَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، فَقَالَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً [[صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي التَّيْمِيَّ-عَنْ سَيّار، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "فَضَّلَني [رَبِّي] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، والمسند.]] عَلَى الأنْبِيَاء -أَوْ قَالَ: عَلَى الأمَمِ-بأَرْبَعٍ" قَالَ "أُرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّهَا وَلأمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأيْنَمَا أدْرَكَتْ [[في و: "أدركه".]] رَجُلا مِنْ أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ و [[في جـ ر: "مسجده وعنده طهوره".]] طَهُوُرهُ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وأحَل لِيَ [[في جـ: "لنا".]] الغنائِم".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ سَيَّار القُرَشي الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الدِّمَشْقِيِّ -سَكَنَ الْبَصْرَةَ-عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْنِ عَجْلان، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (٥/٢٤٨) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٣) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ".
وَرَوَاهُ [[في جـ، ر: "رواه".]] مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ [[صحيح مسلم برقم (٥٢٣) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَة، عَنْ أَبِيهِ [[في أ: "عن أبيه عن أبي موسى".]] أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ، وَجعلَتْ لِيَ الأرْض طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِم وَلَمْ تَحِل لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ [[في و: "بالرعب مسيرة شهر".]] شَهْرًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَل شَفَاعَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا".
تفرد به أحمد [[المسند (٤/٤١٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٥٨) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
وَرَوَى العَوْفيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَالَ: قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِ أَبِي سُفْيَانَ الرُّعْبَ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفا، وَقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبِ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ لِأَنَّ عَدُوَّهُمْ كَانَ ثَلَاثَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا وَاجَهُوهُمْ كَانَ الظَّفَرُ وَالنَّصْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِلْإِسْلَامِ، فَلَمَّا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ عِصْيَانِ الرُّماة وَفَشَلِ بَعْضِ الْمُقَاتِلَةِ، تَأَخَّرَ الْوَعْدُ الَّذِي كَانَ مَشْرُوطًا بِالثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أَيْ: تَقْتُلُونَهُمْ [[في ر: "يقتلونكم".]] ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْلِيطِهِ إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ وَقَالَ [[في أ، و: "قال".]] ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَشَلُ الْجُبْنُ، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كَمَا وَقَعَ لِلرُّمَاةِ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وَهُوَ الظَّفَرُ مِنْهُمْ [[في و: "بهم".]] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وَهْمُ الَّذِينَ رَغِبُوا فِي الْمَغْنَمِ حِينَ رَأَوُا الْهَزِيمَةَ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثُمَّ أَدَالَهُمْ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أَيْ: غَفَرَ لَكُمْ ذَلِكَ الصَّنِيع، وَذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-لِكَثْرَةِ عَدد الْعَدُوِّ وعُدَدهم، وَقِلَّةِ عَدد الْمُسْلِمِينَ وعُدَدهم.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ قَالَ: لَمْ يَسْتَأْصِلْكُمْ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أخبرنا عبد الرحمن ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في هـ ر: "أبي عبيد الله"، والصواب ما أثبتناه من المسند.]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَصَرَ اللَّهُ فِي مَوْطِن كَمَا نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كتابُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: والحَسُّ: الْقَتْلُ [[في ر: "والحس الفشل".]] ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ الْآيَةَ [[في جـ، ر، أ، و: (حتى إذا فشلتم -إلى قوله- وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين) .]] وَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا الرُّمَاةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلا تَنْصُرُونَا وَإنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلا تُشْرِكُونَا. فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأباحُوا عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ أَكَبَّتِ الرُّماة جَمِيعًا [وَدَخَلُوا] [[زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.]] فِي الْعَسْكَرِ يَنْهَبُونَ، وَلَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهُم هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ-وَانْتَشَبُوا، فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَضَرَبَ [[في و: "يضرب".]] بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبُسُوا، وقُتل من المسلمين ناس كَثِيرٌ، وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ، حَتَّى قُتِل مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تسعةٌ، وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ وَلَمْ يَبْلُغُوا -حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ-الْغَارَ، إِنَّمَا كَانَ [[في أ، و: "كانوا".]] تَحْتَ المِهْراس، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتل مُحَمَّدٌ، فَلَمْ يُشَك فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ مَا نَشُك أَنَّهُ حَقٌّ، حَتَّى طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ، نَعْرِفُهُ بِتَلَفُّتِهِ [[في جـ: "بتكفيه"، وفي ر: "بتلسعه"، وفي أ، و: "بتكفئه".]] إِذَا مَشَى -قَالَ: فَفَرِحْنَا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنَا مَا أَصَابَنَا-قَالَ: فَرَقِيَ نَحْوَنَا وَهُوَ يَقُولُ: "اشْتَدَّ [[في ر: "شد".]] غَضَبَ اللهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ". وَيَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: "اللَّهم إِنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونَا". حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَمَكَثَ سَاعَةً، فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ يَصِيحُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ: اعْلُ هُبَلُ، مَرَّتَيْنِ -يَعْنِي آلِهَتَهُ-أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشة؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قحَافة؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُجِيبَهُ؟ قَالَ: "بَلَى" قَالَ: فَلَمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَلُ. قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ أَنْعَمَتْ عَيْنُهَا فعَادِ عَنْهَا [[في جـ: "فعاذ عنها"، وفي ر: "فعال عنها".]] أَوْ: فَعَالِ! فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافة؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَا أَنَا ذَا عُمَرُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الْأَيَّامُ دُوَل، وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَال. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءً، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ [[في أ: "وقال".]] إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ [[في جـ، ر: "لتزعمون".]] ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنا إِذًا وخَسِرْنا ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثْلَةً [[في جـ، ر، أ، و: "مثلا".]] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ سُرَاتِنَا. قَالَ: ثُمَّ أدركَتْه حَمِيَّة الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نَكْرهْه.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ مِنْ مُرْسَلَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ أحُدًا وَلَا أَبُوهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي النَّضْر الْفَقِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، بِهِ [[المسند (١/٢٨٧، ٢٨٨) والمستدرك (٢/٢٩٦) ودلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٦٩، ٢٧٠) .]] وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ، خلْف الْمُسْلِمِينَ، يُجْهزْن [[في ر: "يجهزون".]] عَلَى جَرْحى الْمُشْرِكِينَ، فَلَوْ حَلَفت يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أَنْ أبَر: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فَلَمَّا خَالَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوا مَا أُمِرُوا بِهِ، أُفْرِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِسْعَةٍ: سَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ عَاشِرُهُمْ، فَلَمَّا رهقُوه [قَالَ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَدَّهُمْ عَنَّا". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ سَاعَةً حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا رَهقُوه] [[زيادة من جـ، ر، والمسند.]] أَيْضًا قَالَ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلا رَدَّهُمْ عَنَّا". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَا حَتَّى قُتِل السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا".
فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: اعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُولُوا: اللهُ أعْلَى وأجَلُّ". فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُولُوا: "اللهُ مَوْلانَا، وَالْكَافِرُونَ لَا مَوْلَى لَهُم". ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يومٌ بيوْم بَدْر، يومٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا [[في جـ، ر، أ، و: "يوم لنا ويوم علينا".]] وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَر. حَنْظَلَةَ بِحَنْظَلَةَ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا سَوَاء. أمَّا قَتْلانَا فَأْحَيْاءٌ يُرْزَقُونَ، وَقْتَلاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ كَانَ [[في جـ، ر: "كانت".]] فِي الْقَوْمِ مَثُلَةٌ، وإنْ كانَتْ لَعَنْ [[في جـ: "على".]] غَيْرِ مَلأ منَّا، مَا أمرتُ وَلَا نَهَيْتُ، وَلَا أحْبَبْتُ وَلَا كَرِهتُ، وَلَا سَاءَنِي وَلَا سرَّني. قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا حمزةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُه، وأخذتْ هنْد كَبده فلاكَتْها فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أكَلَتْ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "مَا كَانَ اللهُ ليُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ".
قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَجِيء بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَوُضِع إِلَى جَنْبِهِ فصلَّى عَلَيْهِ، فَرُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وتُرِكَ حَمْزَةُ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرٍ فوضعَه إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلَّى [عَلَيْهِ] [[زيادة من جـ، ر، والمسند.]] ثُمَّ رُفِعَ وتُرِكَ حَمْزَةُ، حَتَّى صلَّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ صَلَاةً.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (١/٤٦٢) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَس النَّبِيُّ ﷺ جَيْشا مِنَ الرُّماة، وأمَّر عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ جُبَيْر-وَقَالَ: "لَا تَبْرَحُوا إنْ [[في جـ، ر، أ، و: "وإن".]] رأيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلا تُعِينُونَا". فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ هربُوا، حَتَّى رَأَيْنَا النِّسَاءَ يَشْتَددْنَ [[في ر: "يشتدن". وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه من البخاري (٤٠٤٣) .]] فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقهن، وَقَدْ بَدَتْ خَلاخلهن، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغنيمةَ الغَنيمة. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَلَّا تَبْرَحُوا. فأبَوْا، فَلَمَّا أبَوْا صَرَفَ وُجُوهَهُمْ، فأُصِيب سَبْعُونَ قَتِيلًا فَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ فَقَالَ: "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ قُتِلوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا. فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدَوَّ اللهِ، قَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ مَا يُحزِنكَ [[في جـ، ر: "ما يخزيك".]] فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْل هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ". فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَال، وَتَجِدُونَ مَثُلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَير بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٤٣) وبرقم (٣٩٨٦) .]] وَسَيَأْتِي بأبْسط مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحد هُزِم الْمُشْرِكُونَ، فصَرخَ إِبْلِيسُ: أيْ عِبَادُ اللَّهِ، أخْرَاكم. فَرَجعت أَوْلَادُهُمْ [[في و: "أولاهم".]] فاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَبَصُرَ حُذَيفة فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أيْ عِبَادَ اللَّهِ، أَبِي أَبِي. قَالَ: قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوه، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ [[صحيح البخاري (٤٠٦٥) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَده أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَم [هِنْدَ] [[زيادة من جـ، وسيرة ابن هشام.]] وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرات هَوَارِبَ مَا دُونُ أخْذهن كَثِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ [[في جـ، ر، و: "قليل ولا كثير".]] وَمَالَتِ الرُّماة إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنا الْقَوْمَ عَنْهُ، يُرِيدُونَ النَّهْبَ وَخَلَّوا ظهورنَا لِلْخَيْلِ فَأَتَتْنَا مِنْ أَدْبَارِنَا، وَصَرَخَ [[في جـ: "فصرخ".]] صَارِخٌ: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أصَبْنا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ، حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمْ يَزَلْ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ صَرِيعًا، حَتَّى أَخَذَتْهُ عَمْرَة بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ، فَدَفَعَتْهُ لِقُرَيْشٍ فَلَاثُوا [[في جـ، ر: "فلاذوا".]] بِهِ [[في و: "بها".]] [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧٠) .]] وَقَالَ السُّدِّي عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: قَالَ [[في و: "عن".]] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في جـ: "عن عبد خير عنه عبد الله بن مسعود"، وفي ر: "عند جواب عبد الله بن مسعود".]] قَالَ: مَا كنتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتْ [[في و: "نزل".]] فِينَا مَا نَزَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ .
وَقَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ وَجْه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَا رُوي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف وَأَبِي طَلْحَةَ، رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويَه فِي تَفْسِيرِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، أحدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَالَ: انْتَهَى أنسُ بنُ النَّضر، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيد اللَّهِ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَدْ ألْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: مَا يُخَلِّيكُمْ [[في جـ، و: "ما يجلسكم"، وفي ر: "ما نحلتكم".]] ؟ فَقَالُوا: قُتِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القومَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِل.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَمَّهُ -يَعْنِي أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ-غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَئِنْ أشْهدني اللَّهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيَرَيَنّ اللَّهُ مَا أُجدّ فَلَقِيَ يومَ أُحُدٍ، فهُزم الناسُ، فَقَالَ: اللهُمّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ-وأبرَأ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلقي سعدَ بْنَ مُعَاذ فَقَالَ: أينَ يَا سَعْدُ؟ إِنِّي أجدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ. فَمَضَى فَقُتِل، فَمَا عُرف حَتَّى عَرَفته أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ [[في ر: "بثيابه".]] بِشَامَةٍ [[في جـ، ر، و: "أو بشامة".]] وَبِهِ بِضْعٌ وثمانون من طَعْنة وضَرْبة ورَمْية بسَهْم.
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٣) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَب قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ القُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَر. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي. قَالَ: أنْشُدُك بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُه تَغَيَّب عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فتعْلم أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرّضْوان فَلَمْ يشهَدْها؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ، فَقَالَ [[في جـ، ر، و: "قال".]] ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأخبرَك ولأبيَّن لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ. أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبه عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تحتَه بنتُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في جـ: "النبي".]] ﷺ: "إنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَه". وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عثمانَ، فَكَانَتْ [[في جـ: "وكانت".]] بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان". فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".
ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَوانة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٦) وبرقم (٣٦٩٨) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أَيْ: صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أَيْ: فِي الْجَبَلِ هَارِبِينَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أَيْ: فِي الْجَبَلِ ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أَيْ: وَأَنْتُمْ لَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الدَّهَش وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أَيْ: وَهُوَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهوركم يَدْعُوكُمْ إِلَى تَرْك الْفِرَارِ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَإِلَى الرَّجْعَةِ وَالْعَوْدَةِ وَالْكَرَّةِ.
قَالَ السُّدِّي: لَمَّا شَدّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ فَهَزَمُوهُمْ، دَخَلَ بَعْضُهُمُ الْمَدِينَةَ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّخْرَةِ فَقَامُوا عَلَيْهَا، وَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ: "إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عِبَادَ اللَّهِ". فَذَكَرَ [[في جـ: "فذكرهم".]] اللَّهُ صُعُودَهُمْ عَلَى [[في و: "إلى".]] الْجَبَلِ، ثُمَّ ذَكَرَ دُعَاء النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُمْ فَقَالَ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ .
وَكَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزّبَعْري يَذْكُرُ هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي قَصِيدَتِهِ -وَهُوَ مُشْرِكٌ بَعْدُ لَمْ يُسْلِمْ-الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
يَا غُرابَ البَيْنِ أسْمَعْتَ فَقُل ... إِنَّمَا تَنْطقُ شَيْئًا قَدْ فُعلْ ...
إِنَّ لِلْخَيْرِ وللشر مَدى ... وكلا ذلك وجْه وقَبلْ ...
إِلَى أَنْ قَالَ:
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الأسَلْ
حِينَ حَكَّت [[في أ، و: "حلت".]] بقُباء بَرْكها [[في جـ، أ: "تركها".]] وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ
ثُمَّ خَفّوا [[في جـ، ر: "حفوا".]] عنْدَ ذَاكُم رُقَّصا رَقَصَ الحَفَّان يَعْلُو [[في أ، و: "تعلو".]] فِي الجَبَل
فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وعَدَلنا مَيْل [[في جـ: "قتل".]] بَدْرٍ فاعتدَل [[السيرة النبوية لابن هشام (٣/١٣٦) .]]
الْحَفَّانُ: صِغَارُ النَّعَمِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أُفْرِدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَير، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا-عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبير قَالَ: وَوَضَعَهُمْ مَوْضِعًا وَقَالَ: "إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفَنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا ظَهَرنَا عَلَى الْعَدُوّ وأوَطأناهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إلَيْكُمْ قَالَ: فَهَزَمُوهُمْ. قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتددن [[في أ: "يشتدون".]] عَلَى الْجَبَلِ، وَقَدْ بَدَتْ أسْؤُقُهنّ وخَلاخلُهُن رَافِعَاتٌ ثيابهُن، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمة، أَيْ قَوْمُ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ [[في جـ، ر: "تنظرون".]] ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ [[في جـ، ر، أ، و: "أفنسيتم".]] مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْر أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ -ثَلَاثًا -قَالَ: فَنَهَاهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافة؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، قَدْ كُفيتُمُوه. فَمَا مَلَكَ عُمَر نفسَه أَنْ قَالَ: كذبتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لِأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وقد بَقى لك ما يسوؤك. فَقَالَ [[في أ، و: "قال".]] يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَال، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مَثُلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي [[في جـ: "لم يسوؤني".]] ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ، يَقُولُ: اعلُ هُبَلْ. اعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تُجِيبُوه [[في جـ، ر: "ألا تجيبونه".]] ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". قَالَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تُجِيبُوهُ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ" [[المسند (٤/٢٩٣) .]] .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَير بْنِ مُعَاوِيَةَ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ إسرائيل، عن أبي إِسْحَاقَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ [[في جـ: "عمار".]] بْنِ غَزِيَّة، عَنْ أَبِي الزُّبَير، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَبَقِيَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَصْعَدُ [[في أ، و: "يصعد في".]] الْجَبَلَ، فَلَقِيَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ: "أَلَا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "كمَا أنْتَ يَا طَلْحَةُ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَاتَلَ عَنْهُ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، ثُمَّ قُتل الْأَنْصَارِيُّ فَلَحِقُوهُ فَقَالَ: "أَلَا رجُلٌ لِهؤُلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَاتَلَ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ يَصْعَدْنَ، ثُمَّ قُتِلَ فَلَحِقُوهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ [[في جـ، ر، أ، و: "ويقول".]] طَلْحَةُ: فَأَنَا [[في أ، و: "أنا".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَحْبِسُهُ، فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلْقِتَالِ فيأذَنُ لَهُ، فَيُقَاتِلُ [[في أ، و: "فقاتل".]] مِثْلَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا طَلْحَةُ فَغشَوْهما، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لِهَؤلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا. فَقَاتَلَ مثْل قِتَالِ جَمِيعِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَأُصِيبَتْ أَنَامِلُهُ، فَقَالَ: حَسِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لوْ قُلْتَ: بِاسْمِ اللهِ، وذَكرت اسْمَ اللَّهِ، لَرَفَعَتْكَ الملائِكَة والنَّاسُ يَنْظُرونَ إلَيْكَ، حَتَّى تلجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ"، ثُمَّ صَعِدَ [[في ر، و: "أصعد".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ [[دلائل النبوة (٣/٢٣٦) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْس بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ -يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٣) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مُعْتَمر بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثمان النَّهْدِي قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طلحةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعْدٍ، عَنْ حَديثهما [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٤) .]] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوه قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ: وَهُوَ رَفِيقِي فِي الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: مَا أنْصَفْنَا أصْحَابنا".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدبة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ مسلمة [[في جـ، ر: "سلمة".]] بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٧٨٩) .]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المسيَّب يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ر، أ، و.]] يقول: نَثُل لي رَسُولُ [[في ر: "نثل- قال الحسن بن عرفة: نثل: أي نفض لي رسول الله".]] اللَّهِ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي".
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥٥) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [[في: "سعيد".]] حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ بَعْضِ آلِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ؛ أَنَّهُ رَمَى يَوْمَ أُحُدٍ دونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ وَيَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي" حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَيْسَ لَهُ نَصْلٌ، فَأَرْمِي بِهِ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ [[في جـ، ر، أ، و: "إبراهيم بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ".]] قَالَ: رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا بَعْدَهُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٠٦) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أبَيُّ بْنُ خَلَف، أَخُو بَنِي جُمَح، قَدْ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لَيَقْتُلَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا بلغتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ حَلْفَتُه قَالَ: "بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ". فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَ أبَي فِي الْحَدِيدِ مُقَنَّعا، وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا مُحَمَّدٌ. فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ قتْله، فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَب بْنُ عُمَير، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبْصَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ تَرْقُوَة أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فَرْجةَ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ، وَطَعَنَهُ فِيهَا بِحَرْبَتِهِ، فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ فَرَسِهِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوار الثَّوْرِ، فَقَالُوا لَهُ: مَا أَجْزَعَكَ إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أقْتُلُ أُبيا". ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي المَجَاز لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ. فَمَاتَ إِلَى النَّارِ، فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبة فِي مَغَازِيهِ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِنَحْوِهِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا أسْنِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعْبِ، أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا نجوتُ إِنْ نجوتَ فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْطف عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعُوُه" فَلَمَّا دَنَا تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] الْحَرْبَةَ مَنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّة، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ مَا ذَكَرَ [[في أ، و: "كما ذكر".]] لِي: فَلَمَّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً، تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشّعْر عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تدأدَأ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَير، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧١) برواية محمد بن سلمة.]] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَاتَ أبَيّ بْنُ خَلَفٍ بِبَطْنِ رَابِغٍ، فَإِنِّي لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح [[في أ، و: "تأجج لي".]] فَهِبْتُهَا، فَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَهِيجُ بِهِ الْعَطَشُ، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: لَا تَسْقِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ -وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ-اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٣) .]] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٠٧٤، ٤٠٧٦) .]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِيَدِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوا وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أُصِيبَتْ رَبَاعِية رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشُجَّ فِي وَجْنَته، وكُلِمَت شَفَتُه [[في و: "شفتاه".]] وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ.
فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسان، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ قَالَ: مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ قَط مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ عُتْبة بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الخلُق، مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، وَلَقَدْ كَفَانِي فِيهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧٢) .]] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا معْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عُثْمَانَ الجزَري، عَنْ مقْسَم؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَى عُتْبةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ يَوْمَ أحُد حِينَ كَسر رَبَاعيتَه ودَمى وَجْهَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تَحُلْ [[في جـ، ر: "لا يحل".]] عَلَيْهِ الْحَوْل حَتَّى يموتَ كَافِرًا". فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الحولُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) .]] .
ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوة، عَنْ أَبِي الحُويرث، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سمعتُ رجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أحُدًا فَنَظَرْتُ إِلَى النَّبْل يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في و: "وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وسطها".]] وَسَطَهَا، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَف عَنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلّوني عَلَى مُحَمَّدٍ، لَا نَجَوتُ إِنْ نَجَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ لَيْسَ مَعَهُ [[في و: "ما معه".]] أَحَدٌ، ثُمَّ جَاوَرَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "جاوزه".]] فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوان، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ، أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ مِنَّا مَمْنُوعٌ. خَرَجْنَا أَرْبَعَةً فَتَعَاهَدْنَا وَتَعَاقَدْنَا عَلَى قَتْلِهِ، فَلَمْ نَخْلُصْ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي رَمَى فِي وَجْنَتي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ قَميئة [[في جـ، ر: "قمأة".]] وَالَّذِي دَمى شَفَتَهُ [[في و: "شفتيه".]] وَأَصَابَ رَبَاعِيَتَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ [[المغازي للواقدي (١/٢٤٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا ذَكَرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال: كان".]] ذَاكَ [[في أ: "ذلك".]] يَوْمٌ كُله لِطَلْحَةَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاء يَوْمَ أُحُدٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَهُ -وَأُرَاهُ قَالَ: حَميَّة فَقَالَ [[في جـ، ر: "قال".]] فَقُلْتُ: كُنْ طَلْحَةَ، حَيْثُ فَاتَنِي مَا فَاتَنِي، فَقُلْتُ: يَكُونُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، وَهُوَ يَخْطِفُ الْمَشْيَ خَطْفًا لَا أَحْفَظُهُ [[في جـ، ر: "لا أخطفه".]] فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيتُه وشُجّ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَته حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَق المِغْفَر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَليكُما صَاحِبَكُما". يُرِيدُ طَلْحَةَ، وَقَدْ نَزَفَ، فَلَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ: وَذَهَبْتُ لِأَنْ أَنْزِعَ [[في جـ، ر: "لأنزع".]] ذَلِكَ [[في جـ، ر، أ، و: "ذاك".]] مِنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي. فَتَرَكْتُهُ، فَكَرِهَ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ فَيُؤْذِيَ النَّبِيَّ [[في و: "رسول الله".]] ﷺ، فَأزَمَّ عَلَيْهَا [[في و: "عليه".]] بِفِيهِ فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ، وَوَقَعَتْ ثَنيَّته مَعَ الْحَلْقَةِ، ذَهَبْتُ لِأَصْنَعَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي، قَالَ: فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَحْسَنَ [[في أ، و: "من أحسن".]] النَّاسِ هَتْما، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْجِفَارِ، فَإِذَا بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ طَعْنَةٍ ورَمْيَة وَضَرْبَةٍ، وَإِذَا قَدْ قُطعَتْ إِصْبَعُهُ، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ.
وَرَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيب، وَالطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بِهِ. وَعِنْدَ الْهَيْثَمِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنْشُدُكَ [[في جـ، أ، و: "أنشدك بالله".]] يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي؟ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضَه كراهيةَ [[في ر: "كراهة".]] أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتل السَّهْمَ بِفِيهِ فَبَدَرَتْ [[في جـ: "فبذرت" وفي ر، أ، و: "فنذرت".]] ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَذَكَرَ تَمَامَهُ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ [[مسند الطيالسي (ص٣) والمختارة للضياء المقدسي برقم (٤٩) من طريق الهيثم بن كليب، ورواه البزار في مسنده برقم (٦٣) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٩٤١) "الإحسان" من طريق إسحاق بن يحيى به. قال الهيثمي في المجمع (٦/١١٢) : "فيه إسحاق بن يحيى وهو متروك".]] وَقَدْ ضَعّف عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى هَذَا، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرعة، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عُمَر بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ بَلَّغَهُ أَنَّ مَالِكًا أَبَا [أَبِي] [[زيادة من جـ.]] سَعِيدٍ الخُدْري لمَّا جُرِحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مَصّ الْجُرْحَ حَتَّى أَنْقَاهُ وَلَاحَ أَبْيَضَ، فَقِيلَ لَهُ: مُجَّه. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا. ثُمَّ أَدْبَرَ يُقَاتِلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فلينظُرْ إِلَى هَذَا " فَاسْتُشْهِدَ [[ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/٢٦٦) من طريق ابن وهب به.]] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ [[في ر: "حاتم".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد أنه سُئِلَ عَنْ جُرح رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جُرح وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكسِرت رَبَاعِيتُه، وهُشِمَت البَيْضة عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ [[في جـ، ر: "وكانت".]] فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِي يَسْكُبُ عَلَيْهَا [[في جـ، ر، أ، و: "عليه".]] بالمِجَنّ [[في جـ، ر، أ، و: "عليه الماء بالمجن".]] فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَنَّ الْمَاءَ لَا يزيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قطعةَ حَصِير فَأَحْرَقَتْهُ، حَتَّى إِذَا صَارَ [[في أ: "صارت".]] رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بالجُرْح، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ [[صحيح البخاري برقم (٢٩١١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَيْ: فَجَازَاكُمْ غَما عَلَى غَم كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] [أَيْ: عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ] [[زيادة من جـ.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ، وَحِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالثَّانِي: حِينَ عَلَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا".
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ، وَالثَّانِي: حِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَعْظَمَ مِنَ الْهَزِيمَةِ.
رَوَاهُمَا ابْنُ مَرْدُويَه، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا.
وَقَالَ السُّدِّي: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَتْحِ، وَالثَّانِي: بِإِشْرَافِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَيْ: كَرْبا بَعْدَ كَرْبٍ، قَتْل مَنْ قُتل مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وعُلُو عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ، وَمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "قُتل نَبِيُّكُمْ" [[في أ، و: "من قبل قتل نبيكم".]] فَكَانَ [[في جـ: "وكان".]] ذَلِكَ مُتَتَابِعًا [[في أ، و: "مما تتابع".]] عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: سَمَاعُهُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ، وَالثَّانِي: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ. وَعَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عكسُه.
وَعَنِ السُّدِّي: الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَر وَالْغَنِيمَةِ، وَالثَّانِي: إِشْرَافُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قولُ مَنْ قَالَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَأَثَابَكُمْ بغَمكُم أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ غنيمةَ الْمُشْرِكِينَ والظَّفر بِهِمْ والنصرَ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ يَوْمَئِذٍ -بَعْدَ الَّذِي أَرَاكُمْ [[في جـ، ر، أ، و: "الذي كان قد أراكم".]] فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا تُحِبُّونَ -بِمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ، وَخِلَافِكُمْ أَمْرَ النَّبِيِّ [[في أ، و: "نبيكم".]] ﷺ، غَم ظَنِّكُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قُتِلَ، وَمَيْلِ العدو عليكم بعد فُلولكم منهم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِعَدُوِّكُمْ ﴿وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
يُحَذِّرُ [[في أ: "يخبر".]] تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ تُورِثُ الرَّدَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [[في ر: "الأخرى".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَمُوَالَاتِهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ سَيُلقي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الْخَوْفَ مِنْهُمْ وَالذِّلَّةَ لَهُمْ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، مَعَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، فَقَالَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً [[صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي التَّيْمِيَّ-عَنْ سَيّار، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "فَضَّلَني [رَبِّي] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، والمسند.]] عَلَى الأنْبِيَاء -أَوْ قَالَ: عَلَى الأمَمِ-بأَرْبَعٍ" قَالَ "أُرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّهَا وَلأمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأيْنَمَا أدْرَكَتْ [[في و: "أدركه".]] رَجُلا مِنْ أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ و [[في جـ ر: "مسجده وعنده طهوره".]] طَهُوُرهُ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وأحَل لِيَ [[في جـ: "لنا".]] الغنائِم".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ سَيَّار القُرَشي الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الدِّمَشْقِيِّ -سَكَنَ الْبَصْرَةَ-عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْنِ عَجْلان، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (٥/٢٤٨) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٣) .]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ".
وَرَوَاهُ [[في جـ، ر: "رواه".]] مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ [[صحيح مسلم برقم (٥٢٣) .]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَة، عَنْ أَبِيهِ [[في أ: "عن أبيه عن أبي موسى".]] أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ، وَجعلَتْ لِيَ الأرْض طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِم وَلَمْ تَحِل لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ [[في و: "بالرعب مسيرة شهر".]] شَهْرًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَل شَفَاعَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا".
تفرد به أحمد [[المسند (٤/٤١٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٥٨) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
وَرَوَى العَوْفيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَالَ: قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِ أَبِي سُفْيَانَ الرُّعْبَ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفا، وَقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبِ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنزلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ لِأَنَّ عَدُوَّهُمْ كَانَ ثَلَاثَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا وَاجَهُوهُمْ كَانَ الظَّفَرُ وَالنَّصْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِلْإِسْلَامِ، فَلَمَّا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ عِصْيَانِ الرُّماة وَفَشَلِ بَعْضِ الْمُقَاتِلَةِ، تَأَخَّرَ الْوَعْدُ الَّذِي كَانَ مَشْرُوطًا بِالثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أَيْ: تَقْتُلُونَهُمْ [[في ر: "يقتلونكم".]] ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْلِيطِهِ إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ وَقَالَ [[في أ، و: "قال".]] ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَشَلُ الْجُبْنُ، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كَمَا وَقَعَ لِلرُّمَاةِ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وَهُوَ الظَّفَرُ مِنْهُمْ [[في و: "بهم".]] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وَهْمُ الَّذِينَ رَغِبُوا فِي الْمَغْنَمِ حِينَ رَأَوُا الْهَزِيمَةَ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثُمَّ أَدَالَهُمْ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أَيْ: غَفَرَ لَكُمْ ذَلِكَ الصَّنِيع، وَذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-لِكَثْرَةِ عَدد الْعَدُوِّ وعُدَدهم، وَقِلَّةِ عَدد الْمُسْلِمِينَ وعُدَدهم.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ قَالَ: لَمْ يَسْتَأْصِلْكُمْ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أخبرنا عبد الرحمن ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في هـ ر: "أبي عبيد الله"، والصواب ما أثبتناه من المسند.]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَصَرَ اللَّهُ فِي مَوْطِن كَمَا نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كتابُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: والحَسُّ: الْقَتْلُ [[في ر: "والحس الفشل".]] ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ الْآيَةَ [[في جـ، ر، أ، و: (حتى إذا فشلتم -إلى قوله- وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين) .]] وَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا الرُّمَاةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلا تَنْصُرُونَا وَإنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلا تُشْرِكُونَا. فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأباحُوا عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ أَكَبَّتِ الرُّماة جَمِيعًا [وَدَخَلُوا] [[زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.]] فِي الْعَسْكَرِ يَنْهَبُونَ، وَلَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهُم هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ-وَانْتَشَبُوا، فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَضَرَبَ [[في و: "يضرب".]] بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبُسُوا، وقُتل من المسلمين ناس كَثِيرٌ، وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ، حَتَّى قُتِل مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تسعةٌ، وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ وَلَمْ يَبْلُغُوا -حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ-الْغَارَ، إِنَّمَا كَانَ [[في أ، و: "كانوا".]] تَحْتَ المِهْراس، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتل مُحَمَّدٌ، فَلَمْ يُشَك فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ مَا نَشُك أَنَّهُ حَقٌّ، حَتَّى طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ، نَعْرِفُهُ بِتَلَفُّتِهِ [[في جـ: "بتكفيه"، وفي ر: "بتلسعه"، وفي أ، و: "بتكفئه".]] إِذَا مَشَى -قَالَ: فَفَرِحْنَا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنَا مَا أَصَابَنَا-قَالَ: فَرَقِيَ نَحْوَنَا وَهُوَ يَقُولُ: "اشْتَدَّ [[في ر: "شد".]] غَضَبَ اللهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ". وَيَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: "اللَّهم إِنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونَا". حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَمَكَثَ سَاعَةً، فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ يَصِيحُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ: اعْلُ هُبَلُ، مَرَّتَيْنِ -يَعْنِي آلِهَتَهُ-أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشة؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قحَافة؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُجِيبَهُ؟ قَالَ: "بَلَى" قَالَ: فَلَمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَلُ. قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ أَنْعَمَتْ عَيْنُهَا فعَادِ عَنْهَا [[في جـ: "فعاذ عنها"، وفي ر: "فعال عنها".]] أَوْ: فَعَالِ! فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافة؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَا أَنَا ذَا عُمَرُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الْأَيَّامُ دُوَل، وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَال. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءً، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ [[في أ: "وقال".]] إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ [[في جـ، ر: "لتزعمون".]] ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنا إِذًا وخَسِرْنا ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثْلَةً [[في جـ، ر، أ، و: "مثلا".]] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ سُرَاتِنَا. قَالَ: ثُمَّ أدركَتْه حَمِيَّة الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نَكْرهْه.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ مِنْ مُرْسَلَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ أحُدًا وَلَا أَبُوهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي النَّضْر الْفَقِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، بِهِ [[المسند (١/٢٨٧، ٢٨٨) والمستدرك (٢/٢٩٦) ودلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٦٩، ٢٧٠) .]] وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ، خلْف الْمُسْلِمِينَ، يُجْهزْن [[في ر: "يجهزون".]] عَلَى جَرْحى الْمُشْرِكِينَ، فَلَوْ حَلَفت يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أَنْ أبَر: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فَلَمَّا خَالَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوا مَا أُمِرُوا بِهِ، أُفْرِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِسْعَةٍ: سَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ عَاشِرُهُمْ، فَلَمَّا رهقُوه [قَالَ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَدَّهُمْ عَنَّا". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ سَاعَةً حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا رَهقُوه] [[زيادة من جـ، ر، والمسند.]] أَيْضًا قَالَ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلا رَدَّهُمْ عَنَّا". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَا حَتَّى قُتِل السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا".
فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: اعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُولُوا: اللهُ أعْلَى وأجَلُّ". فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُولُوا: "اللهُ مَوْلانَا، وَالْكَافِرُونَ لَا مَوْلَى لَهُم". ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يومٌ بيوْم بَدْر، يومٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا [[في جـ، ر، أ، و: "يوم لنا ويوم علينا".]] وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَر. حَنْظَلَةَ بِحَنْظَلَةَ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا سَوَاء. أمَّا قَتْلانَا فَأْحَيْاءٌ يُرْزَقُونَ، وَقْتَلاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ كَانَ [[في جـ، ر: "كانت".]] فِي الْقَوْمِ مَثُلَةٌ، وإنْ كانَتْ لَعَنْ [[في جـ: "على".]] غَيْرِ مَلأ منَّا، مَا أمرتُ وَلَا نَهَيْتُ، وَلَا أحْبَبْتُ وَلَا كَرِهتُ، وَلَا سَاءَنِي وَلَا سرَّني. قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا حمزةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُه، وأخذتْ هنْد كَبده فلاكَتْها فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أكَلَتْ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "مَا كَانَ اللهُ ليُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ".
قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَجِيء بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَوُضِع إِلَى جَنْبِهِ فصلَّى عَلَيْهِ، فَرُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وتُرِكَ حَمْزَةُ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرٍ فوضعَه إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلَّى [عَلَيْهِ] [[زيادة من جـ، ر، والمسند.]] ثُمَّ رُفِعَ وتُرِكَ حَمْزَةُ، حَتَّى صلَّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ صَلَاةً.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (١/٤٦٢) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَس النَّبِيُّ ﷺ جَيْشا مِنَ الرُّماة، وأمَّر عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ جُبَيْر-وَقَالَ: "لَا تَبْرَحُوا إنْ [[في جـ، ر، أ، و: "وإن".]] رأيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلا تُعِينُونَا". فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ هربُوا، حَتَّى رَأَيْنَا النِّسَاءَ يَشْتَددْنَ [[في ر: "يشتدن". وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه من البخاري (٤٠٤٣) .]] فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقهن، وَقَدْ بَدَتْ خَلاخلهن، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغنيمةَ الغَنيمة. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَلَّا تَبْرَحُوا. فأبَوْا، فَلَمَّا أبَوْا صَرَفَ وُجُوهَهُمْ، فأُصِيب سَبْعُونَ قَتِيلًا فَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ فَقَالَ: "لَا تُجِيبُوهُ". فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ قُتِلوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا. فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدَوَّ اللهِ، قَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ مَا يُحزِنكَ [[في جـ، ر: "ما يخزيك".]] فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْل هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ". فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أجِيبُوهُ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَال، وَتَجِدُونَ مَثُلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَير بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٤٣) وبرقم (٣٩٨٦) .]] وَسَيَأْتِي بأبْسط مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحد هُزِم الْمُشْرِكُونَ، فصَرخَ إِبْلِيسُ: أيْ عِبَادُ اللَّهِ، أخْرَاكم. فَرَجعت أَوْلَادُهُمْ [[في و: "أولاهم".]] فاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَبَصُرَ حُذَيفة فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أيْ عِبَادَ اللَّهِ، أَبِي أَبِي. قَالَ: قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوه، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ [[صحيح البخاري (٤٠٦٥) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَده أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَم [هِنْدَ] [[زيادة من جـ، وسيرة ابن هشام.]] وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرات هَوَارِبَ مَا دُونُ أخْذهن كَثِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ [[في جـ، ر، و: "قليل ولا كثير".]] وَمَالَتِ الرُّماة إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنا الْقَوْمَ عَنْهُ، يُرِيدُونَ النَّهْبَ وَخَلَّوا ظهورنَا لِلْخَيْلِ فَأَتَتْنَا مِنْ أَدْبَارِنَا، وَصَرَخَ [[في جـ: "فصرخ".]] صَارِخٌ: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتل. فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أصَبْنا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ، حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمْ يَزَلْ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ صَرِيعًا، حَتَّى أَخَذَتْهُ عَمْرَة بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ، فَدَفَعَتْهُ لِقُرَيْشٍ فَلَاثُوا [[في جـ، ر: "فلاذوا".]] بِهِ [[في و: "بها".]] [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧٠) .]] وَقَالَ السُّدِّي عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: قَالَ [[في و: "عن".]] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في جـ: "عن عبد خير عنه عبد الله بن مسعود"، وفي ر: "عند جواب عبد الله بن مسعود".]] قَالَ: مَا كنتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتْ [[في و: "نزل".]] فِينَا مَا نَزَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ .
وَقَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ وَجْه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَا رُوي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف وَأَبِي طَلْحَةَ، رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويَه فِي تَفْسِيرِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، أحدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَالَ: انْتَهَى أنسُ بنُ النَّضر، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيد اللَّهِ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَدْ ألْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: مَا يُخَلِّيكُمْ [[في جـ، و: "ما يجلسكم"، وفي ر: "ما نحلتكم".]] ؟ فَقَالُوا: قُتِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القومَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِل.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَمَّهُ -يَعْنِي أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ-غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَئِنْ أشْهدني اللَّهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيَرَيَنّ اللَّهُ مَا أُجدّ فَلَقِيَ يومَ أُحُدٍ، فهُزم الناسُ، فَقَالَ: اللهُمّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ-وأبرَأ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلقي سعدَ بْنَ مُعَاذ فَقَالَ: أينَ يَا سَعْدُ؟ إِنِّي أجدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ. فَمَضَى فَقُتِل، فَمَا عُرف حَتَّى عَرَفته أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ [[في ر: "بثيابه".]] بِشَامَةٍ [[في جـ، ر، و: "أو بشامة".]] وَبِهِ بِضْعٌ وثمانون من طَعْنة وضَرْبة ورَمْية بسَهْم.
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٣) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَب قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ القُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَر. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي. قَالَ: أنْشُدُك بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُه تَغَيَّب عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فتعْلم أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرّضْوان فَلَمْ يشهَدْها؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ، فَقَالَ [[في جـ، ر، و: "قال".]] ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأخبرَك ولأبيَّن لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ. أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبه عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تحتَه بنتُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في جـ: "النبي".]] ﷺ: "إنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَه". وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عثمانَ، فَكَانَتْ [[في جـ: "وكانت".]] بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان". فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".
ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَوانة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٦) وبرقم (٣٦٩٨) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أَيْ: صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أَيْ: فِي الْجَبَلِ هَارِبِينَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أَيْ: فِي الْجَبَلِ ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أَيْ: وَأَنْتُمْ لَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الدَّهَش وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أَيْ: وَهُوَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهوركم يَدْعُوكُمْ إِلَى تَرْك الْفِرَارِ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَإِلَى الرَّجْعَةِ وَالْعَوْدَةِ وَالْكَرَّةِ.
قَالَ السُّدِّي: لَمَّا شَدّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ فَهَزَمُوهُمْ، دَخَلَ بَعْضُهُمُ الْمَدِينَةَ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّخْرَةِ فَقَامُوا عَلَيْهَا، وَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ: "إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عِبَادَ اللَّهِ". فَذَكَرَ [[في جـ: "فذكرهم".]] اللَّهُ صُعُودَهُمْ عَلَى [[في و: "إلى".]] الْجَبَلِ، ثُمَّ ذَكَرَ دُعَاء النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُمْ فَقَالَ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ .
وَكَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزّبَعْري يَذْكُرُ هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي قَصِيدَتِهِ -وَهُوَ مُشْرِكٌ بَعْدُ لَمْ يُسْلِمْ-الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
يَا غُرابَ البَيْنِ أسْمَعْتَ فَقُل ... إِنَّمَا تَنْطقُ شَيْئًا قَدْ فُعلْ ...
إِنَّ لِلْخَيْرِ وللشر مَدى ... وكلا ذلك وجْه وقَبلْ ...
إِلَى أَنْ قَالَ:
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الأسَلْ
حِينَ حَكَّت [[في أ، و: "حلت".]] بقُباء بَرْكها [[في جـ، أ: "تركها".]] وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ
ثُمَّ خَفّوا [[في جـ، ر: "حفوا".]] عنْدَ ذَاكُم رُقَّصا رَقَصَ الحَفَّان يَعْلُو [[في أ، و: "تعلو".]] فِي الجَبَل
فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وعَدَلنا مَيْل [[في جـ: "قتل".]] بَدْرٍ فاعتدَل [[السيرة النبوية لابن هشام (٣/١٣٦) .]]
الْحَفَّانُ: صِغَارُ النَّعَمِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أُفْرِدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَير، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا-عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبير قَالَ: وَوَضَعَهُمْ مَوْضِعًا وَقَالَ: "إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفَنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا ظَهَرنَا عَلَى الْعَدُوّ وأوَطأناهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إلَيْكُمْ قَالَ: فَهَزَمُوهُمْ. قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتددن [[في أ: "يشتدون".]] عَلَى الْجَبَلِ، وَقَدْ بَدَتْ أسْؤُقُهنّ وخَلاخلُهُن رَافِعَاتٌ ثيابهُن، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمة، أَيْ قَوْمُ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ [[في جـ، ر: "تنظرون".]] ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ [[في جـ، ر، أ، و: "أفنسيتم".]] مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْر أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ -ثَلَاثًا -قَالَ: فَنَهَاهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافة؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، قَدْ كُفيتُمُوه. فَمَا مَلَكَ عُمَر نفسَه أَنْ قَالَ: كذبتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لِأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وقد بَقى لك ما يسوؤك. فَقَالَ [[في أ، و: "قال".]] يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَال، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مَثُلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي [[في جـ: "لم يسوؤني".]] ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ، يَقُولُ: اعلُ هُبَلْ. اعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تُجِيبُوه [[في جـ، ر: "ألا تجيبونه".]] ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". قَالَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تُجِيبُوهُ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ" [[المسند (٤/٢٩٣) .]] .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَير بْنِ مُعَاوِيَةَ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ إسرائيل، عن أبي إِسْحَاقَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ [[في جـ: "عمار".]] بْنِ غَزِيَّة، عَنْ أَبِي الزُّبَير، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَبَقِيَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَصْعَدُ [[في أ، و: "يصعد في".]] الْجَبَلَ، فَلَقِيَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ: "أَلَا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "كمَا أنْتَ يَا طَلْحَةُ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَاتَلَ عَنْهُ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، ثُمَّ قُتل الْأَنْصَارِيُّ فَلَحِقُوهُ فَقَالَ: "أَلَا رجُلٌ لِهؤُلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَاتَلَ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ يَصْعَدْنَ، ثُمَّ قُتِلَ فَلَحِقُوهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ [[في جـ، ر، أ، و: "ويقول".]] طَلْحَةُ: فَأَنَا [[في أ، و: "أنا".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَحْبِسُهُ، فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلْقِتَالِ فيأذَنُ لَهُ، فَيُقَاتِلُ [[في أ، و: "فقاتل".]] مِثْلَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا طَلْحَةُ فَغشَوْهما، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لِهَؤلاءِ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا. فَقَاتَلَ مثْل قِتَالِ جَمِيعِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَأُصِيبَتْ أَنَامِلُهُ، فَقَالَ: حَسِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لوْ قُلْتَ: بِاسْمِ اللهِ، وذَكرت اسْمَ اللَّهِ، لَرَفَعَتْكَ الملائِكَة والنَّاسُ يَنْظُرونَ إلَيْكَ، حَتَّى تلجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ"، ثُمَّ صَعِدَ [[في ر، و: "أصعد".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ [[دلائل النبوة (٣/٢٣٦) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْس بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ -يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٣) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مُعْتَمر بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثمان النَّهْدِي قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طلحةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعْدٍ، عَنْ حَديثهما [[صحيح البخاري برقم (٤٠٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٤) .]] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوه قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ: وَهُوَ رَفِيقِي فِي الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: مَا أنْصَفْنَا أصْحَابنا".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدبة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ مسلمة [[في جـ، ر: "سلمة".]] بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٧٨٩) .]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المسيَّب يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ر، أ، و.]] يقول: نَثُل لي رَسُولُ [[في ر: "نثل- قال الحسن بن عرفة: نثل: أي نفض لي رسول الله".]] اللَّهِ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي".
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥٥) .]] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [[في: "سعيد".]] حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ بَعْضِ آلِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ؛ أَنَّهُ رَمَى يَوْمَ أُحُدٍ دونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ وَيَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي" حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَيْسَ لَهُ نَصْلٌ، فَأَرْمِي بِهِ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ [[في جـ، ر، أ، و: "إبراهيم بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ".]] قَالَ: رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا بَعْدَهُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٠٦) .]] .
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أبَيُّ بْنُ خَلَف، أَخُو بَنِي جُمَح، قَدْ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لَيَقْتُلَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا بلغتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ حَلْفَتُه قَالَ: "بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ". فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَ أبَي فِي الْحَدِيدِ مُقَنَّعا، وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا مُحَمَّدٌ. فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ قتْله، فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَب بْنُ عُمَير، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبْصَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ تَرْقُوَة أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فَرْجةَ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ، وَطَعَنَهُ فِيهَا بِحَرْبَتِهِ، فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ فَرَسِهِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوار الثَّوْرِ، فَقَالُوا لَهُ: مَا أَجْزَعَكَ إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أقْتُلُ أُبيا". ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي المَجَاز لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ. فَمَاتَ إِلَى النَّارِ، فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبة فِي مَغَازِيهِ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِنَحْوِهِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا أسْنِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعْبِ، أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا نجوتُ إِنْ نجوتَ فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْطف عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعُوُه" فَلَمَّا دَنَا تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] الْحَرْبَةَ مَنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّة، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ مَا ذَكَرَ [[في أ، و: "كما ذكر".]] لِي: فَلَمَّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً، تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشّعْر عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تدأدَأ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَير، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧١) برواية محمد بن سلمة.]] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَاتَ أبَيّ بْنُ خَلَفٍ بِبَطْنِ رَابِغٍ، فَإِنِّي لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح [[في أ، و: "تأجج لي".]] فَهِبْتُهَا، فَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَهِيجُ بِهِ الْعَطَشُ، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: لَا تَسْقِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ -وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ-اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٣) .]] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٠٧٤، ٤٠٧٦) .]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِيَدِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوا وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أُصِيبَتْ رَبَاعِية رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشُجَّ فِي وَجْنَته، وكُلِمَت شَفَتُه [[في و: "شفتاه".]] وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ.
فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسان، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ قَالَ: مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ قَط مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ عُتْبة بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الخلُق، مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، وَلَقَدْ كَفَانِي فِيهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [[سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧٢) .]] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا معْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عُثْمَانَ الجزَري، عَنْ مقْسَم؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَى عُتْبةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ يَوْمَ أحُد حِينَ كَسر رَبَاعيتَه ودَمى وَجْهَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تَحُلْ [[في جـ، ر: "لا يحل".]] عَلَيْهِ الْحَوْل حَتَّى يموتَ كَافِرًا". فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الحولُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) .]] .
ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوة، عَنْ أَبِي الحُويرث، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سمعتُ رجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أحُدًا فَنَظَرْتُ إِلَى النَّبْل يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في و: "وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وسطها".]] وَسَطَهَا، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَف عَنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلّوني عَلَى مُحَمَّدٍ، لَا نَجَوتُ إِنْ نَجَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ لَيْسَ مَعَهُ [[في و: "ما معه".]] أَحَدٌ، ثُمَّ جَاوَرَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "جاوزه".]] فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوان، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ، أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ مِنَّا مَمْنُوعٌ. خَرَجْنَا أَرْبَعَةً فَتَعَاهَدْنَا وَتَعَاقَدْنَا عَلَى قَتْلِهِ، فَلَمْ نَخْلُصْ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي رَمَى فِي وَجْنَتي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ قَميئة [[في جـ، ر: "قمأة".]] وَالَّذِي دَمى شَفَتَهُ [[في و: "شفتيه".]] وَأَصَابَ رَبَاعِيَتَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ [[المغازي للواقدي (١/٢٤٤) .]] .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا ذَكَرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال: كان".]] ذَاكَ [[في أ: "ذلك".]] يَوْمٌ كُله لِطَلْحَةَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاء يَوْمَ أُحُدٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَهُ -وَأُرَاهُ قَالَ: حَميَّة فَقَالَ [[في جـ، ر: "قال".]] فَقُلْتُ: كُنْ طَلْحَةَ، حَيْثُ فَاتَنِي مَا فَاتَنِي، فَقُلْتُ: يَكُونُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، وَهُوَ يَخْطِفُ الْمَشْيَ خَطْفًا لَا أَحْفَظُهُ [[في جـ، ر: "لا أخطفه".]] فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيتُه وشُجّ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَته حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَق المِغْفَر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَليكُما صَاحِبَكُما". يُرِيدُ طَلْحَةَ، وَقَدْ نَزَفَ، فَلَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ: وَذَهَبْتُ لِأَنْ أَنْزِعَ [[في جـ، ر: "لأنزع".]] ذَلِكَ [[في جـ، ر، أ، و: "ذاك".]] مِنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي. فَتَرَكْتُهُ، فَكَرِهَ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ فَيُؤْذِيَ النَّبِيَّ [[في و: "رسول الله".]] ﷺ، فَأزَمَّ عَلَيْهَا [[في و: "عليه".]] بِفِيهِ فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ، وَوَقَعَتْ ثَنيَّته مَعَ الْحَلْقَةِ، ذَهَبْتُ لِأَصْنَعَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي، قَالَ: فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَحْسَنَ [[في أ، و: "من أحسن".]] النَّاسِ هَتْما، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْجِفَارِ، فَإِذَا بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ طَعْنَةٍ ورَمْيَة وَضَرْبَةٍ، وَإِذَا قَدْ قُطعَتْ إِصْبَعُهُ، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ.
وَرَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيب، وَالطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بِهِ. وَعِنْدَ الْهَيْثَمِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنْشُدُكَ [[في جـ، أ، و: "أنشدك بالله".]] يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي؟ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضَه كراهيةَ [[في ر: "كراهة".]] أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتل السَّهْمَ بِفِيهِ فَبَدَرَتْ [[في جـ: "فبذرت" وفي ر، أ، و: "فنذرت".]] ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَذَكَرَ تَمَامَهُ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ [[مسند الطيالسي (ص٣) والمختارة للضياء المقدسي برقم (٤٩) من طريق الهيثم بن كليب، ورواه البزار في مسنده برقم (٦٣) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٩٤١) "الإحسان" من طريق إسحاق بن يحيى به. قال الهيثمي في المجمع (٦/١١٢) : "فيه إسحاق بن يحيى وهو متروك".]] وَقَدْ ضَعّف عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى هَذَا، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرعة، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عُمَر بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ بَلَّغَهُ أَنَّ مَالِكًا أَبَا [أَبِي] [[زيادة من جـ.]] سَعِيدٍ الخُدْري لمَّا جُرِحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مَصّ الْجُرْحَ حَتَّى أَنْقَاهُ وَلَاحَ أَبْيَضَ، فَقِيلَ لَهُ: مُجَّه. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا. ثُمَّ أَدْبَرَ يُقَاتِلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فلينظُرْ إِلَى هَذَا " فَاسْتُشْهِدَ [[ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/٢٦٦) من طريق ابن وهب به.]] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ [[في ر: "حاتم".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد أنه سُئِلَ عَنْ جُرح رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جُرح وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكسِرت رَبَاعِيتُه، وهُشِمَت البَيْضة عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ [[في جـ، ر: "وكانت".]] فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِي يَسْكُبُ عَلَيْهَا [[في جـ، ر، أ، و: "عليه".]] بالمِجَنّ [[في جـ، ر، أ، و: "عليه الماء بالمجن".]] فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَنَّ الْمَاءَ لَا يزيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قطعةَ حَصِير فَأَحْرَقَتْهُ، حَتَّى إِذَا صَارَ [[في أ: "صارت".]] رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بالجُرْح، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ [[صحيح البخاري برقم (٢٩١١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَيْ: فَجَازَاكُمْ غَما عَلَى غَم كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] [أَيْ: عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ] [[زيادة من جـ.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ، وَحِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالثَّانِي: حِينَ عَلَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا".
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ، وَالثَّانِي: حِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَعْظَمَ مِنَ الْهَزِيمَةِ.
رَوَاهُمَا ابْنُ مَرْدُويَه، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا.
وَقَالَ السُّدِّي: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: بِسَبَبِ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَتْحِ، وَالثَّانِي: بِإِشْرَافِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أَيْ: كَرْبا بَعْدَ كَرْبٍ، قَتْل مَنْ قُتل مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وعُلُو عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ، وَمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "قُتل نَبِيُّكُمْ" [[في أ، و: "من قبل قتل نبيكم".]] فَكَانَ [[في جـ: "وكان".]] ذَلِكَ مُتَتَابِعًا [[في أ، و: "مما تتابع".]] عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: سَمَاعُهُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ، وَالثَّانِي: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ. وَعَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عكسُه.
وَعَنِ السُّدِّي: الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَر وَالْغَنِيمَةِ، وَالثَّانِي: إِشْرَافُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قولُ مَنْ قَالَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَأَثَابَكُمْ بغَمكُم أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ غنيمةَ الْمُشْرِكِينَ والظَّفر بِهِمْ والنصرَ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ يَوْمَئِذٍ -بَعْدَ الَّذِي أَرَاكُمْ [[في جـ، ر، أ، و: "الذي كان قد أراكم".]] فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا تُحِبُّونَ -بِمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ، وَخِلَافِكُمْ أَمْرَ النَّبِيِّ [[في أ، و: "نبيكم".]] ﷺ، غَم ظَنِّكُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قُتِلَ، وَمَيْلِ العدو عليكم بعد فُلولكم منهم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِعَدُوِّكُمْ ﴿وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .