John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Yaseen

Tafsir Ibn Kathir · Yaseen · 83 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس في قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَا وَيْلَ الْعِبَادِ.

وَقَالَ قتادة: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ : أَيْ يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهَا، عَلَى مَا ضَيَّعَتْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَرَّطَتْ فِي جَنْبِ اللَّهِ. قَالَ: وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: "يَا حَسْرَةَ [[في ت، س، أ: "حسرة على".]] الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهَا".

وَمَعْنَى هَذَا: يَا حَسْرَتَهُمْ وَنَدَامَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا عَايَنُوا الْعَذَابَ، كَيْفَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا الْمُكَذِّبُونَ مِنْهُمْ.

﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَيَجْحَدُونَ مَا أُرْسِلَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أَيْ: أَلَمْ يَتَّعِظُوا بِمَنْ أَهْلَكَ اللَّهُ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، كَيْفَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا كَرَّةٌ وَلَا رَجْعَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَتِهِمْ وفَجَرتهم مِنْ [[في أ: "مثل".]] قَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٧] ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِالدَّوْرِ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا فِيهَا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَاطِلَهُمْ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ أَيْ: وَإِنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ والآتية ستحضر لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَمَعْنَى هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١١] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي أَدَاءِ هَذَا الْحَرْفِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ: "وَإن كُلٌّ لَمَا" بِالتَّخْفِيفِ، فَعِنْدَهُ أَنَّ "إِنْ" لِلْإِثْبَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَ "لَمَّا"، وَجَعَلَ "إِنَّ" نَافِيَةً، وَ "لمَّا" بِمَعْنَى "إِلَّا" تَقْدِيرُهُ: وَمَا كُلٌّ إِلَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضِرُونَ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس في قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَا وَيْلَ الْعِبَادِ.

وَقَالَ قتادة: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ : أَيْ يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهَا، عَلَى مَا ضَيَّعَتْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَرَّطَتْ فِي جَنْبِ اللَّهِ. قَالَ: وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: "يَا حَسْرَةَ [[في ت، س، أ: "حسرة على".]] الْعِبَادِ عَلَى أَنْفُسِهَا".

وَمَعْنَى هَذَا: يَا حَسْرَتَهُمْ وَنَدَامَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا عَايَنُوا الْعَذَابَ، كَيْفَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا الْمُكَذِّبُونَ مِنْهُمْ.

﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَيَجْحَدُونَ مَا أُرْسِلَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أَيْ: أَلَمْ يَتَّعِظُوا بِمَنْ أَهْلَكَ اللَّهُ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، كَيْفَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا كَرَّةٌ وَلَا رَجْعَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَتِهِمْ وفَجَرتهم مِنْ [[في أ: "مثل".]] قَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٧] ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِالدَّوْرِ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا فِيهَا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَاطِلَهُمْ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ أَيْ: وَإِنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ والآتية ستحضر لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَمَعْنَى هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١١] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي أَدَاءِ هَذَا الْحَرْفِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ: "وَإن كُلٌّ لَمَا" بِالتَّخْفِيفِ، فَعِنْدَهُ أَنَّ "إِنْ" لِلْإِثْبَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَ "لَمَّا"، وَجَعَلَ "إِنَّ" نَافِيَةً، وَ "لمَّا" بِمَعْنَى "إِلَّا" تَقْدِيرُهُ: وَمَا كُلٌّ إِلَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضِرُونَ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أَيْ: دَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى ﴿الأرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَتْ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا أَنْهَارًا سَارِحَةً فِي أَمْكِنَةٍ، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. لَمَّا امْتَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِإِيجَادِ الزُّرُوعِ لَهُمْ عَطَف بِذِكْرِ الثِّمَارِ وَتَنَوُّعِهَا وَأَصْنَافِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا كَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَهَلَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ -بَلْ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ إِلَّا احْتِمَالًا-أَنَّ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنَى: "الَّذِي"، تَقْدِيرُهُ: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ، قَالَ: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَجَعَلَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتٍ شَتَّى لَا يَعْرِفُونَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أَيْ: دَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى ﴿الأرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَتْ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا أَنْهَارًا سَارِحَةً فِي أَمْكِنَةٍ، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. لَمَّا امْتَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِإِيجَادِ الزُّرُوعِ لَهُمْ عَطَف بِذِكْرِ الثِّمَارِ وَتَنَوُّعِهَا وَأَصْنَافِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا كَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَهَلَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ -بَلْ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ إِلَّا احْتِمَالًا-أَنَّ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنَى: "الَّذِي"، تَقْدِيرُهُ: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ، قَالَ: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَجَعَلَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتٍ شَتَّى لَا يَعْرِفُونَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أَيْ: دَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى ﴿الأرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَتْ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا أَنْهَارًا سَارِحَةً فِي أَمْكِنَةٍ، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. لَمَّا امْتَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِإِيجَادِ الزُّرُوعِ لَهُمْ عَطَف بِذِكْرِ الثِّمَارِ وَتَنَوُّعِهَا وَأَصْنَافِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا كَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَهَلَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ -بَلْ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ إِلَّا احْتِمَالًا-أَنَّ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنَى: "الَّذِي"، تَقْدِيرُهُ: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ، قَالَ: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَجَعَلَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتٍ شَتَّى لَا يَعْرِفُونَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أَيْ: دَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى ﴿الأرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَتْ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا أَنْهَارًا سَارِحَةً فِي أَمْكِنَةٍ، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. لَمَّا امْتَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِإِيجَادِ الزُّرُوعِ لَهُمْ عَطَف بِذِكْرِ الثِّمَارِ وَتَنَوُّعِهَا وَأَصْنَافِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا كَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَهَلَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ -بَلْ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ إِلَّا احْتِمَالًا-أَنَّ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنَى: "الَّذِي"، تَقْدِيرُهُ: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ، قَالَ: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَجَعَلَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتٍ شَتَّى لَا يَعْرِفُونَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] .

يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الدَّلَالَةِ لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ خَلْقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، هَذَا بِظَلَامِهِ وَهَذَا بِضِيَائِهِ، وَجَعَلُهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، يَجِيءُ هَذَا فَيَذْهَبُ هَذَا، وَيَذْهَبُ هَذَا فَيَجِيءُ هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أَيْ: نَصْرِمُهُ مِنْهُ فَيَذْهَبُ، فَيَقْبَلُ اللَّيْلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٩٥٤) ومسلم في صحيحه برقم (١١٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]]

هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ قولَ قَتَادَةَ هَاهُنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى الْإِيلَاجِ: الْأَخْذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَقٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: مُسْتَقَرُّهَا الْمَكَانِيُّ، وَهُوَ تَحْتَ الْعَرْشِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَهِيَ أَيْنَمَا كَانَتْ فَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ سَقْفُهَا، وَلَيْسَ بَكَرَةً كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قُبَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ فوق العالم مما يلي رؤوس النَّاسِ، فَالشَّمْسُ إِذَا كَانَتْ فِي قُبَّةِ الْفَلَكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ تَكُونُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَإِذَا اسْتَدَارَتْ فِي فَلَكِهَا الرَّابِعِ إِلَى مُقَابَلَةٍ هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ اللَّيْلِ، صَارَتْ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَحِينَئِذٍ تَسْجُدُ وَتَسْتَأْذِنُ فِي الطُّلُوعِ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ [التَّيْمِيِّ] ، [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تغربُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ .

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُميديّ، حَدَّثَنَا وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٢، ٤٨٠٣) .]]

كَذَا أَوْرَدَهُ هَاهُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ [[صحيح البخاري برقم (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣) .]] ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٥٩) وسنن أبي داود برقم (٤٠٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٠) .]]

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تذهب حتى تسجد بين يدي رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ إِلَى مَطْلَعِهَا، وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [[المسند (٥/١٥٢) .]]

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أَيْنَ هَذَا؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذِنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [[في ت: "واسالنا"]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فَتَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِيَ آدَمَ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سلَّمت وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَيُؤْذَنُ لَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ غَرَبَتْ فَسَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ، وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذِنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيرَ بَعِيدٌ وَإِنِّي إِلَّا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتَحْبِسُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَحْبِسَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: "اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ". قَالَ: "فَمِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا". [[تفسير عبد الرزاق (٢/١١٥) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٦٢٨) من طريق عبد الرزاق.]]

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ هُوَ انْتِهَاءُ سَيْرِهَا وَهُوَ غَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَهُوَ أَوْجُهَا، ثُمَّ غَايَةُ انْخِفَاضِهَا فِي الشِّتَاءِ وَهُوَ الْحَضِيضُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ: مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَبْطُلُ سَيْرُهَا وَتَسْكُنُ حَرَكَتُهَا وَتُكَوَّرُ، وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَمُ إِلَى غَايَتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرُّهَا الزَّمَانِيُّ.

قَالَ قَتَادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أَيْ: لِوَقْتِهَا وَلِأَجَلٍ لَا تَعْدُوهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا الصَّيْفِيَّةِ إِلَى مُدَّةٍ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا" أَيْ: لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا سُكُونَ، بَلْ هِيَ سَائِرَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَا تَفْتُرُ وَلَا تَقِفُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] أَيْ: لَا يَفْتُرَانِ وَلَا يَقِفَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يخالَف وَلَا يُمانَع، ﴿الْعَلِيم﴾ بِجَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ وقَنَّنَه عَلَى مِنْوَالٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَاكُسَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . وَهَكَذَا خَتَمَ آيَةَ [[في ت: "ختم آخر آية".]] حم السَّجْدَةِ" بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ يَسِيرُ سَيْرًا آخَرَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مُضِيِّ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يُعْرَفُ بِهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] ، وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٢] ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ لَهَا ضَوْءٌ يَخُصُّهَا، وَالْقَمَرَ [[في س: "وللقمر".]] لَهُ نُورٌ يَخُصُّهُ، وَفَاوَتَ بَيْنَ سَيْرِ هَذِهِ وَهَذَا، فَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَغْرُبُ فِي آخِرِهِ عَلَى ضَوْءٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا وَمَغَارِبِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، يَطُولُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّهَارُ وَيَقْصُرُ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ، وَجَعَلَ سُلْطَانَهَا بِالنَّهَارِ، فَهِيَ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ. وَأَمَّا الْقَمَرُ، فَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، يَطْلُعُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ضَئِيلًا قَلِيلَ النُّورِ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُورًا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَرْتَفِعُ [[في ت: "فترتفع".]] مَنْزِلَةً، ثُمَّ كَلَّمَا ارْتَفَعَ ازْدَادَ ضِيَاءً، وَإِنْ كَانَ مُقْتَبَسًا مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى يَتَكَامَلَ نُورُهُ [[في أ: "ضوؤه".]] فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَصْلُ العِذْق.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُرْجُونُ الْقَدِيمُ: أَيِ الْعِذْقُ الْيَابِسُ.

يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْلَ الْعُنْقُودِ مِنَ الرُّطَبِ إِذَا عَتَقَ وَيَبِسَ وَانْحَنَى، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُبْدِيهِ اللَّهُ جَدِيدًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ثَلَاثِ [[في ت: "ثلاثه" وهو خطأ.]] لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ بِاسْمٍ بِاعْتِبَارِ الْقَمَرِ، فَيُسَمُّونَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ "غُرَر" وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "نُفَلَ"، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "تُسع"؛ لِأَنَّ أُخْرَاهُنَّ التَّاسِعَةَ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "عُشَر"؛ لِأَنَّ أُولَاهُنَّ الْعَاشِرَةُ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "الْبِيضَ"؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِهِنَّ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ "دُرَع" جَمْعُ دَرْعاء؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُنَّ سُود [[في ت، أ: "أسود".]] ؛ لِتَأَخُّرِ الْقَمَرِ فِي أَوَّلِهِنَّ، وَمِنْهُ الشَّاةُ الدَّرْعَاءُ وَهِيَ الَّتِي رَأَسُهَا أَسْوَدُ. وَبَعْدَهُنَّ ثَلَاثٌ "ظُلم" ثُمَّ ثَلَاثٌ "حَنَادس"، وَثَلَاثٌ "دَآدِئُ" [[في أ: "درارى".]] وَثَلَاثٌ "مَحاق"؛ لِانْمِحَاقِ الْقَمَرِ أَوَاخِرَ الشَّهْرِ فِيهِنَّ. وَكَانَ أَبُو عُبيد [[في أ: "أبو عبيدة".]] يُنْكِرُ التُّسع والعشَر. كَذَا قَالَ فِي كِتَابِ "غَرِيبِ الْمُصَنَّفِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدٌّ لَا يَعْدُوهُ وَلَا يَقْصِرُ دُونَهُ، إِذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا ذَهَبَ هَذَا، وَإِذَا ذَهَبَ سُلْطَانُ هَذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ لَيْلَةُ الْهِلَالِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلرِّيحِ جَنَاحًا، وَإِنَّ الْقَمَرَ يَأْوِي إِلَى غِلَافٍ مِنَ الْمَاءِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي [[في ت، س: "أبو".]] صَالِحٍ: لَا يُدْرِكُ هَذَا ضَوْءَ هَذَا، ولا هذا ضوء هذا. [[في س: "لا يدرك هذا ضر هذا ولا هذا ضر هذا".]] وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ [[زيادة من أ.]] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : يَعْنِي: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سُلْطَانًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ : يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي إِذَا كَانَ الليلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ، فَسُلْطَانُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَسُلْطَانُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَجِيءَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَطْلُبَانِ حَثِيثِيْنِ، يَنْسَلِخُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

وَالْمَعْنَى فِي هَذَا: أَنَّهُ لَا فَتْرَةَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَعْقُبُ الْآخَرَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ دَائِبَيْنِ يَتَطَالَبَانِ طَلَبًا حثِيثًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَعْنِي: اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلُّهُمْ يَسْبَحُونَ، أَيْ: يَدُورُونَ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. [[في ت: "قاله ابن عباس وغيره".]]

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الفَلَك كَحَدِيدِ الرَّحَى، أَوْ كَفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، لَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بها، ولا تدور إلا به.

يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الدَّلَالَةِ لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ خَلْقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، هَذَا بِظَلَامِهِ وَهَذَا بِضِيَائِهِ، وَجَعَلُهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، يَجِيءُ هَذَا فَيَذْهَبُ هَذَا، وَيَذْهَبُ هَذَا فَيَجِيءُ هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أَيْ: نَصْرِمُهُ مِنْهُ فَيَذْهَبُ، فَيَقْبَلُ اللَّيْلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٩٥٤) ومسلم في صحيحه برقم (١١٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]]

هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ قولَ قَتَادَةَ هَاهُنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى الْإِيلَاجِ: الْأَخْذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَقٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: مُسْتَقَرُّهَا الْمَكَانِيُّ، وَهُوَ تَحْتَ الْعَرْشِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَهِيَ أَيْنَمَا كَانَتْ فَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ سَقْفُهَا، وَلَيْسَ بَكَرَةً كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قُبَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ فوق العالم مما يلي رؤوس النَّاسِ، فَالشَّمْسُ إِذَا كَانَتْ فِي قُبَّةِ الْفَلَكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ تَكُونُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَإِذَا اسْتَدَارَتْ فِي فَلَكِهَا الرَّابِعِ إِلَى مُقَابَلَةٍ هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ اللَّيْلِ، صَارَتْ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَحِينَئِذٍ تَسْجُدُ وَتَسْتَأْذِنُ فِي الطُّلُوعِ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ [التَّيْمِيِّ] ، [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تغربُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ .

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُميديّ، حَدَّثَنَا وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٢، ٤٨٠٣) .]]

كَذَا أَوْرَدَهُ هَاهُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ [[صحيح البخاري برقم (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣) .]] ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٥٩) وسنن أبي داود برقم (٤٠٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٠) .]]

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تذهب حتى تسجد بين يدي رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ إِلَى مَطْلَعِهَا، وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [[المسند (٥/١٥٢) .]]

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أَيْنَ هَذَا؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذِنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [[في ت: "واسالنا"]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فَتَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِيَ آدَمَ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سلَّمت وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَيُؤْذَنُ لَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ غَرَبَتْ فَسَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ، وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذِنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيرَ بَعِيدٌ وَإِنِّي إِلَّا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتَحْبِسُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَحْبِسَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: "اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ". قَالَ: "فَمِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا". [[تفسير عبد الرزاق (٢/١١٥) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٦٢٨) من طريق عبد الرزاق.]]

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ هُوَ انْتِهَاءُ سَيْرِهَا وَهُوَ غَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَهُوَ أَوْجُهَا، ثُمَّ غَايَةُ انْخِفَاضِهَا فِي الشِّتَاءِ وَهُوَ الْحَضِيضُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ: مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَبْطُلُ سَيْرُهَا وَتَسْكُنُ حَرَكَتُهَا وَتُكَوَّرُ، وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَمُ إِلَى غَايَتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرُّهَا الزَّمَانِيُّ.

قَالَ قَتَادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أَيْ: لِوَقْتِهَا وَلِأَجَلٍ لَا تَعْدُوهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا الصَّيْفِيَّةِ إِلَى مُدَّةٍ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا" أَيْ: لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا سُكُونَ، بَلْ هِيَ سَائِرَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَا تَفْتُرُ وَلَا تَقِفُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] أَيْ: لَا يَفْتُرَانِ وَلَا يَقِفَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يخالَف وَلَا يُمانَع، ﴿الْعَلِيم﴾ بِجَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ وقَنَّنَه عَلَى مِنْوَالٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَاكُسَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . وَهَكَذَا خَتَمَ آيَةَ [[في ت: "ختم آخر آية".]] حم السَّجْدَةِ" بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ يَسِيرُ سَيْرًا آخَرَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مُضِيِّ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يُعْرَفُ بِهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] ، وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٢] ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ لَهَا ضَوْءٌ يَخُصُّهَا، وَالْقَمَرَ [[في س: "وللقمر".]] لَهُ نُورٌ يَخُصُّهُ، وَفَاوَتَ بَيْنَ سَيْرِ هَذِهِ وَهَذَا، فَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَغْرُبُ فِي آخِرِهِ عَلَى ضَوْءٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا وَمَغَارِبِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، يَطُولُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّهَارُ وَيَقْصُرُ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ، وَجَعَلَ سُلْطَانَهَا بِالنَّهَارِ، فَهِيَ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ. وَأَمَّا الْقَمَرُ، فَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، يَطْلُعُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ضَئِيلًا قَلِيلَ النُّورِ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُورًا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَرْتَفِعُ [[في ت: "فترتفع".]] مَنْزِلَةً، ثُمَّ كَلَّمَا ارْتَفَعَ ازْدَادَ ضِيَاءً، وَإِنْ كَانَ مُقْتَبَسًا مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى يَتَكَامَلَ نُورُهُ [[في أ: "ضوؤه".]] فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَصْلُ العِذْق.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُرْجُونُ الْقَدِيمُ: أَيِ الْعِذْقُ الْيَابِسُ.

يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْلَ الْعُنْقُودِ مِنَ الرُّطَبِ إِذَا عَتَقَ وَيَبِسَ وَانْحَنَى، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُبْدِيهِ اللَّهُ جَدِيدًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ثَلَاثِ [[في ت: "ثلاثه" وهو خطأ.]] لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ بِاسْمٍ بِاعْتِبَارِ الْقَمَرِ، فَيُسَمُّونَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ "غُرَر" وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "نُفَلَ"، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "تُسع"؛ لِأَنَّ أُخْرَاهُنَّ التَّاسِعَةَ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "عُشَر"؛ لِأَنَّ أُولَاهُنَّ الْعَاشِرَةُ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "الْبِيضَ"؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِهِنَّ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ "دُرَع" جَمْعُ دَرْعاء؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُنَّ سُود [[في ت، أ: "أسود".]] ؛ لِتَأَخُّرِ الْقَمَرِ فِي أَوَّلِهِنَّ، وَمِنْهُ الشَّاةُ الدَّرْعَاءُ وَهِيَ الَّتِي رَأَسُهَا أَسْوَدُ. وَبَعْدَهُنَّ ثَلَاثٌ "ظُلم" ثُمَّ ثَلَاثٌ "حَنَادس"، وَثَلَاثٌ "دَآدِئُ" [[في أ: "درارى".]] وَثَلَاثٌ "مَحاق"؛ لِانْمِحَاقِ الْقَمَرِ أَوَاخِرَ الشَّهْرِ فِيهِنَّ. وَكَانَ أَبُو عُبيد [[في أ: "أبو عبيدة".]] يُنْكِرُ التُّسع والعشَر. كَذَا قَالَ فِي كِتَابِ "غَرِيبِ الْمُصَنَّفِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدٌّ لَا يَعْدُوهُ وَلَا يَقْصِرُ دُونَهُ، إِذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا ذَهَبَ هَذَا، وَإِذَا ذَهَبَ سُلْطَانُ هَذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ لَيْلَةُ الْهِلَالِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلرِّيحِ جَنَاحًا، وَإِنَّ الْقَمَرَ يَأْوِي إِلَى غِلَافٍ مِنَ الْمَاءِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي [[في ت، س: "أبو".]] صَالِحٍ: لَا يُدْرِكُ هَذَا ضَوْءَ هَذَا، ولا هذا ضوء هذا. [[في س: "لا يدرك هذا ضر هذا ولا هذا ضر هذا".]] وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ [[زيادة من أ.]] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : يَعْنِي: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سُلْطَانًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ : يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي إِذَا كَانَ الليلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ، فَسُلْطَانُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَسُلْطَانُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَجِيءَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَطْلُبَانِ حَثِيثِيْنِ، يَنْسَلِخُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

وَالْمَعْنَى فِي هَذَا: أَنَّهُ لَا فَتْرَةَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَعْقُبُ الْآخَرَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ دَائِبَيْنِ يَتَطَالَبَانِ طَلَبًا حثِيثًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَعْنِي: اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلُّهُمْ يَسْبَحُونَ، أَيْ: يَدُورُونَ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. [[في ت: "قاله ابن عباس وغيره".]]

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الفَلَك كَحَدِيدِ الرَّحَى، أَوْ كَفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، لَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بها، ولا تدور إلا به.

يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الدَّلَالَةِ لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ خَلْقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، هَذَا بِظَلَامِهِ وَهَذَا بِضِيَائِهِ، وَجَعَلُهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، يَجِيءُ هَذَا فَيَذْهَبُ هَذَا، وَيَذْهَبُ هَذَا فَيَجِيءُ هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أَيْ: نَصْرِمُهُ مِنْهُ فَيَذْهَبُ، فَيَقْبَلُ اللَّيْلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٩٥٤) ومسلم في صحيحه برقم (١١٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]]

هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ قولَ قَتَادَةَ هَاهُنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى الْإِيلَاجِ: الْأَخْذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَقٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: مُسْتَقَرُّهَا الْمَكَانِيُّ، وَهُوَ تَحْتَ الْعَرْشِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَهِيَ أَيْنَمَا كَانَتْ فَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ سَقْفُهَا، وَلَيْسَ بَكَرَةً كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قُبَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ فوق العالم مما يلي رؤوس النَّاسِ، فَالشَّمْسُ إِذَا كَانَتْ فِي قُبَّةِ الْفَلَكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ تَكُونُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَإِذَا اسْتَدَارَتْ فِي فَلَكِهَا الرَّابِعِ إِلَى مُقَابَلَةٍ هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ اللَّيْلِ، صَارَتْ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَحِينَئِذٍ تَسْجُدُ وَتَسْتَأْذِنُ فِي الطُّلُوعِ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ [التَّيْمِيِّ] ، [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تغربُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ .

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُميديّ، حَدَّثَنَا وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٢، ٤٨٠٣) .]]

كَذَا أَوْرَدَهُ هَاهُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ [[صحيح البخاري برقم (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣) .]] ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٥٩) وسنن أبي داود برقم (٤٠٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٠) .]]

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تذهب حتى تسجد بين يدي رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ إِلَى مَطْلَعِهَا، وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [[المسند (٥/١٥٢) .]]

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أَيْنَ هَذَا؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذِنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [[في ت: "واسالنا"]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فَتَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِيَ آدَمَ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سلَّمت وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَيُؤْذَنُ لَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ غَرَبَتْ فَسَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ، وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذِنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيرَ بَعِيدٌ وَإِنِّي إِلَّا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتَحْبِسُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَحْبِسَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: "اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ". قَالَ: "فَمِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا". [[تفسير عبد الرزاق (٢/١١٥) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٦٢٨) من طريق عبد الرزاق.]]

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ هُوَ انْتِهَاءُ سَيْرِهَا وَهُوَ غَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَهُوَ أَوْجُهَا، ثُمَّ غَايَةُ انْخِفَاضِهَا فِي الشِّتَاءِ وَهُوَ الْحَضِيضُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ: مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَبْطُلُ سَيْرُهَا وَتَسْكُنُ حَرَكَتُهَا وَتُكَوَّرُ، وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَمُ إِلَى غَايَتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرُّهَا الزَّمَانِيُّ.

قَالَ قَتَادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أَيْ: لِوَقْتِهَا وَلِأَجَلٍ لَا تَعْدُوهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا الصَّيْفِيَّةِ إِلَى مُدَّةٍ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا" أَيْ: لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا سُكُونَ، بَلْ هِيَ سَائِرَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَا تَفْتُرُ وَلَا تَقِفُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] أَيْ: لَا يَفْتُرَانِ وَلَا يَقِفَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يخالَف وَلَا يُمانَع، ﴿الْعَلِيم﴾ بِجَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ وقَنَّنَه عَلَى مِنْوَالٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَاكُسَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . وَهَكَذَا خَتَمَ آيَةَ [[في ت: "ختم آخر آية".]] حم السَّجْدَةِ" بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ يَسِيرُ سَيْرًا آخَرَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مُضِيِّ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يُعْرَفُ بِهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] ، وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٢] ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ لَهَا ضَوْءٌ يَخُصُّهَا، وَالْقَمَرَ [[في س: "وللقمر".]] لَهُ نُورٌ يَخُصُّهُ، وَفَاوَتَ بَيْنَ سَيْرِ هَذِهِ وَهَذَا، فَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَغْرُبُ فِي آخِرِهِ عَلَى ضَوْءٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا وَمَغَارِبِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، يَطُولُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّهَارُ وَيَقْصُرُ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ، وَجَعَلَ سُلْطَانَهَا بِالنَّهَارِ، فَهِيَ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ. وَأَمَّا الْقَمَرُ، فَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، يَطْلُعُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ضَئِيلًا قَلِيلَ النُّورِ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُورًا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَرْتَفِعُ [[في ت: "فترتفع".]] مَنْزِلَةً، ثُمَّ كَلَّمَا ارْتَفَعَ ازْدَادَ ضِيَاءً، وَإِنْ كَانَ مُقْتَبَسًا مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى يَتَكَامَلَ نُورُهُ [[في أ: "ضوؤه".]] فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَصْلُ العِذْق.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُرْجُونُ الْقَدِيمُ: أَيِ الْعِذْقُ الْيَابِسُ.

يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْلَ الْعُنْقُودِ مِنَ الرُّطَبِ إِذَا عَتَقَ وَيَبِسَ وَانْحَنَى، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُبْدِيهِ اللَّهُ جَدِيدًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ثَلَاثِ [[في ت: "ثلاثه" وهو خطأ.]] لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ بِاسْمٍ بِاعْتِبَارِ الْقَمَرِ، فَيُسَمُّونَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ "غُرَر" وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "نُفَلَ"، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "تُسع"؛ لِأَنَّ أُخْرَاهُنَّ التَّاسِعَةَ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "عُشَر"؛ لِأَنَّ أُولَاهُنَّ الْعَاشِرَةُ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "الْبِيضَ"؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِهِنَّ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ "دُرَع" جَمْعُ دَرْعاء؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُنَّ سُود [[في ت، أ: "أسود".]] ؛ لِتَأَخُّرِ الْقَمَرِ فِي أَوَّلِهِنَّ، وَمِنْهُ الشَّاةُ الدَّرْعَاءُ وَهِيَ الَّتِي رَأَسُهَا أَسْوَدُ. وَبَعْدَهُنَّ ثَلَاثٌ "ظُلم" ثُمَّ ثَلَاثٌ "حَنَادس"، وَثَلَاثٌ "دَآدِئُ" [[في أ: "درارى".]] وَثَلَاثٌ "مَحاق"؛ لِانْمِحَاقِ الْقَمَرِ أَوَاخِرَ الشَّهْرِ فِيهِنَّ. وَكَانَ أَبُو عُبيد [[في أ: "أبو عبيدة".]] يُنْكِرُ التُّسع والعشَر. كَذَا قَالَ فِي كِتَابِ "غَرِيبِ الْمُصَنَّفِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدٌّ لَا يَعْدُوهُ وَلَا يَقْصِرُ دُونَهُ، إِذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا ذَهَبَ هَذَا، وَإِذَا ذَهَبَ سُلْطَانُ هَذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ لَيْلَةُ الْهِلَالِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلرِّيحِ جَنَاحًا، وَإِنَّ الْقَمَرَ يَأْوِي إِلَى غِلَافٍ مِنَ الْمَاءِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي [[في ت، س: "أبو".]] صَالِحٍ: لَا يُدْرِكُ هَذَا ضَوْءَ هَذَا، ولا هذا ضوء هذا. [[في س: "لا يدرك هذا ضر هذا ولا هذا ضر هذا".]] وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ [[زيادة من أ.]] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : يَعْنِي: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سُلْطَانًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ : يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي إِذَا كَانَ الليلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ، فَسُلْطَانُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَسُلْطَانُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَجِيءَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَطْلُبَانِ حَثِيثِيْنِ، يَنْسَلِخُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

وَالْمَعْنَى فِي هَذَا: أَنَّهُ لَا فَتْرَةَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَعْقُبُ الْآخَرَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ دَائِبَيْنِ يَتَطَالَبَانِ طَلَبًا حثِيثًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَعْنِي: اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلُّهُمْ يَسْبَحُونَ، أَيْ: يَدُورُونَ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. [[في ت: "قاله ابن عباس وغيره".]]

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الفَلَك كَحَدِيدِ الرَّحَى، أَوْ كَفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، لَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بها، ولا تدور إلا به.

يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الدَّلَالَةِ لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ خَلْقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، هَذَا بِظَلَامِهِ وَهَذَا بِضِيَائِهِ، وَجَعَلُهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، يَجِيءُ هَذَا فَيَذْهَبُ هَذَا، وَيَذْهَبُ هَذَا فَيَجِيءُ هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أَيْ: نَصْرِمُهُ مِنْهُ فَيَذْهَبُ، فَيَقْبَلُ اللَّيْلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٩٥٤) ومسلم في صحيحه برقم (١١٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه.]]

هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ قولَ قَتَادَةَ هَاهُنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى الْإِيلَاجِ: الْأَخْذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَقٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: مُسْتَقَرُّهَا الْمَكَانِيُّ، وَهُوَ تَحْتَ الْعَرْشِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَهِيَ أَيْنَمَا كَانَتْ فَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ سَقْفُهَا، وَلَيْسَ بَكَرَةً كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قُبَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ فوق العالم مما يلي رؤوس النَّاسِ، فَالشَّمْسُ إِذَا كَانَتْ فِي قُبَّةِ الْفَلَكِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ تَكُونُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَإِذَا اسْتَدَارَتْ فِي فَلَكِهَا الرَّابِعِ إِلَى مُقَابَلَةٍ هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ اللَّيْلِ، صَارَتْ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ، فَحِينَئِذٍ تَسْجُدُ وَتَسْتَأْذِنُ فِي الطُّلُوعِ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ [التَّيْمِيِّ] ، [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تغربُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ .

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُميديّ، حَدَّثَنَا وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ". [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٢، ٤٨٠٣) .]]

كَذَا أَوْرَدَهُ هَاهُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ [[صحيح البخاري برقم (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣) .]] ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٥٩) وسنن أبي داود برقم (٤٠٠٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٠) .]]

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تذهب حتى تسجد بين يدي رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ إِلَى مَطْلَعِهَا، وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [[المسند (٥/١٥٢) .]]

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أَيْنَ هَذَا؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذِنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [[في ت: "واسالنا"]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ، قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فَتَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِيَ آدَمَ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سلَّمت وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَيُؤْذَنُ لَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ غَرَبَتْ فَسَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ، وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذِنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيرَ بَعِيدٌ وَإِنِّي إِلَّا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتَحْبِسُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَحْبِسَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: "اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ". قَالَ: "فَمِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا". [[تفسير عبد الرزاق (٢/١١٥) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٦٢٨) من طريق عبد الرزاق.]]

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ هُوَ انْتِهَاءُ سَيْرِهَا وَهُوَ غَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَهُوَ أَوْجُهَا، ثُمَّ غَايَةُ انْخِفَاضِهَا فِي الشِّتَاءِ وَهُوَ الْحَضِيضُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ: مُنْتَهَى سَيْرِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَبْطُلُ سَيْرُهَا وَتَسْكُنُ حَرَكَتُهَا وَتُكَوَّرُ، وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَمُ إِلَى غَايَتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرُّهَا الزَّمَانِيُّ.

قَالَ قَتَادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أَيْ: لِوَقْتِهَا وَلِأَجَلٍ لَا تَعْدُوهُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا الصَّيْفِيَّةِ إِلَى مُدَّةٍ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا، يُرْوَى هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا" أَيْ: لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا سُكُونَ، بَلْ هِيَ سَائِرَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَا تَفْتُرُ وَلَا تَقِفُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] أَيْ: لَا يَفْتُرَانِ وَلَا يَقِفَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يخالَف وَلَا يُمانَع، ﴿الْعَلِيم﴾ بِجَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ وقَنَّنَه عَلَى مِنْوَالٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَاكُسَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . وَهَكَذَا خَتَمَ آيَةَ [[في ت: "ختم آخر آية".]] حم السَّجْدَةِ" بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ يَسِيرُ سَيْرًا آخَرَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مُضِيِّ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يُعْرَفُ بِهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] ، وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٢] ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ لَهَا ضَوْءٌ يَخُصُّهَا، وَالْقَمَرَ [[في س: "وللقمر".]] لَهُ نُورٌ يَخُصُّهُ، وَفَاوَتَ بَيْنَ سَيْرِ هَذِهِ وَهَذَا، فَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَغْرُبُ فِي آخِرِهِ عَلَى ضَوْءٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تَنْتَقِلُ فِي مَطَالِعِهَا وَمَغَارِبِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، يَطُولُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّهَارُ وَيَقْصُرُ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَطُولُ اللَّيْلُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ، وَجَعَلَ سُلْطَانَهَا بِالنَّهَارِ، فَهِيَ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ. وَأَمَّا الْقَمَرُ، فَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، يَطْلُعُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ضَئِيلًا قَلِيلَ النُّورِ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُورًا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَرْتَفِعُ [[في ت: "فترتفع".]] مَنْزِلَةً، ثُمَّ كَلَّمَا ارْتَفَعَ ازْدَادَ ضِيَاءً، وَإِنْ كَانَ مُقْتَبَسًا مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى يَتَكَامَلَ نُورُهُ [[في أ: "ضوؤه".]] فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَصْلُ العِذْق.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُرْجُونُ الْقَدِيمُ: أَيِ الْعِذْقُ الْيَابِسُ.

يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْلَ الْعُنْقُودِ مِنَ الرُّطَبِ إِذَا عَتَقَ وَيَبِسَ وَانْحَنَى، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُبْدِيهِ اللَّهُ جَدِيدًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ثَلَاثِ [[في ت: "ثلاثه" وهو خطأ.]] لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ بِاسْمٍ بِاعْتِبَارِ الْقَمَرِ، فَيُسَمُّونَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ "غُرَر" وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "نُفَلَ"، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "تُسع"؛ لِأَنَّ أُخْرَاهُنَّ التَّاسِعَةَ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "عُشَر"؛ لِأَنَّ أُولَاهُنَّ الْعَاشِرَةُ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهَا "الْبِيضَ"؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِهِنَّ، وَاللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ "دُرَع" جَمْعُ دَرْعاء؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُنَّ سُود [[في ت، أ: "أسود".]] ؛ لِتَأَخُّرِ الْقَمَرِ فِي أَوَّلِهِنَّ، وَمِنْهُ الشَّاةُ الدَّرْعَاءُ وَهِيَ الَّتِي رَأَسُهَا أَسْوَدُ. وَبَعْدَهُنَّ ثَلَاثٌ "ظُلم" ثُمَّ ثَلَاثٌ "حَنَادس"، وَثَلَاثٌ "دَآدِئُ" [[في أ: "درارى".]] وَثَلَاثٌ "مَحاق"؛ لِانْمِحَاقِ الْقَمَرِ أَوَاخِرَ الشَّهْرِ فِيهِنَّ. وَكَانَ أَبُو عُبيد [[في أ: "أبو عبيدة".]] يُنْكِرُ التُّسع والعشَر. كَذَا قَالَ فِي كِتَابِ "غَرِيبِ الْمُصَنَّفِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدٌّ لَا يَعْدُوهُ وَلَا يَقْصِرُ دُونَهُ، إِذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا ذَهَبَ هَذَا، وَإِذَا ذَهَبَ سُلْطَانُ هَذَا جَاءَ سُلْطَانُ هَذَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ لَيْلَةُ الْهِلَالِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلرِّيحِ جَنَاحًا، وَإِنَّ الْقَمَرَ يَأْوِي إِلَى غِلَافٍ مِنَ الْمَاءِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي [[في ت، س: "أبو".]] صَالِحٍ: لَا يُدْرِكُ هَذَا ضَوْءَ هَذَا، ولا هذا ضوء هذا. [[في س: "لا يدرك هذا ضر هذا ولا هذا ضر هذا".]] وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ [[زيادة من أ.]] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ : يَعْنِي: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سُلْطَانًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ : يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي إِذَا كَانَ الليلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ، فَسُلْطَانُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَسُلْطَانُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَجِيءَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَطْلُبَانِ حَثِيثِيْنِ، يَنْسَلِخُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

وَالْمَعْنَى فِي هَذَا: أَنَّهُ لَا فَتْرَةَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَعْقُبُ الْآخَرَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ دَائِبَيْنِ يَتَطَالَبَانِ طَلَبًا حثِيثًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَعْنِي: اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلُّهُمْ يَسْبَحُونَ، أَيْ: يَدُورُونَ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. [[في ت: "قاله ابن عباس وغيره".]]

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الفَلَك كَحَدِيدِ الرَّحَى، أَوْ كَفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، لَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بها، ولا تدور إلا به.

يَقُولُ تَعَالَى: وَدَلَالَةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى: تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِيَحْمِلَ [[في أ: "ليحمل فيه".]] السُّفُنَ، فَمِنْ ذَلِكَ -بَلْ أَوَّلُهُ-سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ غَيْرُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أَيْ: آبَاءَهُمْ، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أَيْ: فِي السَّفِينَةِ [الْمُوقَرَةِ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَشْحُونُ: المُوقَر. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، [وَالضَّحَّاكُ] [[زيادة من أ.]] وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: وَهِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْإِبِلُ، فَإِنَّهَا سُفُنُ الْبَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبُونَهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةِ-عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَداد، وَغَيْرِهِمْ. [[في ت: "عكرمة وغيره".]]

وَقَالَ السُّدِّيُّ -فِي رِوَايَةٍ-: هِيَ الأنعام.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] ، عَنِ ابن عباس قال: تَدْرُونَ مَا ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هِيَ السُّفُنُ، جُعِلَتْ مِنْ بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَى مِثْلِهَا.

وَكَذَا قَالَ [غَيْرُ وَاحِدٍ وَ] [[زيادة من ت.]] أَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالسُّدِّيُّ أَيْضًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: [[زيادة من أ.]] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : أَيِ السُّفُنَ.

ويُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:١١، ١٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي السُّفُنِ، ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فَلَا مُغِيثَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا أَصَابَهُمْ. ﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ بِرَحْمَتِنَا نُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ونُسَلِّمكم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ.

يَقُولُ تَعَالَى: وَدَلَالَةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى: تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِيَحْمِلَ [[في أ: "ليحمل فيه".]] السُّفُنَ، فَمِنْ ذَلِكَ -بَلْ أَوَّلُهُ-سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ غَيْرُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أَيْ: آبَاءَهُمْ، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أَيْ: فِي السَّفِينَةِ [الْمُوقَرَةِ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَشْحُونُ: المُوقَر. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، [وَالضَّحَّاكُ] [[زيادة من أ.]] وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: وَهِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْإِبِلُ، فَإِنَّهَا سُفُنُ الْبَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبُونَهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةِ-عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَداد، وَغَيْرِهِمْ. [[في ت: "عكرمة وغيره".]]

وَقَالَ السُّدِّيُّ -فِي رِوَايَةٍ-: هِيَ الأنعام.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] ، عَنِ ابن عباس قال: تَدْرُونَ مَا ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هِيَ السُّفُنُ، جُعِلَتْ مِنْ بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَى مِثْلِهَا.

وَكَذَا قَالَ [غَيْرُ وَاحِدٍ وَ] [[زيادة من ت.]] أَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالسُّدِّيُّ أَيْضًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: [[زيادة من أ.]] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : أَيِ السُّفُنَ.

ويُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:١١، ١٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي السُّفُنِ، ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فَلَا مُغِيثَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا أَصَابَهُمْ. ﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ بِرَحْمَتِنَا نُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ونُسَلِّمكم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ.

يَقُولُ تَعَالَى: وَدَلَالَةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى: تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِيَحْمِلَ [[في أ: "ليحمل فيه".]] السُّفُنَ، فَمِنْ ذَلِكَ -بَلْ أَوَّلُهُ-سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ غَيْرُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أَيْ: آبَاءَهُمْ، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أَيْ: فِي السَّفِينَةِ [الْمُوقَرَةِ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَشْحُونُ: المُوقَر. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، [وَالضَّحَّاكُ] [[زيادة من أ.]] وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: وَهِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْإِبِلُ، فَإِنَّهَا سُفُنُ الْبَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبُونَهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةِ-عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَداد، وَغَيْرِهِمْ. [[في ت: "عكرمة وغيره".]]

وَقَالَ السُّدِّيُّ -فِي رِوَايَةٍ-: هِيَ الأنعام.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] ، عَنِ ابن عباس قال: تَدْرُونَ مَا ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هِيَ السُّفُنُ، جُعِلَتْ مِنْ بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَى مِثْلِهَا.

وَكَذَا قَالَ [غَيْرُ وَاحِدٍ وَ] [[زيادة من ت.]] أَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالسُّدِّيُّ أَيْضًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: [[زيادة من أ.]] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : أَيِ السُّفُنَ.

ويُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:١١، ١٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي السُّفُنِ، ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فَلَا مُغِيثَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا أَصَابَهُمْ. ﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ بِرَحْمَتِنَا نُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ونُسَلِّمكم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ.

يَقُولُ تَعَالَى: وَدَلَالَةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى: تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِيَحْمِلَ [[في أ: "ليحمل فيه".]] السُّفُنَ، فَمِنْ ذَلِكَ -بَلْ أَوَّلُهُ-سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ غَيْرُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أَيْ: آبَاءَهُمْ، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أَيْ: فِي السَّفِينَةِ [الْمُوقَرَةِ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَشْحُونُ: المُوقَر. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، [وَالضَّحَّاكُ] [[زيادة من أ.]] وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: وَهِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْإِبِلُ، فَإِنَّهَا سُفُنُ الْبَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبُونَهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةِ-عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَداد، وَغَيْرِهِمْ. [[في ت: "عكرمة وغيره".]]

وَقَالَ السُّدِّيُّ -فِي رِوَايَةٍ-: هِيَ الأنعام.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] ، عَنِ ابن عباس قال: تَدْرُونَ مَا ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هِيَ السُّفُنُ، جُعِلَتْ مِنْ بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَى مِثْلِهَا.

وَكَذَا قَالَ [غَيْرُ وَاحِدٍ وَ] [[زيادة من ت.]] أَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالسُّدِّيُّ أَيْضًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: [[زيادة من أ.]] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ : أَيِ السُّفُنَ.

ويُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:١١، ١٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي السُّفُنِ، ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فَلَا مُغِيثَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا أَصَابَهُمْ. ﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ بِرَحْمَتِنَا نُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ونُسَلِّمكم إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَمَادِي الْمُشْرِكِينَ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَسْلَفُوهَا، وَمَا هُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْعَكْسِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ بِاتِّقَائِكُمْ ذَلِكَ يَرْحَمُكُمْ وَيُؤَمِّنُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ. وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى ذَلِكَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ. وَاكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: لَا يَتَأَمَّلُونَهَا وَلَا يَنْتَفِعُونَ [[في أ: "ولا يشعرون".]] بِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: وَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْفُقَرَاءِ، أَيْ: قَالُوا لِمَنْ أَمْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِنْفَاقِ مُحَاجِّينَ لَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُمُونَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَغْنَاهُمْ وَلَأَطْعَمَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِكُمْ لَنَا بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ حِينَ نَاظَرُوا الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المؤمنين".]] وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٩) .]] ، وفي هذا نظر.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَمَادِي الْمُشْرِكِينَ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَسْلَفُوهَا، وَمَا هُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْعَكْسِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ بِاتِّقَائِكُمْ ذَلِكَ يَرْحَمُكُمْ وَيُؤَمِّنُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ. وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى ذَلِكَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ. وَاكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: لَا يَتَأَمَّلُونَهَا وَلَا يَنْتَفِعُونَ [[في أ: "ولا يشعرون".]] بِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: وَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْفُقَرَاءِ، أَيْ: قَالُوا لِمَنْ أَمْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِنْفَاقِ مُحَاجِّينَ لَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُمُونَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَغْنَاهُمْ وَلَأَطْعَمَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِكُمْ لَنَا بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ حِينَ نَاظَرُوا الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المؤمنين".]] وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٩) .]] ، وفي هذا نظر.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَمَادِي الْمُشْرِكِينَ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَسْلَفُوهَا، وَمَا هُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْعَكْسِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ بِاتِّقَائِكُمْ ذَلِكَ يَرْحَمُكُمْ وَيُؤَمِّنُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ. وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى ذَلِكَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ. وَاكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: لَا يَتَأَمَّلُونَهَا وَلَا يَنْتَفِعُونَ [[في أ: "ولا يشعرون".]] بِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: وَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْفُقَرَاءِ، أَيْ: قَالُوا لِمَنْ أَمْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِنْفَاقِ مُحَاجِّينَ لَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُمُونَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَغْنَاهُمْ وَلَأَطْعَمَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِكُمْ لَنَا بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ حِينَ نَاظَرُوا الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المؤمنين".]] وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٩) .]] ، وفي هذا نظر.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اسْتِبْعَادِ الْكَفَرَةِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴾ ؟ [[زيادة من أ.]] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنْتَظِرُونَ [[في أ: "ما ينظرون".]] إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-نَفْخَةُ الْفَزَعِ، يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ يَخْتَصِمُونَ وَيَتَشَاجَرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَنَفَخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْغَى لَيْتًا، وَرَفَعَ لَيْتًا -وَهِيَ [[في أ: "وهو".]] صَفْحَةُ الْعُنُقِ-يَتَسَمَّعُ الصَّوْتَ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُسَاقُ الْمَوْجُودُونَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَحْشَرِ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ، تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ، الْأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

وَقَدْ وَرَدَتْ هَاهُنَا آثَارٌ وَأَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [[عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] ثُمَّ يَكُونُ [[في ت، س، أ: "ثم يكون".]] بَعْدَ هَذَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ، الَّتِي تَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ مَا عَدَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اسْتِبْعَادِ الْكَفَرَةِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴾ ؟ [[زيادة من أ.]] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنْتَظِرُونَ [[في أ: "ما ينظرون".]] إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-نَفْخَةُ الْفَزَعِ، يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ يَخْتَصِمُونَ وَيَتَشَاجَرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَنَفَخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْغَى لَيْتًا، وَرَفَعَ لَيْتًا -وَهِيَ [[في أ: "وهو".]] صَفْحَةُ الْعُنُقِ-يَتَسَمَّعُ الصَّوْتَ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُسَاقُ الْمَوْجُودُونَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَحْشَرِ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ، تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ، الْأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

وَقَدْ وَرَدَتْ هَاهُنَا آثَارٌ وَأَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [[عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] ثُمَّ يَكُونُ [[في ت، س، أ: "ثم يكون".]] بَعْدَ هَذَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ، الَّتِي تَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ مَا عَدَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اسْتِبْعَادِ الْكَفَرَةِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴾ ؟ [[زيادة من أ.]] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنْتَظِرُونَ [[في أ: "ما ينظرون".]] إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-نَفْخَةُ الْفَزَعِ، يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ يَخْتَصِمُونَ وَيَتَشَاجَرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَنَفَخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْغَى لَيْتًا، وَرَفَعَ لَيْتًا -وَهِيَ [[في أ: "وهو".]] صَفْحَةُ الْعُنُقِ-يَتَسَمَّعُ الصَّوْتَ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُسَاقُ الْمَوْجُودُونَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَحْشَرِ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ، تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ، الْأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

وَقَدْ وَرَدَتْ هَاهُنَا آثَارٌ وَأَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [[عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] ثُمَّ يَكُونُ [[في ت، س، أ: "ثم يكون".]] بَعْدَ هَذَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ، الَّتِي تَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ مَا عَدَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ.

هَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ [[في ت: "الثانية".]] ، وَهِيَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَالْقُبُورِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنَّسلان هُوَ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ يَعْنُونَ: [مِنْ] [[زيادة من ت.]] قُبُورِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ مِنْهَا، فَلَمَّا عَايَنُوا مَا كَذَّبُوهُ فِي مَحْشَرِهِمْ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي عَذَابَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فِي الشِّدَّةِ كَالرُّقَادِ.

وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الْبَعْثِ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ أَجَابَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ -قَالَهُ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ-: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا يُجِيبُهُمْ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ.

وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْجَمْعُ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الْجَمِيعُ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ .

نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَصَحُّ، [[في أ: "وهو صحيح".]] وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٢٠، ٢١] ، وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ:٥٥، ٥٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ:١٣، ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] ، [[في ت: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب" وهو خطأ.]] وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] .

أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُهُمْ أَمْرًا وَاحِدًا، فَإِذَا الْجَمِيعُ مُحْضِرُونَ، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أَيْ: مِنْ عَمَلِهَا، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ [[في ت: "الثانية".]] ، وَهِيَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَالْقُبُورِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنَّسلان هُوَ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ يَعْنُونَ: [مِنْ] [[زيادة من ت.]] قُبُورِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ مِنْهَا، فَلَمَّا عَايَنُوا مَا كَذَّبُوهُ فِي مَحْشَرِهِمْ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي عَذَابَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فِي الشِّدَّةِ كَالرُّقَادِ.

وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الْبَعْثِ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ أَجَابَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ -قَالَهُ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ-: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا يُجِيبُهُمْ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ.

وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْجَمْعُ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الْجَمِيعُ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ .

نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَصَحُّ، [[في أ: "وهو صحيح".]] وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٢٠، ٢١] ، وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ:٥٥، ٥٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ:١٣، ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] ، [[في ت: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب" وهو خطأ.]] وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] .

أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُهُمْ أَمْرًا وَاحِدًا، فَإِذَا الْجَمِيعُ مُحْضِرُونَ، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أَيْ: مِنْ عَمَلِهَا، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ [[في ت: "الثانية".]] ، وَهِيَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَالْقُبُورِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنَّسلان هُوَ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ يَعْنُونَ: [مِنْ] [[زيادة من ت.]] قُبُورِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ مِنْهَا، فَلَمَّا عَايَنُوا مَا كَذَّبُوهُ فِي مَحْشَرِهِمْ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي عَذَابَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فِي الشِّدَّةِ كَالرُّقَادِ.

وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الْبَعْثِ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ أَجَابَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ -قَالَهُ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ-: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا يُجِيبُهُمْ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ.

وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْجَمْعُ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الْجَمِيعُ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ .

نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَصَحُّ، [[في أ: "وهو صحيح".]] وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٢٠، ٢١] ، وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ:٥٥، ٥٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ:١٣، ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] ، [[في ت: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب" وهو خطأ.]] وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] .

أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُهُمْ أَمْرًا وَاحِدًا، فَإِذَا الْجَمِيعُ مُحْضِرُونَ، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أَيْ: مِنْ عَمَلِهَا، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ [[في ت: "الثانية".]] ، وَهِيَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَالْقُبُورِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والنَّسلان هُوَ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ؟ يَعْنُونَ: [مِنْ] [[زيادة من ت.]] قُبُورِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ مِنْهَا، فَلَمَّا عَايَنُوا مَا كَذَّبُوهُ فِي مَحْشَرِهِمْ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي عَذَابَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فِي الشِّدَّةِ كَالرُّقَادِ.

وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الْبَعْثِ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ أَجَابَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ -قَالَهُ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ-: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا يُجِيبُهُمْ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ.

وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْجَمْعُ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الْجَمِيعُ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ .

نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَصَحُّ، [[في أ: "وهو صحيح".]] وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٢٠، ٢١] ، وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ:٥٥، ٥٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ:١٣، ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] ، [[في ت: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب" وهو خطأ.]] وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] .

أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُهُمْ أَمْرًا وَاحِدًا، فَإِذَا الْجَمِيعُ مُحْضِرُونَ، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أَيْ: مِنْ عَمَلِهَا، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ العَرَصات فَنَزَلُوا فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: أَنَّهُمْ ﴿فِي شُغُلٍ [فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي شُغُلٍ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي نَعِيمٍ مُعْجَبُونَ، أَيْ: بِهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ أَيْ فَرِحُونَ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيّب، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ [[في ت: "وفي رواية عن ابن عباس".]] -: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ بِسَمَاعِ الْأَوْتَارِ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْمُسْتَمِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَحَلَائِلُهُمْ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أَيْ: فِي ظِلَالِ الْأَشْجَارِ ﴿عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف [[في ت: "ومحمد بن كعب وغيرهم".]] : ﴿الأرَائِكِ﴾ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ.

قُلْتُ: نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا هَذِهِ التُّخُوتُ [[في أ: "النحوت".]] تَحْتَ الْبَشَاخِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ المَعَافري، عَنْ سُلَيْمَانَ [[في أ: "سليم".]] بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنِي كُرَيْب؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد قال".]] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطر لَهَا هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-نُورٌ كُلُّهَا يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشيد، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ، فِي دَارِ سَلَامَةٍ، وَفَاكِهَةٍ خَضِرَةٍ وحَبْرَة وَنِعْمَةٍ، وَمَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهيَّة". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" مِنْ سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجر، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان الأموى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٤]

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ العَبَّاداني، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقاشيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . قَالَ: "فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبِرْكَتُهُ عليهم وفي ديارهم".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ السُّنَةِ" مِنْ سُنَنِهِ [[في ت: "رواه ابن ماجه في سننه".]] ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، [[سنن ابن ماجه برقم (١٨٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٦) : "هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان القرشي".]] بِهِ.

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، حَدَّثَنَا حَرْمَلة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيد قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ -فَيَقُولُ: سَلُونِي. فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ أيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلَى سَلُونِي. قَالُوا: نَسْأَلُكَ -أيْ رَبِّ-رِضَاكَ. قَالَ: رِضَائِي أُحِلُّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. قَالُوا: يَا رَبِّ، فَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ قَسَّمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ، لَا يَنْقُصُنَا ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: إِنَّ لديَّ مَزِيدًا. قَالَ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ. قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَحْمِلُهَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ. [[تفسير الطبري (٢٣/١٥) .]]

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ العَرَصات فَنَزَلُوا فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: أَنَّهُمْ ﴿فِي شُغُلٍ [فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي شُغُلٍ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي نَعِيمٍ مُعْجَبُونَ، أَيْ: بِهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ أَيْ فَرِحُونَ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيّب، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ [[في ت: "وفي رواية عن ابن عباس".]] -: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ بِسَمَاعِ الْأَوْتَارِ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْمُسْتَمِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَحَلَائِلُهُمْ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أَيْ: فِي ظِلَالِ الْأَشْجَارِ ﴿عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف [[في ت: "ومحمد بن كعب وغيرهم".]] : ﴿الأرَائِكِ﴾ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ.

قُلْتُ: نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا هَذِهِ التُّخُوتُ [[في أ: "النحوت".]] تَحْتَ الْبَشَاخِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ المَعَافري، عَنْ سُلَيْمَانَ [[في أ: "سليم".]] بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنِي كُرَيْب؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد قال".]] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطر لَهَا هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-نُورٌ كُلُّهَا يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشيد، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ، فِي دَارِ سَلَامَةٍ، وَفَاكِهَةٍ خَضِرَةٍ وحَبْرَة وَنِعْمَةٍ، وَمَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهيَّة". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" مِنْ سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجر، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان الأموى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٤]

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ العَبَّاداني، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقاشيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . قَالَ: "فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبِرْكَتُهُ عليهم وفي ديارهم".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ السُّنَةِ" مِنْ سُنَنِهِ [[في ت: "رواه ابن ماجه في سننه".]] ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، [[سنن ابن ماجه برقم (١٨٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٦) : "هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان القرشي".]] بِهِ.

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، حَدَّثَنَا حَرْمَلة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيد قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ -فَيَقُولُ: سَلُونِي. فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ أيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلَى سَلُونِي. قَالُوا: نَسْأَلُكَ -أيْ رَبِّ-رِضَاكَ. قَالَ: رِضَائِي أُحِلُّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. قَالُوا: يَا رَبِّ، فَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ قَسَّمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ، لَا يَنْقُصُنَا ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: إِنَّ لديَّ مَزِيدًا. قَالَ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ. قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَحْمِلُهَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ. [[تفسير الطبري (٢٣/١٥) .]]

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ العَرَصات فَنَزَلُوا فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: أَنَّهُمْ ﴿فِي شُغُلٍ [فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي شُغُلٍ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي نَعِيمٍ مُعْجَبُونَ، أَيْ: بِهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ أَيْ فَرِحُونَ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيّب، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ [[في ت: "وفي رواية عن ابن عباس".]] -: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ بِسَمَاعِ الْأَوْتَارِ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْمُسْتَمِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَحَلَائِلُهُمْ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أَيْ: فِي ظِلَالِ الْأَشْجَارِ ﴿عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف [[في ت: "ومحمد بن كعب وغيرهم".]] : ﴿الأرَائِكِ﴾ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ.

قُلْتُ: نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا هَذِهِ التُّخُوتُ [[في أ: "النحوت".]] تَحْتَ الْبَشَاخِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ المَعَافري، عَنْ سُلَيْمَانَ [[في أ: "سليم".]] بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنِي كُرَيْب؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد قال".]] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطر لَهَا هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-نُورٌ كُلُّهَا يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشيد، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ، فِي دَارِ سَلَامَةٍ، وَفَاكِهَةٍ خَضِرَةٍ وحَبْرَة وَنِعْمَةٍ، وَمَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهيَّة". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" مِنْ سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجر، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان الأموى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٤]

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ العَبَّاداني، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقاشيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . قَالَ: "فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبِرْكَتُهُ عليهم وفي ديارهم".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ السُّنَةِ" مِنْ سُنَنِهِ [[في ت: "رواه ابن ماجه في سننه".]] ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، [[سنن ابن ماجه برقم (١٨٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٦) : "هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان القرشي".]] بِهِ.

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، حَدَّثَنَا حَرْمَلة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيد قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ -فَيَقُولُ: سَلُونِي. فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ أيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلَى سَلُونِي. قَالُوا: نَسْأَلُكَ -أيْ رَبِّ-رِضَاكَ. قَالَ: رِضَائِي أُحِلُّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. قَالُوا: يَا رَبِّ، فَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ قَسَّمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ، لَا يَنْقُصُنَا ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: إِنَّ لديَّ مَزِيدًا. قَالَ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ. قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَحْمِلُهَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ. [[تفسير الطبري (٢٣/١٥) .]]

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ العَرَصات فَنَزَلُوا فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: أَنَّهُمْ ﴿فِي شُغُلٍ [فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي شُغُلٍ] [[زيادة من ت، أ.]] عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ: فِي نَعِيمٍ مُعْجَبُونَ، أَيْ: بِهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ أَيْ فَرِحُونَ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيّب، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ [[في ت: "وفي رواية عن ابن عباس".]] -: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ أَيْ بِسَمَاعِ الْأَوْتَارِ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْمُسْتَمِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَحَلَائِلُهُمْ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أَيْ: فِي ظِلَالِ الْأَشْجَارِ ﴿عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف [[في ت: "ومحمد بن كعب وغيرهم".]] : ﴿الأرَائِكِ﴾ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ.

قُلْتُ: نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا هَذِهِ التُّخُوتُ [[في أ: "النحوت".]] تَحْتَ الْبَشَاخِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ المَعَافري، عَنْ سُلَيْمَانَ [[في أ: "سليم".]] بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنِي كُرَيْب؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد قال".]] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطر لَهَا هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-نُورٌ كُلُّهَا يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشيد، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ، فِي دَارِ سَلَامَةٍ، وَفَاكِهَةٍ خَضِرَةٍ وحَبْرَة وَنِعْمَةٍ، وَمَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهيَّة". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" مِنْ سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجر، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان الأموى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٤]

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ العَبَّاداني، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقاشيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . قَالَ: "فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبِرْكَتُهُ عليهم وفي ديارهم".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "كِتَابِ السُّنَةِ" مِنْ سُنَنِهِ [[في ت: "رواه ابن ماجه في سننه".]] ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، [[سنن ابن ماجه برقم (١٨٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٦) : "هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان القرشي".]] بِهِ.

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب، حَدَّثَنَا حَرْمَلة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيد قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ -فَيَقُولُ: سَلُونِي. فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ أيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلَى سَلُونِي. قَالُوا: نَسْأَلُكَ -أيْ رَبِّ-رِضَاكَ. قَالَ: رِضَائِي أُحِلُّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. قَالُوا: يَا رَبِّ، فَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ قَسَّمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ، لَا يَنْقُصُنَا ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: إِنَّ لديَّ مَزِيدًا. قَالَ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ. قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَحْمِلُهَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ. [[تفسير الطبري (٢٣/١٥) .]]

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يَؤُولُ إِلَيْهِ حَالُ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَمْرِهِ لَهُمْ أَنْ يَمْتَازُوا، بِمَعْنَى: [[في ت: "يعنى".]] يَتَمَيَّزُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْقِفِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ:٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٤] ، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٣] أَيْ: يَصِيرُونَ صدْعَين فِرْقَتَيْنِ، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢، ٢٣] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ : هَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ، الَّذِينَ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُمْ مُبِينٌ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أَيْ: قَدْ أَمَرْتُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِعِصْيَانِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرْتُكُمْ بِعِبَادَتِي، وَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَسَلَكْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ ، يُقَالُ: "جِبِلا" بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَيُقَالُ: "جُبُلا" بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ، وَتَخْفِيفِ اللَّامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ الباء. والمراد بِذَلِكَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَقَتَادَةُ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ أَيْ: أَفَمَا [[في ت، س: "أما".]] كَانَ لَكُمْ عَقْلٌ فِي مُخَالَفَةِ رَبِّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَتِهِ [[في ت، س: "عبادة الله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وعُدُولُكم إِلَى اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ؟!

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنق سَاطِعٌ مُظْلِمٌ، يَقُولُ: [[في ت، س، أ: "ثم يقول".]] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. فَيَتَمَيَّزُ النَّاسُ وَيَجْثُونَ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [[تفسير الطبري (٢٣/١٦) .]] ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٨] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يَؤُولُ إِلَيْهِ حَالُ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَمْرِهِ لَهُمْ أَنْ يَمْتَازُوا، بِمَعْنَى: [[في ت: "يعنى".]] يَتَمَيَّزُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْقِفِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ:٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٤] ، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٣] أَيْ: يَصِيرُونَ صدْعَين فِرْقَتَيْنِ، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢، ٢٣] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ : هَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ، الَّذِينَ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُمْ مُبِينٌ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أَيْ: قَدْ أَمَرْتُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِعِصْيَانِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرْتُكُمْ بِعِبَادَتِي، وَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَسَلَكْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ ، يُقَالُ: "جِبِلا" بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَيُقَالُ: "جُبُلا" بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ، وَتَخْفِيفِ اللَّامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ الباء. والمراد بِذَلِكَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَقَتَادَةُ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ أَيْ: أَفَمَا [[في ت، س: "أما".]] كَانَ لَكُمْ عَقْلٌ فِي مُخَالَفَةِ رَبِّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَتِهِ [[في ت، س: "عبادة الله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وعُدُولُكم إِلَى اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ؟!

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنق سَاطِعٌ مُظْلِمٌ، يَقُولُ: [[في ت، س، أ: "ثم يقول".]] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. فَيَتَمَيَّزُ النَّاسُ وَيَجْثُونَ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [[تفسير الطبري (٢٣/١٦) .]] ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٨] .

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com