John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Qaaf

Tafsir Ibn Kathir · The letter Qaaf · 45 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

تَفْسِيرُ سُورَةِ ق

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ [[في م، أ: "العوام".]] : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ [[في أ: "المفسرين".]] فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ [[في م، أ: "لا أساء".]] وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ [[في م: "أبطأ علينا".]] عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا [[في أ: "علينا".]] اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ [[في أ: "أبو".]] يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥) ، والمسند (٤/٩) .]] .

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، وَالْأَحْقَافُ، وَالْقِتَالُ، وَالْفَتْحُ، وَالْحُجُرَاتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ "ق" وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ [[في أ: "قدمناه".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْعِيدِ؟ قَالَ: بِقَافٍ، وَاقْتَرَبَتْ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٥/٢١٧) وصحيح مسلم برقم (٨٩١) ، وسنن أبي داود برقم (١١٥٤) وسنن الترمذي برقم (٥٣٤) وسنن النسائي (٣/١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ [[في م، أ: "مالك".]] عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ، فَذَكَرَهُ [[صحيح مسلم برقم (٨٩١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ [[في م، أ: "أسعد".]] بْنِ زُرَارة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورنا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ [أَيْضًا] [[زيادة من م.]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبٍ [[في م، أ: "حبيب".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ "ق" إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١١٠٠) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) وسنن النسائي (٢/١٥٧) لكنه ليس من هذا الطريق.]] .

وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

* *

﴿ق﴾ : حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمَذْكُورَةِ [[في م: "الذي تقدم ذكرها".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، الم، حم، طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿ق﴾ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلُ قَافٍ. وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فِيمَا [[في م: "مما".]] لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا افْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحُفَّاظِهَا وَأَئِمَّتِهَا-أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْمَدَى، وَقِلَّةِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ فِيهِمْ، وَشُرْبِهِمُ الْخُمُورَ [[في أ: "الخمر".]] ، وَتَحْرِيفِ عُلَمَائِهِمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ! وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْرَدَ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِهَا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أجبل، وسبع سموات. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٧] .

فَإِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، حم، طس، الم) وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ تُبْعِد مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ "قضِي الْأَمْرُ واللهِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ق﴾ دَلَّتْ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ بقية الكلم [[في م، أ: "الكلمة".]] كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقلت: قَافْ ...

وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَرْفِ؟.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ مَا هُوَ؟ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهُ قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الْجَوَابُ هُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقَسَمِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَتَقْرِيرُهُ وَتَحْقِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَسَمُ مُتَلَقًّى لَفْظًا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أَيْ: تَعَجَّبُوا مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يُونُسَ: ٢] أَيْ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي عَجَبِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْمَعَادِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ: أَإِذَا مِتْنَا وَبَلِينَا، وَتَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ مِنَّا، وَصِرْنَا تُرَابًا، كَيْفَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: بَعِيدُ الْوُقُوعِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَعَدَمَ إِمْكَانِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فِي الْبِلَى، نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَيْنَ تَفَرَّقَتِ الْأَبْدَانُ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟ وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَيْ: حَافِظٌ لِذَلِكَ، فَالْعِلْمُ شَامِلٌ، وَالْكِتَابُ أَيْضًا فِيهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ.

قَالَ العوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: وَهَذَا حَالُ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ، مَهْمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمَرِيجُ: الْمُخْتَلِفُ الْمُضْطَرِبُ الْمُلْتَبِسُ الْمُنْكَرُ خِلَالَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ ق

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ [[في م، أ: "العوام".]] : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ [[في أ: "المفسرين".]] فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ [[في م، أ: "لا أساء".]] وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ [[في م: "أبطأ علينا".]] عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا [[في أ: "علينا".]] اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ [[في أ: "أبو".]] يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥) ، والمسند (٤/٩) .]] .

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، وَالْأَحْقَافُ، وَالْقِتَالُ، وَالْفَتْحُ، وَالْحُجُرَاتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ "ق" وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ [[في أ: "قدمناه".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْعِيدِ؟ قَالَ: بِقَافٍ، وَاقْتَرَبَتْ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٥/٢١٧) وصحيح مسلم برقم (٨٩١) ، وسنن أبي داود برقم (١١٥٤) وسنن الترمذي برقم (٥٣٤) وسنن النسائي (٣/١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ [[في م، أ: "مالك".]] عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ، فَذَكَرَهُ [[صحيح مسلم برقم (٨٩١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ [[في م، أ: "أسعد".]] بْنِ زُرَارة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورنا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ [أَيْضًا] [[زيادة من م.]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبٍ [[في م، أ: "حبيب".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ "ق" إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١١٠٠) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) وسنن النسائي (٢/١٥٧) لكنه ليس من هذا الطريق.]] .

وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

* *

﴿ق﴾ : حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمَذْكُورَةِ [[في م: "الذي تقدم ذكرها".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، الم، حم، طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿ق﴾ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلُ قَافٍ. وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فِيمَا [[في م: "مما".]] لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا افْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحُفَّاظِهَا وَأَئِمَّتِهَا-أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْمَدَى، وَقِلَّةِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ فِيهِمْ، وَشُرْبِهِمُ الْخُمُورَ [[في أ: "الخمر".]] ، وَتَحْرِيفِ عُلَمَائِهِمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ! وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْرَدَ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِهَا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أجبل، وسبع سموات. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٧] .

فَإِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، حم، طس، الم) وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ تُبْعِد مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ "قضِي الْأَمْرُ واللهِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ق﴾ دَلَّتْ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ بقية الكلم [[في م، أ: "الكلمة".]] كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقلت: قَافْ ...

وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَرْفِ؟.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ مَا هُوَ؟ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهُ قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الْجَوَابُ هُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقَسَمِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَتَقْرِيرُهُ وَتَحْقِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَسَمُ مُتَلَقًّى لَفْظًا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أَيْ: تَعَجَّبُوا مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يُونُسَ: ٢] أَيْ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي عَجَبِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْمَعَادِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ: أَإِذَا مِتْنَا وَبَلِينَا، وَتَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ مِنَّا، وَصِرْنَا تُرَابًا، كَيْفَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: بَعِيدُ الْوُقُوعِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَعَدَمَ إِمْكَانِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فِي الْبِلَى، نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَيْنَ تَفَرَّقَتِ الْأَبْدَانُ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟ وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَيْ: حَافِظٌ لِذَلِكَ، فَالْعِلْمُ شَامِلٌ، وَالْكِتَابُ أَيْضًا فِيهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ.

قَالَ العوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: وَهَذَا حَالُ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ، مَهْمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمَرِيجُ: الْمُخْتَلِفُ الْمُضْطَرِبُ الْمُلْتَبِسُ الْمُنْكَرُ خِلَالَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ ق

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ [[في م، أ: "العوام".]] : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ [[في أ: "المفسرين".]] فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ [[في م، أ: "لا أساء".]] وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ [[في م: "أبطأ علينا".]] عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا [[في أ: "علينا".]] اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ [[في أ: "أبو".]] يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥) ، والمسند (٤/٩) .]] .

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، وَالْأَحْقَافُ، وَالْقِتَالُ، وَالْفَتْحُ، وَالْحُجُرَاتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ "ق" وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ [[في أ: "قدمناه".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْعِيدِ؟ قَالَ: بِقَافٍ، وَاقْتَرَبَتْ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٥/٢١٧) وصحيح مسلم برقم (٨٩١) ، وسنن أبي داود برقم (١١٥٤) وسنن الترمذي برقم (٥٣٤) وسنن النسائي (٣/١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ [[في م، أ: "مالك".]] عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ، فَذَكَرَهُ [[صحيح مسلم برقم (٨٩١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ [[في م، أ: "أسعد".]] بْنِ زُرَارة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورنا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ [أَيْضًا] [[زيادة من م.]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبٍ [[في م، أ: "حبيب".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ "ق" إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١١٠٠) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) وسنن النسائي (٢/١٥٧) لكنه ليس من هذا الطريق.]] .

وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

* *

﴿ق﴾ : حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمَذْكُورَةِ [[في م: "الذي تقدم ذكرها".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، الم، حم، طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿ق﴾ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلُ قَافٍ. وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فِيمَا [[في م: "مما".]] لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا افْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحُفَّاظِهَا وَأَئِمَّتِهَا-أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْمَدَى، وَقِلَّةِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ فِيهِمْ، وَشُرْبِهِمُ الْخُمُورَ [[في أ: "الخمر".]] ، وَتَحْرِيفِ عُلَمَائِهِمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ! وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْرَدَ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِهَا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أجبل، وسبع سموات. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٧] .

فَإِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، حم، طس، الم) وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ تُبْعِد مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ "قضِي الْأَمْرُ واللهِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ق﴾ دَلَّتْ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ بقية الكلم [[في م، أ: "الكلمة".]] كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقلت: قَافْ ...

وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَرْفِ؟.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ مَا هُوَ؟ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهُ قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الْجَوَابُ هُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقَسَمِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَتَقْرِيرُهُ وَتَحْقِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَسَمُ مُتَلَقًّى لَفْظًا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أَيْ: تَعَجَّبُوا مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يُونُسَ: ٢] أَيْ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي عَجَبِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْمَعَادِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ: أَإِذَا مِتْنَا وَبَلِينَا، وَتَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ مِنَّا، وَصِرْنَا تُرَابًا، كَيْفَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: بَعِيدُ الْوُقُوعِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَعَدَمَ إِمْكَانِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فِي الْبِلَى، نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَيْنَ تَفَرَّقَتِ الْأَبْدَانُ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟ وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَيْ: حَافِظٌ لِذَلِكَ، فَالْعِلْمُ شَامِلٌ، وَالْكِتَابُ أَيْضًا فِيهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ.

قَالَ العوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: وَهَذَا حَالُ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ، مَهْمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمَرِيجُ: الْمُخْتَلِفُ الْمُضْطَرِبُ الْمُلْتَبِسُ الْمُنْكَرُ خِلَالَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ ق

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ [[في م، أ: "العوام".]] : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ [[في أ: "المفسرين".]] فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ [[في م، أ: "لا أساء".]] وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ [[في م: "أبطأ علينا".]] عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا [[في أ: "علينا".]] اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ [[في أ: "أبو".]] يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥) ، والمسند (٤/٩) .]] .

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، وَالْأَحْقَافُ، وَالْقِتَالُ، وَالْفَتْحُ، وَالْحُجُرَاتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ "ق" وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ [[في أ: "قدمناه".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْعِيدِ؟ قَالَ: بِقَافٍ، وَاقْتَرَبَتْ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٥/٢١٧) وصحيح مسلم برقم (٨٩١) ، وسنن أبي داود برقم (١١٥٤) وسنن الترمذي برقم (٥٣٤) وسنن النسائي (٣/١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ [[في م، أ: "مالك".]] عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ، فَذَكَرَهُ [[صحيح مسلم برقم (٨٩١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ [[في م، أ: "أسعد".]] بْنِ زُرَارة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورنا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ [أَيْضًا] [[زيادة من م.]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبٍ [[في م، أ: "حبيب".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ "ق" إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١١٠٠) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) وسنن النسائي (٢/١٥٧) لكنه ليس من هذا الطريق.]] .

وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

* *

﴿ق﴾ : حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمَذْكُورَةِ [[في م: "الذي تقدم ذكرها".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، الم، حم، طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿ق﴾ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلُ قَافٍ. وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فِيمَا [[في م: "مما".]] لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا افْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحُفَّاظِهَا وَأَئِمَّتِهَا-أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْمَدَى، وَقِلَّةِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ فِيهِمْ، وَشُرْبِهِمُ الْخُمُورَ [[في أ: "الخمر".]] ، وَتَحْرِيفِ عُلَمَائِهِمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ! وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْرَدَ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِهَا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أجبل، وسبع سموات. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٧] .

فَإِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، حم، طس، الم) وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ تُبْعِد مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ "قضِي الْأَمْرُ واللهِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ق﴾ دَلَّتْ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ بقية الكلم [[في م، أ: "الكلمة".]] كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقلت: قَافْ ...

وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَرْفِ؟.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ مَا هُوَ؟ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهُ قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الْجَوَابُ هُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقَسَمِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَتَقْرِيرُهُ وَتَحْقِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَسَمُ مُتَلَقًّى لَفْظًا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أَيْ: تَعَجَّبُوا مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يُونُسَ: ٢] أَيْ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي عَجَبِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْمَعَادِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ: أَإِذَا مِتْنَا وَبَلِينَا، وَتَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ مِنَّا، وَصِرْنَا تُرَابًا، كَيْفَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: بَعِيدُ الْوُقُوعِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَعَدَمَ إِمْكَانِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فِي الْبِلَى، نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَيْنَ تَفَرَّقَتِ الْأَبْدَانُ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟ وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَيْ: حَافِظٌ لِذَلِكَ، فَالْعِلْمُ شَامِلٌ، وَالْكِتَابُ أَيْضًا فِيهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ.

قَالَ العوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: وَهَذَا حَالُ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ، مَهْمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمَرِيجُ: الْمُخْتَلِفُ الْمُضْطَرِبُ الْمُلْتَبِسُ الْمُنْكَرُ خِلَالَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

تَفْسِيرُ سُورَةِ ق

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُجُرَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ [[في م، أ: "العوام".]] : إِنَّهُ مِنْ (عَمّ) فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ [[في أ: "المفسرين".]] فِيمَا نَعْلَمُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، بَابُ "تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ" ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا قُرَّان بْنُ تَمَّامٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ-ثُمَّ اتَّفَقَا. قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبة لَهُ -قَالَ مسَدَّد: وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ-فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا سَوَاءَ [[في م، أ: "لا أساء".]] وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسدَّد: بِمَكَّةَ-فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ [[في م: "أبطأ علينا".]] عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا [[في أ: "علينا".]] اللَّيْلَةَ! قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ". قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ [[في أ: "أبو".]] يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٣٤٥) ، والمسند (٤/٩) .]] .

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ "ق". بَيَانُهُ: ثَلَاثٌ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ. وَخَمْسٌ: الْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةُ. وَسَبْعٌ: يُونُسُ، وَهُودٌ، وَيُوسُفُ، وَالرَّعْدُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحِجْرُ، وَالنَّحْلُ. وَتِسْعٌ: سُبْحَانَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنُّورُ، وَالْفُرْقَانُ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ: الشُّعَرَاءُ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، ولقمان، والم، السَّجْدَةِ، وَالْأَحْزَابُ، وَسَبَأٌ، وَفَاطِرٌ، وَيس. وَثَلَاثَ عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، وَالْأَحْقَافُ، وَالْقِتَالُ، وَالْفَتْحُ، وَالْحُجُرَاتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ "ق" وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ [[في أ: "قدمناه".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْعِيدِ؟ قَالَ: بِقَافٍ، وَاقْتَرَبَتْ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٥/٢١٧) وصحيح مسلم برقم (٨٩١) ، وسنن أبي داود برقم (١١٥٤) وسنن الترمذي برقم (٥٣٤) وسنن النسائي (٣/١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ [[في م، أ: "مالك".]] عَنْ ضَمْرَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م: "عبد الله".]] ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ، فَذَكَرَهُ [[صحيح مسلم برقم (٨٩١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ [[في م، أ: "أسعد".]] بْنِ زُرَارة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورنا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ [أَيْضًا] [[زيادة من م.]] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبٍ [[في م، أ: "حبيب".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ "ق" إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١١٠٠) وصحيح مسلم برقم (٨٧٣) وسنن النسائي (٢/١٥٧) لكنه ليس من هذا الطريق.]] .

وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

* *

﴿ق﴾ : حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمَذْكُورَةِ [[في م: "الذي تقدم ذكرها".]] فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، الم، حم، طس) وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿ق﴾ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلُ قَافٍ. وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خُرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضُ النَّاسِ، لَمَّا رَأَى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فِيمَا [[في م: "مما".]] لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ اخْتِلَاقِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ، يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا افْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحُفَّاظِهَا وَأَئِمَّتِهَا-أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْمَدَى، وَقِلَّةِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ فِيهِمْ، وَشُرْبِهِمُ الْخُمُورَ [[في أ: "الخمر".]] ، وَتَحْرِيفِ عُلَمَائِهِمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ! وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْرَدَ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِهَا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ "ق" السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلَيْهِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أجبل، وسبع سموات. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٧] .

فَإِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَالَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَقَوْلِهِ: (ص، ن، حم، طس، الم) وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ تُبْعِد مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ "قضِي الْأَمْرُ واللهِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ق﴾ دَلَّتْ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ بقية الكلم [[في م، أ: "الكلمة".]] كقول الشاعر: قلت لها: قفي فقلت: قَافْ ...

وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَرْفِ؟.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ مَا هُوَ؟ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهُ قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾

وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الْجَوَابُ هُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقَسَمِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَتَقْرِيرُهُ وَتَحْقِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَسَمُ مُتَلَقًّى لَفْظًا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أَيْ: تَعَجَّبُوا مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يُونُسَ: ٢] أَيْ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي عَجَبِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْمَعَادِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ: أَإِذَا مِتْنَا وَبَلِينَا، وَتَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ مِنَّا، وَصِرْنَا تُرَابًا، كَيْفَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أَيْ: بَعِيدُ الْوُقُوعِ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَعَدَمَ إِمْكَانِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فِي الْبِلَى، نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَيْنَ تَفَرَّقَتِ الْأَبْدَانُ؟ وَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟ وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَيْ: حَافِظٌ لِذَلِكَ، فَالْعِلْمُ شَامِلٌ، وَالْكِتَابُ أَيْضًا فِيهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ مَضْبُوطَةٌ.

قَالَ العوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: وَهَذَا حَالُ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ، مَهْمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمَرِيجُ: الْمُخْتَلِفُ الْمُضْطَرِبُ الْمُلْتَبِسُ الْمُنْكَرُ خِلَالَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِكَفَّارِ قُرَيْشٍ بِمَا أَحَلَّهُ بِأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَبْلَهُمْ، مِنَ النَّقَمَاتِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا، كَقَوْمِ نُوحٍ وَمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ [[في م: "العظيم".]] لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَصْحَابِ الرَّسِّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ "الْفُرْقَانِ" [[تقدم ذلك في سورة الفرقان عند الآية رقم (٣٨) .]] ﴿وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ ، وَهُمْ أُمَّتُهُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ وَمُعَامَلَتُهَا مِنَ الْغَوْرِ، وَكَيْفَ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَأَحَالَ أَرْضَهُمْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً؛ بِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ.

﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وَهُوَ الْيَمَانِيُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شَأْنِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أَيْ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ وَهَؤُلَاءِ الْقُرُونِ كَذَّبَ رَسُولَهُ [[في أ: "رسولهم".]] ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولًا [[في م: "برسول".]] فَكَأَنَّمَا كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ، فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَوْ جَاءَهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أَيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ، عَلَى التَّكْذِيبِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أَيْ: أَفَأَعْجَزَنَا [[في م: "فأعجزنا".]] ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ حَتَّى هُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْإِعَادَةِ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَلْقِ لَمْ يُعْجِزْنَا وَالْإِعَادَةُ أَسْهَلُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بأهون علي من إعادته" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِكَفَّارِ قُرَيْشٍ بِمَا أَحَلَّهُ بِأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَبْلَهُمْ، مِنَ النَّقَمَاتِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا، كَقَوْمِ نُوحٍ وَمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ [[في م: "العظيم".]] لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَصْحَابِ الرَّسِّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ "الْفُرْقَانِ" [[تقدم ذلك في سورة الفرقان عند الآية رقم (٣٨) .]] ﴿وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ ، وَهُمْ أُمَّتُهُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ وَمُعَامَلَتُهَا مِنَ الْغَوْرِ، وَكَيْفَ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَأَحَالَ أَرْضَهُمْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً؛ بِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ.

﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وَهُوَ الْيَمَانِيُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شَأْنِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أَيْ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ وَهَؤُلَاءِ الْقُرُونِ كَذَّبَ رَسُولَهُ [[في أ: "رسولهم".]] ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولًا [[في م: "برسول".]] فَكَأَنَّمَا كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ، فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَوْ جَاءَهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أَيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ، عَلَى التَّكْذِيبِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أَيْ: أَفَأَعْجَزَنَا [[في م: "فأعجزنا".]] ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ حَتَّى هُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْإِعَادَةِ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَلْقِ لَمْ يُعْجِزْنَا وَالْإِعَادَةُ أَسْهَلُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بأهون علي من إعادته" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِكَفَّارِ قُرَيْشٍ بِمَا أَحَلَّهُ بِأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَبْلَهُمْ، مِنَ النَّقَمَاتِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا، كَقَوْمِ نُوحٍ وَمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ [[في م: "العظيم".]] لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَصْحَابِ الرَّسِّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ "الْفُرْقَانِ" [[تقدم ذلك في سورة الفرقان عند الآية رقم (٣٨) .]] ﴿وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ ، وَهُمْ أُمَّتُهُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ وَمُعَامَلَتُهَا مِنَ الْغَوْرِ، وَكَيْفَ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَأَحَالَ أَرْضَهُمْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً؛ بِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ.

﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وَهُوَ الْيَمَانِيُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شَأْنِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أَيْ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ وَهَؤُلَاءِ الْقُرُونِ كَذَّبَ رَسُولَهُ [[في أ: "رسولهم".]] ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولًا [[في م: "برسول".]] فَكَأَنَّمَا كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ، فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَوْ جَاءَهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أَيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ، عَلَى التَّكْذِيبِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أَيْ: أَفَأَعْجَزَنَا [[في م: "فأعجزنا".]] ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ حَتَّى هُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْإِعَادَةِ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَلْقِ لَمْ يُعْجِزْنَا وَالْإِعَادَةُ أَسْهَلُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بأهون علي من إعادته" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِكَفَّارِ قُرَيْشٍ بِمَا أَحَلَّهُ بِأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَبْلَهُمْ، مِنَ النَّقَمَاتِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا، كَقَوْمِ نُوحٍ وَمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ [[في م: "العظيم".]] لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَصْحَابِ الرَّسِّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ "الْفُرْقَانِ" [[تقدم ذلك في سورة الفرقان عند الآية رقم (٣٨) .]] ﴿وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ ، وَهُمْ أُمَّتُهُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ وَمُعَامَلَتُهَا مِنَ الْغَوْرِ، وَكَيْفَ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَأَحَالَ أَرْضَهُمْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً؛ بِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ.

﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وَهُوَ الْيَمَانِيُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شَأْنِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أَيْ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ وَهَؤُلَاءِ الْقُرُونِ كَذَّبَ رَسُولَهُ [[في أ: "رسولهم".]] ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولًا [[في م: "برسول".]] فَكَأَنَّمَا كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ، فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَوْ جَاءَهُمْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أَيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ، عَلَى التَّكْذِيبِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أَيْ: أَفَأَعْجَزَنَا [[في م: "فأعجزنا".]] ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ حَتَّى هُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْإِعَادَةِ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَلْقِ لَمْ يُعْجِزْنَا وَالْإِعَادَةُ أَسْهَلُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بأهون علي من إعادته" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، وَعَمَلُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نُفُوسُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "إن الله تعالى".]] تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ" [[صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يَعْنِي: مَلَائِكَتُهُ تَعَالَى أقربُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ [[في أ: "الوريد".]] إِلَيْهِ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّمَا فَرَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ حُلُولٌ أَوِ اتِّحَادٌ، وَهُمَا مَنْفَيَّانِ بِالْإِجْمَاعِ، تَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقِلْ: وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْتَضِرِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٥] ، يَعْنِي مَلَائِكَتَهُ. وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من م، أ.]] : ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] ، فَالْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ بِالذِّكْرِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ إِلَيْهِ بِإِقْدَارِ [[في م: "باقتدار".]] اللَّهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فالملك لَمّة فِي الْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً وَكَذَلِكَ: "الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْإِنْسَانِ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَيْ: مُتَرَصِّدٌ [[في م: "مرصد".]] .

﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أَيِ: ابْنُ آدَمَ ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ [[في م: "بكلام".]] ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يُرَاقِبُهَا مُعْتَدٍ [[في م: "معد".]] لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا، لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠ -١٢] .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، أَوْ إِنَّمَا يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْأَوَّلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ [[في أ: "القيامة".]] . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا [[في م: "له بها عليه".]] سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ [[المسند (٣/٤٦٩) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٢/١٠٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٦٩) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ [[شاهده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْخَيْرَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدُ خَطِيئَةً قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاهُ أَنْ يَكْتُبَهَا، وَإِنْ أَبَى كَتَبَهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ : يا ابن آدَمَ، بُسطت لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ فَاعْمَلْ [[في أ: "فاملل".]] مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ -وَاللَّهِ-فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: "أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأَيْتُ"، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، فَأَقَرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَلْقَى سَائِرَهُ، وَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٩] ، وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَئِنُّ فِي مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَنِينَ. فَلَمْ يَئِنَّ أَحْمَدُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى: وَجَاءَتْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ-سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، أَيْ: كَشَفَتْ لَكَ عَنِ الْيَقِينِ الَّذِي كُنْتَ تَمْتَرِي فِيهِ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ قَدْ جَاءَكَ، فَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ، وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَقِيلَ: الْكَافِرُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ -سَبَلان-أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ عَبَّاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [[في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب.]] أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَتْهُ غشيةٌ فَتَمَثَّلْتُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ:

مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا ... فإنه لا بد مرةً [[في أ: "من دمعه".]] مدقوق [[البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق.]] قَالَتْ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .

وَحَدَّثَنَا [[في أ: "وحديث".]] خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ؛ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ [الْخَيَّاطُ] [[زيادة من م، أ.]] ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْبَهِيِّ قَالَ: لَمَّا أَنْ ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ [[في م: "أبا بكر".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَاءَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ [[البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب.]]

فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوْلِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذَا الْأَثَرِ طُرُقًا [كَثِيرَةً] [[زيادة من م، أ.]] فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا تَغَشَّاهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ". وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ -بِمَعْنَى: تَبْتَعِدُ وَتَنْأَى وَتَفِرُّ-قَدْ حَلَّ بِكَ وَنَزَلَ بِسَاحَتِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ "مَا" نَافِيَةٌ بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُ وَلَا الْحَيْدِ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحُدَيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهُذَلي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ سَمُرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ مَثَلُ الثَّعْلَبِ، تَطْلُبُهُ الْأَرْضُ بدَيْن، فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أَعْيَى وَأَسْهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: يَا ثَعْلَبُ، دَيْنِي. فَخَرَجَ وَلَهُ حِصَاصٌ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقُهُ وَمَاتَ" [[المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠) : "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه".]] .

وَمَضْمُونُ هَذَا الْمَثَلِ: كَمَا لَا انْفِكَاكَ لَهُ وَلَا مَحِيدَ عَنِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا مَحِيدَ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَالْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْبَعْثِ [[في م: "للفزع وللصعق وللبعث".]] ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَيْ: مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأَعْمَالِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ -مَوْلًى لِثَقِيفٍ-قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ [[في م: "خطب".]] ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّف، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -مَوْلَى أَشْجَعَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّائِقُ: الْمَلَكُ وَالشَّهِيدُ: الْعَمَلُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ: الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحِم أَيْضًا.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَافِرُ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْيَقِظَةِ وَالدُّنْيَا كَالْمَنَامِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. وَبِهِ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ. وَالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِمَا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ [[في أ: "القرآن".]] قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْكَ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ خِلَافُ هَذَا، بَلِ الْخِطَابُ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أَيْ: قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مُسْتَبْصِرًا، حَتَّى الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ [[في أ: "بما عمل".]] وَيَقُولُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ [[في م، أ: "معد".]] مُحْضَرٌ [[في أ: "محص".]] بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كَلَامُ الْمَلَكِ السَّائِقِ يَقُولُ: هَذَا ابْنُ آدَمَ الَّذِي وَكَّلْتَنِي بِهِ، قَدْ أَحْضَرْتُهُ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يَعُمَّ السَّائِقَ وَالشَّهِيدَ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَقُوَّةٌ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فِي الْخَلِيقَةِ بِالْعَدْلِ فَيَقُولُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يُخَاطِبُونَ الْمُفْرَدَ بِالتَّثْنِيَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَمِمَّا أَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذِهِ اللغة قول الشاعر:

فإن تزجراني -يا ابن عَفَّانَ-أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٣) .]]

وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، سُهِّلَتْ إِلَى الْأَلْفِ. وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيدِ، فَالسَّائِقُ أَحْضَرَهُ إِلَى عَرْصَةِ الْحِسَابِ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِلْقَائِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ: كَثِيرُ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، ﴿عَنِيدٌ﴾ : مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ، مُعَارِضٌ لَهُ بِالْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أَيْ: لَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا بِرَّ فِيهِ وَلَا صِلَةَ وَلَا صَدَقَةَ، ﴿مُعْتَدٍ﴾ أَيْ: فِيمَا يُنْفِقُهُ وَيَصْرِفُهُ، يَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحَدَّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ.

﴿مُرِيبٍ﴾ أَيْ: شَاكٌّ فِي أَمْرِهِ، مُرِيبٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ.

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عُنُقًا مِنَ النَّارِ يَبْرُزُ لِلْخَلَائِقِ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ ثُمَّ تُلْوَى [[في م، أ: "تنطوي".]] عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِراس عَنْ عَطِيَّةَ [[في م: "حدثنا شيبان هو ابن هشام عن فراس عن عطية".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَتَكَلَّمُ، يَقُولُ: وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [[في م: "حق".]] . فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ" [[المسند (٣/٤٠) .]] .

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: يَقُولُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي قَدْ وَافَى الْقِيَامَةَ كَافِرًا، يَتَبَرَّأُ مِنْهُ شَيْطَانُهُ، فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أَيْ: مَا أَضْلَلْتُهُ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: بَلْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا قَابِلًا لِلْبَاطِلِ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ. كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَقُولُ [[في م: "يقوله".]] الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسِيِّ وَقَرِينِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَخْتَصِمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ فَيَقُولُ الْإِنْسِيُّ: يَا رَبِّ، هَذَا أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أَيْ: عِنْدِي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أَيْ: قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ.

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي قَدْ قَضَيْتُ مَا أَنَا قَاضٍ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: لَسْتُ أُعَذِّبُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَعَدَهَا أَنْ سَيَمْلَؤُهَا مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ بِمَنْ [[في م: "من".]] يَأْمُرُ بِهِ إِلَيْهَا، وَيُلْقَى وَهِيَ تَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أَيْ: هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ تَزِيدُونِي؟ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَعَلَيْهِ تَدَلُّ الْأَحَادِيثُ:

قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمي بْنُ عُمَارة حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُلقَى فِي النَّارِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ قدمه فيها، فتقول قط قط" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٨) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يَلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطُّ قَطُّ، وَعِزَّتِكَ وكَرَمِك وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنُهُمْ فِي فُضُولِ [[في أ: "فضل".]] الْجَنَّةِ" [[المسند (٣/٢٣٤) .]] .

ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ [[صحيح مسلم برقم (٤٨٤٨) .]] . وَرَوَاهُ أَبَانُ الْعَطَّارُ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ [[أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/١٠٦) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في م: "وقال".]] الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَفَعَهُ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ-: "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدَمَهُ عَلَيْهَا [[في م: "عليها قدمه".]] ، فَتَقُولُ: قَطُّ قَطُّ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٩) .]] .

رَوَاهُ أَيُّوبُ وَهُشَامُ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، بِهِ [[رواه احمد في مسنده (٢/٥٠٧) من طريق هشام بن حسان به. ورواه الطبري في تفسيره (٢٦/١٠٧) من طريق أيوب وهشام بن حسان به.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ [[في م: "وقال".]] الْبُخَارِيُّ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ [[في م: "همام بن منبه".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقْطُهُمْ. قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولَ: قَطٍ قَطٍ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي [[في أ: "ينزوي".]] بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٥٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في م: "وقال".]] مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: فيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ. فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أنت عذابي، أعذب بك من أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا" انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٧) .]] مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا حَسَنٌ وَرَوْحٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "افْتَخَرَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: يَا رَبِّ، يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُتَكَبِّرُونَ وَالْمُلُوكُ وَالْأَشْرَافُ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ، يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ قَالَ: وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَأْتِيَهَا [[في م: "يأتيها ربها".]] عَزَّ وَجَلَّ، فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتُزْوَى وَتَقُولُ: قَدِنِي، قَدِنِي. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا مَا يَشَاءُ" [[المسند (٣/١٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم، حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ عُدي بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْش، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُعَرِّفُنِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْجُدُ سَجْدَةً يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ أَمْدَحُهُ مِدْحَةً يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ تَمُرُّ أُمَّتِي عَلَى الصِّرَاطِ -مَضْرُوبٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ-فَيَمُرُّونَ أَسْرَعَ مِنَ الطَّرْفِ وَالسَّهْمِ، وَأَسْرَعَ مِنْ أَجْوَدِ الْخَيْلِ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ مِنْهَا يَحْبُو، وَهِيَ الْأَعْمَالُ. وَجَهَنَّمُ تَسْأَلُ الْمَزِيدَ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطُّ قَطُّ! وَأَنَا عَلَى الْحَوْضِ". قِيلَ: وَمَا الْحَوْضُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ شَرَابَهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ. وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، لَا يَشْرَبُ مِنْهُ إِنْسَانٌ فَيَظْمَأُ أَبَدًا، وَلَا يُصْرَفُ فَيَرْوَى أَبَدًا" [[ورواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٧٩٠) من طريق عقبة بن مكرم به.

وقال الألباني: "إسناده موضوع آفته عبد الغفار بن القاسم، وهو أبو مريم الأنصاري كان يضع الحديث كما قال ابن المديني وأبو داود".]] . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحمَّاني [[في م: "الحمان".]] عَنْ نَضْرٍ الْخَزَّازِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قَالَ: مَا امْتَلَأَتْ، قَالَ: تَقُولُ: وَهَلْ فِيَّ مِنْ مَكَانٍ يُزَادُ فِيَّ.

وَكَذَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ : وهل في مدخل واحد، قد امْتَلَأْتُ.

[وَ] [[زيادة من م.]] قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: لَا يَزَالُ يُقْذَفُ فِيهَا حَتَّى تَقُولَ: قَدِ امْتَلَأْتُ فَتَقُولُ: هَلْ [فيَّ] [[زيادة من م.]] مِنْ مَزِيدٍ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوَ هَذَا.

فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿هَلِ امْتَلأتِ﴾ ، إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَا يَضَعُ عَلَيْهَا قَدَمَهُ، فَتَنْزَوِي وَتَقُولُ حِينَئِذٍ: هَلْ بَقِيَ فِيَّ [مِنْ] [[زيادة من م.]] مَزِيدٍ؟ يَسَعُ شَيْئًا.

قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ حِينَ لَا يَبْقَى فِيهَا مَوْضِعٌ [يَسَعُ] [[زيادة من م، أ.]] إِبْرَةً. فَاللَّهُ [[في م: "والله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿أُزْلِفَتِ﴾ أُدْنِيَتْ وَقُرِّبَتْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ [[في أ: (أواب حفيظ) .]] أَيْ: رَجَّاعٌ تَائِبٌ مُقْلِعٌ، ﴿حَفِيظٍ﴾ أَيْ: يَحْفَظُ الْعَهْدَ فَلَا يَنْقُضُهُ وَ [لَا] [[زيادة من م.]] يَنْكُثُهُ.

وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: الْأَوَّابُ: الْحَفِيظُ الَّذِي لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا [فَيَقُومُ] [[زيادة من م، أ.]] حَتَّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ.

﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أَيْ: مَنْ خَافَ اللَّهَ فِي سِرِّهِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ. كَقَوْلِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من م، أ.]] وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".

﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: وَلَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ مُنِيبٍ إِلَيْهِ خَاضِعٍ لَدَيْهِ.

﴿ادْخُلُوهَا﴾ أَيِ: الْجَنَّةَ ﴿بِسَلامٍ﴾ ، قَالَ قَتَادَةُ: سَلِمُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أَيْ: يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّةِ فَلَا يَمُوتُونَ أَبَدًا، وَلَا يَظْعَنُونَ أَبَدًا، وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَهْمَا اخْتَارُوا وَجَدُوا مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ طَلَبُوا أُحْضِرَ لَهُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحِير [[في م: "يحيى".]] بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّة قَالَ: مِنَ الْمَزِيدِ أَنَّ تَمُرَّ السَّحَابَةُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَتَقُولَ: مَاذَا تُرِيدُونَ فَأُمْطِرُهُ لَكُمْ؟ فَلَا يَدْعُونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَمْطَرَتْهُمْ. قَالَ كُثَيِّرٌ: لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ ذَلِكَ لَأَقُولَنَّ: أَمْطِرِينَا جواري مزينات.

وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِنَّكَ لَتَشْتَهِي الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[رواه الحسن بن عرفة في جزئه برقم (٢٢) والبزار في مسنده برقم (٣٥٣٢) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٦/٦٨٩) من طريق خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابن مسعود مرفوعا به. وفيه حميد الأعرج، قال البخاري: منكر الحديث وقال ابن حبان: أحاديثه شبه الموضوعة.]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ [[في م: "عن أبي بكر الصديق".]] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ، كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسِنّه فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدار، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، بِهِ [[المسند (٣/٩) وسنن الترمذي برقم (٢٥٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٨) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَزَادَ "كَمَا يَشْتَهِي".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيب بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ: أَنَّهَا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قَالَ: يَظْهَرُ لَهُمُ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي كُلِّ جُمُعَةٍ [[في أ: "جهة".]] .

وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ مَرْفُوعًا فَقَالَ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ [[في م: "عن عبيد الله بن عمير" وفي الأصل: "عبد الله عمير" والتصويب من الأم للشافعي.]] أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَتَى جِبْرَائِيلُ بِمِرْآةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا نُكْتَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ [[في م: "رسول الله".]] ﷺ: "مَا هَذِهِ؟ " فَقَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ، فُضّلتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعٌ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَلَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، وَلَكُمْ فِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ [[في أ: "لا يوافقها عبد مؤمن".]] يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَهُوَ عِنْدَنَا يَوْمُ الْمَزِيدِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا جِبْرِيلُ، وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟ " قَالَ: إِنْ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْفِرْدَوْسِ وَادِيًا أَفْيَحَ فِيهِ كُثُبُ الْمِسْكِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَا شَاءَ [[في م: "ناسا".]] مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَحَوْلَهُ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، عَلَيْهَا مَقَاعِدُ النَّبِيِّينَ، وَحَفَّ تِلْكَ الْمَنَابِرَ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، عَلَيْهَا الشُّهَدَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ [[في أ: "الصالحون".]] فَجَلَسُوا مِنْ وَرَائِهِمْ عَلَى تِلْكَ الْكُثُبِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا رَبُّكُمْ، قَدْ صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ، فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مَا تَمَنَّيْتُمْ، وَلَدَيَّ مَزِيدٌ. فَهُمْ يُحِبُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ رَبُّكُمْ عَلَى الْعَرْشِ، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة".

[وَ] [[زيادة من م.]] هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ "الْجُمُعَةِ" مِنَ الْأُمِّ [[الأم (١/١٨٥) .]] ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَنَسٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٩) .]] وَذَكَرَ هَاهُنَا أَثَرًا مُطَوَّلًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَوْقُوفًا وَفِيهِ غَرَائِبُ كَثِيرَةٌ [[تفسير الطبري (٢٦/١٠٩) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ [[في أ: "منكبيه".]] فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ، فَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ. وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً، أَدْنَاهَا مِثْلُ النُّعْمَانِ، مِنْ طُوبَى، فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ، إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" [[المسند (٣/٧٥) وفيه: دراج عن أبي الهيثم، ضعيف.]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارث، عن دراج، به [[رواه الطبري في تفسيره (٢٦/١١٠) والكلام عليه كسابقه.]] .

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com