John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Ar-Rahmaan

Tafsir Ibn Kathir · The Beneficent · 78 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ، قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا وَعِيدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَنَقْضِي لَكُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ [[في م: "سيحاسبكم".]] ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ [[في أ: "يقول".]] لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ" وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: "لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتك [[في م: "غرة".]] ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ". وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: "الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ" ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ:١٠-١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: هُوَ لَهَبُ النَّارِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشُّوَاظُ: الدُّخَانُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ: اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ [[في م، أ: "اللهب".]] الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نَارٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دُخَّانُ النَّارِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي سِنَانٍ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا -بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا-وَالْقُرَّاءُ [[في م: "القراءة".]] مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ [[في م، أ "نابغة بني جعدة" وفي تفسير الطبري: "نابغة بني ذبيان" ولم أجده في ديوانه، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة منسوبا للنابغة الجهدي ٢/٢٤٤، ٢٤٥، والبيت أيضا في ديوان الجعدي واللسان، مادة "نحس" مستفادا من هامش ط. الشعب.]] يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا

يَعْنِي: دُخَانًا، هَكَذَا قَالَ [[تفسير الطبري (٢٧/٨١) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُويَبْر، عَنِ الضَّحَّاكِ؛ إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ. فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ:

أَلَا مَنْ مُبلغٌ حَسًّان عَنِّي ... مُغَلْغلةً تَدِبُّ [[في م: "يدب".]] إِلَى عُكَاظِ ...

أَلَيْسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ قَينًا ... لَدَى [[في م: "إلى".]] القينَات فَسْلا فِي الحَفَاظ ...

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشدُ [[في م: "يشب".]] كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّواظ ...

قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ [[كذا، وقد سبق تخريج البيت ونسبته إلى الجعدي.]]

يُضِيءُ كَضَوء سَراج السَّليط ... لَمْ يَجْعَل اللهُ فِيهِ نُحَاسا [[المعجم الكبير (١٠/٣٠٥) وفيه جويبر وهو متروك لم يلق ابن عباس.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ: الصُّفّر، يُذَابُ [[في م: "المذاب".]] فَيُصَبُّ على رؤوسهم. وكذا قال قتادة. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا [[في م: "لرجعوا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من م.]] : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ:١، ٢] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدّرْدي وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِش عَلَيْهِمْ" [[المسند (٣/٢٢٦) .]] .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الطَّشُّ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَغَيَّرَ لَوْنُهَا. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كالبِرْذَون الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ.

وَحَكَى البَغَوي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ. تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَان﴾ : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَلَوْنِ دُهْن الوَرْد فِي الصُّفْرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال [أبو صالح] [[زيادة من أ.]] بن جُرَيْجٍ: تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصيبها حَرُّ جَهَنَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٣٥، ٣٦] ، فَهَذَا فِي حَالٍ، وثَمّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] ؛ وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ، يُعْرَفُون بِسِيمَاهُمْ.

وَهَذَا قَوْلٌ [[في م: "جواب".]] ثَالِثٌ. وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا [[في م: "إلى النار".]] وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ: بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ [[في أ: "قدمه".]] فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ -يَعْنِي جَدَّهُ-أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقُلْتُ: حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَار وَاحِدٍ، قَالَ: "نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي -أَوْ قَالَ: يُوحَى-وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ" فَقَالَتْ: وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ؟ قَالَ: "يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مِثْلَ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي [[في م: "فهوى".]] فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا". قُلْتُ: مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [جِدًّا] [[زيادة من م.]] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمّ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ [[رواه عبد الرزاق في المصنف كما في الدر المنثور (٧/٧٠٤) عن رجل من كنده بنحوه.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آنٍ﴾ أَيْ: حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قَدِ انْتَهَى غلْيه، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فيحرّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ [[في م: "حتى تذوب".]] اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ. وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . والحميم الآن: يَعْنِي الْحَارَّ. وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَاضِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا، وَالْحَاضِرُ، لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٥] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٣] يَعْنِي: اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ: حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا. وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ [[في أ: "العاصين".]] الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

قَالَ ابْنُ شَوْذب، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقيَّة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ: تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّازِعَاتِ:٤٠] ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمّي، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْران الجَوْني، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رداءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ".

وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٧٦٥) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٦) .]] .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ -قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ-فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [قَالَ] : [[زيادة من أ.]] جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ورِق لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ [[في م: "المقري".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَة، بِهِ [[تفسير الطبري (٥/٤٩٠) "ط. المعارف"، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦٠) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مؤمِّل [[في أ: "موسى".]] بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٦١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لم يزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَة حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . هَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشجَر يَمَسُّ بعضُها بَعْضًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، يَقُولُ: ظِل الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ:

مَا هاجَ شَوقَكَ مِنْ هَديل حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَن الغُصُون حَمَاما ...

تَدْعُو أَبَا فَرْخَين صَادَفَ طَاوِيًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطاما [[رواه عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حيان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور (٧/٧٠٩) .]]

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْكَلْبِيِّ: أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [[في م: "الغصن المنيف طولا".]] [طِوَالًا] [[زيادة من أ.]] .

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ.

قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وخُصَيف، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ [[في أ: "عدي".]] ، وَأَبِي سِنَان مِثْلُ ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في م: "بفضلها وسعتها".]] وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ [[في م: "أسماء بنت يزيد"، وفي ا: "أسماء بنت أبي بكر".]] قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى-فَقَالَ: "يَسِيرُ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ-أَوْ قَالَ: يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الفَنَن مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ-فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلال".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ [[في م، أ: "عن".]] بُكَيْرٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".]] .

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا: "تَسْنِيمٌ"، وَالْأُخْرَى "السَّلْسَبِيلُ".

وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.

وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ [[في م: "الحنظل".]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي: أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَونًا عَظِيمًا، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا: الِاضْطِجَاعُ. وَيُقَالُ: الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْران الجَوْني: هُوَ الدِّيبَاجُ المغَرّي [[في م، أ: "المعمول".]] بِالذَّهَبِ. فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ. وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرة بْنِ يَرِيم [[في أ: "سرية".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ؟

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وظواهرها من نور.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -أَوْ شَرِيكٌ-: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ [[في م: "مخيمر".]] : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أَيْ: ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ:٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الْإِنْسَانِ:١٤] أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ: فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ منك، ولا في الجنة شيئ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ.

﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أَيْ: بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ.

قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، [وَالسُّدِّيُّ] [[زيادة من م.]] ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبِيدة بْنُ حُمَيْد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ [[في أ: "الأزدي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ليُرى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ [[في م: "حرير".]] ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٣) .]] . ورواه موقوفا، ثم قال: وهو أصح [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٢/٣٤٥) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أو لم يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أضْوَأ كَوْكَبٍ دُرّي فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هَمّام بْنِ مُنَبّه وَأَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ [[في م: "قده" وفي أ: "قدمه".]] -يَعْنِي: سَوْطَهُ-مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، ولنَصِيفها عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/١٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٧٩٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ أَيْ: مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ [[في م: "العمل في الدنيا".]] إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] .

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّريحِي، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجُوَيه، حدثنا ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ المُكْتَب، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٦) وفيه بشر الأصبهاني يروي عن الزبير بن عدي عن أنس بنسخة موضوعة.]] .

وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبَى عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بن سِنان الرّهاوي، عن بُكَيْر ابن فَيْرُوزَ [[في أ: "فيروز الديلمي".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٥٠) وتفسير البغوي (٧/٤٥١) .]] .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن محمد بن أبي حَرْمَلَة -مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى-عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ" [[معالم التنزيل للبغوي (٧/٤٥٢) .]] .

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com