John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Al-An'aam

Tafsir Ibn Kathir · The Cattle · 165 ayat · ayat 151–165 · Quran text →

قَالَ دَاوُدُ الأوْدِي، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ علَقْمَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ صَحِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ، فَلْيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ [[في م: "هذه".]] الْآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ بِمَرْوٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهدي، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: فِي [[في م، أ: "إن في".]] الْأَنْعَامِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] .

ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٣١٧) .]] .

قُلْتُ: وَرَوَاهُ زُهَيْر وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَاللَّهُ [[في م، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي مُسْتَدْرَكِهِ [[في أ: "في مسنده" وهو خطأ.]] مِنْ حَدِيثِ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى ثَلَاثٍ؟ " -ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَاتِ -فَمَنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَتَهُ [[في م: "عقوبة".]] وَمَنْ أُخِّرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ".

ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَإِنَّمَا اتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ: "بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا" الْحَدِيثَ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَين كِلَا الْحَدِيثَيْنِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْوَهْمِ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[المستدرك (٢/٣١٨) . أما الحديث الذي اتفق عليه الشيخان من حديث الزهري، فرواه البخاري في صحيحه برقم (١٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٠٩) .]] .

وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا فَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ [أَشْرَكُوا و] [[زيادة من أ.]] عبدوا غَيْرَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وَقَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ وَكُلُّ ذَلِكَ فَعَلُوهُ بِآرَائِهِمْ وَتَسْوِيلِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ، ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿تَعَالَوْا﴾ أَيْ: هَلُمُّوا وَأَقْبِلُوا: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: أَقُصُّ عَلَيْكُمْ وَأُخْبِرُكُمْ بِمَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا لَا تَخَرُّصًا، وَلَا ظَنًّا، بَلْ وَحْيًا مِنْهُ وأمرًا من عنده: ﴿أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وَكَأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَتَقْدِيرُهُ: وَأَوْصَاكُمْ [[في د، أ: "ووصاكم"، وفي م: "أوصاكم".]] ﴿أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

حَجَّ وأوصَى بسُلَيمى الأعْبُدَا ... أنْ لَا تَرَى وَلَا تُكَلِّم أحَدا ...

وَلَا يَزَلْ شَرَابُها مُبَرَّدا [[الرجز في تفسير الطبري (١٢/٢١٦) .]] .

وَتَقُولُ الْعَرَبُ: أَمَرْتُكَ أَلَّا تَقُومَ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِكَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ": وَفِي بَعْضِ [[في م: "قلت: وفي بعض".]] الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ أَبُو ذَرٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ، عَلَيْهِ [[في أ: "وأنه عليه الصلاة والسلام".]] السَّلَامُ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "وَإِنْ رَغِمَ أنفُ أَبِي ذَرٍّ" [[صحيح البخاري برقم (١٢٣٧) وصحيح مسلم برقم (٩٤) .]] فَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَدِيثِ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.

وَفِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي أَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَتَيْتَنِي بِقِرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً أَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَإِنْ أَخْطَأْتَ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكَ عَنَان السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ" [[رواه أحمد في مسنده (٥/١٥٤) والترمذي في السنن برقم (٢٤٩٥) وابن ماجة في السنن برقم (٤٢٥٧) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".]] .

وَلِهَذَا شَاهِدٌ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨، ١١٦] .

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" [[صحيح مسلم برقم (٩٢) .]] وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ: "لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وإن قُطِّعتم أو صُلِّبتم أو حُرِّقتم" [[أما حديث أبي الدرداء، فرواه الطبراني في المعجم الكبير كما في معجم الزوائد (٤/٢١٦) من طريق شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبي الدرداء به.

قال الهيثمي: "فيه شهر بن حوشب وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات". وأما حديث عبادة فهو الآتي.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف الحِمْصي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي سَيَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَوْذر، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شُرَيح، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَوْصَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعِ خِصَالٍ: "أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ حُرِّقْتُمْ وَقُطِّعْتُمْ وَصُلِّبْتُمْ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير كما في الزوائد (٤/٢١٦) وقال الهيثمي:"فيه سلمة بن شريح قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أَيْ: وَأَوْصَاكُمْ وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، أَيْ: أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٢٣] .

وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَوَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".

وَاللَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ بَيْنَ طَاعَتِهِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لُقْمَانَ:١٤، ١٥] . فَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ بِحَسْبِهِمَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ. [الْبَقَرَةِ:٨٣] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ [[في أ: "استزدت".]] لَزَادَنِي [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥) .]] .

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ: "أَطِعْ وَالِدَيْكَ، وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ لَهُمَا مِنَ الدُّنْيَا، فَافْعَلْ" [[سبق تخريجهما من رواية الطبراني في المعجم الكبير.]] .

وَلَكِنْ فِي إِسْنَادَيْهِمَا ضَعْفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لَمَّا أَوْصَى [[في د، م: "وصى".]] تَعَالَى بِبَرِّ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ الْإِحْسَانَ إِلَى الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ كَمَا سَوَّلت لَهُمُ الشَّيَاطِينُ ذَلِكَ، فَكَانُوا يَئِدُونَ الْبَنَاتَ خَشْيَة الْعَارِ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْضَ الذُّكُورِ خيفةَ الِافْتِقَارِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله ندا وهو خلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: "أن تُزَاني حَلِيلَةَ جَارِكَ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".]] [الفرقان:٦٨] . [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي: هُوَ الْفَقْرُ، أَيْ: وَلَا تَقْتُلُوهُمْ مِنْ فَقْرِكُمُ الْحَاصِلِ، وَقَالَ فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ": ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ:٣١] ، أَيْ: خَشْيَةَ [[في م: "خيفة" وفي أ: "ضيقة".]] حُصُولِ فَقْرٍ، فِي الْآجِلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فَبَدَأَ بِرِزْقِهِمْ لِلِاهْتِمَامِ بِهِمْ، أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْ فَقْرِكُمْ بِسَبَبِهِمْ، فَرِزْقُهُمْ عَلَى اللَّهِ. وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمَّا كَانَ الْفَقْرُ حَاصِلًا قَالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:٣٣] . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٢] .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا أحد أغْيَر من اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطنَ" [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر، عَنْ وَرّاد، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُغَيَّرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَح. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرّم الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن". أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٦٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٩) .]] .

وَقَالَ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا [[في م: "أما".]] . نَغَارُ. قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغَارُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ غَيْرَتِهِ نَهَى عَنِ الْفَوَاحِشِ" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/٣٢٦) من طريق كامل به، قال الهيثمي في المجمع (٤/٣٢٨) : "فيه كامل أبو العلاء، وفيه كلام لا يضر وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] .

رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ التِّرْمِذِيِّ، فَقَدْ رُوِيَ بِهَذَا السَّنَدِ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٣٣١) وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هريرة".]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ وَهَذَا مِمَّا نَصَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ تَأْكِيدًا، وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" [[صحيح البخاري برقم (٦٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٦) .]] .

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ [[في م: "مسلم".]] وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ... " وَذَكَرَهُ، قَالَ الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] ، بِمِثْلِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٦٧٦) .]] .

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زانٍ مُحْصَن يُرْجَم، وَرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلا مُتَعمِّدا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ". وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٥٣) وسنن النسائي (٧/١٠١) .]] .

وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ مَحْصُورٌ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٍ كَفَر بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ زَنَا بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ". فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا تَمَنَّيْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا مِنْهُ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ تَقْتُلُونَنِي. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٦٣) وسنن الترمذي برقم (٢١٥٨) وسنن النسائي (٧/٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٣٣) .]] .

وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ وَالزَّجْرُ وَالْوَعِيدُ فِي قَتْلِ المعاهدَ -وَهُوَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ -كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من قتل مُعاهِدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ [[في د، م، أ: "يوجد".]] مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا" [[صحيح البخاري برقم (٣١٦٦) .]] .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ قَتْلَ معاهَدًا لَهُ ذِمَّة اللَّهِ وذمَّة رَسُولِهِ، فَقَدَ أَخَفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَريفًا".

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن ابن ماجة برقم (٢٦٨٧) وسنن الترمذي برقم (١٤٠٣) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا مَا [[في أ: "مما".]] وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.

قَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ:١٠] ، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَسُ لَهُ حتى يأكله وَيَفْسُدُ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٠] ، قَالَ: فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: يَعْنِي: حَتَّى يَحْتَلِمَ.

وَقَالَ السُّدِّي: حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يَأْمُرُ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، كَمَا تَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ:١ -٦] . وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ.

وَفِي كِتَابِ الْجَامِعِ لِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي عَلِيٍّ الرّحَبي، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: "إِنَّكُمْ وُلّيتم أَمْرًا هَلَكَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكُمْ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحُسين، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا [[سنن الترمذي برقم (١٢١٧) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٢٨٨) وابن عدي في الكامل (٢/٣٥٢) من طريق الحسين بن قيس أبي علي الرحبي به.]] .

قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيك، عَنِ الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكُمْ مَعْشَر الْمَوَالِي قَدْ بَشَّرَكم اللَّهُ بِخَصْلَتَيْنِ بِهَا هَلَكَتِ الْقُرُونُ الْمُتَقَدِّمَةُ: الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ" [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٥) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا نُكَلِّفُ [[في أ: "لا يكلف الله".]] نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ أَيْ: مَنِ اجْتَهَدَ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ وَأَخْذِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ وَبَذْلِ جُهْدِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّة، عَنْ مُبَشر [[في أ: "ميسر".]] بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مهْران، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ فَقَالَ: "مِنْ أَوْفَى عَلَى يَدِهِ فِي الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا، لَمْ يُؤَاخَذْ". وَذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴿وُسْعَهَا﴾ هَذَا مرسل غريب [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٤) ولم يعزه لأحد غيره، وفي إسناده مبشر بن عبيد الحمصي. قال أحمد: كان يضع الحديث، وقال البخاري: روى عنه بقية، منكر الحديث.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ] ﴾ [[زيادة من م، أ.]] [الْمَائِدَةِ:٨] ، وَكَذَا الَّتِي تُشْبِهُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [الْآيَةِ:١٣٥] ، يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ لِكُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ وَبِوَصِيَّة اللَّهِ الَّتِي أَوْصَاكُمْ بِهَا فَأَوْفُوا. وَإِيفَاءُ ذَلِكَ: أَنْ تُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، وَتَعْمَلُوا بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ اللَّهِ.

﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا وَصَّاكُمْ بِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِهِ، وَأَكَّدَ عَلَيْكُمْ فِيهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: تَتَّعِظُونَ وَتَنْتَهُونَ عَمَّا [[في م: "وتنتبهون مما".]] كُنْتُمْ فِيهِ قَبْلَ هَذَا، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِتَشْدِيدِ "الذَّالِ"، وَآخَرُونَ بِتَخْفِيفِهَا.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى:١٣] ، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ [[في أ: "والتفرقة".]] ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا [[في م: "لما".]] هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَحْوِ هَذَا. قَالَهُ [[في أ: "قال".]] مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ: شَاذَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ -هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ -عَنْ عَاصِمٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي النُّجُودِ -عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيل اللَّهِ مُسْتَقِيمًا". وَخَطَّ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ السُّبُل لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ. وَقَالَ: صَحِيحُ [الْإِسْنَادِ] [[زيادة من م.]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المسند (١/٤٦٥) والمستدرك (٢/٣١٨) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، وَوَرْقَاءُ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شقيق ابن سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ومُسدَّد وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ -وَابْنِ حِبَّان، من حَدِيثِ ابْنِ وَهْب -أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْمُثَنَّى، عَنِ الحِمَّاني، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِهِ.

وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ: صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٤) وتفسير الطبري (١٢/٢٣٠) والمستدرك (٢/٣١٨) .]] .

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عن أبي بكر ابن عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. بِهِ مَرْفُوعًا [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٥) والمستدرك (٢/٢٣٩) .]] .

وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، بِهِ.

فَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ كَمَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرٍّ، وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْحَاكِمُ: وَشَاهِدُ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ، مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ مُعْتَمَدٍ [[المستدرك (٢/٣١٨) .]] .

يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن محمد -وهو أبو بكر بن أَبِي شَيْبَةَ -أَنْبَأَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامَهُ، فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ". وَخَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّيْنِ عَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: "هَذِهِ سَبِيلُ [[في م، أ: "سبل".]] الشَّيْطَانِ". ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ السُّنَةِ مِنْ سُنَنِهِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، بِهِ [[المسند (٣/٣٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١) وقال البوصيري في الزوائد (١/٤٥) : "هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعيد".]] .

قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْكِنْدِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَسَارِهِ خَطًّا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْخَطِّ الْأَوْسَطِ [[في د، م: "الأسود".]] وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [[وفي إسناده مجالد بن سعيد فيه كلام.]] .

وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ إِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ أبَان؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؟ قَالَ: تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَدْنَاهُ، وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ يَمِينِهِ جَوَادّ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَوَادّ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ. فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَادِّ انْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ، وَمِنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاطِ انْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٢/٢٣٠) .]] .

وَقَالَ ابْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا آدم، حدثنا إسماعيل ابن عَيَّاش، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من م.]] ابْنُ مَسْعُودٍ: تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَدْنَاهُ، وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سمْعان نَحْوُهُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّار أَبُو الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا لَيْث -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْر بْنِ نُفَيْرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنْبتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا [[في د، م: "يأيها".]] النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَفَرَّجُوا [[في د: "ولا تفرقوا"، وفي م، أ: "ولا تفرجوا".]] وَدَاعٍ يَدْعُو مَنْ جَوْفِ [[في أ: "من فوق".]] الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ. لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ [[في أ: "من حديث".]] عَلِيِّ بْنِ حُجْر -زَادَ النَّسَائِيُّ -وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ بَقِيَّة بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان، عَنْ جُبَير بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعان، بِهِ [[المسند (٢/١٨٢) وسنن الترمذي برقم (٢٨٥٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٣٣) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] إِنَّمَا وَحَّدَ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من م.]] سَبيله لِأَنَّ [[في أ: "لأنه".]] الْحَقَّ وَاحِدٌ؛ وَلِهَذَا جَمَعَ لِتَفَرُّقِهَا وَتَشَعُّبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] .

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سفيان بن حسين، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى هَذِهِ [[في م: "هؤلاء".]] الْآيَاتِ الثَّلَاثِ؟ ". ثُمَّ تَلَا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ ثَلَاثِ الْآيَاتِ، ثُمَّ قَالَ: "وَمَنْ وَفَّى بِهِنَّ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا أَدْرَكَهُ [[في أ: "فأدركه".]] اللَّهُ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَتَهُ، وَمَنْ أخَّرَه إِلَى الْآخِرَةِ كَانَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٣١٨) من طريق يزيد بن هارون به.]] .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ قُلْ -يَا مُحَمَّدُ -مُخْبِرًا عَنَّا بِأَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾

قلت: وفي هذا نظر، وثُم هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ، لَا لِلتَّرْتِيبِ هَاهُنَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُم سَادَ أبوهُ ... ثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلكَ جَده [[لم أعرف قائله.]]

وَهَاهُنَا لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عَطَفَ بِمَدْحِ التَّوْرَاةِ وَرَسُولِهَا، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ [[في أ: "الله تعالى".]] بَيْنَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الْأَحْقَافِ:١٢] ، وَقَوْلُهُ [فِي] [[زيادة من أ.]] أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الْآيَةَ:٩١] ، وَبَعْدَهَا ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ:٩٢] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٤٨] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".]] [الْأَحْقَافِ:٣٠] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا﴾ أَيْ: آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ تَمَامًا كَامِلًا جَامِعًا لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَرِيعَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف:١٤٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أَيْ: جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الْعَمَلِ، وَقِيَامِهِ بِأَوَامِرِنَا وَطَاعَتِنَا، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ:٦٠] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]] [الْبَقَرَةِ:١٢٤] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:٢٤] .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يَقُولُ: أَحْسَنَ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ فِي الآخرة.

واختار ابن جرير أن تقديره الْكَلَامِ: ﴿ [ثُمَّ] آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ [[زيادة من أ.]] عَلَى إِحْسَانِهِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ "الَّذِي" مَصْدَرِيَّةً، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التَّوْبَةِ:٦٩] أَيْ: كَخَوْضِهِمْ وَقَالَ ابْنُ رَوَاحة:

فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... فِي الْمَرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا [[البيت في السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٧٤) .]]

وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى "الَّذِينَ".

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قَالَ: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَالْمُحْسِنُونَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: أَظْهَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ.

قُلْتُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الْأَعْرَافِ:١٤٤] ، وَلَا يَلْزَمُ اصْطِفَاؤُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِأَدِلَّةٍ أُخَرَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَرَوَى أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا. ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ رَفْعًا، بِتَأْوِيلِ: "عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ"، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ صَحِيحٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى مَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَغوي.

وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ جَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فِيهِ مَدْحٌ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَوَصْفِهِ بِالْبَرَكَةِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ في الدنيا والآخرة.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ قُلْ -يَا مُحَمَّدُ -مُخْبِرًا عَنَّا بِأَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾

قلت: وفي هذا نظر، وثُم هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ، لَا لِلتَّرْتِيبِ هَاهُنَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُم سَادَ أبوهُ ... ثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلكَ جَده [[لم أعرف قائله.]]

وَهَاهُنَا لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عَطَفَ بِمَدْحِ التَّوْرَاةِ وَرَسُولِهَا، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ [[في أ: "الله تعالى".]] بَيْنَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الْأَحْقَافِ:١٢] ، وَقَوْلُهُ [فِي] [[زيادة من أ.]] أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الْآيَةَ:٩١] ، وَبَعْدَهَا ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ:٩٢] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [الْقَصَصِ:٤٨] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م، أ، وفي هـ "الآية".]] [الْأَحْقَافِ:٣٠] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا﴾ أَيْ: آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ تَمَامًا كَامِلًا جَامِعًا لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَرِيعَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف:١٤٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أَيْ: جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الْعَمَلِ، وَقِيَامِهِ بِأَوَامِرِنَا وَطَاعَتِنَا، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ:٦٠] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]] [الْبَقَرَةِ:١٢٤] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:٢٤] .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يَقُولُ: أَحْسَنَ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ فِي الآخرة.

واختار ابن جرير أن تقديره الْكَلَامِ: ﴿ [ثُمَّ] آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ [[زيادة من أ.]] عَلَى إِحْسَانِهِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ "الَّذِي" مَصْدَرِيَّةً، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التَّوْبَةِ:٦٩] أَيْ: كَخَوْضِهِمْ وَقَالَ ابْنُ رَوَاحة:

فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... فِي الْمَرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا [[البيت في السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٧٤) .]]

وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى "الَّذِينَ".

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قَالَ: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَالْمُحْسِنُونَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: أَظْهَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ.

قُلْتُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الْأَعْرَافِ:١٤٤] ، وَلَا يَلْزَمُ اصْطِفَاؤُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِأَدِلَّةٍ أُخَرَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَرَوَى أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا. ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ رَفْعًا، بِتَأْوِيلِ: "عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ"، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ صَحِيحٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى مَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَغوي.

وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ جَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فِيهِ مَدْحٌ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَوَصْفِهِ بِالْبَرَكَةِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ في الدنيا والآخرة.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُوا: ﴿إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾

يَعْنِي: لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا [[في أ: "لقالوا"]] رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] [الْقَصَصِ:٤٧] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أَيْ: وَمَا كُنَّا نَفْهَمُ مَا يَقُولُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِلِسَانِنَا، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ فِي شُغْلٍ وَغَفْلَةٍ عَمَّا هُمْ فِيهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أَيْ: وَقَطَعْنَا تَعَلُّلكم أَنْ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فِيمَا أُوتُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا] [[زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فَاطِرَ:٤٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ قُرْآنٌ عَظِيمٌ، فِيهِ بَيَانٌ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَهُدًى لِمَا فِي الْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَفُونَ مَا فِيهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا اتَّبَعَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَلَا تَرَكَ غَيْرَهُ، بَلْ صَدَفَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: صَرَفَ النَّاسَ وَصَدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ السُّدِّيُّ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَعْرَضَ عَنْهَا.

وَقَوْلُ السُّدِّيِّ هَاهُنَا فِيهِ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الْآيَةَ:٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النَّحْلِ:٨٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾

وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ فِيمَا [[في م: "كما".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا آمَنُ بِهَا وَلَا عَمِلَ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ:٣٢، ٣١] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِمَالِ الْكَافِرِ عَلَى التَّكْذِيبِ بقلبه، وترك الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، والله [تعالى] [[زيادة من م،.]] أعلم.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُوا: ﴿إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾

يَعْنِي: لِيَنْقَطِعَ عُذْرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا [[في أ: "لقالوا"]] رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] [الْقَصَصِ:٤٧] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أَيْ: وَمَا كُنَّا نَفْهَمُ مَا يَقُولُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِلِسَانِنَا، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ فِي شُغْلٍ وَغَفْلَةٍ عَمَّا هُمْ فِيهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أَيْ: وَقَطَعْنَا تَعَلُّلكم أَنْ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فِيمَا أُوتُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا] [[زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فَاطِرَ:٤٢] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ قُرْآنٌ عَظِيمٌ، فِيهِ بَيَانٌ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَهُدًى لِمَا فِي الْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَفُونَ مَا فِيهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا اتَّبَعَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَلَا تَرَكَ غَيْرَهُ، بَلْ صَدَفَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: صَرَفَ النَّاسَ وَصَدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ السُّدِّيُّ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَعْرَضَ عَنْهَا.

وَقَوْلُ السُّدِّيِّ هَاهُنَا فِيهِ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الْآيَةَ:٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النَّحْلِ:٨٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾

وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ فِيمَا [[في م: "كما".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا آمَنُ بِهَا وَلَا عَمِلَ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ:٣٢، ٣١] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِمَالِ الْكَافِرِ عَلَى التَّكْذِيبِ بقلبه، وترك الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، والله [تعالى] [[زيادة من م،.]] أعلم.

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِلْكَافِرِينَ بِهِ، وَالْمُخَالِفِينَ رُسُلَهُ وَالْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ، وَالصَّادِّيْنَ عَنْ سَبِيلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ وَذَلِكَ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ] ﴾ [[زيادة من م،.]] الْآيَةَ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَائِنٌ مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبها، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا. فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.

هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٥) ، (٤٦٣٦) .]] وَمِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي كُتُبِهِمْ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاع بْنِ شُبْرُمَة، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ [[في أ: "عن".]] عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٥٧) وسنن أبي داود برقم (٤٣١٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٦٨) .]] .

وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي: فَرَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ، غَيْرَ مَنْسُوبٍ، فَقِيلَ: هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، وَقِيلَ: إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ [[قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/٢٩٧) : "جزم خلف بأنه ابن نصر، وأبو مسعود بأنه ابن منصور، وقول خلف أقوى".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٥٧) .]] .

وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا انْفَرَدَ مسلم بروايته من حديث العلاء ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٥٧) .]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ طُلُوعُ الشَّمْسِ من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيع، عَنْ فُضَيْل بْنِ غَزْوان، عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَعِنْدَهُ: "وَالدُّخَانُ".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ [[تفسير الطبري (١٢/٢٦٥) والمسند (٢/٤٤٥) وصحيح مسلم برقم (١٥٨) .]] .

وَرَوَاهُ هُوَ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٥٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٢) .]] .

وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفَرَوي، عَنْ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لِضَعْفِ الفَرْوي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٢/٢٥٥) .]] .

وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ.

أَخْرَجَ هَذِهِ الطُّرُقَ كلَّها الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، قُبِل مِنْهُ".

لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ [[تفسير الطبري (١٢/٢٥٦) ورواه أحمد في مسنده (٢/٢٧٥) من طريق عبد الرزاق به.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ: فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدُب بْنِ جُنَادة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَدْري أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ؟ ". قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: "إِنَّهَا تَنْتَهِي دُونَ الْعَرْشِ، ثُمَّ تَخِرُّ سَاجِدَةً، ثُمَّ تَقُومُ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي [[في د: "ارفعي".]] فَيُوشِكُ يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، وَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ حُذيفة بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تقوم الساعة حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَخُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْر عَدَن تَسُوقُ -أَوْ: تَحْشُرُ -النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ [[المسند (٤/٧) وصحيح مسلم برقم (٢٩٠١) وسنن أبي داود برقم (٤٣١١) وسنن الترمذي برقم (٢١٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤١) .]] مِنْ حَدِيثِ فُرَاتٍ القَزَّاز، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعي، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا آيَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَطُولُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ حَتَّى تَكُونَ قَدْر لَيْلَتَيْنِ، فَبَيْنَمَا الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا، يَعْمَلُونَ [[في أ: "فيعملون".]] كَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَبْلَهَا وَالنُّجُومُ لَا تَسْرِي، قَدْ قَامَتْ مَكَانَهَا، ثُمَّ يَرْقُدُونَ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَرْقُدُونَ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَطُلُّ عَلَيْهِمْ جُنُوبُهُمْ، حَتَّى يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، فَيَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يُصْبِحُونَ، فَبَيْنَمَا هُمْ [[في أ: "هم كذلك".]] يَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا إِذْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا، وَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ".

رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه، وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة (١/٣١) قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سهل، حدثنا محمد بن يوسف الرازي، حدثنا إدريس بن علي الرازي، حدثنا يحيى بن الضريس، عن سفيان الثوري فذكره".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -وَاسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قَالَ: "طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[المسند (٣/٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧١) وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/١٧٩) من طريق وكيع، عن ابن أبي ليلى به موقوفا.]] .

وَفِي حَدِيثِ طَالُوتَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ فَضَال بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْنِ عَجْلان قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن أوّلَ الْآيَاتِ طلوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨/٩) وقال الهيثمي: "فيه فضال بن جبير وهو ضعيف، وقد أنكر هذا الحديث".]] .

وَفِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبَيْش، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّال قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ فَتَحَ بَابًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَرْضُهُ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ"، قَالَ: "لَا [[في م: "إن".]] يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٥٣٦) وسنن النسائي (١/٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (٤٠٧٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى:

قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَد، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ لَيْلَةٌ تَعْدِلُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَعْرِفُهَا الْمُتَنَفِّلُونَ، يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ، ثُمَّ يَنَامُ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ صَاحَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَيَفْزَعُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَإِذَا هُمْ بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَضَجَّ النَّاسُ ضَجَّةً وَاحِدَةً، حَتَّى إِذَا صَارَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ رَجَعَتْ وَطَلَعَتْ مِنْ مَطْلِعِهَا". قَالَ: "حِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه عبد بن حميد كما في الدر المنثور (٣/٣٩٢) .]] وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]]

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَة بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: جَلَسَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ فَسَمِعُوهُ يَقُولُ -وَهُوَ يُحَدِّثُ فِي الْآيَاتِ -: إِنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجُ الدَّجَّالِ. قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّفَرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثُوهُ بِالَّذِي سَمِعُوهُ مِنْ مَرْوَانَ فِي الْآيَاتِ، فَقَالَ [[في أ: "فقال عبد الله".]] لَمْ يَقُلْ مَرْوان شَيْئًا قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ ضُحًى، فَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا". ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا كُلَّمَا غَرَبَتْ أَتَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ فَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ فَأُذِنَ لَهَا فِي الرُّجُوعِ، حَتَّى إِذَا بَدَا اللَّهُ أَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا فَعَلَتْ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ: أَتَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ فَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ، فَلَمْ يُرَدَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ تستأذنُ فِي الرُّجُوعِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا شَيْءٌ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْهَبَ، وَعَرَفَتْ أَنَّهُ إِذَا [[في م: "إن".]] أَذِنَ لَهَا فِي الرُّجُوعِ لَمْ تُدْرِكِ الْمَشْرِقَ، قَالَتْ: رَبِّي، مَا أَبْعَدَ الْمَشْرِقَ. مَنْ لِي بِالنَّاسِ. حَتَّى إِذَا صَارَ الْأُفُقُ كَأَنَّهُ طَوْقٌ اسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ، فَيُقَالُ لَهَا: مِنْ مَكَانِكِ فَاطْلَعِي. فَطَلَعَتْ عَلَى النَّاسِ مِنْ مَغْرِبِهَا"، ثُمَّ تَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] ﴾ [[زيادة من: م، أ.]] الْآيَةَ.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، فِي سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حديث أبي حيان التيمي - وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ -عَنْ أَبِي زُرْعَة بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤١) وسنن أبي داود برقم (٤٣١٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٦٩) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْهُ:

قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ حَبَّانَ الرَّقِّي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ -حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي [[في أ: "الجبلي".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا خَرَّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي وَيَجْهَرُ: إِلَهِي، مُرْني أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ". قَالَ: "فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ زَبَانِيَتُهُ فَيَقُولُونَ: يَا سَيِّدَهُمْ، مَا هَذَا التَّضَرُّعُ؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِر إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ". قَالَ "ثُمَّ تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ صَدْع فِي الصَّفَا". قَالَ: "فَأَوَّلُ خطوة تضعها بأنطاكيا، فَتَأْتِي إِبْلِيسَ فَتَخْطمه [[في أ: "فتلطمه".]] ..

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ [[المعجم الكبير للطبراني برقم (١١١) "القسم المفقود" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٨) : "فيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق وهو ضعيف".]] وَلَعَلَّهُ مِنَ الزَّامِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَصَابَهُمَا [[في أ: "أصابها".]] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَأَمَّا رَفْعُهُ فَمُنْكَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَم بْنِ زُرْعَة، عَنْ شُرَيح بْنِ عُبَيْدٍ يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ يُخَامر، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِلُ". فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا [[في أ: "إحديهما".]] تَهْجُرُ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى تُهَاجِرُ [[في م: "يهاجر".]] إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ مَا تُقِبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ [[في م: "مغربها".]] فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ". هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنُ الْإِسْنَادِ [[المسند (١/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٥١) : "ورجال أحمد ثقات".]] وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

قَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ فَقَدْ مَضَى غَيْرَ أَرْبَعٍ: طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالِ، وَدَابَّةِ الْأَرْضِ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: الْآيَةُ الَّتِي تُخْتَمُ بِهَا الْأَعْمَالُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ كُلَّهَا، يعني طلوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا [[رواه الطبري في تفسيره (١٢/٢٦٠) .]] .

حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب ابن مُنَبِّه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] مَرْفُوعًا -فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا غَرِيبًا مُنْكَرًا رَفْعُهُ، وَفِيهِ: "أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَطْلُعَانِ يَوْمَئِذٍ مَقْرُونَيْنِ [[في م، أ: "مقرونين من المغرب".]] وَإِذَا نَصَفا السَّمَاءَ رَجَعَا ثُمَّ عَادَا إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ". وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٩٦، ٣٩٧) وقال: إسناده واه.]] بَلْ مُنْكَرٌ، بَلْ مَوْضُوعٌ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من م.]] إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، فَأَمَّا وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ -وَهُوَ الْأَشْبَهُ -فَغَيْرُ مَدْفُوعٍ [[في أ: "مرفوع".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] قَالَتْ: إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْآيَاتِ، طُرحت الْأَقْلَامُ، وَحُبِسَتِ الْحَفَظَةُ، وَشَهِدَتِ الْأَجْسَادُ عَلَى الْأَعْمَالِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

فَقَوْلُهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: إِذَا أَنْشَأَ الْكَافِرُ إِيمَانًا يَوْمَئِذٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُصْلِحًا فِي عَمَلِهِ فَهُوَ بِخَيْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ كَانَ مخَلِّطًا فَأَحْدَثَ تَوْبَةً حِينَئِذٍ [[في أ: "يومئذ".]] لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ [[في م: "عليه هذه".]] الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أَيْ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا كَسْبُ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكَافِرِينَ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِمَنْ سَوَّف بِإِيمَانِهِ وَتَوْبَتِهِ إِلَى وَقْتٍ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ هَذَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، لِاقْتِرَابِ وَقْتِ الْقِيَامَةِ، وَظُهُورِ أَشْرَاطِهَا كَمَا قَالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ:١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ] ﴾ [[زيادة من: م، أ، وفي هـ: "الآية".]] [غَافِرَ:٨٤، ٨٥] .

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وَذَلِكَ أن اليهود وَالنَّصَارَى اخْتَلَفُوا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَتَفَرَّقُوا. فَلَمَّا بَعَثَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مُحَمَّدًا ﷺ أَنْزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَمْرو السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي لَيْث، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي هَذِهِ الأمَّة ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وَلَيْسُوا مِنْكَ، هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَأَهْلُ الشُّبَهَاتِ، وَأَهْلُ الضَّلَالَةِ، مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ" [[تفسير الطبري (١٢/٢٧٠) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٢١) من طريق معلل، عن موسى بن أعين، عن سفيان الثوري، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عنه به، وقال: "لم يروه عن سفيان إلا موسى تفرد به معلل". ورواه الطبري في تفسيره (١٢/٢٧٠) على أبي هريرة موقوفا كما بينه الحافظ ابن كثير.]] .

لَكِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَخْتَلِقْ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّهُ وَهَم فِي رَفْعِهِ. فَإِنَّهُ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ -عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ] وَكَانُوا شِيَعًا [[زيادة من أ.]] ﴾ قَالَ: هُمُ الْخَوَارِجُ. وَرُوِي عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَلَا يَصِحُّ.

وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْح، عَنْ عُمْرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قَالَ: "هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ".

وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه، وَهُوَ غَرِيبٌ أَيْضًا [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٢٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/١٣٨) من طريق محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد، عن شعبة به، وقال الطبراني: "لم يروه عن شعبة إلا بقية، تفرد به محمد بن مصفى، وهو حديثه".]] وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا افْتِرَاقَ، فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ -وَهِيَ الْأَهْوَاءُ وَالضَّلَالَاتُ -فَاللَّهُ [[في م: "فإنه".]] قَدْ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] ﴾ [[زيادة من م، أ.]] الْآيَةَ [الشُّورَى:١٣] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات، دِينُنَا وَاحِدٌ".

فَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَضَلَالَاتٌ وَجَهَالَاتٌ وَآرَاءٌ وَأَهْوَاءٌ، الرُّسُلُ بُرآء مِنْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْحَجِّ:١٧] ، ثُمَّ بَيَّنَ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ فَقَالَ:

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مُفَصِّلَةٌ لِمَا أَجْمَلَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النَّمْلِ: ٨٩] ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ مُطَابِقَةً لِهَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:

حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ العُطاردي، عن ابن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في م: "عنه"]] ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في م: "تبارك وتعالى".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن رَبَّكُمْ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من م، أ.]] رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتبت لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَمَنْ هُمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً، أَوْ يَمْحُوهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَهْلَكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالَكٌ".

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْجَعْدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٤٩١) وصحيح مسلم برقم (١٣١) .]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ عَمِل حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ. وَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَجَزَاؤُهَا مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ. وَمَنْ عَمِلَ قُرَاب الْأَرْضِ خَطِيئَةً ثُمَّ لَقِيَنِي لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا جَعَلْتُ لَهُ مِثْلَهَا مَغْفِرَةً. وَمَنِ اقْتَرَبَ إليَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنِ اقْتَرَبَ إليَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة".

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِهِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (٥/١٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٨٧) .]] . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٣٨٢١) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا شَيْبَان، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فإن عملها كتبت لَهُ عَشْرًا. وَمِنْ هُمْ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" [[مسند أبي يعلى (٦/١٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٤٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

وَاعْلَمْ أَنَّ تَارِكَ السَّيِّئَةِ الَّذِي لَا يَعْمَلُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: تَارَةً يَتْرُكُهَا لِلَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] فَهَذَا تَكْتُبُ لَهُ حَسَنَةٌ عَلَى كَفِّهِ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا عَمَلٌ ونِيَّة؛ وَلِهَذَا جَاءَ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ حسنة، كما جاء فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ: "فَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي" [[جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] أَيْ: مِنْ أَجْلِي. وَتَارَةً يَتْرُكُهَا نِسْيَانًا وذُهولا عَنْهَا، فَهَذَا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ خَيْرًا وَلَا فَعَلَ [[في أ: "عمل".]] شَرًّا. وَتَارَةً يَتْرُكُهَا عَجْزًا وَكَسَلًا بَعْدَ السَّعْيِ فِي أَسْبَابِهَا وَالتَّلَبُّسِ بِمَا يُقَرِّبُ مِنْهَا، فَهَذَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ فَاعِلِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، فِي الصَّحِيحَيْنِ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث، رضي الله عنه.]] .

قَالَ الْإِمَامُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو خَيْثَمَة -قَالَا حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عبيد الله ابن أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا. وَمِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً، فَإِنْ تَرَكَهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي".

هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى [[ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٣/٢١٨) ونسبه لأبي يعلى، وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الرُّكَيْن بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ فُلَانِ بْنِ عَمِيلة، عَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ [[في أ: "قاتم".]] الْأَسَدِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ أَرْبَعَةٌ، وَالْأَعْمَالُ سِتَّةٌ. فَالنَّاسُ مُوَسَّع لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمُوَسَّعٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا مَقْتور عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَقْتُورٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مُوَسَّعٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وشَقِيٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْأَعْمَالُ مُوجبتان، وَمِثْلٌ بِمِثْلٍ، وَعَشَرَةُ أَضْعَافٍ، وَسَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ؛ فَالْمُوجِبَتَانِ [[في أ: "والموجبتان".]] مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ. وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ أشعَرَها قَلْبَه وَحَرَصَ عَلَيْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. وَمِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَلَمْ تُضَاعَفْ عَلَيْهِ. وَمِنْ عَمِلَ حَسَنَةً كَانَتْ عَلَيْهِ [[في م، أ: "له".]] بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا. وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، كَانَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ" [[المسند (٤/٣٤٥) .]] .

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الرُّكَيْن بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَمِيلة، عَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ، بِهِ بِبَعْضِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٦٢٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٢٧) وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن الربيع".]] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يزيد بن زُرَيْع، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثلاثةُ نَفَر: رَجُلٌ حَضَرها بِلَغْوٍ فَهُوَ حَظُّه مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعه، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَة مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذ أَحَدًا، فَهِيَ [[في م: "فإنها".]] كَفَّارَةٌ لَهُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [[ورواه أبو داود في السنن برقم (١١١٣) وابن خزيمة في صحيحه برقم (١٨١٣) من طريق يزيد بن زريع به.]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْجُمُعَةُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا [[في أ: "قبلها".]] وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [[المعجم الكبير (٣/٢٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٧٣) : "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا".]] .

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَقَدْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ".

رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَهَذَا لَفْظُهُ -وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ [[المسند (٥/١٤٥) وسنن النسائي (٤/٢١٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٠٨) وسنن الترمذي برقم (٧٦٢) .]] وَزَادَ: "فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الْيَوْمُ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ"، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ مَنْ جَاءَ بِ"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَقُولُ: بِالشِّرْكِ.

وَهَكَذَا وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ -اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ [[في أ: "لم أروه".]] مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ -وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِيمَا ذُكِرَ كِفَايَةٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ.

يَقُولُ [اللَّهُ] [[زيادة من م.]] تَعَالَى آمِرًا نَبِيَّهُ [[في أ: "لنبيه".]] ﷺ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أَيْ: قَائِمًا ثَابِتًا، ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠ _ ١٢٣] .

وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من م.]] أُمِرَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَكْمَلَ مِنْهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] قَامَ بِهَا قِيَامًا عَظِيمًا، وَأُكْمِلَتْ لَهُ إِكْمَالًا تَامًّا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى هَذَا الْكَمَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَصَاحِبَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَرْهَبُ [[في م: "يرغب".]] إِلَيْهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْص، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصام، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْل، سَمِعْتُ ذَرَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدَاني، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "أَصْبَحْنَا عَلَى مِلَّة الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَمِلَّةِ [أَبِينَا] [[زيادة من أ.]] إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [[ورواه أحمد في مسنده (٣/٤٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به، قال الهيثمي في المجمع (١٠/١١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَين، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" [[المسند (١/٢٣٦) وقال الهيثمي في المجمع (١/٦٠) : "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع".]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَقْنِي عَلَى مَنْكِبِهِ، لِأَنْظُرَ إِلَى زَفْن الْحَبَشَةِ، حَتَّى كُنْتُ الَّتِي مَلِلْتُ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: "لِتَعْلَمَ [[في د، م: "ليعلم".]] يَهودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنيفيَّة سَمْحَة [[المسند (٦/١١٦) .]] .

أَصْلُ الْحَدِيثِ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ طُرُقَهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَأْمُرُهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لِلَّهِ وَنُسُكَهُ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الْكَوْثَرِ: ٢] أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ صَلَاتَكَ [[في م: "لصلاتك".]] وَذَبِيحَتَكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيَذْبَحُونَ لَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تعالى بِمُخَالَفَتِهِمْ وَالِانْحِرَافِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَالْإِقْبَالِ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ قَالَ: النُّسُكُ: الذَّبْحُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر: ﴿وَنُسُكِي﴾ قَالَ: ذَبْحِي. وَكَذَا قَالَ السُّدِّي وَالضَّحَّاكُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الوَهْبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ عيدٍ بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ حين ذبحهما [[في د: "وجههما".]] : " وَجَّهْت وجهي للذي فَطَر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المشرِكين، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [[وفي إسناده انقطاع، فإن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من ابن عباس، قال الدارقطني في العلل: "لم يسمع من أحد من الصحابة".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُلَّهُمْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٧٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠ -١٣٢] ، وَقَالَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] ، وَقَالَ مُوسَى ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٨٤ -٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ [بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [[زيادة من م، أ.]] الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١١] .

فَأَخْبَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ رُسُلَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ بِحَسَبِ شَرَائِعِهِمِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ نُسِخَتْ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي لَا تُنْسَخُ أَبَدَ الآبدين، ولا تزال قَائِمَةً مَنْصُورَةً، وَأَعْلَامُهَا مَشْهُورَةً [[في أ: "منشورة".]] إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؛ ولهذا قال عليه [الصلاة و] [[زيادة من أ.]] السلام: "نَحْنُ مَعاشِر الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات دِينُنَا وَاحِدٌ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] فَإِنَّ أَوْلَادَ الْعِلَّاتِ هُمُ الْإِخْوَةُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى، فَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ تَنَوَّعَتِ الشَّرَائِعُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمَّهَاتِ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ الْأَخْيَافِ [[في أ: "الأختان".]] عَكْسُ هَذَا، بَنُو الْأُمِّ الْوَاحِدَةِ مِنْ آبَاءٍ شَتَّى، وَالْإِخْوَةُ الْأَعْيَانُ الْأَشِقَّاءُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الماجشُون، حَدَّثَنَا عبد الله ابن الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ اسْتَفْتَحَ، ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٩] ، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا [[في م: "إنه لا".]] يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ. وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".

ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَقُولُهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ [[المسند (١/٩٤) وصحيح مسلم برقم (٧٧١) .]] .

يَقُولُ [اللَّهُ] [[زيادة من م.]] تَعَالَى آمِرًا نَبِيَّهُ [[في أ: "لنبيه".]] ﷺ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أَيْ: قَائِمًا ثَابِتًا، ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠ _ ١٢٣] .

وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من م.]] أُمِرَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَكْمَلَ مِنْهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] قَامَ بِهَا قِيَامًا عَظِيمًا، وَأُكْمِلَتْ لَهُ إِكْمَالًا تَامًّا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى هَذَا الْكَمَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَصَاحِبَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَرْهَبُ [[في م: "يرغب".]] إِلَيْهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْص، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصام، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْل، سَمِعْتُ ذَرَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدَاني، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "أَصْبَحْنَا عَلَى مِلَّة الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَمِلَّةِ [أَبِينَا] [[زيادة من أ.]] إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [[ورواه أحمد في مسنده (٣/٤٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به، قال الهيثمي في المجمع (١٠/١١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَين، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" [[المسند (١/٢٣٦) وقال الهيثمي في المجمع (١/٦٠) : "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع".]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَقْنِي عَلَى مَنْكِبِهِ، لِأَنْظُرَ إِلَى زَفْن الْحَبَشَةِ، حَتَّى كُنْتُ الَّتِي مَلِلْتُ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: "لِتَعْلَمَ [[في د، م: "ليعلم".]] يَهودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنيفيَّة سَمْحَة [[المسند (٦/١١٦) .]] .

أَصْلُ الْحَدِيثِ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ طُرُقَهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَأْمُرُهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لِلَّهِ وَنُسُكَهُ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الْكَوْثَرِ: ٢] أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ صَلَاتَكَ [[في م: "لصلاتك".]] وَذَبِيحَتَكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيَذْبَحُونَ لَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تعالى بِمُخَالَفَتِهِمْ وَالِانْحِرَافِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَالْإِقْبَالِ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ قَالَ: النُّسُكُ: الذَّبْحُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر: ﴿وَنُسُكِي﴾ قَالَ: ذَبْحِي. وَكَذَا قَالَ السُّدِّي وَالضَّحَّاكُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الوَهْبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ عيدٍ بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ حين ذبحهما [[في د: "وجههما".]] : " وَجَّهْت وجهي للذي فَطَر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المشرِكين، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [[وفي إسناده انقطاع، فإن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من ابن عباس، قال الدارقطني في العلل: "لم يسمع من أحد من الصحابة".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُلَّهُمْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٧٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠ -١٣٢] ، وَقَالَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] ، وَقَالَ مُوسَى ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٨٤ -٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ [بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [[زيادة من م، أ.]] الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١١] .

فَأَخْبَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ رُسُلَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ بِحَسَبِ شَرَائِعِهِمِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ نُسِخَتْ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي لَا تُنْسَخُ أَبَدَ الآبدين، ولا تزال قَائِمَةً مَنْصُورَةً، وَأَعْلَامُهَا مَشْهُورَةً [[في أ: "منشورة".]] إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؛ ولهذا قال عليه [الصلاة و] [[زيادة من أ.]] السلام: "نَحْنُ مَعاشِر الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات دِينُنَا وَاحِدٌ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] فَإِنَّ أَوْلَادَ الْعِلَّاتِ هُمُ الْإِخْوَةُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى، فَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ تَنَوَّعَتِ الشَّرَائِعُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمَّهَاتِ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ الْأَخْيَافِ [[في أ: "الأختان".]] عَكْسُ هَذَا، بَنُو الْأُمِّ الْوَاحِدَةِ مِنْ آبَاءٍ شَتَّى، وَالْإِخْوَةُ الْأَعْيَانُ الْأَشِقَّاءُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الماجشُون، حَدَّثَنَا عبد الله ابن الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ اسْتَفْتَحَ، ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٩] ، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا [[في م: "إنه لا".]] يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ. وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".

ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَقُولُهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ [[المسند (١/٩٤) وصحيح مسلم برقم (٧٧١) .]] .

يَقُولُ [اللَّهُ] [[زيادة من م.]] تَعَالَى آمِرًا نَبِيَّهُ [[في أ: "لنبيه".]] ﷺ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أَيْ: قَائِمًا ثَابِتًا، ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠ _ ١٢٣] .

وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من م.]] أُمِرَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَكْمَلَ مِنْهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] قَامَ بِهَا قِيَامًا عَظِيمًا، وَأُكْمِلَتْ لَهُ إِكْمَالًا تَامًّا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى هَذَا الْكَمَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَصَاحِبَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَرْهَبُ [[في م: "يرغب".]] إِلَيْهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْص، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصام، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْل، سَمِعْتُ ذَرَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدَاني، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "أَصْبَحْنَا عَلَى مِلَّة الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَمِلَّةِ [أَبِينَا] [[زيادة من أ.]] إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [[ورواه أحمد في مسنده (٣/٤٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به، قال الهيثمي في المجمع (١٠/١١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَين، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" [[المسند (١/٢٣٦) وقال الهيثمي في المجمع (١/٦٠) : "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع".]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَقْنِي عَلَى مَنْكِبِهِ، لِأَنْظُرَ إِلَى زَفْن الْحَبَشَةِ، حَتَّى كُنْتُ الَّتِي مَلِلْتُ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: "لِتَعْلَمَ [[في د، م: "ليعلم".]] يَهودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنيفيَّة سَمْحَة [[المسند (٦/١١٦) .]] .

أَصْلُ الْحَدِيثِ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ طُرُقَهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَأْمُرُهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لِلَّهِ وَنُسُكَهُ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الْكَوْثَرِ: ٢] أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ صَلَاتَكَ [[في م: "لصلاتك".]] وَذَبِيحَتَكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيَذْبَحُونَ لَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تعالى بِمُخَالَفَتِهِمْ وَالِانْحِرَافِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَالْإِقْبَالِ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ قَالَ: النُّسُكُ: الذَّبْحُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر: ﴿وَنُسُكِي﴾ قَالَ: ذَبْحِي. وَكَذَا قَالَ السُّدِّي وَالضَّحَّاكُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الوَهْبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ عيدٍ بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ حين ذبحهما [[في د: "وجههما".]] : " وَجَّهْت وجهي للذي فَطَر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المشرِكين، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [[وفي إسناده انقطاع، فإن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من ابن عباس، قال الدارقطني في العلل: "لم يسمع من أحد من الصحابة".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُلَّهُمْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٧٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٠ -١٣٢] ، وَقَالَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] ، وَقَالَ مُوسَى ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٨٤ -٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ [بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [[زيادة من م، أ.]] الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١١] .

فَأَخْبَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ رُسُلَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ بِحَسَبِ شَرَائِعِهِمِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ نُسِخَتْ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي لَا تُنْسَخُ أَبَدَ الآبدين، ولا تزال قَائِمَةً مَنْصُورَةً، وَأَعْلَامُهَا مَشْهُورَةً [[في أ: "منشورة".]] إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؛ ولهذا قال عليه [الصلاة و] [[زيادة من أ.]] السلام: "نَحْنُ مَعاشِر الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات دِينُنَا وَاحِدٌ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] فَإِنَّ أَوْلَادَ الْعِلَّاتِ هُمُ الْإِخْوَةُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى، فَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ تَنَوَّعَتِ الشَّرَائِعُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمَّهَاتِ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ الْأَخْيَافِ [[في أ: "الأختان".]] عَكْسُ هَذَا، بَنُو الْأُمِّ الْوَاحِدَةِ مِنْ آبَاءٍ شَتَّى، وَالْإِخْوَةُ الْأَعْيَانُ الْأَشِقَّاءُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الماجشُون، حَدَّثَنَا عبد الله ابن الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ اسْتَفْتَحَ، ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٩] ، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا [[في م: "إنه لا".]] يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ. وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".

ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَقُولُهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ [[المسند (١/٩٤) وصحيح مسلم برقم (٧٧١) .]] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أَيْ: أَطْلُبُ رَبًّا سِوَاهُ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، يَرُبّنِي وَيَحْفَظُنِي وَيَكْلَؤُنِي وَيُدَبِّرُ أَمْرِي، أَيْ: لَا أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا أُنِيبُ إِلَّا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.

هَذِهِ [[في م، أ: "فهذه".]] الْآيَةُ فِيهَا الْأَمْرُ بِإِخْلَاصِ التَّوَكُّلِ، كَمَا تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ [[في أ: "وحده".]] لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى يُقْرَنُ بِالْآخَرِ كَثِيرًا [فِي الْقُرْآنِ] [[زيادة من أ.]] كَمَا قَالَ [[في أ: "كقوله".]] تَعَالَى مُرْشِدًا لِعِبَادِهِ أَنْ يَقُولُوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] ، وَقَوْلُهُ ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هُودٍ: ١٢٣] ، وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الْمُلْكِ: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٩] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إِخْبَارٌ عَنِ الواقع يوم القيامة في جَزَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ وَعَدْلِهِ، أَنَّ النُّفُوسَ إِنَّمَا تُجَازَى بِأَعْمَالِهَا [[في م: "بالأعمال".]] إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وَأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ مِنْ خَطِيئَةِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ. وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فَاطِرَ: ١٨] ، وَقَوْلُهُ ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ، قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ [[في د، م، أ: "العلماء بالتفسير".]] : فَلَا يُظْلَمُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَلَا يُهْضَمُ بِأَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣٨، ٣٩] ، مَعْنَاهُ: كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهِنَةٌ بِعَمَلِهَا السَّيِّئِ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَعُودُ [[في أ: "يعود".]] بَرَكَاتُ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ عَلَى ذَرَارِيهِمْ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الطُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْآيَةَ: ٢١] ، أَيْ: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ شَارَكُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، بَلْ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أَيْ: أَنْقَصْنَا أُولَئِكَ السَّادَةَ الرُّفَعَاءَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا حَتَّى سَاوَيْنَاهُمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَنْقَصُ مِنْهُمْ مَنْزِلَةً، بَلْ رفعهم تعالى إلى منزلة الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ أَعْمَالِهِمْ، بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ [[في أ: "ومنه".]] ثُمَّ قَالَ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطَّوْرِ: ٢١] ، أَيْ: مِنْ شَرٍّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أَيِ: اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَسَتُعْرَضُونَ وَنُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَيُنْبِئُنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَعْمَالِنَا وَأَعْمَالِكُمْ، وَمَا كُنَّا نَخْتَلِفُ فِيهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٥، ٢٦] .

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ﴾ أَيْ: جَعَلَكُمْ تُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وقَرْنا بَعْدَ قَرْنٍ، وخَلَفا بَعْدَ سَلَف. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٠] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] ، وَقَوْلِهِ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] ، وَقَوْلِهِ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أَيْ: فَاوَتَ بَيْنَكُمْ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ، والمحاسن والمساوي، وَالْمُنَاظِرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] ، وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] .

وَقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أَيْ لِيَخْتَبِرَكُمْ فِي الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ وَامْتَحَنَكُمْ بِهِ، لِيَخْتَبِرَ الْغَنِيَّ فِي غِنَاهُ وَيَسْأَلُهُ عَنْ شُكْرِهِ، وَالْفَقِيرَ فِي فَقْرِهِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ صَبْرِهِ.

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَة خَضِرَة وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفكم فِيهَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ [[في أ: "فناظر ماذا".]] تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٤٢) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَرْهِيبٌ وَتَرْغِيبٌ، أَنَّ حِسَابَهُ وَعِقَابَهُ سَرِيعٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] عَصَاهُ وَخَالَفَ رُسُلَهُ ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَنْ وَالَاهُ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مَنْ خَيْرٍ وَطَلَبٍ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: يُرْحَمُ الْعِبَادُ عَلَى مَا فِيهِمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : وَقَوْلُهُ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٩، ٥٠] ، [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من أ.]] : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَتَارَةً يَدْعُو عِبَادَهُ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا لَدَيْهِ، وَتَارَةً يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّهْبَةِ وَذِكْرِ النَّارِ وَأَنْكَالِهَا وَعَذَابِهَا وَالْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا، وَتَارَةً بِهَذَا وَبِهَذَا ليَنْجَع فِي كُلَّ بحَسَبِه. جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] أَطَاعَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَرَكَ مَا عَنْهُ نَهَى وزَجَر، وَصَدَّقَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، جَوَادٌ كَرِيمٌ وَهَّابٌ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زُهَيْر، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِع بِالْجَنَّةِ أَحَدٌ، وَلَوْ يُعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنطَ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدٌ، خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَة فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا، وَعِنْدَ اللَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّراوَرْدي، عَنِ الْعَلَاءِ بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ [صَحِيحٌ] [[زيادة من أ.]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَقُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْر، ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ العلاء [[المسند (٢/٤٨٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٤٢) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٥٢) حدثنا يحيي بن أيوب وقتيبة وابن حجر، عن إسماعيل بن جعفر به.]] .

[آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة] [[زيادة من م، أ.]]

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com