Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah At-Tawba
Tafsir Ibn Kathir · The Repentance · 129 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤذون رسولَ اللَّهِ ﷺ بِالْكَلَامِ فِيهِ وَيَقُولُونَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أَيْ: مَنْ قَالَ لَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، وَمَنْ حَدَّثَهُ فِينَا صَدَّقَهُ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وقَتَادَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أَيْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ، يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أَيْ: وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا، وَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. قَالَ: فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ، وَلَأَنْتَ أَشَرُّ مِنَ الْحِمَارِ. قَالَ: فَسَعَى بِهَا الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ [[في أ: "نبي الله".]] ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ فَدَعَاهُ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ؟ " فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [[في ت: "تعلموا".]] أَيْ: أَلَمْ يَتَحَقَّقُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ حَادَّ [[في أ: "يحاد".]] اللَّهَ، أَيْ: شَاقَّهُ وَحَارَبَهُ وَخَالَفَهُ، وَكَانَ فِي حَدٍّ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي حدٍّ ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ أَيْ: مُهَانًا مُعَذَّبًا، ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أَيْ: وَهَذَا هُوَ الذُّلُّ الْعَظِيمُ، وَالشَّقَاءُ الْكَبِيرُ.
قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا، وَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. قَالَ: فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ، وَلَأَنْتَ أَشَرُّ مِنَ الْحِمَارِ. قَالَ: فَسَعَى بِهَا الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ [[في أ: "نبي الله".]] ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ فَدَعَاهُ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ؟ " فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [[في ت: "تعلموا".]] أَيْ: أَلَمْ يَتَحَقَّقُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ حَادَّ [[في أ: "يحاد".]] اللَّهَ، أَيْ: شَاقَّهُ وَحَارَبَهُ وَخَالَفَهُ، وَكَانَ فِي حَدٍّ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي حدٍّ ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ أَيْ: مُهَانًا مُعَذَّبًا، ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أَيْ: وَهَذَا هُوَ الذُّلُّ الْعَظِيمُ، وَالشَّقَاءُ الْكَبِيرُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ الْقَوْلَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَلَّا يُفْشِيَ عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ مَا يَفْضَحُكُمْ بِهِ، وَيُبَيِّنُ لَهُ [[في أ: "لكم".]] أَمْرَكُمْ كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٩، ٣٠] [[في أ: "إسرارهم" وهو خطأ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ تُسَمَّى هَذِهِ السُّورَةُ "الْفَاضِحَةُ"، فَاضِحَةُ الْمُنَافِقِينَ.
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدِينِيُّ [[في أ: "المعدني".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي وَغَيْرِهِ قَالُوا: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: مَا أَرَى قُرّاءنا هَؤُلَاءِ إِلَّا أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وَأَكْذَبَنَا أَلْسِنَةً، وَأَجْبَنَنَا عِنْدَ اللِّقَاءِ. فرُفع ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فَقَالَ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَنْسِفَانِ [[في هـ: "ليسفعان"، وفي أ: "ليشفعان" والمثبت من الطبري.]] الْحِجَارَةَ وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ في غزوة تبوك في مجلس [[في ت، أ: "مجلس يوما".]] مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرائنا هَؤُلَاءِ، أرغبَ بُطُونًا، وَلَا أكذبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ: كذبتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ. لَأُخْبِرَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بحَقَب نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنكُبُه [[في ت، أ: "يركبه".]] الْحِجَارَةُ [[في ت: "بالحجارة".]] وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا [[رواه الطبري في تفسير (١٤/٣٣٣، ٣٣٤) .]]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَديعة بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقَالُ لَهُ: مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُميّر يُشِيرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرّنين فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُمَيّر: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وإما نَنْفَلتُ أَنْ يُنَزَّلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي -لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بحَقَبها: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، [فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ] [[زيادة من ت، أ، وسيرة ابن هشام.]] فَقَالَ مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُمّير: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي وَاسْمُ أَبِي. فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشّن [[في أ: "مخشي"]] بْنُ حُمّير، فَتَسَمَّى [[في أ: "فسمى".]] عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ [[في أ: "أن يقتله".]] شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ [[السيرة النبوية لابن هشام (٢/٥٢٤) .]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَرَكْبٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالُوا: يَظُنُّ هَذَا أَنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الرُّومِ وَحُصُونَهَا. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا قَالُوا، فَقَالَ: "عَليَّ بِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ". فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: "قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَحَلَفُوا مَا كُنَّا إِلَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
وَقَالَ عِكْرِمة فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْمَعُ آيَةً أَنَا أعنَى بِهَا، تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، وتجيب مِنْهَا الْقُلُوبُ، اللَّهُمَّ، فَاجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ، لَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَنَا غُسِّلْتُ، أَنَا كُفِّنْتُ، أَنَا دُفِنْتُ، قَالَ: فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَقَدْ وُجِدَ غَيْرُهُ [[في أ: "عبرة".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أَيْ: بِهَذَا الْمَقَالِ الَّذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أَيْ: لَا يُعْفى عَنْ جَمِيعِكُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَذَابِ بَعْضِكُمْ، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: مُجْرِمِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاجِرَةِ الْخَاطِئَةِ.
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدِينِيُّ [[في أ: "المعدني".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي وَغَيْرِهِ قَالُوا: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: مَا أَرَى قُرّاءنا هَؤُلَاءِ إِلَّا أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وَأَكْذَبَنَا أَلْسِنَةً، وَأَجْبَنَنَا عِنْدَ اللِّقَاءِ. فرُفع ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فَقَالَ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَنْسِفَانِ [[في هـ: "ليسفعان"، وفي أ: "ليشفعان" والمثبت من الطبري.]] الْحِجَارَةَ وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ في غزوة تبوك في مجلس [[في ت، أ: "مجلس يوما".]] مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرائنا هَؤُلَاءِ، أرغبَ بُطُونًا، وَلَا أكذبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ: كذبتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ. لَأُخْبِرَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بحَقَب نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنكُبُه [[في ت، أ: "يركبه".]] الْحِجَارَةُ [[في ت: "بالحجارة".]] وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا [[رواه الطبري في تفسير (١٤/٣٣٣، ٣٣٤) .]]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَديعة بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقَالُ لَهُ: مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُميّر يُشِيرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرّنين فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُمَيّر: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وإما نَنْفَلتُ أَنْ يُنَزَّلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي -لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بحَقَبها: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، [فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ] [[زيادة من ت، أ، وسيرة ابن هشام.]] فَقَالَ مُخَشّن [[في أ: "مخشي".]] بْنُ حُمّير: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي وَاسْمُ أَبِي. فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشّن [[في أ: "مخشي"]] بْنُ حُمّير، فَتَسَمَّى [[في أ: "فسمى".]] عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ [[في أ: "أن يقتله".]] شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ [[السيرة النبوية لابن هشام (٢/٥٢٤) .]]
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَرَكْبٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالُوا: يَظُنُّ هَذَا أَنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الرُّومِ وَحُصُونَهَا. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا قَالُوا، فَقَالَ: "عَليَّ بِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ". فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: "قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَحَلَفُوا مَا كُنَّا إِلَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
وَقَالَ عِكْرِمة فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْمَعُ آيَةً أَنَا أعنَى بِهَا، تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، وتجيب مِنْهَا الْقُلُوبُ، اللَّهُمَّ، فَاجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ، لَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَنَا غُسِّلْتُ، أَنَا كُفِّنْتُ، أَنَا دُفِنْتُ، قَالَ: فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَقَدْ وُجِدَ غَيْرُهُ [[في أ: "عبرة".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أَيْ: بِهَذَا الْمَقَالِ الَّذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أَيْ: لَا يُعْفى عَنْ جَمِيعِكُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَذَابِ بَعْضِكُمْ، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: مُجْرِمِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاجِرَةِ الْخَاطِئَةِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى خِلَافِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ [[في ك: "المؤمنين" وهو خطأ.]] يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، كَانَ هَؤُلَاءِ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: نسوا ذكر الله، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم مُعَامَلَةَ مَنْ نَسِيَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الْجَاثِيَةِ:٣٤] [[في ت، ك، أ: "فاليوم" وهو خطأ.]] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، الدَّاخِلُونَ فِي طَرِيقِ الضَّلَالَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أَيْ: عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُمْ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا مُخَلَّدِينَ، هُمْ وَالْكُفَّارُ، ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أَيْ: كِفَايَتُهُمْ فِي الْعَذَابِ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى خِلَافِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ [[في ك: "المؤمنين" وهو خطأ.]] يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، كَانَ هَؤُلَاءِ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: نسوا ذكر الله، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم مُعَامَلَةَ مَنْ نَسِيَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الْجَاثِيَةِ:٣٤] [[في ت، ك، أ: "فاليوم" وهو خطأ.]] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، الدَّاخِلُونَ فِي طَرِيقِ الضَّلَالَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أَيْ: عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُمْ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا مُخَلَّدِينَ، هُمْ وَالْكُفَّارُ، ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أَيْ: كِفَايَتُهُمْ فِي الْعَذَابِ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى: أَصَابَ هَؤُلَاءِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: بِدِينِهِمْ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: فِي الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أَيْ: بَطَلَتْ مَسَاعِيهِمْ، فَلَا ثَوَابَ لَهُمْ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ عَلَيْهَا ثَوَابٌ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنْ عُمَر بْنُ عَطَاء، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ، ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، شُبِّهْنَا بِهِمْ، لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَتَّبِعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُحر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ".
قَالَ ابْنُ جُرَيْج: وَأَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ [[في ت: "زياد".]] بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَتَّبِعُنَّ سَنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ". قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَهْلُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: "فَمَه" [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٤٢) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مَعْشَر، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَهُ وَزَادَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمُ الْقُرْآنَ. ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْخَلَاقُ: الدِّينُ. ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمَا صَنَعَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: "فَهَلِ الناس إلا هم" [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٤١) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ [[في صحيح البخاري برقم (٧٣١٩) من طريق محمد بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]]
يَقُولُ تَعَالَى وَاعِظًا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: أَلَمْ تُخْبَرُوا خَبَرَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وَمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ آمَنَ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَعَادٍ﴾ كَيْفَ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، لَمَّا كَذَّبُوا هُودًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَثَمُودَ﴾ كَيْفَ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ لَمَّا كَذَّبُوا صَالِحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَقَرُوا النَّاقَةَ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلَكَ مَلِكَهُمُ النَّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بْنِ كُوشَ الْكَنْعَانِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَيْفَ أَصَابَتْهُمُ [[في ت، أ: "أصابهم".]] الرَّجْفَةُ وَالصَّيْحَةُ وَعَذَابُ يَوْمِ [[في ت، أ: "تلك".]] الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَدْ كَانُوا يَسْكُنُونَ فِي مَدَائِنَ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النَّجْمِ: ٥٣،] أَي: الْأُمَّةَ الْمُؤْتَفِكَةَ، وَقِيلَ: أُمُّ قُرَاهُمْ، وَهِيَ "سَدُومُ". وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّ اللَّهِ لُوطًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِتْيَانِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أَيْ: بِإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ، فَصَارُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالدَّمَارِ.
لَمَّا ذَكَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من ك.]] تَعَالَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الذَّمِيمَةَ، عَطَفَ بِذِكْرِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَحْمُودَةِ، فَقَالَ: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أَيْ: يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ، كَمَا جَاءَ فِي الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنان يَشُدُّ بَعْضُهُ [[في ت: "بعضهم".]] بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائر الجسد بالحمى والسهر" [[صحيح البخاري برقم (٦٠١١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١٠٤]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: يُطِيعُونَ اللَّهَ وَيُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقِهِ، ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَ، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زَجَرَ، ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: سَيَرْحَمُ اللَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَزِيزٌ، مَنْ أَطَاعَهُ أَعَزَّهُ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي قِسْمَتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِهَؤُلَاءِ، وَتَخْصِيصِهِ الْمُنَافِقِينَ بِصِفَاتِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
يُخْبِرُ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أَيْ: حَسَنَةَ الْبِنَاءِ، طَيِّبَةَ الْقَرَارِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٨٠) .]]
وَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفة، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي السَّمَاءِ، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٨) .]]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، فَإِنَّ [[في ت، ك، أ: "كان".]] حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُخْبِرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّر أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٧٤٢٣) من طريق فليح عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]]
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. . . فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[المعجم الكبير (٢٠/١٥٨) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٠) وعند ابن ماجه القطعة الثانية منه برقم (٤٣٣١) ، وقد أشار الحافظ إلى الاختلاف على عطاء بن يسار.]]
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عبادة بن الصامت، مثله [[سنن الترمذي برقم (٢٥٣١) .]] وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ [[في ت: "سعيد".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرفة فِي الْجَنَّةِ، كما تراؤون الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٠) .]]
ثُمَّ لِيُعْلَمَ [[في ت: "لتعلم".]] أَنَّ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مكانٌ يُقَالُ لَهُ: "الْوَسِيلَةُ" لِقُرْبِهِ مِنَ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَسْكَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من ت، أ.]]
حَدَّثَنَا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَسَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ" [[المسند (٢/٢٥٦) .]]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عليَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنِّي أَكُونُ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حلت عليه الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[صحيح مسلم برقم (١٣٨٤) .]]
[وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"] [[زيادة من ت، ك، أ. وهو في صحيح البخاري برقم (٦١٤) .]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَلُوا اللَّهَ لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا -أَوْ شَفِيعًا -يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المعجم الأوسط برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين".]]
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ [[في أ: "عن سعيد".]] أَبِي مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أبي المدله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ، مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: "لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ" [[المسند (٢/٣٠٤) .]]
وروي عن ابن عمر مرفوعا، نحوه [[رواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٩٦) من طريق عمر بن ربيعة عن الحسن البصري عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا نحو حديث أبي هريرة.]] وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لغُرفا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا". فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَنْ هِيَ؟ فَقَالَ: "لِمَنْ طَيَّبَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٧) .]]
ثُمَّ قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ [[أما حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فرواه أيضا الإمام أحمد في مسنده (٢/١٧٣) من طريق حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما. وأما حديث أبي مالك الأشعري فهو في المعجم الكبير (٣/٣٠١) وسيأتي عند تفسير الآية: ٢٠ من سورة الزمر.]] وَكُلٌّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ جَيِّدٌ حَسَنٌ، وَعِنْدَهُ [[في أ: "وعنه".]] أَنَّ السَّائِلَ هُوَ "أَبُو مَالِكٍ"، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مُشَمِّر إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ -نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزّ، وَقَصْرٌ مَشيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرد، وَثَمَرَةٌ نَضِيجة، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَميلة، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي [[في ت: "ومقام به في".]] أَبَدٍ، فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجه برقم (٤٣٣٢) من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب، عن أسامة بن زيد به. وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ يَا رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدِكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعط أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٤٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرُّخاميّ، حَدَّثَنَا الفِرْياني، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، مَا خَيْرٌ مِمَّا أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر".
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٣٨) والحاكم في المستدرك (١/٨٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي به نحوه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".]] وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ": هَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، واللَّهُ أعلم.
أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَخْفِضَ جَنَاحَهُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَصِيرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى النَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَسْيَافٍ، سَيْفٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] وَسَيْفٍ لِلْكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٩] وَسَيْفٍ لِلْمُنَافِقِينَ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٣، التَّحْرِيمِ:٩] وَسَيْفٍ لِلْبُغَاةِ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الْحُجُرَاتِ:٩]
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُجَاهَدُونَ بِالسُّيُوفِ [[في أ: "بالسيف".]] إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قَالَ: بِيَدِهِ، [فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ فِي وَجْهِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ، وَأَذْهَبَ الرِّفْقَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَاغْلُظْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ مُجَاهَدَتُهُمْ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ، وَالرَّبِيعِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُجَاهَدَتُهُمْ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ تَارَةً يُؤَاخِذُهُمْ بِهَذَا، وَتَارَةً بِهَذَا بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلَانِ: جُهَني وَأَنْصَارِيٌّ، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد اللَّهِ لِلْأَنْصَارِ: أَلَا تَنْصُرُوا أَخَاكُمْ؟ وَاللَّهِ [[في ت: "فوالله".]] مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: "سمِّن كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ"، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ [الْمُنَافِقُونَ:٨] فَسَعَى بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٦٤) .]]
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بالحرَّة مِنْ قَوْمِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ" -وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ -قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ". وَذَاكَ حِينَ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ -: لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا فَنَحْنُ [[في ك: "لنحن".]] شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: فَهُوَ وَاللَّهِ صَادِقٌ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ. ثُمَّ رُفع ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ -يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: "هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٠٦) .]] وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِإِسْنَادِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. فَذَكَرَ مَا بَعْدَهُ عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ وَهَم فِي ذِكْرِ الْآيَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهَا فَذَكَرَهَا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَاشِيَةٌ] [[زيادة من ك.]]
قَالَ "الْأُمَوِيُّ" فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَخَذَنِي قَوْمِي فَقَالُوا: إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْتَذِرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَنْبًا تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ مِنْهُمْ، مِمَّنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: الجُلاس بْنُ سُوَيد بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ عَلَى أُمِّ عُمَير بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عُمَيْرٌ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِمَا ذَكَرَ مِمَّا أَنْزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ، قَالَ الْجُلَاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ [قَالَ] [[زيادة من ك.]] فَسَمِعَهَا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: والله -يا جلاس -إنك لأحب النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي بَلَاءً، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يَصِلَهُ [[في ك: "يصله إليه".]] شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُهَا لَتَفْضَحَنَّكَ وَلَئِنْ كَتَمْتُهَا لَتُهْلِكَنِّي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى. فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ الْجُلَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْجُلَاسَ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا. فَزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَنَزَعَ فَأَحْسَنَ النُّزُوعَ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١٩) .]] هَكَذَا جَاءَ هَذَا "مُدْرَجًا" فِي الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَكَأَنَّهُ واللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَفْسِهِ، لَا مِنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، أَقْبَلَ هُوَ وَابْنُ امْرَأَتِهِ مُصعب مِنْ قُبَاء، فَقَالَ الْجُلَاسُ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ أَشَرُّ مِنْ حُمُرنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَا وَاللَّهِ -يَا عَدُوَّ اللَّهِ -لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قُلْتَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ الْقُرْآنُ [[في ك: "قرآنا".]] أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ، أَوْ أَنْ أُخْلَطَ [[في أ: "أختلط".]] بِخَطِيئَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَالْجُلَاسُ مِنْ قُبَاءَ، فَقَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أُخْلَطَ [[في ت، أ: "أختلط".]] بِخَطِيئَةٍ أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ مَا أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: فَدَعَا الْجُلَاسَ فَقَالَ: "يَا جُلَاسُ، أَقُلْتَ الَّذِي قَالَهُ مُصْعَبٌ؟ " فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الَّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ -فِيمَا بَلَغَنِي -الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، فَرَفَعَهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ، يُقَالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَنْكَرَهَا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَهَا: فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فِيمَا بَلَغَنِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سيأتيكم إنسان فينظر إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ". فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ " فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا، حَتَّى تَجَاوُزَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ [[في ت، ك: "وأنزل".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٦٣) .]]
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرة، عَنْ [أَبِي] [[زيادة من ت، أ، والدلائل.]] الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُ بِهِ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُ النَّاقَةَ -أَوْ أَنَا: أَسُوقُهُ، وَعَمَّارٌ يَقُودُهُ -حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، قَالَ: فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [بِهِمْ] [[زيادة من ت، أ، والدلائل.]] فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟ قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ، وَلَكُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الرِّكَّابَ. قَالَ: "هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ [[في أ: "ترون".]] مَا أَرَادُوا؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا [[في ك: "يزاحموا".]] رَسُولَ اللَّهِ فِي الْعَقَبَةِ، فَيُلْقُوهُ مِنْهَا". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ لَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ: "لَا أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى [إِذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والدلائل.]] أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: "شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ" [[دلائل النبوة (٥/٢٦٠) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ. فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُهُ عَمَّارٌ، إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ فَغَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت، ك: "النبي".]] ﷺ لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ، قَدْ" حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، [فَلَمَّا هَبَطَ] [[زيادة من ت، ك، أ، والمسند.]] نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: "يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ، وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ. قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يُنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ". قَالَ: فَسَارَّ عَمَّارٌ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في أ: "أنشدك".]] بِاللَّهِ كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَ: فَعَذَرَ [[في أ: "فعد".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً قَالُوا: وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَشْهَدُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [[المسند (٥/٤٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٥) : "رجاله رجال الصحيح".]]
وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَمْشِيَ النَّاسُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَصَعَدَ هُوَ وَحُذَيْفَةُ وَعَمَّارٌ الْعَقَبَةَ، فَتَبِعَهُمْ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الْأَرْذَلُونَ، وَهُمْ مُتَلَثِّمُونَ، فَأَرَادُوا سُلُوكَ الْعَقَبَةِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى مُرَادِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ [[في ت، ك، أ: "رسوله".]] ﷺ، فَأَمَرَ حذيفة فرجع إِلَيْهِمْ، فَضَرَبَ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، فَفَزِعُوا وَرَجَعُوا مَقْبُوحِينَ، وَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا بِأَسْمَائِهِمْ، وَمَا كَانُوا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَتْكِ [[في ت: "القتل".]] بِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَكْتُمَا عَلَيْهِمْ [[رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٢٥٦) .]]
وَكَذَلِكَ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ سَمّى جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[دلائل النبوة للبيهقي (٥/٢٥٧) .]]
وَكَذَا قَدْ حُكِيَ [[في ت، أ: "وقع".]] فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ بِالصِّحَّةِ، مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيع، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ [بَيْنَ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ [وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ. قَالَ: كُنَّا نُخْبِرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ [[في ك: "فقد كانوا".]] خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ. وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ"، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ [[في أ: "فلعنوه".]] يَوْمَئِذٍ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]]
وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرة، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ [الْجَمَلُ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] فِي سَمِّ الْخِيَاطِ: ثَمَانِيَةٌ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلة: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ بَيْنَ أكتافه حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]]
وَلِهَذَا كَانَ حُذَيْفَةُ يُقَالُ لَهُ: "صَاحِبُ السِّرِّ، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ" أَيْ: مِنْ تَعْيِينِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ، قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَرْجَمَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ حُذَيْفَةَ تَسْمِيَةَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمْ مُعَتِّب بْنُ قُشَيْرٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَجَدُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَل بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطَّائِيُّ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ [[في ك: "وابرة".]] وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ، وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ، وَسُلَالَةُ بْنُ الْحِمَامِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ [[المعجم الكبير (٣/١٦٥ - ١٦٧) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: وَمَا لِلرَّسُولِ عِنْدَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُمْ بِبَرَكَتِهِ وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، وَلَوْ تَمَّتْ عَلَيْهِمُ السَّعَادَةُ لَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] لِلْأَنْصَارِ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُقَالُ حَيْثُ لَا ذَنْبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ".
ثُمَّ دَعَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَإِنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقِهِمْ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: بِالْقَتْلِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: بِالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْهَوَانِ وَالصَّغَارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُمْ أَحَدٌ يُسْعِدُهُمْ وَلَا يُنْجِدُهُمْ، وَلَا يُحَصِّلُ لَهُمْ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ شَرًّا.
أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَخْفِضَ جَنَاحَهُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَصِيرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى النَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَسْيَافٍ، سَيْفٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] وَسَيْفٍ لِلْكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٩] وَسَيْفٍ لِلْمُنَافِقِينَ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٣، التَّحْرِيمِ:٩] وَسَيْفٍ لِلْبُغَاةِ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الْحُجُرَاتِ:٩]
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُجَاهَدُونَ بِالسُّيُوفِ [[في أ: "بالسيف".]] إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قَالَ: بِيَدِهِ، [فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ فِي وَجْهِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ، وَأَذْهَبَ الرِّفْقَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَاغْلُظْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ مُجَاهَدَتُهُمْ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ، وَالرَّبِيعِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُجَاهَدَتُهُمْ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ تَارَةً يُؤَاخِذُهُمْ بِهَذَا، وَتَارَةً بِهَذَا بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلَانِ: جُهَني وَأَنْصَارِيٌّ، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد اللَّهِ لِلْأَنْصَارِ: أَلَا تَنْصُرُوا أَخَاكُمْ؟ وَاللَّهِ [[في ت: "فوالله".]] مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: "سمِّن كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ"، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ [الْمُنَافِقُونَ:٨] فَسَعَى بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٦٤) .]]
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بالحرَّة مِنْ قَوْمِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ" -وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ -قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ". وَذَاكَ حِينَ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ -: لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا فَنَحْنُ [[في ك: "لنحن".]] شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: فَهُوَ وَاللَّهِ صَادِقٌ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ. ثُمَّ رُفع ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ -يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: "هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٩٠٦) .]] وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِإِسْنَادِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. فَذَكَرَ مَا بَعْدَهُ عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ وَهَم فِي ذِكْرِ الْآيَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهَا فَذَكَرَهَا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَاشِيَةٌ] [[زيادة من ك.]]
قَالَ "الْأُمَوِيُّ" فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَخَذَنِي قَوْمِي فَقَالُوا: إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْتَذِرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَنْبًا تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ مِنْهُمْ، مِمَّنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: الجُلاس بْنُ سُوَيد بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ عَلَى أُمِّ عُمَير بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عُمَيْرٌ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِمَا ذَكَرَ مِمَّا أَنْزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ، قَالَ الْجُلَاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ [قَالَ] [[زيادة من ك.]] فَسَمِعَهَا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: والله -يا جلاس -إنك لأحب النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي بَلَاءً، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يَصِلَهُ [[في ك: "يصله إليه".]] شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُهَا لَتَفْضَحَنَّكَ وَلَئِنْ كَتَمْتُهَا لَتُهْلِكَنِّي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى. فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ الْجُلَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْجُلَاسَ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا. فَزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَنَزَعَ فَأَحْسَنَ النُّزُوعَ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١٩) .]] هَكَذَا جَاءَ هَذَا "مُدْرَجًا" فِي الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَكَأَنَّهُ واللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَفْسِهِ، لَا مِنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، أَقْبَلَ هُوَ وَابْنُ امْرَأَتِهِ مُصعب مِنْ قُبَاء، فَقَالَ الْجُلَاسُ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ أَشَرُّ مِنْ حُمُرنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَا وَاللَّهِ -يَا عَدُوَّ اللَّهِ -لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قُلْتَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ الْقُرْآنُ [[في ك: "قرآنا".]] أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ، أَوْ أَنْ أُخْلَطَ [[في أ: "أختلط".]] بِخَطِيئَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَالْجُلَاسُ مِنْ قُبَاءَ، فَقَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أُخْلَطَ [[في ت، أ: "أختلط".]] بِخَطِيئَةٍ أَوْ تُصِيبَنِي قَارِعَةٌ مَا أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: فَدَعَا الْجُلَاسَ فَقَالَ: "يَا جُلَاسُ، أَقُلْتَ الَّذِي قَالَهُ مُصْعَبٌ؟ " فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الَّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ -فِيمَا بَلَغَنِي -الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، فَرَفَعَهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ، يُقَالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَنْكَرَهَا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَهَا: فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فِيمَا بَلَغَنِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سيأتيكم إنسان فينظر إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ". فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ " فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا، حَتَّى تَجَاوُزَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ [[في ت، ك: "وأنزل".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٦٣) .]]
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرة، عَنْ [أَبِي] [[زيادة من ت، أ، والدلائل.]] الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُ بِهِ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُ النَّاقَةَ -أَوْ أَنَا: أَسُوقُهُ، وَعَمَّارٌ يَقُودُهُ -حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، قَالَ: فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [بِهِمْ] [[زيادة من ت، أ، والدلائل.]] فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟ قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ، وَلَكُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الرِّكَّابَ. قَالَ: "هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ [[في أ: "ترون".]] مَا أَرَادُوا؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا [[في ك: "يزاحموا".]] رَسُولَ اللَّهِ فِي الْعَقَبَةِ، فَيُلْقُوهُ مِنْهَا". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ لَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ: "لَا أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى [إِذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والدلائل.]] أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: "شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ" [[دلائل النبوة (٥/٢٦٠) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ. فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُهُ عَمَّارٌ، إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ فَغَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت، ك: "النبي".]] ﷺ لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ، قَدْ" حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، [فَلَمَّا هَبَطَ] [[زيادة من ت، ك، أ، والمسند.]] نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: "يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ، وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ. قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يُنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ". قَالَ: فَسَارَّ عَمَّارٌ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في أ: "أنشدك".]] بِاللَّهِ كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَ: فَعَذَرَ [[في أ: "فعد".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً قَالُوا: وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَشْهَدُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [[المسند (٥/٤٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٥) : "رجاله رجال الصحيح".]]
وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَمْشِيَ النَّاسُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَصَعَدَ هُوَ وَحُذَيْفَةُ وَعَمَّارٌ الْعَقَبَةَ، فَتَبِعَهُمْ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الْأَرْذَلُونَ، وَهُمْ مُتَلَثِّمُونَ، فَأَرَادُوا سُلُوكَ الْعَقَبَةِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى مُرَادِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ [[في ت، ك، أ: "رسوله".]] ﷺ، فَأَمَرَ حذيفة فرجع إِلَيْهِمْ، فَضَرَبَ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، فَفَزِعُوا وَرَجَعُوا مَقْبُوحِينَ، وَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا بِأَسْمَائِهِمْ، وَمَا كَانُوا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَتْكِ [[في ت: "القتل".]] بِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَكْتُمَا عَلَيْهِمْ [[رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٢٥٦) .]]
وَكَذَلِكَ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ سَمّى جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[دلائل النبوة للبيهقي (٥/٢٥٧) .]]
وَكَذَا قَدْ حُكِيَ [[في ت، أ: "وقع".]] فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ بِالصِّحَّةِ، مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيع، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ [بَيْنَ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ [وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ. قَالَ: كُنَّا نُخْبِرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ [[في ك: "فقد كانوا".]] خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ. وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ"، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ [[في أ: "فلعنوه".]] يَوْمَئِذٍ [[صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]]
وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرة، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ [الْجَمَلُ] [[زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.]] فِي سَمِّ الْخِيَاطِ: ثَمَانِيَةٌ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلة: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ بَيْنَ أكتافه حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩) .]]
وَلِهَذَا كَانَ حُذَيْفَةُ يُقَالُ لَهُ: "صَاحِبُ السِّرِّ، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ" أَيْ: مِنْ تَعْيِينِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ، قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَرْجَمَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ حُذَيْفَةَ تَسْمِيَةَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمْ مُعَتِّب بْنُ قُشَيْرٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَجَدُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَل بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطَّائِيُّ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ [[في ك: "وابرة".]] وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ، وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ، وَسُلَالَةُ بْنُ الْحِمَامِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ [[المعجم الكبير (٣/١٦٥ - ١٦٧) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: وَمَا لِلرَّسُولِ عِنْدَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُمْ بِبَرَكَتِهِ وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، وَلَوْ تَمَّتْ عَلَيْهِمُ السَّعَادَةُ لَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] لِلْأَنْصَارِ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُقَالُ حَيْثُ لَا ذَنْبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ".
ثُمَّ دَعَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَإِنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقِهِمْ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: بِالْقَتْلِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: بِالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْهَوَانِ وَالصَّغَارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُمْ أَحَدٌ يُسْعِدُهُمْ وَلَا يُنْجِدُهُمْ، وَلَا يُحَصِّلُ لَهُمْ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ شَرًّا.
يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ: لَئِنْ أَغْنَاهُ مِنْ فَضْلِهِ لَيَصَّدَّقَنَّ مِنْ مَالِهِ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَمَا وَفَّى بِمَا قَالَ، وَلَا صَدَقَ فِيمَا ادَّعَى، فَأَعْقَبَهُمْ هَذَا الصَّنِيعُ نِفَاقًا سَكَنَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ [[في ت، ك، أ، هـ: "إلى يوم يلقوا" وهو خطأ، والصواب: في جميع النسخ: "يلقوا" والصواب ما أثبتناه "إلى يوم يلقون"؛ لأن الفعل المضارع لم يسبق بناصب ولا بجازم.]] اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي "ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ".
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مُعان [[في ت: "معاذ".]] بْنِ رِفَاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادع الله أن يرزقني مَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ". قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَرَزَقَنِي مَالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا". قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا، حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَتْرُكَ مَا سِوَاهُمَا. ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرت، فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ. فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ [[في ت، أ: "الركاب".]] يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ"؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ. فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] قَالَ: وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ: رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَة، وَرَجُلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: "مُرا بِثَعْلَبَةَ، وَبِفُلَانٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ، وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ. مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. مَا أَدْرِي مَا هَذَا انْطَلِقَا حَتَّى تفرُغا ثُمَّ عُودا إِلَيَّ. فَانْطَلَقَا وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ، فَعَزْلَهَا لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا [[في ت، ك، أ: "استقبلهم".]] بِهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا يَجِبُ عَلَيْكَ هَذَا، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ. قَالَ: بَلَى، فَخُذُوهَا، فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ. فَأَخَذُوهَا مِنْهُ. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا فَنَظَرَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قَالَ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ". فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " [هَذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي". فَلَمَّا أَبَى أَنْ يَقْبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فقُبِض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا [[في ت، ك: "فأنا".]] أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَقُبِضَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَأَتَاهُ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ، وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/٢٠٧، ٢٠٨) : "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر عليه السلام عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أَيْ: أَعْقَبَهُمُ النِّفَاقَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمُ الْوَعْدَ وَكَذِبِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِهِمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَمْوَالٌ تَصَدَّقُوا مِنْهَا وَشَكَرُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أَيْ: يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَكُلَّ سِرٍّ وَنَجْوَى، وَيَعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ.
يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ: لَئِنْ أَغْنَاهُ مِنْ فَضْلِهِ لَيَصَّدَّقَنَّ مِنْ مَالِهِ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَمَا وَفَّى بِمَا قَالَ، وَلَا صَدَقَ فِيمَا ادَّعَى، فَأَعْقَبَهُمْ هَذَا الصَّنِيعُ نِفَاقًا سَكَنَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ [[في ت، ك، أ، هـ: "إلى يوم يلقوا" وهو خطأ، والصواب: في جميع النسخ: "يلقوا" والصواب ما أثبتناه "إلى يوم يلقون"؛ لأن الفعل المضارع لم يسبق بناصب ولا بجازم.]] اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي "ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ".
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مُعان [[في ت: "معاذ".]] بْنِ رِفَاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادع الله أن يرزقني مَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ". قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَرَزَقَنِي مَالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا". قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا، حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَتْرُكَ مَا سِوَاهُمَا. ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرت، فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ. فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ [[في ت، أ: "الركاب".]] يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ"؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ. فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] قَالَ: وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ: رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَة، وَرَجُلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: "مُرا بِثَعْلَبَةَ، وَبِفُلَانٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ، وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ. مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. مَا أَدْرِي مَا هَذَا انْطَلِقَا حَتَّى تفرُغا ثُمَّ عُودا إِلَيَّ. فَانْطَلَقَا وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ، فَعَزْلَهَا لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا [[في ت، ك، أ: "استقبلهم".]] بِهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا يَجِبُ عَلَيْكَ هَذَا، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ. قَالَ: بَلَى، فَخُذُوهَا، فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ. فَأَخَذُوهَا مِنْهُ. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا فَنَظَرَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قَالَ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ". فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " [هَذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي". فَلَمَّا أَبَى أَنْ يَقْبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فقُبِض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا [[في ت، ك: "فأنا".]] أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَقُبِضَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَأَتَاهُ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ، وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/٢٠٧، ٢٠٨) : "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر عليه السلام عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أَيْ: أَعْقَبَهُمُ النِّفَاقَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمُ الْوَعْدَ وَكَذِبِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِهِمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَمْوَالٌ تَصَدَّقُوا مِنْهَا وَشَكَرُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أَيْ: يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَكُلَّ سِرٍّ وَنَجْوَى، وَيَعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ.
يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ: لَئِنْ أَغْنَاهُ مِنْ فَضْلِهِ لَيَصَّدَّقَنَّ مِنْ مَالِهِ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَمَا وَفَّى بِمَا قَالَ، وَلَا صَدَقَ فِيمَا ادَّعَى، فَأَعْقَبَهُمْ هَذَا الصَّنِيعُ نِفَاقًا سَكَنَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ [[في ت، ك، أ، هـ: "إلى يوم يلقوا" وهو خطأ، والصواب: في جميع النسخ: "يلقوا" والصواب ما أثبتناه "إلى يوم يلقون"؛ لأن الفعل المضارع لم يسبق بناصب ولا بجازم.]] اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي "ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ".
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مُعان [[في ت: "معاذ".]] بْنِ رِفَاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادع الله أن يرزقني مَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ". قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَرَزَقَنِي مَالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا". قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا، حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَتْرُكَ مَا سِوَاهُمَا. ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرت، فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ. فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ [[في ت، أ: "الركاب".]] يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ"؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ. فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] قَالَ: وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ: رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَة، وَرَجُلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: "مُرا بِثَعْلَبَةَ، وَبِفُلَانٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ، وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ. مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. مَا أَدْرِي مَا هَذَا انْطَلِقَا حَتَّى تفرُغا ثُمَّ عُودا إِلَيَّ. فَانْطَلَقَا وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ، فَعَزْلَهَا لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا [[في ت، ك، أ: "استقبلهم".]] بِهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا يَجِبُ عَلَيْكَ هَذَا، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ. قَالَ: بَلَى، فَخُذُوهَا، فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ. فَأَخَذُوهَا مِنْهُ. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا فَنَظَرَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قَالَ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ". فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " [هَذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي". فَلَمَّا أَبَى أَنْ يَقْبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فقُبِض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا [[في ت، ك: "فأنا".]] أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَقُبِضَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَأَتَاهُ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ، وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/٢٠٧، ٢٠٨) : "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر عليه السلام عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أَيْ: أَعْقَبَهُمُ النِّفَاقَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمُ الْوَعْدَ وَكَذِبِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِهِمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَمْوَالٌ تَصَدَّقُوا مِنْهَا وَشَكَرُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أَيْ: يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَكُلَّ سِرٍّ وَنَجْوَى، وَيَعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ.
يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ: لَئِنْ أَغْنَاهُ مِنْ فَضْلِهِ لَيَصَّدَّقَنَّ مِنْ مَالِهِ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَمَا وَفَّى بِمَا قَالَ، وَلَا صَدَقَ فِيمَا ادَّعَى، فَأَعْقَبَهُمْ هَذَا الصَّنِيعُ نِفَاقًا سَكَنَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ [[في ت، ك، أ، هـ: "إلى يوم يلقوا" وهو خطأ، والصواب: في جميع النسخ: "يلقوا" والصواب ما أثبتناه "إلى يوم يلقون"؛ لأن الفعل المضارع لم يسبق بناصب ولا بجازم.]] اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي "ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ".
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مُعان [[في ت: "معاذ".]] بْنِ رِفَاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادع الله أن يرزقني مَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ". قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَرَزَقَنِي مَالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا". قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا، حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَتْرُكَ مَا سِوَاهُمَا. ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرت، فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ. فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ [[في ت، أ: "الركاب".]] يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ"؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ. فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] قَالَ: وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ: رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَة، وَرَجُلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: "مُرا بِثَعْلَبَةَ، وَبِفُلَانٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ، وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ. مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. مَا أَدْرِي مَا هَذَا انْطَلِقَا حَتَّى تفرُغا ثُمَّ عُودا إِلَيَّ. فَانْطَلَقَا وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ، فَعَزْلَهَا لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا [[في ت، ك، أ: "استقبلهم".]] بِهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا يَجِبُ عَلَيْكَ هَذَا، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ. قَالَ: بَلَى، فَخُذُوهَا، فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ. فَأَخَذُوهَا مِنْهُ. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا فَنَظَرَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ. انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قَالَ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ". فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " [هَذَا] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي". فَلَمَّا أَبَى أَنْ يَقْبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فقُبِض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا [[في ت، ك: "فأنا".]] أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَقُبِضَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَأَتَاهُ] [[زيادة من ت، ك، أ، والطبري.]] فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ، وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ! فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [[تفسير الطبري (١٤/٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/٢٠٧، ٢٠٨) : "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر عليه السلام عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أَيْ: أَعْقَبَهُمُ النِّفَاقَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمُ الْوَعْدَ وَكَذِبِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِهِمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَمْوَالٌ تَصَدَّقُوا مِنْهَا وَشَكَرُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أَيْ: يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَكُلَّ سِرٍّ وَنَجْوَى، وَيَعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ.
وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ: لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ عَيْبِهِمْ وَلَمْزِهِمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، حَتَّى وَلَا الْمُتَصَدِّقُونَ يَسْلَمُونَ مِنْهُمْ، إِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَالٍ جَزِيلٍ قَالُوا: هَذَا مِرَاءٌ، وَإِنْ جَاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا. كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ عَلَى ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا. فَنَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١٤١٥) وصحيح مسلم برقم (١٠١٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ: وَقَفَ علينا رجل في مَجْلِسِنَا بِالْبَقِيعِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي -أَوْ: عَمِّي أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ أَشْهَدُ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"؟ قَالَ: فَحَلَلْتُ مِنْ عِمَامَتِي لَوْثًا أَوْ لَوْثَيْنِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا، فَأَدْرَكَنِي مَا يُدْرِكُ ابْنَ آدَمَ، فَعَقَدْتُ عَلَى عِمَامَتِي. فَجَاءَ رَجُلٌ لَمْ أَرَ بِالْبَقِيعِ رَجُلًا أَشَدَّ سَوَادًا [وَلَا] [[زيادة من أ، والمسند.]] أَصْغَرَ مِنْهُ، وَلَا أدمَّ بِبَعِيرٍ [[في ت، ك، أ: "بعير".]] سَاقَهُ، لَمْ أَرَ بِالْبَقِيعِ نَاقَةً أَحْسَنَ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَدَقَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَقَالَ: دُونَكَ هَذِهِ النَّاقَةُ. قَالَ: فَلَمَزَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَتَصَدَّقُ بِهَذِهِ فَوَاللَّهِ لَهِيَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: فَسَمِعَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كَذَبْتَ بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْهَا" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ مِنَ الْإِبِلِ" ثَلَاثًا. قَالُوا: إِلَّا مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا"، وَجَمَعَ بَيْنَ كَفَّيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُزْهِدُ الْمُجْهِدُ" ثَلَاثًا: الْمُزْهِدُ فِي الْعَيْشِ، الْمُجْهِدُ فِي الْعِبَادَةِ [[المسند (٥/٣٤) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: وَاللَّهِ مَا جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا رِيَاءً. وَقَالُوا: إِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذَا الصَّاعِ [[رواه الطبري في تفسيرة (١٤/٣٨٢) .]]
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ يَوْمًا فَنَادَى فِيهِمْ: أَنِ اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ. فَجَمَعَ النَّاسُ صَدَقَاتِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ آخِرِهِمْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ، حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَأَمْسَكْتُ أَحَدُهُمَا، وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَاتِ. فَسَخِرَ مِنْهُ رِجَالٌ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ هَذَا. وَمَا يَصْنَعَانِ [[في ت، ك، أ: "يصنعون".]] بِصَاعِكَ مِنْ شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ؟ فَقَالَ "لَا" [[في ت، ك: "لا لم يبق أحد غيرك".]] فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: فَإِنَّ عِنْدِي مِائَةَ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي الصَّدَقَاتِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَجْنُونٌ أَنْتَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِي جُنُونٌ. قَالَ: فَعَلْتَ [[في ت، أ: "فقال أفعلت".]] مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، أَمَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَأُقْرِضُهَا رَبِّي، وَأَمَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَلِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ". وَلَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَطِيَّتَهُ إِلَّا رِيَاءً. وَهُمْ كَاذِبُونَ، إِنَّمَا كَانَ بِهِ مُتَطَوِّعًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عُذْرَهُ وَعُذْرَ صَاحِبِهِ الْمِسْكِينِ الَّذِي جَاءَ بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةَ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الْمُطَوِّعُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، تصدق بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَ فِي الصَّدَقَاتِ، وَحَضَّ عَلَيْهَا، فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَتَصَدَّقَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَقَامَ عَاصِمٌ فَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ وَسَقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَزُوهُمَا وَقَالُوا: مَا هَذَا إِلَّا رِيَاءٌ. وَكَانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِجُهْدِهِ: أَبُو عَقِيلٍ أَخُو بَنِي أُنَيْفٍ الْإِرَاشِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَتَى بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فَأَفْرَغَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَتَضَاحَكُوا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقيل.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عُمَرَ [[في أ: "عمرو".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا". قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي أَرْبَعَةُ آلَافٍ، أَلْفَيْنِ أُقْرِضُهُمَا رَبِّي، وَأَلْفَيْنِ لِعِيَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ [[في ك: "أعطيته".]] وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ". وَبَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَصَابَ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ: صَاعٌ أُقْرِضُهُ [[في ت: "أقرضته".]] لِرَبِّي، وَصَاعٌ لِعِيَالِي. قَالَ: فَلَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا أَعْطَى الَّذِي أَعْطَى ابْنُ عَوْفٍ إِلَّا رِيَاءً! وَقَالُوا: أَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صَاعِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ [سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ] ﴾ [[زيادة من ت، ك، أ.]] الْآيَةَ [[مسند البزار برقم (٢٢١٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٢) : "وفيه عمرو بن أبي سلمة، وثقه العجلي، وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات".]]
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا [[مسند البزار برقم (٢٢١٦) "كشف الأستار" قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/٣٣٢) بعد أن ساق هذه الرواية المرسلة: "وكذلك أخرجه عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن مردويه من طرق أخرى عن أبي عوانة مرسلا".]] قَالَ: وَلَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ إِلَّا طَالُوتُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَقِيلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بِتُّ أَجُرُّ الْجَرِيرَ عَلَى ظَهْرِي، عَلَى صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَانْقَلَبْتُ بِأَحَدِهِمَا إِلَى أَهْلِي يَتَبَلَّغُونَ بِهِ، وَجِئْتُ بِالْآخَرِ أَتَقَرَّبُ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "انْثُرْهُ فِي الصَّدَقَةِ". قَالَ: فَسَخِرَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: لَقَدْ كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صَدَقَةِ هَذَا الْمِسْكِينِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين [[تفسير الطبري (١٤/٣٨٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ [[المعجم الكبير (٤/٤٥) وقد وقع فيه: "عن زيد بن الحباب عن خالد بن يسار" فأسقط موسى بن عبيدة في رواية؛ ولذا قال الهيثمي في المجمع (٧/٣٣) : "رجاله ثقات إلا أن خالد بن يسار لم أجد من وثقه ولا جرحه" لكن الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٨٨) عزاه للطبراني في معجمه من طريق موسى بن عبيدة عن خالد بن يسار، فلعله سقط من نسخ الطبراني أو توهم فيه الزيلعي. تنبيه: كذا وقع هنا وعند الطبراني: "اسم أبي عقيل حباب"، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/٣٨٩) : "كذا وقع عند الطبراني، والصواب حبحاب".]] بِهِ. وَقَالَ: اسْمُ أَبِي عَقِيلٍ: حُبَابٌ. وَيُقَالُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جَنْسِ الْعَمَلِ، فَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ سَخِرَ بِهِمْ، انْتِصَارًا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَأَعَدَّ لِلْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَةِ عَذَابًا أليما.
يُخْبِرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِلِاسْتِغْفَارِ، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَلَوْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ السَّبْعِينَ إِنَّمَا ذُكِرَتْ حَسْمًا لِمَادَّةِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فِي أَسَالِيبِ كَلَامِهَا تَذْكُرُ السَّبْعِينَ فِي مُبَالَغَةِ كَلَامِهَا، وَلَا تُرِيدُ التَّحْدِيدَ بِهَا، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا.
وَقِيلَ: بَلْ لَهَا مَفْهُومٌ، كَمَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "أَسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي فِيهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ! فَقَالَ اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ:٦]
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا ثَقُل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، انْطَلَقَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي قَدِ احْتُضَرَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا اسْمُكَ". قَالَ الْحُبَابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: "بَلْ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ الْحُبَابَ اسْمُ شَيْطَانٍ". قَالَ: فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى شَهِدَهُ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَهُوَ عَرِقٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهِ [وَهُوَ مُنَافِقٌ] [[زيادة من ت، أ.]] ؟ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَلَأَسْتَغْفِرَنَّ لَهُ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ".
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدِ بْنِ جُبَير، وقَتَادَةَ بْنِ دِعَامة. رواها ابن جرير بأسانيده.
يَقُولُ تَعَالَى ذَامّا لِلْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ صَحَابَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ [[في ت، أ: "بقعودهم".]] بَعْدَ خُرُوجِهِ، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ مَعَهُ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ فِي [[في ت، أ: "إلى".]] غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، عِنْدَ طِيبِ الظِّلَالِ وَالثِّمَارِ، فَلِهَذَا قَالُوا [[في ك: "قال".]] ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا بِسَبَبِ مُخَالَفَتِكُمْ ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مِمَّا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْحَرِّ، بَلْ أَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ بِهَا جزءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا [مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ. قَالَ [[في ت، ك، أ: "فقال".]] إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا] [[زيادة من ت، ك، أ، والموطأ.]] أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (٢/٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ به.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ [[في ك: "أن رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ،. والمسند.]] فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [[في ت، أ: "إسناد جيد صحيح".]]
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ [[في أ: "بكر".]] عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احمرَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابيضَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ يَحْيَى [[سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك".]]
كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ محمد بن الحسين بن مُكْرَمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ [[في ت، ك، أ: "سعيد".]] عَنْ عَمِّهِ، عَنْ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ -بِهِ. وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ:٦] قَالَ: "أُوقد عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا" [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه.]]
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ تَمَّامِ بْنِ نَجِيح -وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ -عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ أَنَّ شَرَارَةً بِالْمَشْرِقِ -أَيْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ -لَوَجَدَ حَرَّهَا مَنْ بِالْمَغْرِبِ" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٢) : "في إسناده احتمال للتحسين".]]
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ [[في جميع النسخ: "حسام" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ كَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَتَنَفَّسَ فَأَصَابَهُمْ نَفَسُهُ، لَاحْتَرَقَ الْمَسْجِدُ وَمَنْ فِيهِ" [[مسند أبي يعلى (١٢/٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٣) : "إسناده حسن، وفي متنه نكارة".]] غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ لَهُ نَعْلَانِ وشِرَاكان مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، لَا يَرَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ أشدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَإِنَّهُ أَهُوَنُهُمْ عَذَابًا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (+٢١٣) .]]
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في أ: "بكر".]] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢١١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ يُجْعَلُ لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ" [[المسند (٢/٤٣٨) .]]
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.
وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ النَّبَوِيَّةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٥، ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْحَجِّ: ١٩-٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٦]
وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ [الْأُخْرَى] [[زيادة من ت، ك، أ.]] ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَيَفْهَمُونَ لَنَفَرُوا مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَرِّ، لِيَتَّقُوا بِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ، الَّذِي هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْآخَرُ [[وصدر البيت: والمستجير بعمرو عند كربته وذكره داود الأنطاكي في مصارع العشاق (ص ٢١٩) .]]
كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
عُمرُكَ بالحميَة أفْنَيْتَه ... مَخَافَةَ الْبَارِدِ والحَار ...
وَكانَ أولَى بِكَ أنْ تَتقي ... مِنَ المعَاصِي حَذرَ النَّار ...
ثُمَّ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ.]] تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ، مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الدُّنْيَا قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيهَا مَا شَاءُوا، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم، وَعَوْنٌ الْعُقَيْلِيُّ [[في أ: "الفضلي".]] وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ [[في جميع النسخ: "محمد بن جبير" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقاشي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ. فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجرَت".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الأعمش، عن يزيد الرقاشي، به [[مسند أبي يعلى (٧/١٦١ - ١٦٢) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٤) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٣) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف".]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْجَزَرِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْع، رَفَعَهُ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ بَكَوُا الدُّمُوعَ زَمَانًا، ثُمَّ بَكَوُا الْقَيْحَ زَمَانًا" قَالَ: "فَتَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَة: يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ، تَرَكْتُمُ الْبُكَاءَ فِي الدَّارِ الْمَرْحُومِ فِيهَا أَهْلُهَا فِي الدُّنْيَا، هَلْ تَجِدُونَ الْيَوْمَ مَنْ تَسْتَغِيثُونَ بِهِ؟ قَالَ: فَيَرْفَعُونَ [[في ت: "فيرفعوا".]] أَصْوَاتَهُمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، يَا مَعْشَرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ، خَرَجْنَا مِنَ الْقُبُورِ عِطَاشًا، وَكُنَّا طُولَ الْمَوْقِفِ عِطَاشًا، وَنَحْنُ الْيَوْمَ عِطَاشٌ، فَأَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَدْعُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيَيْأَسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ" [[صفة النار (ق ١٥٢ ظاهرية) وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما.]]
يَقُولُ تَعَالَى ذَامّا لِلْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ صَحَابَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ [[في ت، أ: "بقعودهم".]] بَعْدَ خُرُوجِهِ، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ مَعَهُ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ فِي [[في ت، أ: "إلى".]] غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، عِنْدَ طِيبِ الظِّلَالِ وَالثِّمَارِ، فَلِهَذَا قَالُوا [[في ك: "قال".]] ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا بِسَبَبِ مُخَالَفَتِكُمْ ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مِمَّا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْحَرِّ، بَلْ أَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ بِهَا جزءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا [مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ. قَالَ [[في ت، ك، أ: "فقال".]] إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا] [[زيادة من ت، ك، أ، والموطأ.]] أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (٢/٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ به.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ [[في ك: "أن رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ،. والمسند.]] فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ [[في ت، أ: "إسناد جيد صحيح".]]
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ [[في أ: "بكر".]] عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احمرَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابيضَّت، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ يَحْيَى [[سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك".]]
كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ محمد بن الحسين بن مُكْرَمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ [[في ت، ك، أ: "سعيد".]] عَنْ عَمِّهِ، عَنْ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ -بِهِ. وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ:٦] قَالَ: "أُوقد عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، وَأَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا" [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه.]]
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ تَمَّامِ بْنِ نَجِيح -وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ -عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ أَنَّ شَرَارَةً بِالْمَشْرِقِ -أَيْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ -لَوَجَدَ حَرَّهَا مَنْ بِالْمَغْرِبِ" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٢) : "في إسناده احتمال للتحسين".]]
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ [[في جميع النسخ: "حسام" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ كَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَتَنَفَّسَ فَأَصَابَهُمْ نَفَسُهُ، لَاحْتَرَقَ الْمَسْجِدُ وَمَنْ فِيهِ" [[مسند أبي يعلى (١٢/٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٣) : "إسناده حسن، وفي متنه نكارة".]] غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ لَهُ نَعْلَانِ وشِرَاكان مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، لَا يَرَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ أشدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَإِنَّهُ أَهُوَنُهُمْ عَذَابًا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (+٢١٣) .]]
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في أ: "بكر".]] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢١١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ يُجْعَلُ لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ" [[المسند (٢/٤٣٨) .]]
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.
وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ النَّبَوِيَّةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٥، ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْحَجِّ: ١٩-٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٦]
وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ [الْأُخْرَى] [[زيادة من ت، ك، أ.]] ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَيَفْهَمُونَ لَنَفَرُوا مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَرِّ، لِيَتَّقُوا بِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ، الَّذِي هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْآخَرُ [[وصدر البيت: والمستجير بعمرو عند كربته وذكره داود الأنطاكي في مصارع العشاق (ص ٢١٩) .]]
كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
عُمرُكَ بالحميَة أفْنَيْتَه ... مَخَافَةَ الْبَارِدِ والحَار ...
وَكانَ أولَى بِكَ أنْ تَتقي ... مِنَ المعَاصِي حَذرَ النَّار ...
ثُمَّ قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ك، أ.]] تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ، مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الدُّنْيَا قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيهَا مَا شَاءُوا، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم، وَعَوْنٌ الْعُقَيْلِيُّ [[في أ: "الفضلي".]] وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ [[في جميع النسخ: "محمد بن جبير" والتصويب من أبي يعلى.]] عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقاشي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ. فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجرَت".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الأعمش، عن يزيد الرقاشي، به [[مسند أبي يعلى (٧/١٦١ - ١٦٢) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٤) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٣) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف".]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْجَزَرِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْع، رَفَعَهُ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ بَكَوُا الدُّمُوعَ زَمَانًا، ثُمَّ بَكَوُا الْقَيْحَ زَمَانًا" قَالَ: "فَتَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَة: يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ، تَرَكْتُمُ الْبُكَاءَ فِي الدَّارِ الْمَرْحُومِ فِيهَا أَهْلُهَا فِي الدُّنْيَا، هَلْ تَجِدُونَ الْيَوْمَ مَنْ تَسْتَغِيثُونَ بِهِ؟ قَالَ: فَيَرْفَعُونَ [[في ت: "فيرفعوا".]] أَصْوَاتَهُمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، يَا مَعْشَرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ، خَرَجْنَا مِنَ الْقُبُورِ عِطَاشًا، وَكُنَّا طُولَ الْمَوْقِفِ عِطَاشًا، وَنَحْنُ الْيَوْمَ عِطَاشٌ، فَأَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَدْعُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيَيْأَسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ" [[صفة النار (ق ١٥٢ ظاهرية) وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما.]]
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أَيْ: رَدَّكَ اللَّهُ مِنْ غَزْوَتك هَذِهِ ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أَيْ: مَعَكَ إِلَى غَزْوَةٍ أُخْرَى، ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أَيْ: تَعْزِيرًا لَهُمْ وَعُقُوبَةً. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الْأَنْعَامِ:١١٠] فَإِنَّ مِنْ جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا كَمَا أَنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، كَمَا قَالَ فِي عُمرة الْحُدَيْبِيَةِ: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الْفَتْحِ: ١٥]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزَاةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ جَمْعَ النِّسَاءِ لَا يَكُونُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَلَوْ أُرِيدُ النِّسَاءُ لَقَالَ: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَوَالِفِ، أَوِ الْخَالِفَاتِ، وَرَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في ت، ك، أ: "عنه"]] [[تفسير الطبري (١٤/٤٠٥) .]]
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَبْرَأ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَأَلَّا يُصَلِّيَ [[في ت، أ: "ونهاه أن يصلي".]] عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِذَا مَاتَ، وَأَلَّا يَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ أَوْ يَدْعُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُوا عَلَيْهِ. وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ عُرِفَ نِفَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولَ رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا عُبَيد بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ أُبَيٍّ -جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّن فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ". قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ! قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ [رسولُ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من ت، ك، أ، والبخاري.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، آيَةَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٧٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٤) .]]
ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ -الْعُمَرِيُّ -بِهِ وَقَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٧٢) والمسند (٢/١٨) .]]
وَقَدْ رُوي مِنْ حَدِيثِ عمرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَفْسِهِ أَيْضًا بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عمرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. يَقُولُ لَمَّا تُوفي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ تحولتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ] [[زيادة من ت، ك، أ، والمسند.]] أُبَيٍّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا -يُعَدِّد أَيَّامَهُ -قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: "أخِّر عَنِّي يَا عُمَرُ، إِنِّي خُيِّرت فاخترتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٨٠] لَوْ أَعْلَمُ أَنَّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفر لَهُ لَزِدْتُ". قَالَ: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَمَشَى مَعَهُ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فُرغ مِنْهُ -قَالَ: فَعَجَبٌ لِي وَجَرَاءَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٦) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٧) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَير، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيل، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ". فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: "إنِّي خُيِّرت فاخترتُ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَر [[في ك: "لغفر".]] لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا". قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثم انْصَرَفَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الْآيَةَ، فعجبتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأتي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٧١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، أَتَى ابْنُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَأْتِهِ لَمْ نَزَلْ نُعَيَّر بِهَذَا. فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَوَجَدَهُ قَدْ أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ، فَقَالَ: أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلُوهُ! فَأخرجَ مِنْ حُفرته، وتَفَل عَلَيْهِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بِهِ [[المسند (٣/٣٧١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٦٦٥) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينة، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٩٥) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَعَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١٢٧٠، ١٣٥٠، ٣٠٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٣) وسنن النسائي (٤/٣٧، ٣٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، حَدَّثَنَا جَابِرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ الدَّوْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ -قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: بِالْمَدِينَةِ -فَأَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ، فَجَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فقال: إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي قَمِيصِكَ -وَهَذَا الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ -قَالَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَزَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَخَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَمَشَى فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا وَلَّى قَالَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [[ورواه ابن ماجه في السنن برقم (١٥٢٤) من طريق يحيى بن سعيد عن مجالد به نحوه.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا قَبْلَهُ شَاهِدٌ لَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنَا [أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا] [[زيادة من ت، أ، والطبري.]] أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ بِثَوْبِهِ وَقَالَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ [[تفسير الطبري (١٤/٤٠٧) ومسند أبي يعلى (٧/١٤٥) .]] وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "أَهْلَكَكَ حُبُّ يَهُودٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أرسلتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي! ثُمَّ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبيّ لَمَّا قَدِمَ الْعَبَّاسُ طُلب لَهُ قَمِيصٌ، فَلَمْ يُوجَد عَلَى تَفْصِيلِهِ إِلَّا ثَوْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَخْمًا طَوِيلًا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مُكَافَأَةً لَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَيْهِ لَا يُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَلَا يَقُومُ عَلَى قَبْرِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دُعِيَ لِجِنَازَةٍ سَأَلَ عَنْهَا، فَإِنْ أُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَإِنْ أُثْنِيَ عَلَيْهَا غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ لِأَهْلِهَا: "شَأْنُكُمْ بِهَا"، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا [[المسند (٥/٢٩٩) .]]
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةِ مَنْ جُهِل حَالُهُ، حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَعْيَانَ مُنَافِقِينَ قَدْ أَخْبَرَهُ [[في أ: "أعلمه".]] بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ: "صَاحِبُ السِّرِّ" الَّذِي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيد فِي كِتَابِ "الْغَرِيبِ"، فِي حَدِيثِ عُمَر أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَمرَزَه حُذيفة، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصُده عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ "الْمَرْزَ" بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ هُوَ: القَرْص بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.
وَلَمَّا نَهَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ لِلِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، كَانَ هَذَا الصنيعُ مِنْ أَكْبَرِ القُرُبات فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَشَرَعَ ذَلِكَ. وَفِي فِعْلِهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ، لِمَا [[في ت، أ: "كما".]] ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٢٥) ومسلم في صحيحه برقم (٩٤٥) .]]
وَأَمَّا الْقِيَامُ عِنْدَ قَبْرِ الْمُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحير، عَنْ هَانِئٍ -وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْبَرِيُّ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ أَبُو دَاوُدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[سنن أبي داود برقم (٣٢٢١) .]]
قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ [[انظر تفسير الآية: ٥٥ من هذه السورة.]] وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا وَذَامًّا لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ، النَّاكِلِينَ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَوُجُودِ السَّعَةِ والطَّوْل، وَاسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ فِي الْقُعُودِ، وَقَالُوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْعَارِ وَالْقُعُودِ فِي الْبَلَدِ مَعَ النِّسَاءِ، وَهُنَّ الْخَوَالِفُ، بَعْدَ خُرُوجِ الْجَيْشِ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَرْبُ كَانُوا أَجْبَنَ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ أَمْنٌ كَانُوا أَكْثَرَ النَّاسِ كَلَامًا، كَمَا قَالَ [الله] [[زيادة من ت.]] تعالى، عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الْأَحْزَابِ:١٩] أَيْ: عَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْكَلَامِ الْحَادِّ الْقَوِيِّ فِي الْأَمْنِ، وَفِي الْحَرْبِ أَجْبَنُ شَيْءٍ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/٦٥٦) منسوبا إلى هند بنت عتبة، والأعيار: جميع عير وهو الحمار، والعوارك: هن الحوائض.]]
أَفِي السِّلْمِ أَعْيَارًا جفَاءً وَغلْظَةً ... وَفي الحَرْب أشباهُ النّسَاءِ العَوارِكِ [[في أ: "العوازل".]]
وَقَالَ تَعَالَى [[في ت: "الله".]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ] [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، ك، أ.]] [مُحَمَّدٍ:٢٠-٢٢] ﴾ [[زيادة من أ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ [[في ك: "بسببهم".]] نُكُولِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفْهَمُونَ مَا فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ فَيَفْعَلُوهُ، وَلَا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فَيَجْتَنِبُوهُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا وَذَامًّا لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ، النَّاكِلِينَ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَوُجُودِ السَّعَةِ والطَّوْل، وَاسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ فِي الْقُعُودِ، وَقَالُوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْعَارِ وَالْقُعُودِ فِي الْبَلَدِ مَعَ النِّسَاءِ، وَهُنَّ الْخَوَالِفُ، بَعْدَ خُرُوجِ الْجَيْشِ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَرْبُ كَانُوا أَجْبَنَ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ أَمْنٌ كَانُوا أَكْثَرَ النَّاسِ كَلَامًا، كَمَا قَالَ [الله] [[زيادة من ت.]] تعالى، عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الْأَحْزَابِ:١٩] أَيْ: عَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْكَلَامِ الْحَادِّ الْقَوِيِّ فِي الْأَمْنِ، وَفِي الْحَرْبِ أَجْبَنُ شَيْءٍ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/٦٥٦) منسوبا إلى هند بنت عتبة، والأعيار: جميع عير وهو الحمار، والعوارك: هن الحوائض.]]
أَفِي السِّلْمِ أَعْيَارًا جفَاءً وَغلْظَةً ... وَفي الحَرْب أشباهُ النّسَاءِ العَوارِكِ [[في أ: "العوازل".]]
وَقَالَ تَعَالَى [[في ت: "الله".]] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ] [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، ك، أ.]] [مُحَمَّدٍ:٢٠-٢٢] ﴾ [[زيادة من أ.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ [[في ك: "بسببهم".]] نُكُولِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفْهَمُونَ مَا فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ فَيَفْعَلُوهُ، وَلَا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فَيَجْتَنِبُوهُ.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُنَافِقِينَ، بيَّن ثَنَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ مِنْ بَيَانِ حَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فِي جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُنَافِقِينَ، بيَّن ثَنَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ مِنْ بَيَانِ حَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فِي جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى.
ثُمَّ بَيَّن تَعَالَى حَالَ ذَوِي الْأَعْذَارِ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، الَّذِينَ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيُبَيِّنُونَ لَهُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ، وَهُمْ من أحياء العرب ممن حول المدينة.
قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "وَجَاءَ المُعْذَرُون" بِالتَّخْفِيفِ، وَيَقُولُ: هُمْ أَهْلُ الْعُذْرِ.
وَكَذَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيد، عَنْ مُجَاهِدٍ سَوَاءً.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ نَفَر مِنْ بَنِي غِفَارٍ مِنْهُمْ: خُفاف بْنُ إِيمَاءَ بْنِ رَحَضة.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: لَمْ يَأْتُوا فَيَعْتَذِرُوا.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ﴾ قَالَ: نَفَرٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، جَاءُوا فَاعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعذرْهم اللَّهُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ [[في أ: "أولى".]] واللَّهُ أَعْلَمُ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: وَقَعَدَ آخَرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ عَنِ الْمَجِيءِ لِلِاعْتِذَارِ، ثُمَّ أَوْعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَقَالَ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾