John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ما خص الله تعالى به مكة

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 36 of 130

هذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، وذلك أن الله عز وجل يقول حاكيا عن خليله، صلى الله عليه وسلم: «فأجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون» ، وقال عز وجل: «أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء»

. فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوي اليها من الاصقاع النائية والاقطار الشاحطة. فالطريق اليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة. والثمرات تجبى اليها من كل مكان، فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.

ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد، فضلا عما يتبعه، من الذخائر النفيسة كالجواهر، والياقوت، وسائر الأحجار، ومن انواع الطيب: كالمسك، والكافور، والعنبر والعود؛ والعقاقير الهندية، إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة، الى الامتعة العراقية واليمانية، الى غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع

المغربية، الى مالا ينحصر ولا ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها من طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر الا وهي موجودة فيها مدة الموسم.

فهذه بركة لا خفاء بها وآية من آياتها التي خصها الله بها.

وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الاندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه: كالتين، والعنب، والرمان، والسفرجل، والخوخ، والاترج، والجوز، والمقل، والبطيخ، والقثاء، والخيار، الى جميع البقول كلها: كالباذنجان، واليقطين، والسلجم، والجزر، والكرنب، الى سائرها، الى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة. وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام، وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره. ولكل نوع من هذه الانواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد، فالعجب من ذلك يطول.

ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل، وكل فواكهها عجب، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها، يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت اليك، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك اياه، حتى اذا ذقته خيل اليك أنه شيب بسكر مذاب أو يحنى النحل اللباب، ولعل متصفح هذه الاحرف يظن أن في الوصف بعض غلو، كلا لعمر الله! انه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت، وبها عسل أطيب من الماذي المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي.

وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة. ويجلب اليها قوم من اليمن يعرفون بالسرو

نوعا من الزبيب الأسود والاحمر في نهاية الطيب، ويجلبون معه من اللوز كثيرا.

وبها قصب السكر أيضا كثير، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثير مجلوب وسائر النعم والطيبات من الرزق، والحمد لله.

وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، انهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة. وفي الاشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد اكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الازاهر حسنا، فتقيد الأبصار وتستنزل الدرهم والدينار.

وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا.

وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما ولعافته وتجنبته.

والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك الا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، بعزته وقدرته.

وهذه الفواكه تجلب اليها من الطائف، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها، على الرفق والتؤدة، ومن قرى حولها. وأقرب هذه المواضع يعرف بأدم، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا، وهو من بطن الطائف، ويحتوي على قرى كثيرة، ومن بطن مر، وهو على مسيرة يوم أو أقل؛ ومن نخلة، وهي على مثل

هذه المسافة؛ ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها، قد جلب الله اليها من المغاربة ذوي البصارة بالفلاحة والزراعة فأحدثوا فيها بساتين ومزارع، فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات، وذلك بفضل الله، عز وجل، وكريم اعتنائه بحرمه الكريم، وبلده الأمين.

ومن أغرب ما الفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث باستطابته، ولا سيما لكوننا لم نعهده، الرطب، وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى ويؤكل، وهو في نهاية من الطيب واللذاذة، لا يسأم التفكه به، وابانه عندهم عظيم، يخرج الناس اليه كخروجهم الى الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلال والظروف ويرفع.

ومن صنع الله الجميل وفضله العميم علينا أنا وصلنا الى هذه البلدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرابة المتلصصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين الا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافة غريبة، فما منهم الا أحذ يد القميص، فكفى الله في هذا العام شرهم الا القليل، وأظهر أمير البلد التشديد عليهم فتوقف شرهم، وبطيب هوائها في هذا العام، وفتور حمارة قيظها المعهود فيها، وانكسار حدة سمومها. وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه الى دثار يقينا منه. وذلك أمر مستغرب بمكة.

وكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام، ولين سعرها، وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة أربعة اصواع بدينار مؤمني، وهي أوبتان من كيل مصر وجهاتها، والأوبتان قدحان ونصف قدح من الكيل المغربي. وهذا السعر في بلد لا ضيعة فيه ولا قوام معيشة لأهله الا بالميرة المجلوبة

اليه سعر لا خفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس اليها وترادفهم عليها. فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط، ولا سمع بمثله فيها. والله يجعله جمعا مرحوما معصوما بمنه.

وما زال الناس فيها يسلسلون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما سلف من السنين، حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها.

وهذا الماء المبارك في أمره عجب، وذلك أنك تشربه عند خروجه من قرارته، فتجده في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا، وتلك فيه من الله تعالى آية وعناية، وبركته أشهر من أن تحتاج لوصف واصف، وهو لما شرب له كما قال، صلى الله عليه وسلم، أروى الله منه كل ظامىء اليه، بعزته وكرمه.

ومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء اما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية الى تعب البدن، فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجد الراحة والنشاط لحينه ويذهب عنه ما كان أصابه.

شهر جمادى الآخرة

استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الحادي والعشرون من شهر شتنبر العجمي، ونحن بالحرم المقدس، زاده الله تعظيما وتشريفا. وفي صبيحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر باتباعه وأشياعه، على العادة السالفة المذكورة في الشهر الأول، وعلى ذلك الرسم بعينه، والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم، يرفع عقيرته بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير، والقراء أمامه، الى أن فرغ من طوافه، وأخذ في طريق انصرافه.

ولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة، عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون ويهنئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم لبعض، كفعلهم في الأعياد؛ هكذا دائما. وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس، تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله، عز وجل، بمصافحة المؤمنين بعضهم بعضا وبركة ما يتهادونه من الدعاء. والجماعة رحمة، ودعاؤهم من الله بمكان.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com