John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

جمال الدين وآثاره السنية

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 37 of 130

ولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي، أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم؛ والثاني، وهو الاكبر، ينسب لجمال الدين، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين، له، رحمه الله، بمكة والمدينة، شرفهما الله، من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة ما لم يسبقه أحد اليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء.

وكان، رحمه الله، وزير صاحب الموصل، تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تعالى وحرم رسوله، صلى الله عليه وسلم، أكثر من خمس عشرة سنة، ولم يزل فيها باذلا أموالا لا تحصى في بناء رباع بمكة مسبلة في طرق الخير والبر، مؤبدة، محبسة، واختطاط صهاريج للماء، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر، الى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.

وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء الى عرفات وقاطع عليه العرب بني شعبة، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء، بوظيفة من المال كبيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج، فلما توفي الرجل، رحمة الله عليه، عادوا الى عادتهم الذميمة من قطعه.

ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم

تحت سورين عتيقين أنفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة. ومن أعجب ما وفقه الله تعالى اليه أنه جدد ابواب الحرم كلها.

وجدد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة، وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه، وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب ابريز، وقد تقدم ذكره أيضا. فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه، فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج به ميتا. فسيق الى عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت، فلما افاض الناس افيض به وقضيت له المناسك كلها وطيف به طواف الافاضة، وكان الرجل، رحمه الله، لم يحج في حياته. ثم حمل الى مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم. وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة، وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة، ودفن في تلك الروضة، وأسعده الله بالجوار الكريم، وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم، والله لا يضيع أجر المحسنين، وسنذكر تاريخ وفاته اذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، ان شاء الله عز وجل، وهو ولي التيسير، لا رب غيره.

ولهذا الرجل، رحمه الله، من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه اليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق الى الشام الى الحجاز، حسبما نذكره، واستنبط المياه، وبنى الجباب، واختط المنازل في المفازات، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين، وابتنى بالمدن المتصلة من العراق الى الشام فنادق عينها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية، وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم،

وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها الى الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق، وملئت ثناء عليه الآفاق.

وكان مدة حياته بالموصل، على ما اخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو اليها كل يوم الجفلى من الغرباء فيعمهم شبعا وريا، ويرد الصادر والوارد من ابناء السبيل في ظله عيشا هنيئا، لم يزل على ذلك مدة حياته، رحمه الله. فبقيت آثاره مخلدة، واخباره بألسنة الذكر مجددة، وقضى حميدا سعيدا، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية، ومدة من العمر ثانية، والله الكفيل بجزاء المحسنين الى عباده، فهو أكرم الكرماء، وأكفل الكفلاء.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com