Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
الأمور المحظورة في الحرام
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 38 of 130
ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف، زاده الله تعظيما وتكريما، أن النفقة فيه ممنوعة، لا يجد المتاجر من ذوي اليسار اليها سبيلا في تجديد بناء أو اقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك. ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة حيطانه عسجدا وترابه عنبرا، لكنهم لا يجدون السبيل الى ذلك، فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا الى تجديد أثر من آثاره او اقامة رسم كريم من رسومه أخذ اذن الخليفة في ذلك. فإن كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولي لذلك. ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه. فتضاعف المؤونة على صاحبه وحينئذ يصل الى غرضه من ذلك.
ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم، ذوي الملك والثراء، أنه وصل الى الحرم الكريم، مدة جد هذا الأمير مكثر، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها
على صفة لم يرضها. فاجتمع بالأمير، وقال: أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة، وأنفق من صميم مالي، ولك علي في ذلك شرط ابلغ بالتزامه لك الغرض المقصود، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك، فاذا استوفى البناء التمام، وانتهت النفقة منتهاها، وتحصلت محصاة، بذلت لك مثلها جزاء على اباحتك لي ذلك.
فاهتز الأمير طمعا، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي الى آلاف من الدنانير، على الصفة التي وصفها له، فأباح له ذلك، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره.
وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود، فعل من يقصد بفعله ذات الله عز وجل ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره بالتقييد، والأمير يتطلع الى ما لديه، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه، الى ان فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته، فلما لم يبق الا ان يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها، خلا منه المكان، واصبح في خبر كان، وركب الليل جملا، وأصبح الأمير يقلب كفيه، ويضرب اصدريه، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تعالى حادثا يحيله، أو نقضا يزيله، وفاز الرجل بثوابه، وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين»
وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.
شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي، واما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد.
وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسيم المعظمة وهو اكبر أعيادهم، ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك الى الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الاسنة. وهو أحد الاشهر الحرم، وكانوا يحرمون القتال فيه، وهو شهر الله الأصم، كما جاء في الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.